← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11780

صورة الأرض

ابن حوقل

Полный текст (516 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

العبّاس بن أحمد وأبو عبد الله بن مقاتل وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق وقد عقدت على خزرون حينا بخمس مائة ألف دينار، وكذلك جند دمشق فعقدت على خزرون وعلى أبى الحسن علىّ بن محمّد بن جانى «٣» وعلى ابن مالك «٤» فكانت تكون فى يد كلّ واحد منهم سنين بخمس مائة ألف دينار، وكان كافور له فى تغطرسه منزلة لا يزيد عليها وهو أن إذا عقد على بعض عمّاله أو ألجأ عليه شيئا من أعماله طالبه قبل وجوب المال عليه بشىء منه على طريق القرض منه وكانوا بحسن نظره لهم أغنياء أملياء ويحتسب بذلك لهم ممّا تحت أيديهم ويجب عليهم، ولم يعقد بمصر فى وقته على أحد من أوليائه عقد تدبير إلّا وربح فيه مثله من حيث يعلمه ويتقرّره «١٠» ويقول إذا لم يختصّ الأولياء بالنعم صارت الى الأعداء عند الأخذ بالكظم فهم صنائعى وأولادى، (٧) والجبال والشراة فناحيتان متميّزتان أمّا الشراة فمدينتها اذرح والجبال مدينتها رواث وهما بلدان فى غاية الخصب والسعة وعامّة سكّانهما العرب متغلّبون عليها، (٨) وأمّا الأردنّ فمدينتها الكبرى طبريّة وهى على بحيرة غذبة الماء طولها اثنا عشر فرسخا فى عرض فرسخين أو ثلثة وبها عيون جارية حارّة ومستنبطها على نحو فرسخين من المدينة فإذا انتهى الماء الى المدينة على ما دخله من الفتور بطول السير إذا طرحت فيه الجلود تمعّطت لشدّة حرّه ولا يمكن استعماله إلّا بمزاج ويعمّ هذا الماء حمّاماتهم وحياضهم، والغور مع أوّل هذه البحيرة ثمّ يمتدّ على بيسان حتّى ينتهى الى زغر ويرد البحيرة الميّتة والغور ما بين جبلين غائر فى الأرض جدّا وبه فاكهة وأب ونخيل وعيون وأنهار ولا يسقط به الثلوج وبعض الغور من حدّ الأردنّ الى أن يجاوز بيسان فإذا جاوزه كان من حدّ فلسطين وهذا البطن إذا امتدّ فيه السائر أدّاه الى ايلة، وكأنّ الغور «٢٤» من بين البلاد لحسنه وتبدّد

стр. 177

نخيله وطيبه ناحية من نواحى العراق الحسنة الجليلة، ومدينة صور من أحصن الحصون التى على شطّ البحر عامرة خصبة ويقال إنّه أقدم بلد بالساحل وإنّ عامّة حكماء اليونانيّة منها، وبالأردنّ كان مسكن يعقوب النّبيّ عليه السلم وجبّ يوسف على اثنى عشر ميلا «٤» من طبريّة ممّا يلى [٥٢ ظ] دمشق وجميع مياه طبريّة فمن بحيرتها، (٩) وأمّا جند دمشق فقصبتها دمشق وهى أجلّ مدينة بالشأم فى أرض مستوية قد دحيت بين جبال تحتفّ بها الى مياه كثيرة وأشجا وزروع قد أحاطت بها متّصلة وتعرف تلك البقعة بالغوطة عرضها مرحلة فى مرحلتين وليس بالشأم «٩» مكان أنزه منها ومخرج مائها من تحت بيعة تعرف بالفيجة «١٠» [مع ما يأتى اليه من عين بردى من جبل سنير] «١١» وهو أوّل ما يخرج مقدار ارتفاع ذراع فى عرض باع ثمّ يجرى فى شعب تتفجّر فيه العيون فيأخذ منه نهر عظيم أجراه يزيد بن معوية يغوص الرجل فيه عمقا ثمّ ينبسط منه نهر المزة «١٣» ونهر القناة ويظهر عند الخروج من الشعب بموضع يقال له النيرب ويقال أنّه المكان الذي عناه الله تعالى [بقوله] «١٥» وآويناهما الى ربوة ذات قرار ومعين ثمّ ينقل من هذا الماء عمود النهر المسمّى بردا وعليه قنطرة فى وسط مدينة دمشق لا يعبره الراكب غزر ماء وكثرة فيفضى الى قرى الغوطة ويجرى الماء فى عامّة دورهم وسككهم وحمّاماتهم، وبها مسجد ليس فى الإسلام أحسن منه ولا أقين «١٩» بقعة فأمّا الجدار والقبّة التى فوق المحراب عند المقصورة فمن أبنية الصابئين وكان مصلّاهم ثمّ صار فى أيدى اليونانيّين وكانوا يعظّمون فيه دينهم ثمّ صار «٢١» لليهود وملوك من عبدة الأصنام والأوثان وقتل فى ذلك

стр. 178

الزمان يحيى بن زكريّاء عليهما السلم فنصب رأسه على باب هذا المسجد المسمّى باب جيرون ثمّ تغلّبت عليه «٢» النصارى فصارت فى أيديهم بيعة لهم يعظّمون فيها دينهم حتّى جاء الإسلام فصار المكان للمسلمين واتّخذوه مسجدا وعلى باب جيرون نصب رأس الحسين بن علىّ بالموضع الذي نصب فيه رأس يحيى بن زكريّاء عليهم أجمعين السلم، فلمّا كان فى أيّام الوليد بن عبد الملك عمره فجعل أرضه رخاما مفروشا وجعل وجه جدرانه رخاما مجزّعا وأساطينه رخاما موشّى ومعاقد رؤوس أساطينه ذهبا ومحرابه مذهّب الجملة مرصّعا بالجواهر، ودور السقف كلّه ذهب مكتّب «٧» كما يطوّق «٨» ترابيع جدار المسجد ويقال إنّه أنفق فيه وحده خراج الشأم سنين، «٩» وسطحه رصاص فإذا أرادوا غسله بثقوا الماء «١٠» اليه فدار على رقعة المسجد بأجمعه حتّى إذا فجر منه انبسط عنه وعن جميع الأركان بالسويّة وكان خراج الشأم على عهد بنى مروان ألف ألف دينار وفوق ثمان مائة «١٢» ألف دينار، ومن حدّ دمشق بعلبك وهى مدينة على جبل وعامّة أبنيتها من حجارة وبها قصور من حجارة قد بنيت على أساطين شاهقة وليس بأرض الشأم أبنية حجارة أعجب ولا أكبر «١٥» منها، وهى مدينة كثيرة الخير والغلّات والفواكه الجيّدة بيّنة الخصب والرخص وهى قريبة من مدينة بيروت التى على ساحل بحر الروم وهى فرضتها وساحلها وبها يرابط أهل دمشق وسائر جندها وينفرون اليهم عند [٥٢ ب] استنفارهم وليسوا كأهل دمشق فى جساء الأخلاق وغلظ الطباع وفيهم من إذا دعى الى الخير أجاب وأصغى وإذا أيقظه الداعى أناب، ولنفس دمشق خاصّيّة بطالعها المحيل بطاعتها الى الخلاف وسمعت عبد الله بن محمّد القلم «٢١» يقول فى برج الأسد

стр. 179

فساد باعوجاج فى درج منه مع شرفه ومحلّه وقلّما كان به «١» من بلد أو أوجب «٢» له من تربيع ومقابلة لتلك الدرج سبب بنحس وحكم فصفت طاعته واستقامت «٣» وذكر أشياء فى حكم سمرقند واردبيل ومكّة ودمشق وصقلّيه وقال لا تصلح لسلاطينها ولا تستقيم لملوكها إلّا بالسيف وأكثر أهل هذه المدن فالغدر أثبت فى نفوسهم والشرّ أشمل الأحوال عليهم، وببيروت هذه كان مقام الأوزاعىّ وبها من النخيل وقصب السكّر والغلّات المتوافرة وتجارات البحر عليها دارّة «٧» واردة وصادرة وهى مع حصنها حصينة منيعة السور جيّدة الأهل مع منعة فيهم من عدوّهم وصلاح فى عامّة أمورهم، (١٠) وأمّا جند حمص فإنّ مدينتها حمص وهى فى مستواة خصبة أيضا وكانت أيّام عمارتها صحيحة الهواء [من أصحّ بلدان الإسلام تربة] «١١» وكان فى أهلها خبال «١٢» ويسار فدخلها الروم غير دفعة فأحالوها وليس بها عقارب ولا حيّات وإذا أدخلت الحيّة والعقرب اليها ماتت ولها مياه وأشجار وكانت كثيرة الزرع والضرع وكانت أكثر زروع رساتيقها بخوسا أعذاء، وبها بيعة بعضها مسجد الجامع وشطرها للنصارى فيه هيكلهم ومذبحهم وبيعتهم من أعظم بيع الشأم، ودخلها الروم وقتنا هذا فأتوا على سوادها وأخربوها، وجميع طرق حمص من أسواقها وسككها مفروشة بالحجارة مبلّطة وقد زاد اختلالها بعد دخول الروم اليها وانصراف سلطانها عنها [ثمّ إنّ قوما استوطنوا ممّن سلم من الروم] «١٩» وقد أتت البادية على ظاهرها ورساتيقها وما أظنّ الروم تركت بها رمقا لما بعد، وانطرطوس حصن

стр. 180

على البحر ثغر لأهل حمص فيه مصحف عثمن بن عفّان وعليه سور من حجارة يمنع أهلها من بادية «٢» وقصدها من الروم استباحة وقد نجوا غير مرّة من الروم لقلّة اكتراثهم بما فى البلد ورزوح حال أهله ولم يقف نقفور عليه لهذا من سبب، وشيزر وحماة مدينتان صغيرتان نزهتان كثيرتا المياه والشجر والزرع والفواكه والخضر حصينتان فى ذاتهما لذاتهما، (١١) وجند قنّسرين فمدينتها حلب وكانت عامرة غاصّة بأهلها كثيرة الخيرات على مدرج طريق العراق الى الثغور وسائر الشأمات وافتتحها الروم [وكان الروم قد افتتحها فى تأريخ ثلثمائة ونيّف وسبعين] «٨» مع سور عليها حصين من حجارة لم يغن عنهم من العدوّ شيئا بسوء تدبير سيف الدولة وما كان به من العلّة فأخرب جامعها وسبى «١٠» ذرارىّ أهلها وأحرقها، ولها قلعة غير طائلة وقد عمرت وقتنا هذا ولجأ اليها فى وقت فتح حلب قوم فنجوا «١٢» ، وهلك بحلب [٥٣ ظ] وقت فتحها من المتاع والجهاز للغرباء وأهل البلد وسبى منها وقتل من أهل سوادها ما فى إعادته على وجهه إرماض لمن سمعه ووهن على الإسلام وأهله، وكان لها أسواق حسنة وحمّامات وفنادق كثيرة ومحالّ وعراص فسيحة ومشايخ وأهل جلّة، [وهى الآن فى زماننا وهو تأريخ نيّف وسبعين وخمس مائة للهجرة أحسن ممّا كانت قديما وأكثر عمارة مأهولة بالمشائخ والرؤساء وأمّا قلعتها فهى حصينة منيعة فى غاية الإحكام لا يقدر عليها،] «١٨» وهى الآن «١٩» بخسّة أميرها ودناءة نفسه مملوكة من جهتين إحداهنّ أنّها فى قبضة الروم مجزيّة يؤدّى كلّ إنسان عن داره ودكّانه جزية والثانية «٢٠» أنّ أميرها إذا وردها متاع من خسيس ونفيس اشتراه من جالبها وباعه هو لأهلها على أقبح صورة وأخسّ جهة وما يستثار بها من خلّ وصابون فهو يعمله ويبيعه وليس بها مبيع ولا مشترى

