Полный текст (1 101 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الشرقية القبلية:
وهو المكان الذي يقرأ فيه البخاري، الآن في العضادة الثانية الملاصقة لصحن الجامع الدعا [ء] مستجاب أ. ومشرف العابد كان يصلي هناك. ورأى النبي ﷺ في المنام «١» يصلي هناك.
وأما سقف الجامع فكان جملونا كجامع دمشق. وكان بحائط المحراب وحائط الصحن قماري ومناظر وآثارها باقية إلى الآن. فلما احترق الجامع في أيام التتار كما سيأتي بنى ابن صقتر هذا القبو- ولابن صقر «٢» ترجمة في تاريخ شيخنا- فغوش عليه كافل حلب وقال له: إنما بنيت اصطبلا فلما كانت دولة الظاهر جقمق وكافل حلب إذ ذاك قايتباي الحمزاوي «٣» وملاك أمر حلب بيد زين الدين عمر سبط ابن السفاح اختلفت أقاويل المهندسين ورأسهم علي بن الدحال وكان ماهرا في صنعته وأراهم في أمر الحائط الذي فيه أبواب القبلية وهو نهاية في الجودة (٣١ و) م والترصيف، وجودة النحت. وثقل الآلة وحسن التركيب والترتيب، وكثرة ما فيه من الكوى طلبا للمكنة والخفة. وليس بحلب حائط مثله، بل ولا غيرها؛ إذ مال أوسطه وخرج عن الميزان ميلا فاحشا.
стр. 212
وكانوا قد زانوه وظهر لهم ذلك. وعلى رأس الباب المذكور نسره مبني بالحجارة الهرقلية، وعليه رفرف جدده قصروه- كافل حلب- كما أعانه عليه شيخنا المؤرخ. وظهر تشقق وانفساخ في القبو الملاصق للحائط وكان الناس في صلاة الجمعة والخطيب على المنبر انهار تراب من الشقوق ففزع الناس وخرجوا من القبلية؛ حتى أني كنت أصلي فيه فخيل لي أن الحائط قد سقط على الناس من شدة الفزع فحضر كافل حلب قاتباي الحمزاوي ومعه ابن السفاح ورؤساء «١» البلد والمهندسون والبناؤون ومنهم الحاج محمد شقير وكان عالما بصنعته وفيه ديانة فاضطربوا أيضا. واختلفت أقوالهم فبعضهم أشار بنقض الحائط. وقال أخاف إن وقع وقوع المنارة. وبعضهم أشار بحفر حفر في صحن الجامع ليكشف عن أساس الحائط وينظر في حاله وقال: إنما أتى الحائط من قبل أساسه. وبعضهم قال: إنما أتي من قبل الماء المجتمع في المصنع الذي بصحن الجامع. فحفروا الحفائر فوجدوا الحائط مبنيا على قناطر. فقال بعضهم: إن الذي بناه بناه على أساسه القديم ولم يصل بهم إلى الجبل. وقال بعضهم:
بل هذا طلب للمكنة. وأخذوا في نزح الماء من المصنع. وتفرق النائب والناس من غير طائل (٢٨ و) ف.
قال لي ابن الدحال: بينا أنا في صحن الجامع إذا أنا بشخص يتكلم بين الناس ويقول: الرأي أن ينقض النسر الذي على الباب. وأن ينقض القبو المتقطع ويترك الحائط على حاله. ولم أعرف الرجل فتدبرت كلامه فوقع في قلبي أنه صواب. فأشرت بذلك. فأخذوا في نقض القبو الملاصق للحائط وكان الرأي أن ينقض قليلا قليلا. فزادوا في النقض فتقطع بقية القبو ولو علم الكافل ب، ذلك لقتل ابن الدحال.
стр. 213
وكانوا قد كاتبوا السلطان في أمره فأرسل ألف دينار إلى ابن السفاح ليصرفها في عمارة ذلك. فاتفق رأي العامل نجم الدين مع ابن السفاح وقطعا المستحقين خلا أرباب الخمس وشرعوا في عمارة ذلك. فلما خاف ابن السفاح من هيبة السلطنة فأصرف شيئا قليلا من مال السلطان في عمل «البواب» التي على الحائط المذكور. وأخذت حجارة النقض.
ووضع منها شيء في معبر الباب الغربي.
وتم باب القبلي بغير رفرف فشرع القاضي الحنفي [ا] بن الشحنة «١» في عمل رفرف عليه وركب في شهر شعبان سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. وثبت الحائط على حاله. ولم يزد بعد ذلك شيئا أ. انتهى (٣١ ظ) م.
وأما الشرقية: فبناها «٢» بنو عماد الدين «٣» . وكانوا أصحاب طرابلس قديما. وتقدم ما هو مكتوب على حائطها. وكان فيها آبار لخزن الغلات المتحصلة من رايع
стр. 214
كنيسة هيلانة؛ وهي الحلوية وشاهدت منها جبا في الحجازية إلى جانب البركة؛ وإنما سميت حجازية لأنها منزل لأهل الحجاز.
والقبور التي بها قبور جماعة ماتوا وقتلوا في محنة تمر. واثنان قتلا في فتنة تغرى ويرمش «١» ؛ نائبها. وهما: خش قدم «٢» ؛ مملوك زين الدين ابن السفاح والحاج عبد الله المعري الصابوني؛ وكان شجاعا، فلما أراد المذكور نقب السور الذي عند باب الجنان نزل عبد الله المذكور من السور إليهم، وقاتلهم. وطردهم هو ومن معه. ومنعهم من ذلك، فقتل هناك. ثم صلي عليه في الجامع ودفن هنا.
وكان بالشمالية من غربي الباب الشمالي بيت خلا [ء] ؛ أحدثه الشيخ حمزة الجعفري، والسيد حمزة المذكور كان متكلما على الجامع وثبت نسبه. ومكتوب على باب الخلا [ء] أنه جدد في أيام السلطان الظاهر برقوق وكافل حلب إذ ذاك تغري بردي «٣» بتولي السيد حمزة في سنة سبع وتسعين وسبعمائة.
وخيف على المأذنة منه فأبطلوه أ.
стр. 215
وعلى باب الحجازية حجر من الرخام الأبيض يقال إن عمر بن عبد العزيز جلس (٢٨ ظ) ف عليه. ولا يجلس هناك مهموم بالغالب إلا انفرج همه ببركته.
وأما الفوارة التي في وسط الجامع والقبة التي عليها: فالفوارة بناها قرعويه كان فيها عمود طوله سبعة أشبار يخرج منه الماء والبركة المضلعة التي تحت القبة في غاية الحسن والكبر يقال أنه كان مذبحا لبعض الكنائس التي كانت بحلب.
وفي دور حافة هذا الجرن مكتوب «أمر بعمله قرعويه غلام سيف الدولة سنة ٣٩٤» .
والماء ينصب من هذا الجرن إلى بركة متقطعة من الرخام الأصفر ثم يسيل إلى بركة من رخام أصفر قطعة واحدة. وهي من عجائب الدنيا.
والعمود أالذي في وسط الجامع رؤي النبي ﷺ يصلي عنده. وفي أعلاه صحن من الحديد. كان يوضع فيه البخور قديما. ويوضع فيه تارة زيت وحب قطن ليضيء على جميع الجامع.
وفي أرض الجامع حاصل للماء صنع قبل مجيء الماء الحلو من القناة إلى حلب وكان ابن الأيسر متوليا على الجامع فطرق عليه شخص الباب ودفع إليه ألف دينار. وقال: اصرف هذا في وجه من وجوه البر. ففكر «١» فوقع له أن يصرفه في عمارة مصنع لخزن الماء.
فشرع في ذلك. وفرغ المال فضاق صدره لذلك فجاءه أيضا ودفع
стр. 216
إليه ألف دينار فطعن عليه. وقالوا: ضيع مال الجامع. وسعوا به إلى صاحب. فطالبه بالحساب. فأجابه. فلم ير فيه درهما واحدا مما صرفه. على ذلك فسأله عن ذلك فأخبره بالقصة.
