← Тараджим

Тараджим · id 11786

كنوز الذهب فى تاريخ حلب

سبط ابن العجمي

Полный текст (1 101 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وهذا آخر من درس بها. وإذا تأملت ما ذكرنا علمت أن التدريس لم (٤٦ و) م يكن بشرط الواقف للقاضي الشافعي. انتهى. «المدرسة النفرية أالنورية الشافعية» : أنشأها الملك نور الدين في سنة أربع وأربعين وخمسمائة. [قطب الدين مسعود بن محمد الطرثيثي] : أول من ولي التدريس بها قطب الدين مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري الطرثيثي مصنف كتاب «الهادي في الفقه» «١» . والتزم فيه أن لا يأتي إلا بالقول الذي عليه الفتيا. وكان اشتغال قطب الدين هذا بنيسابور ومرو. وسمع الحديث وقرأ القرآن والأدب على والده. ورأى الأستاذ أبا نصر القشيري، ودرس بالمدرسة النظامية بنيسابور نيابة عن ابن الجويني «٢» . وقدم دمشق سنة أربعين وخمسمائة ووعظ بها. وأقبل الناس عليه. ودرس. ثم رحل إلى حلب. فولي تدريس المدرسة المذكورة، وولي تدريس الأسدية التي بالرحبة، ثم مضى إلى همدان، ودرس بها. ثم عاد إلى دمشق ودرس بالزاوية التي كان يدرس بها أولا، وكان من العلم والدين والصلاح والورع بمكان كبير مطرحا التكليف.

стр. 282

ولد سنة خمس وخمسمائة ثالث عشر رجب وتوفي آخر يوم من شهر رمضان (٤٥ و) ف سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. وصلى عليه نهار الجمعة يوم العيد ودفن في مقبرته التي أنشأها جوار مقابر الصوفية- غربي دمشق- وكان «١» يقول: «ثلاثة أشيا [ء] ليس في الدنيا أشد منها: عرق النسا [ء] ، وطريق النسا [ء] ، وخلق النسا [ء] .» . ثم وليّ تدريسها بعده مجد الدين طاهر بن نصر الله بن جهبل «٢» . ولم يزل مدرسا بها إلى أن نقل إلى القدس الشريف، وتوفي بها في سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وبعد ما نقل المذكور وفي تدريسها القاضي ضيا [ء] الدين أبو البركات محمد بن المنصور بن القاسم الشهرزوري الموصلي. تفقه بالموصل على القاضي بهاء الدين بن شداد. وعلي بن يونس. وقدم حلب. وتولى نيابة الحكم بها عن القاضي بها [ء] الدين ابن شداد. ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي في الثامن من شعبان سنة إحدى وستمائة فولي تدريسها القاضي نجم الدين الحسن بن عبد الله بن أبي الحجاج العدوي الدمشقي الأصل، والمنشأ. وكان فقيها فاضلا عارفا بالأصلين بارعا فيهما وفي الخلاف والطريق ووليّ أيضا معها نيابة القضا [ء] عن القاضي بها [ء] الدين ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول ودفن نهار الأحد سابع عشر سنة ثلاثة وعشرين وستمائة. فولي تدريسها بعده صدر الدين محمد الكردي الكاجلي- قاضي منبج- ولم يزل مدرسا بها إلى أن سافر إلى مرعش. وولى القضا [ء] بها والوزارة سنة سبع وعشرين وستمائة وتوفي بمرعش.

стр. 283

فولي تدريسها الشيخ الإمام عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن أبي البركات هبة الله ابن أبي الرضا سعيد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله الموصلي الشافعي المعروف (بابن باطيش) «١» صاحب التصانيف المفيدة. ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي نهار الخميس رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وستمائة ومولده يوم الأحد سادس عشر المحرم سنة خمس وخمسين وستمائة.. ثم ولي تدريسها الشيخ زين الدين عبد الملك بن الشيخ شرف الدين أبي حامد عبد الله بن الشيخ شرف الدين أبي طالب عبد الرحمن بن العجمي في سنة (٤٦ ظ) م ست وخمسين وستمائة. ولم يزل مدرسا بها إلى أن استولت التتر على حلب. واستمر بها بعد ذلك إلى أن خرج من حلب. انتهى. وهذه المدرسة آل أمرها إلى التاج الكركي- قاضي حلب- وكان يسكن بقاعتها. والمدرسة المذكورة [ا] تجاه المدرسة الصاحبية التي أنشأها ابن شداد الآتي ذكرها بالقرب من جامع المرحوم تغري بردي «٢» . انتهى. ومن وقفها: تل باجر «٣» . «المدرسة الصاحبية الشافعية» «٤» : أنشأها: [القاضي بهاء الدين ابن شداد] : الشيخ الإمام العالم العامل العلامة أبو المحاسن وأبو «٥» العز يوسف بن رافع بن تميم

стр. 284

ابن عتبة بن محمد بن عتاب الأسدي- قاضي حلب المعروف بابن شداد- وفي كلام المؤيد لم يكن في أيامه من اسمه شداد بل لعله كان في نسب أمه. فاشتهر به. (٤٥ ظ) ف وغلب عليه. ترجمه ابن خلكان «١» ترجمة حسنة. منها: توفي أبوه وهو صغير فنشأ «٢» عند أخواله بني شداد، فنسب إليهم. وكان شداد جده لأمه. ولد بالموصل ليلة العاشر من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وعمرّ هذه المدرسة سنة إحدى وستمائة وتوفي يوم الأربعا [ء] رابع عشر صفر سنة اثنين وثلاثين وستمائة، ودفن في تربته التي بجانب هذه المدرسة. والدعاء مستجاب عند قبره، ولما كنت أحضر الدرس مع شيخنا المؤرخ كان يقف عند قبره ويدعو. وسمعته يقول أنه كان يلبس لباس البغاددة بحلب. وهذه المدرسة ليست محكمة البنا [ء] . وهي صغيرة. قليلة البيوت للفقها [ء] . وبها ثلاثة أواوين. قال الذهبي في ترجمة بانيها «٣» : ولم يرزق ولدا. ولا كان له أقارب. واتفق أن الظاهر أقطعه أقطاعا يحصل له منها جملة كثيرة. فعمّر منه مدرسة ثم عمر في جوارها دار حديث وبينهما تربة له. وصار المشار إليه في تدبير الدولة بحلب إلى أن كبر واستولت عليه البرودات والضعف، فكان يتمثل بهذا: من يتمنى العمر فليدّرع ... صبرا على فقد أحبابه ومن يعمّر يلق «٤» في نفسه ... ما يتمناه لأعدائه «٥»

стр. 285

وقال ابن الظاهري: ابن شداد هو جدّ بها [ء] الدين لأمه فنسب إليه. وقال ابن خلكان «١» : كان أولا يكنى بأبي العز فغيرها بأبي المحاسن. وقال كان يسلك طريق البغاددة في أوضاعهم. ويلبس زيهم. والرؤسا [ء] ينزلون عن دوابهم إليه. ثم صار إلى مصر لإحضار ابنة الكامل لزوجها العزيز فقتل. وقد استقل العزيز بنفسه. ورفعوا عنه الحجر، ونزل طغربك إلى البلد. واستولى على العزيز جماعة شباب يعاشرونه. فاستقل بهم، ولم يزل القاضي وجها يرتضيه، فلازم داره، إلى أن مات وهو باق على القضاء. ولم يبق له حديث في الدولة. فصار يفتح بابه لاسماع الحديث كل يوم. وظهر عليه الخرف بحيث أنه صار إذا جا [ء] هـ إنسان لا يعرفه، وإذا عاد عليه لا يعرفه، واستمر على هذا الحال، ثم مرض أياما قلائل. ومات ثم أرخ وفاته «٢» (٤٧ و) ف كما تقدم. «حكاية» : دخل على ابن شداد يوما رجل من العرب يقال له أبو الحجاج يوسف، وكان قريب العهد ببلاده ورد حلب في تلك الأيام. وكان فاضلا في الأدب والحكمة. فلما رآه على تلك الهيئة من الهزال والنحافة، أنشده: لو لم يعلم الناس ما في أن تعيش لهم ... بكوا لأنك من ثوب الصبا «٣» عار «٤» ولو أطاقوا انتقاصا من حياتهم ... لما فدوك بشيء غير أعمار (٤٦ و) ف فأعجبه ذلك. ودمعت عيناه. وشكر له «٥»