стр. 181

إلّا وله فيه مدخل قبيح، وشرب أهلها من نهر بها يعرف بأبى الحسن فويق وفيه قليل طفس ولم تزل أسعارها فى الأغذية قديما وجميع المآكل والمشارب واسعة رخيصة [وعليهم الآن للروم فى كلّ سنة قانون يؤدّونه وضريبة تستخرج من كلّ دار وضيعة معلومة] «٤» وكأنّ الهدنة التى هم فيها مع الروم محلولة معقودة لأنّ الأمر فى حلّها وعقدها الى الروم وإن كانت أحوالها كالمتماسكة والأمور التى تجرى معهم كالراخية «٦» فليست فى جزء من عشرين جزء ممّا كانت عليه وفيه فى قديم أوقاتها وسالف أيّامها، وقنّسرين مدينة تنسب الكورة اليها وهى من أضيق تلك النواحى بناء وإن كانت نزهة الظاهر مغوثة «٩» فى موضعها بما بها من الرخص والسعة فى الخيرات والمياه [فاكتسحتها الروم فكأنّها لم تكن إلّا بقايا دمن فديتها من دمن] «١١» ، ومعرّة النعمن مدينة هى وما حولها من القرى أعذاء ليس بجميع نواحيها ماء جار ولا عين وكذلك جميع جند قنّسرين أعذاء وشربهم من ماء السماء وهى مدينة كثيرة الخير والسعة فى التين والفستق وما شاكل ذلك من الكروم والأزبّة، وبينها وبين جبلة المدينة التى كانت على ساحل بحر الروم [....] «١٥» وكان رؤساؤها بنى وزير فافتتحها نقفور وسبى منها خمسة وثلثين ألف مرأة وصبىّ ورجل بالغ بلقاء العدوّ ويمانع عن نفسه، وحصن برزويه «١٧» وهو حصن حصين وحجر منيع وقف عليه الروم غير وقت فاستحسنوه ولم يتعرّضوه ثمّ هادنوا أهله خوفا ممّا علق ببلاد

стр. 182

المسلمين من الخذلان وهلاك السلطان وقلّة الإيمان وإن بقيت الحالة على ما نحن به فالأمر سهل والمخوف المتوقّع أعظم وأجلّ وكأنّ الناس وقتنا هذا فى شغل بأحزانهم «٣» عن ذكر سلطانهم وهلاك أديانهم وخراب أوطانهم وفساد شأنهم عن برزويه وحصنه وقد ملكه الروم وقتنا هذا وكأنّنا بآمد وقد [قيل أسلمه أهله] «٦» ، وكانت جزيرة قبرس تحاذى جبلة فى وسط البحر الرومىّ وبينهما مجرى يوم وليلة وكانت للروم والمسلمين فاستخلصها الروم واستصفوها بأمور أكثر ضررها من المسلمين جرى وعن تفريطهم حدث، والخناصرة وهى حصن يحاذى قنّسرين الى ناحية البادية وعلى شفيرها وسيفها كان يسكنه عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وكانت صالحة فى قدرها مغوثة للمجتازين عليها فى وقتنا لأنّ الطريق انقطع فى غير وقت من بطن الشأم على التجّار باعتراض السلطان عليهم وبما سرح الروم بالشأم فى غير وقت فلجؤا الى طريق البادية لبوار السلطان واستيلاء الأعراب على الولاة وخفروا وساروا بالأدلّاء وعن قريب [٥٣ ب] يكفّ التجّار فقرهم وتنقطع سابلتهم وطرقهم، (١٢) والعواصم اسم الناحية وليس بمدينة تسمّى بذلك وقصبتها انطاكية وكانت بعد دمشق أنزه بلاد الشأم وعليها الى هذه الغاية سور من صخر يحيط بها وبجبل مشرف عليها فيه لهم مزارع ومراع وأشجار وأرحية وما يستقلّ به أهلها من مرافقها ويقال أنّ دور السور للراكب «١٨» يوم ولهم مياه تجرى فى أسواقهم ودورهم وسككهم ومسجد جامعهم وكان لها ضياع وقرى

стр. 183

ونواح خصبة حسنة فاستولى عليها العدوّ وملكها وقد كانت اختلّت قبيل افتتاحها فى أيدى المسلمين وهى الآن أشدّ اختلالا ورزوحا وفتحها الروم فى أوّل سنة تسع وخمسين فما اضطرب فيها من قطع شعرة للروم ولا توصّل فى نصرتها برأى صحيح ولا مشلوم وبجوارها من السلاطين والبوادى والقروم والملوك من قد أشغله يومه عن غده وحرامه وحطامه عمّا أوجب الله تعالى والسياسة والرياسة عليه فهو يلاحظ ما فى أيدى تجّار بلده ويشتمل عليه ملك رعيّته ليوقع الحيلة على أخذه والشبكة على صيده والفخّ على ما نصب له ثمّ لا يمتّع به فيسلب عمّا قريب ما احتقب من الحطام وجمع من الآثام «٩» ، [فاستولى على أكثر نواحيها المسلمون منذ ملكها وذلك فى السنة الثامنة والتسعين وأربعمائة للهحرة،] «١٠» (١٣) ومدينة بالس مدينة على شطّ الفرات من غربيّه صغيرة وهى أوّل مدن الشأم من العراق وكان الطريق اليها عامرا ومنها الى مصر وغيرها سابل وكانت فرضة لأهل الشأم على الفرات فعفت آثارها ودرست قوافلها وتجّارها [بعد سيف الدولة] «١٤» وهى مدينة عليها سور أزلىّ ولها بساتين فيما بينها وبين الفرات وأكثر غلّاتها القمح والشعير ويعمل بها من الصابون الكثير الغزير، [ومن مشهور أخبارها أنّ المعروف بسيف الدولة علىّ بن حمدان عند انصرافه عن لقائه صاحب مصر وقد هلك جميع جنده أنفذ اليها المعروف بأبى حصين القاضى فقبض من تجّار كانوا بها معتقلين عن السفر ولم يطلق لهم النفوذ مع خوف نالهم فأخرجهم عن أحمال بزّ وأطواف زيت الى ما عدا ذلك من متاجر الشأم فى دفعتين بينهما شهور قلائل وأيّام يسيرة ألف ألف دينار،] «٢١» وبالقرب من بالس مدينة منبج «٢٢» وهى مدينة خصبة حصينة وكثيرة الأسواق الأزليّة عظيمة الآثار الروميّة ولها من ناطف الزبيب المعمول بالجوز والفستق والسمسم ما لم أر له شبها

стр. 184

إلّا ما ببخارا منه فإنّه يزيد عليه فى الحلاوة ويجعل البخاريّون فيه الطيب على العموم فهو لذيذ وبمنبج من الكروم الأعذاء على وجه الأرض فى سائر ضياعها ما يزيد على الكثرة ويحمل أزبّتهم الى حلب وغيرها وهى مدينة برّيّة وأرض ثريّة حمراء خلوقيّة الغالب على مزارعها البخوس وعليها سور أزلىّ، وبقربها مدينة سنجة وهى مدينة صغيرة بقربها قنطرة حجارة تعرف بقنطرة سنجة «٦» ليس فى الإسلام قنطرة أعجب ولا أعظم منها ويضرب بها المثل فيقال من عجائب الدنيا كنيسة الرها وقنطرة سنجة «٧» ، ومدينة سميساط على نفس الفرات وتقارب المدينة المسمّاة جسر منبج وهما مدينتان صغيرتان حصينتان لهما «٩» سقى كبير من مياه بهما وزروعهم بخوس وماؤهما من الفرات، (١٤) وكانت مدينة ملطيه مدينة كبيرة من أجلّ الثغور وأشهرها وأكثرها سلاحا وأجلدها رجالا دون جبل اللكام الى ما يلى الجزيرة وتحتفّ بها أيضا جبال كثيرة بها مباح الجوز واللوز والكروم والرمّان وسائر الثمار الشتويّة والصيفيّة وهى مباحة لا مالك لها وهى من أقوى بلد للروم فى هذا الوقت [٥٤ ظ] يسكنها الأرمن وفتحت فى سنة تسع عشرة وثلثمائة فكانت أوّل مصيبة دخلت على الإسلام من جهة الثغور ثمّ انثالت المصائب على الناس فى ثغورهم وأنفسهم وأموالهم وأسعارهم وأبشارهم وسلاطينهم فنسيت «١٨» ، وكانت المدينة المعروفة بحصن منصور صغيرة حصينة فيها منبر ولها رستاق وقرى برسمها أعذاء فاستأثر القضاء بهلاكها على أيدى بنى حمدان والروم، وكانت الحدث ومرعش مدينتين صغيرتين افتتحهما «٢١» الروم قبل هذا الحين وأعادهما «٢٢» سيف الدولة علىّ بن عبد الله

стр. 185

وعاد الروم فانتزعوهما «١» ثانيا من المسلمين [وعاد المسلمون فتحوها وكان فتحها مسعود بن قلج ارسلان السلجوقىّ «٢» صاحب بلاد الروم سنة خمس وأربعين وخمسمائة وهى بيد المسلمين الآن] «٣» وكان لهما زروع وأشجار وفواكه وكانتا ثغرين يرابط فيهما المسلمون ويجاهدون فيغنمون فساءت النيّات وفتحت الأعمال وارتفعت البركات ولجّ الملوك فى الاستئثار بالأموال والعامّة فى المعاصى على الإضرار فهلك العباد وتلاشت البلاد وانقطع الجهاد وبذلك نطق وحيه تعالى إذ يقول وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها الآية «٨» ، وكانت الهارونيّة من غربىّ جبل اللكام وفى بعض شعابه حصنا صغيرا بناه هرون الرشيد وأدركته فى غاية العمارة وأهله فى جهادهم فى نهاية الجلد والشطارة يغزون فيغنمون ويتلصّصون على بلد الروم فيسلمون وقد ملكه الروم، وكانت الإسكندرونة «١١» أيضا حصنا على ساحل بحر الروم ذا نخيل وزروع كثيرة وغلّة وخصب فدخله العدوّ وملكه فهوّله، وكذلك التينات «١٣» حصن كان على شطّ البحر فيه مقطع لخشب الصنوبر الذي كان ينقل الى الشأم ومصر والثغور منه ما لا يحصى وكان فيه رجال قتّال أجلاد لهم علم بمضارّ بلد الروم ومعرفة بمخائضهم ومهالكهم، وكانت الكنيسة أيضا حصنا فيه منبر ثغر فى معزل من ساحل البحر يقارب حصن المثقّب «١٧» الذي كان استحدثه عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه وعمره وكان فيه منبره ومصحفه بخطّه وسكّانه قوم سراة من ولد عبد شمس اعتزلوا الدنيا ورفضوا المكاسب وكان لهم ما يقوتهم من المباح فهلكا جميعا، وكانت عين زربة بلدا «٢٠» يشبه مدن الغور به النخيل والخصب والسعة فى الثمار والزرع وهى المدينة التى كان وصيف الخادم همّ بالدخول منها الى بلد الروم فأدركه المعتضد بها وكانت حسنة الداخل والخارج نزهة من داخل سورها جليلة فى جميع أمورها،