وفي تاريخ ابن العديم أن الذي فعل ذلك من أجداده وأقاربه. وابن الأيسر لم يكن من أقاربه فحصل في ذلك قولان «١» .
ومن الغريب أنه لما حضر موضع المصنع وجد فيه صورة من الحجر الأسود وهو موضوع على بلاط أسود ووجهه إلى جهة القبلة. فاستخرجوه من مكانه. فجرى (٣٢ و) م بعد ذلك ما جرى من خراب الجامع إما بالزلزلة. وإما بالحريق.
وأما المئذنة: الموجودة الآن فهي من بناء أبي الحسن محمد بن يحيى بن الخشاب وأبو الحسن علي بن الخشاب له مدائح كثيرة في الخليفة المستضيء بالله. وله ترجمة في تاريخ ابن العديم. وتقدم الكلام على بنى الخشاب. وكان مدبر حلب إذ ذاك أخذ بعض حجارتها من بيت نار للمجوس كان داخل باب الجنان.
ثم رأيت في تاريخ المؤيد «٢» ؛ قال: ثم دخلت سنة اثنين وثمانين وأربعمائة وفيها عمرت منارة جامع حلب. قام بعملها القاضي أبو الحسن بن الخشاب. وكان بحلب بيت نار قديم. ثم صار أتون حمام فأخذ ابن الخشاب المذكور حجارته وبنى بها المأذنة المذكورة. فسعى بعض حسدة ابن الخشاب به إلى آقسنقر وقال إن هذه (٢٩ و) ف الحجارة لبيت المال فأحضره آقسنقر وحدثه في ذلك. فقال ابن الخشاب: يا مولانا إني عملت بهذه الحجارة معبدا للمسلمين. وكتبت عليه اسمك. فان رسمت غرمت لك ثمنها. فأجاب آقسنقر إلى اتمام ذلك من غير أن يأخذ منه شيئا «٣» . انتهى.
стр. 217
وهذه المأذنة ليس في بلد الشام، بل ولا مصر أطول منها، بل ولا في غالب البلاد من فوق سطح الجامع. نعم من أرض الجامع يوجد أطول منها باعتبار علو حائط الجامع كمدرسة السلطان حسن فيما قيل. وفي دلهي بالهند جامع به مأذنة لم يعمل مثلها في الدنيا من حجر أحمر. ودرجها نحو ثلاثمائة وستين درجة. وليست مربعة؛ بل كثيرة الأضلاع.
عظيمة الارتفاع. واسعة من تحتها.
وفي تاريخ الإسلام قال: في سنة ثلاث وثمانين قال: وفيها عمرت منارة جامع حلب «١» انتهى.
ولا اختلاف بين القولين لأن هذه المنارة لا تفرغ في سنة واحدة. فابتدىء بعمارتها في سنة اثنين. وكملت في سنة ثلاث.
والذي سعى في ابن الخشاب في أمر المأذنة هو أبو نصر ابن النحاس «٢» .
وفي تاريخ ابن أبي طيء: أسست العمارة في زمان سابق بن محمود بن صالح «٣» . وكان الذي عمرها من سرمين. وبلغ بأساسها الماء. وعقد حجارتها بالكلاليب الحديد والرصاص وأتمها في أيام قسيم الدولة وطول هذه المنارة إلى الدرابزين «٤»
بذارع اليد سبعة وتسعون ذراعا. وعدد مراقيها «٥» مائة وأربع وستون درجة؛ قاله ابن شداد «٦» .
стр. 218
ولما جاءت الزلزلة ليلة الاثنين ثامن عشر شوال سنة خمس وستين وخممائة حركت المنارة فدفعت هلالا كان على رأسها مقدار ستمائة قدم وتشققت «١» .
وأبو الحسن هو الذي أنشأ مسجد الجرن الأصفر وحمل إليه الجرن من مكان بعيد «٢» ، وجده القاضي عيسى هو الناقل إلى حلب من حصن الكراد في أيام سيف الدولة ولأسلافه المكانة عند الملوك. ولم يتعلق أحد منهم بولاية من الملوك ونفوسهم تأبى ذلك «٣» . وسيأتي تراجمهم.
ومن غرائب الاتفاق أن التتار قدموا مرة إلى حلب في سنة يأتي تعيينها في فصلهم. فاختبأ شخص من أهلها وضاق صدره من كثرة الخبأ ويئس من الحياة فصعد إلى المأذنة. وجعل يشير بمنديل معه ويقول: جاء النصر من عند الله ويقول: اقبضوهم بين البيوت مثل النسا [ء] ويكبر، ويرفع صوته. فظن التتار أن جيشا قدم إلى حلب. فاقلعوا عنها.
ولما مرض نور الدين الشهيد بلغ أخاه الخبر فقدم حلب طمعا فيها فحلف له جماعة من شيعتها وأعيانها وعوامها وسألوه أن يأذن لهم في أن يؤذنوا بحي على خير (٣٢ ظ) م العمل على ما جرت به العادة من الشيعة. فأذن لهم في ذلك استمالة لقلوبهم، فمضوا إلى الجامع.
وأذنوا بذلك. ثم تماثل نور الدين وجلس في- طيارة القلعة. فلما (٢٩ ظ) ف تيقن أخوه نصرة الدين براحته خرج من البلد هاربا من نور الدين. وأرسل نور الدين خلف القاضي أبي الفضائل بن أبي جرادة «٤» . وقال له: امض إلى
стр. 219
الجامع وصل بالناس. فقال له: فالآذان؟ فقال: كيف رأيت. فمضى. وجلس في القبلية تحت المنبر. واستدعى المؤذنين. وأمرهم أن يؤذنوا [ا] لآذان المشهور المعهود.
فخاف المؤذنون وقالوا: لا نأمن على أنفسنا. فقال لهم: لا تخافوا لي أسوة بكم.
فصعدوا وأذنوا. فاجتمع تحت المنارة ما يزيد على متائة ألف ضارب بالسيف. فقام إليهم أبو الفضل فقال: يا حلبيين إن نور الدين في عافية. وهذا الذي تعملونه لا يليق وقرأ «١» آية: أَطِيعُوا اللَّهَ. وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «٢»
. وقد أمر نور الدين الأذان المعهود. فمن كان منكم على وضو [ء] فليصل. ومن لم يكن على وضو [ء] فليتوضأ، ويأتي ويصل. فانفتل الناس، وتفرقوا يقولون: ايش نعمل بقاضينا. وسكنت الفتنة.
وأما درابزينها: فقد جدد قبل فتنة تمر في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة
وأما الرفرف: الذي هو الآن عليها «٣» : فجدد في شهر المحرم سنة خمس وخمسين وثمانمائة.
وأما الكتابة التي عليها: فهي أسماء الأئمة الاثني عشر. ولذلك عصمت في محنة التتار وتيمور من الحريق والتخريب كما تقدم.
وبها «٤» حية عظيمة رآها بعض الناس، وقال: أنها كقدر معزاة.
وأما القبة الرصاص والطبقة التي على الشمالية فجددها: أولا علم الدين الوزير وهو ابن الجابي؛ المتقدم ذكره في الحائط الغربي، ووقف عليها حصة حانوت داخل باب الجنان.
стр. 220
ثم جددها قراجا الدوادار «١» عند قصروه «٢» وزخرفها من الداخل. وجعل لها قبة من رصاص وهي موجودة في سنة أربع وسبعين وثمانمائة.
ثم لما تشعث داربزينها جدد هذا الدرابزين الموجود في هذه السنة ثم زاد معلوم من يدعوا فيها قبل صلاة الجمعة كافل حلب بن بردبك «٣» من الملح.
وأما الرخام المفروش في وسط صحنه: فالأصفر منه قطع من معدن بعادين خارج حلب من شمالها.
وبعادين، والعافية: من منتزهات حلب. وقد خرج إلى بعادين والعافية البليغ المعري «٤» المذكور في وقائع الفرنج في نصر بن صالح مع أقوام من أهل حلب فتعب فأنشد:
يا فرجة ما مرّ بي مثلها ... عدمت فيها العيشة الراضية.
