← Тараджим

Тараджим · id 11786

كنوز الذهب فى تاريخ حلب

سبط ابن العجمي

Полный текст (1 101 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ذلك، قال جعفر بن شمس الخلافة «١» يصف رجلا يستكدي بأوراقه شعر: أوراق كديته في بيت كلّ فتى ... على اتفاق معان واختلاف روي يطبق «٢» الأرض من سهل إلى جبل ... كأنها «٣» خط ذاك السائح الهروي وكان فيه مع ذلك فضيلة. وله معرفة بعلم السيما «٤» . وبه تقدم عند الظاهر صاحب حلب. وبنى له المدرسة بظاهر حلب. وقال القاضي «٥» ورأيت على حائط الموضع الذي كان يلقى فيه الدروس من المدرسة المذكورة هذين البيتين: رحم الله من دعا لأناس ... نزلوا هاهنا يريدون مصرا نزلوا والخدود بيض فلما ... أزف «٦» البين عدن «٧» بالدمع حمرا وتوفي في شهر رمضان في العشر الأوسط سنة إحدى عشرة وستمائة. انتهى. وقال الذهبي. وله تواليف حسنة. وكان يعرف السيما. وبه تقدم عند الظاهر. وبنى له مدرسة بظاهر حلب فدرس بها، وصنف خطبا. ودفن في قبة المدرسة. وقال جمال الدين واصل: كان عارفا بأنواع الحيل والشعبذة. وصنف خطبا وقدمها للناصر لدين الله فوقع له بالحسبة في سائر البلاد. وإحياء ما شاء من الموات والخطابة بحلب. وكان هذا التوقيع بيده له به شرف، ولم يباشر شيئا من ذلك. انتهى.

стр. 317

قلت: قد سمع من عبد المنعم الفراوي تلك الأربعين السباعية. وروى (٥٣ ظ) ف عنه الصدر البكري وغيره. ورأيت له المزارات والمشاهد التي عاينها في البلاد. ومن المواعظ التي على تربته؛ من كلامه «١» : قل لمن يغتر بالدنيا وقد طال عناه ... هذه تربة من شيد هذا وبناه طالما أتعبه وقد هدّ قواه ... طلب الراحة في الدنيا فما نال مناه سلكت القفار. وطفت الديار. وركبت البحار، ورأيت الآثار، وسافرت البلاد، وعاشرت العباد. فلم أجد صديقا صادقا. ولا رفيقا موافقا فمن قرأ هذا الخط فلا يغتر بأحد قط «٢» ابن آدم دع الاحتيال فما يدوم حال. ولا يغالب التقدير، فلن يفيد التدبير، ولا تحرص على جمع مال. ينتقل إلى من لا ينفعك شكره ويبقى عليك وزره، سبحان مشتت العباد في البلاد، وقاسم الأرزاق في الآفاق. هذه تربة الغريب الوحيد علي بن أبي بكر الهروي عاش غريبا ومات وحيدا، لا صديق يدينه، ولا خليل ينعيه، ولا أهل يرونه، ولا إخوان يقصدونه، ولا ولد يطلبه، ولا زوجة تنادمه، أنس الله وحدته، ورحم غربته. وهو القائل: طفت البلاد مشارقا ومغاربا ... ولكم صحبت بسائح وحبيس ورأيت كل غريبة وعجيبة ... ورأيت هولا في رخاء وبؤس الطعم يذل الأنفس العزيزة، ويستخدم العقول الشريفة. وعلى قبره «٣» : «يا عزيز ارحم الذليل، يا قادر ارحم العاجز، يا باقي ارحم الفاني، يا حي ارحم

стр. 318

الميت، اللهم إني ضيفك ونزيلك، وفي جوارك وفي حرمك، وأنت أولى من أكرم ضيفه ورحم جاره، وأعان نزيله، يا رب يا مغيث.» . وعلى باب خارج تربته في الحوش. «فرّ من الخلق فرارك من أسد.» . وعلى باب الميضأة: «المال في بيت الماء» . فكان المغفلون يعزلونها ظنا منهم أن هناك مال. وهو أراد غير ذلك. انتهى. ومن فوائده للدخول على الملوك: «شالوم شيشالوم، صابور صيصابور، شدي قدي «١» . لا أرجو إلا أنت الله ربي، إن مسني الضر وأنت أرحم الراحمين» . وأول من درس بهذه المدرسة في زمانه الشيخ موفق أبو القاسم بن عمر بن فضل الكردي الحميدي. ولم يزل مدرسا بها إلى أن خرج عنها كما تقدم. وكانت وفاته سنة عشرة وستمائة. ثم درس فيها الشيخ الإمام شمس الدين بن المظفر حامد بن أبي العميد عمر بن أميري بن ورش القزويني ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وستمائة. وكان مولده سنة سبع وأربعين (٥٤ و) ف وخمسمائة. ووليها بعده ولده عماد الدين محمد ولم يزل بها إلى أن كانت فتنة التتر فدثر بعضها. ولم يبق بها ساكن. وخرب وقفها لأنه كان سوقا بالحاضر. انتهى. «مدرسة الفردوس» : أنشأتها الصاحبة ضيفة خاتون تربة ومدرسة ورباطا. ورتبت فيها خلقا من القراء والفقهاء والصوفية.

