Полный текст (516 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الثمن من السجلّات من جميع ما بأيديهم من المحلول والمعقود، وبأمشير يؤخذ الناس فيه بإتمام ربع الخراج من السجلّات، وببرمهات يطلب الناس فيه بالربع الثانى والثمن من الخراج ويزرع قصب السكّر وما يشبهه، وببرموده تقع المساحة على أهل الأعمال ويطالب الناس بإغلاق نصف الخراج عن سجلّاتهم ويحصد بذرىّ الزرع، وببشنس تقرّر المساحة ويطالب الناس بما يضاف الى المساحة من أبواب وجوه المال كالصرف والجهبذة وحقّ المراعى والقرط والكتّان على رسوم كلّ ناحية ويستخرج فيه إتمام الربع ممّا تقرّرت عليه العقود والمساحة ويطلق الحصاد لجميع الناس، وبونه «٩» يستخرج فيه بتمام نصف الخراج ممّا بقى ولم يوزن بعد المساحة، وبابيب يستتمّ فيه ثلثة أرباع الخراج وهو أصل زيادة ماء النيل ويكون ضعيفا وفيه يزرع الأرزّ بالفيّوم ويحصد فى هاتور وكيهك، ومسرى يغلق فيه الخراج وفيه جمهور زيادة ماء النيل وفى ذين المشهّرين تتأخّر البقايا على دقّ الكتّان لأنّه يسلّ فى توت ويدقّ فى بابه، وإذا أطلق ماء النيل شرب منه من يمشارق الفرما من ناحية جرجير وفاقوس من خليج تنّيس ومغائضه وشرب من «١٥» خليج الإسكندريّة وما يفيض منه [من] بناحية النقيديّة وارسنيس وزرع عليه أهل الباطن وأهل البحيرة فى فجاج وأودية فيكون ذلك لماصلة قبيل من زناتة ورمجانة وبنى بزال «١٧» وقبائل البربر واستوفى منهم الخراج، وبين المكانين مسيرة شهر عمران فى محلول ومعقود وليس كهذه الحال تجرى أحوال الخراجات بسائر أصقاع الأرض لأنّ النيل إنّما يأتيهم إذا حصلت الشمس فى الجوزاء والسرطان بإمطار بلد السودان فى بلد الجنوب على مسافة شهور من أرض مصر وأكثر ما يصل أهل مصر بعضهم الى بعض عند زيادة النيل فى المراكب لأنّ الماء يحجب بإحاطته أكثر مدنها وضياعها ويستولى عليها فى جميع أراضيها فطرقات بعضهم الى بعض فى الماء بالمراكب،
стр. 142
(٥) وللفسطاط طريق على الظهر فى البرّ الى الإسكندريّة من جانب الصحراء وقد ذكرته فى صفة المغرب ومراحله على ذات الساحل الى ترنوط، ولها طريق آخر إذا نضب الماء يأخذ بين المدائن والضياع وينزل فى كرائم المدن وذلك إذا أخذت من شطنوف الى سبك العبيد فهو منزل «٥» فيه منبر لطيف وبينهما اثنا عشر سقسا «٦» ومن سبك العبيد الى مدينة منوف وهى كبيرة فيها حمّامات وأسواق وبها قوم تنّاء وفيهم يسار ووجوه من الناس منهم جابر المنوفىّ لا رضى الله عنه ولها إقليم عظيم وعمل يليه عامل جسيم وبينهما ستّة عشر سقسا، ومن منوف الى محلّة صرد منبر فيه [حمّام] «٩» وفنادق [٤١ ب] وسوق صالح ستّه عشر سقسا، ومن محلّة صرد الى صخا مدينة كبيرة ذات حمّامات وأسواق وعمل واسع وإقليم جليل له عامل بعسكر وجند وكثرة أصحاب وله غلّات وبه الكتّان الكثير وزيت الفجل الى قموح عظيمة ستّة عشر سقسا، ومن صخا الى شبرلمنه «١٤» مدينة كبيرة بها جامع وأسواق صالحة ستّة عشر سقسا، ومن شبر لمنه الى مسير مدينة لها جامع وأسواق كثيرة القمح وفنون الغلّات وبها عامل عليها للماء وقسمته ستّة عشر سقسا، ومن مسير الى سنهور مدينة ذات إقليم كبير ولها حمّامات وأسواق وعامل كبير فى نفسه وكانت بها من النعم للكتّاب والدهاقين فى ضروب الكتّان والقموح وقصب السكّر وغير ذلك ما بلغنى أنّه قد تناقصت وقتنا هذا حالها فيما ذكرته وأذكره من سائر مدنها ستّة عشر سقسا، ومن سنهور الى البجوم إقليم مدينته باسمه عظيمة بها عامل عليها وعسكر [وجامع] «٢٠» وحمّامات وفنادق وأسواق واسعة ستّة عشر سقسا، ومن البجوم الى نستراوه «٢١» مدينة كانت حسنة وهى على بحيرة البشمور ويحيط بها المياه كثيرة الصيود من السموك وعليها
стр. 143
قبالة كبيرة للسلطان وكان بها قوم مياسير ويوصل «١» اليها بالمعدّيات إذا زاد الماء وإذا نضب وصل اليها بالجسور عشرون سقسا، ومن نستراوه «٢» الى البرلّس مدينة كثيرة الصيد أيضا من هذه البحيرة وبها حمّامات وهى مدينة جميلة الأمر عشر سقسات، ومن البرلّس الى اجنا حصن على شطّ البحر المالح فيه منبر وخلق كثير وأسواق ورجال وصيّادون للصير «٥» به حمّام عشر سقسات، ومن اجنا الى رشيد مدينة على النيل قريبة من مصبّ فوّهته الى البحر ويعرف هذه الفوّهة وهى المدخل من البحر بالاشتوم ثلثون سقسا وكانت بها أسواق صالحة وحمّام ولها نخيل كثيرة وارتفاع واسع وضريبة على ما يحمل من الإسكندريّة ويحمل اليها من متاع البحر الى سائر أسباب التجارة، وهذا الطريق الآخذ من شطنوف الى «١٠» رشيد ربّما امتنع سلوكه عند زيادة النيل لغلبة الماء وكثرته على وجه الأرض فربّما أخذ «١٢» بعض الطريق «١٣» على الظهر وبعضه فى المراكب والماء وربّما سلك من جهة البرّ على ما قدّمت ذكره ووصفه فيما ابتدأت به فى صفة طريق المغرب من الفسطاط، (٦) وقد ذكرت أنّ الماء الآخذ من شطنوف مغرّبا عن الماء الآخذ الى دمياط وتنّيس يشرع الى ضيعة تعرف بالجريسيّات وهى مع شطنوف فى برّ واحد ذات منبر وبها سوق صالح وبينهما ستّة سقسات، ومن الجريسيّات الى أبى يحنس قرية ينفصل من دونها الماء فى خليجين آخرين أيضا عشر سقسات، فيجرى أحدهما مغرّبا الى الإسكندريّة ويشرع على ترنوط وهى جانبان متحاذيان على الخليج وبها منبر فى الجانب البحرىّ منها وبيع كثيرة وفسيسون «٢١» ورهبان وأسواق عامرة وحمّام ولها عامل بعسكر ذى عدّة وغلّات واسعة وبينهما عشر سقسات، [٤٢ ظ] ويشرع
стр. 144
أيضا هذا الماء على بستامه «١» ضيعة عظيمة ذات منبر وأسواق كثيرة وبادية تزيد على ألفى رجل وغلّاتهم واسعة وبينهما اثنا عشر سقسا، ثمّ يمضى الماء منها الى شابور مدينة كثيرة العبيد والمقاتلة واسعة الغلّات فيها حمّام وعامل تحته خيل للحماية ستّة عشر سقسا، ومنها الى محلّة نقيده وهى ضيعة كبيرة عامرة بها منبر وعامل عليها ولها حمّام وناحية كبيرة وغلّات غزيرة وضياع برسمها وفى ضمنها [جليلة ستّة عشر سقسا، ومن محلّة نقيده الى دنشال بلد عامر فيه جامع وحمّام وكروم كثيرة وبرسمه ضياع جليلة] «٧» وعمل مضاف اليها ستّة عشر سقسا، ومن دنشال الى قرطسا وهو بلد كبير فيه حمّام ومنبر وبرسمه ناحية وضياع وافرة غزيرة فوق ما تقدّم ذكره ممّا بالمدن المضافة اليها الكور والضياع وبقرطسا كروم وفواكه غزيرة عظيمة ويجلب منها «١١» ستّة عشر سقسا، ومن قرطسا الى شبرو ابو مينا ضيعة كبيرة بها جامع وخلق كثير وبادية ومزارع وغلّات واسعة اثنا عشر سقسا، ومن شبرو ابو مينا الى قرنفيل ضيعة بها جامع وعمارة آهلة غنّاء اثنا عشر سقسا، ولها وبرسمها ضياع تعرف بالجابريّة تدخل فى صفقتها، ومن قرنفيل الى برسيق «١٥» ضيعة بها منبر وبيع وأسواق ولها كورة كبيرة اثنا عشر سقسا، ومن برسيق الى الكريون مدينة كبيرة حسنة فيها جامع وحمّام وفنادق وكروم تجلب أعنابها الى الأماكن وبرسمها كورة ذات ضياع وهى جانبان على خليج الإسكندريّة ومنها تركب التجّار فى الصيف عند زيادة النيل الى مصر ولها عامل عليها ومعه خيل ورجل ستّة عشر سقسا، ومن الكريون الى قرية الصير منهل فيه صيّادون للصير ثمنية سقسات، ومن قرية الصير الى الإسكندرية ثمنية سقسات وهذه مسافات على خليج الإسكندريّة، (٧) وأمّا الشعبة الخارجة تجاه ترنوط مشرّقة فتشرع «٢٣» الى شبروالاو «٢٤»
стр. 145
وهى «١» ضيعة ذات ثلث حارات كبار كثيرة الأهل غزيرة السكّان بها حمّام وجامع وقاض وعامل ولها كورة جليلة واسعة ومن أبى يحنس اليها ستّة سقسات، ومن شبروالاو الى منوف مدينة كبيرة عظيمة واسعة الغلّات والخيرات والكتّان وبها وال عليها وبها حاكم وحمّامات وجامع وأسواق كثيرة حسنة وكور عدّة برسمها واسعة ستّة عشر سقسا، ومن منوف الى طنتتا «٦» ضيعة جليلة حسنة عظيمة الأهل بها جامع وحمّام ولها ضياع برسمها وعامل ذو عدّة وعتاد وفيها أسواق وجامع لطيف ولها موعد لسوق يقف بها فى كلّ جمعة أربعة عشر سقسا، ومن طنتتا «٨» الى فيشة بنى سليم ضيعة فيها حمّام وسوق وجامع وكورة مضافة اليها اثنا عشر سقسا، ومن فيشة بنى سليم الى البنداريّة ضيعة فيها جامع وأسواق وبرسمها ضياع ولها عامل وفيها حمّام طيّب عشرة سقسات، ومن البنداريّة الى محلّة المحروم مدينة بها سلطان وشحنة لها وقاض [وخيل ورجل] «١٢» وجامع وحمّام وأسواق [٤٢ ب] عشرة سقسات، ومن محلّة المحروم الى قليب العمال وهى من الجانب الغربىّ عن الخليج مدينة فيها جامع وحمّام ولها كورة ذات ضياع وأسواق وبها حاكم وبها سلطان عشرة سقسات، ومن قليب العمال الى ببيج مدينة كبيرة فيها جامع وبيع كثيرة عامرة ودهاقين تجتبى جماجمهم وبها جامع وحاكم وسلطان وبرسمها ضياع كثيرة غزيرة عشرة سقسات، وبين ببيج ومحلّة ببيج الخليج الآخذ من بين شابور ومحلّة نقيده «١٩» وهما جانبان أيضا وينفصل هذا الخليج أيضا قطعتين فيشرع إحداهنّ الى فرنوه مغرّبة من ناحية ببيج ومحلّة ببيج والأخرى مشرّقة الى صا وصا هذه مدينة فيها جامع وبيع كثيرة وحاكم وسلطان وأسواق وحمّام وبها العين المعروفة بعين موسى ﵇ ويقال أنّه سجن بها ستّة سقسات، ومن صا «٢٣» الى ديّاى ضيعة كبيرة فيها جامع وبرسمها كورة «٢٤» ذات