стр. 286

[الفقهاء وحب البلاذر] : وحكى القاضي بها [ء] الدين لجماعة قال: لما كنا بالمدرسة النظامية ببغداد اتفق خمسة من الفقها [ء] استعمال «حب البلاذر» «١» لأجل الحفظ. فاجتمعوا ببعض الأطبا [ء] وسألوه عن مقدار ما يستعمل الإنسان منه. وكيف يستعمله. ثم اشتروا القدر الذي قال لهم الطبيب. وشربوه في موضع خارج من المدرسة. فحصل لهم الجنون. وتفرقوا وتشتتوا. ولم يعلم ما جرى عليهم، وبعد أيام جاء إلى المدرسة واحد منهم. وكان طويلا وهو عريان ليس عليه شيء سوى ستر عورته، وعلى رأسه بقيار «٢» كبير له عذبه طويلة خارجة عن العادة. وقد ألقاها ورا [ء] هـ. فوصلت إلى كعبه وهو ساكت، ساكن عليه السكينة والوقار، لا يتكلم. ولا يعبث. فقام إليه من كان حاضرا من الفقها [ء] رسالة عن الحال. فقال لهم: كنا قد اجتمعنا. وشربنا حب البلاذر. فأما أصحابي فإنهم جنّوا. وما سلم منهم إلا أنا وحدي، وصار يظهر العقل العظيم والسكون وهم يضحكون منه وهو لا يشعر بهم. ويعتقد أنه سالم مما أصاب أصحابه وهو على تلك الحالة «٣» . انتهى. [رسالة الشاعر ابن خروف لابن شداد] : وقد كتب الأديب نظام الدين المعروف بابن خروف الشاعر إلى ابن شداد رسالة يستنجد منه فروة قرضية، وهي:

стр. 287

بهاء الدين والدنيا ... ونور المجد والحسب طلبت مخافة الأنوا ... ء من نعماك جلد أبي وفضلك عالم أني ... خروف بارع الأدب حلبت «١» الدهر أشطره ... وفي حلب صفا حلبي ذو الحسب الباهر والنسب الزاهر، يسحب ذيول سيراء السرا [ء] «٢» ويحسب النحاة لأجل الفرا [ء] ، ويمن على الخروف النبيه بجلد أبيه، قانئ الصباغ قريب عهد بالدباغ، ماضل «٣» طالب قرضه ولا ضاع. بل ذاع ثناء «٤» صانعه وضاع «٥» . أثيث «٦» حمائل الصوف، يهزأ من الرياح بكل هو جاء عصوف. إذا طهر إهابه، يخافه البرد ويهابه.. ما في الثياب له ضريب. إذا نزل الجليد والضريب، ولا في اللباس له نظير، إذا عرى من ورقه الغصن النضير. لا كطيلسان ابن حرب «٧» ، ولا جلد

стр. 288

عمرو الممزق بالضرب «١» ، كأنه من جلد حمل الجرباء الذي يراعي البدر والنجم، ولا من جلد السخلة الجرباء التي ترعى الشجر والنجم. فرجي النوع. أرجي الضوع. يكون تارة لحافا وتارة بردا، وهو في الحالين يحيي حرا. ويميت بردا. لا يزال (٤٧ ظ) م مهديه سعيدا، ينجز للأوليا [ء] وعدا. وللأعداء وعيدا، إن شاء الله والسلام «٢» . انتهى. وقد درس بها واقفها واستناب القاضي زين الدين أبا محمد عبد الله بن الحافظ عبد الرحمن بن علوان الأسدي. (٤٦ ظ) ف ولما توفي القاضي وليّ القاضي زين الدين. ودرس استقلالا. ولم يزل بها إلى أن توفي سنة خمس وثلاثين فوليها ولده القاضي كمال الدين أبو بكر محمد ولم يزل بها مدرسا إلى أن كانت حادثة التتر فخرج عنها إلى ديار مصر ثم عاد إلى حلب في أواخر سنة إحدى وستين وستمائة وولي تدريس هذه المدرسة، وتدريس الظاهرية، والقضا [ء] ، ولم يزل بها إلى أن توفي في ليلة الأحد رابع وقيل خامس عشر شوال سنة اثنين وستين وستمائة. ووليّ تدريسها جده القاضي محي الدين أبو المكارم محمد بن قاضي القضاة جمال الدين محمد بن عمه فلم يزل بها إلى أن توفي في سنة تسع وستين. ووليها أخوه افتخار الدين عثمان فلم يزل مدرسا بالصاحبية فقط إلى أن توفي بالديار المصرية. ووليها ولده شرف الدين عبد المجيد مع الأوقاف بحلب وهو مستمر بها إلى تاريخ سنة سبع وسبعين وستمائة.

стр. 289

وهذه المدرسة كانت قبل فتنة تمر عامرة بالعلماء، ودرس بها الشيخ شرف الدين الأنصاري وغيره. وبعد تمر سكن «١» شيخنا الشيخ علاء الدين بن الوردي وكان يقرئ بها «الحاوي» و «البهجة» «٢» . والناس يترددون إليه. وكان شيخنا المؤرخ يدرس بها الأحد والأربعا [ء] دائما. وكنت أحضر معه. ومن جملة من درس بها قبل الفتنة التمرية: ابن بنت الباريني. قال لي الشيخ علا [ء] الدين بن مكتوم أنه كان يتصفح كراسا من: «الروضة» وكراسا من «المهمات» مرة واحدة. ويردهما. وأنه لما تكرر ذلك منه أصيب بالعين فأخذته الحمى. ومات. انتهى. ودرس في هذه المدرسة جماعة من القضاة: كالسيد. وشيخنا زين الدين بن الخزري. والباعوني. ثم تعطلت هذه المدرسة. وصارت مسكنا للنسا [ء] حتى قدم الشيخ الصالح الزاهد علا [ء] الدين الجبريني. فحضر إلى هذه المدرسة، ورأى ما حل بها من التعطيل فشرع في إخراج النساء منها. وفي عمارتها. وتبييضها. وترخيم ما تقطع من رخامها. وتعزيل خلاويها، وعمارة مرتفقها، وفتح بركتها. ولما فتح إيوانها الشمالي (وعزّل) ظهر فيه قبر، فأبقاه في مكانه. وأقام شعار هذه المدرسة من ترتيب

стр. 290

إمام ومؤذن وحصر ومصابيح. وغير ذلك. وعزم على أن يسوق إلى بركتها الماء من القناة كعادتها. فما طالت مدته. وسيأتي ما اتفق له. انتهى. وقال ابن الوردي في ترجمة [ا] بن شداد: وعمر بحلب دار حديث ومدرسة متلاصقتين. وجعل تربته بينهما. فقال الناس: هذه تربة بين روضتين. ورجا أن يشمله بركة العلم ميتا كما شمله حيا. وأن يكون في قبره من سماع الحديث والفقه بين الري والريا: (٤٧ و) ف ربما أنعش المحبّ عيان ... من بعيد أو زورة من خيال أو حديث وأن أريد سواه ... فسماع الحديث نوع وصال انتهى. ومن وقفها: كفر سلوان من عمل عزاز، وحصة بالسوق الذي أنشأه دقماق، ويباع الزموط قبلي الحبالين. (٤٨ و) م «المدرسة السلطانية» : هذه المدرسة تعرف قديما بالظاهرية، وهي [ا] تجاه باب القلعة. وهي مشتركة بين الطائفتين الشافعية والحنفية؛ كان الملك الظاهر قد أسسها وتوفي ولم يتمها. وبقيت مدة بعد وفاته. حتى شرع طغربك أتابك العزيز فعمرها وكملها سنة عشرين وستمائة؛ قاله ابن شداد «١» وتقدم في ترجمة الظاهر شيء فانظره. وهذه المدرسة مبنية بالحجارة الهرقلية المحكمة، ومحرابها من أعاجيب الدنيا في جودة التركيب وحسن الرخام. وأراد تيمور أخذه فقيل له: إنه إذا أزيل لا يتركب على حاله الأول. فأبقاه. وهي كثيرة الخلاوي للفقهاء وبركتها ينزل إليها بدرج.