(٣٠ و) ف
زرت بعادين ولكنني ... عدمت في العافية العافية.
انتهى.
وهذا المعدن لا يوجد إلا في حلب، ومنه ينقل إلى سائر البلاد كدمشق والقاهرة.
وأما الحجر الأسود فإنه قطع من الأرض الأحص»
، من معدن له هناك، وهو
стр. 221
غاية في حسن التركيب والجودة. والأشكال المختلفة. والشكل الذي (قدام) باب (٣٣ و) م الجامع الشرقي إلى نحو القبلة هو صنعة مدينة النحاس. فإذا دخلت من باب من أبوابه لا يمكنك أن ترجع إليه في غير الطريق الذي دخلت منه.
وهذا الرخام الموجود في سنة أربع وسبعين وثمانمائة غير الذي تكلمنا عليه. غير الرخام القديم بل هو رابع ترخيم وضع فيه. لأن رخامه القديم نقل كما تقدم والمتجدد بعده غير ما مرة تكسر من التتار وهو باق تحت هذا الرخام أ.
стр. 222
خاتمة:
العصفور الدوري ما كان يعشعش في الجامع بل ولا يدخل إليه. ففي هذه الأيام دخل إليه. ولعل طلسمه بطل.
واشتهر عند أهل حلب [و] توارثوا ذلك عن بعضهم البعض أن هذا الجامع لا يخلوا عن ولي. وبعضهم يقول أن القطب إنما يصلي في القبلية من جهة الغرب. وهو المعروف بمقصورة الحنفية. وهذا الجامع عليه من الجلالة والمهابة ما هو لائق به.
وكان قديما المحراب الكبير مختصا بالأئمة الشافعية، والذي على يمينه بالحنفية والمحراب الأصفر الذي على شماله بالحنابلة. وهذا المحراب من الرخام الأصفر كالمحراب الكبير. وهذه المقصورة التي فيها هذا المحراب لا تخلو عن وصل من الظهر إلى الغروب دائما. وأما محراب الغربية فكان مختصا بالمالكية.
وأما الحجازية فلم يكن قديما يصلى فيها بإمام بل كان أول الصلوات تقام في المحراب الكبير فلما آلت الإمامة والخطابة إلى الشيخ الصالح العالم العامل شهاب الدين أبي العباس أحمد بن جمعة الأنصاري القيسي السعدي العبادي المذكور في فصل الزيارات كان يتعبد، ويطيل الرواتب. والفرائض. فتضرر بعض أهل الدنيا بسبب ذلك فرفع الأمر إلى ناصر الدين بن السفاح وكان رئيس حلب إذ ذاك فأحدث صلاة الأولى «١» في الحجازية. وقال من شاء أن يتعجل فليصل هنا.
ومحراب الحجازية وسّعه شخص فخاصمه السيد حمزة ومنعه من إتمام ما أراده. وناصر الدين بن السفاح المذكور، وهو الذي منع الناس من بيع الرقيق على باب الجامع الشمالي لأنهم كانوا يهرشون على المصلين فجزاه الله خيرا.
стр. 223
واعلم أن الدخول أإلى هذا الجامع والصلاة فيه تزيل الكرب وتفرج الهموم وهذا مشاهد مرئي. وكيف لا وقد بني في أيام عمر بن الخطاب ﵁ كما تقدم. وقد خطب فيه الصالحون والأخيار كعمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك.
[ابن نباته الشاعر الخطيب] :
(٣٠ ظ) ف وأخيرا خطب فيه الخطيب أبو يحيى عبد الرحيم الفارقي ابن نباتة؛ صاحب الخطب المشهورة التي وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها. وقصة رؤياه للنبي ﷺ وتفله في فيه مشهورة. فأقام ثمانية عشر يوما لا يطعم ولا يشرب ببركتها وبحلب اجتمع بالمتنبي. وكان سيف الدولة يفتخر به. وتوفي سنة أربع وسبعين وثلاثمائة بميافارقين.
ودفن بها. ومولده سنة خمس وثلاثين. وترجمته مشهورة فلا نطول بها. والخطيب شهاب الدين الأنصاري المتقدم ذكره. ولقد قام مرة إلى بئر ببيته يستسقي الماء فخرج له الدلو ملآن ذهبا فافرغه. وقال: أريد ماء فاتتني الصلاة بالجامع لما تكرر عليه. وكان مع ذلك يعنى صلاحه خلفه شخص أعجمي لا يصلي خلفه في بعض الأحيان فعاتبه في ذلك. فقال «١» :
أنت قلبك في ياقد القدس «٢» ، لا في المحراب. أشار بذلك إلى أن حصة بالقرية المذكورة وقف على الخطيب وكان أحيانا يعرض ذكرها على قلب الإمام المذكور في الصلاة. انتهى.
قلت: وأذكرني هذا ما اتفق لبعض الفقراء أنه صلى مؤتما ببعض أخوته فعرض للإمام عارض دنيوي في صلاته. فقطع المأموم الصلاة. فشكاه الإمام إلى شيخهما
стр. 224
فسأله عن سبب قطعه الصلاة. فأخبره بالذي اتفق. فقال الشيخ للمأموم: وأنت أيضا كيف اشتغلت عن الصلاة بالكشف.
انتهى.
واعلم: أنه لم يكن بحلب داخل السور سوى خطبة الجامع.
وخطبة القلعة حتى أحدث الطنبغا «١» جامعا- كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى- ويقال أن الجامع الذي بجب السدلة «٢» خطبته قديمة؛ كذا أخبرني بعض المشايخ.
ورأيت في كلام المختار المتطبب «٣» أنه في سنة أربعين وأربعمائة قدم حلب [و] قال:
«وبها جامع» . انتهى.
والظاهر أنه لم يكن بها قديما إلا الجامع الأعظم. وفي كلام شيخنا:
ولم يكن بحلب إلى سنة سبعمائة داخلها جامع سوى الجامع الكبير. انتهى.
ومن اللطائف:
ما حكاه الصاحب كمال الدين العديم؛ قال: حدثني أبي قال: نزل جدي في بعض الأيام يصلي بالجامع وخلع نعليه بين يدي المنبر وكانا جديدين. فلما قضى صلاته قام ليلبسهما. فلم يجدهما. ووجد مداسه الخليع مكانهما. فقال لغلامه: ألست نزلت الجامع بالجديد. فما الذي أصابه. فقال الغلام: بلى، ولكن جاءنا الساعة إنسان دق الباب وقال: القاضي يقول لكم: انفذوا إليه مداسه العتيق
стр. 225
إلى الجامع فقد سرق متاعه. فضحك. وقال: هذا لص مشفق. جزاه الله خيرا. وهو في أوسع الحل منه.
ومن الغرائب: أن كسرى بن عبد الكريم- قاضي حلب- رأى أبويه في النوم (٣١ و) ف وقد جاءاه بملبوس حسن ألبساه أياه. فتولى الإمامة بهذا الجامع. ثم رآهما بعد ذلك. وقد جاءاه بطيلسان فألبساه إياه. وقالا: هذا غير ذلك. فقلد القضاء بحلب.
[محمد بن هاشم الحلبي. خطيب الجامع الأموي] :
ومن الغريب: أن محمد بن هاشم بن أحمد بن عبد الواحد بن هاشم عبد الرحمن الحلبي.
وله محلة بحلب- وسيأتي الكلام عليها- كان خطيب الجامع الأموي بحلب. وكان يخطب بالحاضر في ورقة بيده. توفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وستمائة.
ومن نظمه:
إن غربت حلب الشآم وغربت ... سكنى المقيم بها عن الأبصار
فلنعم عوني دمع عيني إذ تفانت ... أسرتي وتخاذلت أنصاري
واعلم أن الباب الشمالي إلى جانبه من جهة الغرب على يمين الداخل باب مسدود. وفي الحجازية في شرقي القبور خلوة بابها مسدود وهي ملآنة قتلى.