стр. 146
ضياع وعامل وحاكم وبيع وأحوالها متقاربة فى الزجاء عشرة سقسات، ومن ديّاى الى الصافية ضيعة كبيرة كثيرة قصب السكّر وبها غير معصرة للسكّر وبها جامع وبيع وحاكم وعامل وأسواق حسنة عشرة سقسات، ومن الصافية الى دمى جمول ضيعة كبيرة أيضا كثيرة قصب السكّر والمعاصر «٤» وعمل السكّر بها والقند ولها منبر وسوق وحاكم ستّة سقسات، ومن دمى جمول الى سنديون ضيعة آهلة واسعة الغلّات وبها جامع وبيع وسوق وحاكم ثمنية سقسات أو تزيد قليلا، ومن سنديون الى بلهيب ستّة سقسات، وأمّا الشعبة الآخذة من ببيج ومحلّة ببيج الى فرنوه فإنّ فرنوه منها على نحر الماء وفى غربيّه وهى مدينة كثيرة البادية وهى الغالبة «٩» عليها وبها جامع وسلطان وحاكم وبيع عداد وأسواق لا بأس بها وبينهما اثنا عشر سقسا، ومن فرنوه الى محلّة مسروق مدينة لها كورة عظيمة فيها الموز الحسن الكثير والفواكه الواسعة وتجلب فواكهها الى الفسطاط وبها حمّام وجامع وبيع وحاكم وصاحب معونة خمسة عشر سقسا، ومن محلّة مسروق الى محلّة أبى خراشة مدينة كثيرة الأسواق وبها جامع وحمّام وحاكم وصاحب معونة فى عسكر صالح ولها كورة ذات غلّات كثيرة ستّة سقسات ومن محلّة أبى خراشة الى فيشة ضيعة فيها منبر ولها بادية لا بأس بها اثنا عشر سقسا، ومنها الى سندبيس ضيعة فسيحة كثيرة الدهاقين والبيع والخنازير صالحة الارتفاع خمسة عشر سقسا، ومن سندبيس الى سنباذة ضيعة تشاكل سندبيس خمسة عشر سقسا، ومنها الى بلهيب نحو عشرة سقسات، ويجتمع ببلهيب الخليجان المتشعّبان من ببيج أحدهما آخذا على فرنوه والآخر على صا «٢١» قدّام بلهيب وهى مدينة كبيرة بها جامع [٤٣ ظ] وهى على ساحل الإسكندريّة «٢٢» فى الربيع وبها حاكم وصاحب
стр. 147
معونة وجامع وأسواق ولا حمّام بها وجميع ما على شطّى النيل من بلهيب «١» الى رشيد ضياع لا منابر فيها ويطول ذكرهما، (٨) ولمصر وأعمالها غير كتاب مؤلّف مستوفى بصفات ضياعها وجباياتها وخواصّها وقد تغيّرت مذ وقت دخل المغاربة أرضها ورزحت من جميع أسبابها وبقيت منها رسوم وبقايا دمن خالية تشهد بما سلف فيها من الأمور الرفيعة العالية، فلذلك حرّرت أوصافها ولم أستقص حالها، (٩) وأمّا الشعبة الآخذة من شطنوف مشرّقة الى دمياط وتنّيس فقد ذكرت بين أشكال مدنها مسافاتها ويستغنى بذلك عن إعادة لفظ فيه وتكرير قول منه ولو أمكن مثل ذلك فى جميع هذه الخلجان لكان أجمل وأحسن ولمّا تعذّر ولم يمكن فيه إعادة ذكره بالكلّيّة اقتصرت على المشهور المعروف حسب ما توخّيته من ذكر سواد كلّ بلد وريف كلّ ناحية ووصفها جملة غير مفصّلة بعد تصوير مدنها وبقاعها وطرقها موصّلة ومفصّلة إذ كان ذلك القصد والبغية، ولمّا كان العلم بكلّيّته بإزاء قوى أبناء «١٤» البشر بكلّيّتهم فلن يبلغ الإنسان الواحد منه بجزئيّة إلّا قدر ما اقتضته سعادته، (١٠) فأمّا ما يحيط بجميع مصر من الحدّ المشتمل عليها فقد تقدّم ذكره فى غير مكان «١٧» ومن القلزم الى أن تعطف على التيه بساحل البحر ستّ مراحل ومن حدّ التيه الى أن تتّصل ببحر الروم نحو ثمانى مراحل ويمتدّ الحدّ على البحر الى أوّل الحدّ الذي ذكرته نحو اثنتى عشرة مرحلة، (١١) ومن الرملة الى مدينة الفسطاط إحدى عشرة مرحلة فمن ذلك
стр. 148
أن تخرج من الرملة الى ابنى «١» مدينة نصف مرحلة ومنها الى يزدود مدينة أيضا قصدة تمام مرحلة ومن يزدود الى غزّة مدينة حسنة كثيرة الخير ولها ربض مرحلة ومنها الى رفح مدينة صالحة وجامع حسن مرحلة، ومن رفح الى العريش مدينة ذات جامعين مفترقة المبانى والغالب عليها الرمل وهى قريبة من الساحل ولها فواكه وثمار حسنة مرحلة، وذكر عبد الله بن عبد الحكم الفقيه صاحب الكتب المؤلّفة أنّ الجفار بأجمعه كان أيّام مصعب بن الوليد فرعون موسى فى غاية العمارة بالمياه والقرى والسكّان وأنّ قول الله تعالى ودمّرنا «٨» ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون «٩» [عن هذه المواضع] وأنّ العمارة كانت متّصلة منه الى «١٠» اليمن قال ولذلك سمّيت العريش عريشا، ومن العريش [الى] الورّادة منزل قريب الحال مرحلة، ومن الورّادة الى البقّارة قرية مرحلة، ومن البقّارة الى الفرما مدينة صالحة على نحر بحر الروم كثيرة النخيل والرطب والسمك غير طيّبة الماء يردها التجّار فى البرّ والبحر ليلا ونهارا [٤٣ ب] من الفسطاط والشأم لأنّها على الطريق مرحلة وسابلتها «١٤» غير منقطعين، ومن الفرما الى جرجير مرحلة وهى مدينة، ومن جرجير الى فاقوس مدينة صالحة أيضا مرحلة وربّما لم يمكن السائر الى جرجير السير من فاقوس فسار من الفرما «١٧» الى الهامة الى بلبيس وبلبيس مدينة أيضا مرحلة، ومنها الى الفسطاط مرحلة، (١٢) وطول أرض مصر من اسوان الى بحر الروم نحو عشرين «١٩» مرحلة فمن ذلك أنّ من اسوان الى اتفوا «٢٠» أربعة أبرد ونصف ومن اتفوا الى اسنى بريدان ومن اسنى الى ارمنت بريدان ومن ارمنت الى قوص بريد،
стр. 149
ونصف ومن قوص الى البلينا «١» أربعة أبرد ونصف ومن البلينا الى اخميم بريد ونصف ومن اخميم الى قاو بريدان [ومن قاو الى اسيوط بريد ومن اسيوط الى منسارة بريدان] «٣» ومن منسارة الى الاشمونين بريدان وهى تجاه انصنى، ومن الاشمونين الى طحا «٤» بريدان فى الحاجر، ومن طحا الى مصر عشرة أبرد [ثمّ تركب فى السفينة الى أىّ موضع وبلدة تريد فإنّ طرقاتهم فى الماء بالمراكب] ، «٦» (١٣) وعلى النيل مضيقان بين جبلين قد قطع كلّ واحد منهما ليستمرّ الماء فى طريقه أحدهما بين اسنى وارمنت لصيق «٨» القرية المدعوّة قرية القسّ وقد خربت والمضيق الثانى يعرف بالحنس على ثلثة أبرد من اسوان الى أسفل منها وبينه وبين اتفوا بريد ونصف، وبالنيل موضعان يعرفان بالجنادل أحدهما فوق اسوان بثلثة أميال فى حدّ الإسلام وهو جبل قطع أيضا لطريق الماء وترك ما قطع منه على غاية الوعورة فالماء يتسرّب فيه بين أحجار عظام لا تقدر المراكب أن تسير فيه لوعورته وإذا جاءته حملت فى البرّ متاعها الى أن تلحق بمسيل الماء المستقيم ومقداره رميتا سهم وبينه وبين آخر حدّ الإسلام ثلثة أميال وكأنّه ترك ردءا لمن قصد بلد العدوّ أو ردءا لمن أراد مصر من ناحية العدوّ، والجنادل الثانى بالقرب من دنقله ويسمع صوت الماء وجريه فيها ليلا ونهارا على أميال كثيرة، (١٤) ومن صفات مدنها وبقاعها أنّ مدينتها العظمى تسمّى الفسطاط وهى على شمال النيل لأنّه يجرى فى نحوها بين المشرق والجنوب «٢٠» وهى مدينة
стр. 150
حسنة ينقسم لديها النيل قسمين فيعدى من الفسطاط الى عدوة أولى فيها أبنية حسنة ومساكن جليلة تعرف بالجزيرة ويعبر اليها بجسر فيه نحو ثلثين سفينة ويعبر من هذه الجزيرة على جسر آخر الى القسم الثانى كالجسر الأوّل الى أبنية جليلة ومساكن على الشطّ الثالث تعرف بالجيزة، والفسطاط مدينة كبيرة نحو ثلث بغداذ ومقدارها نحو فرسخ على غاية العمارة والخصب والطيبة واللذّة ذات رحاب فى محالّها وأسواق عظام ومتاجر فخام وممالك جسام الى ظاهر أنيق وهواء رقيق وبساتين نضرة ومتنزّهات على مرّ الأيّام خضرة، وبالفسطاط قبائل وخطط للعرب تنسب اليها محالّهم كالكوفة والبصرة إلّا أنّها أقلّ من ذلك فى وقتنا هذا وقد باد أكثرها بظاهر المعافر وهى سبخة الأرض غير نقيّة التربة، والدار تكون بها طبقات سبعا وستّا وخمس طبقات وربّما سكن فى الدار المأئتان من الناس، وبالفسطاط دار [٤٤ ظ] تعرف بدار عبد العزيز بن مروان وكان يسكنها ويصبّ فيها لمن فيها فى كلّ يوم عهدنا هذا أربع مائة راوية ماء وفيها خمسة مساجد وحمّامان وغير فرن لخبز عجين أهلها، ومعظم بنيانهم بالطوب وأكثر سفل دورهم غير مسكون، وبها مسجدان لصلاة الجمعة بنى أحدهما عمرو بن العاص فى وسط الأسواق والآخر بأعلى الموقف بناه أبو العبّاس أحمد بن طولون، وكان خارج مصر أبنية بناها أحمد بن طولون مساحتها ميل فى مثله يسكنها جنده تعرف بالقطائع كبناء بنى الأغلب خارج القيروان لرقّادة «١٩» وقد خربا جميعا فى وقتنا هذا ورقّادة «٢٠» أشدّ تماسكا وصلاحا، وقد «٢١» استحدثت المغاربة بظاهر مصر مدينة سمّتها القاهرة استحدثها جوهر صاحب أهل المغرب عند دخوله الى مصر لجيشه وشمله وحاشيته وقد ضمّت من المحالّ والأسواق وحوت من أسباب القنية