стр. 291

ولما عصى تغرى برمش وخرج عن طاعة الظاهر أجلس جماعة من مماليكه داخل هذه المدرسة يرمون على القلعة بالنشاب فرمى عليهم أهل القلعة بالمكحلة «١» . فأثرت أحجار المكحلة بحائط المدرسة. انتهى. وأول من درس بها وافتتحت به القاضي بهاء الدين بن شداد- المتقدم ذكره- فذكر فيها الدرس يوما واحدا يوم السبت ثامن من عشر شعبان من السنة المذكورة. ووليّ نظرها فولاها القاضي زين الدين أبا محمد عبد الله الأسدي «٢» ، قاضي القضاة بحلب، فلم يزل مدرسا بها إلى أن توفي سنة خمس وثلاثين وستمائة وكان يدرس بها المذهبين فوليها بعده ولده القاضي كمال الدين أبو بكر ابن أحمد ولم يزل مدرسا بها إلى استيلا [ء] التتر على حلب. وكان أيضا يدرس المذهبين الشافعية والحنيفة. ولم تزل الدروس تقام بها كغيرها من المدارس حتى أن بعض القضاة بحلب كان مدرسا بها فحصل من وقفها شعير فأكله ولم يعط للفقهاء فشكو [ا] للشيخ أبي جلنك ذلك فقال: في غد لا يحضر أحد منكم معه الدرس. وأنا أحضر فاتفق أنه بكرة النهار حضر المدرس ولم يحضر معه أحد. وحضر الشيخ أبو جلنك فقال له: أين الفقها [ء] . فقال راحوا إلى الدثار «٣» . فقال: وماذا يصنعون؟. قال: يرعون. قال:

стр. 292

لأي شيء. قال: بلغهم أن سيدنا أكل شعيرهم. فقال القاضي: إنما أبيع ليصرف عليهم ثمنه. فأحضرهم من الدثار فأحضرهم الشيخ أبو جلنك. فأصرف عليهم معلومهم. وحيث ذكرنا أبا جلنك نذكر شيئا من ترجمته: [أبو جلنك الشاعر] : قال الصلاح: أبو جلنك «١» الشاعر المشهور بالعشرة والخلطة التي تركته (٩٧ ظ) ف بدوه «٢» ، وجردت قشره. وكان فيه همة، وعنده شجاعة. ولديه في الإقدام في المعارك أجزل بضاعة. نزل قلعة حلب للإغارة. والتتار يتوقد من شرهم كل شرارة. فوقع في فرسه منهم عقرة، وفتق جنبه وبقره. فبقى على ضخامته راجلا، وأمسك عاجلا. وجاؤوا به مقدم التتار فسأله عن عسكر. فرفع شأنهم، وأعلى في الفروسية مكانهم. فغاظه ذلك منه. وضرب عنقه في الحال وشمّر للارتحال. وقال ابن حبيب: أبو جلنك هو الشيخ الشاعر شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن أبي بكر بن مسعود. فاضل في العلوم الأدبية، مجيد في نظم الشعر، وحل العربية. كثير المزاح والنوادر، يشار إليه في المحافل والمحاضر. غير أنه معتن بالهجا [ء] . توفي سنة سبع مائة بظاهر حلب مقتولا بسيف التتار. (٤٨ ظ) م ومن نظم أبي جلنك: وقالوا في الهجاء عليك إثم ... وليس الإثم إلا في المديح لأني في المديح أقول زورا ... وعند الهجو أنطق بالصحيح

стр. 293

ولما كان بحماه التزم لبعض الأكابر من أهلها يهجو صاحب حماه في وجهه فعمل أبياتا. وأنشده إياها. وهي: أشكو إلى الله حماتي وما ... يعلم ما ألقاه منها سواها عجوز سوء لو رأت ثروة ... طارت إليها بجناحي قطاة تقول للبنت الطمي خده ... ولا تكافيه وسبي أباه والله لا أفلحت ما عمرت ... قل لي متى أفلح صاحب حماه فلما سمعها السلطان فهم ما أراد، وعفى عنه. ومن شعره: وللمدارس أموال مضيعة ... سريعة النهب بين الكاس والساق لجاهل أو لذي جاه يمر بها ... أو أمرد ناعم الخدين والساق فلا يقوم لذي علم بها أود ... بالله ما سجعت ساق على ساق وثم أشيا [ء] لا أستطيع ذكرها ... لو قلتها قامت الدنيا على ساق ومن شعره: أتى جمال الدين يختال في ... ثوب من المفتخر المعدني فقلت نعم الثوب هذا الذي ... يلبس لولا أنه مع دني وله في الفحم: أتى بقضبان مسك ثم قابلها ... بوجهه فغدت كالمضعف الجوري لما رأت حسن خديه وحمرتها ... تبرقعت خجلا منه بكافور وحكي عن أبي جلنك أنه كتب رقعة إلى بعض القضاة قيل أنه ابن الزملكاني يسأله فيها شيئا. فدفع له برطلين خبز. فتوجه إلى بستان يرتاض فيه (٤٨ و) ف فقيل له: إنه بستان القاضي المذكور. فكتب على بابه: لله بستان حللنا دوحه ... في جنة قد فتحت أبوابها.

стр. 294

والبان تحسبه سنانيرا رأت ... قاضي القضاة فنفشت أذنابها وفي مفتاح السرور في أشعار أبي جلنك: وكتب على بستان القاضي ابن خلكان فذكر البيتين «١» قيل إن الشيخ بدر الدين ابن مالك أملى عليها كراسة في البديع. ومن شعره: أرى النرجس الغصن الجنى مشمرا ... على سوقه في خدمة الورد قائم وقد ذل حتى لف فوق رؤسه ... عمائم فيها لليهود عمائم ومن شعر أبي جلنك في: «اقطع» . وبي أقطع «٢» ما زال يسخو بماله ... ومن فضله مارد في الناس سائل تناهت يداه فاستطال عطاؤها ... وعند التناهي يقصر المتطاول (٤٩ و) م وفي كلام الصلاح الصفدي: أنشدني بعض الأصحاب وزعم أنه للشيخ شمس الدين ابن الصايغ: يا عروضيا له فطن ... بحرها بالفكر يضطرب ايما اسم وضعه وتد ... وهوان صحفته سبب ويرى في الوزن فاصله ... ساكنا تحريكه عجب أي جبل، والجبال أوتادا وزن فاصلة صغرى فهو ثلاث متحركات وبعدها ساكن. انتهى. وكتب عليه شخص الصحيح لأبي جلنك. انتهى. وقرأت بخط الشيخ شمس الدين ابن الركن قال عن الشيخ شمس الدين الخابوري أنه قال: كنت أكثر من ذكر الشيخ يعنى أبا بكر بن قوام عند الفقها [ء] بالمدرسة

стр. 295

السلطانية بحلب. فقالوا نحب أن نزوره معك، ونسأله «١» عن أشياء من فقه وتفسير وغيرهما. فعزمنا على زيارته إلى بالس. فبينما نحن عازمون إذ جاء بعض الفقراء فقال الشيخ: يدعوك. فقلت له: أين هو. فقال في زاوية الشيخ أبي الفتح الكناني. وكان من أصحابه. فخرجت أنا وجماعة من الفقهاء فقلت جاؤوا ليزوروا الشيخ ويسلموا عليه. فقال: قد حدث أمر عجيب. قلت وأي شيء حدث؟ قال: ألجم الشيخ كل واحد منهم بلجام. وقد يمثل سره سبعا. وهو ينظر في وجه كل واحد منهم، فلما طال نبأ المجلس لم يجسر أحد منا أن يتكلم قال لهم الشيخ: لم لا تتكلمون؟ لم لا تسألون. فلم يجسر أحد أن يتكلم. فقال الشيخ للذي على يمينه: فسألتك كذا والجواب عنها كذا. فما زال حتى أتى على آخرهم. فقاموا بأجمعهم. واستغفروا الله، وتابوا. واعلم أن هذه المدرسة قبل محنة تمر لما كان والدي يشتغل بالعلم كانت (٤٩ و) ف روضة الأدباء ودوحة العلماء كان أولاد حبيب الثلاثة وهم: محمد «٢» والحسن «٣»