وفي الشرقية خلوة للعلامة العالم شمس الدين بن الركن. وترجمه شيخنا وقد (٣٤ و) م وسعها من جهة القبلة العلامة محب الدين بن الشحنة لما كان يعتكف في الجامع
واعلم أن القناديل التي بالجامع كانت في أيام تكلم السيد حمزة المتقدم ذكره تزيد على الألف، وذلك عقب محنة تمر. والأسواق خراب. وريع الجامع إذ ذاك قليل. وكان الناس يقولون أنه أخرب الجامع.
واعلم أن التتار لما تكرر هجومهم إلى حلب، وتعطلت غالب المساجد اتفق آراء أهل البلد من الرؤساء على أخذ أوقاف المساجد، وإضافتها إلى الجامع المذكور وأن يصرف للمساجد زيتها من الجامع.
واعلم أن في معبر الباب الغربي عن يسار الداخل بابا يفضي إلى حاصل وفيه أجباب
стр. 226
مدفونة في الأرض معدة لخزن زيت الجامع. وكان الأمر على ذلك إلى محنة تمر ثم سد الحاصل المذكور وقطع زيت المساجد الذي كان مرتبا من الجامع إلا مسجد القلعة.
واعلم أن كافل حلب تغري برمش- ﵀ نصب للتكلم على الجامع شخصا من مماليكه يقال له: «كزل» . وكان شكلا حسنا، ذا رأي وعقل.
فتكلم فيه بدين. والزم أصحاب الوظائف بمباشرة وظائفهم. وكسا الجامع حصرا كثيرة. وبّيض الشمالية داخلها وخارجها. وكان يتعاهد الجامع ليلا ونهارا قبل ركوبه إلى خدمة مخدومه. وكان في ليلة الجمعة يخرج إلى سطح داره ويشرف على مصابيح المأذنة فإن رأى مصباحا مطفيا جاء إلى الجامع ليلا وخاصم من له ولاية ذلك.
وربما ضربه. والزمه بالخروج إلى المأذنة. وإصلاح ذلك. ووفر من مال الجامع جملة.
ورأيته يجر البالوعة من عند البركة إلى منتهاها. ولم يعتمد على الفعلة بل لبس عباءة ونزل إلى السراب.
(٣١ ظ) ف فجزاه الله لما حبس في قلعة حلب عند خروج أستاذه عن الطاعة بأن خرج أهل البلد إلى القلعة بالأعلام. وشفعوا فيه وانزلوه إلى الجامع. وقال لهم عند نزوله: عندي مال متحصل من ريع الجامع فبنى به قناة الجامع. وضاق صدر المتكلمين على الجامع بسببه. وضرب واحد منهم بالعصى في الجامع على دبره. وانقطع النجم الوردي في منزله. ولم يخرج خوفا على نفسه. وكان ينشد كثيرا:
أيا كزل السوء لا تظلمن ... فكم جاء مثلك ثم انعزل
قلت: الله يعلم المفسد من المصلح. وكان يقول: «تركتني حجرا في هذا البيت ملقى.
ولا أستطيع الخروج بين الناس» . انتهى.
وفي سنة سبع وثمانين وسبعمائة قتل أبو بكر بن الركن المطاس بالجامع وسبب قتله أنه كان يظلم الناس.
стр. 227
قال ابن رشد: «وله مال، ويقدر على أكثر من أربعمائة ألف دينار وكان النواب يصادرونه. فيعطيهم كل ما طلبوا من غير ضرر ولا يتأثر من ذلك.» .
واتفق أنه في جماد الأول وقف على رجل وطلب منه مالا على جهة الظلم فاتصل الكلام بينهما إلى أن قال له: انا أتشفع إليك برسول الله ﷺ ؛ أو نحو هذا الكلام. فقال: لو جاء، ما قبلت شفاعته.
(٣٤ ظ) م فأخذته العامة. وتقدم عليه أحدهم فقور رقبته بسكين.
وقتلوه. وأحرقوه بأيديهم حنقا عليه لما صدر منه. واحتاط النائب على حواصله. وقد تقدم هذا بزيادة في نوابها. وقد مدح هذا الجامع بقصائد؛ منها «١»
حلب بدر دجّى أن ... جمها الزّهر قراها
حبذا جامعها الجا ... مع للنّفس تقاها
شهوات الطرف فيه ... فوق ما كان اشتهاها
قبلة كرّمها الله ... بنور وحبّاها
ورآها ذهبا في ... لازورد من رآها
ومراقي منبر أع ... ظم شيء مرتقاها
وذرى مئذنة طا ... لت ذرى النجم ذراها
ولفوّارته ما ... لا تراه لسواها
стр. 228
قصعة ما عدت الكعب ... ولا الكعب عداها
فهي تسقي الغيث إن لم ... يسقها أو إن سقاها
كنفتها قبّة يض ... حك عنها كنفاها
قبّة أبدع باني ... ها بناء إذ بناها
(٣٢ و) ف
ضاهت الوشي نقوشا ... فحكته وحكاها
لو رآها مبتني قبة ... كسرى ما ابتناها
حيّيا السارية الخضراء ... منه حيّياها
حيث يأتي حلقة الآداب ... منها «١» من أتاها
من رآهم من سفيه ... باع بالجهل السّفاها
هذه السارية الخضراء كان يجتمع فيها المشتغلون بالأدب يقرءونه عندها وذهبت في الحريق. وما زالت حلقة الأدب لقرا [ء] ة النحو واللغة معقودة بجامع حلب ليلا ونهارا.
وكذلك لقراءة القرآن العزيز. وما فتىء على هذه الحالة.
وكان مسرق العابد يقرأ فيه الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة وذلك قبل [أن] «٢» تبنى المدارس في حلب. انتهى.
إشارة «٣» :
لما استولى «٤» التتر المخذولون على مدينة حلب يوم الأحد العاشر من صفر سنة
стр. 229
ثمان وخمسين وستمائة دخل الجامع صاحب سيس وقتل به خلقا كثيرا، وأحرق الحائط القبلي منه، وأخذ الحريق غربا وقبلة إلى المدرسة الحلوية. واحترق سوق البزازين؛ فعّرف عماد الدين القزويني ما اعتمده السيسيون من الإحراق للجامع واغفالهم كنائس النصارى هلاكو، فأمر برفع ذلك وأطفأ النار. وقتل السيسين. فقتل منهم خلق. ولم يقدر على اطفا [ء] النار؛ فأرسل الله مطرا عظيما، فأطفأه.
ثم اعتنى نور الدين يوسف بن أبي بكر بن عبد الرحمن السلماسي الصوفي بتنظيف الجامع. ودفن القتلى من المسلمين في جباب كانت بالجامع للغلة في «١» شماله. وتقدم ما قاله غيره في هذه الجباب، وأين كانت.
ولما مات عز الدين أحمد- أحد الكتبجية «٢» ، ومعناه الكاتب- خرج عن ماله جميعه.
فقبضه أخوه وتصدق ببعضه. وعمر حائط الجامع به. فأصرف عليه عشرين ألف درهم؛ منها ثمانية عشر ألف درهم لبنائه. وألفان لحصره ومصابيحه.
(٣٥ و) م ولما ملك السلطان الظاهر «٣» حلب أمر بتكليس الحائط الذي بني وعقد الجملون على الحائط القبلي إلى الحائط الشمالي من جهة الصحن، وعمل له سقف متقن.
انتهى.
واعلم أن هذا الجامع كان قديما يدرس فيه على المذاهب الأربعة، ولكل مذهب مكان مخصوص، وبه المحدثون، وأرباب الفتاوى. ولهم معاليم على ذلك. وأمره منتظم إلى محنة تمر والآن «٤» قد زالت المسميات، وبقيت الأسما [ء] ؛ كما قال الأول:
مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومهبط وحي مقفر العرصات
стр. 230
قال ابن شداد: زاويتان بالجامع المذكور وقفهما العادل نور الدين لتدريس مذهب مالك وأحمد. وزاوية بالجامع لتدريس الحديث وقفها العادل نور الدين وإنما أغفل المذهبين لأنهما كان يدرس فيهما من قبل نور الدين؛ وقرأت بخط الصاحب ما لفظه:
[إبراهيم بن عيسى، الحجة] :
(٣٢ ظ) ف إبراهيم بن عيسى بن أحمد الفقيه المالكي المغربي، يلقب بالحجة. فقيه حسن، فاضل، عارف بالأصول وبمذهب مالك، قدم علينا حلب قبل الستمائة وولي التدريس بزاوية المالكية بالمسجد. ودام يدرس بها مذهب مالك إلى أن توفي بعد الأربعين والستمائة بحلب، انتهى.