стр. 151
والارتفاق بالحمّامات والفنادق الى قصور مشيدة ونعم عتيدة وقد أحدق بها سور منيع رفيع يزيد على ثلثة أضعاف ما بنى بها وهى خالية كأنّها تركت محالّا للسائمة عند حصول خوف، وبها ديوان مصر ومسجد جامع حسن نظيف غزير القوّام والمؤذّنين وقد ابتنت بعض نساء أهل المغرب جامعا آخر بالقرافة «٥» موضع بظاهر مصر كان مساكن لقبائل اليمن ومن اختطّ بها هناك قديما عند فتحها وهو من الجوامع الفسيحة الفضاء الرائعة البناء أنيق السقوف يهىّ المنظر، وبالجزيرة والجيزة أيضا جامعان آخران دون جامع القرافة فى نبله وحسنه، (١٥) وبمصر نخيل كثيرة وبساتين وأجنّة صالحة وتمتدّ زروعهم بماء النيل من حدّ اسوان الى حدّ الإسكندريّة والباطن ويقيم الماء فى أرضهم بالريف والحوف منذ امتداد الحرّ الى الخريف «١١» وينضب على ما قدّمت ذكره فيزرع ولا يحتاج الى سقى ولا مطر من بعد ذلك، وأرض مصر لا تمطر ولا تثلج، وليس بأرض مصر مدينة يجرى فيها الماء من غير حاجة الى زيادة النيل إلّا الفيّوم والفيّوم اسم الإقليم وبالفيّوم مدينة وسطة ذات جانبين تعرف بالفيّوم ويقال أنّ يوسف النّبيّ ﵇ اتّخذ لهم مجرى وزنه ليدوم لهم دخول الماء فيه وقوّمه بالحجارة المنضّدة وسمّاه اللاهون «١٧» ، (١٦) وماء النيل فلا يعلم أحد مبتدأه وذلك أنّه يخرج من مفاوز وراء أرض الزنج لا تسلك حتّى ينتهى الى حدّ الزنج ويقطع فى مفاوز النوبة وعماراتهم فيجرى لهم فى عمارات متّصلة الى أن يقع فى أرض مصر، [قال «٢١» كاتب هذه الأحرف زعم مؤلّف الكتاب أنّ النيل لا يعلم أحد مبتدأه وأنّه
стр. 152
يخرج من مفاوز وراء بلاد الزنخ وقد رأيت فى رسالة جغرافيا أنّ مبدأ النيل بطيحتان مدوّرتان يصبّ الى كلّ واحدة خمسة أنهار من جبل القمر ويخرج من هاتين البطيحتين من كلّ واحدة أربعة أنهار الى بطيحة مدوّرة فى الإقليم الأوّل قطرها جزآن ومركزها عند طول نج «٤» والعرض من الإقليم الأوّل ب «٥» لآ ثمّ يخرج من هذه البطيحة نهر هو نيل مصر ويصبّ اليه نهر يجرى من عين يخرج من خطّ الاستواء عند طول نط لآ ويأتى الى قرب من بلد النوبة فينقسم قسمين يصبّ أحدهما الى النيل عند طول نج «٦» لآ والعرض عند يو لآ «٧» فى الإقليم الأوّل والثانى «٨» مصبّه فى الإقليم الثانى عند طول نج «٩» لآ وعرض يح لآ ثمّ يمتدّ ولا يزال ينعطف انعطافات كثيرة ليس هذا موضع شرحها حتّى يأتى الى اسوان ثمّ يمرّ الى مصر مماسّا لها عند طول ند لآ والعرض كط لآ ثمّ يتفرّق من مصر فى سبعة خلجان الى البحر الأوّل الى الإسكندريّة عند طول نا م والآخر عند طول نج «١٠» لآ والثالث عند طول نج ل والرابع عند طول نج م والخامس عند نج نه «١١» والسادس عند طول ندك «١٢» والسابع عند طول ند ل كما نصوّره فى الصفحة الأخرى من هذه الورقة والله الموفّق،] وهو نهر يكون عند امتداده أكبر من دجلة والفرات إذا اجتمعا وماؤه أشدّ عذوبة وحلاوة وبياضا من سائر أنهار الإسلام [وهو متّصل بالبرّيّة التى لا تسلك لجنّها] «١٥» ، وذكره بطلميوس فى كتاب جغرافيّا «١٦» فلم يعز أصله الى مكان، ويكون فيه التماسيح والسقنقور وسمكة تعرف بالرعّادة «١٧» لا يستطيع أحد أن يقبض عليها وهى حيّه حتّى ترتعش يده وتسقط منها فإذا ماتت فهى كسائر السمك، والتمساح دابّة [٤٤ ب] من دوابّ الماء مستطيل الذنب والرأس ورأسه نحو نصف طول ذنبه وله أنياب لا تقبض بها على دابّة ما كانت من سبع أو جمل إلّا مدّه فى الماء وله على كلّ شىء سلطان إلّا الجاموس فإنّه لا قوام له بالكبير منها ويخرج من الماء فيمشى فى البرّ ويقيم فيه خارج الماء اليوم والليلة ونحو ذلك وليس سلطانه فى البرّ كسلطانه فى الماء وقد يتضرّى «٢٣» بعضها فى البرّ على الناس فيكون من جاوره معه فى
стр. 153
إيضاح ما يوجد من الأسماء والنصوص فى صورة النيل المرسومة فى الورقة ١٣ ب من نسخة حب، قد رسم فى أعلى الصورة جبل القمر ومن أسفله البطيحة الأولى والبطيحة الثانية ثمّ تحت البطيحتين خط مستقيم افقىّ كتب عنده خطّ الاستواء، وفى الساحة تحت هذا الخطّ كتب الإقليم الأوّل وفيه كلمتا بطيحة وخليج، ويلى ذلك الى الأسفل خطّ ثان كتب عليه مدينة النوبه وفى الساحة تحت هذا الخطّ الإقليم الثانى وفيه من الأسماء الجنادل واسوان، ومن أسفل ذلك خطّ ثالث كتب فى الساحة تحته الإقليم الثالث وفيه من الأسماء مصر، جزيره، الجيزه، الاسكندريه، وفى أسفل الصورة فى الزاوية اليمنى البحر المالح،
стр. 154
أذيّة حتّى يحتال فى قتله وله جلد لا يعمل فيه شىء من السلاح إلّا تحت إبطيه وباطن فخذيه، والسقنقور صنف يتولّد منه ومن السمك فلا يشاكل السمك لأنّ له يدين ورجلين ولا التمساح لأنّ ذنبه أجرد أملس غير مضرّس وذنب التمساح مسيّف مضرّس ويتعالج بشحم السقنقور للجماع ولا يكون بمكان إلّا فى النيل [من حدّ اسوان] «٥» أو بنهر مهران من أرض الهند والسند وكذلك التمساح، وكانت مدينة اسوان ثغرا على النوبة قديما إلّا أنّهم اليوم مهادنون، (١٧) وبصعيد مصر من جنوب النيل معدن الزبرجد فى برّية منقطعة عن العمارة ويكون من حدّ جزائر بنى حدان الى نواحى عيذاب «٩» وهى ناحية للبجة وقوم من العرب من ربيعة وليس بجميع الأرض معدن للزمرّد غيره وفى شمال النيل جبل يمتدّ عليه الى الفسطاط يعرف بالمقطّم فيه وفى نواحيه حجر الخماهن «١٢» وشىء من البلّار وتحادّه ناحية الزمرّد ويمتدّ هذا الجبل الى أقاصى بلد السودان «١٣» وفيه بنواحى مصر قبر محمّد بن إدريس الشافعىّ الفقيه ﵀ فى جملة المقابر التى فى سفحه لأهل مصر ويقال أنّه دفن بها من الأنبياء يوسف ويعقوب والأسباط وموسى وهرون وبها ولد عيسى عليه وعليهم السلم بكورة اهناس ولم تزل نخلة مريم [تعرف] «١٧» باهناس الى آخر أيّام بنى أميّة، (١٨) ومن مشاهير مدنها وعجيب آثارها الإسكندريّة وهى مدينة على نحر بحر الروم رسومها بيّنة وآثار أهلها ظاهرة تنطق عن ملك وقدرة وتعرف عن تمكّن فى البلاد وسموّ ونصرة «٢٠» وتفصح عن عظة وعبرة كبيرة الحجارة جليلة العمارة وبها من العمد العظام وأنواع الأحجار الرخام الذي لا تقلّ القطعة منه إلّا بألوف ناس قد علقت بين السماء والأرض على فوق المائة ذراع ممّا يكون الحجر منها فوق رؤوس أساطين دائر
стр. 155
الاسطوان منها ما بين الخمس عشرة ذراعا الى عشرين ذراعا والحجر فوقه [عشر أذرع] «٢» فى عشر أذرع فى سمك عشر أذرع بغرائب الألوان وبدائع الأصباغ،
فلو سئلت عن أهلها لرأيتها ... مخبّرة من حالهم بالعظائم،
ولها طرقات مفروشة بأنواع الرخام والحجر الملوّن وفى بيعها عمد لصفاء صقاله وحسن ألوانه يبين كالزمرّد الأخضر وكالجزع الأصفر منه والأحمر وجلّ أبنيتها بالعمد المسمّر ومنه شىء على قضبان نحاس قد دبّر بأنواع أخلاط لئلّا يغيّره الزمان وتحت الأسطوانة منه الثلاثة سرطانات نحاس وأربعة والاسطوانة فى الهواء عليها ضروب الصور المعروفة والمجهولة، [وفيها المنارة المشهورة المبنيّة بالحجارة المركّبة المضبّبة بالرصاص] «١٠» [٤٥ ظ] وليس بجميع الأرض لمنارتها نظير يدانيها أو يقاربها فى أشكالها ومبانيها وعجائبها ومعانيها تشتمل على آية بيّنة ويستدلّ بها على مملكة كانت قاهرة لملك عظيم ذى حال جسيم وسلطان عقيم، وهى المنارة المشهورة فى جمهور الأرض أخبارها التى جميع العامّة والخاصّة من أهل الدراية مجمعون على أنّ مؤسّسها اخترعها لرصد الفلك وأدرك ما أدركه من علم الهيئة بها وفيها وجميع ما أخبر به من حال الفلك فإنّما حصل له ولمن خلفه بانكشاف فضائها وسعة سمائها وقلّة أبخرة صحرائها لأنّ لكلّ ارض سرابا على مقدارها وليس لها سراب وسمكها كان يزيد على ثلثمائة ذراع فوقعت منه قبّة عظيمة كانت رأس المنارة لطول العهد لا كما يدّعى المحاليّون فى حماقات ورقاعات مصنّفة أنّها بنيت لمرآة كانت فيها يرى سائر ما يدخل الى بحر الروم من درمون حمّال الى شلندى مستعدّ للقتال ويزعم قوم أنّ بانيها وبانى الهرمين ملك واحد ويروى آخرون غير ذلك، (١٩) ومن حدّ الفسطاط فى غربىّ النيل أبنية عظام يكثر عددها مفترشة فى سائر الصعيد يدعى الأهرام، وليست كالهرمين اللذين تجاه
стр. 156