стр. 296

والحسين «١» يترددون إليها، ويسكنون بها، وينظمون. وينثرون ويحدثون، ويأتي إليهم الناس أفواجا للأخذ عنهم. وتراجم الثلاثة في تاريخ والدي. وشعرهم كثير مشهور. وكان يسكن هناك القصاص الفاضل قص مصحفا بنقطه وإعرابه وجعل بين كل ورقتين ورقة سودا [ء] ليظهر القص. ودرس بها الشيخ شرف الدين الأنصاري وغيره من القضاة. ورزقها متوافر دار على أهلها؛ أخبرني والدي قال: كنت عند الشيخ شرف الدين الأنصاري فجاءه شرف الدين الداديخي فدفع إليه أربعمائة درهم بذلك النقد، وقال: هذا نصيبك من هذه المدرسة. فقال: أنت خير من غيرك، ثم خرج. فقال الأنصاري لوالدي: انظر كيف حالي مع الفقها [ء] أدفع إليه هذا المقدار ولا يقول: كثّر الله خيرك (!) ولم تزل المدرسة على ذلك إلى محنة تمر فصارت كما قال الشاعر: وتنكرت صفة العزيز فلم يكن ... ذاك العزيز ولا التقي ذاك التقي ودرس بها شيخنا بعد فتنة تمر عند ولايته القضا [ء] . وأخذها عنه التاج الكركي. وكذلك العصرونية لينكف عن طلب القضا [ء] . ثم عادتا إليه. ودرس بها بعد شيخنا جماعة، منهم: العلامة السيد الحسيني- قاضي حلب- وضبط متحصلها من جهاتها في سنتين. ومن جهاتها (عين دقنا) «٢» من بلد اعزاز و «قمرى» «٣» و «القيسية» وحصة

стр. 297

في: «اصبعا» ، وحصة في (نبل) «١» ، وحصة في (حربتا) . ولها جهات بحلب. وصرفها على المستحقين. ولم يأخذ منها شيئا حتى سأل الفقهاء على قدر ما يأخذ. وبيض المدرسة. وخبأ للفقهاء الذين توجهوا للحجاز، وأحسن للحاضرين. ونقل الفضلاء. فجزاه الله خيرا. انتهى. «المدرسة الأسدية الشافعية التي داخل باب قنسرين التي داخل باب قنسرين، وتعرف محلتها بالرحبة» : أنشأها أسد الدين شيركوه بن شادي بن مروان. وهذه المدرسة مشتملة على إيوان كبير، وخلاوي للفقهاء، وبركة ماء. وتاريخها مكتوب في رخامه فوق إيوانها؛ لا أستطيع قراءته لعلوه. وأول من درس بها قطب الدين مسعود بن محمد بن مسعود؛ المتقدم ذكره في تدريس المدرسة النفرية. وله شعر حسن؛ ومنه: هويت ومن يهوى فلابدّ أن يشقى ... ومن زلّ في مهوى الهوى ماله مرقا وقد لسعتني عقرب العشق لسعة ... ومن لسعته عقرب العشق لا يرقا بليت بما لم يبل مجنون عامر ... به ومتى أبقى وألقى الذي ألقى خليليّ من أهواه شطّ مزاره ... فلا تطمعا من بعد ذلك أن أبقى (٤٩ و) ف ومن نظمه: يقولون إن الحبّ كالنار بالحشا ... ألا كذبوا فالنار تذكو وتخمد وماهي إلا جذوة مس عودها ... ندى فهي لا تخبو ولا تتوقد

стр. 298

ثم تولاها شمس الدين أبو المظفر حامد بن ابي العميد عمر بن أميري بن ورشي القزويني. ولم يزل بها إلى أن رحل من حلب إلى مدينة حمص سنة ستمائة فوليها بعده الشيخ شمس الدين عبد الله الكشوري «١» ، ولم يزل بها إلى أن توفي سادس عشر ربيع الأول سنة ثمان وستمائة. ووليها العلامة الحافظ الزاهد تقي الدين أبو عمر عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان ابن موسى بن أبي نصر المعروف بابن الصلاح «٢» . ثم وليها بعده أخوه سديد الدين إبراهيم. ثم رحلا. ووليها بعد سديد الدين ولده. وولي تدريسها بعده الفقيه صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان الشهرزوري الكردي «٣» . ولم يزل بها إلى أن توفي ليلة الخميس ثامن عشر «٤» ذي الحجة سنة ثمان عشرة وستمائة. وفي «٥» كلام ابن الوردي في ترجمة ابن الصلاح أن والده توفي في ذي القعدة بحلب ودفن بالجبيل. وكانت ولادته سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. ثم وليها شرف الدين محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن صلاح ولم يزل بها إلى أن توفي بالاستسقاء «٦» .

стр. 299

ثم وليها معين الدين بن المنصور بن القاسم الشهرزوري مدة شهر واحد ثم رحل إلى حمص. ووليها نجم الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن علوان الأسدي ولم يزل بها إلى أن تزهد في سنة تسع وثلاثين وستمائة «١» [ابن حاذور الحموي] : وخرج منها فوليها قوام الدين أبو العلا [ء] المفضل بن السلطان المعروف بابن حاذور الحموي. ولم يزل مدرسا بها إلى أن ولي قضاء معرة النعمان في سنة ست وأربعين. ثم عزل عن المعرة. وعاد إلى حلب. فولي المدرسة الشعيبية مدة. ثم ولي قضاء حمص سنة خمس وخمسين وستمائة. ثم عزل عن حمص. وتوفي سنة ستين وستمائة بحماة. ثم وليها رشيد الدين عمر بن إسماعيل الفارقاني سنة ست وأربعين وستمائة. ولم يزل مدرسا بها إلى سنة ثلاث وخمسين وستمائة ثم خرج إلى دمشق. ووليها مدة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن حسن بن خلكان. ولم يزل بها إلى أن كانت وقعة التتر فخرج من حلب إلى ديار مصر فمات بالفيوم «٢» . قلت: وهذه المدرسة لها وقف بدمشق كبير. ووقف بحلب وهو «٣» حصة بقرية سارد «٤» وحوانيت «٥» خارج بانقوسا استبدلها ابن الحسفاوي بحانوت في سويقة

стр. 300

حاتم. قال لي والدي أن درسها كان يقام قبل تمر على الشمع الموكبي بعد صلاة الصبح. ثم نخرج إلى باب قنسرين فنسمع زفة القلعة ونحن قاصدون بقية المدارس التي خارج البلد لأجل الدروس. (٤٩ ظ) ف ودرس بها جماعة؛ كالسيد عبد الله. وأخيرا الشيخ شرف الدين الأنصاري. وانتقل التدريس لولده. ثم لولد ولده. وعنه أخذ شيخنا المؤرخ. وكان يدرس أولا نيابة عنه. ودرس بها الشريف الحسيني «١» قاضي حلب. وجماعة. «المدرسة الرواحية الشافعية» : أنشأها زكي الدين أبو القاسم هبة الله بن «٢» عبد الواحد بن رواحة الحموي. وأنشأ أخرى بدمشق. وتوفي يوم الثلاثاء سابع رجب سنة اثنين وعشرين وستمائة وقيل: سنة ثلاث وعشرين. ودفن بمقابر الصوفية. ومدرسته بدمشق تولاها أبو عمر وعثمان بن الصلاح. وهذه المدرسة بالقرب من الخانقاه الشمسية والسهلية «٣» المعروفة الآن بسويقة حاتم. وشرط واقفها أن لا يتولاها حاكم متصرف. وشرط أن يعرف مدرسها الخلاف العالي. والنازل.