стр. 186

(١٥) وكانت المصيّصة مدينتين إحداهما «١» تسمّى المصّيصة والأخرى كفربيا على جانبى جيحان وبينهما قنطرة حجارة وكانتا حصينتين على نشز من الأرض وشرف ينظر منها الجالس فى مسجد جامعها الى نحو البحر أربعة فراسخ كالبقعة «٤» كانت بين يديه خضرة نضرة جليلة الأهل نفيسة القدر كثيرة الأسواق حسنة الأحوال، وجيحان نهر يخرج من بلد الروم حتّى ينتهى الى المصّيصة ثمّ الى رستاق يعرف بالملوان فيقع فى بحر الروم وكانت عليه من القرى والضياع الكثيرة الماشية والكراع ما لم يبق منهم نافخ نار، وكانت اذنه أيضا مدينة كأحد جانبى المصّيصة على نهر سيحان فى غربىّ النهر وسيحان دون جيهان فى الكبر عليه قنطرة [٥٤ ب] عجيبة البناء طويلة جدّا ويخرج هذا النهر من بلد الروم أيضا وكانت جليلة الأهل حسنة المحلّ فى كلّ أصل وفصل وعلى سمت طريق طرسوس، فأمّا مدينة طرسوس فكانت المدينة المشهورة المستغنى بشهرتها عن تحديدها كبيرة استحدثها المأمون بن الرشيد ومدّنها وجعل عليها سورين من حجارة وكانت تشتمل من الخيل والرجال والعدّة والعتاد والكراع والسلاح والعمارة والخصب والغلّات والأموال والسعة فى جميع الأحوال على حال لم يتّصل بمثله ثغر من ثغور المسلمين لكافر ولا مسلم الى عزّ تامّ ونصر عامّ على جميع من وليها من رجال الإسلام فما غزا «١٧» فى برّ أو بحر إلّا وصحبه من الظفر والنصر والغنائم بالقسر والقهر ما ينطق الأخبار بتصديقه والآثار بتحقيقه «١٨» وكان بينها «١٩» وبين حدّ الروم [جبال] منيعة متشعّبة من اللكام كالحاجز بين العملين، ورأيت غير عاقل مميّز وسيّد حصيف مبرّز يشار اليه بالدراية والفهم واليقظة والعلم والفطنة والسياسة والرياسة يذكر أنّه كان بها مائة ألف فارس وبعملها وذلك عن قريب عهد من الأيّام [التى] «٢٢»

стр. 187

أدركتها وشاهدتها وكان السبب فى ذلك أن ليس مدينة عظيمة من حدّ سجستان وكرمان وفارس وخوزستان والرىّ واصبهان وجميع الجبال وطبرستان والجزيرة واذربيجان والعراق والحجاز واليمن والشأمات «٣» ومصر والمغرب إلّا وبها لأهلها دار ورباط ينزله غزاة تلك البلدة ويرابطون بها إذا وردوها وترد عليها الجرايات والصلات وتدرّ عليهم الأنزال والحملان العظيمة الجسيمة الى ما كان السلاطين يتكلّفونه وأرباب النعم يعانونه وينفذونه متطوّعين ويتحاضّون عليه متبرّعين ولم يكن فى ناحية ذكرتها رئيس ولا نفيس إلّا وله عليها أوقاف من ضياع ذوات أكرة وزرّاع وغلّات أو مسقّف من فنادق ودور وحمّامات وخانات هذا الى مشاطرة من الوصايا بالعين الكثير والورق والكراع الغزير فهلكت وهلكوا وذهبت وذهبوا وكأنّهم لم يقطنوها وعفوا وكأنّهم لم يسكنوها حتّى لصاروا كما قال جلّ ذكره هل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا «١٢» ، وكانت اولاس حصنا على ساحل البحر فيه قوم متعبّدون حصينا وكانت فيهم خشونة فى ذات الله وكان فى آخر ما على بحر الروم من العمارة فكانت ممّا بدأ به العدوّ، وبغراس حصن كان فيه منبر على طريق الثغور وكانت فيه دار ضيافة لزبيدة ولم يكن للمسلمين بالشأم دار ضيافة غيرها، (١٦) وأمّا البحيرة الميّتة فهى من الغور فى صدر الشأم بقرب زغر وإنّما تسمّى الميّتة لأنّه لا شىء فيها من الحيوان إلّا شىء تقذف «١٨» به يعرف بالحمريّة «١٩» وأهل زغر بناحية يلقحون كرومهم وكروم فلسطين كما تلقح النخل بالطلع الذكر وكما يلقح أهل المغرب تينهم بذكارهم، وزغر مدينة حارّة جروميّة متّصلة بالبادية صالحة الخيرات وبها من عمل النيل والتجارة به وفيه ما لا يقصر عمّا بكابل من صنّاعه وعمّاله غير أنّه يقصر عن

стр. 188

صباغ «١» نيل كابل، وبزغر بسر «٢» يقال له الانقلاء وليس بالعراق [٥٥ ظ] ولا بمكان من الأرض أعذب منه ولا أحسن من منظره لونه كالزعفران فلم يغادر منه شيئا ويكون فى أربعة منه رطل، وديار قوم لوط وهى الأرض المعروفة بالملعونة وليس بها زرع ولا ضرع ولا حشيش [ولا نبات] «٤» وهى بقعة سوداء قد افترشتها حجارة متقاربة فى الكبر ويروى أنّها الحجارة المسوّمة التى رمى به قوم لوط وعلى جميع تلك الحجارة كالطابع من وجهيها وهى شىء كقواليب الجبن المستديرة هيآتها وخلقها فلا يرى فيها ما يخالف شيئا من أشكالها، ومعان مدينة صغيرة على شفير البادية أيضا سكّانها بنو أميّة وفيهم لبنى السبيل مرفق ومغوثة، وحوران والبثنية «٩» رستاقان عظيمان من جند دمشق مزارعها مباخس ويتّصل أعمالهما بحدود نهر بين «١١» الذي عند البلقاء وعمان الذي جاء فى الخبر أنّه نهر من ركىّ الحوض «١٢» وأنّه ما بين بصرى وعمان، (١٧) فأمّا المسافات بالشأم فإنّ طولها «١٣» من حدّ ملطيه الى رفح والطريق من ملطيه على منبج وبينهما أربعة أيّام ومن منبج الى حلب يومان ومن حلب الى حمص خمسة أيّام ومن حمص الى دمشق خمسة أيّام ومن دمشق الى طبريّة أربعة أيّام ومن طبريّة الى الرملة ثلثة أيّام ومن الرملة الى رفح يومان فالجميع خمسة وعشرون يوما، وعرضها فى بعض المواضع أكثر من بعض وذلك أنّ أعرضها «١٨» طرفاها وأحد طرفيها من الفرات من جسر منبج على منبج ثمّ على قورس فى حدّ قنّسرين ثمّ على العواصم فى حدّ انطاكيه ثمّ يقطع جبل اللكام الى بياس ثمّ الى التينات «٢٠»

стр. 189

ثمّ على المثقب ثمّ على المصّيصة وعلى اذنه ثمّ على طرسوس «١» وذلك نحو عشر مراحل، وإن سلكت من بالس الى حلب ثمّ الى انطاكيه ثمّ الى الاسكندرونة «٣» ثمّ الى بياس حتّى تنتهى الى طرسوس «٤» فالمسافة أيضا نحو عشر مراحل غير أنّ السمت المستقيم هو الطريق الأوّل، وأمّا الطرف الآخر فهو من حدّ فلسطين فيأخذ من البحر من حدّ يافا حتّى ينتهى الى الرملة ثمّ الى بيت المقدس ثمّ الى ريحا ثمّ الى زغر ثمّ الى جبال الشراة الى أن ينتهى الى معان ومقداره «٧» المذكور ستّ مراحل، فأمّا ما بين هذين الطريقين من الشأم فمختصر ولا يكاد يزيد عرض موضع الاردنّ ودمشق وحمص على أكثر من ثلاث مراحل لأنّ من دمشق الى بيروت على بحر الروم مسيرة يومين غربا والى أقصى الغوطة من دمشق حتّى يتّصل بالبادية مشرقا يوم ومن حمص الى انطرطوس التى على بحر الروم مسيرة يومين غربا ومن حمص الى سلميّة «١٢» على البادية مشرقا يوم، ومن طبريّة الى صور التى على البحر غربا مرحلة ومنها الى أن يجاوز فيق «١٣» على ديار بنى فزارة مشرقا دون المرحلة «١٤» ، وهذه مسافات طول الشأم وعرضه، (١٨) والمسافة فى أضعافه فالمبتدأ بفلسطين إذ هى أول أجناد الشأم ممّا يلى المغرب وقصبتها الرملة ومنها الى يافا نصف مرحلة ومن الرملة الى عسقلان مرحلة ومنها الى غزّة «١٧» [دون] «١٨» مرحلة، ومن الرملة الى بيت المقدس يوم ومن بيت المقدس الى مسجد إبراهيم عليه السلم يوم ومن بيت المقدس الى ريحا مرحلة ومن بيت المقدس الى البلقاء مرحلتان، ومن الرملة الى قيساريّة [٥٥ ب] مرحلة ومن الرملة الى نابلس مرحلة ومن ريحا الى زغر مرحلتان ومن زغر الى جبال الشراة مرحلة ومن جبال الشراة الى آخر الشراة مرحلة، وقصبة الأردنّ طبريّة ومنها الى صور يوم

стр. 190

ومنها الى عقبة فيق مرحلة ومنها الى بيسان مرحلتان خفيفتان ومنها الى عكّا يوم، والاردنّ أصغر أجناد الشأم وأقصرها مسافة ولم تزل فى يد أبى منصور أحمد بن العبّاس محلولة ومعقودة سنين كثيرة بمائتى ألف دينار «٤» ، وأمّا جند دمشق فدمشق قصبتها ومنها الى بعلبك يومان ومنها الى بيروت [يومان ومن بيروت] «٥» الى اطرابلس يومان ومن بيروت الى صيداء يومان ومن دمشق الى اذرعات أربعة أيّام والى أقصى الغوطة يوم والى حوران» والبثنية يومان، وجند قنّسرين فقنّسرين مدينتها غير أنّ الإمارة والأسواق ومجمع ناسها والعمارات انتقلت الى حلب ومن حلب الى [بالس يومان ومن حلب الى قنّسرين يوم ومن حلب الى الاثارب يوم ومن حلب الى] «١٠» قورس يوم ومن حلب الى منبج يومان ومن حلب الى الخناصرة يومان، (١٩) وقد مرّ فى ذكر العواصم ما صارت اليه من ملك الروم لها ما يغنى عن إعادة فيها «١٣» ، [والعواصم قصبتها انطاكية وكان منها الى اذنة ثلاث مراحل ومنها الى بغراس يوم والى الاثارب يومان والى حمص أربع مراحل ومنها الى مرعش يومان والى الحدث ثلاث مراحل،] «١٥» والثغور فلا قصبة لها وكلّ مدينة قائمة بنفسها ومنبج مدينة قريبة من الثغور ومنها الى الفرات مرحلة خفيفة، ومن منبج الى قورس مرحلتان ومنها الى ملطيه أربعة أيّام، [ومن منبج «١٨» الى سميساط يومان ومن منبج الى الحدث يومان، ومن سميساط الى شمشاط مرحلتان ومن شمشاط الى حصن منصور يوم ومن حصن منصور «٢٠» الى ملطية يومان، ومن حصن منصور الى زبطرة «٢١»