стр. 319

وأول من درس فيها شمس الدين أحمد بن الزبير الخابوري ولم يزل إلى عصرنا وهو سنة ثلاث وسبعين وستمائة؛ قاله ابن شداد «١» . قلت: ووقفت على ذلك ضيعة وهي: «كفرزيتا «٢» » وثلثي طاحونها. وثلثها الآخر على (البلدقية) كما سيأتي. وهذه المدرسة بناؤها عظيم مرتفع بالحجارة الهرقلية. وهي كثيرة الأماكن من المساكن، وبها خشخاشة «٣» للموتى. وبركة ماء كان يأتي ماؤها من بستانها من دولاب خارجها. وفي جانب هذا البستان إيوان عظيم بالحجارة العظيمة. وفي داخل هذه المدرسة عواميد من الرخام الأصفر. ومحرابها من أعاجيب الدنيا يرى الناظر وجهه فيه من صفاء معدنه. وجدد في هذه المدرسة بعد واقفتها. وأقيمت فيه الجمعة. وخطب بها قبل فتنة تمر السيد علي الهاشمي؛ وسيأتي ذكره في الحوادث. وهذه المدرسة مرخمة من الرخام الأبيض والأسود، وبها قاعة عظيمة لمدرسها ولهذه المدرسة من جهاتها الأربع مناظر وشبابيك إلى بستانها. وكانت عمارتها أعلى مما هي عليه الآن. واختصرت. وبها إيوان عظيم مكتوب عليه في طرازه وطرازها: «لله در أقوام إذا جن عليهم الليل سمعت لهم أنين وألحان. وإذا أصبحوا رأيت عليهم تغير ألوان.

стр. 320

[وداخل الإيوان من الطرف الأيمن «١» ] : إذا ما الليل أقبل كابدوه ... ويسفر عنهم وهم ركوع أطار الشوق نومهم فقاموا ... وأهل الأمن «٢» في الدنيا خشوع «٣» أجسادهم تصبر على التعبد. أقدامهم ليلها مقيمة على التهجد. لا يرد لهم صوت ولا دعاء. تراهم في ليلهم سجدا ركعا. قد ناداهم المنادي، وأطربهم الشادي. [وفي صدره] «٤» : يا رجال الليل جدوا ... رب صوت لا يرد ما يقوم الليل إلا ... من له حزم وجد لو أرادوا في ليلهم أن يناموا أقلقهم الشوق إليه فقاموا. وجذبهم الوجد والغرام فهاموا. وأنشدهم مريد الحضرة وبثهم. وحملهم على المناجاة وحثهم: حثوا مطاياكم وجدوا ... إن كان لي في القلوب وجد قد آن أن تظهر الخبايا «٥» ... وتنشر الصحف فاستعدوا الفرش مشتاقة إليهم. والوسائد متأسفة عليهم. النوم قرم إلى (٥٤ ظ) ف (٥٤ ظ) م عيونهم والراحة مرتاحة إلى جنوبهم. الليل عندهم أجل الأوقات في المراتب. ومسارهم عند تهجدهم رعي «٦» الكواكب: وزارني طيفك حتى إذا ... أراد أن يمضي تعلقت به فليت ليلي لم يزل سرمدا ... والصبح لم أنظر إلى كوكبه هجروا المنام في الظلام، وقلدوا بطول المقام، وناجوا ربهم بأطيب كلام. وأنسوا بقرب الملك العلام، لو احتجبوا عنه في ليلهم أذابوا، ولو تغيبوا عنه لحظة لما

стр. 321

طابوا، يديمون التهجد إلى السحر ويتوقعون ثمر اليقظة والسهر، بلغنا أن الله ﵎ يتجلى للمحبين فيقول لهم من أنا؟ فيقولون: أنت مالك رقابنا. فيقول: أنتم أحبتي. أنتم أهل ولايتي وعنايتي. ها وجهي فشاهدوه ها كلامي فاسمعوه. ها كأسي فاشربوه: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً «١» . إذا شربوا طابوا ثم طربوا. وإذا طربوا قاموا، إذا قاموا هاموا. إذا هاموا طاشوا، وإذا طاشوا عاشوا. لما حملت الصبا ريح قميص يوسف لم يغضض ختامه، إلا يعقوب ما عرفه أهل كنعان. ومن عندهم خرج ولا هوذا وهو الحامل. ومكتوب على باب سطر وهو غاية في الجودة. وقد مدح هذا السطر الشعراء: «أمر بإنشائه ضيفة خاتون في أيام السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن السلطان الظاهر غازي بتولي عبد المحسن العزيزي الناصري في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة» ؛ هكذا شاهدته. والعزيز تقدم متى مات، ومتى ولي ولده الناصر فانظر يا هذا ومن جملته: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ «٢» . ومما قال فيه الشعراء: في باب فردوس حلب ... سطر من الدر «٣» عجب فيه صحاف من ذهب ... هن صحاف من ذهب وبلغني أن شخصا من أهل حلب يقال له شهاب الدين ابن الزبيبة وكان هذا الرجل من أهل العلم، وكان طريفا له منادمة حسنة. وكان يحفظ ألف حكاية. وقد وليّ قضاء اسكندرية، نزل إلى بركة الفردوس ولف لفة بأربعة وعشرين شاشالفة