стр. 301

ووليّ تدريسها القاضي زين الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ الحافظ عبد الرحمن ابن عبد الله بن علوان الأسدي «١» . ولم يزل مدرسا بها إلى أن وليّ نيابة الحكم بحلب سنة ثلاث وعشرين فدرس بها أخوه القاضي جمال الدين أبو عبد الله محمد «٢» . ولم يزل بها [إلى] سنة اثنين وثلاثين فتولى نيابة الحكم بحلب عن أخيه قاضي القضاة زين الدين أبي محمد عبد الله فتولى التدريس بها ابن أخيه بهاء الدين يوسف ابن قاضي القضاة زين الدين. ولم يزل بها إلى أن توفي في أوائل سنة خمس وثلاثين فوليها بعده الشيخ الإمام نجم الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن علوان الأسدي ولم يزل مدرسا بها إلى أن تزهد سنة تسع وثلاثين فخرج عنها. ثم وليها بهاء الدين محمد الكردي ولم يزل بها إلى أن توفي. ووليها القاضي محي الدين محمد بن القاضي جمال الدين محمد بن الشيخ الحافظ عبد الرحمن. ولم يزل بها إلى أن تولى نيابة الحكم بحلب ثالث عشر رمضان سنة أربع وأربعين وستمائة فتولى تدريسها كمال الدين أبو الفضائل أحمد بن القاضي نجم الدين الحسن ابن عبد الله بن الحجاج الكردي. ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وستمائة.

стр. 302

ووليها بعده الشيخ مجد الدين محمد بن هدبة بن محمود الأشنهي «١» . ولم يزل بها إلى أن توفي في أوائل سنة ست وخمسين وستمائة. ووليها بعده عماد الدين أبو بكر بن محمد بن الحسن الكوراني. ولم يزل مدرسا بها إلى أن قتل في وقعة التتر بحلب. قلت: وهذه المدرسة اندثرت في وقعة تمر. وانهدم سقفها ورأيت بها شجرة كرم كبيرة تثمر فقطعها شيخنا المؤرخ. فمات أخوه ذلك العام. ولما ألزم (٥ و) ف قصروه- كافل حلب- شيخنا بعمارة المدارس عمرها. وسقفها. ودرس بها درسا في قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ ونقل بها مؤلف الدمياطي بهذه المسألة، وحفظه في ليلة واحدة وحضر معه فضلاء البلد كالشيخ عبيد وغيره. وحضر معه الكافل. ثم حضرت درسا مع ابن شيخنا كمال الدين ابن الخرزي. وكان قبل تمر يدرس بها تاج الدين العجمي؛ وقد ترجمه شيخنا أ. ونزل بها في أيامنا الشيخ عبد الرزاق الشرواني- وستأتي ترجمته ودرس بها تبرعا. وهذه المدرسة لها وقف من جملته حصة بقرية (تل أعرن «٢» ) ، وحصة بقرية

стр. 303

نفيحين، وحصة بقرية مشقاتين «١» . وكتاب وقفها موجود. انتهى. «المدرسة الشعيبية الشافعية داخل باب أنطاكية» : لما فتح المسلمون حلب اختطوها. وهي أول ما اختط من المساجد ولذلك يقال مسجد الأتراس كما تقدم. ثم عرفت بمسجد الغضائري: [أبو الحسن علي بن عبد الحميد الغضائري] : وهو «٢» أبو الحسن علي بن عبد الحميد بن عبد الله بن سليمان سمع عبد الله «٣» ..... بن وبشر بن الوليد «٤» وعبد الله بن.... وعبيد الله القواريري «٥» وطائفة. وعنه عبد الله بن عدي وجماعة. وثقه الخطيب. وهو أحد الأولياء من أصحاب السري السقطي «٦» . حج من حلب أربعين حجة؛ قاله ابن العديم «٧» . وشاهدت بخط الشيخ شمس الدين بن الركن قال أبو إسحاق الحنبلي قدمت على علي بن عبد الحميد الغضائري- ﵁ فوجدته من أفضل خلق الله. وكان لا يتفرغ من الصلاة آناء الليل والنهار. فانتظرت فراغه، وقلت: إنا قد تركنا الآباء والأمهات والأهل والوطن بالرحلة إليك فلو تفرغت ساعة فتحدثنا بما عندك من ما آتاك الله من العلم. فقال: أدركني دعاء الشيخ الصالح سري الدين السقطي

стр. 304

- ﵁ وذلك إني جئت إليه يوما فقرعت بابه. فقال: من ذا. فقلت: أنا. فسمعته يقول قبل أن يخرج: اللهم من جاءني يشغلني عن مناجاتك فاشغله بك عني. فما رجعت من عنده حتى حببت إليّ الصلاة والاشتغال بذكر الله تعالى حتى لا أتفرغ لشيء سواه ببركة الشيخ «١» . وعن علي بن عبد الحميد قال: دققت على السري بابه فقام إلى عضادتي الباب فسمعته يقول: «اللهم اشغل من شغلني عنك بك» . فكان من بركة دعائه أني حججت أربعين حجة من حلب على رجلي ذاهبا وآئبا «٢» . وفي كلام الذهبي: في سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة توفي علي بن عبد الحميد الغضائري «٣» . [الشيخ شعيب بن حسين الأندلسي] : ولما ملك نور الدين حلب أنشأ بها المدارس وصل الشيخ شعيب بن أبي الحسن بن حسين بن أحمد الأندلسي الفقيه فصير له هذا المسجد مدرسة وجعله (٥٠ ظ) ف مدرسا بها فعرفت به إلى عصرنا. ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي سنة ست وتسعين وخمسمائة في طريق مكة، ودفن بين تيماء وبين جفر بني عنزة؛ وكان من الفقهاء المعتبرين، والزهاد المعروفين من أصحاب الحافظ أبي الحسن علي بن سليمان المرادي «٤» . وانقطع في هذا المسجد فعرف به، وانقطع عنه اسم الغضائري. وكان نور الدين يعتقده فرتبه ليدرس على مذهب الإمام الشافعي ﵁. (٥١ و) م

стр. 305

ثم وليها الشيخ شمس الدين محمد بن موسى الجزري «١» ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الأحد سنة ثلاث وثلاثين وستمائة. ثم وليها موفق الدين أبو القاسم الكردي الحميدي. ولم يزل بها إلى أن وليّ قضاء المعرة في أوائل سنة اثنين وأربعين وستمائة فوليها بعده قوام الدين أبو العلاء الفضل بن سلطان بن شجاع «٢» . ثم خرج عنها إلى حمص سنة خمس وخمسين فوليها بدر الدين محمد بن إبراهيم بن خلكان؛ المعروف بقاضي تل باشر. انتهى. وقد وليها قبل فتنة تمر الإمام ناصر الدين أبو المعالي بن عشائر ولما عزل نفسه عن نظرها أنشد: تشعب قلبي بالشعيبية التي ... بها أشعب الطماع يبدو ويخطر. سأترك مغناها غنى وتعففا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر. كذا رأيته بخط ابن القرناص «٣» . وهذه المدرسة الآن شاغرة عن الشعائر والدرس بل ولا يعلم أحد أنها مدرسة. وعليها وقف ببلد اعزاز. وقد استولى الناس على وقفها. وتركوها خالية صفرا كغيرها من المدارس، لا مدرس ولا أنيس، ولا فقيه ولا جليس. مقفرة العرصات، وخالية من إقامة الصلوات أ.

