← Тараджим

Тараджим · id 11786

كنوز الذهب فى تاريخ حلب

سبط ابن العجمي

Полный текст (1 101 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

اعلم أن الفرنج تارة كانوا يأتون إلى حلب نفسها وتارة يأتون إلى بعض معاملاتها. فنذكر هنا طرفا، وفي المعاملات طرفا؛ وأما «١» من أتى إلى معاملاتها من المدن والمراكز «٢» فسيأتي في معاملاتها. فتقول: في السنة الخامسة «٣» والأربعين بعد المائتين: أغارت الروم على حلب، وقتلوا وسبوا وعادوا إلى بلادهم «٤» . وفي سنة إحدى وتسعين ومائتين: بعث صاحب الروم جيشا مبلغه مائة ألف فوصلوا إلى الحدث فنهبوا، وسبوا، وأحرقوا «٥» . خاتمة: قال ابن الوردي: وفي سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة: احترق حصن أفامية وكان بيد المغاربة وضعيف. فنازل الدقس في «٦» في ثلاثين ألفا وحاصره سبعة أشهر وأشرف على أخذه فدفعه عنه صمصامة والي دمشق في جهة المغاربة فانفضوا «٧» فقتل الدوقس وقتل من عسكره أربعة عشر ألفا، وأسر منهم خلق. وكسروا بعد أن ظهروا. وفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة أخرج ملك الروم نقفور على أفامية وجمع قيام القتلى وصلى عليهم ودفنهم. وفتح شيزر بالأمان لقلة رجالها.

стр. 177

وفي سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة: فيها ملك الروم سروج «١» وسبوا وغنموا، وخربوا المساجد. قاله المؤيد «٢» . قال ابن الوردي: قلت: وتبع سيف الدولة الروم وبلغهم ذلك فولوا راجعين فسبى حينئيذ مرعش فقال المتنبي «٣» : فديناك من ربع وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا ومنها: سراياك تترى «٤» والدمستق هارب ... وأصحابه قتلى وأمواله نهبى (٢٣ ظ) ف أتى مرعشا يستقرب البعد مقبلا ... فأدبر «٥» إذ أقبلت يستبعد القربا ومنها: (٢٧ ظ) م كفى عجبا أن يعجب الناس أنّه ... بنى مرعشا تبا لآرائهم تبا وما الفرق ما بين الأنام وبينه ... إذا حذر المحذور واستصعب الصعبا وفي سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة: غزا سيف الدولة الروم فجرت بينهم وقعة عظيمة، وانتصر سيف الدولة وغنم «٦» .

стр. 178

قلت: أسر سيف الدولة في هذه الوقعة قسطنطين- ولد الدمستق- وحمله الإبريق إلى بيت الماء. وكان أمرد، فخرج فوجده قائما يبكي، واعتل عنده فمات. فكتب إلى أبيه يخبره أنه لو كان هو المتولي تمريضه ما فعل ما فعله سيف الدولة. وترهب الدمستق بعد الوقعة ولبس المسوح «١» . قال في تاريخ الإسلام: في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة في صفر وجه ملك الروم رسولا فقدم على سيف الدولة يسأله الهدنة فاحتفلوا لدخوله من إظهار الزينة والسلاح الكامل فاستعظم ذلك وقال: أظن أن هذا جيش الإسلام كله قد اجتمع. قال له سيف الدولة: بل هذا شيء يسير من جيوش بني حمدان ومعظم الجيش مع أخي ناصر الدولة. وفيها: جدّ سيف الدولة في بناء الحدث «٢» وأن ملك الروم أنكر على الدمستق وقال متى خليته يبنيها يطلب قطعة كبيرة من أرض الروم فسار في جيوشه فلم يشعر سيف الدولة وهو نازل عليها إلا بقوم من الأرمن قد وافوه يطلبون الأمان فاستراب بهم

стр. 179

وقررهم فصدقوه بأن الدمستق قد أقبل وعظموا الأمر وأن بينه وبينه أميالا وكان كثير من الجند في الإقطاعات وليس عند سيف الدولة شك من أن جيش الروم يقصده ولا يتخطى ناحيته فعبأ أصحابه وطلعت جيوش الروم ورحل المسلمون فحمل سيف الدولة في غلمانه حملة قتل فيها بيده فارسا فولت الروم وأخذتهم السيوف فقتل خلق، وأسر نحو ثلاثمائة بطريق بيمند وابن أخت الدمستق وزوج ابنته لعبد. وأحد الأبطال المذكورين الذي كان قد أخذ الحدث وخربها. وكانت القتلى نحو أربعة آلاف. ولم يصب من المسلمين إلا دون العشرة. وجرح جماعة. وفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة: كانت وقعة عظيمة بنواحي حلب بين الروم (١٨ ظ) ف وسيف الدولة فقتلوا معظم رجاله وغلمانه وأسروا أهله وهرب في عدد يسير. وفي حوادث سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة: كانت غلبة الروم على عين زربة وتل موزة. والخليج. وتل صوعا، وحمام نوفل. وأرقنينة، وما بين هذه المدن من القرى والرساتيق. وقد قيل: بل كان في سنة تسع وأربعين. وصار إلى بلد الروم وفي يد الطاغية من المسلمين والمسلمات مائة ألف وعشرون ألفا فيهم من أهل الأخطار والأشراف بشر كثير وذلك بعد قتلهم مالا يقع به إحصا [ء] . وأدركهم البرد الشديد فتلف أكثر المسلمين من الخوف عليهم والأسف ما جل من الوصف، ولم يكترث بذلك من بيده الأمر والنهي، والحل والعقد، ولا ألفى لديهم أنفة الأحرار، ولا غير الأبرار. والله المستعان. وأكثر شعرا [ء] الثغور ... الرأى فيما حل بهم. فقال إبراهيم البجلي المصيصي كلمة طويلة أولها: سئمت حياتي وهانت وفاتي ... عليّ لأنّي فقيد اللذات فقيد الشموس فقيد البدور ... فقيد الحماة فقيد الكماة

стр. 180

أنوح على السادة الأفضلين ... وجوه بني الثغر حتى الممات وأندب كلّ فتى باسل ... يروي من الروم صدر القناة أفكر في عظم هذا المصاب ... لقد جا [ء] نا الدهر بالقصمات أرانا الأوداء والأقربين ... تحكم فيهم أكفّ العداة كرام بهم كان فك الفتاة ... فصار بهم في محلّ العناة ويعرض لي ذكرهم في الصلاة ... فيقطع بيني وبين الصلاة فلا كان في الدهر يوم رمت ... تصاريفه جمعهم بالشتات فذلك يوم رأينا به مصاب ... الفتى وبكاء الفتاة وقال فيها أيضا: ولم أنس مصرعهم بالفلات ... تحكم فيهم ضباع الفلاة نجوم هوت فخبى نورها ... وقد كنّ من قبله نيرات لقد عزّ ناصر أهل الثغور ... فليس نصير إليهم بآت ففي النيل ليس لهم منجد ... وليس لهم منجد في الفرات كان لهم عند أهل الزمان ... كرات.. «١» فلهم بالتراب وقال إبراهيم البجيلي أيضا (٢٩ ظ) م: ترى الأيام تصريف عجيب ... إذا حكمت فما بعدها قريب وأحقر ما يرى فيها كبير ... وأيسر ما يرى منها صعوب مصائب لا تقوم لها الرواسي ... لأهل الثغر وحدهم تصيب إذا دهمتهم دهياء غول ... أتت من بعدها أخرى شعوب فما يخلون من عقبى مصاب ... لهم من بعد عقباه عقيب لفقد أحبة كانوا جميعا ... رزئت بهم فعيشي ما يطيب