стр. 322

سكرية. ولفة بيضاء- وتحتها كرسي من سنجاب. ولما دخل قاضي القضاة ابن الزملكاني إلى حلب متوليا قضاءها نزل مشهد الفردوس وكان إذ ذاك بحلب الأديب شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الدمشقي فقال: يا حاكم الحكام يا من به ... قد شرفت رتبته الفاخرة ومن سقى الشهبا مذحلها ... بحار علم وندى زاخرة (٥٥ و) ف نزلت بالفردوس فابشر «١» به ... دارك في الدنيا وفي الآخرة وعامل أهلها بالتشديد فقال له نائبها الطنبغا: يا قاضي لأي شي ما تعاملنا كما كان القاضي زين الدين يعاملنا؟ فقال: ذاك كان يخاف على منصبه. وأنا لو عزلتموني اليوم أصبح على بابي من الطلبة والتلاميذ والمستفتين مثل ما على بابي اليوم في الحكم؟ فقال له صدقت. انتهى. ونظم الأديب جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن نباته في كمال الدين المشار إليه: ليهن حما الشهباء قاض حوت به ... جمالا على تفضيله اتفق النص فلو مثلت كتب النحاة بنعته ... لما جاز أن يجرى على نعته النقص ومن نظم كمال الدين المشار إليه من أبيات: من ذا يرى ذاك الجمال وينثني ... وله إلى لقيا سواه جنوح إني وهبت ببابكم روحي لكم ... فانظم بلطفك أمن «٢» تلك الروم ولما توفي رثاه ابن نباته المشار إليه فقال من قصيدة: بلغا القاصدين أن الليالي ... قبضت جملة العلى بالكمال وقفا في مدارس العقل والنقل ... ونوحا معي على الأطلال

стр. 323

سائلاها عسى يجيب صداها ... أين ولى مجيب أهل السؤال أين ولى بحر العلوم وأبقى ... بين أجفاننا الدموع لالى أين تلك الأقلام يوم انتصار ... كعوالي الرماح يوم النزال ينقل الناس عن طريق هداها ... طرق العلم عن متون العوال تتمة: ضيفة خاتون ابنة الملك العادل وفي سنة ثمان وستمائة أرسل الظاهر غازي القاضي- بهاء الدين بن شداد إلى أبيها العادل إلى دمشق فاستعطف خاطره وخطب ابنته ضيفة خاتون فتزوجها. وزال ما كان بينهما. وكان قبل ذلك في سنة اثنين وثمانين وخمسمائة. دخل حلب. وزوجة أبوه بغازية ابنة العادل وقد تقدم في الملوك ما اتفق لهم. انتهى. ثم عقد عقده على ضيفة خاتون في سنة تسع وستمائة في المحرم وكان المهر خمسين ألف دينار وتوجهت من دمشق في المحرم فاحتفل الظاهر للقائها وقدم لها أشياء نفيسة. وفي سنة عشر وستمائة ولد للظاهر من ضيفة خاتون الملك العزيز محمد «١» وفي سنة أربعين وستمائة في ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى توفيت ضيفة خاتون، وكان مرضها قرحة في مراق البطن. وحمى ودفنت بقلعة حلب. ومولدها أسنة إحدى أو اثنين وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب حين كانت لابيها العادل قبل أن ينتزعها منه أخوه السلطان صلاح الدين ويعطها ابنة غازي.

стр. 324

وقال الذهبي: ولدت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وكانت تؤثر (٥٥ ظ) ف الفقراء والعلماء. وتحمل إليهم الصدقات الكثيرة. وما قصدها أحد إلا رجع مجبورا. ولما توفيت أغلقت أبواب المدينة ثلاثة أيام. ثم أشهد الناصر صلاح الدين (٥٥ ظ) م على نفسه بالبلوغ. ولما ولدت كان عند أبيها ضيف فسماها ضيفة. وكان مدة عمرها نحو تسع وخمسين. وملكت حلب بعد وفاة ابنها العزيز. وتصرفت في الملك تصرف السلاطين. وكانت مدة ملكها نحو ست سنين. ولما توفيت كان عمر ابن ابنها الناصر يوسف بن العزيز نحو ثلاث عشر سنة. وأشهد عليه أنه بلغ كما تقدم. وحكم واستقل، تملك حلب وما هو مضاف إليها. والمرجع في الأمور إلى جمال الدين اقبال الأسود الخصي الخاتوني؛ قاله المؤيد «١» . انتهى. لطيفة: قال الذهبي: ولما ولدت العزيز في سنة عشر أظهرت السرور وبقيت حلب شهرين مزينة. والناس في أكل وشرب. ولم يبق صنف من أصناف الناس إلا فاض عليهم السلطان النعم. ووصلهم بالإحسان. وسير إلى المدارس والخوانق الغنم والذهب. وأمرهم أن يعملوا الولائم. ثم فعل ذلك مع الأجناد والغلمان وعمل للنساء دعوة مشهودة أغلقت لها المدينة. وأما داره بالقلعة فزينها بالجوهر وأواني الذهب. وكان حين أمر بحفر الخراب حول القلعة وجد عشرين لبنة ذهب فيها قنطار حلبي فعمل منها أربعين قشوة بحقاقها. وختن ولده الأكبر أحمد. وختن معه جماعة من أولاد المدينة. وقدم له تقادم جليلة فلم يقبل منها شيئا رفقا بهم. لكن قبل قطعة