стр. 306

ولها منارة محكمة قصيرة. وعليها كتابة كوفية لا أدري ما هي «١» (!) «المدرسة الشرفية الشافعية» : أنشأها الشيخ الإمام شرف الدين أبو طالب عبد الرحمن بن العجمي- وترجمته مع أقاربه- وأصرف على عمارتها ما ينيف على أربعمائة ألف؛ كذا قال ابن شداد «٢» وكان بشماليتها قبل فتنة تمر صندوق من الخشب ذكر أقارب واقفها أنه لأجل آلة العمارة «٣» . وبعضهم يقول: ملأه دراهم وأصرفها في عمارتها وبالغ بعضهم فقال: أنفق ملأه دراهم برسم مونة لطعام الفعول. وأخوه الشيخ شمس الدين جدي كان يحسن الكيمياء. ويدفع لأخيه ليعمر بها؛ كما سيأتي في الشمسية. وهذه المدرسة عظيمة؛ قال الذهبي فيها: وهي حسنة مليحة. وهي في غاية الارتفاع، وحسن البناء والصنعة. فالبوابة لم ينسج على منوالها وإيوانها فرد في بابه، ومحرابها غاية في الجودة، ورخام أرضها محكم، وبركتها من أعاجيب الدنيا؛ (٥١ و) ف عشرة أحجار لا يهتدى إلى تركيبها إلا الحذاق. وعمقها الآن قامة وبسطة وقيل: كانت أعمق من ذلك. وببركة واقفها وقع بها أناس ولم يغرق منهم أحد وضرب «٤» صاحبها التتار فيها. والحجر الأصفر الشمالي منها رؤي النبي ﷺ يصلي عليه. وكان والدي لا يصعد فوقه. بل يغسله. ويتوضأ إلى جانبه.

стр. 307

وكان يأتي الماء إليها في زمن واقفها من دولاب [ا] تجاه باب المدرسة الكبير، وصنع لها واقفها سربا لأجل خلائها من المدرسة إلى خارج البلد لم يشارك أحد فيه، بل مختص بهذه المدرسة. وقد خسفت تنورتها إلى خارج المدرسة شماليها. وأسقفت. وبهذه التنورة جباب لأجل القاذورات إذا امتلأت سرحت في السراب. ولما خسفت أخذ خشب الشمالية وأسقفت به. وكان والدي يقول: لا بد أن يخسف ثانيا. لأنه كان أولا قبوا وقد ترك الشيخ يعقوب القيم بالمدرسة بهذا السرداب (٥١ ظ) م فرآه محكما فوصل إلى باب الرواحية. ورجع. وهذه المدرسة مبنية بالحجر الهرقلي، وعليها نورانية ظاهرة. ورؤيتها تورث فرحا وانشراح صدر. وكيف لا ومعلم بنائها هو العبد الصالح شيخ الطريقة أبو بكر النصبة المدفون بمقام الشيخ فارس في جبل بابلي، واسمه مكتوب على محرابها. واسم النحات مكتوب على بابها. واسمه أبو الثناء بن ياقوت وصنع لها طرازا على حائطها الأعظم ليكتب عليه ما أراد. وكذلك على إيوانها. فلم يتفق ذلك. لأن واقفها اخترمته المنية. ولم يكملها. ومدة عمارتها أربعون سنة. وكان ﵀ لا يجلس على دككها التي خارج بابها لئلا تنسب إليه إنما كان يجلس على دككها داخل الباب، وفي إيوانها. وهذه المدرسة بها ثلاثة أدوار من الخلاوى المحكمة البناء والأبواب والخزائن. وبها بأعلى «١» الإيوان مع أعلى «٢» حاصلها المعروف الآن بالمغارة قاعة مليحة للمدرس، ولهذه القاعة باب من الإيوان. وباب من أرض المدرسة. وبصدر هذا الإيوان بادهبخ له ثلاثة أبواب ثم سد بابان منهم لأجل الزلزلة خوفا على الإيوان.

стр. 308

وفي هذه المدرسة بئران وصهريجان على بئر منهم قنطرة من الحديد مكتوب عليها: «وقف هذه القنطرة واقف هذه المدرسة عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن العجمي على مصالح الجب في شهر ربيع الأول سنة أربعين وستمائة «١» واسم صانعها: علي بن أبي بكر ابن مسلم. وعليها خط بالكوفي لا أدري ما هو. وهذه الكتابة ليست حفرا. وإنما هي بالقلم المجوز. وعليها صنعة حفر من بدائع الرسم. وهذه القنطرة الحديد من العجائب. ومشاهدتها تورث الفكرة كيف صنعت. وإلى جانب المدرسة تربة الواقف وهو مدفون بها بوصيته وعليها وقف (٥١ ظ) ف وزاد وقفها بنت ابنه عائشة. وإلى جانب قبليتها مسجد قديم لم يغيره الواقف بل عمر حائطه. وأبقى «٢» باب المسجد في مكانه. وفتح له إلى قبلية المدرسة بابا آخر؛ كذا «٣» قيل لي. ورأيت في كتاب وقفها أن الواقف هو الذي بناه ووقفه مسجدا. وإلى جانب هذا المسجد بيت كان اصطبلا للعجول التي كانت تجلب الأحجار لبناء المدرسة. وكان الواقف- ﵀ إذا أعاقه في طريق العجول الذي تجلب الأحجار عائق من بناء اشتراه من مالكه. وهدمه حتى تمر العجول هناك. وكان بهذه المدرسة من الأبواب المنجورة على الخلاوى من أحسن الصنائع المطعم والحفر والخيط والمكولك وغير ذلك مما يفتخر به الصناع. وقد ذهب غالبها من عدم التعهد.

стр. 309

وكان بالمغارة المذكورة في هذه المدرسة من الرخام الملون والفصوص الملونة مالا مزيد عليه ليرخم به الإيوان وحائطه، والقبلية وحائطها. فلما توفي واقفها- ﵀ أخذه أقاربه واقتسموه وجعلوه في بيوتهم. وقد وقف الواقف- رحمه الله تعالى- على هذه المدرسة الكتب النفيسة من كل فن، من حديث وتفسير وفقه ونحو وغير ذلك. فمن كتبها: (مسند الإمام الشافعي) و (الأم) وجميع كتب الإمام الشافعي ﵁ وكتب الاصحاح: (٥٢ و) م (كتفسير الثعلبي) وغيره من التفاسير. و (كالنهاية) و (الحاوي الكبير) «١» و (الإبانة) «٢» و (التتمة) «٣» و (الذخائر) «٤» و (الشامل) «٥» ومن الحديث: الكتب الستة «٦» .

стр. 310

وكان بها جميع كتب المذهب. ولم يفته شيء سوى كتب الرافعي والنووي لأنهما لم تصل كتبهما إذ ذاك إلى حلب. وكان بها أربعون نسخة من (التنبيه) «١» . وجميع كتب الغزالي «٢» . وكانت أسماء الكتب مثبتة عند أقاربه في درج كبير فذهب في محنة تمر. وبلغني أنه شرط في وقفها إلى أن يشترى لأبواب المدرسة الحصر من عبادان. والبسط من اقصراي. وأقاربه يقولون أن من شرطه أن لا يتعرض على الناظر في أمر المدرسة. وإن اعترض معترض يغلق بابها ويعود وقفها وقفا على أهليه؛ وقد رأيت ذلك في كتاب وقفها. وقد وقف لها الأوقاف الجليلة كالقرشية في طريق بالس. وغير ذلك. وشرط لها مؤذنين يؤذنون على بابها. ومن جملة الموقوف على المؤذنين حصة بقرية حربيل «٣» . ووقف غير واقفها عليها- وهو الطرسوسي- حصة بقرية ديد حين آلت إليها. ولها باب من جهة القبلة يفتح إلى بيوت الخطيب هاشم. انتهى. وقد درس فيها ولده محي الدين محمد؛ واسمه مكتوب على الكتب الموقوفة عليها وأعاد له منها عشرة أنفس ولم يكن في عصرهم في سائر البلاد ومثلهم إلى أن (٥٢ و) ف قتل شهيدا بأيدي التتر بعد استيلائهم على حلب. وأما الواقف فإنه توفي بعد استيلاء التتر على حلب في رابع عشر صفر سنة ثمانين وخمسين وستمائة. انتهى.