الفسطاط وعلى فرسخين منها ارتفاع كلّ واحد منهما أربع مائة ذراع وعرضه كارتفاعه مبنىّ بحجارة الكذّان التى سمك الحجر وطوله وعرضه من العشر الأذرع الى الثمان حسب ما دعت الحاجة الى وضعه فى زيادته ونقصه وأوجبته الهندسة عندهم لأنّهما كلّما ارتفعا فى البناء ضاقا حتّى يصير أعلاهما من كلّ واحد مثل مبرك جمل وقد ملئت حيطانهما «٥» بالكتابة اليونانيّة «٦» ، وفى داخل كلّ واحد منهما طريق كان يسير فيه الناس رجّالة الى أعلاه وفى ذين الهرمين مخترق فى باطن الأرض واضح من أحدهما الى الآخر وقد ذكر قوم أنّهما قبران وليسا كذلك وإنّما حدا صاحبهما أن عملهما أنّه قضى بالطوفان وهلاك جميع ما على وجه الأرض إلّا ما حصّن فى مثلهما فخزن ذخائره وأمواله فيهما وأتى الطوفان ثمّ نضب فصار ما كان فيهما الى بيصر بن نوح وقد خزن فيهما بعض الملوك المتأخّرين أهراءه، (٢٠) ومن جليل مدنها وفاخر خواصّها ما خصّت به تنّيس «١٣» ودمياط وهما جزيرتان بين الماء المالح والعذب أكثر السنة فى وجه النيل لا زرع فيهما ولا ضرع بهما وفيهما يتّخذ ويعمل رفيع الكتّان وثياب الشرب والدبيقىّ والمصبّغات من الحلل التنّيسيّة التى ليس فى جميع الأرض ما يدانيها فى القيمة والحسن والنعمة والترف والرقّة والدقّة وربّما بلغت الحلّة من ثيابها مائين دنانير «١٨» إذا كان فيها ذهب، وقد يبلغ ما لا ذهب فيه منها مائة دينار وزائدا وناقصا وجميع ما يعمل بها من الكتّان فربّما «١٩» بلغ مثقال غزل من غزولها دنانير، وإن كانت شطا ودبقوا ودميره وتونه وما قاربهم بتلك الجزائر يعمل بها الرفيع من هذه الأجناس فليس ذلك بمقارب للتنّيسىّ والدمياطىّ والشطوىّ ممّا كان الحمل على عهدنا [٤٥ ب] يبلغ من عشرين ألف دينار الى ثلثين ألف دينار لجهاز العراق
стр. 157
فانقطع بالمغاربة وخصّ بقطعه اللعين أبو الفرج بن كلّس وزير العزيز فإنّه استأصل ذلك بالنوائب والكلف والمغارم والسخر الدائمة للصنّاع حتّى لجعل جزية على جميع الداخلين والخارجين الى تنيس، وبمصر غير طراز رفيع وسآتى على ذكره، (٢١) وأمّا النيل فأكثر جريه الى الشمال وكذلك جرى نهر الاردنّ وعرض العمارة عليه بجنبتيه من حدّ اسوان ما بين نصف مرحلة الى يوم الى أن ينتهى الى الفسطاط فتعرض العمارة على وجه الأرض فيصير عرضها من حدّ الإسكندريّة الى الحوف الذي يتّصل بعمارة القلزم نحو ثمنية أيّام وأكثر ولم يكن فى أرض مصر سيّما ما جاور النيل قفار غير معمورة «٩» بل كانت آهلة قبل فتح الإسلام فلم يبق بها ديّار ولا مخبر، (٢٢) وأمّا الواحات فإنّها بلاد كانت معمورة بالمياه والأشجار والقرى والروم قبل فتحها وكان يسلك من ظهرها الى بلاد السودان بالمغرب على الطريق الذي كان يؤخذ ويسلك قديما من مصر الى غانه فانقطع ولا يخلو هذا الطريق من جزائر النخيل وآثار الناس وبها الى يومنا هذا ثمار كثيرة وغنم وجمال قد توحّشت فهى تتوارى وللواحات من صعيد مصر اليها فى حدّ النوبة نحو ثلثة أيّام فى مفازة حدّ ولم تزل سافرتهم وسافرة أهل مصر على غير طريق تتصرّف الى المغرب وبلد السودان فى برارىّ ولم ينقطع ذلك الى حين أيّام دولة أبى العبّاس أحمد بن طولون وكان لهم طريق الى فزان والى برقة فانقطع بما دار على الرفاق فى غير سنة بسافية الريح للرمل على الرفاق حتّى هلكت غير رفقة فأمر أبو العبّاس بقطع الطريق ومنع أن يخرج عليه أحد، (٢٣) وبلد الواحات ناحيتان ويقال لهما الداخلة والخارجة وبين الداخلة والخارجة ثلث مراحل وأجلّهما الناحية الداخلة وهى واسطة البلد وقرار آل عبدون ملوكها وأصحابها وفيها مساكنهم وأموالهم وعدّتهم وذخائرهم وهما حارتان بينهما نصف بريد وبكلّ حارة منهما «٢٥» قصر الى جانبه مساكن
стр. 158
لحاشية من ينزله وخاصّته وأصحابه وأضيافه وفيهما حرمهم، وتعرف إحدى الحارتين «٢» بالقلمون والأخرى بالقصر، والناحية الخارجة تعرف ببيريس وبيخيط وهما خمسة أصقاع ويشتمل كلّ صقع منها على منابر تتقارب فى المنزلة والحال، ولم تزل مذ أوّل ما فتحها المسلمون فى أيدى آل عبدون ومرجعهم الى حىّ من لواتة قبيل من البربر ملوك هذه الناحية يرجعون الى مروءة فاشية ومظاهرة بالحرّيّة ورغبة فى القاصدين ومحبّة للمنتجعين على جميع ضروب القصد مكرمين للتجّار نازلين على أحكامهم فى الأرباح وكان من أحرصهم على هذه الوتيرة يتقبّل «٨» المحاسن ويحبّ حسن الأحدوثة والشكر «٩» ويرغب فى جميل الذكر أبو الحسن مكبّر بن عبد الصمد بن عبدون ﵀ [٤٦ ظ] بكبر نفسه وسعة قلبه وكثرة طوله وفاشى مروءته يزيد على من سلف له من أهله فى جميع المقاصد الكريمة ويركب منها الطرقات الصعبة الجسيمة ولمّا مضى قام مكانه وعمر موضعه عبدون ابن محمّد بن عبدون فى ضمن عبد له يعرف بمصبح بن ميمون مغربىّ الأصل مولّد بالواحات وهو رجل ندب وشيخ شهم «١٤» ، ونواحيهم كثيرة المياه والأشجار والغياض والعيون الجارية العذبة متصرّفة فى نخيلهم وزروعهم وأجنّتهم وأكثر غلّاتهم بعد القمح والشعير الأرزّ ولديهم من العنّاب الكثير والفوّة الواسعة الغزيرة ما يغدق به الى كثير من النواحى، وهى كالناحية المعتزلة فى مركز دائرة من النيل ومن أىّ نحو قصدت الواحات من أنحائها كان الوصول اليها من ثلاث مراحل الى أربع مراحل، والناحية الخارجة منها المعروفة ببيخيط وبيريس أقرب الى النيل ومن قصدها من ناحية النوبة ويبرين وأعمالهم اجتاز بعين النخلة بماء عدّ لا ساكن عنده ولا يجد الماء الى بيريس، ومن اجتاز بها من أرض مصر وقصدها من اسنى وارمنت تزوّد ماء النيل الى بيريس، ومن قصدها من البلينا «٢٣» واخميم واسيوط والاشمون من أسافل الصعيد كان وصوله الى بيخيط وتزوّد ماء
стр. 159
النيل، ومن قصدها من اسوان وأعلى الصعيد اجتاز بدنقل بماء عدّ فى أحساء تحفر باليد وعليه نخيل كثيرة بغير ساكن وتزوّد الماء الى بيريس ومسيرة كلّ طريق ممّا ذكرته اليها ثلث مراحل، وأكثر هذه الطرق فى عقاب وأودية وجميع من قصدها من هذه الأربع نواحى يقطع الوادى المعروف بدواى وأحساء بنى فضالة، ومن قصد الواح الداخلة وهى داره مملكة آل عبدون من ناحية القيس والبهنسة كان وصوله الى بهنسة الواح إذ بها ناحية تعرف بالبهنسة أيضا وبينها وبين الفرفرون مرحلة والفرفرون قرية ذات قصور، وبين بهنسة مصر والقيس وبهنسة الواح أربع مراحل وهى فى جملة الواح الداخلة وتصيب «٩» الماء فى هذا الطريق بموضع يعرف بماء النخلة وفيه نخلة، والغالب على أهل الفرفرون القبط النصارى وبالفرفرون والبهنسة قصران لآل عبدون يليهما مساكن كمساكن القلمون ولا حرم فيهما ولا ذخيرة بل هى عدّة لنزول أهلها بها عند نزههم ويليهما مساكن الأكرة وبالبهنسة وببيخيط وبيريس قرى ظاهرة وباطنة وأمم عليهم لوازم للسلطان وجزية ولا يمدّ آل عبدون وخدمهم أيديهم فى شىء من الجباية سوى الخراج والجزية من النصارى وليس بجميع الواحات يهودىّ واحد فما فوقه وبالواحات من بنى هلال عدّة «١٦» غزيرة وأمّة كثيرة وهى مصيفهم وقت الغلّة وميرتهم منها وليس بجميع الواحات حمّام ولا فندق يسكنه الطارئ والقادم اليها وإذا قدم التجّار والزوّار على آل عبدون أنزلوهم أين كانوا من قرارهم ولزمتهم الأنزال ودرّت عليهم الضيافات الى حين رحيلهم وعندهم بجميع نواحيهم المطاحن بالإبل والبقر وقّلما يمطرون ومياه عيونهم حارّة فهى تقوم لهم مقام الحمّامات وقد يقصد الواحات من ناحية المغرب ومن جزيرة [٤٦ ب] فيها نخيل وسكّان من البربر تعرف بسنتريّة «٢٣» فيكون أوّل وصولهم منها الى ناحية بهنستها، وبجميع الواحات بيع قديمة أزليّة معمورة لأنّ البلد كان نصرانىّ الأصل قديما وكان غزير الدخل كثير المال فشاب وشمط بجور السلطان
стр. 160
وقد استحدث المسلمون بهذه النواحى الخمس نحو خمسة عشر منبرا ولكلّ قرية من قرى هذه الخمس نواحى مساجد معمورة «٢» بالصلوات الخمس، وجميع من بها من القبط فى ولاء آل عبدون عتاقة وغلّات البلد فوق حاجتهم وبه من القموح والتمور الجليلة الكبار الحبّ والعنّاب والقطانى الى جميع الفاكهة والبقول ما يزيد على حاجتهم وينيف على فاقتهم وإرادتهم وبين آل عبدون والنوبة هدنة بعد حروب جرت وغارات دامت واتّصلت وهذه جملة من خبرها وأوصافها، (٢٤) وأمّا البحيرة التى هى بأرض مصر وفى شمال الفرما وتتّصل ببحر الروم [تعرف ببحيرة تنّيس] «٩» فهى بحيرة إذا امتدّ النيل فى الصيف عذب ماؤها وإذا جزر فى الشتاء الى أوان الحرّ غلب ماء البحر عليها فملح ماؤها وغاص فيها ماء النيل وفيها «١١» مدن كالجزائر فيها يطيف ماء البحيرة بها ولا طريق اليها إلّا فى السفن من أجلّ جزائرها تنّيس ودمياط «١٢» ودميره ودبقوا وشطا وتونه، وهى قليلة العمق يسار فى أكثرها بالمرادى وتلتقى السفينتان تحكّ إحداهما الأخرى هذه صاعدة وهذه نازلة بريح واحدة مملّأة «١٥» شرعهما بالريح متساوية فى سرعة السير، وبهذه البحيرة سمكة تعرف بالدلفين فى خلقة الزقّ الكبير «١٦» وتكثر فى مياء بحر الروم فى منحدر الماء العذب من البحر وذكر قوم فى مؤلّفات حماقات رقاعاتهم أنّ لها خاصّية مشهورة وذلك أنّها لا تزال تدفع الغريق عند غرقه وهو يجود بنفسه وتغتّه بإرهاقه ودفعه مرّة وشيله ورفعه تارة الى أن تخرجه الى الساحل أو الماء الرقيق والناس يكذبون لمّا كانت ذوات الأربع لا تنطق، وذكر هذا المؤلّف فى بعض كتبه وغيره أنّ بالإسكندريّة سمكة تعرف بالعروس حسنة المنظر نقشة لذيذة الطعم إذا أكله الإنسان رأى فى منامه كأنّه