стр. 325

سمندل «١» ذراعين في ذراع فغمسوها في الزيت وأوقدوها حتى نفد الزيت وهي ترجع بيضا فالتهوا بها عن جميع ما حضر وكان عنده من أولاد أبيه وأولاد أولادهم مائة وخمسة وعشرون نفسا فزوج الذكور منهم بالإناث فعقد في يوم واحد خمسا وعشرين عقدا بينهم. ثم صار كل ليلة يعمل عرسا ويحتفل له. وبقى على ذلك مدة رجب وشعبان ورمضان. عجيبة : السمندل: شيء بين غبار القطن ونسج العنكبوت يتلون في سقوف من سقفان تعلو نهارا عدبه بأرض الهند. وأنه قليل جدا لا يظفر منه إلا باليسير. والنار هو الحيواني. يوجد في بعضه تجويف وفيه شيء شبيه بالصوف إذا وضع في النار لم يحترق منه شيء البتة. ووجد عند الأمير علاء الدين بمصر منشفة فحمل طولها أربعة أشبار وعرضها دون ذلك. يمسح بها الوجه واليدان فاذا تدنست تلقى في النار فتنقى وهي من السمند وعند إنسان يعمل النشاب بمصر ريشة بيضاء قدر ذراع يوضع عليها الزيت وتلقى في النار فلا يزال تعمل فيها النار إلى أن تنفي المادة من الزيت. ثم تخرج وهي سليمة نقية بيضاء. وكان شخص مغربي يدهن لحيته بدهن كان معه ويضع السراج فيها فإذا (٥٦ و) ف فرغت مادة الدهن ضرب يده دقنه طفيت النار ولم يحترق منها شيء. انتهى.

стр. 326

والسمندل: بفتح السين والميم وبعد النون الساكنة دال مهملة سماه الجوهري السندل بغير ميم. وابن خلكان بغير لام؛ وهو طائر بأرض الصين يؤكل وهو أخضر بتلك البلاد. فإذا يبست كان قوتا لهم. ولم يضرهم فإذا بعد عن السند ولو مائة ذراع وأكله آكل مات من ساعته. وهو يستلذ بالنار ومكثه فيها. وإذا اتسخ جلده لا يغسل إلا بالنار. وإذا أردت تحقيق ذلك فانظر كتاب حياة الحيوان للشيخ كمال الدين الدميرى ﵀. «المدرسة البلدقيّة الشافعية «١» » : هذه المدرسة ظاهر حلب بالقرب من الكلاسين. وكانت كبيرة. فاختصرت وقد دثرت بعد شيخنا المؤرخ فإنه كان يرممها. أنشأها الأمير حسام الدين بلدق- عتيق الظاهر- وكان من أعيان الأمراء. وأول من درس بها ركن الدين جبريل بن محمد التركماني وتوفي بها. ودرس فيها بعده ولده عز الدين أحمد ولم يزل بها إلى أن ولي قضاء الشغر. ووليها بعده جمال الدين محمد المعري وبعد فتنة تمر آل تدريسها للشيخ شرف الدين حمزة الحبيشي الشافعي. وتوفي عن ولد لا يعرف شيئا فوضع القضاة أيديهم عليها ودرسوا بها. ثم استنزل ابن الحبيشي عنها القاضي برهان الدين الحسفاوي ولم يدرس بها وحضرت دروسها مع القاضي زين الدين بن الخرزي. وكان ولده يدرس، فدرس مسألة ما إذا أضيف بمسموم بالفا «٢» ونقل مذهب الشافعي أنه لا قصاص وعليه الدية. فاعترض عليه الشيخ شمس الدين السلامي بأن النبي ﷺ قتل امرأة في خيبر التي جعلت السم في الشاة. وأكل منها بشر بن البراء فمات من ساعته.

стр. 327

فاستشاط والد المدرس المذكور وغضب ولم يرد جوابا والجواب أنه إذا قلنا أنه قتلها إنما قتلها لنقضها العهد. وتقدم أن من جملة وقف هذه المدرسة ثلث طاحون شركة الفردوس ومكتوب على بابها: أنها وقف على الفقهاء والمتفقهة المشتغلين بالعلم على مذهب الإمام الشافعي ﵁. وأنها بنيت في رابع شهر المحرم سنة خمس وثلاثين وستمائة في أيام صلاح الدين يوسف بن العزيز بن غازي. «المدرسة القيمرية «١» » : هذه المدرسة ظاهر حلب، خارج باب المقام في طرف المدارس والترب من القبلة. أنشأها الأمير حسام الدين الحسن بن أبي الفوارس القيمري سنة ست وأربعين. أول من درس بها ركن الدين جبريل المتقدم ذكره جامعا بينها وبين البلدقيّة. ودرس بعده ولده عز الدين أحمد ولم يزل بها إلى أن وليّ قضاء الشغر. ووليها بعده جمال الدين محمد المعري. «مدرسة بالجبيل «٢» » : هذه «٣» المدرسة ذكرها ابن «٤» شداد «٥» من جملة المدارس التي خارج حلب. وهي الآن داخل السور لأن السور مكان يصل إلى باب الأربعين. ثم إلى خندق القلعة كما بيناه في سور حلب.

стр. 328

أنشأها شيخ الطائفة شمس الدين أبو بكر أحمد بن أبي صالح عبد الرحيم الشهيد ابن العجمي على مذهب الإمام الشافعي والإمام مالك في سنة خمس وتسعين وخمسمائة ولما توفي دفن بها «١» . وقد دفن عنده جماعة من أقاربه كالشيخ أبي حامد ووالده عبد الرحيم وهم صالحون معتقدون. وبنو العجمي إذا حل بهم أمر يأتون إلى قبور هؤلاء يتبركون بالدعاء عندهم. وأهل محلتهم يأخذون من تراب قبورهم لأجل الحمى. ولما طلب جكم الذي تسلطن بحلب والدي ليحضر بيعته امتنع والدي وذهب إلى هذه المدرسة. ودعا هناك فصرف عنه كيده. وكان قد رسم بنهب بيت والدي. وإنما وضع هذه المدرسة هنا واقفها تبركا بخالد بن رباح وبلال أخيه لأن أحدهما مدفون في مقبرة الجبيل المعروفة قديما بمقبرة باب الأربعين- كما تقدم في فصل الزيارات- وهذه المقبرة فيها كثير من الصالحين. وقد تقدم فيه شرح بعضهم. وكانت هذه المقبرة متصلة بهذه المدرسة لا بناء بينهما. والآن جدد بينهما بيوت وغيرهم وأهل هذه البيوت إذا حفروا أسس دورهم وجدوا فيها الموتى وهذه المدرسة الآن ملتصقة بالسور وفي إيوانها الشمالي شباك مطل على خندق البلد، وكان قبل فتنة تمر فوق هذا الإيوان قاعة معلقة مرخمة عظيمة وبعد تمر وجدد غالبها. وكان بنو العجمي يأتون هذه المدرسة للتنزه. وخارج هذه المدرسة من جهة الشرق مقبرة نصفها مختص بأهل الواقف ونصفها لسائر المسلمين وكان بينهما حائط دثر في فتنة تمر وكان كل طائفة من بني العجمي لهم موضع مختص بهم لموتاهم وكان بهذه المقبرة أشجار مختلفة تسقى من ماء بركة المدرسة وغالب بني العجمي مدفونون في هذه المقبرة ووالدي مدفون بها كما تقدم. ومن جملة أوقاف هذه المدرسة سدس طاحون