стр. 181

كرام ليس فيهم غير شهم ... ولم يك فيهم إلا نجيب لقد شملتهم ساعات نحس ... وجهم جمعهم يوم قطوب فكم عين تفيض دما عليهم ... وكم كبد لنا بهم تذوب محال ليس يبرأ قرح قلبي ... وهل يبرأ وليس له طبيب كان على بني الدنيا حراما ... ونذرا إن دعوهم أن يجبيوا كان بني الثغور لهم ذنوبا ... إليهم ليس يعد لها ذنوب خيول ما يجفلها لبود ... وأعدا...... «١» تنوب إذا قاموا لحرب أعقبتهم ... حروب ثم يتبعها حروب فكيف بقاء ثغرهم عليا ... إذا كان المنادى لا يثوب ملوك زماننا فابكوا ونوحوا ... لثغركم فقد غلب الصليب وفي سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة افتتح الروم حلب بسو [ء] تدبير سيف الدولة وما كان به من القلة. وكانت الوقعة بسفح بانقوسا «٢» وأحرقوا جامعها وقتل في هذه الوقعة زها [ء] مائتي ألف. وقال بعض المؤرخين «٣» : استولى على حلب دون قلعتها وكان قد سار إليها الدمستق- ملك الروم- ولم يعلم به سيف الدولة إلا عند وصوله. فلم يلحق سيف الدولة أن يجمع، وخرج فيمن معه وقابل الدمستق. فقتل غالب أصحابه. وانهزم سيف الدولة في نفر قليل «٤» .

стр. 182

وظفر الدمستق بداره وكانت خارج مدينة حلب بمشهد فوجد الدمستق فيها ثلاثمائة بدرة «١» من الدراهم- وقال الذهبي ثلاثمائة وتسعين بدره، وكذلك في كلام ابن الجوزي «٢» - وأخذ لسيف الدولة ألفا وأربعمائة بغل، ومن السلاح ما لا يحصى. وملكت الروم الحواضر، وحصروا المدينة، وثلموا السور وقاتلهم أهل حلب أشد قتال. فتأخر الروم إلى جبل جوشن. ثم وقع بين أهل حلب ورجال الشرطة فتنة بسبب ما كان وقع بالبلد فاجتمع بسبب ذلك الناس ولم يبق على الأسوار أحد فوجد الروم السور خاليا فهجموا البلد وفتحوا أبوابه وأطلقوا السيف في أهل حلب، وسبوا بضعة عشر ألف صبي وصبية. وغنموا ما لا يوصف من كثرته فلما لم يبق معهم ما يحمل الغنائم، أمر الدمستق فأحرقوا ما بقي. وأقام الدمستق تسعة أيام. وارتحل عائدا إلى بلاده. ولم ينهب قرايا حلب. وأمرهم بالزراعة ليعود من قابل إلى حلب في زعمه «٣» . وفي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة: أطاع أهل أنطاكية بعض المقدمين الذين حضروا من طرسوس. وسيأتي الكلام على قضية طرسوس هذه في فصل المصيصية وخالفوا سيف الدولة وكان اسم المقدم» الذي أطاعوه رشيقا فسار إلى جهة حلب وقاتل عامل سيف الدولة قرعويه «٥» . وكان سيف الدولة بميافارقين فأرسل سيف الدولة عسكرا مع خادمه بشاره. فاجتمع قرعويه «٦» العامل بحلب مع بشارة. وقاتلا رشيقا. فقتل رشيق وهرب أصحابه ودخلوا أنطاكية.

стр. 183

وفي بعض التواريخ في سنة أربع وخمسين بعد الثلاثمائة عاد نقفور إلى الشام فخرب قنسرين، وهدم قلعتها. وطمّ خندقها. وفتح حلب. واستعصت قلعتها. وفي سنة خمس وخمسين وثلاثمائة: سار طاغية الروم بجيوشه إلى بلد الشام فعاث، وأفسد. وأقام به نحو خمسين يوما فبعث سيف الدولة يستنجد أخاه ناصر الدولة (٢٠ و) ف يقول: «قد عسكر بالدرب ومنع رسولنا ابن المغربي أن يكتب بشيء، وقال: لا أجيب سيف الدولة إلا بباب أنطاكية. ليذهب من الشام فإنه لنا ويمضي إلى بلده، ويهادن عنه، وأن أهل أنطاكية راسلوا نقفور وبذلوا له الطاعة، وأن يحملوا إليه مالا. وأنه التمس منهم يد يحيى بن زكريا ﵊، والكرسي. وأن يدخل بيعة أنطاكية ليصلي فيها ويصير إلى القدس. وكان الذي جر خروجه وأحنقه إحراق بيعة القدس في هذا العام. وكان البترك كتب إلى كافور صاحب مصر يشكو قصور يده عن استيفاء حقوق البيعة. فكاتب «١» متولى القدس بالشدّ على يده فجاءه من الناس مالا يطيق رفعه، فقتلوا البترك. وحرقوا البيعة وأخذوا زينتها. فراسل كافور طاغية الروم بأن يرد البيعة إلى أفضل ما كانت. فقال: بل أنا أبنيها بالسيف. وأما ناصر الدولة فكتب إلى أخيه إن أحب مسيره إليه سار؛ وإن أحب حفظ ديار بكر سار إليها وبث سراياه. وأصعد سيف الدولة الناس إلى قلعة حلب وشحنها وانحفل الناس. وعظم الخطب. وأخليت نصيبين. ثم نزل عظيم الروم على منبج وأحرق، وخرج إليه أهلها فأقرهم ولم يؤذهم. ثم سار إلى وادي بطياس «٢» .

стр. 184

وسار سيف الدولة متأخرا إلى قنسرين ورجاله الأعراب قد ضيقوا الخناق على الروم في أربع ضياع بما حوت. فراسل سيف الدولة ملك الروم وبذل له مالا يعطيه إياه في ثلاثة أقساط فقال لا أجيبه إلا أن يعطيني نصف الشام فإن طريقي إلى ناحية الموصل على الشام فقال سيف الدولة والله لا أعطيه ولا حجرا واحدا. ثم جالت الروم بأعمال حلب. وتأخر سيف الدولة إلى ناحية شيزر وانكبت العربان في الروم غير مرة وكسبوا مالا يوصف. ونزل عظيم الروم على أنطاكية يحاصرها ثمانية أيام ليلا ونهارا، وبذل الأمان لأهلها فأبوا. فقال: أنتم كلمتموني، ووعدتموني بالطاعة. فأجابوا: إنما كاتبنا الملك حيث كان سيف الدولة بأرمينية بعيدا عنا. وحدثنا أنه لا حاجة له في البلد. وكان السيف بين أظهرنا. فلما عاد سيف الدولة لم نؤثر على ضبط أدياننا وبلدنا شيئا فناجزهم «١» الحرب من جوانبها. فحاربوه أشد الحرب وكان عسكره معوزا من العلف. ثم بعث نائب أنطاكية محمد بن موسى إلى قرغويه متولى نيابة حلب بتفاصيل الأمور (٢٤ ظ) م وثبات الناس على القتال. وأنا قد قتلنا جملة من الروم. وأنا ليلي ونهاري في الحرب لا أستقر ساعة وأن اللعين قد ترجل عنا، ونزل الجسر. ثم جاء الخبر بأن نائب أنطاكية محمد بن موسى أخذ الأموال التي في خزائن (٢٠ ظ) ف أنطاكية معدة وخرج بها كأنه متوجه إلى سيف الدولة. فدخل بلد الروم فقيل كان عزم على تسليم أنطاكية للملك فلم يمكنه لاجتماع أهل البلد على ضبطه فخشى أن يتم خبره إلى سيف الدولة فيتلفه. فهرب بالأموال. انتهى