стр. 161
يؤتى «١» [إن لم يتناول عليها الشراب أو يكثر من أكل العسل] «٢» بل يرى أنّ كثيرا من السودان يفعلون به ورأيتها وأكلتها أنا وجماعة من ذوى التحصيل فشهدوا بكذب هذه الحكاية، (٢٥) ومن حدّ هذه البحيرة الى حدّ فلسطين والشأم أرض رمال كلّها متّصلة حسنة اللون تسمّى الجفار بها نخيل ومنازل ومياه مفترشة الرمل غير منفصلة ويتّصل هذا الرمل برمل نفزاوه «٦» من أرض المغرب ورمل سجلماسه ويأخذ الى أرض اودغست وذلك أنّه يأخذ من الجفار مغرّبا عنها مع جبل المقطّم ويمتدّ على «٨» ساحل النيل من شرقه وغربه وحيتانه «١٠» والنيل يشقّه بنواح كثيرة فمنها باهريت «٩» وشرونه وبياض وصول والبرنيل «١١» واتفيح واسكر والحى الى نواحى بوصير قوريدس واهناس ودلاص وسمسطا والقيس وطحا والاشمونين فيأخذ على أرض الفيّوم وبحيرة اقنى [٤٧ ظ] وتنهمت والبحيرة فى وسطه وتحت جبال منه فيمضى على بلد الشنوف ويستبطن طريق الباطن ويأخذ على غربىّ «١٣» عقبة برقة مارّا على الطريق الأعلى وخلف طريق الجادّة ويقع شىء منه الى ساحل بحر برقة [وينقطع] «١٤» ولا ينقطع ما على الطريق الأعلى منه حتّى يرد قبلة اجدابيه وسرت فيكون فى وسطه ويأخذ عن الطريق مغرّبا الى صحارى جبل نفوسه ونفزاوه ويرتفع الى لمطه ورمال سجلماسه ويتّصل برمل اودغست المتّصل بالبحر «١٧» المحيط، ويتّصل رمل الجفار من ناحية القبلة فى نفس البرّ الى ايلة ورمال القلزم ويفترش بالساحل وطريق جادّة مصر ويمضى الى مدينة يثرب ممتدّا على ما جاور أرض لخم وجذام وجهينة وبلىّ وما دنا من أرض
стр. 162
تبوك ويجتاز بوادى القرى مارّا بديار ثمود مشرّقا الى جبلى طىّء ويتّصل برمل الهبير ورمل الهبير متّصل برمل البحرين ورمال بادية البصرة وعمان الى أرض الشحر ومهرة وجميع أرض الشحر ومهرة رمل من البحر الى الجبل [ويعبر البحر فيكون تجاه الشحر ومهرة من بلاد الزبح رمل كهيئة رمل الشحر] «٤» ويحاذى رأس الجمجمة «٥» من نواحى حصن ابن «٦» عمارة وأرض هرموز، فيمرّ شمالا الى أقاصى خراسان على أعمال الطبسين وهراة ورمال مرو وسرخس ويشرّق بعضه الى أعمال السند والديبل [وسوبارة] «٧» وسندان وصيمور مارّا فى برارىّ الهند الى التبّت وبلاد الصين فيشرع فى البحر المحيط، وجميع الرمل الذي على وجه الأرض متّصل متناسب لا أعرف فيه بلدا رمله ذو فصل إلّا القليل، وكذلك جبال الأرض كلّها متناسبة متّصلة إلّا القليل اليسير منها، ويتّصل حدّ الجفار ببحر الروم وحدّ بالتيه وحدّ بأرض فلسطين من الشأم وحدّ ببحيرة تنّيس وما اتّصل به من حوف «١٣» مصر الى حدود القلزم، وبالجفار حيات شبريّة تثب من الرمل الى المحامل والركّاب على الدوابّ فربّما لسبتهم وآذتهم، (٢٦) وأمّا تيه بنى إسرائيل فيقال إنّ طوله نحو أربعين فرسخا وعرضه قريبا منه وهو أرض فيها رمال وبعضه جلد وبه عيون ونخيل مفترشة قليلة ويتّصل حدّ له بالجفار وحدّ له بجبل طور سيناء وما اتّصل به وحدّ له بأراضى بيت المقدس وما اتّصل بها من فلسطين وحدّ له ينتهى الى ظهر حوف «١٩» مصر الى حدّ القلزم، (٢٧) ومدينة الاشمونين وإن كانت صغيرة فهى عامرة ذات نخيل وزروع ويرتفع منها من الكتّان وثياب منه يجهّز كثير الى مصر وغيرها، وتجاهها من شمال النيل مدينة بوصير وبها قتل مروان بن محمّد الجعدىّ ويقال أنّ سحرة فرعون الذين حشرهم يوم موسى من بوصير،
стр. 163
(٢٨) ومدينة اسوان كثيرة النخيل غزيرة الغلّات من التمور قليلة الزروع وهى أكبر «١» مدن الصعيد، والبلينا «٢» واخميم مدينتان متقاربتان فى العمارة صغيرتان عامرتان بالنخل والزرع وذو النون المصرىّ من أهل اخميم وكان بغاية النسك والورع، ولها جهاز من الكتّان المعمول شقّة ومناديل الى الحجاز ومصر، وبها بربا من أعظم البرابى وأطرفها وهو مخزن لذخائر القوم الذين قضوا من أهل مصر [٤٧ ب] بالطوفان قبل وقته بقرانين واختلفوا فى مائيّته فقال بعضهم يكون نارا فتحرق جميع ما على وجه الأرض وقال آخرون بل يكون ماء وعملوا هذه البرابى قبل الطوفان ومنها بمصر وفى أرضها وصعيدها خاصّة ما لم أر على وجه الأرض لشىء من أبنيتها شبه رصانة فى الأحجار وإحكام فى التركيب وهندسة فى الأركان وعلوّا فى السمك الى تصاوير تزيد «١١» على العجب من أنواع لم ير قطّ لها شبه فى نفس أحجارها قد بتّت «١٢» فى صخرها وعمدها، (٢٩) وبالفيّوم مدن كبار جليلة وطرز مشهورة وكور عظام للسلطان والعامّة وفيها من الأمتعة للجلب ما يستغنى بشهرته عن إعادته كاليهنسة المعمول بها الستور والاستبرقات والشرع والخيام والأحلّة «١٥» والستائر والبسط والمضارب والفساطيط العظام بالصوف والكتّان بأصباغ لا تستحيل وألوان تثبت فيها من صورة البقّة الى الفيل، ولم يزل لأصحاب الطرز من خدم السلطان بها الخلفاء والأمناء وللتجّار من أقطار الأرض فى استعمال أغراضهم بها من الستور الطوال الثمينة التى طول الستر من ثلثين ذراعا الى ما زاد ونقص ممّا قيمة الزوج منها ثلثمائة دينار وناقص وزائد، وطحا مدينة أيضا فيها غير طراز ومنها أبو جعفر الطحاوىّ الفقيه العراقىّ صاحب كتاب اختلاف فقهاء الأمصار، والفيّوم نفسها مدينة ذات جانبين على وادى اللاهون «٢٣» طيّبة فى نفسها كثيرة الفواكه والخيرات
стр. 164
غير صحيحة الهواء ولا موافقة للطارئ عليها ولا للغريب النازل بها، وأكثر غلّاتها الأرزّ وإن كانت لا تعدم من أصناف الغلّات شيئا وبظاهرها آثار حسنة والناحية مسمّاة باسمها، والفيّوم ناحية كانت فى قديم الأيّام وسالف الزمان عليها سور يشتمل على جميع أعمالها ويحيط بسائر مدنها وبقاعها ورأيت أكثره من جانب البرّيّة بيّنة أبراجه وقد غلب على أكثرها الرمل فطمّ منها ومنه وسقطت الحاجة اليه بالإسلام ودخول دولته على أهله وهذا السور يعرف بحائط العجوز وليس هو مختصّا بعمل الفيّوم دون أعمال النيل الى آخر عمل النوبة بل يحيط بالنيل من نواحى مصر على جنبتى النيل جميعا الى أعمال النوبة، (٣٠) والفرما مدينة على شطّ بحيرة تنّيس وهى مدينة خصبة وقد مرّ شىء من ذكرها وبها قبر جالينوس اليونانىّ، ومن الفرما الى تنّيس فى البحيرة دون الثلاثة فراسخ وهى مدينة كثيرة الرطب جيّدته صالحة الفاكهة كثيرتها «١٣» ، وبتنّيس تلّان عظيمان مبنيّان بالأموات منضدين بعضهم على بعض ويسمّى هذان التلّان بوتوم «١٤» ويشبه أن يكون ذلك من قبل أيّام موسى ﵇ وبعثه لأنّ أهل مصر فى أيّام موسى كان فى شريعتهم الدفن ثمّ صارت للنصارى ودينهم أيضا الدفن ثمّ صارت للإسلام، وعليهم أكفان [٤٨ ظ] من خشن «١٧» الخيش وعظامهم وجماجمهم فيها صلابة الى يومنا هذا، (٣١) وبالفسطاط قرية تعرف بعين شمس عن شمال الفسطاط ومنف فى جنوبىّ الفسطاط واحدة تجاه الأخرى ويقال كانا مسكنين لفرعون وبها آثار عجيبة يتنزّه فيهما وعلى رأس جبل «٢١» المقطّم فى قلّته مكان يعرف بتنّور فرعون يسع خمس مائة كرّ حنطة وهذا من نوع الخرافة ويقال أنّ فرعون كان إذا خرج من أحد المتنزّهين أصعد فى المكان الآخر من يعادله ليعاين شخصه بالوهم ولا تفقد هيئته، وفى نيل مصر مواضع لا
стр. 165