стр. 191

يوم ومن حصن منصور الى الحدث يوم، ومن ملطية الى مرعش ثلاث مراحل كبار ومن مرعش الى الحدث يوم، فهذه مسافات الثغور الجزريّة،] وكذا الثغور الشأميّة «٣» ، [وأمّا الثغور الشأميّة فمن الاسكندرونة «٤» الى بياس مرحلة خفيفة ومن بياس الى المصّيصة مرحلتان ومن المصّيصة الى عين زربة مرحلة ومن المصّيصة الى اذنة مرحلة ومن اذنة الى طرسوس مرحلة ومن طرسوس الى اولاس على بحر الروم يومان «٦» ومن طرسوس الى الحوزات مرحلتان ومن طرسوس الى بياس على بحر الروم فرسخان ومن بياس الى الكنيسة والهارونيّة أقلّ من يوم ومن الهارونيّة الى مرعش من ثغور الجزيرة مرحلة فهذه جملة مسافات الثغور،] «٩» (٢٠) وقد انتهى القول فيما قصدت ذكره من الشأم بعد ذكر المغرب ومصر والشأم فى أقاليم ممتدّة على بحر الروم، وقد استوفيت أيضا ذكره ولا وجه لذكر ارتفاع ما خرج عن أيدى أهل الشأم والباقى من الشأم فى أيدى المسلمين وحكمهم فيه نافذ وأمرهم فيه ماض فهو ما كان على ساحل بحر الروم [من] «١٤» حدّ اطرابلس وانفه الى نواحى يافا وعسقلان [لأنّ اللاذقيّة وما نزل عنها وحاذاها تحت جزيتهم ومقاطعتهم] «١٥» ، وما عدا ذلك فللروم وقبضتهم «١٦» وحوزتهم قد استولت عليهم أسيافهم والحكم فيه اليهم، وقد أقام كثير من أهلها فيما رضوا منهم فيه بالجزية وأظنّهم بآخرة صائرين الى النصرانيّة أنفة من ذلّة الجزية ورغبة مع حذق المؤونة فى العزّ والراحة، فأمّا تقدير ما بقى منها لم أذكره فمذ سنون كثيرة لم يقع لها قانون صحيح ولا استخراج على طريقته وصحّته «٢٠» وذلك أنّها مذ سنة أربعين «٢١» بين قوم

стр. 192

يتطاول أحدهم على الآخر وأكثرهم غرضه «١» ما احتلبه فى يومه وحصّله لوقته لا يرغب فى عمارة ولا يلتفت اليها برؤية ولا إشارة، وكان ارتفاعه قديما بعد ما يخرج منه فى لوازم السلطان وأرزاق الجند والمتصرّفين من الكتّاب والعمّال [٥٦ ظ] تسعة وثلثين ألف ألف درهم وخمس مائة ألف درهم «٥» ، [ورأيت ارتفاع الشأم وما فى ضمنها من الأعمال والأجناد والتى أقف عليه من جماعة علىّ بن عيسى ومحمّد بن سليمان لسنة ستّ وتسعين ومائتين وسنة ستّ وثلثمائة من جميع وجوهها الى حقوق بيت المال وما يلزم له من التوابع دون أرزاق العمّال تسعة وثلاثون ألف ألف درهم] ، «٩»

стр. 193

[بحر الروم] (١) وسأصل ذلك بذكر بحر الروم وتصويره إذ هو خليج من البحر المحيط عليه أكثر هذه الديار وقد أتيت به على التقريب لا على الحقيقة إذ بعضه أشبه شىء بالدائرة المحدّدة، ومخرجه بين أرض الاندلس وأرض طنجة وسبتة وهذه الناحية محاذية من الاندلس لجزيرة جبل طارق واشبيليه «٥» وعرض هذا المخرج بهذا المكان المعروف باشبرتال وهو جبل عال «٦» ويمتدّ جنوبيّا الى سله ويحاذيه من العدوة الاندلسيّة جبل الأغر «٧» ويمتدّ الى لبله بناحية الشمال من الاندلس فيكون نحو اثنى عشر ميلا ثمّ لا يزال يتّسع ويعرض ويمتدّ على سواحل المغرب وممّا يلى شرقىّ هذا البحر حتّى ينتهى [الى] «٩» أقاصى أرض مصر ممتدّا «١٠» على أرضها الى الشأم متّصلا عليها الى الثغر الذي كان يعرف بطرسوس ويعطف الى بلدان الروم من جبال اقليميه الى انطاليه «١٢» ثمّ يصير الى خليج القسطنطينيّة «١٣» ويمضى على سواحل اثيناس «١٤» وسواحل قلوريه والانكبرذة الى افرنجه وروميه «١٥» ويصير البحر حينئذ جنوبيّا لأرض جليقيه ويكون على ساحله الافرنجة الى أن يتّصل بطرطوشه من بلاد الاندلس ويمتدّ على النواحى [٥٦ ب] التى تقدّم ذكرها فى صفة الاندلس ويجاوز «١٦» المرية وأعمال الجزيرة واشبيليه ويمضى على البحر المحيط الى شنترين وهى آخر بلاد الإسلام من ناحية الاندلس وجانب بلد الروم، (٢) ولو أنّ امرءا سار من سبتة وطنجة على ساحل هذا البحر المغربىّ

стр. 194

مؤمّلا أن يعود الى ما يحاذيه من أرض الاندلس لدار على جميع بحر الروم من حيث لا يمنعه مانع إلّا نهر يلقى اليه أو يفرع فيه أو خليج القسطنطينيّة فإنّه يفضى اليه من البحر المحيط أيضا وذلك أنّه انفصل به من الأرض فاصلة حازت شطر بلد الصقالبة وبعض بلد الروم فسمّيت الأرض الصغيرة «٥» والذي تحوز من البلاد معما ذكرته أرض قلوريه وجليقيه وافرنجه والاندلس فجعل ذلك جزيرة ليست مع الأرض الكبيرة ولا متّصلة بشىء منها لأنّها قائمة بنفسها ولم يحتج الى أن يدلّه دليل إن أمكنه ذلك، (٣) [٥٧ ظ] وما فى بطن هذه الصفحة صورة بحر الروم وما عليه من نواحيهم وشكله فى نفسه وإن كنت سقته على ما أتيت به من الاستطالة فى صورة المغرب فهو من الاستدارة على هذا الشكل، [٥٧ ب] إيضاح ما يوجد فى صورة بحر الروم من الأسماء والنصوص، قد صوّر البحر فى وسط الصورة ويكون على ساحله الأيسر من المدن طنجه، تنس، برشك، «١٣» اشرشال «١٤» ، تامدفوس «١٥» ، دمياط، ثمّ فى البحر تنيس، ثمّ على الساحل الفرما، عسقلان، يافا، بيروت، اطرابلس، اللاذقيه «١٦» ، ثمّ نهر ثمّ بياس ثمّ نهر ثان عليه من المدن كفربيا والمصيصه، ثمّ نهر ثالث عليه عين زربه واذنه «١٧» ، ثمّ نهر رابع عليه طرسوس وعن يمين طرسوس الرمانه وعند طرف الصورة الأسفل ... اربه «١٨» ، وعن يمين ذلك يأخذ من طرف الصورة الأسفل نهر كتب عند منتهاه نهر الزيت ثمّ عمود الفرات، وعلى ضفّة هذا النهر فى الجانب الأسفل ملطيه، تل موزن «٢٠» ، هباب، وينصبّ فيه عند تل موزن نهر ارسناس وعليه مدينة ارسناس، وعن يمين ملطيه يبتدئ نهر آخر وهو دجلة وعليها من المدن آمد، كافا «٢٢» ، التل، وفى الجانب الآخر من نهر

стр. 195

ارسناس بينه وبين عمود الفرات من المدن الارديس، قاليقلا، بدليس، منازجرد، خلاط، وينصبّ فى الفرات من الجانب الأعلى نهران أحدهما نهر قباقب وعند فوهته قباقب، وكتب فى الساحة بين نهر قباقب والفرات والبحر بلد ولد الأصفر وفيه من المدن ذو الكلاع، كونيه، سمندوا، زبطره، والنهر الثانى المنصبّ فى الفرات نهر غيلقط «٣» وبينه ونهر قباقب من المدن كمخ، صارخه، الرنلين «٤» ، خرشنه «٥» ، وعند مبتدأ نهر قباقب تنس «٦» ، ثمّ عند مبتدأ نهر غيلقط أرض الصرهوه «٧» وبين نهر غيلقط والفرات التى «٨» ، ورسم من أعلى ذلك نهر الس الذي ينصبّ فى البحر وعند مبتدئه مدينة الس، ويأخذ من هذا النهر نهر آخر الى الأعلى كتب عنده وادى اللقان وعن يمين هذا النهر مدينة صاغره وعند فوهته البلقلار ثمّ عن يمينها على الساحل.. ا. سور «٩» ، وفى هذا القسم الأيمن من الصورة من البلاد رستاق خونص «١٠» وبلد الطرقسيس «١١» وبلد الناطليق وبلد هرقله، ويكون فى الجانب الأعلى من نهر الس ابتداء عن اليسار سطرابلين «١٢» وسوسطه ومن أعلى سطرابلين على البحر افسوس وكتب عندها بلد أهل الكهف، ثمّ على وادى اللقان قومنه وكتب عن يسارها بلد «١٣» بن الشمشكى، وعند مصبّ وادى اللقان فى الخليج بحيرة نقموذيه ومن أسفل البحيرة نقموذيه وماسيه «١٤» ، ومن أعلى سوسطه الى جهة خليج القسطنطينيّة من المدن افخايطه، الابسيق، طموذيه «١٥» ، خلقذونيه «١٦» ، وعن يسار ذلك البلقلار، «١٧» ونيقيه وفى قطعة من البرّ تدخل فى البحر انطاليه «١٨» ، وعلى وسط الخليج من الجانب الأعلى القسطنطينيه وكتب عن يسارها مجذونيه، وفوق ذلك صورة بحر الروم وهو عنوان الصورة، وكتب فوق ذلك فى البرّ بهذه النواحى غير أمّة بلغة ولسان غير لسان من جاورها متصاقبين متجاورين على اختلافهم وتضادّهم وبعضهم فى طاعة عظيم الروم وبعضهم بل جلّهم وأكثرهم فى غير