стр. 329

الدوير على نهر قويق من جهة القبلة. وحصة من رحا المحدثة، وحوانيت بسوق الهوى. وحوانيت بسويقة حاتم؛ استبدلت عن بيت كان بالقرب من المدرسة المذكورة. وكان المدرس بها أخا الواقف الشيخ شرف الدين صاحب الشرفية. انتهى. وكان قبلي هذه المدرسة في زمن الواقف رحبة واسعة فوضع يده صاروخان عليها بغير طريق شرعي. وجعلها اصطبلا له. وفي الغالب لا يوضع فيها دابة إلا ماتت وقد محا الله ذرية هذا الرجل ببركة الواقف «١» . «مدرسة» : قال ابن شداد «٢» أنشأها شمس الدين لؤلؤ عتيق أمين الدين يمن عتيق نور (٥٧ و) ف الدين رسلان بن مسعود صاحب الموصل. أول من درس بها الشريف عبد الله الحسيني «٣» . ولم يزل إلى أن توفى سنة اثنين وخمسين وستمائة. ووليها بعده شرف الدين عبد الله بن عثمان بن محمد السجلاسي ولم يزل إلى أن انقضت الدولة ومات بعدها بأيام. قلت: ولا أعرف هذه المدرسة. «مدرسة بالمقام» : أنشأها بهاء الدين المعروف بابن أبي سيال؛ قاله ابن شداد «٤» .

стр. 330

«ومدرسة بالمقام أيضا» : قال ابن شداد «١» : أنشأها عز الدين أبو الفتح مظفر بن محمد بن سلطان بن فاتك الحموي. انتهت في سنة اثنين وخمسين وستمائة. قلت: ولا أعرفهما، بل خارج باب المقام مدارس وترب اندثرت وصار وقفها ملكا بأيدي الناس فسبحان من لا يزول ملكه. «المدرسة الناصرية» : هذه المدرسة كانت قديما كنيسة لليهود. وتعرف بكنيسة مثقال. ثم في سنة سبع وعشرين وسبعمائة حكم قاضي القضاة كمال الدين بن الزملكاني بوجوب انتزاع هذه الكنيسة من أيديهم وجعلها فيئا للمسلمين بعد أن ثبت عنده أنها محدثة في دار الإسلام. وعمل بها درسا يتعلق بهذه المسألة. ثم بنيت الكنيسة المذكورة مدرسة للعلم. وكتب إلى السلطان الناصر فأمره بعمارة منارة لها وجعل فيها خطبة «٢» انتهى. وسبب ذلك أنه كان يدرس بالعصرونية التي إلى جانبها فسمع صوت اليهود فسأل عن ذلك فقيل له أنها كنيسة فتقدم بعض الحاضرين وشهد بما تقدم فحكم بذلك. انتهى. [القاضي كمال الدين بن الزملكاني] : وابن الزملكاني هذا هو: أبو المعالي محمد بن أبي الحسن علي بن عبد الواحد بن خطيب زملكان أبي محمد عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصاري الشافعي. مولده ليلة الاثنين ثامن شوال سنة ست، وقيل سبع وستين وسبعمائة. وتوفي ليلة السبت السادس عشر من رمضان سنة سبع وعشرين وسبعمائة ببلبيس» - وتقدم بعض

стр. 331

الكلام عليه في الفردوس- وحمل إلى القاهرة فدفن بها. وتقدم بعض الكلام عليه. قال ابن حبيب: حبر لا يبارى، وبحر لا يجارى. وعالم منشور الأعلام. وحاكم يتضح به مشكلات الأحكام. كان ذا نظم بديع. وإنشاء يده رفيع. وبلاغة وجوهها مسفرة. وكتاب رياضها مزهرة، وتصانيف مفيدة، وتعليقات بحورها مديدة انتهت إليه رئاسة المذهب في عصره. وحاز من المأثر ما يعجز الأقلام عن حصره وباشر بدمشق وكالة بيت المال. كتب إليه ابن نباته من أبيات: نفديه قوم تشبهوا حسدا ... به وليسوا له بأشباه وإن نطقوا بالجميل أو فعلوا ... فللريا والكمال لله «المدرسة الصلاحية» : هذه المدرسة بالقرب من الناصرية المذكورة في درب بني كسرى «١» كانت أولا دارا لبني العديم ثم انتقلت إلى صلاح الدين يوسف بن الأسعد بالطريق الشرعي فكانت داره. وكانت نفيسة بها رخام من الألوان المختلفة. فجعل لها محرابا وجعلها مدرسة على مذاهب الأئمة الأربع في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. وشرط أن يكون القاضي الشافعي والقاضي الحنفي مدرسيها وذلك عند عوده من بلد سيس «٢» صحبة العسكر منصرفا إلى منزله بطرابلس وجعل بابها مكتبا للأيتام أزيل في زماننا. قال الشيخ زين الدين بن الوردي: ولقد كانت الدار المذكورة باكية لعدم بني العديم فصارت راضية بالحديث عن القديم. نزع الله عنها لباس البأس والحزن وعوضها بحلة يوسف عن شقة الكفن، فكمل رخامها وذهبها. وجعل ثمال اليتامى