стр. 185

وفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة: نزلت الروم على رعبان «١» . فسار عسكر حلب للكف عنها. فرحل ملك الروم. ثم سار عسكر حلب فنزلوا على حصن سرحون «٢» فافتتحوه بعد أيام بالسيف بعد حرب عظيم وأخذوا منه مالا يوصف وحصل من السبي خمسة آلاف آدمي ثم نازلوا حصن سين «٣» الحمراء فافتتحوه. وسبوا نحو الألف وأسروا ثلاثمائة علج. وأسروا سرحون وهو الذي كان أسر أبا فراس بني حمدان. وعدت الخراسانية مع لولو الحجراجي «٤» من أنطاكية إلى ناحية المصيصة فالتقاهم ثلاثة آلاف فارس من الروم فنصر الله وقتلوا من الروم ألفا وأسروا خلقا وردوا بالغنائم إلى أنطاكية ثم عادوا وغزوا فأصيبوا. وسار نحو ألفي فارس من الترك إلى مصر لأن كافورا راسلهم. ودخل الثغر محمد بن عيسى- رئيس الخراسانية- ومعه [ا] بن ساطر الطرسوسي فظفروا، وغنموا، وردوا بالمغانم، وتأخر في الشام محمد بن عيسى وابن شاكر في نحو ثمانمائة فارس فدهمتهم جموع الروم. فقال ابن عيسى ما استحل أن أوليهم الدبر بعد أن قربوا. وسار ابن شاكر يكشفهم فإذا هم فيما يقال في ثلاثين ألفا. فرجع.

стр. 186

وقال: لا طاقة لك بها. فلم يقبل والتقاهم، وقاتلوا أشد قتال. وأنكوا في الروم نكاية عظيمة. واستشهد عامة المسلمين. وبقي محمد بن عيسى في مائة وخمسين فارسا. فقال له [ا] بن شاكر: لا تلقي بيدك إلى التهلكة. فقال له فقيه معه: إن وليت الدبر «١» لحقوك «٢» ، وقتلوك، وأنت فار فقاتل حتى قتل أكثر أصحابه ثم أسر محمد بن عيسى، وابن شاكر. ثم ورد الخبر بأن ابن عيسى اشترى نفسه بمائة ألف درهم وثمانية وعشرين علجا كانوا بأنطاكية، وبرطل فصوص فيروزج. وأنه بعد ذلك غزا العدو وظفر. انتهى. وفي سنة سبع وخمسين وثلاثمائة: في ذي القعدة أقبل عظيم الروم نقفور «٣» بجيوشه إلى الشام. فخرج من الدرب «٤» ، ونازل أنطاكية: فلم يلتفتوا إليه. فهددهم وقال: أرحل، وأخرب الشام كله. وأعود إليكم من الساحل «٥» . ورحل في اليوم الثالث ونازل معرة مصرين فأخذها وغدر بهم. وأسر منهم أربعة آلاف ومائتي نسمة «٦» . ثم نزل على معرة النعمان فأحرق جامعها. وكان الناس قد هربوا في كل وجه إلى الحصون والبراري والجبال المنيعة «٧» .

стр. 187

(٢١ و) ف ثم سار إلى كفر طاب، وشيزر «١» . ثم إلى حماة، وحمص فخرج من تبقى بها فأمنهم ودخلها فصلى في البيعة. وأخذ (٢٥ و) م منها رأس يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام. وأحرق الجامع «٢» ثم سار إلى عرقة فافتتحها. ثم سار إلى طرابلس فأخذ ربضها «٣» . وأقام في الشام أكثر من شهر ورجع فأرضاه أهل أنطاكية بمال عظيم «٤» . انتهى. وفي سنة تسع وخمسين وثلاثمائة: ورد نقفور فاحتاط بأنطاكية. وملكها بالأمان فيما أحسب. وأخرجوا أهلها منها. وأطلقوا العجائز والشيوخ والأطفال وقال: امضوا حيث شئتم. وأخذوا الشباب والصبايا والغلمان سبيا، فكانوا أكثر من عشرين ألفا «٥» . وكان نقفور قد عتى، وتجبر، وقهر البلاد، وعظمت هيبته. وتزوج امرأة الملك الذي قتله على كره منها. وكان لها ولدان فأراد أن يخصيهما. ويهديهما للبيعة. ويستريح منهما لئلا يملكا. فعلمت زوجة الملك فأرسلت إلى الدمستق ليأتي إليها في زي النساء ومعه جماعة في زي النسا [ء] .؟ فجاءوا [و] باتوا عندها ليلة الميعاد. فقتلوه. وأجلس في الملك ولدها الأكبر «٦» . انتهى. وفي «٧» بعض التواريخ بعد أخذ أنطاكية قصدوا حلب وقد تغلب عليها قرعويه غلام سيف الدولة بعد طرد ابن استاذه عنها. فتحصن قرعويه بالقلعة وملك الروم

стр. 188

بحلب. وحصروا القلعة. ثم اصطلحوا على مال يحمله قرعويه في كل سنة وكانت المصالحة يحمل المال المقرر على حلب وما معها من البلاد: وهي حماة وحمص وكفر طاب والمعرة وفامية وشيزر وما بين ذلك. ودفع أهل حلب الرهائن بالمال إلى الروم فرحلت الروم عن حلب وعاد المسلمون إليها «١» . وفي سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة: هدم لؤلؤ الكبير- مدبر دولة أبي الفضائل سعيد بن سعد الدولة أبي المعالي شريف بن سيف الدولة- حصن كفروما. وحصن عار وحصن اروح، خشية أن يقفز فيها (٢٨ ظ) م. وفي سنة ست وعشرين وأربعمائة: وصلت الروم إلى ولاية حلب فقاتلهم صاحبها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس «٢» فهزمهم، وتبعهم إلى عزاز فقتل «٣» ؛ واسم ملك الروم ارمانوس «٤» . والصحيح ما قاله ابن المهذب: أن خروج أرمانوس كان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. وكانوا ستمائة ألف. وخرج في شهر تموز. وفي ذلك يقول أبو الفتح الحسن بن أبي حصينة المعري «٥» من قصيدة طويلة وأنشده إياها بظاهر قنسرين: ديار الحي مقفرة بباب ... كأن رسوم دفتها كتاب. ومنها: وذكرك كلّه ذكر جميل ... وفعلك كلّه فعل عجاب.

стр. 189

وأرمانوس كان أشد بأسا ... وحل به على يدك العذاب أتاك يجرّ بحرا من حديد ... له في كل ناحية عباب (٢٠ ظ) ف إذا سارت كتائبه بأرض ... تزلزلت الأباطح والهضاب فعاد وقد سلبت الملك عنه ... كما سلبت عن الميت الثياب فلا تسمع بطنطنة الأعادي ... فإنهم إذا طلبوا ذباب ولا ترفع لمن عاداك رأسا ... فإن الليث ينبحه الكلاب وفي «١» شبل الدولة لما هزم ملك الروم يقول الإمام أبو عامر الجرجاني من قصيدة: لبسوا دروعا من ضباك تقيهم ... كانت عليهم للحتوف شباك نالت بك العرب الغنا من مالهم ... وتقاسمت أتراكك الأتراك لو لم يفر جعلت صفحة خدّه ... نعلا وقوسي حاجبيه شراك وقال إبراهيم بن الحسن البليغ من قصيدة يمدح بها نصرا منها: نفدي الذي ردّ أرمانوس عن حلب ... للخوف مهجته في قبضة الطرب إذ قابل الثغر عذب الورد ذا شنب ... فلم ينل قبله من ذلك الشنب لله أيامه البيض الذي خضبت ... أسيافه البيض فيها من دم سرب أعلامه العز مكتوب بأجمعها ... أعلام لاقية ما يلقى من العطب والريح تخدمه في نشرها فإذا ... رأى الكتابة قال الرأى في ... «٢» وفي سنة إحدى وستين وأربعمائة: في المحرم وصل ملك الروم إلى بلد حلب في مائتي ألف. فخرج إليه محمود وواقعه وقعتين. وانهزم المسلمون. وفتح الروم حصن عم وارتاح. ومنبج. وبلغ ملك الروم أن الأفشين فتح عمورية فعاد إلى القسطنطينية. وجاء الأفشين إلى أنطاكية.