стр. 311

ثم قيض الله تعالى لهذه المدرسة من درس بها تبرعا قبل فتنة تمر وبعدها والدي الحافظ برهان الدين. ورحل إليه الحفاظ من البلاد للأخذ عنه بها كشيخ الإسلام [ا] بن حجر. والحافظ العلامة شمس الدين بن ناصر الدين. وهذه المدرسة من شرط واقفها أن يقرأ بها البخارى. وقرأه والدي بعد اللنك بها. انتهى. وإذا تذكرت ما كانت عليه هذه المدرسة من كثرة الفضلاء وتردادهم إليها للسماع عليهم ولسماعهم وما هي عليه الآن؛ تذكرت قول الشاعر: هذي منازل قوم قد عهدتهم ... في رغد عيش ماله خطر صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا ... إلى القبور فلا عين ولا أثر «المدرسة البدرية» : هذه المدرسة في صدر درب البازيار «١» . وبابها باقي. وهي خراب. وبها الآن بيت عمر في هذه الأزمان أنشأها بدر الدين عتيق عماد الدين شاذي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب «٢» . ولها وقف وصار وقفها ملكا؛ كذا قاله [ا] بن شداد «٣» . «المدرسة الزيدية» : وتعرف الآن بالألواحية، وهي داخل باب أنطاكية. أنشأها إبراهيم بن إبراهيم المعروف بأخي زيد الكيال الحلبي. انتهت سنة خمس وخمسين وستمائة.

стр. 312

ودرس فيها شمس الدين أحمد بن محيي الدين محمد بن أبي طالب بن العجمي. وعليه انقضت الدولة «١» . ولما نزل بها الألواحي «٢» الصوفي نسبت إليه. انتهى. (٥٢ ظ) م «المدرسة السيفية الشافعية» : هذه المدرسة غربي خندق القلعة. أنشأها الأمير سيف الدين علي بن علم الدين سليمان بن جندر، انتهت سنة سبع عشرة وستمائة. وعلى حائطها الشرقي- مكتوب شرط الواقف أن يدعى للخليفة الناصر لدين الله وللسلطان اللذين في أيامه قبل الدعاء لواقفها. انتهى. قال ابن شداد «٣» : «وأن يدرس فيها مذهبا الإمامين الشافعي وأبي حنيفة ﵄» . وعلى حائطها أنها وقف على الشافعية «٤» . وأول من درس بها مذهب الشافعي القاضي بهاء الدين أبو المحاسن بن شداد ولم يزل مدرسا بها قريبا من سنة. ثم استقل بها بعده القاضي زين الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ الحافظ عبد الرحمن الأسدي «٥» .

стр. 313

ولم يزل بها مدرسا إلى أن تولى نيابة الحكم للقاضي بهاء الدين سنة ثلاث وعشرين فوليها نجم الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي بن شاني الموصلي المعروف بابن الخباز «١» وكان عالما فاضلا. (٥٢ ظ) م ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الثلاثاء سابع ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة فوليها القاضي جمال الدين أبو عبد الله محمد بن الأستاذ «٢» ولم يزل متوليها إلى أن مات سنة ثمان وثلاثين فوليها ولده محي الدين محمد ولم يزل إلى أن كانت فتنة التتر وانقضت الدولة. وقد عمرها شيخنا لما ألزمه قصروه بعمارة المدارس. وفتح لها شبابيك في شرقيها. ومن جملة أوقافها حصة بقرية «سلامين» من عمل سرمين. وحصة بقرية «المالكية» من عمل اعزاز. وحصة بقرية «تيبسار» «٣» «المدرسة الظاهرية الشافعية» : هذه المدرسة ظاهر حلب، خارج باب المقام، أنشأها السلطان الملك الظاهر غازي وانتهت عمارتها في سنة عشرة وستمائة. وفوض النظر فيها إلى القاضي بهاء الدين بن شداد. وشرف الدين أبي طالب بن العجمي، وشرط أن يكون مشاركا للقاضي بهاء الدين مدة حياته. وأن يستقل بها بعد وفاته. ثم لعقبه.

стр. 314

وأول من درس بها ضياء الدين أبو المعالي محمد بن الحسين بن أسعد بن عبد الرحمن بن العجمي. وحضر يوم تدريسه السلطان الملك الظاهر بنفسه. وعمل دعوة عظيمة حضرها الفقهاء. واستمر المذكور فيها إلى أن توفي بدمشق يوم الاثنين حادي عشر صفر عند عودته «١» من الحجاز سنة خمس وعشرين. وكان مولده سنة أربع وستين. وحمل إلى حلب فدفن بها. ووليها بعده الشيخ شرف الدين أبو طالب العجمي. ولم يزل بها مدرسا إلى سنة اثنين وأربعين فاستخلف فيها ابن أخيه عماد الدين عبد الرحيم بن أبي الحسن عبد الرحيم. ولم يزل نائبا عنه إلى سنة خمسين فعزله عنها. واستناب ولده محي الدين محمد. ولم يزل بها إلى أن زالت الدولة الناصرية وهذه المدرسة لم تزل في يد بني العجمي ودرس بها منهم: الشيخ كمال الدين عمر بن النسقي- شيخ والدي- والتزم أن يدرس بها الحاوي الصغير في يوم واحد بالدليل والتعليل. فخرج الفقهاء معه لذلك. فوصل إلى كتاب الحيض ضجر الفقهاء واعترفوا بفضله. وكان يسكن بها. ويتنزه ببستانها. ويقيم الدرس هناك. وأخذها من بني العجمي سراج الدين الفوي ثم لما قتل عادت إليهم. وبلغني أن من شرط واقفها أن يصلي الفقيه الخمس فيها وهي محصورة في خمسة عشر فقيها. ولها مدرس في الفقه. ومدرس في النحو والقرآن. ومن جملة وقفها بستان إلى جانبها. وقد استأجره شخص يقال له «اقجا خازندار» يشبك ودفن فيه موتاه. ولها حمام خارج باب المقام كانت وسوق داخل حلب ويعرف بسوق الظاهر

стр. 315

ولما تهدم عمره جقمق الدوادار وجعله نصفين: نصفا لمدرسته بدمشق ولها (٥٣ و) ف غالب ضيعة من عمل الباب يقال لها «عين أرزة» . انتهى. وهذه المدرسة أنشأ صاحبها إلى جانبها تربة ليدفن بها من يموت من الملوك والأمراء. وبناء هذه المدرسة محكم. وبها خلاوى للفقهاء وبركة ماء. وهي على ترتيب الشرفية التي تقدم الكلام عليها. وقد استعصت مرة على التتار فأرادوا قلع عتبتها فحفر المقيمون بها سقاطة من أعلى بابها ورموا عليهم بالأحجار فاندفعوا عنها. انتهى. «المدرسة الهروي ة الشافعية» : هذه المدرسة خارج باب المقام قال ابن شداد «١» : «أنشأها الشيخ أبو الحسن على بن أبي بكر الهروى» . انتهى. اعلم أن الشيخ عليا المذكور مدفون في قبة جانب هذه المدرسة. وبناء القبة هو كهيئة الكعبة. فلذلك كانت حاملة في الزيارات مكتوب عليها: حكم ومواعظ وبها بئر من خارجها تنسب إلى سيدنا الخليل ﵇. وقد قال الهروي المذكور أن هذه البئر ظهرت بهذه التربة. [الهروي] والهروي ترجمه صاحب حماة «٢» ، وابن خلكان «٣» . والذهبي «٤» . قال ابن خلكان: الهروي الأصل. الموصلي المولد. المشهور. نزيل حلب طاف البلاد، وأكثر الزيارات. وطبق الأرض بالدوران برا وبحرا. سهلا وجبلا. وكل مكان قصده. ولم يصل مكانا إلا وكتب خطه على حائطه، وضرب به المثل في

стр. 316

ذلك، قال جعفر بن شمس الخلافة «١» يصف رجلا يستكدي بأوراقه شعر: أوراق كديته في بيت كلّ فتى ... على اتفاق معان واختلاف روي يطبق «٢» الأرض من سهل إلى جبل ... كأنها «٣» خط ذاك السائح الهروي وكان فيه مع ذلك فضيلة. وله معرفة بعلم السيما «٤» . وبه تقدم عند الظاهر صاحب حلب. وبنى له المدرسة بظاهر حلب. وقال القاضي «٥» ورأيت على حائط الموضع الذي كان يلقى فيه الدروس من المدرسة المذكورة هذين البيتين: رحم الله من دعا لأناس ... نزلوا هاهنا يريدون مصرا نزلوا والخدود بيض فلما ... أزف «٦» البين عدن «٧» بالدمع حمرا وتوفي في شهر رمضان في العشر الأوسط سنة إحدى عشرة وستمائة. انتهى. وقال الذهبي. وله تواليف حسنة. وكان يعرف السيما. وبه تقدم عند الظاهر. وبنى له مدرسة بظاهر حلب فدرس بها، وصنف خطبا. ودفن في قبة المدرسة. وقال جمال الدين واصل: كان عارفا بأنواع الحيل والشعبذة. وصنف خطبا وقدمها للناصر لدين الله فوقع له بالحسبة في سائر البلاد. وإحياء ما شاء من الموات والخطابة بحلب. وكان هذا التوقيع بيده له به شرف، ولم يباشر شيئا من ذلك. انتهى.