стр. 196

طاعته وإنّ جميعهم يختلفونه «١» والديانة بالنصرانيّة، وعن يسار ذلك يقرأ موازيا لخطّ الجبل هذا الجبل عظيم مديد يزعم حسداى بن اسحاق أنّه متّصل بجبال ارمينيه ويقطع بلد الروم فيصل فيه الى خزران وجبال ارمينيه وكان بهذه النواحى خبيرا لأنّه «٣» دخلها ولقى أكابر ملوكها ورجالها، وكتب فى الجانب الآخر من الجبل الانكبرذه، وعن يسار ذلك صوّر الاندلس وفيه من المدن قرطبه واشبيليه والمريه ثمّ المريه «٤» مرّة ثانية فى البرّ ومن أسفل ذلك بلاد غلجشكش «٥» ، بشكونس «٦» ، روميه «٧» ، افرنجه، ثمّ من أسفل ذلك قسم من الأرض داخل فى البحر يقرأ فيه أرض قلوريه وعلى ساحلها من المدن مسنيان «٨» ، كسشه «٩» ، منتيه «١٠» ، ريو، ابن ذقتل «١١» ، بوه، قسطرقوقه «١٢» ، جراجيه «١٣» ، استلو «١٤» ، سبرينه «١٥» ، قطرونيه «١٦» ، رسيانه «١٧» ، قسانه «١٨» ، ثمّ يلى ذلك الى الأسفل جون كتب عنده فى البرّ هذا جون البنادقين وفيه جزائر كثيرة مسكونة وأمم كالشاغرة وألسنة مختلفة من افرنجيين «١٩» ونمتين «٢٠» وصقالبه وبرجان وغير ذلك، وعلى طرفى الجون مدينتا بذرنت واذرنت، ثمّ من أسفل ذلك ناحية أخرى داخلة فى البحر يقرأ فيها هذه أرض بلبونس دورها ألف ميل وفيها أمم من الروم وبها نيّف وسبعون حصنا عامرا ويضيق طرفاها حتّى يصير ستّة أميال وتدعا كسميلى، [٥٨ ظ] هذه صورة بحر الروم وما اتّجه من رسم مشاهير مدنه من مشرقه التى هى مختصّة ببنى الأصفر وكيفيّة الخليج القاطع لبلد الروم على نواحى اطرابزنده الى نفس القسطنطينيّة «٢١» واجتيازه بأرض مجذونيه الى أن يفرع فى بحر الروم مع إعادة ما اتّصل به من النواحى الى بلد الاندلس،

стр. 197

(٤) وسمعت أبا الحسين محمّد بن عبد الوهّاب التلّ موزنىّ «١» وكان رجلا قد أناف على مائة سنة ثابت العقل صالح الأدب يقول سيّرت من كمخ وهى مدينة للروم صالحة القدر عامرة على بريد الملك الى القسطنطينيّة «٣» مائة وستّة وثمنين بريدا فلمّا عدتّ من القسطنطينيّة حين خروجى عنها عدتّ على انقره وهى مدينة كبيرة خراب الى ملطيه مائة وثمنية وعشرين بريدا، فكان من كمخ الى صارخه يومان والى مدينة خرشنه يومان، وسيّرت على مدن لا أعرف أسماءها عامرة الى صاغره وهى على نهر آلس فعبرناه بمركب وسرنا فى المركب بالبحيرة ستّة فراسخ وسرنا يوما آخر على الظهر الى مدينة تعرف بنقموذيه «٩» وركبنا منها فى البحر يومين وصرنا الى مدينة تعرف بخلقذونيه فبتنا بها وسيّرنا فى السحر فركبنا فى الخليج وصبّحنا القسطنطينيّة «١١» والبريد عندهم فرسخ، قال وكنت أسمع أنّ للملك أربعة حبوس دون دار البلاط التى يحبس بها أسراء الملك فى رساتيق لهم، فأحدها يعرف بالطرقسيس والآخر بالابسيق والآخر بالبلقلار «١٣» والآخر بالنومره، قال والطرقسيس والابسيق أرفههما لأنّهما لا قيود فيهما والبلقلار والنومره ضيّقان ومن حبس فى دار البلاط فبالنومره ابتداء حبسه ثمّ ينقل وهو حبس ضيّق مؤلم مظلم، قال وكانوا يسيرون بنا فى كلّ يوم من عشرين بريدا الى خمسة عشر بريدا فصرنا الى القسطنطينيّة فى نحو عشرة أيّام من كمخ، والذي أعرفه أنا أنّ بين كمخ وملطيه عشر مراحل وبين ملطيه وانقره عشرون مرحلة ومنها الى القسطنطينيّة عشر مراحل فيصير جميع الطريق أربعين مرحلة، قال وألفيتهم وإنّ الملك يتبعه فى المنزلة اللغثيط وهو الوزير والفرخ من بعده وللفرخ من المنزلة أنّه يلبس

стр. 198

خفّين أحدهما أحمر والآخر أسود ولا يتزيّى غيره بهذا الزىّ بوجه وذلك أنّ الحكم والقطع والضرب والقود والأدب من غير مؤامرة للملك اليه ثمّ الدمستق من بعده ثمّ البطارقة وهم اثنا عشر رجلا [لا] «٣» ينقصون ولا يزيدون بوجه وإذا هلك أحدهم قام مقامه من يصلح له ثمّ الزراورة وهم كثرة لا يحصون كالقوّاد اللاحقين بالأمراء ثمّ الطرامخة وهم التنّاء وأرباب النعم من أهل القسطنطينيّة «٦» ومنهم يكون الارتفاع الى الزرورة «٧» والبطرقة، وكلّ مولود يولد بالقسطنطينيّة للطرامخة فللملك عليه جراية من وقت يولد الى آخر عمره يدرّج فى أسباب الزيادة والنقصان فى أعطيته [٥٨ ب] وأرزاقه عند درج بلوغه وتكهّله وبقدر استحقاقه للزيادة عند تعلّقه بأسباب الرياسة من علم سياسة أو صعلكة وتقدّم فى أسباب شجاعة أو ترسّم بالرأى والفهم إلّا أن يترهّب فيستعفى من العطاء فيعفيه الملك منه، (٥) وممّا أعلمه أنا فى حين غزونا من ميافارقين أنّا نزلنا على حصن الهتاخ فكانت اليه مرحلة ستّة فراسخ ومنه الى حصن ذى القرنين وهو حصن منيع مرحلة خفيفة ومنه الى مدينة الأرديس وكانت إذ ذاك للمسلمين سبعة فراسخ ومنها الى ضيعة القسّ ثلثة فراسخ ومنها الى هباب مدينة خمسة فراسخ ومن هباب الى قرية انكليس «١٧» ستّة فراسخ ومن انكليس الى الكلكس قرية ثلثة فراسخ ومنها الى حصن زياد أربعة فراسخ [ومن حصن زياد الى تلّ ارسناس ثلثة فراسخ] «١٩» وعبرنا الفرات «٢٠» الى قرية تعرف بالحمّام «٢١» أربعة فراسخ ومنها الى ملطيه أربعة فراسخ وعبر القوم قباقب «٢٢» الى

стр. 199

عرقا مدينة كانت عامرة أربعة فراسخ ومنها الى ضيعة فى وادى الحجارة ووادى البقر «٢» وكان آخر عمل الإسلام ستّة فراسخ، ومنها الى الرمّانة قرية وحصن ستّة فراسخ ومن الرمّانة الى سمندوا عشرة فراسخ، ولم أترك الاستخبار فى خلال ذلك وقبله وبعده من صعاليك ديار ربيعة ومن أسر ببلد الروم وخرج سارقا لجماعة من المسلمين والروم لعلمه بالبلد ومعرفته بمخائضه وممّن «٦» فودى به عن ارتفاع بلد الروم وما فيه من المرافق لملوكهم واللوازم بقوانينهم الموضوعة قديما لهم فى كلّ سنة فألفيت ذلك أقلّ من نصف جبايات المغرب بكثير وألفيت الهدايا والضرائب على النواحى تزيد وتنقص على قلّة محلّ المتّلين لها، ومن أعظم جباياتهم وأكثر وجوه أموالهم ضريبة بلد اطرابزنده وانطاليه «١٠» المرسومة من أخذ ما يرد من بلد الإسلام لما يؤخذ من سواحل الشأم ومراكبهم ويغنم بالشلنديّات والمراكب الحربيّات والشينيّات «١٢» وما يحصل من أثمان المسلمين ويقام من أثمان مراكبهم والأمتعة التى فيها ضريبة «١٣» الملك ويستأثر القيّم على ذلك بما يزيد على مال الملك من أثمان الأمتعة والمراكب والمسلمين، (٦) وأخبرنى غير ثقة من العارفين العالمين حال بلد الروم ممّن أقام به مواطئ لحديث عيسى بن حبيب النجّار أنّ ضريبة انطاليه «١٦» على صاحب المراكب بها المجعول اليه قصد بلد الإسلام سقطت وكانت قبل ذلك بسنين عند ما دار لهم الظفر بهم من بعد سنة عشرين وثلثمائة «١٨» ثلثة قناطير ذهبا وتكون مع اللوازم التى تلحقها والهدايا ثلثين ألف دينار ومائة أسير فى كلّ سنة، ثمّ تأكّد «٢٠» خذلان الثغور وفشا نحسها وانهتك بالمعاصى وجور

стр. 200

السلطان أستار أربابها فصارت بالأمانة وتحرّى فيها متّلوها إقامة الناموس والديانة والحرص على الجهاد والنفاذ «٢» فى مقاومة المسلمين بالعناد وأنفذوا مراكبهم بالتجارة الى بلد الإسلام ورجالها يجوسونه [٥٩ ظ] ويتفقّدونه ويستبطنون أخباره ثمّ يرجعون وقد علموا حاله اليهم بالخبرة فيتحكّمون فى مضارّه ويصلون بذلك الى دواخله وسهله وأوعاره بمرأى من سلاطين الإسلام ومنظر ومساعدة من أكثرهم على ما يحبّونه وتقوية للعدوّ بفاخر السلاح ونفيس المتاع ورغبة فى يسير من الحطام يعود عليهم من تجارة يعملونها الى بلد الروم فتعود بخسيس من الأرباح والنار تحت ذلك تضرّم عليهم والبلاء يفتل فيما يأخذونه والشؤم يبرم عليهم فيما يأتونه ومتمثّلهم يجهر بقوله ويضحك من غفلتهم عن فعله حتّى لسمع من فصحائهم دائما متمثّلون أرى تحت الرماد وميض جمر ... ويوشك «١٣» أن يكون له ضرام، «١٢» وكان ما يصل اليهم من العشور على المتاع الواصل الى اطرابزنده الداخل اليها والخارج عنها ويصل الى متّلى ذلك لقيامه بها من الهدايا المرسومة على تجّارها ما سمعت الأكثر يقول أنّها مذ عرفت هذه الضرائب لم يبلغ من حين أخذ ملطيه وشمشاط وحصن زياد عشرة قناطير ذهبا «١٦» ، وسبيلهم فيما يقيمونه من غزو المسلمين فى البحر بالمراكب الحربيّة والشلنديّة والشينيّة «١٧» أن يأتوا الى كلّ ضيعة تقارب البحر فيأخذوا من كلّ دخان أى من كلّ بيت دينارين ويجمع ذلك ويدفع الى النافذين [فى البحر] «١٩» اثنا عشر