стр. 190

إشارة: في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة: أقبل ملك الروم «١» في ثلاثمائة ألف مقاتل. فالتقاه كمشتكين الملقب بالدانشمند «٢» وهو أتابك الجيوش بدمشق الذي يقال له: أمين الدولة واقف الأمينية بدمشق وببصرى فهزم الفرنج. وقتل منهم خلقا كثيرا لم ينج منهم سوى ثلاثة آلاف أوأكثرهم جرحى وذلك في [ذي] القعدة من هذه السنة «٣» ب وفي «٤» سنة ثمان وتسعين وأربعمائة: كانت وقعة بين الفرنج ورضوان «٥» فانكسر رضوان وذلك أن تنكري صاحب أنطاكية نازل حصنا فجمع رضوان عسكرا ورجاله كثيرة من المطوعه. فوصلوا إلى تيزين فلما رأى تنكري «٦» سوادهم راسل يطلب الصلح فامتنع رضوان فعملوا المصاف. فانهزمت الفرنج من غير قتال. ثم قالوا نعود ونحمل حملة صادقة ففعلوا فانحطمت المسلمون. وقتل شيء منهم كثير. ولم ينج من الأسر الخياله.

стр. 191

وافتتح الفرنج حصن ارتاح «١» وذلك في شعبان «٢» . انتهى. وفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة: قاتل ايلغازي بن ارتق «٣» الفرنج بأرض حلب عند عفرين في نصف ربيع الآخر. فهزمهم. وقتل منهم كثيرا «٤» . وممن قتل صاحب أنطاكية وفتح عقب الوقعة الأتارب وزردنا «٥» . فقال بعض الشعرا [ء] فيه «٦» . (٢٥ ظ) م قل ما تشا [ء] فقولك المقبول ... وعليك بعد الخالق التعويل واستبشر «٧» القرآن حين نصرته ... وبكى لفقد رجاله الإنجيل قال ابن الوردي: وهذا الشعر لا يعجبني فإن انجيل عيسى ﵊ (٢٢ و) ف لا يبكي لفقد الكفار المشركين. وما أحسن قول بعضهم في كسرة النصارى ونصر المسلمين يبكي من المنبر الصليب كما ... يضحك للمصحف الأناجيل. ويمكن تأويل البيت المذكور. ولكن ليس هذا موضعه والله أعلم.

стр. 192

وفي بعض التواريخ في هذه السنة سارت الفرنج إلى حلب ففتحوها عنوة وملكوها فسار إليهم صاحبها صاحب ماردين أي: الغازي في جيش كثيف فهزمهم عنها ولحقهم إلى جبل قد تحصنوا به فقتل منهم مقتلة عظيمة. ولم يفلت منهم إلا القليل. انتهى. وفي سنة ثمان عشرة وخمسمائة: ذكر ابن العديم والمؤيد «١» أن الفرنج نزلوا حلب ومعهم دبيس بن صدقة «٢» وسلطان شاه بن رضوان وحاصروها. وقلّت أرزاقهم واجتمع رأيهم على أن يسيّروا القاضي أبا غانم ابن جرادة. والشريف زهره. وابن الجلي إلى حسام الدين بن تمرتاش إلى ماردين فأخرجوهم ليلا. فوصلوا إلى ماردين وذكروا له ما حلّ بأهل حلب وما هم فيه من الحصار والصبر فقال: خلوهم إذا أخذوا حلب عدت أخذتها. فأعمل الجماعة الحيلة على أن يمضوا إلى آق سنقر السيوفي إلى الموصل فأمر بالتوكيل عليهم فأعملوا الحيلة وخرجوا وجاؤوا إلى الموصل فوجدوا آق سنقر مريضا قد أشفي. وهو يسقى مرقة الفروج المدقوق فأعلم مجيئهم فدخلوا عليه، وقالوا: أغث المسلمين. فقال: وكيف بالوصول إلى ذلك وأنا على ما ترون. فقالوا له: اجعل على نفسك إن خلصت أن تنصر الإسلام. فقال: أي والله. ثم رفع رأسه إلى السماء وأشهد الله عليه بذلك. فما استتم ثلاثة أيام حتى أكل الفروج ونادى في العسكر الغزاة فبرز الناس وعملوا أشغالهم، وتوجه حتى أتى إلى حلب فلما قاربها رحل الفرنج ونزلوا على جبل جوشن وأبعدوا عن المدينة فلما وصل ساق وعسكر خلفهم مع أهل البلد فانهزموا بين يديه.

стр. 193

ورحلتهم كانت في سنة ثماني عشرة وخمسمائة كما ذكرنا وهو يسير ورا [ء] هم على مهل حتى أبعدوا عن البلد فأرسل الشاوشية ليردوا الناس فجعل أبو الفضل بن الخشاب يقول له: يا مولانا لو سقت خلفهم أخذناهم بأسرهم فإنهم منهزمون فقال له: تعلم أن في بلدكم ما يقوم بكم وبعسكري لو قدر والعياذ بالله علينا كسرة. فقال: لا. فقال: وما يؤمننا أنهم لو كسرونا. ودخلنا البلد وقووا علينا ما نفعنا أنفسنا. ولكن الله تعالى قد دفع شرهم. وكان أهل البلد قد أكلوا القطاط في هذه الحصرة. ولما طال الحصار عليهم وقلت أزوادهم وقع فيهم المرض والفنا [ء] . فكان يمر المار من الأسواق فيجد المرضى على الدكاكين فإذا قارب الفرنج البلد للقتال. ووقع الصائح قام المريض مع شدة مرضه وقاتل أحسن قتال وردوا العدو (٢٢ ظ) ف وكان إقلاع الفرنج في آذار فجعل الناس يأخذون الغلة ويبلونها بالماء (٢٦ و) م ويزرعونها فجا [ء] ت تلك «١» السنة الغلة من أحسن الغلات وأزكاها. تنبيه: [دبيس بن صدقة] دبيس بن صدقة المذكور هو نور الدولة ملك العرب «٢» - صاحب الحلة المزيدية «٣» كان جوادا كريما. عنده معرفة بالأدب والشعر. وتمكن في خلافة المسترشد «٤» واستولى على كثير من بلاد العراق. وهو من بيت كبير، وله شعر حسن. وأبوه وأجداده مذكورون

стр. 194

في كتب التواريخ. وأبوه سيف الدولة «١» له نظم الشريف أبو علي بن الهبارية كتاب: «الصادح والباغم» . والحلة «٢» : بليدة بين الكوفة وبغداد اختطّها سيف الدولة سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وفي سنة ثمان وعشرين وخمسمائة: سار صاحب القدس بالفرنج فقصد حلب فخرج إليه عسكرها فالتقوا فانهزم المسلمون. وقتل منهم مائة فارس. ثم التقوا ونصرهم الله ؛ قاله الذهبي «٣» . وفي سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة «٤» : خرج ملك الروم وقدم إلى بزاعا وفعل ما سيأتي فيها. وأقام على بزاعة بعد أخذها عشرة أيام. ثم رحل بمن معه من الفرنج إلى حلب. ونزل على قويق. وزحف على حلب. وجرى بين أهلها وبينهم قتال كبير. فقتل من الروم بطريق عظيم القدر عندهم فعادوا خاسرين.