ولو ذكرنا ما يحضرنا من المدرسين لطال.
[ذكر جوامع حلب التي كانت تقام فيها الجمعة في زمن ابن شداد]
ونشرع الآن في ذكر بعض جوامعها التي تقام فيها الجمعة؛ وقد ذكر ابن شداد في الأعلاق الخطيرة ما لفظه بعد ذكر الجامع الأعظم «١» : «ذكر ما بظاهر حلب من الجوامع «٢» » ؛ فهذا دليل على أنه لم يكن في زمانه بباطنها جامع إلا الأعظم.
ثم عد:
الجامع الذي بالحاضر السليماني «٣» :
أنشأه أسد الدين شيركوه بن شادي بن مروان بن يعقوب صاحب حمص «٤» .
стр. 231
ووسع بنا [ء] هـ الأمير سيف الدين علي بن علم الدين سليمان بن جندر «١» وبنى إلى جانبه مدرسة وتربة ودفن بها.
تقام به الخطبة.
وفي الرّمادة جامع تقام به الخطبة يعرف بالبختي «٢» .
وفي بانقوسا جامع تقام فيه الخطبة يعرف بعيسى الكردي الهكاري «٣» ؛ كان شحنة «٤» الشرطة بحلب.
ثم ذكر جامع القلعة «٥» . انتهى كلام ابن شداد «٦» .
[ما استجد بعد ابن شداد من الجوامع بحلب]
ونحن نذكر في كتابنا هذا ما تجدد بعده من الجوامع من غير استيعاب فنبدأ:
بجامع الطنبغا «٧» :
إذ هو أول جامع بني بحلب بعد الأموي، كما تقدم. وكملت عمارته في سنة ثلاث وعشرين وسنمائة. وهذا «٨» الجامع بصدر الميدان الأسود. وبلغني أنه كان- يعني الطنبغا- يكره الخطيب ابن العجمي؛ خطيب الجامع الأعظم وهو مذكور مع أقاربه في فصله. وكان الطنبغا يقابله بذلك.
стр. 232
فصنع هذا الجامع ليصلى فيه. ولا يصلى خلفه.
وفي أول جمعة صليت به قرىء على ابن القاسم عمر بن حبيب المسلسل بالأولية تبركا بالحديث النبوي. وفيه مناسبة أخرى ظاهرة.
وفيه يقول ابن حبيب:
في حلب دار القرى جامع ... أنشته الطنبغا الصالحي
(٣٥ ظ) م
رحب الذرى «١» يبدو لمن أمه «٢» ... لطف معاني حسنه الواضح «٣»
مرتفع الرايات يروى الظما ... من مائه بالشارب «٤» السالحي «٥»
يهدي المصلي في ظلام الدجى ... من نوره باللامع اللامح «٦»
من حوله الروض يسر الورى «٧» ... من زهره بالفائق الفائح
لله بانيه الذي خصه ... بالروح للغادي والرائح
وبه بئر غزيرة الماء. وله باب من حديد يخرج منه إلى ظاهر البلدة أخذه من بعض الحصون؛ وبلغني أنه من قلعة النقير.
وقال ابن الوردي في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة «٨» فيها في شوال رسم نائب (٣٣ و) ف حلب الطنبغا بتوسيع الطرق التي في الأسواق اقتداء بنائب الشام تنكز «٩» بما فعله في أسواق دمشق «١٠» .
стр. 233
ولعمري لقد توقعت عزله عن حلب لما فعل ذلك؛ فقلت «١» :
رأى حلبا بلدا داثرا ... فزاد لإصلاحها حرصه
وقاد الجيوش لفتح البلاد ... ودق لقهر العدا فحصه
وما بعد هذا سوى عزله ... إذا تم أمر بدا نقصه
وفي سنة سبع وثلاثين وسبعمائة توفي الأمير جمال الدين خضر بن نائب حلب الطنبغا بحلب، ودفن بالمقام. ثم عمل له والده تربة حسنة عند جامعه خارج حلب. ونقل إليها.
وكان حسن السيرة، ليس من أعجاب أولاد النواب في شيء «٢» .
ومما قلت فيه تضمينا «٣» :
أيبست أفيدة بالحزن يا خضر ... فالدمع يسقيك إن لم يسقك المطر
منها خلقت فلم يسمح زمانك أن ... يشين حسنك فيه الشيب والكبر
وإن كان يتضمن هذا التضمين القول بموت الخضر ﵇.
وقد تقدم الكلام على الطنبغا في فصل النواب. انتهى.
جامع تغري بردي «٤»
، توفي «٥» سنة خمس عشرة وثمانمائة. وكان متواضعا يعرف شيئا من العلم، بنى جامعا بحلب.
وكان قد أسسه [ا] بن طومان «٦» .
وفي ذلك يقول الأديب زين الدين بن إبراهيم بن سليمان الرهاوي كاتب السر بحلب، وكتبه على عتبة منبره:
стр. 234
منبر جامع محاسن فضل ... ذلك الجمع ماله من نظير
خص عزا بجمعة وخطاب ... عن رسول مبشر ونذير
قد بناه لله تغري بردي ... كي يجازى بجنة وحرير
ومن نظمه «١» :
يا غائبين وفي سري محلهم ... دم الفؤاد بسهم البين مسفوك
أشتاقكم ودموع العين جارية ... والقلب في ربقة الأشواق مملوك
أقول: وهو شعر وزن لا بديع فيه ولا انسجام.:
وهذا الجامع بني «٢» في سنة سبع وتسعين وسبعمائة.
وفيه تصديران على قاعدتي الإمامين الشافعي «٣» ، وأبي حنيفة؛ أسندهما «٤» الشيخ شمس الدين الغزي، وجمال الدين الملطي الحنفي. وفقها [ء] على المذهبين ومحدث يقرأ البخاري.
وفي خارجه من جهة الغرب بالقرب من بابه الصغير عمود من رخام أصفر كان بعض الناس يقرب إليه، ويتبرك به، فكسره بعض القضاة. انتهى.
[الشاعر عمر الرهاوي] :
(١٣ ظ) ف وهذا الناظم المذكور؛ أعني عمر الرهاوي ترجمه شيخنا في تاريخه «٥» ؛ وقال إنه قرأ على أبي المعالي بن عشائر، وبرع في النظم. ولي كتابة السر بحلب عوضا عن ابن أبي الطيب. ثم خطابة الجامع الأعظم بعد وفاة أبي البركان الأنصاري.
стр. 235
وفيه يقول ابن الخراط:
وفي الرهاوي لي مديح ... مسير أعجز الحلاوي.
وقد أطرب السامعين طرا ... وكيف لا وهو في الرهاوي.
توفي في ربيع الآخر سنة ست وثمانمائة «١» . انتهى.
لطيفة:
ابن أبي الطيب «٢» المذكور له ترجمة في تاريخ شيخنا. وسمعت بعض قدما [ء] حلب يقول: إنه لما وليّ ابن أبي الطيب سلط عليه من أخذ الوظيفة عنه عاميا يبيع عنبا على بابه. وينادي على العنب: «العن أبا الطيب» . فاذا قيل له في ذلك (!) . يقول: «إنما أقول العنب الطيب» . انتهى.
ويعجبني في معنى ما قاله ابن الخراط قول بعضهم:
حلاوية ألفاظها سكرية ... قلتني وقوت نار قلبي بالعجب.
شبك دمعي في الخدود مسير ... ومن أجل ذا والله قد زاد في الكسب.