يضرّ فيها التمساح كعدوة بوصير والفسطاط، ولعين شمس الى ناحية الفسطاط نبت يزرع كالقضبان يسمّى البلسم يتّخذ منه دهن البلسان لا يعرف بمكان من الأرض إلّا هناك ويؤكل لحاء هذه القضبان فيكون له طعم صالح وفيه حرارة وحروفة لذيذة، وشبروا «٤» ضيعة فى وقتنا هذا جليلة فى محلّ مدينة يعمل فيها شراب العسل عند زيادة النيل فلا يخالط العسل والماء ثالث من خلط وهذا الشراب مشهور فى جميع الأرض لذّته ومحلّ نشوته وخمر رائحته، والى جانبها قرية تعرف بدمنهور ويعمل بها بعض ما يعمل بشبروا وجميع مالها للسلطان، وفاقوس وجرجير مدينتان من أرض الحوف والحوف ما كان من النيل أسفل الفسطاط وما كان من النيل جنوبيّه يعرف بالريف، ومعظم رساتيق مصر وقراها فى الحوف والريف، (٣٢) وأهلها نصارى قبط ولهم البيع الكثيرة الغزيرة الواسعة وقد خرب منها الكثير العظيم وفيهم قلّة شرّ إلّا مع عمّالهم والمتقبّلين لنواحيهم وكان فيهم أهل يسار وذخائر وأموال واسعة وصدقات ومعروف وأدركت من اليسار فيهم والمعروف منهم على المسلمين ما يطول شرحه ولم يك بشىء من البلدان ما يقاربه أو يدانيه، ومن أولاد القبط غيلان أبو مروان رئيس الغيلانيّة فرقة من الشيعة وآسية بنت مزاحم ومارية أمّ إبراهيم ابن نبيّنا ﵇ وهاجر أمّ إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلم، وربّما ولدت المرأة [القبطيّة الولدين والثلاثة والأربعة فى بطن واحد بحمل واحد وليس ذلك] «٢٠» بمكان ولا فى شىء من البلدان ولا ذلك بالخصوص بل ربّما جرى فى السنة دفعات وذلك أنّ ماءهم على قولهم أنيث يريدون ماء النيل وفيه «٢٢» خاصّيّة لذلك على قولهم، وممّا يقارب ذلك وليس بالمنتشر العلم ولا فى جميع الأقطار أنّ غنم تركستان تلد الشاة فى
стр. 166
السنة ستّة وسبعة رؤوس من الحملان والمعز كما تلد الكلبة وأكثر أهل تركستان وبلاد خوارزم يذبحون ما زاد على الاثنين من أولاد الغنم وينتفعون بجلودها وذلك أنّ جلودها حمر قانئة الصبغ يباع الجلد منها من ربع دينار الى دينارين وأكثر وأقلّ حسب صبغته ويكون فيها أيضا جلود سود فيبلغ الجلد لنقائه وحلوكته وحسنه الدنانير الكثيرة وربّما كان فيما ابيضّ من جلودها ما يعمل منه أغشية للسروج فى غاية البياض وله أيضا [٤٨ ب] ثمن صالح ومنها مقاربة يباع عشرة جلود بدرهم، وسألت عن علّة ذلك أبا إسحاق إبراهيم بن البتكين الحاجب فقال إنّ أغنامهم ترعى نهارا وتنفش ليلا فقواها زيادة وما ترعاه صحيح ملائم لها وهذا كما يذكره الخراسانيّون أنّ هواءهم يغذو «١٠» حيوانهم ويزيد فى صحّتهم «١١» وينقى أبشارهم ويدفع عنهم الأمراض والأعلال صحّة مياههم وهذا ما لا يحتاجون معه الى دليل غير المشاهدة فإنّها تعرب عن صدقهم ويشهد لهم العيان بذلك، (٣٣) ومعادن الذهب فى حدود البجة «١٤» ومستحقّ المكان من الإقليم الثانى من قسمة الفلك وكذلك التبر فى جميع الأرض فهو بالإقليم الأوّل والثانى إلّا ما بالجوزجان منه فإنّه شىء تافه يسير ولا أعرف العلّة فيه ويقال أنّ أرض عيذاب «١٧» من البجة وهى من مدن الحبشة وأرض المعدن مبسوطة لا جبل فيها وهى رمال ورضراض ومجمع تجارات أهل المعدن بالعلاقىّ وليس للبجة قرى ولا خصب وهم بادية يقتنون النجب وليس فى النجب أسير من نجبهم ورقيقهم ونجبهم وسائر ما بأرضهم يقع الى مصر فى جملة التجّار المصريّين أو ما قدم به بعضهم، (٣٤) وبمصر بغال وحمير لا يعرف فى شىء من بلدان الإسلام والكفر
стр. 167
أسير منها ولا أحسن ولا أثمن غير أنّها مخطفة الخلق غير عبلة الأبدان ولا رطبة الجسوم وقد تجلب الى بعض الأماكن فتتغيّر وتمتلئ أبدانها وهى الغاية فى سرعة السير وحسن المشى والوطأة، ولهم من وراء اسوان حمير صغار فى مقدار الكباش الكبار ملمّعة الجلود يشبه تلميعها جلود البقر وقد يكون منها الأصفر المدنّر والأشهب المدنّر فتكون فى غاية الحسن وإذا أخرجت من مواضعها وبلادها لم تعش ولهم حمير تعرف بالسفلاقيّة «٦» وكانت فرش الصعيد وأرض مصر والبجة فقلّت زعموا أنّ أحد أبويها وحشىّ والآخر أهلىّ فهى أسير حميرهم، (٣٥) فأمّا ارتفاع مصر وقتنا هذا وما صارت اليه جباياتها ودخلها فسآتى به وقد ذكرت ذلك فيما سلف [ووقتنا هذا كأرزح الأوقات جباية فإنّه على غاية الصون من دخول المطامع عليه وحذف ما كان يرتفق به الجباة والمقاطعون] «١٢» وقد جبيت سنة تسع وخمسين وثلثمائة على يد أبى الحسن جوهر صاحب أهل المغرب «١٣» وهى السنة الثانية من دخوله اليها ثلثة آلف ألف دينار وفوق أربع مائة «١٤» ألف دينار، [وذلك أنّهم كانوا فيما سلف من الزمان يؤدّون عن الفدّان ثلاثة دنانير ونصفا وزائدا عن ذلك القليل الى نقص يسير فقبض منهم فى هذه السنة المذكورة عن الفدّان سبعة دنانير ولذلك ما انعقد هذا المال بهذا الوفور،] «١٧» وأمّا أخرجة مصر فقبالة تقع «١٨» على كلّ فدّان مقاطعة «١٩» ويعطى «٢٠» الأكرة على ذلك مناشير ووثائق لكلّ ناحية على المساحة والفدّان بشىء معلوم ويؤدّون ذلك نحو ما على ما قدّمت ذكره من الثمن أوّلا ثمّ إتمام الربع ثانيا ثمّ
стр. 168
مطالبة بالثمن الثالث واستيفاء من بعد تمام النصف من مال «١» الخراج فى شهر برموده، ومطالباتهم بالنجوم [٤٩ ظ] ليرتفقوا فى المعاملة بجميل السيرة ولا يلحقهم عنف ولا ينالهم مضايقة ولا رهق من الأذيّة عن سائر ما يزرعونه وليس هذه سنن إسلاميّة بل هى أوضاع توخّتها الفراعنة ليؤدّى الأكرة من الأرزّ فى الحنطة والشعير ومن الحنطة والشعير فى القصب والكتّان،
стр. 169
[الشأم]
(١) وأمّا الشأم فإنّ غربيّها بحر الروم وشرقيّها البادية من ايلة الى الفرات ثمّ من الفرات الى حدّ الروم وشماليّها بلاد الروم وجنوبيّها مصر وتيه بنى إسرائيل وآخر حدودها ممّا يلى مصر رفح وممّا يلى الروم الثغور المعروفة كانت قديما بثغور الجزيرة وهى ملطيه والحدث «٥» ومرعش والهارونيّة والكنيسة وعين زربة والمصّيصة واذنه «٦» وطرسوس [هذا فى زمانه وأمّا فى زماننا هذا فإنّ شماليّها الى طرف بحر طرابزون والخزر بيد المسلمين قد افتتح الكثير منها فى تأريخ ثمانين وخمس مائة والحمد لله ربّ العالمين،] «٨» والذي يلى المشرقىّ والمغربىّ فالنواحى «٩» التى قدّمت ذكرها فى تصوير الشأم وفى إعادتها تطويل، (٢) وهذه الصورة التى فى باطن هذه الصفحة صورة الشأم، [٤٩ ب] إيضاح ما يوجد فى صورة الشأم من الأسماء والنصوص، قد كتب فى النصف الأيمن من الصورة موازيا لساحل بحر الروم الساحل وعليه من المدن ابتداء من الأعلى الفرما «١٤» ، ميماس، تبدا، عسقلان، الماحوز «١٥» ، يافا، قيساريه، عكا، اسكندريه، صور، عذنون، صرفنده، صيدا، الجيه، الناعمه، بيروت، جونيه، الماحوز «١٦» ، جبيل، بثرون، انفه، القلمون، اطرابلس، انطرطوس، مراقيه، بلنياس، جبله، اللاذقيه «١٧» ، فاسره، السويديه، الصخره، الاسكندرونه «١٨» ، بياس، وفى أسفل الصورة ينصبّ
стр. 170
فى البحر ثلثة أنهار عليها من المدن كفربيا، المصيصه، عين زربه، اذنه، طرسوس، ورسمت فى البحر ثلث مدن وهى الكنيسه، ارسوف، نسدين «٢» ، وكتب فى البرّ عن يسار فيساريه وعكا وبينهما حيفه والقصور المضافة الى حيفه، وتوازى الساحل سلسلة جبليّة وكتب فى أعلى الساحة التى بينها والبحر نواحى مصر ومغرب الشام وبلد فلسطين وفى هذا القسم مدينتا الرمله وكفر سابا «٥» ، ثمّ يليهما الى الأسفل اتّصالا للجبل بانياس، اقذار، عرقه، حصن برزويه، بغراس، الهارونيه، الكنيسه، وبين حصن برزويه والصخرة نهر وكتب فى أسفل هذا القسم شمال الشام، وكتب فى الجانب الأيسر من الجبل عند أعلاه جبل طور سينا وعن يسار ذلك تيه بنى اسرائيل، وعن يسار ذلك مدينة القلزم وبحر القلزم ومن أسفل ذلك جنوب الشام، وكتب من طرفى هذا القسم الأعلى من الجبل آخر مخطوط فلسطين وفيه مدينتا بيت ابراهيم وبيت المقدس ومن أسفلهما نابلس، ثمّ بحيرة طبريه ونهر الاردن الذي يفضى الى بحيرة زغر وعليها مدينة زغر، وكتب عند الجبل فيما يسامت بانياس جبل لبنان وتقابله فى البرّ مدينة دمشق وبين دمشق وزغر من المدن البلقا، رقم، رواث، وكتب عند القسم الأوسط من الجبل جبل بهرا وهنا مدينة حمص وبين حمص ودمشق طريق عليه من المدن جوسيه، اللبوه، بعلبك، الزبدانى، ومن أسفل حمص مدينة فاميه، ثمّ كتب عند القسم التالى من الجبل جبل السماق وقرب ذلك مدينة انطاكيه ويأخذ منها طريق الى حلب ثمّ الى بالس على نهر الفرات، وعلى الطريق من حلب الى حمص من المدن قنسرين، كفرطاب، شيزر، حماه، وبين شيزر وانطاكيه مدينتا معره النعمن ومعره مصرين، وكتب على خطّ مستطيل من بالس الى القلزم حدّ الشام وعليه من المدن الرصافه، الخناصره، تدمر، سلميه، معان، وتحت الخطّ هذه صورة الشام وذلك عنوان الصورة وعن يسار ذلك نواحى ديار العرب والبادية، وعلى نهر الفرات من جانبه الأيسر الرافقه، الرقه، الجسر، جربلص وكتب وراء ذلك مشرق الشام، وبين حلب وجربلص مدينه منبج ثمّ على ضفّة الفرات من هذا الجانب سميساط، ملطيه «٢٥» وعن يمينهما شمشاط، ويأخذ من شمشاط طريق الى الجبل وعليه
стр. 171