стр. 195

وأقاموا ثلاثة أيام ورحلوا إلى الأتارب وملكوها؛ وتركوا فيها سبايا بزاعة، وتركوا من الروم من يحفظهم. وسار ملك الروم بمجموعة من الأتارب نحو شيزر فخرج أسوار نائب زنكي بحلب بمن عنده وأوقع بمن في الأتارب من الروم فقتلهم واستفكت أسرى بزاعة وسباياها «١» . وسار ملك الروم بمجموعة إلى شيزر وحصرها ونصب عليها ثمانية عشر منجنيقا وأرسل صاحب شيزر أبو العساكر سلطان بن علي بن منقذ بن نصر بن منقذ الكناني «٢» إلى زنكي يستنجده، فسار زنكي ونزل على العاصي بين حماة وشيزر وكان يركب عماد الدين زنكي وعسكره كل يوم ويشرفون على الروم وهم محاصرون شيزر بحيث يراهم الروم. ويرسل السرايا فيأخذون كل ما يظفرون به منهم. وأقام ملك الروم محاصرا شيزر أربعة وعشرين يوما ثم رحل عنها من غير أن ينال منها غرضا «٣» . وسار زنكي في أثر الروم فظفر بكثير ممن تخلف منهم. ومدح الشعرا [ء] زنكي بسبب ذلك فأكثروا. فمن ذلك ما قاله مسلم بن حضر ابن قيم الحموي من أبيات «٤» : لعزمك أيها الملك العظيم ... تذّل «٥» لك الصعاب وتستقيم ألم تر أنّ كلب الروم لما ... تبين أنهّ الملك الرحيم

стр. 196

(٢٣ و) ف وقد نزل الزمان على رضاه ... وأنّ لخطبه الخطب العظيم فحين رميته بك عن خميس ... تيقن فوق ما أمسى يروم نك في العجاج شهاب نور ... توقد وهو شيطان رجيم (٢٦ ظ) م أراد بقاء مهجته فولى ... وليس سوى الحمام له حميم [وفي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة] «١» : وفي سابع يوم من استقرار نور الدين «٢» بحلب اتصل خبر مقتل أتابك بصاحب أنطاكية البيمند فخرج ليومه في عساكر أنطاكية وقسم عسكره قسمين: قسما أنفذه إلى جهة حماة. وقسما أغاربه على جهة حلب وعاث في بلادها. (٢٤ و) فوكان الناس آمنين. فقتل وسبى عالما عظيما وعاد حتى وصل إلى صلدع ونهبها ووصل الخبر إلى حلب فخرج أسد الدين شير كوه «٣» في من كان بحلب من العساكر. وجدّ في السير؟ فقام الفرنج وأدرك جماعة من الرجالة يسوقون الأسرى فقتلهم واستنقذ كثيرا مما كانت الفرنج أخذته. وسارع مختبأ «٤» عن طريق الفرنج إلى أن شن الغارة على بلد ارتاح واستاق جميع ما كان للفرنج فيه وعاد إلى حلب مظفرا.

стр. 197

(٢٧ ظ) م ووردت الأخبار بعد وفاة زنكي بأن ابن جوسلين جمع الفرنج من كل ناحية وقصد الرها على غفلة بموافقة النصارى المقيمين فيها فدخلها واستولى عليها وقتل من فيها من المسلمين فنهض نور الدين في عسكره ومن انضاف إليه من التركمان وغيرهم في زها [ء] عشرة آلاف فارس. ووقعت الدواب في الطرقات من شدة السير ووافوا البلد وحصل ابن جوسلين «١» وأصحابه فيه فهجموا عليه ووقع السيف فيهم. وقتل من أرمن الرها والنصارى من قتل. وانهزم إلى برج يقال له «برج الماء «٢» » فحصل فيه ابن جوسلين في تقدير عشرين فارس من وجوه أصحابه وأحدق بهم المسلمون وشرعوا في النقب عليهم حتى تعرقب البرج فانهزم [ا] بن جوسلين في الخفية من أصحابه، وأخذ الباقون، ومحق السيف كل من ظفر به من نصارى الرها. واستخلص من كان فيه أسيرا من المسلمين ونهب منها شيئا كثيرا من المال والأثاث والسبي وانكفأ المسلمون بالغنائم إلى حلب وسائر الأطراف «٣» . وقال ابن الأثير: «لما قتل زنكي كان جوسلين الفرنجي- الذي كان صاحب الرها- في ولايته في تل باشر وما جاورها؛ فراسل أهل الرها وكان عامتهم من الأرمن وواعدهم يوما يصل إليهم فيه فأجابوه إلى ذلك. فسار في عساكره إليها وملكها وامتنعت عليه القلعة بمن فيها من المسلمين فقاتلهم وجدّ في قتالهم فبلغ الخبر نور الدين وهو بحلب فسار إليها بعسكره فهرب جوسلين ودخل نور الدين الرها ونهبها وكبس «٤» أهلها «٥» .» .

стр. 198

وفي هذه الوقعة نهبت، وحرقت، وخلت من أهلها ولم يبق منهم بها إلا القليل ووصل خبر الفرنج إلى غازي بالموصل فجهز العساكر إلى الرها، فوصلت وقد ملكها نور الدين فبقيت بيده ولم يعارضه أخوه سيف الدين غازي «١» . قلت: «ومن عجيب ما جرى أن نور الدين أرسل من غنائمها إلى الأمراء وأرسل إلى زين الدين علي جملة من الجواري فحملن إلى داره ودخل لينظر إليهن فخرج وقد اغتسل وهو يضحك فسئل عن ذلك (!) . فقال: لما فتحنا الرها مع الشهيد كان في جملة ما غنمت جارية مالت نفسي إليها فعزمت على أن أبيت معها. فسمعت منادى الشهيد وهو يأمر بإعادة السبي والغنائم وكان مهيبا مخوفا فلم اجتر [ء] على إبقائها وأطلقتها. فلما كان الآن أرسل إليّ نور الدين بسهمي من الغنيمة وفيه تلك الجارية (٢٤ ظ) ف فوطئتها خوفا من العود. انتهى «٢» » . وفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة: حصر العادل نور الدين «٣» حصن حارم فجمع البرنس صاحب أنطاكية وقاتله فانهزم الفرنج وقتل البرنس «٤» . قال ابن الوردي: وحمل رأسه إلى حلب وأسر أصحابه. وفي ذلك يقول [ا] بن المنير الأطرابلسي «٥» . أقوى الضلال وأقفرت عرصاته ... وعلا الهدى وتبلجت قسماته وانتاش دين محمد محموده ... من بعد ما علت دما عثراته

стр. 199

ردت على الإسلام عصر شبابه ... وثباته من دونه وثباته صدم الصليب على صلابه عوده ... فتفرقت أيدي سبأ خشباته وسقى البرنس وقد تبرنس ذلة ... بالروح مقمر ما جنت غدراته فانقاد في خطم المنية أنفه ... يوم الحطيم وأقصرت بزواته فجلوته تبكي الأصادف تحته ... بدم إذا صلحت له شماته يمشي العناة برأسه وهو الذي ... نطت مدار النير بين قتاته انتهى. وملك بعد البرنس ابنه بيمند «١» وهو طفل. وتزوجت أمه برجل آخر وتسمى بالبرنس «٢» . ثم إن نور الدين غزاهم غزوة أخرى فهزم وقتل وأسر البرنس الثاني فتمكن بيمند في ملك أنطاكية. حكاية: قيل أن دبيس بن صدقة لما سار مع ايلغازي إلى الكرج سأل ايلغازي في الطريق أن يهب له حلب، وأن يحمل له دبيس مائة ألف دينار ويجمع بها التركمان ويعاضده «٣» حتى يفتح أنطاكية. فأجابه ايلغازي إلى ذلك وأخذ يده على ذلك. فلما وقعت كثرة الفرنج بدا له في ذلك فانفذ إلى ولده سليمان إلى حلب وكان خفيفا. وقال له: اظهر أنك قد عصيت عليّ حتى يبطل ما بيني وبين دبيس فحمله الجهل على عصى والده ووافقه على قرباص «٤» والحاجب ناصر وهو شحنة حلب وغيرها.