стр. 332

عصمة الأرامل مكتبها. وكملها بالفروع الموصلة، والأصول المفرعة، وجملها بالمراقع الذهبية. والمذاهب الأربعة. وبالجملة فقد كتبها صلاح الدنيا في ديوان صلاح الدين إلى يوم العرض. وتلا لسان حسنها اليوسفي؛ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض «١» . ولما وقف صلاح الدين المذكور على هذه الترجمة تهلل وجهة وقال ما معناه «ياليتك زدتنا من هذا» انتهى. [صلاح الدين يوسف بن السعد الدوادار] : وتوفي صلاح الدين الدوادار «٢» واقفها بطرابلس. وكان من أجل الأمراء، ذكيا فطنا معظما حسن الخط، وله نظم. كان كاتبا. ثم صار داودار قبجق بحماة. ثم شاد الدواوين بحلب. ثم حاجبا بها. ثم دوادار ابن الناصر بمصر. ثم نائبا بالاسنكدرية ثم أميرا بحلب. وشاد المال والواقف. ثم أميرا بطرابلس. وقال ابن الوردي: في سنة أربع وأربعين وسبعمائة وصل عسكران من حماة وطرابلس للدخول إلى بلاد سيس لتمرد صاحبها كند اصطبل الفرنجي ومنعه الحمل ومقدم عسكر طرابلس صلاح الدين يوسف الدوادار. أنشدني في سفرته بيتين للإمام الشافعي ﵁ قيل أنها تنفعان لحفظ البصر. وهما: يا ناظريّ بيعقوب أعيذكما ... بما استعاذ به إذ خانه البصر

стр. 333

قميص يوسف ألقاه على بصري ... بشير يوسف فاذهب أيها الضرر فأنشدته بيتين لي ينفعان إن شاء الله تعالى لحفظ النفس والبدن والأهل والمال وهما: أمررت كفا سبحت فيها الحصى ... وروت الركب بماء طاهر (٥٨ و) ف على معاشي ومعادي وعلى ... ذريتي وباطني وظاهري قلت: «١» وكان بها خزانة كتب، ومن وقفها خانان خارج باب الجنان وحوانيت هناك وحصتا كفره «٢» وسناجر «٣» . وطاحونها وحصة بقرية البريج «٤» ، وحصة بقرية اعنادان «٥» . وحضرت درسها مع شيخنا ومع الشويني- رحمهما الله- وكان يدرس في كتاب الحج من المنهج ومع السيد، وكان يدرس في تلخيص المفتاح. «المدرسة القرناصية» : تقدم ذكرها في الجوامع. «السحلولية» : ستأتي في الخوانق. «المدرسة السفاحية» : تقدمت في الجوامع. «مدرسة ابن التقى» :

стр. 334

هذه المدرسة بالقرب من سويقة علي. أوصى الأمير ناصر الدين بن الحاج إبراهيم بن تقى البابي أن يصرف من ماله في بناء مكتب للأيتام- وعدتهم عشرة- ومسجد وأن يرتب فيه قارىء يقرأ البخاري وثلاثة يتلون كتاب الله في نهار الاثنين والخميس «١» وتوفي بالقاهرة في شهر رمضان في الخامس والعشرين منه سنة خمس وخمسين وثمانمائة. فقام صهره الحاج عمر التادفي في عمارة ذلك. وشرع في عمارتها سنة ست وخمسين فجاءت بناء حسنا مصروفها يزيد على ثلاثة آلاف دينار. [الأمير ناصر الدين بن تقي البابي] : وابن تقى كان أبوه ذا مال وكان صديقا لوالدي. وعنده مباسطة. ومفاكهة حسنة. ونشأ له هذا الولد فعاداه أهل بلده فانتقل إلى حلب، وباشر عند النواب واشترى بيتا من بني المهمندار. وأضاف إليه بيوتا وصار ذا وجاهة عند الحكام وينسب إلى عقل. وكان يتكلم خيرا بدار العدل. ويدافع عن بلده. فتوفي عن أولاد من جملتهم شهاب الدين أحمد. فأوصى أحمد عند موته بشراء وقف المدرسة مضاف لوقف والده. وأن يرتب للمدرسة مدرس شافعي. فلم يقوموا بذلك وقالوا أن عليه دينا وأن تركته لا تفي بالديون. وتردد الشيخ عبد الرحمن الكردي إلى المدرسة رجاء أن يرتب فلم يرتبوه. «المدرسة العشائرية بالقرب من الشرفية» : وسيأتي الكلام عليها في آدر القرآن العزيز. (٥٨ و) م