دلوك «١» ، رعبان «٢» ، مرعش، بوقا وأسفل بوقا مدينة الحدث، واسم الجبل فى هذا القسم جبل اللكام ثمّ كتب فى أسفل الصورة نواحى بلد الروم، (٣) [٥٠ ظ] قد جمعت الثغور الى الشأم وبعض الثعور كانت تعرف بثغور الشأم وبعضها تعرف بثغور الجزيرة وكلّها من الشأم وذلك أنّ كلّما كان وراء الفرات فمن الشأم وإنّما سمّى من ملطيه الى مرعش «٥» ثغور الجزيرة لأنّ أهل الجزيرة بها كانوا يرابطون ويغزون لا أنّها من الجزيرة وأعمالها، وكور الشأم فهى جند فلسطين وجند الأردنّ وجند دمشق وجند حمص وجند قنّسرين والعواصم والثغور، وبين ثغور الشأم وثغور الجزيرة جبل اللكام وهو الفاصل بينهما وجبل اللكام جبل داخل فى بلد الروم ومتّصل بجميع جبال بلاد الروم [ويقال أنّه ينتهى الى حدّ مائتى فرسخ] «١١» ويظهر فى الإسلام ما ظهر منه بين «١٢» مرعش والهارونيّة وعين زربة فيسمّى اللكام الى أن يجاوز اللاذقيّة ثمّ يسمّى جبل بهراء وتنوخ الى حمص ثمّ يسمّى جبل لبنان ثمّ يمتدّ على الشأم حتّى ينتهى الى بحر القلزم من جهة ويتّصل بالمقطّم من أخرى، (٤) وهو جبل على وجه الأرض أوّله بالمشرق من بلد الصين خارجا من البحر المحيط على وخان من نواحى خمدان فيقطع بلاد التبّت [لا فى وسطها بل] «١٧» على مغاربها ومشارق بلاد الخرلخيّة الى أن يأتى من حدود الإسلام فرغانه فتمرّ منه قطعة الى الجنوب من فرغانه وقطعة الى الشمال ويمرّ صدر هذا الجبل على فرغانه الى جبال البتم «١٩» وعلى جنوب اشروسنه «٢٠» فتكون جبال البتم «٢١» منه وشرب سمرقند ومياهها منه ثمّ يأخذ الى سمرقند من جنوبها أيضا فيمرّ الى نسف على شمال السغد الى كش «٢٢» ونسف ونواحى
стр. 172
زم فيقطعه نهر جيحون ويمضى فى وسطه بين شعبتين منه وكأنّه قطع ليستمرّ الماء فى وسطه ويجتاز على البلاد التى هندس مضيّه اليها ويستمر الجبل الى الجوزجان ويأخذ على الطالقان الى أعمال مرو الروذ الى طوس فيكون جميع مدن طوس فيه ومنه الى نيسابور ويكون نيسابور فى سفحه على غربه وهو شرقها ويتّصل به جبال جرجان وطبرستان الى الرىّ من شماله وهو آخذ من نيسابور الى الرىّ عن يمين «٦» القاصد من خراسان الرىّ «٧» فيكون الرىّ فى سفحه ومن غربيّه ويتّصل من هناك بجبال الجيل والديلم وبجبال اذربيجان والقبق واللّان وبلد الروم ويتّصل من جنوبه بجبال اصبهان وشيراز الى أن يصل الى بحر فارس ولا يزال يساير الطالب من الرىّ العراق عن يمينه الى حلوان على همذان وقرميسين وحلوان أوّل «١١» حدود العراق وينعطف هذا الجبل عن فرسخ من حلوان عن طريق العراق عادلا عن سمت المغرب الى الشمال فيمضى على سهرورد «١٣» وشهرزور الى أن يأتى الى دجلة بنواحى تكريت فيكون منه جبل بارمّا الذي عن شرقىّ دجلة وجبل الشقوق الذي عن غربيّها ويصعد من ناحية بارمّا فيكون منه جبلا زينا «١٥» وزامر اللذان [٥٠ ب] فى شرقىّ حديثة الموصل ويمرّ على حياله يساير دجلة فمرّة يقرب وتارة يبعد الى الجبل المعروف من فيشابور بجبل ثمنين الى جبل الجودىّ مارّا الى آمد وينشعب منه جبال الداسن وجبال ارمينيه الخارجة [المتّصلة] «١٨» بجبال ارمينيه الداخلة التى اتّصلت بجبال اذربيجان وطبرستان وهى جبال تتّصل بجبل القبق من باب الأبواب فى شمال بحيرة الخزر الى بلاد ياجوج وماجوج، ولا يزال هذا الجبل يستمرّ من أعمال آمد [وميّافارقين] «٢١» ونواحى دجلة الى الفرات فيكون سميساط فيه ويتّصل بحدود مرعش التى
стр. 173
ما ابتدأت ذكره منها الى أن وصّلته الى بيت المقدس من جبل لبنان، ثمّ يمرّ على يسار الذاهب من الرملة الى الفسطاط الى المقطّم ولا يزال الى آخر الصعيد الأعلى ويتّصل بجبال النوبة من جنبتى النيل الى قلعيب من جانب النيل الشرقىّ والى جبل القمر من جانب النيل الغربىّ ويقطع النيل شعبتين منه بنواحى الفيّوم وليست بمضيق كالمضيقين اللذين ذكرتهما للنيل بأعلى الصعيد تجاه بحيرة اقنى وتنهمت فيمضى الشعبة الغربيّة بين الباطن وظاهر الشنوف الى جبل برقة وتكون عقبة برقة التى فى مغرب رمادة منه ولا يزال ماضيا فى وسط البرّ يراه من أخذ الطريق العالية الى قبلة برقة ويمتدّ على حاجز أعمال أجدابيه وسرت على صدر جبل نفوسه فيصير عند بلوغه الى نفزاوه جبال رمال سامقة شاهقة لا تتوقّل ولا تصعد إلّا بشدّة ويضرب عرق منه من جبل برقة فى باطن البرّ الى فزان وعلى زويله راجعا الى القبلة، ثمّ لا يزال هذا الجبل يظهر فى مواضع «١٣» مستحجرا وفى مواضع جبال رمل ودهس الى سجلماسه ويغوص «١٤» فى تلك البرارىّ على ما ذكر سالكوها الى اودغست والبحر المحيط وأظنّه كقولهم ولم أشاهده بكلّيّته وشاهدت البعض منه كما يوجبه ما تواطأت «١٥» عليه الأخبار من ثقات أهل الناحية ورؤساء «١٦» الأدلّاء بها وفيها وسائر ما وصلته من أخباره وقصصته من أنبائه وآثاره فبالمشاهدة منّى لذلك والمعاينة لأشكالها، (٥) وأمّا جند فلسطين وهو أوّل أجناد الشأم ممّا يلى المغرب فإنّه تكون مسافته للراكب طول يومين من رفح الى حدّ اللجون وعرضه من يافا الى ريحا مسيرة يومين، ونواحى زغر وديار قوم لوط والشراة والجبال فمضمومة الى هذا الجند وهى منها فى العمل الى ايلة، وديار قوم لوط والبحيرة الميّتة وزغر «٢٣» الى بيسان وطبريّة يسمّى الغور لأنّها بين جبلين وسائر مياه بلاد الشأم يقع اليها وبعضها من الاردنّ وبعضها من فلسطين،
стр. 174
ونفس فلسطين هو ما ذكرته ومياه فلسطين من الأمطار والطلّ وأشجارها وزرعها أعذاء بخوس لا سقى فيها إلّا نابلس [٥١ ظ] فيها مياه جارية، وفلسطين أزكى بلدان الشأم ريوعا «٣» ومدينتها العظمى الرملة وبيت المقدس تليها فى الكبر وهى مدينة مرتفعة على جبال يصعد اليها من كلّ مكان يقصدها القاصد من فلسطين وببيت المقدس مسجد ليس فى الإسلام مسجد أكبر منه وله بناء فى قبلته مسقّف فى زاوية من غربىّ المسجد ويمتدّ هذا التسقيف على نصف عرض المسجد والباقى من المسجد خال لا بناء فيه إلّا موضع الصخرة فإنّ هناك حجرا مرتفعا كالدكّة عظيم كبير غير مستو «٩» وعلى الصخرة قبّة عالية مستديرة الرأس قد غشّيت بالرصاص الغليظ السمك وارتفاع هذه الصخرة من الأرض التى تعرف بصخرة موسى تحت هذه القبّة الى صدر القائم وطولها وعرضها متقارب وعليها حصار حائط ملوّح ويكون نصف قامة ومساحة الحجر بضع عشرة ذراعا فى مثلها وينزل الى باطن هذه الصخرة بمراق من باب يشبه السرداب الى بيت يكون طوله نحو خمس أذرع فى عشر لا بالمرتفع ولا بالمستدير ولا بالمربّع وسمكه فوق القامة، وليس ببيت المقدس ماء جار سوى عيون لا ينتفع الرزوع بها وعليها شجيرات وهى من أخصب بلاد فلسطين على مرّ الأوقات، وفى سورها «١٧» موضع يعرف بمحراب داؤود النّبيّ عليه السلم وهو بنية مرتفعة ارتفاعها نحو خمسين ذراعا من حجارة وعرضها نحو ثلثين ذراعا بالحزر وبأعلاه بناء كالحجرة وهو المحراب الذي ذكره الله تعالى بقوله وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب، «٢٠» وإذا وصلت الى بيت المقدس من الرملة فهو أوّل ما يلقاك وتراه من بيت المقدس وبمسجدها لعامّة الأنبياء آثار ومحاريب معروفة، ولبيت المقدس بناحيه الجنوب منه على ستّة أميال قرية تعرف ببيت لحم «٢٣» وبها مولد عيسى عليه السلم ويقال أنّ
стр. 175
فى بيعة منها بعض النخلة التى أكلت منها مريم وهى مرفوعة عندهم يصونونها، ومن بيت لحم «٢» على سمته أيضا فى الجنوب مدينة صغيرة كالقرية تعرف بمسجد إبراهيم عليه السلم وبمسجدها المجتمع فيه للجمعة قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلم صفّا وكلّ قبر من قبورهم تجاهه قبر امرأة صاحبه وهذه المدينة والناحية فى وهدة بين جبال كثيفة «٥» الأشجار، وأشجار هذه الجبال وأكثر جبال فلسطين زيتون وتين وجمّيز «٦» الى سائر الفواكه والفواكه أقلّها ويرى أهل مصر أنّها مضافة اليهم «٧» ، ونابلس مدينة السامريّة ويزعم أهل بيت المقدس أن ليس بمكان من الأرض سامرىّ إلّا منها أصله وبالرملة منهم نحو خمس مائة مجزىّ «٩» ، وآخر مدن فلسطين ممّا يلى جفار مصر مدينة يقال لها غزّة وبها قبر أبى نضلة هاشم بن عبد مناف سيّد قريش أجمع وبها مولد محمّد بن إدريس الشافعىّ أبى عبد الله الفقيه النبيل ﵀ [وقبره بالفسطاط] «١٢» ومنها أيسر عمر بن الخطّاب فى الجاهليّة لأنّها كانت مستطرقا لأهل الحجاز وكان عمر بها مبرطسا، [٥١ ب] وبفلسطين نحو عشرين منبرا على صغر موقعها ولا أحيط بأجمعها وهى من أخصب البلاد واليها أشار الله تعالى اسمه بقوله فى البركة سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله «١٧» ، (٦) «١٨» والذي أدركت عليه عقود فلسطين والأردنّ أيّام أبى المسك كافور ﵀ والمتّلى لها من قبله فى سنى سبع وثمان وتسع وثلثين الى سنى ثمان وتسع وأربعين حينا محلولة وحينا معقودة أبو منصور أحمد بن
стр. 176