انتهى.
رجع:
وهذا الجامع المذكور في قبلته انحراف والحائط الغربي انهدم في أيام «٣» تكلم شيخنا المؤرخ فجدده من مال الوقف، وكان يتردد إلى عمارته. وجدّ في ذلك واجتهد.
стр. 236
وعلى بابه حوض للسبيل، ومكتب للأيتام من إنشا [ء] تغري بردي المذكور. ووقف على ذلك أوقافا مبروره من جملتها في معرة عليا «١» من عمل سرمين.
وهذا الجامع لا يضاهى منكلى بغا في النورانية؛ إذ ذلك أسس على التقوى؛ كما سيأتي في ترجمته.
وعلى بابه مسجد قديم سكن به الشيخ علي الفولاذي نسبه إلى الشيخ الصالح محمد فولاذ القدسي؛ سمي بذلك لصلابته في دينه.
وكان يحج كثيرا، واجتمعت به سنة ست وثلاثين بالمدينة المشرفة بالحرم الشريف بدلالة «٢» تلميذه الشيخ علي المذكور فرأيته رجلا صالحا متعبدا، متقشفا، وأقام تلك الليلة يحادثنا في طريق القوم حتى انتهاء الليل ثم ودّعنا. ولم ينم في المسجد الشريف. فسألته عن سبب ذلك فقال أخاف من خروج حدث في هذا المكان.
وقد توفي الشيخ علي المذكور في بعض الفصول شهيدا. وكان يكتب كتابة حسنة على طريقة ياقوت. وهو شكل حسن ظريف، يتزيا بزي القوم، ويلبس لباسهم. ويتكلم على طريقهم. متعفف منقطع عن الناس مع ما فيه من الفقر. وأوصى أن أصلي عليه إماما.
انتهى.
وهذا الجامع ندب تغري بردي لعمارته مشدا «٣» يقال له: ابن الزين فاعدل. وأقام له خطيبا قاضي المسلمين كمال الدين ابن العديم.
ثم صارت من بعده الخطابة لولده ناصر الدين (٣٤ و) ف.
стр. 237
ثم لشهاب الدين أخي كمال الدين؛ فخطب ولده في حياته.
ثم لما توفي في فصل سنة خمس وعشرين انتقلت إلى شيخنا شهاب الدين ابن الموازيني «١» .
وجعل تغري بردى لقاضي المسلمين شمس الدين الصفدي وظيفة مباشرة فيه.
فلما انتقل من حلب إلى طرابلس قاضيا جعلها للقاضي شرف الدين سبط [ا] بن العجمي. انتهى.
جامع منكلي بغا الشمسي
؛ ولي نيابة حلب عوضا عن قطلوبغا الأحمدي في سنة ثلاث وستين وسبعمائة
ثم وليها ثانية كما تقدم وفي هذه التولية أنشأ هذا الجامع. وباشر منعوتا بأحسن الأوصاف حاملا ألوية العدل والإنصاف إلى أن نقل إلى نيابة دمشق بعد سنة كاملة.
وهذا الجامع لطيف، حسن العمارة، ظاهر النورانية، يشرح الصدر ويذهب الهم، ويفرج الكرب. ومحرابه في غاية الجودة من الرخام الملون والفسيفسا [ء] ، وهو معتدل على القبلة. من غير انحراف، ومنبره نهاية من الرخام الأبيض، والفصوص الملونة. وكذلك سدته من الرخام الأبيض جيد في بابه، وحائطه فيه وزرة من الرخام الملون السماقي والأبيض. ومنارته حسنة على هيئة لطيفة مدورة في غاية الإحكام.
وكان أولا قبل أن يبنى محلة يباع فيها الخمر. ويقال لها محلة الأرض. فقيض الله هذا الرجل فأزال المناكر وأسس هذا الجامع بالعدل والإنصاف؛ كما قال الشاعر:
وإذا تأملت البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتسعد
стр. 238
وأصرف عليه من وجه حلال «١» . ثم بلغ مشد العمارة «٢» أن الصيرفي كان يقطع من كل فاعل حبة. فأهانه؛ وقال: لو درى بك النائب لأهانك وكان الفاعل ينام ويعمل. ولا يكلف. ويأمره بالصلاة «٣» . وأقام لعمارته ابن المهندار فقام قياما حسنا وعمره، وثمر وقفه وزاد ريعه، وشرى له حصصا.
وقد وقف منكلي بغا كتبا نفيسة لهذا الجامع؛ ومنها: «التفسير للقرطبي «٤» » و «التبصرة لابن الجوزي «٥» » و «مجمع الأحباب للحسيني «٦» » ، وغيره من الكتب النفائس. وقد ذهب نصف مجمع الأحباب، وكان كله في مجلدين فذهب مجلد واحد وهو كتاب جليل ترجم فيه الأوليا [ء] والعلما [ء] ، وتكلم فيه على طريق الصوفية، ووضع الكتب في خزائن بالجامع المذكور. وهذه الخزائن متقنة محكمة فيها الصفائح العظيمة على طريق النجارين. وبلغني أن الشيخ فريكا وهو من الصالحين كان نجار ذلك.
ومنكلي بغا ترجمته مشهورة، منها:
بلغه أن إمام الحلاوية- وهو ابن النجار- وكان نائبا عن القاضي الحنفي وله بيت خلف الحلاوية فأراد ان يستقرب البعد لأجل الإمامة ففتح له بابا إلى الحلاوية من (٣٤ ظ) ف قبتها فلما بلغ منكلي بغا ذلك حضر إلى الحلوية، ونظر فيها، وقد قيل له: أين الباب المذكور.
وعين مكانه فوقف عليه وسأل ما هذا؟ فقيل له: ما جرى.
стр. 239
فقال: «أما سمع الإمام أن النبي ﷺ قال: «خطوة ترفع درجته، وخطوة تضع خطيئة» . وأمر بسد الباب. انتهى
وفي تاريخ ابن حبيب سنة ثمان وستين وسبعمائة أنشأ منكلي بغا جامعه المشار إليه.
وحوض السبيل. وله نفع متعدد لا يحتاج إلى دليل. انتهى.
ومكتوب على بابه الشمالي أنه أنشأه في غرة شهر صفر سنة سبع وستين وكذلك على باب الشرقي ولا اختلاف في ذلك لأنه ابتدئ في عمارته سنة سبع، وتم (٣٧ و) م في سنة ثمان. انتهى.
وتوفي منكلي بغا [عام ٧٧٤ هـ.] «١»
وهذا الجامع قيض الله له في محنة تمر رجلا صالحا نزل فيه ومنع الناس من الدخول إليه وإخراب شيء منه ببركة صاحبه. وفي تاسع عشر المحرم سنة اثنين وخمسين وثمانمائة شرع في نقض الحائط الغربي من هذا الجامع وبعض القبو الملاصق له لأنه انشق قديما. وأراد الحاج عمر الجابي لوقفه أن يبني فيه قناطر. وأن يضعها على الصفوية وهي تربة للصفوي «٢» عليها وقف في طاحون الدوير وبها قبر وكان هناك قراء لهم معلوم مرتب من رايع الوقف.
واشترى لذلك أحجارا عظيمة ورأيت بعضها على باب الجامع. فلم يتفق ذلك. وكان قد اجتمع مال من رايع الجامع وهو مدخر بالجامع المذكور فتقاسم المباشرون المال ولم يبنوا شيئا من الجامع، فزاد التقطع في الحائط في السنة المذكورة لما أحدثوا قناة حمام المالحة في أساسه.
فذهب أهل المحلة إلى كافل حلب تنم «٣» وأحضروه إلى الجامع، فرأى حاله وما آل إليه فرق عليه.