стр. 200

(٢٨ ظ) موقبض سليمان «١» حجاب أبيه فصفعهم وحلق لحاهم ومد يده إلى أموال الناس وظلمهم فطمع الفرنج. وفرقهم سليمان فولوا زردنا «٢» وعمروها لابن صاحبها كليام بن الأبرص. ثم سار الفرنج إلى نائب حلب فكبسوا في طريقهم حاضر حلب وغيرها فخرج إليهم الحاجب ناصر والعسكر وكسروهم وقتلوا منهم جماعة «٣» . وخرج في جمادى الآخرة فنازل حاضره وأخذها وخربها وحمل باب حصنها إلى أنطاكية، ونزل برج سينا ففعل به ذلك. وكذلك فعل بغيرها من حصون النقرة والأحص، وسبا، وأحرق، ونهب، وعاد فنزل صلدع على نهر قويق. وخرج إليه اتزر بن ترك طالبا منه الصلح مع سليمان فقال: على شرط أن يعطيني سليمان الأتارب حتى أحفظه، وأنا أذب عنه، وأقاتل دونه. فقال له: ما يجوز أن نسلم ثغرا من ثغور حلب في بدو مملكته بل ألتمس غيرها. مما يمكن لنوافقك عليه. فقال له: الأتارب لا يقدر صاحب حلب على حفظها؛ فإن قدرت عمرت عليها الحصون بما دارت. وأنا أعلمكم أنها اليوم تشبه فرسا لفارس قد عطبت يداها. وللفارس هري «٤» شعير يعلفها رجا [ء] أن تبرأ ويركبها. فنفذ هرى الشعير وعطبت الفرس. وفاته الكسب. ثم رحل نحوها فحاصرها ثلاثة أيام واتصل به ما أوجب رحيله إلى أنطاكية.

стр. 201

ولما بلغ ايلغازي إصرار ولده على العصيان ضاقت عليه الأرض، وأعمل في الوصول إليه، وأخذ حلب منه فكاتب أقوام، وعرفوه أن ما بحلب من يدفعه عنها. فسار حتى وصل إلى قلعة جعبر. فضعفت نفس ابنه سليمان عن العصيان على أبيه فأنفذ إليه من استحلفه عن الصفح عنه، والإحسان إليه وإلى من حسن له العصيان مثل ابن قرناص وناصر الحاجب وأكد الأيمان على ذلك. ودخل حلب في أول شهر رمضان فخرج الناس للقائه ودخل القصر. وأحسن إلى أهل حلب وسامحهم. وصرف الشحنة الذي كان يؤذي الناس في البلد. وقبض على الريس مكي بن قرناص وعلى أهله. وشق لسانه، وكحله. وأخذ ماله. وسلم أخاه إلى من يعذبه. وكحل (٢٥ و) ف ناصر الحاجب. فعني به من تولى أمره فسلمت إحدى عينيه وعرقب طاهر بن الزاير؛ وكان من أعوان الريس ... «١» وأعاد الملوك أولاد رضوان من قلعة جعبر إلى حلب وكان ولده قد أخرجهم من حلب فمضوا إلى قلعة جعبر وهم سلطان شاه وإبراهيم وغيرهم. وخطب بنت الملك رضوان وتزوج بها. ودخل بها حلب. وولى رياسة حلب سليمان بن عبد الرزاق العجلاني البالسي. وولى ابن أخيه بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار رياسة في حلب. وصالح الفرنج مدة سنة كاملة وأعطاهم من الضياع ما كان في أيديهم أيام ملكهم الأتارب وزردنا «٢» . وسار في المحرم من سنة ست عشرة وخمسمائة إلى الشرق ليجمع العساكر فمات وزيره بحلب أبو الفضل بن الرضوان في صفر وولى الوزارة أبو الرجا ابن السرطان. انتهى.

стр. 202

الفصل العاشر في- جوامعها.- وبعض مدارسها.- وخوانكها.- وزواياها.- وربطها.- وبيمارستانها .

стр. 203

لما فتح أبو عبيدة حلب كما تقدم صلحا أو عنوة «١» ، ودخل من باب (٢٦ و) ف أنطاكية فحف المسلمون بالأتراس حتى بنيت الشعيبية. وكانت تسمى قديما بمسجد الأتراس ثم بالغضائري «٢» . وسيأتي لماذا سميت بالشعيبية «٣» - صالحوا أهلها على القول بأنها فتحت صلحا على موضع المسجد الجامع، فاختطه الصحابة- ﵃ وكان بستانا للكنيسة التي هي الحلاوية الآن. والجب الذي فيه كان دولابا للبستان، ثم جدده سليمان بن عبد الملك، ولم يذكر ابن العديم في «٤» ترجمة سليمان أن سليمان بناه. وقال في مكان آخر: وبلغني أن سليمان هو الذي بناه «٥» ، كما رأيته بخط ابن عشائر «٦» ولم يبق فيه من بناء سليمان سوى السور. وقد نقض من السور قطعة يسيرة فوق الباب الغربي في «٧» سنة تسع وأربعين وثمانمائة وأعيد في أوائل سنة خمسين، وكذلك القبو الذي على الباب الغربي داخل الباب وخارجه. ابتدئ في عمارته في أواخر سنة تسع وأكمل في أوائل سنة خمسين.

стр. 204

ولم يعمر من مال الجامع وإنما عمره شخص يقال له: أبو بكر بن الحلواني وشرط لنفسه أن يسكن مدة حياته في البيت الذي عمره على ظهر القبو المذكور وبعده يكون وقفا على مؤذني الجامع، وسيأتي في الحوادث كيفية موت أبي بكر المذكور «١» . وقد كان هذا الجامع يضاهي جامع دمشق في الزخرفة والرخام والفسيفساء وباهى سليمان في بنائه ليضاهي ما عمل أخوه الوليد في جامع دمشق. وقيل إنما بناه الوليد، وأنه نقل إليه آلة كنيسة قورص «٢» . وكانت هذه الكنيسة من عجائب الدنيا ويقال أن ملك الروم بذل في ثلاثة أعمدة كانت فيها سبعين ألف دينار فلم يسمح الوليد بذلك» . ويقال إن بني العباس نقضوا ما كان فيه من الرخام والآلات إلى جامع الأنبار كما نقضوا آثار بني أمية من بلاد الشام. ولم يزل على هذه الصفة إلى أن دخل نقفور في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة حلب فأحرقه. ولما عاد سيف الدولة رمّ بعض ما تهدم منه ثم لما مات سيف الدولة ولى ولده أبو المعالي «٤» فبنى فيه «٥» . وهذا الجامع أحرق مرارا:

стр. 205

منها: في «١» سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة أحرقه الفرنج. ومنها: سنة أربع وستين وخمسمائة أحرق فجدده نور الدين الشهيد؛ كما قاله ابن كثير. ومنها: في سنة تسع وسبعين وستمائة حرقه صاحب سيس «٢» ونقل صاحب ماردين رخامه. وسيأتي من أحرقه أيضا من التتار وغيرهم. والكلام على الجامع قبليته وشرقيته وشماليته وغربيته، ومنارته، وصحنه، ومصنعه. وما فيه على الترتيب. أما الحائط القبلي الذي يلي الصحن وفيه أبواب القبلية فأخبرني شيخنا أنه من بناء نور الدين الشهيد؛ وسيأتي كلام ابن شداد في الخاتمة «٣» . وفي سنة ستمائة وقع باب قلعة حلب، وكان الباب قريبا من أرض البلد متصلا (٢٦ ظ) ف بالباشورة «٤» فقتل تحته خلق كثير منها: الأستاذ ثابت بن شعويق الذي بنى الحائط القبلي بجامع حلب الذي فيه محراب الصحن.

стр. 206

والحائط الشرقي مكتوب عليه أنه عمر في أيام الناصر محمد بن قلاوون. في سنة سبع وعشرين وسبعمائة. انتهى. (٣٠ و) م ومنه قطعة من جهة الشمال بنيت في أيام السلطان صلاح الدين. وأما الرمح المغروزة فيه فهو علامة لوقت العصر وقد عمل الشيخ العارف ابن التيزيني تلميذ الرئيس بن الحارمي نزيلا دمشق علامة أخرى بالقرب من العلامة المذكورة أ. وجهة الشمالية من الجامع مقبرة للكنيسة التي هي الآن المدرسة الحلاوية قبل الفتوح. والحائط الغربي جدد بعد موت السلطان المؤيد في تولية ولده السلطان أحمد؛ ورأيته وقد سقط فلما أزيلت الحجارة الساقطة خرجت بالحمام حية من بينهالأنه سقط ليلا ولم يؤذ أحدا. وكان بحلب الوزير علم الدين فأصبح بكرة النهار بالجامع ومعه الصناع لتحرير الحائط وبنائه. فسمع كافل حلب فغضب من ذلك وأنف. فأمر بإخراج الوزير من الجامع. وتمثل بعمارته. إشارة «١» : «في ليلة الأربعا [ء] سابع عشر من شوال في أيام نور الدين. وذلك في سنة أربع وستين وخمسمائة أحرقته الاسماعيلية «٢» . واحترقت الأسواق فبناه نور

стр. 207

الدين كما تقدم، ونقل إليه عمدا من قنسرين، وقطع له العمد من بعادين لأن العمد التي كانت فيه تفطرت من النار» . وكان النصف القبلي من الشرقية التي في قبلي الجامع الملاصقة لسوق البز عن يمين الداخل من الباب القبلي سوقا موقوفا على الجامع فاستفتى نور الدين في ذلك الفقيه عبد الرحمن الغزنوي «١» فأفتاه بجوازه فنقض السوق وأضافه إلى الجامع، فاتسع المسجد. وحسن في مرآى العين. ووقف عليه نور الدين أوقافا كثيرة. قال ابن شداد: وشاهدت الفتوى بخط الغزنوي «٢» . وهذا المكان رؤي النبي ﵌ يصلي فيه كثيرا وهو الآن دكة مرتفعة عن أرض الجامع. وأراد بعض المتكلمين في أيامي أن يجعل له حائطا وأن يجعله حاصلا للجامع. فمنعته من ذلك وأخبرته بما فعل السلطان نور الدين رحمه الله تعالى وأثابه الجنة. انتهى أ.

стр. 208

ولما دخل السلطان صلاح الدين حلب في سنة سبع وسبعين نزل المسعودي- شارح المقامات- واسمه: محمد؛ وله ترجمة في تاريخ ابن خلكان «١» - جامع حلب وقعد في خزانة كتبه الموقوفة. وكانت بالشرقية «٢» واختار منها جملة وأخذها ولم يمنعه منها مانع. انتهى. وأما المحراب الكبير: فقد وجد بعد حريقة في أيام السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون في شهر (٢٧ و) ف رجب سنة أربع وثمانين وستمائة في كفالة قراسنقر المنصوري وفيه انحراف «٣» وأما المنبر: الذي هو الآن به فعمل في أيام السلطان الملك الناصر محمد وصانعه محمد ابن علي الموصلي بتولي محمد بن عثمان بن الحداد؛ وهذا المنبر غير المنبر الذي كنت سمعت أن صانعه كان فلاحا من قرية «الأخترين» من قرى حلب. وأنه

стр. 209

(٣٠ ظ) م مات قبل تركيبه. وعجز الناس عن تركيبه. فرآه ولده في النوم فقال له: عجزتم عن تركيبه. قال نعم. فأراهم كيفية التركيب. فأصبح ولده وركبه. وقرأت في تاريخ الاسلام: وقد كان نور الدين أنشأ منبرا برسم الأقصى قبل فتح بيت المقدس طمعا في أن يفتحه ولم تزل نفسه تحدثه بفتحه. وكان بحلب نجار فائق الصنعة؛ فعمل لنور الدين هذا المنبر على أحسن نعت، وأبدعه. فاحترق جامع حلب فنصب فيه ثم عمل النجار المذكور ويعرف بالأختريني منبرا آخر شبه ذلك المنبر. فلما افتتح السلطان بيت المقدس أمر بنقل المنبر فنصب إلى جانب محراب الأقصى «١» . انتهى. [غريبة] : ومن الغرائب أن المستهل بن الكميت بن زيد الأسدي «٢» قدم حلب بأمر الخليفة المنصور. وصعد منبرها. فذكر مناقب بني هاشم. ومثالب بني أمية. وتكلم في عمر بن عبد العزيز. وقال: إنما مثله مثل بغي بني إسرائيل التي كانت تزني تحت رمان وتتصدق به على المرضى. فقام إليه أسلم بن كرب الشامي «٣» فقال: إن كنت كاذبا فأعمى الله بصرك فعمي في موضعه. وانحدر عن المنبر يقاد أ. وكان أسلم بن كرب يطرح التراب إلى فيه ويقول: تبا له سمع دعاءه يزري على نفسه.

стр. 210

وبالقبلية مكان في الحائط: يقال أن قطعة من رأس زكريا ﵊ فيه. وتقدم الكلام على رأس زكريا في الزيارات. ورأيت في الأعلاق الخطيرة «١» لما تسلم التتر قلعة حلب وأخربوها أخربوا جامع القلعة وذلك سنة ثمان وخمسين فعند ذلك عمد أبو بكر «٢» شيخ القلعة على الذخائر، وأبو حامد بن النجيب «٣» إلى رأس يحيى ﵇ فنقلوه إلى جامع حلب «٤» . وأما باب الخطابة: فجدد في أيام السلطان الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن محمد سنة ست وأربعين وسبعمائة وهو غاية في الجودة «٥» . وأما السدة: فعملت بإشارة الطنبغا كافل حلب «٦» . وباب الجامع القبلي: لم يكن من أنواع المنجور كالنهود والمكولك والمطعم (٢٧ ظ) ف والخيط «٧» إلا وهو به. ومكتوب عليه نجز في شعبان سنة سبع وثلاثين وسبعماته. وعلى الباب الثالث من جهة الغرب: تاريخ عمله في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة.