العبّاس بن أحمد وأبو عبد الله بن مقاتل وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق وقد عقدت على خزرون حينا بخمس مائة ألف دينار، وكذلك جند دمشق فعقدت على خزرون وعلى أبى الحسن علىّ بن محمّد بن جانى «٣» وعلى ابن مالك «٤» فكانت تكون فى يد كلّ واحد منهم سنين بخمس مائة ألف دينار، وكان كافور له فى تغطرسه منزلة لا يزيد عليها وهو أن إذا عقد على بعض عمّاله أو ألجأ عليه شيئا من أعماله طالبه قبل وجوب المال عليه بشىء منه على طريق القرض منه وكانوا بحسن نظره لهم أغنياء أملياء ويحتسب بذلك لهم ممّا تحت أيديهم ويجب عليهم، ولم يعقد بمصر فى وقته على أحد من أوليائه عقد تدبير إلّا وربح فيه مثله من حيث يعلمه ويتقرّره «١٠» ويقول إذا لم يختصّ الأولياء بالنعم صارت الى الأعداء عند الأخذ بالكظم فهم صنائعى وأولادى، (٧) والجبال والشراة فناحيتان متميّزتان أمّا الشراة فمدينتها اذرح والجبال مدينتها رواث وهما بلدان فى غاية الخصب والسعة وعامّة سكّانهما العرب متغلّبون عليها، (٨) وأمّا الأردنّ فمدينتها الكبرى طبريّة وهى على بحيرة غذبة الماء طولها اثنا عشر فرسخا فى عرض فرسخين أو ثلثة وبها عيون جارية حارّة ومستنبطها على نحو فرسخين من المدينة فإذا انتهى الماء الى المدينة على ما دخله من الفتور بطول السير إذا طرحت فيه الجلود تمعّطت لشدّة حرّه ولا يمكن استعماله إلّا بمزاج ويعمّ هذا الماء حمّاماتهم وحياضهم، والغور مع أوّل هذه البحيرة ثمّ يمتدّ على بيسان حتّى ينتهى الى زغر ويرد البحيرة الميّتة والغور ما بين جبلين غائر فى الأرض جدّا وبه فاكهة وأب ونخيل وعيون وأنهار ولا يسقط به الثلوج وبعض الغور من حدّ الأردنّ الى أن يجاوز بيسان فإذا جاوزه كان من حدّ فلسطين وهذا البطن إذا امتدّ فيه السائر أدّاه الى ايلة، وكأنّ الغور «٢٤» من بين البلاد لحسنه وتبدّد
стр. 177
نخيله وطيبه ناحية من نواحى العراق الحسنة الجليلة، ومدينة صور من أحصن الحصون التى على شطّ البحر عامرة خصبة ويقال إنّه أقدم بلد بالساحل وإنّ عامّة حكماء اليونانيّة منها، وبالأردنّ كان مسكن يعقوب النّبيّ عليه السلم وجبّ يوسف على اثنى عشر ميلا «٤» من طبريّة ممّا يلى [٥٢ ظ] دمشق وجميع مياه طبريّة فمن بحيرتها، (٩) وأمّا جند دمشق فقصبتها دمشق وهى أجلّ مدينة بالشأم فى أرض مستوية قد دحيت بين جبال تحتفّ بها الى مياه كثيرة وأشجا وزروع قد أحاطت بها متّصلة وتعرف تلك البقعة بالغوطة عرضها مرحلة فى مرحلتين وليس بالشأم «٩» مكان أنزه منها ومخرج مائها من تحت بيعة تعرف بالفيجة «١٠» [مع ما يأتى اليه من عين بردى من جبل سنير] «١١» وهو أوّل ما يخرج مقدار ارتفاع ذراع فى عرض باع ثمّ يجرى فى شعب تتفجّر فيه العيون فيأخذ منه نهر عظيم أجراه يزيد بن معوية يغوص الرجل فيه عمقا ثمّ ينبسط منه نهر المزة «١٣» ونهر القناة ويظهر عند الخروج من الشعب بموضع يقال له النيرب ويقال أنّه المكان الذي عناه الله تعالى [بقوله] «١٥» وآويناهما الى ربوة ذات قرار ومعين ثمّ ينقل من هذا الماء عمود النهر المسمّى بردا وعليه قنطرة فى وسط مدينة دمشق لا يعبره الراكب غزر ماء وكثرة فيفضى الى قرى الغوطة ويجرى الماء فى عامّة دورهم وسككهم وحمّاماتهم، وبها مسجد ليس فى الإسلام أحسن منه ولا أقين «١٩» بقعة فأمّا الجدار والقبّة التى فوق المحراب عند المقصورة فمن أبنية الصابئين وكان مصلّاهم ثمّ صار فى أيدى اليونانيّين وكانوا يعظّمون فيه دينهم ثمّ صار «٢١» لليهود وملوك من عبدة الأصنام والأوثان وقتل فى ذلك
стр. 178
الزمان يحيى بن زكريّاء عليهما السلم فنصب رأسه على باب هذا المسجد المسمّى باب جيرون ثمّ تغلّبت عليه «٢» النصارى فصارت فى أيديهم بيعة لهم يعظّمون فيها دينهم حتّى جاء الإسلام فصار المكان للمسلمين واتّخذوه مسجدا وعلى باب جيرون نصب رأس الحسين بن علىّ بالموضع الذي نصب فيه رأس يحيى بن زكريّاء عليهم أجمعين السلم، فلمّا كان فى أيّام الوليد بن عبد الملك عمره فجعل أرضه رخاما مفروشا وجعل وجه جدرانه رخاما مجزّعا وأساطينه رخاما موشّى ومعاقد رؤوس أساطينه ذهبا ومحرابه مذهّب الجملة مرصّعا بالجواهر، ودور السقف كلّه ذهب مكتّب «٧» كما يطوّق «٨» ترابيع جدار المسجد ويقال إنّه أنفق فيه وحده خراج الشأم سنين، «٩» وسطحه رصاص فإذا أرادوا غسله بثقوا الماء «١٠» اليه فدار على رقعة المسجد بأجمعه حتّى إذا فجر منه انبسط عنه وعن جميع الأركان بالسويّة وكان خراج الشأم على عهد بنى مروان ألف ألف دينار وفوق ثمان مائة «١٢» ألف دينار، ومن حدّ دمشق بعلبك وهى مدينة على جبل وعامّة أبنيتها من حجارة وبها قصور من حجارة قد بنيت على أساطين شاهقة وليس بأرض الشأم أبنية حجارة أعجب ولا أكبر «١٥» منها، وهى مدينة كثيرة الخير والغلّات والفواكه الجيّدة بيّنة الخصب والرخص وهى قريبة من مدينة بيروت التى على ساحل بحر الروم وهى فرضتها وساحلها وبها يرابط أهل دمشق وسائر جندها وينفرون اليهم عند [٥٢ ب] استنفارهم وليسوا كأهل دمشق فى جساء الأخلاق وغلظ الطباع وفيهم من إذا دعى الى الخير أجاب وأصغى وإذا أيقظه الداعى أناب، ولنفس دمشق خاصّيّة بطالعها المحيل بطاعتها الى الخلاف وسمعت عبد الله بن محمّد القلم «٢١» يقول فى برج الأسد
стр. 179
فساد باعوجاج فى درج منه مع شرفه ومحلّه وقلّما كان به «١» من بلد أو أوجب «٢» له من تربيع ومقابلة لتلك الدرج سبب بنحس وحكم فصفت طاعته واستقامت «٣» وذكر أشياء فى حكم سمرقند واردبيل ومكّة ودمشق وصقلّيه وقال لا تصلح لسلاطينها ولا تستقيم لملوكها إلّا بالسيف وأكثر أهل هذه المدن فالغدر أثبت فى نفوسهم والشرّ أشمل الأحوال عليهم، وببيروت هذه كان مقام الأوزاعىّ وبها من النخيل وقصب السكّر والغلّات المتوافرة وتجارات البحر عليها دارّة «٧» واردة وصادرة وهى مع حصنها حصينة منيعة السور جيّدة الأهل مع منعة فيهم من عدوّهم وصلاح فى عامّة أمورهم، (١٠) وأمّا جند حمص فإنّ مدينتها حمص وهى فى مستواة خصبة أيضا وكانت أيّام عمارتها صحيحة الهواء [من أصحّ بلدان الإسلام تربة] «١١» وكان فى أهلها خبال «١٢» ويسار فدخلها الروم غير دفعة فأحالوها وليس بها عقارب ولا حيّات وإذا أدخلت الحيّة والعقرب اليها ماتت ولها مياه وأشجار وكانت كثيرة الزرع والضرع وكانت أكثر زروع رساتيقها بخوسا أعذاء، وبها بيعة بعضها مسجد الجامع وشطرها للنصارى فيه هيكلهم ومذبحهم وبيعتهم من أعظم بيع الشأم، ودخلها الروم وقتنا هذا فأتوا على سوادها وأخربوها، وجميع طرق حمص من أسواقها وسككها مفروشة بالحجارة مبلّطة وقد زاد اختلالها بعد دخول الروم اليها وانصراف سلطانها عنها [ثمّ إنّ قوما استوطنوا ممّن سلم من الروم] «١٩» وقد أتت البادية على ظاهرها ورساتيقها وما أظنّ الروم تركت بها رمقا لما بعد، وانطرطوس حصن
стр. 180
على البحر ثغر لأهل حمص فيه مصحف عثمن بن عفّان وعليه سور من حجارة يمنع أهلها من بادية «٢» وقصدها من الروم استباحة وقد نجوا غير مرّة من الروم لقلّة اكتراثهم بما فى البلد ورزوح حال أهله ولم يقف نقفور عليه لهذا من سبب، وشيزر وحماة مدينتان صغيرتان نزهتان كثيرتا المياه والشجر والزرع والفواكه والخضر حصينتان فى ذاتهما لذاتهما، (١١) وجند قنّسرين فمدينتها حلب وكانت عامرة غاصّة بأهلها كثيرة الخيرات على مدرج طريق العراق الى الثغور وسائر الشأمات وافتتحها الروم [وكان الروم قد افتتحها فى تأريخ ثلثمائة ونيّف وسبعين] «٨» مع سور عليها حصين من حجارة لم يغن عنهم من العدوّ شيئا بسوء تدبير سيف الدولة وما كان به من العلّة فأخرب جامعها وسبى «١٠» ذرارىّ أهلها وأحرقها، ولها قلعة غير طائلة وقد عمرت وقتنا هذا ولجأ اليها فى وقت فتح حلب قوم فنجوا «١٢» ، وهلك بحلب [٥٣ ظ] وقت فتحها من المتاع والجهاز للغرباء وأهل البلد وسبى منها وقتل من أهل سوادها ما فى إعادته على وجهه إرماض لمن سمعه ووهن على الإسلام وأهله، وكان لها أسواق حسنة وحمّامات وفنادق كثيرة ومحالّ وعراص فسيحة ومشايخ وأهل جلّة، [وهى الآن فى زماننا وهو تأريخ نيّف وسبعين وخمس مائة للهجرة أحسن ممّا كانت قديما وأكثر عمارة مأهولة بالمشائخ والرؤساء وأمّا قلعتها فهى حصينة منيعة فى غاية الإحكام لا يقدر عليها،] «١٨» وهى الآن «١٩» بخسّة أميرها ودناءة نفسه مملوكة من جهتين إحداهنّ أنّها فى قبضة الروم مجزيّة يؤدّى كلّ إنسان عن داره ودكّانه جزية والثانية «٢٠» أنّ أميرها إذا وردها متاع من خسيس ونفيس اشتراه من جالبها وباعه هو لأهلها على أقبح صورة وأخسّ جهة وما يستثار بها من خلّ وصابون فهو يعمله ويبيعه وليس بها مبيع ولا مشترى
следующие страницы →