وكان الخواجا شهاب الدين أحمد الملطي- عين التجار بحلب إذ ذاك- قد تكلم معه في عمارته فقال أخاف من عمارته أن يتوصل أحد من الحكام إلى أخذ شيء من
стр. 240
مالي. ودلهم على التكلم مع الكافل في ذلك فتكلموا مع الكافل وعرفوه أن ريعه لا يفي بعمارته. فقال الكافل أنا اتبرع بعمارته. فقال له الجماعة بل نترامى على الملطي، ونسأله أن يعمره. فقال لهم: افعلوا ما بدا لكم فذهبوا إلى الملطي. واعلموه بذلك، فأخرج خمسمائة «افلوري «١» » متبرعا بها في عمارته.
وتبرع ابن الشحنة محب الدين العلامة بالكلس من ماله. فأرسل كافل حلب إلى القاهرة وأحضر صناعا لبناء ذلك، فحضروا ومعهم مهندس. وكان قليل الكلام. ومعلم وشيال، وكان الشيال طويلا له قدرة على حمل الحجارة العظيمة فشرعوا في النقض كما تقدم فنقضوا حتى بلغوا الأساس ووضع في الأساس أعمدة.
وتمت عمارة ذلك في العشر الأوسط من ربيع الآخر من السنة المذكورة فقال علي بن الرحال: «إن هذا البناء يتشقق ثانيا» . فحدث في القبو بعض تشقق. وقد (٣٥ و) ف تشقق الحائط الشمالي مع قبوه في سنة ثلاث وسبعين وازداد في سنة أربع.
واعلم أن الحاج محمد بن صفا- ﵏ كان رجلا خيرا، تبرع بجملة من ماله لما فرغت دراهم الملطي. فصرفت في عمارة الحائط المذكور. ولم يقطع للمستحقين الدرهم الفرد.
стр. 241
ولما ولي الكلام على الجامع خشقدم؛ داودار قاتباي الحمزاوي- رحمهم الله تعالى- قام بعمارته أحسن قيام، ورقم قبليته بالحجارة الحندراتية «١» وبيضه متبرعا بذلك كله من ماله فزاد في حسنه.
ثم لما ذهب مع استاذه إلى كفالة دمشق أرسل له مصابيح من دمشق (٣٧ ظ) م فعلقت فيه. وهي مذهبة. وغير مذهبة «٢» .
ثم لما تكلم عليه يوسف خازندار «٣» جانم «٤» اشترى «٥» له بسطا كثيرة من ماله نشرت بالجامع المذكور مضافة إلى البساط الكبير الذي وقفه الأمير صارم الدين بن منجك؛ وكان قدم حلب في بعض التجاريد.
ووقف عليه الحاج عمر بن صفا بساطا كبيرا؛ وكذلك أحمد بن الديوان الاستادار «٦» .
وكان هذا الجامع يحضر إليه الناس من البلاد الشاسعة وأطراف البلد للنظر إلى محاسنه، والاجتماع بمحدثه والدي. وقرا [ء] ة الحديث فيه بشرط الواقف.
стр. 242
وكذلك شرط الواقف أن يكون المتكلم على الجامع واحدا، وفوض ذلك إلى ابن حبيب.
ثم انتقلت إلى الحراني قاضي حلب الحنبلي.
ويأتون أيضا إلى سماع مؤذنه جمال الدين يوسف الكشكاوي. وكان خيرا، دينا، صيتا، يحفظ القرآن، وانقطع صوته ثم عاد. وربما كان يتزعزع في بعض الأحوال.
وكذلك لسماع مؤذنه شمس الدين التيزيني.
وللصلاة خلف إمامه الشيخ اسرافيل؛ وكان عبدا صالحا صيتا. وسمي بذلك بحسن صوته.
وكان الرؤساء يجلسون على بابه فلا يستطيع أحد المرور لحشمتهم وحياء منهم. ومن جملتهم: ابن الافتخاري؛ ووقف صطلا كبيرا من نحاس يعلق على باب الجامع للشرب منه. انتهى.
وفي هذا الجامع في قبليته من جهة الشرق ايوانات أحدهما فيه باب صغير مسدود الآن كان يدخل منه منكلي بغا للصلاة يوم الجمعة كيلا «١» يتخطا رقاب الناس.
جامع الأطروش «٢» :
وهو اقبغا الهذباني «٣» ؛ ويعرف بدمرداش أيضا وتقدم ذكرهما في النواب.
стр. 243
[اقبغا الهذباني] : واقبغا المذكور مدفون بتربته في حانب الجامع المذكور بالقبة.
ودمرداش توفي مقتولا سنة سبع أو ثمان عشرة وثمانمائة. وكان أميرا، كبيرا. يعظم العلماء.
كثير الحياء والحشمة؛ قاله بعض المؤرخين «١» .
قلت: أخرج أملاك الناس وأوقافهم اقطاعا، ولم تزل كذلك حتى تسلطن المؤيد (٣٥ ظ) ف ﵀ فأبطل جمع ذلك. وأجرى الناس على ما كانوا عليه. وهذا الجامع في غاية الجودة من البناء والرخام، ومنبره من الرخام الأبيض في غاية الحسن. ومحرابه في غاية الجودة من الرخام الأصفر، وغيره من الآلة الثقيلة، لكن فيه بعض انحراف عن القبلة. وفيه عمودان من الرخام الأصفر من عجائب الدنيا من الغلظ والارتفاع. وفيه عدة شبابيك من النحاس الأصفر في غاية الجودة. وحائطه الغربي جيد الصناعة حسن البنا [ء] . والباب الذي فيه مؤرخ في سنة إحدى عشرة وثمانمائة «٢» . وبابه مؤرخ في سنة اثنى عشرة «٣» .
وكذلك باب مرتفقه. واقبغا الهذباني كان من عتقاء برقوق. وتنقل في الخدم إلى أن وليّ الحجوبية بحلب بعد رجوع السلطان من الكرك ثم نيابة صفد ثم طرابلس ثم حلب في سنة إحدى وثمانمائة سنة وفاة الظاهر (٣٨ و) م «٤» .
стр. 244
«العديمية»
؛ خارج باب النيرب» :
كما ستأتي في المدارس «١» أقيمت فيها الجمعة في زماننا، واستمرت.
وكان يخطب فيها الشيخ الصالح أحمد الزركشي.
«جامع الفردوس» :
سيأتي الكلام عليه في المدارس.
«جامع التوبة «٢»
خارج باب النيرب» :
كان محلة يباع فيها المنكرات، وتقف فيها القينات وتسمى بحارة السودان. فقام في عمارته جامعا الشيخ محمد بن المعصراني «٣» ؛ الآتي في الحوادث. وكلم كافل حلب تنم «٤» بكلام خشن فتم مقصوده. وقام الناس معه بصفاء نيته، وأسسه في حياته. وتمم بعد وفاته. فجاء جامعا حسنا نيرا كثير المياه. أجرى إليه الماء من القناة. وأصرف عليه جملة الأمير اسلماس «٥» التركماني.
стр. 245
وكذلك غيره. وتساعد أهل الخير فيه بأموالهم وأنفسهم. وعمر له منارة ورخم أرضه.
وهو إلى الآن في زيادة ونمو ببركة من أسسه. ووقف أهل الخير عليه أوقافا.
«جامع الحاج سليمان الكردي «١» » :
«جامع الطواشي: داخل «٢» باب المقام» :
«٣» أنشأه جوهر العلائي الطواشي «٤» ، وهو مطل على خندق قديم داخل البلد الآن.
وهذا الجامع لطيف. وله خزانة خلف منبره فإذا قضيت صلاة الجمعة ادخل هذا المنبر إلى هذه الخزانة. فإذا كانت الآتية أخرج منها «٥» . وذكر لي أن واقفه قد أسسه خانا فمر به شخص فسأله: ماذا تبني هذا. فقال: ابنيه خانا. (٣٦ و) ف فقال له: «تبنيه لأولادك» . فاستيقظ الطواشي وبناه جامعا. وفي قبلته انحراف.
«جامع عبيس
؛ داخل باب المقام» :
جدد في أيامنا وهو جامع وكان مسجدا قديما فجدد له منارة، وأقيمت فيه الجمعة.
وسيق إليه الماء من القناة. وتساعد أهل الخير في عمارته «٦» .