стр. 201

دينارا لكلّ إنسان ويأكل ممّا يلقاه فيما يغنمه «١» ولا شىء له فى الغنيمة من ثمن مسلم أو متاع يغنم وكلّ ذلك متوفّر على الملك، قال فإذا قبض رجال البحر أرزاقهم أصلحوا ما أحبّوا استحداثه من مركب وآلة له أو مرمّة لمركب قديم فى صناعتهم وما يبقى من المال المجموع من تلك الجهة صرفه المتّلى للبحر حيث يراه بعد حمله معه الى بلد الإسلام وفراغه ممّا قصد له، وأمّا غزوهم فى البرّ فإنّ ملكهم نقفور أخذ من كلّ دخان يسكنه رئيس منهم يملك خدما وبقرا وغنما وأرضا ومزدرعا فى حال متوسّطة عشرة دنانير عينا ذهبا «٧» ومن «٨» فوق هذه الطبقة فى القوّة جعل عليه رجلا «٩» بسلاحه ودوابّه «١٠» وقوّامه ومؤنه ونفقة «١١» له ثلثين دينارا وبهذا اتّجه «١٢» لنقفور ما اتّجه فى المسلمين لا أنّه فرّق مالا من خزائنه أو تصرّف «١٣» فى ملك نفسه أو لزمه درهم فما فوقه من حاصله بل ربح فى خلال جمعه هذه الأموال وعند صرفها فى النفقات أمرا ذكروه خرج به الى بلد الإسلام وعاد معه فاحتجنه وكانت جبايته لهذه الأموال على هذه الجهة السبب فى مقت النصرانيّة له وبغضها «١٤» لأيّامه وتسخّطها لبقائه وخوفهم من وقوع معاودة لما ضرى عليه الى بلد الإسلام فجعلوا ذلك سببا لقتله وطريقا للحجّة عليه، (٧) وأمّا حدّ بلد الروم فإنّ مشارق بلدانهم المضمومة اليهم والمضافة على مرّ الأوقات الى متملّكيهم ما واجه من ناحية الثغور الشأميّة والجزرّية «١٨» الى آخر حدود ارمينيه وشمالها من نواحى البجناكيّة وبشجرت «١٩» وبعض بلاد الصقالبة ومغربها بعض البحر المحيط وما [٥٩ ب] حادّ جليقيه وافرنجه

стр. 202

من جزيرة الاندلس وبعض بحر المغرب وجنوبيّهم بقيّة بحر المغرب وبعض ساحل الشأم ومصر، (٨) والمدن النفيسة قليلة فى مملكتهم وبلادهم مع سعة رقعتها واتّصال أيّامها وحالها وذلك أنّ جلّها جبال وقلاع وحصون ومطامير وقرى فى الجبال منحوتة وتحت الأرض منقوبة، وقد استولى الخليج الآخذ من القسطنطينيّة «٦» الى اطرابزنده على أكثرها وليس هناك مدينة مشهورة إلّا ما وصفته وحددته، ومياههم كثيرة غزيرة وليس تمرّ على وجه الأرض مرّا مستقيما وإنّما تتغلغل بين الجبال على غير قصد ولا استقامة سير وقد صوّرت غير نهر من أنهارهم فيما دون الخليج الى نواحى الثغور وليس جريها على ما وصفته فى الصورة وشكّلته لكنّى تحرّيت أصل مخرجه الى حيث مصبّه فشكلته على ذلك، وبلد الروم عند كثير من خاصّة أهل الإسلام ومؤلّفى الكتب بخلاف ما هو عليه بالحقيقة من صغر المحلّ وتفه الخطر ونزور الدخل وضعة الرجال وعزّة الأموال وخسيس الأعمال والأحوال «١٣» وهو عند من عنده وقبله أدنى ميزة «١٤» ومعرفة وبحث عن حقائق الأمور واهتمّ بمعارف أقطار الأرض والممالك وسكّانها والجبايات فيها لا يقارب أسباب المغرب وحدّه ولا يدانيه ولا يشاكله «١٦» فى وجه من الوجوه لأنّى قد ذكرت من قبائل البربر المتبدّدين فى صحارى المغرب ما يستولى على ضعف عدد من تحوزه نواحى الروم وما عندهم من القوّة والجلد ومحلّهم فى البأس والشدّة فإنّهم بحيث إذا دخل لهم جيش من المغرب الى بلد الروم أباده وأباره وأهلكه وأتى عليه وتتسرّب العدّة اليسيرة فى أقطاره فتنشفها حتّى أنّ لأهل المغرب على أهل قلوريه فى كلّ سنة جزية آلاف دنانير كثيرة تقبض منهم، وكانت ضعفها فأسقط النصف عنهم عبيد الله صاحب المغرب

стр. 203

لحرم اجتازت ببلد الروم على القسطنطينيّة «١» الى ناحيته ووصلوا الملك الذي كان فى أيّامهم شاكرين وكان خائفا عليهم من صاحب مصر غير أنّ للإسلام فيما عليه نفوس أهله وقلوبهم شأنا فى انتشار الكلمة وفساد «٣» الحال وكثرة العناد والخلاف والاشتغال بطلبه بعضهم لبعض ما خلا به «٤» للروم سربهم فطالت أيديهم الى ما كانت مغلولة عنه وأطماعهم محسومة منه، (٩) وقد ذكرت هذا البحر وما عليه من المدن والبقاع من حدّ طنجة ونواحيها الى أرض مصر والى آخر الشأم من الثغور الى اولاس ممّا كان فى أيدى المسلمين ولهم وشكّلت ذلك الى أطراف بلد الروم وما دون الخليج وبعده من الأرض الصغيرة وأثبتّ فيه أكثر ما بعد الخليج من أرض القسطنطينيّة «١٠» ونواحى بلبونس وجون البنادقين وأرض قلوريه والانكبرذه وافرنجه وروميه وجليقيه وما يحادّ من نواحى الاندلس، (١٠) [٦٠ ظ] وعلى هذا البحر وفى بلد الروم جبال لا تحدّ لكثرتها ومنها جبال اقليميه واقليميه مدينة كانت للروم قديما أتى عليها المسلمون وكان بعض أبواب طرسوس يدعى بباب اقليميه وينسب اليها وهذه الجبال آخذة ببلد الروم يمينا وشمالا، وإذا جزت اقليميه وكانت بعيدة من شطّ البحر بنحو مرحلة نزلت المكان المعروف باللامس «١٦» قرية على شطّ البحر كان الفداء يقع فيها بين المسلمين والروم فيكون الروم فى مراكبهم والمسلمون فى البرّ يفادون، وتتّصل هذه الناحية بإقليم اجيا معدن الميعة «١٨» التى تجلب الى جميع الأرض فى البرّ والبحر من هذا الرستاق والناحية ويمتدّ البحر الى انطاليه «٢٠» وبينهما أربعة أيّام فى البحر بطاروس جيّد ومثلها فى البرّ وانطاليه «٢١» حصن منيع ورستاق عظيم مضاف الى حصن انطاليه وليس للملك عليه دخان ولا كلفة من صغير ولا كبير وبه مرتّبون للخرائط والبريد بالبغال والبراذين فى البرّ ومرتّبون فى البحر لنقل الحوائج والمتاع

стр. 204

المختصّ بالملك، ومن اجيا «١» المذكورة إذا أقلع فى البحر ملجّج «٢» الى مصر أربعة أيّام، وبين انطاليه «٣» والقسطنطينيّة «٤» ثمنية أيّام فى البرّ على البريد وفى البحر على الطاروس خمسة عشر يوما والأرض التى بينهما عامرة مأهولة مسكونة لا تنقطع سابلتها من نواحى انطاليه ورستاقها وهو رستاق كثير الخير والمير الى خليج القسطنطينيّة وعلى الخليج سلسلة ممتدّة لا تعبر عنها سفن البحر إلّا بإذن وعلامة وعليها مرصد، ويقع هذا الخليج فى بحر الروم من البحر المحيط على ما قدّمت ذكره من نفس الشمال على طرف البرّيّة التى لا تسلك بردا فيمضى بقتر من أقتار ياجوج وماجوج ثمّ يخترق بلاد الصقالبة ويقطعها «٩» قطعتين ويتوسّط بلد الروم، (١١) ومن ورائه الى المغرب بلاد اثيناس «١٠» وروميه وكلاهما ذوات أعمال ورساتيق وبلدان ومدن مضافة اليها وبرسمها وقرى ومزارع وقصور وحصون وملوك على قدر صالح وروميه واثيناس «١٢» مدينتان بهما مجمع النصارى وتقربان من البحر، فأمّا اثيناس فهى دار حكمة اليونانيّين وبها تحفظ علومهم وحكمهم، وروميه ركن من أركان ملك النصارى وبها كرسىّ النصارى ككرسىّ انطاكيه وكرسىّ الإسكندريّة والكرسىّ الذي ببيت المقدس محدث لم يك فى أيّام الحواريّين واتّخذوه «١٦» بعدهم لتعظيم بيت المقدس، ثمّ تتّصل أرض قلوريه بأرض الانكبرذه وأوّل ذلك أرض شلورى «١٨» ثمّ نواحى ملف ومدينة ملف أخصب بلدان الانكبرذه وأنظفها وأجلّها أحوالا وأكثرها يسارا وأموالا، وتتّصل أرض ملف بأرض نابل وهى مدينة صالحة الحال دون ملف فى أكثر أحوالها وأكثر أموال أهل نابل من الكتّان وثياب الكتّان وبها منه ثياب ليس بسائر الارض مثلها

стр. 205

ولا ما يشاكلها ولا يستطاع ولهم ثوب «١» يعمل طوله مائة ذراع فى عشر «٢» أذرع ويباع الثوب منها بالدون فمن مائة وخمسين رباعىّ الثوب الى ما فوق ذلك بقليل وأنقص بكثير، وتتّصل أرض نابل بأرض غيطه «٣» ثمّ تتّصل ديارهم بالافرنجة على ساحل البحر الى أن [تحاذى صقلّيّة وتجاوزها الى أن] «٤» تتّصل بطرطوشه من أرض الاندلس، (١٢) وفى هذا البحر جزائر صغار وكبار وجبال غامرة وعامرة للروم والمسلمين فأمّا المعمور بالإسلام والناس فصقلّيه وهى أكبرها وأكثرها [٦٠ ب] عدّة وأشدّها بأسا بمن حوته من ناقلة المغرب وهى ناحية قريبة من الافرنجة وقد قدمّت كثيرا من ذكرها «٩» ، وكان للمسلمين فى هذا البحر غير جزيرة جليلة وناحية مشهورة نبيلة فاستولى العدوّ عليها كقبرس واقريطش «١١» وكانتا جزيرتين كثيرتى «١٢» الخير والمير والتجارة والوارد منها والصادر اليها رائج وكان أخذهما أحد الأسباب الزائدة فى أطماع الروم لأنّهما بما كان فيهما من الرجال والعدّة والعتاد كالنار لهيبها لا يفتر وأوارها «١٣» لا يقصر ينكون فى بلد النصرانيّة صباح مساء نكاية بيّنة ظاهرة يوجبها لهم قربهم من مطالبهم ومجاورتهم للروم فى مساكنهم فصمدت النصرانيّة صمدهما ووكدت وكدهما الى أن فتحتا جميعا وملكتا، وكانت قبرس على غير ما كانت اقريطش عليه من مواقفة كانت بين أهلها فيها وذلك أنّها لم تزل قسمين نصف للروم ونصف للمسلمين بها لهم أمير وحاكم وأيدى المسلمين مبسوطة على من جاورهم من النصارى والنصارى بهم شقّين، «١٩» وجزيرة اقريطش حرّة مذ كانت وفتحت فى أيدى المسلمين ولم يكن