стр. 211

الشرقية القبلية: وهو المكان الذي يقرأ فيه البخاري، الآن في العضادة الثانية الملاصقة لصحن الجامع الدعا [ء] مستجاب أ. ومشرف العابد كان يصلي هناك. ورأى النبي ﷺ في المنام «١» يصلي هناك. وأما سقف الجامع فكان جملونا كجامع دمشق. وكان بحائط المحراب وحائط الصحن قماري ومناظر وآثارها باقية إلى الآن. فلما احترق الجامع في أيام التتار كما سيأتي بنى ابن صقتر هذا القبو- ولابن صقر «٢» ترجمة في تاريخ شيخنا- فغوش عليه كافل حلب وقال له: إنما بنيت اصطبلا فلما كانت دولة الظاهر جقمق وكافل حلب إذ ذاك قايتباي الحمزاوي «٣» وملاك أمر حلب بيد زين الدين عمر سبط ابن السفاح اختلفت أقاويل المهندسين ورأسهم علي بن الدحال وكان ماهرا في صنعته وأراهم في أمر الحائط الذي فيه أبواب القبلية وهو نهاية في الجودة (٣١ و) م والترصيف، وجودة النحت. وثقل الآلة وحسن التركيب والترتيب، وكثرة ما فيه من الكوى طلبا للمكنة والخفة. وليس بحلب حائط مثله، بل ولا غيرها؛ إذ مال أوسطه وخرج عن الميزان ميلا فاحشا.

стр. 212

وكانوا قد زانوه وظهر لهم ذلك. وعلى رأس الباب المذكور نسره مبني بالحجارة الهرقلية، وعليه رفرف جدده قصروه- كافل حلب- كما أعانه عليه شيخنا المؤرخ. وظهر تشقق وانفساخ في القبو الملاصق للحائط وكان الناس في صلاة الجمعة والخطيب على المنبر انهار تراب من الشقوق ففزع الناس وخرجوا من القبلية؛ حتى أني كنت أصلي فيه فخيل لي أن الحائط قد سقط على الناس من شدة الفزع فحضر كافل حلب قاتباي الحمزاوي ومعه ابن السفاح ورؤساء «١» البلد والمهندسون والبناؤون ومنهم الحاج محمد شقير وكان عالما بصنعته وفيه ديانة فاضطربوا أيضا. واختلفت أقوالهم فبعضهم أشار بنقض الحائط. وقال أخاف إن وقع وقوع المنارة. وبعضهم أشار بحفر حفر في صحن الجامع ليكشف عن أساس الحائط وينظر في حاله وقال: إنما أتى الحائط من قبل أساسه. وبعضهم قال: إنما أتي من قبل الماء المجتمع في المصنع الذي بصحن الجامع. فحفروا الحفائر فوجدوا الحائط مبنيا على قناطر. فقال بعضهم: إن الذي بناه بناه على أساسه القديم ولم يصل بهم إلى الجبل. وقال بعضهم: بل هذا طلب للمكنة. وأخذوا في نزح الماء من المصنع. وتفرق النائب والناس من غير طائل (٢٨ و) ف. قال لي ابن الدحال: بينا أنا في صحن الجامع إذا أنا بشخص يتكلم بين الناس ويقول: الرأي أن ينقض النسر الذي على الباب. وأن ينقض القبو المتقطع ويترك الحائط على حاله. ولم أعرف الرجل فتدبرت كلامه فوقع في قلبي أنه صواب. فأشرت بذلك. فأخذوا في نقض القبو الملاصق للحائط وكان الرأي أن ينقض قليلا قليلا. فزادوا في النقض فتقطع بقية القبو ولو علم الكافل ب، ذلك لقتل ابن الدحال.

стр. 213

وكانوا قد كاتبوا السلطان في أمره فأرسل ألف دينار إلى ابن السفاح ليصرفها في عمارة ذلك. فاتفق رأي العامل نجم الدين مع ابن السفاح وقطعا المستحقين خلا أرباب الخمس وشرعوا في عمارة ذلك. فلما خاف ابن السفاح من هيبة السلطنة فأصرف شيئا قليلا من مال السلطان في عمل «البواب» التي على الحائط المذكور. وأخذت حجارة النقض. ووضع منها شيء في معبر الباب الغربي. وتم باب القبلي بغير رفرف فشرع القاضي الحنفي [ا] بن الشحنة «١» في عمل رفرف عليه وركب في شهر شعبان سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. وثبت الحائط على حاله. ولم يزد بعد ذلك شيئا أ. انتهى (٣١ ظ) م. وأما الشرقية: فبناها «٢» بنو عماد الدين «٣» . وكانوا أصحاب طرابلس قديما. وتقدم ما هو مكتوب على حائطها. وكان فيها آبار لخزن الغلات المتحصلة من رايع

стр. 214

كنيسة هيلانة؛ وهي الحلوية وشاهدت منها جبا في الحجازية إلى جانب البركة؛ وإنما سميت حجازية لأنها منزل لأهل الحجاز. والقبور التي بها قبور جماعة ماتوا وقتلوا في محنة تمر. واثنان قتلا في فتنة تغرى ويرمش «١» ؛ نائبها. وهما: خش قدم «٢» ؛ مملوك زين الدين ابن السفاح والحاج عبد الله المعري الصابوني؛ وكان شجاعا، فلما أراد المذكور نقب السور الذي عند باب الجنان نزل عبد الله المذكور من السور إليهم، وقاتلهم. وطردهم هو ومن معه. ومنعهم من ذلك، فقتل هناك. ثم صلي عليه في الجامع ودفن هنا. وكان بالشمالية من غربي الباب الشمالي بيت خلا [ء] ؛ أحدثه الشيخ حمزة الجعفري، والسيد حمزة المذكور كان متكلما على الجامع وثبت نسبه. ومكتوب على باب الخلا [ء] أنه جدد في أيام السلطان الظاهر برقوق وكافل حلب إذ ذاك تغري بردي «٣» بتولي السيد حمزة في سنة سبع وتسعين وسبعمائة. وخيف على المأذنة منه فأبطلوه أ.

стр. 215

وعلى باب الحجازية حجر من الرخام الأبيض يقال إن عمر بن عبد العزيز جلس (٢٨ ظ) ف عليه. ولا يجلس هناك مهموم بالغالب إلا انفرج همه ببركته. وأما الفوارة التي في وسط الجامع والقبة التي عليها: فالفوارة بناها قرعويه كان فيها عمود طوله سبعة أشبار يخرج منه الماء والبركة المضلعة التي تحت القبة في غاية الحسن والكبر يقال أنه كان مذبحا لبعض الكنائس التي كانت بحلب. وفي دور حافة هذا الجرن مكتوب «أمر بعمله قرعويه غلام سيف الدولة سنة ٣٩٤» . والماء ينصب من هذا الجرن إلى بركة متقطعة من الرخام الأصفر ثم يسيل إلى بركة من رخام أصفر قطعة واحدة. وهي من عجائب الدنيا. والعمود أالذي في وسط الجامع رؤي النبي ﷺ يصلي عنده. وفي أعلاه صحن من الحديد. كان يوضع فيه البخور قديما. ويوضع فيه تارة زيت وحب قطن ليضيء على جميع الجامع. وفي أرض الجامع حاصل للماء صنع قبل مجيء الماء الحلو من القناة إلى حلب وكان ابن الأيسر متوليا على الجامع فطرق عليه شخص الباب ودفع إليه ألف دينار. وقال: اصرف هذا في وجه من وجوه البر. ففكر «١» فوقع له أن يصرفه في عمارة مصنع لخزن الماء. فشرع في ذلك. وفرغ المال فضاق صدره لذلك فجاءه أيضا ودفع
следующие страницы →