стр. 335

المدارس الحنفية «الحلوية» : هذه المدرسة [ا] تجاه باب الجامع الكبير الغربي. كانت أولا كنيسة من بناء هيلانة أم قسطنطين. وهيلانة هي التي بنت القمامة «١» ببيت المقدس على مكان المصلوب «٢» وولدها قسطنطين بنى في أيامه بالشام وغيرها من المدائن والقرى أزيد من [ا] ثنتي عشر ألف كنيسة؛ قاله ابن كثير. وكانت هذه الكنيسة معظمة عندهم. يقال أنه كان بحلب نيف وسبعون هيكلا للنصارى منها هذا الهيكل. وهذه المرأة بنت كنائس الشام كلها والبيت المقدس. وهذا الهيكل كان في هذه الكنيسة ولم يزل على ذلك إلى أن حاصرت الفرنج حلب في سنة ثماني عشرة وخمسمائة وملكها يومئذ ايلغازى بن ارتق صاحب (٥٩ ظ) ف ماردين فهرب منها. وقام بأمر البلد ومن فيه القاضي أبو الحسن محمد بن يحيى بن محمد بن أحمد بن الخشاب فعمد الفرنج إلى قبور المسلمين فنبشوها «٣» فلما بلغ القاضي ذلك عمد إلى أربع كنائس من الكنائس التي كانت بها. وصيرها مساجد؛ أحدها هذه. والثانية تأتي الحدادية، والثالثة تأتي في المقدمية، والرابعة على ما يغلب عليه ظني هي المسجد الذي بالقرب من حمام موغان. انتهى. قلت: وبالقرب من حمام موغان مسجد بينها وبين الجاولية الحنيفة مكتوب على حائطه: أنه عمر في أيام الناصر بن المعز، بتولية محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم ابن العجمي الشافعي في رمضان سنة خمس وخمسين وستماية.

стр. 336

قال ابن شداد: وكان بموضع الدار التي هي الآن دار الزكاة- وهذه الدار والحمام المجاورة لها من إنشاء ذكا؛ وكان متوليا حلب من سنة اثنين وتسعين ومائتين. [وكان موضعهم «١» ] بيت المذبح لكنيسة هيلانة التي هي الحلاوية. وبينهما ساباط معقود البناء تحت الأرض [يخرج «٢» ] منها من الكنيسة إلى المذبح [إلى الهيكل] . وكان النصارى يعظمون هذا المذبح ويقصدونه من سائر البلاد. وكانت حمام موغان «٣» حماما للهيكل وكان حوله قريبا من مائتي قلاية تنظر إليه، وكان في وسطه كرسي ارتفاعه أحد عشر ذراعا من الرخام الملكي الأبيض. وذكر ابن شرارة النصراني في تاريخه «٤» : أن عيسى ﵇ جلس عليه. وقيل جلس موضعه لما دخل حلب. وذكر أيضا أن جماعة الحواريين دخلوا هذا الهيكل وكان في ابتداء الزمان معبدا لعبّاد النار. ثم صار إلى اليهود فكانوا يزورونه ثم صار إلى النصارى ثم صار إلى المسلمين. وذكر أيضا أنه كان بهذا الهيكل قس يقال له «برسوما» تعظمه النصارى وتحمل إليه الصدقات من سائر الأقاليم ويذكر في سبب تعظيمهم له أنه أصاب أهل حلب وباقي أيام الروم فلم يسلم منهم غيره. انتهى. وكانت هذه المدرسة تعرف قديما بمسجد السراجين «٥» . ولما ملك نور الدين حلب وقفه مدرسة وجدد فيه مساكن يأوي إليها الفقهاء وإيوانا «٦» وكان مبدأ عمارته قال ابن شداد في سنة أربع وأربعين وخمسمائة ومكتوب على بابها في سنة ثلاث وأربعين «٧» .

стр. 337

ومتولى عمارتها القاضي فخر الدين أبو منصور محمد ابن عبد الصمد بن الطرسوسي الحلبي. وكان ذا همة ومروءة ظاهرة. له أمر نافذ في تصرفه في أعمال حلب، وأثر صالح في الوقوف. ثم انعزل عن ذلك أجل انعزال ومات في وسط سنة تسع وأربعين وخمسمائة. انتهى. والمحراب الذي في إيوانها منجور فرد في بابه: جدد في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن محمد في سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وكان بها خزانة كتب فذهبت. وكان على قبتها طائر من نحاس يدور مع الشمس فذهب. (٥٩ و) ف وجلب إليها نور الدين من أفامية مذبحا من الرخام الملكي الشفاف- وقد تقدم الكلام عليه- كان نور الدين يملأ هذا الجرن في ليلة السابع والعشرين من رمضان قطائف محشوة ويجمع عليها الفقهاء المرتبين بالمدرسة «١» . انتهى. ورأيت في كلام داود بن علي أحد الفقهاء بها ما لفظه: فاطمة زوجة الطاساني هي التي سنت الفطر في رمضان للفقهاء بالحلاوية. كان في يدها سواران فاخرجتهما وباعتهما. وعملت بثمنهما الفطور كل ليلة. فاستمر ذلك الى اليوم. انتهى. قلت: بل انقطع ذلك بالكلية. وكانت هذه المدرسة من أعظم المدارس صيتا وأكثر طلبة، وأغزرها جامكية «٢»