стр. 206

للنصرانيّة فيها مدخل ولا مخرج وأهلها فى غاية الجهاد وفى حين الهدنة والمسالمة مصونة فى شرائط بينهم غزيرة مقرونة بالقهر والاستظهار «٢» ، وميرقه جزيرة خطيرة لصاحب الاندلس وكذلك جبل الفلال «٣» مضاف الى ذلك العمل وليس ميرقه بالمدانية لصقلّيه فى حال من الأحوال وإن كانت ذات خصب ورخص وسائمة ونتاج وخير [فإنّها تقصر عن صقلّية فى العدّة والعتاد والقوّة على الجهاد وكثرة التجارة ووفور العمارة] «٦» ، ومن الجزائر المشهورة غير العامرة جزيرة مالطه «٧» وهى بين صقلّيه واقريطش وبها الى هذه الغاية من الحمير التى قد توحّشت والغنم الكثير الغزير وبها من العسل أيضا ما يقصدها قوم بالزاد لاشتياره ولصيد الغنم والحمير فأمّا الغنم فتكسّد والحمير فيمكن الورود بها الى النواحى فتباع وتعتمل، والذي سبّب هلاك الجزيرتين بعد قصد العدوّ لهما ما صار اليه أهلها من البغى والحسد والنكد حسب ما خامر أهل الثغور من ذلك الى استباحة الفساد والفسوق والغدر والغيلة والتضادّ والعناد فجعلوا عبرة للمعتبرين وموعظة للسامعين الناظرين ولن يصلح الله عمل المفسدين ولا يضيع أجر المحسنين «١٥» ، وقد ذكرت أنّ من جبلة الى قبرس يومين «١٦» ومنها الى جانب بلد الروم مثله وبقبرس المصطكى الجيّد والميعة الكثيرة والحرير والكتّان وبها «١٧» من القمح والشعير والحبوب والخصب ما لا يوصف كثرة، ولجبل الفلال «١٨» الذي بنواحى افرنجه بأيدى المجاهدين عمارة وحرث ومياه وأراض تقوت من لجأ اليهم فلمّا وقع اليه المسلمون عمّروه وصاروا فى وجوه الافرنجة والوصول اليهم ممتنع لأنّهم يسكنون فى وجه الجبل فلا طريق اليهم ولا متسلّق عليهم إلّا من جهة هم منها آمنون ومقداره فى الطول نحو يومين، «٢١»

стр. 207

(١٣) وليس فى البحار أعمر حاشية من هذا البحر لأنّ العمارات من جنبتيه ممتدّة غير منقطعة ولا ممتنعة وسائر البحار تعترض فى شطوطها «٢» المفاوز والمقاطع وقد ألحّ الروم فى هذا الوقت على سواحل الشأم بالغارة ونواحى مصر فهم يختطفون مراكبهم من كلّ أوب ويأخذونها من كلّ جهة ولا غياث ولا ناصر ومن للمسلمين بناظر والملك فيهم هامل شاغر والملك جمّاع منّاع [والعالم يسرق ولا يشبع و] «٦» يفتى بالباطل على ما يبلع «٧» ولا يخاف معادا ولا مرجعا والفقيه ذئب أدرع فى كلّ بليّة يشرع وبكلّ ريح يسرى ويقلع والتاجر فاجر مسقع لا يعاف حراما ولا مطمعا «٩» والديار والأعشار «١٠» بيد الأعداء متسلّمة والأملاك مغتصّة مصطلمة والأرض من أربابها الى الله تعالى متظلّمة، وهذه جمل صفة بحر الروم وجزائره وما عليه ممّا يحتاج الى علمه،

стр. 208

[الجزيرة] (١) وهذه الصورة شكل الجزيرة، [٦١ ظ] إيضاح ما يوجد فى صورة الجزيرة من الأسماء والنصوص، قد رسم فى نصف الصورة الأيمن من أعلاها الى أسفلها نهر الفرات ويوازيه عن اليسار نهر دجلة، وكتب عن يمين نهر الفرات فى الزاوية العليا صورة الجزيرة وتحت ذلك الجنوب وفى الزاوية السفلى المغرب، وعلى ضفّة الفرات من هذا الجانب من المدن الكوفه، بالس، سميساط «٨» ، ومن أسفل بالس فى البرّ منبج «٩» وحلب، «١٠» وفى أعلى الصورة تخرج بعض الأنهار من الفرات الى اليسار وعلى النهر الأوّل من أعلاه سورا ثمّ يليه نهر الملك وعليه القصر ثمّ نهر صرصر وعليه صرصر ثمّ نهر عيسى ويخرج منه نهر الصراه، ثمّ رسمت فى الجانب الأيسر من الفرات من المدن الانبار، هيت، الداليه، الرحيه، قرقيسيا، الخانوقه، الرافقه، الرقه، الجسر، جربلص «١٢» ، وبين هيت والدالية فى النهر عانه «١٣» ، وبين الخانوقة والرافقه يصبّ نهر الخابور فى الفرات وعليه من المدن العبيديه، تنينير، الجحشيه، طلبان، سكير «١٤» العباس، عرابان، ومن أعلى هذه المدن بحيرة كتب عندها المنخرق «١٥» وعن يسارها ماكسين، وينتهى عند عريان وادى الحيال وهو آت من جبل سنجار، وكتب من أعلى ذلك هذه ديار لقبائل من ربيعه وهى برارىّ ينتجع مراعيها وتسلك على السمت بالنجوم على غير طريق، وفوق ذلك حدّ العراق،

стр. 209

وعلى الجانب الأيمن من دجلة من المدن بغداذ وتكريت وبينهما نهر الاسحاقى، ثمّ الموصل، بلد، طنزى «٢» ، آمد، وعلى الطريق من بلد الى الجسر من المدن برقعيد، اذرمه، نصيبين، دارا، كفرتوثا، رأس عين، تل بنى سيار، حران، ومن حران يأخذ طريق الى الأسفل الى سروج، وبين هذا الطريق ونهر دجلة رسم جبل تتّصل به مدينتا ماردين والرها، وكتب فى هذا القسم من الصورة على خطّ منعطف ديار مضر ثمّ قاطعا لدجلة ديار بكر، وعن يمين آمد مدينة حينى، وعلى دجلة فى الجانب الأيسر من المدن بغداذ مرّة ثانية ثمّ البردان، عكبرا، الجويث، «٨» العلث، الكرخ، سرّ من رأى، الدور، السن، الحديثه، فيشابور، ثمنين، «٩» التل، وبحذاء آمد ارزن، وعن يسار ذلك ميافارقين، «١٠» ويقرأ عن يمين القسم الأعلى من الجبل الموازى لدجلة جبل بارما وفى طرفه الآخر فى الزاوية المشرق، ويصبّ فى دجلة عند السن الزاب الصغير ومن أسفله الزاب الكبير وبينهما من المدن الراجه، جنبون، كفرعزى، وقد تطلّس أسماء مدينتين يجوز أن تكون إحداهما اربل، ومن أسفل الزاب الكبير بين دجلة والجبل سوق الاحد ومعلثايا وكتب هنا عند الطرف الآخر من الجبل هذا الجبل متّصل بجبال ارمينيه وجبل الثمنين «١٤» ويتّصل بجبل اللكام وجميع جبال بلد الروم، ثمّ يلى تحت ذلك نهر الزرم ثمّ نهر سربط ثمّ نهر ساتيدما وبين هذين النهرين نواحى ارمينيه وفى زاوية الصورة الشمال، (٢) [٦١ ب] فأمّا الجزيرة التى بين دجلة والفرات فتشتمل «١٧» على ديار ربيعة ومضر ومخرج الفرات من داخل بلد الروم على ما شكّلته مجتازا من ملطيه على يومين ويجرى ببنها «١٩» وبين المدينة المعروفة كانت بشمشاط للمسلمين ويمرّ على سميساط «٢٠» ونواحى جسر منبج وعلى بالس الى الرقّة وقرقيسيا والرحبة وهيت والانبار وينقطع الحدّ «٢١» عن الفرات ممّا يلى الجزيرة بالانبار

стр. 210

[ثمّ يعود حدّ الجزيرة] «١» فى سمت الشمال فيكون الى تكريت «٢» الحدّ العراق وتكريت على دجلة وينتهى الحدّ منها مصاعدا على دجلة الى السنّ «٣» ممّا يلى الجزيرة والى الحديثة والموصل ويصعد بصعود دجلة الى الجزيرة المعروفة بابن عمر ثمّ يتجاوزها الى آمد فيكون ما فى غربها من حدّ ارمينيه «٤» ثمّ يعود الحدّ مغرّبا على البرّ الى سميساط ثمّ ينثنى الى مخرج «٥» ماء الفرات فى حدّ الإسلام من حيث ابتدائه، ومخرج دجلة وإن كان من حدود بلد الروم فطويلا ما كان فى يد المسلمين وحيّز «٧» الإسلام من بعده بمراحل، وعلى شرقىّ دجلة وغربىّ الفرات مدن وقرى تنسب الى الجزيرة وهى خارجة عنها ونائية منها وسأذكرها بما يدلّ على حالها، (٣) قد اتّفق العلماء بمسالك الأرض وبعض الحسّاب المشار اليهم بعلم الهيئة فيما تواضعوه من صفات الأرض أنّها مصوّرة بصورة طائر فالبصرة ومصر الجناحان والشأم الرأس والجزيرة الجؤجؤ واليمن الذنب وهذه حكاية ما رأيتها قطّ مقرّرة وإذا كان الأمر كذلك ففارس وسجستان وكرمان وطبرستان واذربيجان وخراسان ليست من الأرض ولا معدودة فى حسابها أم الأرض هو ما ذكروه دون غيرها وهذا قول يحتاج الى تقرير بفهم جامع وفكر صحيح ليقف على حق ذلك من باطله وموقع الجزيرة قريب ممّا قالوه إن وجب أن يكون الشأم رأسا لهذا الطائر وأظنّ قائل ذلك عنى «١٨» غير ما أرادوه وقصد سوى ما نقلوه ومتى أراد بذلك ديار العرب خاصّة فهذه صفتها، (٤) والجزيرة إقليم جليل بنفسه شريف كان بسكّانه وأهله رفه بخصبه كثير الجبايات لسلطانه إذ كانت الأحوال والأموال والدخل على سلطانه