стр. 246
«جامع أرغون الكاملي بالقرب من ساحة بزة» :
وهو جامع لطيف له. منارة لطيفة على بابه و [ا] تجاه الباب من خارج بئر ماء ومكتوب على بابه: «أمر بتجديد هذا الجامع أرغون الكاملي «١» في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة» . (٣٨ ظ) م.
«جامع الصّروي» :
هذا الجامع بالبياضة «٢» ؛ أنشأه الحاج ناصر الدين محمد بن بيليك الصروي «٣» في سنة ثمانين وسبعمائة. وهو جامع لطيف له محراب من الرخام الأصفر. وكذلك منبره. وسدته.
وفي أيامي وسع قبليته وصحنه.... «٤» الاقباعي. انتهى.
[فائدة] :
وتلقب هذه المحلة بالبياضة بالتحفيف.
وكذلك حلب- تلقب بالشهباء والبيضاء؛ لبياض أرضها لأن غالبها من الحجارة الحوارة. وترابها يضرب إلى البياض. وإذا أشرف الإنسان عليها ظهرت له بيضا [ء] كما تقدم «٥» . انتهى.
стр. 247
«جامع ابن غلبك» :
هذا الجامع برأس البياضة.
أنشأه في أيامنا الأمير فخر الدين عثمان بن شيخنا الأمير شهاب الدين بن اغلبك «١» ، وجعله جامعا تقام فيه الجمعة ومدرسة للحنفية. وجعل فيه محدثا ومدرسا حنفيا. ورتب له إماما وخطيبا ومؤذنين. وقراء سبع. وغير ذلك. وجعل له منارة قصيرة. ووقف عليه شيئا من أملاكه.
وشرط أن يكون المحدث والخطيب العلامة الشيخ شمس الدين بن السلامي الشافعي «٢» .
وأن يكون المدرس العلامة الشيخ شمس الدين بن أمير حاج الحنفي «٣» . ومنبر هذا الجامع من المنجور؛ فيه صنعة مليحة وتركيب حسن.
«جامع القرناص» «٤» :
أنشأه بكتمر القرناصي. وله ترجمة في تاريخ شيخنا المؤرخ.
وقد توفي في سنة خمس وسبعين وسبعمائة.
وأخبرني والدي أنه لما عمره صار يقع عدة مرار فقال في آخر مرة: «والله إن وقعت لابنيك كنيسة» . وفيه خطبة. وفقها [ء] من الشافعية. مرتبون. ولهم مدرس. وأدركت الشيخ يوسف الكردي «٥» يدرس فيه.
وقد وقع حائطه الغربي في أيام الشيخ المذكور فتبرع بعمارته الحاج أحمد ابن فستق النشابي، وكان صديقا للشيخ يوسف المذكور. وأحضر عليا بن الرحال فبلغ
стр. 248
(٣٦ ظ) ف بأسسه الجبل، واقامه ووقفت على أسسه حين أسسه. وله منارة محكمة لطيفة من حسن البنا [ء] والأحجار والنحت. ثم في أيامنا تزعزع رأسها فنقض وأعيد ولم يعيدوه كما كان. فإنهم انقصوا «١» من طول العمد التي عليها قبتها فإنهم كانوا طوالا. انتهى.
وذكر لي من أثق به أن الحاج أحمد بن فستق المذكور استشار «٢» الشيخ يوسف في أن يحج وكان الحائط المذكور إذ ذاك منهدما فأجابه الشيخ يوسف إنك قد حججت وأنا أدلك على فعل خير يحصل إن شاء الله لك منه أجر الحاج وأشار عليه أن يعمر حائط القرناصية. فقال الحاج أحمد استخير الله تعالى ومضى من عنده فلقيه الشيخ بيرم المجذوب في طريقه فقال له: افعل الذي أشار عليك الشيخ أحمد، وبنى الحائط. انتهى.
«جامع الناصري ة»
سيأتي الكلام عليه في المدارس إن شاء الله تعالى.
«جامع الناصري» :
داخل دار العذل، وإلى جانبه مسجد السيدة بنت وثاب النميري؛ وقد تقدم الكلام عليها في فصل المزارات «٣» وهذا الجامع كان أولا خانا يسمى جان البيض فعمره يلبغا الناصري جامعا، ووقف عليه «٤» وقفا فلما قتل أخرج السلطان وقفه.
وبنى يلبغا المذكور حماما تحت القلعة وإلى جانبه مكتب أيتام، وحوض ما [ء] .
стр. 249
والآن إنما يصرف على الجامع من مال الحمام. وفي كل أوان يأتي أقارب الناصري من القاهرة وينازعوا أرباب وظائف الجامع ويقول أن الحمام ليست وقفا على الجامع إنما هي لنا وأن وقف الجامع أخرجه السلطان أ.
«جامع السفاحية» :
بناه المقر الأشرف أبي العباس أحمد بن سبط بني السفاح وترجمته مذكورة مع أقاربه؛ أنشأ مدرسة وجامعا بلا منبر بل بكرسي يحمل، ويوضع أخذ شكله من كرسي البخاري بالجامع الكبير وليس له سدة بل تخت من خشب موضوع للمؤذنين.
وكان في محله معصرة معدة للسيرج فنقضها وجعلها قبالة الجامع المذكور وأسس هذا «١» الجامع وبلغ بأساس المأذنة إلى الماء فنبع عليهم فعجزوا عن إزالة الماء فطرحوا في الأسس جرزونا «٢» وحواريق «٣» من أشجار التوت ثم بنى فوق ذلك.
والباني أولا هو مصطفى. ثم عدل عنه إلى المعلم محمد شقير.
ونحاته شخص مصري يقال له: محمد الفيل.
ونقل إليها الأحجار والرخام الاسود وأخذ بوابة كانت قبال المدرسة الزجاجية فجعلها بوابة الجامع. وجدّ واجتهد في عمارته.
وحصل له في أول يوم وفي أول حجر وضع بعد الأساس نكاية عظيمة من ابن الرزاز الحنبلي فإنه صار ينشد: «٤»
ومطعمة الأيتام من كد فرجها ... لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
(٣٧ و) ف والله يعلم المفسد من المصلح.
стр. 250
ومحرابها وحائطها القبلي وقناطرها من الرخام الأسود والأصفر وأبوابها من الخيط المنجور في غاية الحسن، وصانع ذلك هو الحاج أحمد بن الفقيه بترتيب الحاج عبد الله الخشاب وكان من أهل الخير إلا باب الشباك الذي عند قبر والد الواقف فإنه من صنعة شخص أعجمي حضر إلى حلب فادعى معرفة الصنعة فاستعمله القاضي شهاب الدين في هذا الباب وفي حاجبه فكلفه عليه كلفة زائدة عن حده فاصرفه. واستعمل الحاج أحمد المذكور. وكان يقول لو عملت هذا الباب من ذهب ما كلفت عليه هذا القدر. انتهى.
ورخام صحنها في غاية الجودة. وتأنق القاضي شهاب الدين المذكور في بنائها، وجعل له فيها خلوة لينقطع عن المباشرات فيها. وكان مغرما بهذا الجامع. مكثرا لذكره.
وعمل لنفسه جبة من الصوف الأسود ليلبسها عند جلوسه في الخلوة. واقتطع من ملكه، و [ا] شترى أملاكا فوقفها على هذا الجامع و [ا] شترى كتبا نفيسة ووقفها عليه. ورتب خطيبا فخطب بهذا الجامع.
وقد خطب بهذا الجامع الشيخ عمر الاعزازي وهو من أهل الخير والصلاح.
وخطب به شيخنا الشيخ محمد الاعزازي وسيأتي تاريخ وفاته مع ترجمته.
ورتب مدرسا فدرس بها الشيخ علي الكردي- تلميذ والدي- وهو من أهل الفضل. وكان والدي يميل إليه، ويحبه. ثم سافر الشيخ علي إلى القاهرة وقرأ على مشايخها.
ودرّس بها الشيخ العلامة قاضي المسلمين أبو بكر بن اسحاق الحنفي «١» . والشيخ
следующие страницы →