стр. 317

قلت: قد سمع من عبد المنعم الفراوي تلك الأربعين السباعية. وروى (٥٣ ظ) ف عنه الصدر البكري وغيره. ورأيت له المزارات والمشاهد التي عاينها في البلاد. ومن المواعظ التي على تربته؛ من كلامه «١» : قل لمن يغتر بالدنيا وقد طال عناه ... هذه تربة من شيد هذا وبناه طالما أتعبه وقد هدّ قواه ... طلب الراحة في الدنيا فما نال مناه سلكت القفار. وطفت الديار. وركبت البحار، ورأيت الآثار، وسافرت البلاد، وعاشرت العباد. فلم أجد صديقا صادقا. ولا رفيقا موافقا فمن قرأ هذا الخط فلا يغتر بأحد قط «٢» ابن آدم دع الاحتيال فما يدوم حال. ولا يغالب التقدير، فلن يفيد التدبير، ولا تحرص على جمع مال. ينتقل إلى من لا ينفعك شكره ويبقى عليك وزره، سبحان مشتت العباد في البلاد، وقاسم الأرزاق في الآفاق. هذه تربة الغريب الوحيد علي بن أبي بكر الهروي عاش غريبا ومات وحيدا، لا صديق يدينه، ولا خليل ينعيه، ولا أهل يرونه، ولا إخوان يقصدونه، ولا ولد يطلبه، ولا زوجة تنادمه، أنس الله وحدته، ورحم غربته. وهو القائل: طفت البلاد مشارقا ومغاربا ... ولكم صحبت بسائح وحبيس ورأيت كل غريبة وعجيبة ... ورأيت هولا في رخاء وبؤس الطعم يذل الأنفس العزيزة، ويستخدم العقول الشريفة. وعلى قبره «٣» : «يا عزيز ارحم الذليل، يا قادر ارحم العاجز، يا باقي ارحم الفاني، يا حي ارحم

стр. 318

الميت، اللهم إني ضيفك ونزيلك، وفي جوارك وفي حرمك، وأنت أولى من أكرم ضيفه ورحم جاره، وأعان نزيله، يا رب يا مغيث.» . وعلى باب خارج تربته في الحوش. «فرّ من الخلق فرارك من أسد.» . وعلى باب الميضأة: «المال في بيت الماء» . فكان المغفلون يعزلونها ظنا منهم أن هناك مال. وهو أراد غير ذلك. انتهى. ومن فوائده للدخول على الملوك: «شالوم شيشالوم، صابور صيصابور، شدي قدي «١» . لا أرجو إلا أنت الله ربي، إن مسني الضر وأنت أرحم الراحمين» . وأول من درس بهذه المدرسة في زمانه الشيخ موفق أبو القاسم بن عمر بن فضل الكردي الحميدي. ولم يزل مدرسا بها إلى أن خرج عنها كما تقدم. وكانت وفاته سنة عشرة وستمائة. ثم درس فيها الشيخ الإمام شمس الدين بن المظفر حامد بن أبي العميد عمر بن أميري بن ورش القزويني ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وستمائة. وكان مولده سنة سبع وأربعين (٥٤ و) ف وخمسمائة. ووليها بعده ولده عماد الدين محمد ولم يزل بها إلى أن كانت فتنة التتر فدثر بعضها. ولم يبق بها ساكن. وخرب وقفها لأنه كان سوقا بالحاضر. انتهى. «مدرسة الفردوس» : أنشأتها الصاحبة ضيفة خاتون تربة ومدرسة ورباطا. ورتبت فيها خلقا من القراء والفقهاء والصوفية.

стр. 319

وأول من درس فيها شمس الدين أحمد بن الزبير الخابوري ولم يزل إلى عصرنا وهو سنة ثلاث وسبعين وستمائة؛ قاله ابن شداد «١» . قلت: ووقفت على ذلك ضيعة وهي: «كفرزيتا «٢» » وثلثي طاحونها. وثلثها الآخر على (البلدقية) كما سيأتي. وهذه المدرسة بناؤها عظيم مرتفع بالحجارة الهرقلية. وهي كثيرة الأماكن من المساكن، وبها خشخاشة «٣» للموتى. وبركة ماء كان يأتي ماؤها من بستانها من دولاب خارجها. وفي جانب هذا البستان إيوان عظيم بالحجارة العظيمة. وفي داخل هذه المدرسة عواميد من الرخام الأصفر. ومحرابها من أعاجيب الدنيا يرى الناظر وجهه فيه من صفاء معدنه. وجدد في هذه المدرسة بعد واقفتها. وأقيمت فيه الجمعة. وخطب بها قبل فتنة تمر السيد علي الهاشمي؛ وسيأتي ذكره في الحوادث. وهذه المدرسة مرخمة من الرخام الأبيض والأسود، وبها قاعة عظيمة لمدرسها ولهذه المدرسة من جهاتها الأربع مناظر وشبابيك إلى بستانها. وكانت عمارتها أعلى مما هي عليه الآن. واختصرت. وبها إيوان عظيم مكتوب عليه في طرازه وطرازها: «لله در أقوام إذا جن عليهم الليل سمعت لهم أنين وألحان. وإذا أصبحوا رأيت عليهم تغير ألوان.

стр. 320

[وداخل الإيوان من الطرف الأيمن «١» ] : إذا ما الليل أقبل كابدوه ... ويسفر عنهم وهم ركوع أطار الشوق نومهم فقاموا ... وأهل الأمن «٢» في الدنيا خشوع «٣» أجسادهم تصبر على التعبد. أقدامهم ليلها مقيمة على التهجد. لا يرد لهم صوت ولا دعاء. تراهم في ليلهم سجدا ركعا. قد ناداهم المنادي، وأطربهم الشادي. [وفي صدره] «٤» : يا رجال الليل جدوا ... رب صوت لا يرد ما يقوم الليل إلا ... من له حزم وجد لو أرادوا في ليلهم أن يناموا أقلقهم الشوق إليه فقاموا. وجذبهم الوجد والغرام فهاموا. وأنشدهم مريد الحضرة وبثهم. وحملهم على المناجاة وحثهم: حثوا مطاياكم وجدوا ... إن كان لي في القلوب وجد قد آن أن تظهر الخبايا «٥» ... وتنشر الصحف فاستعدوا الفرش مشتاقة إليهم. والوسائد متأسفة عليهم. النوم قرم إلى (٥٤ ظ) ف (٥٤ ظ) م عيونهم والراحة مرتاحة إلى جنوبهم. الليل عندهم أجل الأوقات في المراتب. ومسارهم عند تهجدهم رعي «٦» الكواكب: وزارني طيفك حتى إذا ... أراد أن يمضي تعلقت به فليت ليلي لم يزل سرمدا ... والصبح لم أنظر إلى كوكبه هجروا المنام في الظلام، وقلدوا بطول المقام، وناجوا ربهم بأطيب كلام. وأنسوا بقرب الملك العلام، لو احتجبوا عنه في ليلهم أذابوا، ولو تغيبوا عنه لحظة لما
следующие страницы →