стр. 211

داخل من وجوهه وخارج من مظانّه وقد اختلّت وتغيّرت وانتقلت أملاكها وباد رجالها وأربابها وتنصّر أبطالها، وسمعت رئيسا من علماء البغداذيّين يذكرها فقال كانت معدن الأبطال وعنصر الرجال وينبوع الخيل «٤» والعدّة وينبوت الحيل والشدّة، (٥) فأمّا حدودها ومسافاتها فمن مخرج ماء الفرات فى حدّ ملطيه الى سميساط يومان ومن سميساط الى جسر منبج أربعة أيّام ومن الجسر الى بالس أربعة أيّام و [من بالس] «٧» الى الرقّة يومان ومن الرقّة الى الانبار عشرون يوما ومن الانبار الى تكريت يومان فى نفس البرّيّة ومن تكريت الى الموصل خمسة «٩» أيّام ومن الموصل الى آمد أربعة عشر يوما ومن آمد الى سميساط ثلثة أيّام ومن سميساط الى ملطيه ثلثة أيّام، ومن الموصل الى بلد مرحلة ومن بلد الى نصيبين خمس مراحل، ومن الموصل الى سنجار ثلثة أيّام ومن سنجار الى نصيبين خمسة أيّام ومن نصيبين الى رأس العين ثلاث مراحل ومن رأس العين الى الرقّة أربعة أيّام، ومن رأس العين الى حرّان ثلثة أيّام [ومن حرّان الى جسر منبج يومان، ومن حرّان الى الرها يوم ومن الرها الى سميساط يوم، ومن حرّان الى الرقّة ثلاثة أيّام] ، «١٦» ومن الرقّة الى قرقيسيا أربعة أيّام ومدينة الخانوقة فى وسط الطريق ومن الخانوقة الى عرابان أربع مراحل ومن عرابان الى الحيال مرحلتان ومنها الى سنجار نصف مرحلة ومن سنجار الى ماكسين مرحلتان ومن ماكسين الى المنخرق «١٩» يوم ومن المنخرق الى الفرات يوم، والمنخرق بحيرة [بين ماكسين والفرات] «٢٠» استدارتها مساحة جريب أو أزيد بقليل [٦٢ ظ] وفيها ماء أزرق عذب كالزجاج الملوّح لا يعرف قعرها ولا يعلم كميّة مائها وذلك أنّها اعتبرت ليعرف قرارها ومقدار مائها بمائين «٢٢» أذرع

стр. 212

حبال بمثقّلات فلم يوجد لها قرار ولا فى يد الخلف عن السلف منها أثر ولا خبر، وعلى ظهر الخابور وبنواحى عرابان وبالبعد من الخابور عن مرحلة مدن كثيرة قد غلبت عليها البادية فحكمهم دون أهلها فيها أمضى وأمرهم فى غلّاتهم وأموالهم أنفذ وأعلى كالعبيديّة وتنينير والجحشيّة وطلبان وهذه مدن عليها أسوار لا تحصنها وقد لجأ الى الخفائر والأذمّة أهلها فكلّمن ساقهم تبعوه وكلّمن خافوه أطاعوه فإذا ملك الفرات سلطان قادر أمنوا وإذا ضعف السلطان بنواحيهم هلكوا وغنموا، (٦) وكان من أجلّ بقاع الجزيرة وأحسن مدنها وأكثرها فواكه ومياها ومتنزّهات وخضرة ونضرة الى سعة غلّات من الحبوب والقمح والشعير والكروم الرائعة الزائدة على حدّ الرخص نصيبين وهى مدينة كبيرة فى مستواة من الأرض ومخرج مائها عن شعب جبل يعرف ببالوسا وهو أنزه مكان بها حتّى ينبسط فى بساتينها ومزارعها ويدخل الى كثير من دورها ويغدق «١٣» البرك التى فى قصورها، وكان لهم مع ذلك فيما بعد من المدينة ضياع مباخس كبار جليلة عظيمة غزيرة السائمة والكراع دارّة الغلّات والنتاج معروفة الفرسان مشهورة الشجعان الى ديارات للنصارى وبيع وقلّايات تقصد للنزهة وتنتجع للفرحة والفرج، (٧) ولم تزل على ما ذكرته مذ أوّل الإسلام معروفة بكثرة الثمار ورخص الأسعار تتضمّن بمائة ألف دينار الى سنة ثلثين «١٨» وثلثمائة فأكبّ عليها بنو حمدان بضروب الظلم والعدوان ودقائق الجور والغشم وتجديد كلف لم يعرفوها ورسم نوائب ما عهدوها الى المطالبة ببيع الضياع والمسقّف من العقار حتّى حمل ذلك بنى حبيب الى أن خرجوا بذراريّهم وعبيدهم ومواشيهم وخفّهم الذي يمكن بمثله النقلة ومن ساعدهم من جيرانهم وشاركهم فيما قصدوا به من الغصب لعقارهم فى نحو عشرة آلف «٢٣» فارس على فرس عتيق وسلاح شاكّ من درع وجوشن مذهّب ومغفر مدبّج وسيف يقلّ

стр. 213

شبهه ورمح خطىّ وآلة وعدّة لم تزل «١» على بلد الروم مطلّة يقمع بها شوكتهم ويسبى بها ذراريّهم ويخربون بالاستطالة حصونهم ويجوسون ديارهم يقدمهم نحو هذه العدّة من الجنائب العتاق والبغال الفره عليها الخدم والخول والموالى، فتنصّروا بأجمعهم وأوثقوا ملك الروم من أنفسهم بعد أن أحسن لهم النظر فى إنزالهم على كرائم الضياع ونفائس الحبى والمتاع وخيّرهم القرى والمنازل ورفدهم بالنواحى الحسنة والمواشى العوامل «٦» فعادوا الى بلد الإسلام على بصيرة بمضارّه وعلم بأسباب فساده وخبرة بطرقه ومعرفة بجلّه ودقّه وقلوبهم تضطرم حقدا وتفور كيدا وتلتهب ضبّا «٨» ، وقد كاتبوا من خلّفوه وراسلوا من عرفوه ولا طفوه بذكر ما بلغوه ونالوه وكان الأكثر قد قصد فى ضياعه وحيل بينه وبين أملاكه ووظّف عليه ما لا يعرفه وألزم من الكلف ما لم يجر بمثله عليه رسم «١١» فأطمعوهم فيما نالوه وعرّفوهم ما وصلوا اليه وما جاؤوا فيه وله من قصد بلد الإسلام واجتياحه واصطلام نواحيه وبقاعه وأنّ ملكهم أيّدهم وقوّاهم وأنعم عليهم وآواهم فلحق بهم كثير من المتخلّفين عنهم وانتمى اليهم [٦٢ ب] من لم يك منهم فشنّوا الغارات على بلد الإسلام وافتتحوا حصن منصور وحصن زياد وساروا الى كفرتوثا ودارا فأتوا عليهما بالسبى والقتل وألحقوا أسوارهما بالأرض وضروا بذلك «١٦» فصار لهم عادة وديدنا يخرجون فى كلّ سنة عند أوان الغلّات الى أن أتوا على ربض نصيبين نفسها والغربىّ من ضياعها وتعدّوا ذلك الى أن وصلوا الى جزيرة ابن عمر فأهلكوا نواحيها وسحقوا رأس العين وعملها وساروا الى نواحى الرقّة وبالس وعادوا الى ميافارقين وارزن فأخووا قراها وضياعها وعضدوا أشجارها وزروعها الى أن جعلت كالخاوية على عروشها، وتزايدت ثقة الملك بهم والروم فى السكون اليهم الى أن جعلت لهم الأرزاق ورسمت لهم الأعطية وصاروا خاصّة الملك وآراء العرب أثقف

стр. 214

من آراء الروم لما يقترن بهم من الجسارة والبسالة ففتحوا له المضائق وتقدّموه فى المسالك وأطمعوه على مرّ الأيّام وتعاقب الأعوام [.....] «٢» وهلاك السلطان وفقر الخواصّ والعوامّ فى انطاكيه والمصّيصة وحلب وطرسوس «٤» فدار لهم عليها ما كان القضاء قد سبق به والمقدار قد نفذ فيه، وعمد «٥» الحسن بن عبد الله بن حمدان الى نصيبين واكتسح أشجارها وبذل ثمارها وعوّر أنهارها واستصفاها عمّن كان دخل الى بلد الروم واشترى من [بعض قوم واغتصب] «٧» آخرين فملكها إلّا القليل وجعل مكان الفواكه الغلّات بالحبوب والسمسم والقطن والأرزّ فصار ارتفاعها أضعاف ما كانت عليه وزادت ريوعها وسلّمها الى من بقى من أهلها ولم يمكنهم النهوض عنها وآثروا فطرة الإسلام ومحبّة المنشأ وحيث قضوا ليانات «١٠» الأيّام والشباب على مقاسمة النصف من غلّاتها الى [أىّ] «١١» نوع كانت على أن يقدّر الدخل ويقوّمه عينا إن شاء أو ورقا ويعطى الحرّاث ثمن ما وجب له بحقّ المقاسمة فيكون دون الخمسين «١٣» ولم يزالوا على ذلك معه ومع ولده الغضنفر الى أن لحقا بأسلافهما الدجّالين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا إذا منظرين «١٥» ، وأهلها وقتنا هذا على أقبح ما كانوا عليه وفيه «١٦» من تقدير من وليهم عليهم كابن الراعى لا ﵀ ومن يشبهه يستغرق أكثر الغلّة وتقويم ما يبقى من سهم المزارع بثمن يراه المقدّر وحمل ما وقع بسهمه الى مخازنهم وأهرائهم ويرضح له منه بما يسمح به لبذره ويقدّر أنّه ممسك لرمقه وعيشه فى قوته،

стр. 215

(٨) وأعمال نصيبين أربعة أرباع ولكلّ ربع منها عامل وحضرت فى سنة ثمان وخمسين وقد رفع تقديرها على توسّط الى أبى تغلب الغضنفر «٢» بالموصل فكان حاصل دخلها من حنطة وأرزّ وشعير وحبوب عشرة آلف كّر وأخرج تقويم أسعارها على خمس مائة درهم الكرّ فكان المال عند التقدير المذكور خمسة آلف ألف درهم، ورفع لها من الجماجم عن جواليها ولوازمها مع الزيادات فيها فكانت خمسة آلف دينار، ورفع لها عن عشور أموال اللطف وهى «٧» ضرائب الشراب «٨» خمسة آلف دينار، ورفع القوانين المأخوذة من عراصها عن الغنم والبقر والبقول والفواكه خمسة آلف دينار، وما يقبض من الطواحين فى القصبة والضياع المقبوضة والمشتراة وغلّات العقار المسقّف من الخانات والحمّامات والحوانيت والدور ستّه عشر ألف دينار، [٦٣ ظ] وكانت أعمال دارا فى الربع الشمالىّ وطور عبدين أيضا وهو من أعظم رساتيقها، ورفع تقدير رستاق ابنين «١٢» وهو مجاور لطور عبدين وكان لسيف الدولة بألفى كرّ حبوبا فقوّمت بألف ألف درهم، ورفع عصيرها وأسقاؤها «١٤» وجماجمها وعراصها وطواحينها بثلثين ألف دينار، وهذا على أنّ البلد قد خرب وناسه قد هلكوا ليوبق الله متّلى ذلك بما أملى له وأسّسه من ظلمه وجوره، (٩) وبنصيبين عقارب قاتلة موصوفة مشهورة، وبالقرب منها جبل ماردين ومن قرار الأرض الى ذروته نحو فرسخين وعليه قلعة [لحمدان ابن الحسن بن عبد الله بن حمدان] تعرف بالباز الأشهب لا يستطاع فتحها عنوة وبنواحيها حيّات موصوفة تفوق الحيّات فى سرعة القتل ومضاء المنيّة وبجبل ماردين جوهر للزجاج الجيّد ويحمل منه الى سائر بلدان الجزيرة والعراق وبلد الروم فيفضل على ما سواه بجوهريّة فيه، (١٠) وأمّا الموصل فمدينة على غربىّ دجلة صحيحة التربة والهواء وشرب أهلها من مائها وفيها نهر يقطعها اتّخذه بنو أميّة فى وسطها وبين
следующие страницы →