стр. 338

ومن شرط الواقف أن يحمل في كل شهر رمضان من وقفها ثلاثة آلاف درهم للمدرسة يصنع بها للفقراء طعاما. وفي ليلة النصف من شعبان في كل سنة حلوا معلومة. وفي الشتاء ثمن كسوة فقيه شيء معلوم. وفي أيام شرب الدواء من فصلي الربيع والخريف ثمن ما يحتاج إليه من دواء وفاكهة. وفي المواليد أيضا الحلو أو في الأعياد ما يرتفقون به دراهم معلومة وفي أيام الفاكهة ما يشترون به من أنواعها. ولما فرغ من بنائها استدعى لها من دمشق الفقيه الإمام برهان أبا الحسن علي بن الحسن بن محمد بن أبي جعفر؛ وقيل جعفر البلخي. فولاه تدريسها واستدعى الفقيه برهان الدين أبا العباس أحمد بن علي الأصواتي السلفي من دمشق ليجعله نائبا عن برهان الدين فامتنع من القدوم فسير إليه برهان الدين كتابا ثانيا يستدعيه فيه، ويشدد عليه في الطلب. فأجابه على كتابه بكتاب استفتحه بعد البسملة: ولو قلت طأفي النّار أعلم أنّه ... رضّى لك أو مدن لنا من وصالك لقدّمت رجلي نحوها فوطئتها ... هدى منك لي أو ضلّة من ضلالك ثم قدم حلب بعد كتابه فاستنابه برهان الدين ولم يزل نائبا عنه إلى أن مات فحزن عليه برهان الدين حزنا غلب عليه. ولما فرغ من الصلاة عليه التفت إلى الناس وقال: شمت الأعداء بعلي لموت أحمد (!) . ولم يزل برهان الدين مدرسا إلى أن خرج من حلب لأمر جرى بينه وبين مجد الدين أبي بكر محمد بن توسيكين «١» بن الداية لما كان نائبا عن السلطان بحلب وقصد دمشق فأقام بها إلى أن توفي يوم الخميس سلخ شعبان سنة ثمان وأربعين (٥٩ و) م وخمسمائة. وتولى المدرسة بعد خروجه الفقيه الإمام عبد الرحمن بن محمود بن محمد ابن جعفر الغزنوي أبو الفتح وقيل أبو محمد الحنفي الملقب علاء الدين فأقام بها مدرسا إلى أن توفي بحلب لسبع بقين من شوال سنة أربع وستين وخمسمائة. (٥٩ ظ) ف

стр. 339

وولى بعده ولده محمود وكان صغيرا فتولى تدبيره الحسام علي بن أحمد بن مكي الرازي الوردي. ثم ولى بعده الإمام رضي الدين محمد بن محمد بن محمد أبو عبد الله السرخي «١» . وكان في لسانه لكنة. فتعصب عليه جماعة من الفقهاء الحنيفة وصغروا أمره عند نور الدين وكانت وفاته يوم الجمعة آخر جمعة في رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. فكتب نور الدين إلى عالي بن إبراهيم بن إسماعيل بن علي الغزنوي. وكان بالموصل ليقدم إلى حلب ليوليه تدريس المدرسة. وأتفق أن أبا بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الملقب علاء الدين سير رسولا من الروم إلى نور الدين فعرض عليه المقام بحلب والتدريس بالحلوية، فأجابه إلى ذلك ووعده أن يعود إلى حلب بعد رد جواب «٢» الرسالة فعاد إلى الروم. ثم قدم حلب. فولى عالي تدريس الحلوية يوما واحدا. ثم أن نور الدين استحيا من علاء الدين الكاساني فاستدعى بابن الحكيم مدرس مدرسة الحدادين إلى دمشق وولى عالي الغزنوي وكان ابن الحكيم. ثم ولى علاء الدين الحلوية. ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الأحد بعد الظهر عاشر رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة. وولى بعده عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب بن الحسين بن أحمد بن الحسين ابن محمد بن الحسين بن عبد الرحمن بن الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس

стр. 340

ولم يزل مدرسا إلى أن توفي في جمادى الآخرة سنة ست عشرة وستمائة. فولى بعده ولده تاج الدين أبو المعالي الفضل وخلع في يوم تدريسه عشرين حلقة على من حضر درسه من متميزي الفقهاء. واستمر مدرسا إلى أن توفي فجأة في أواخر سنة ثلاث وثلاثين وستمائة فولي بعده كمال الدين أبو القاسم عمر بن قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة المعروف بابن العديم «١» . ولم يزل مستمرا على تدريسها إلى أن قصد دمشق في خدمة الملك الناصر فولي تدريسها استقلالا ولده مجد الدين أبو المجد عبد الرحمن. وتدريسها بيد بني العديم إلى الآن صورة. انتهى. وكانت هذه المدرسة أخيرا في أيامي يستحي الشخص أن يمر على بابها من الفضلاء والعلماء الجالسين على دككها كالشيخ عز الدين الحاضري وجماعته، وقد حضرت بها الدرس في أيام السيفي قصروه درس بها الشيخ أبو بكر بن اسحاق الحنفي القاضي درسا حافلا في قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ.... ورتبه على علوم وحضر قضاة البلد وشيخنا وفضلاء البلد إذ ذاك والكافل فلما أخذ في الدرس سأله شيخنا مسألة فارتج عليه بقية الدرس، ودرس بعده في المجلس (٦١ و) ف مدرسها عز الدين ابن العديم. قلت: والبرهان الميلخي المتقدم ذكره هو الذي قام في إبطال: حيّ على خير العمل من الأذان بحلب.

стр. 341

والرضي المذكور قيل أنه كتبوا فيه إلى نور الدين أنهم أخذوا عليه تصحيفا كثيرا من جملته أنه اشترى حانوتا وفيه مقلى فإن كان من الخزف فصفحها؛ وقال: فإن كان من الخرق. وأنه قال في الجنائز: الجبائر. ودرس في هذه المدرسة أيضا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن أمين الدولة؛ وهو مذكور مع أقاربه. ودرس بها أيضا الحسين بن محمد بن أسعد الفقيه المعروف بالنجم، وله تصانيف في الفقه منها شرح الجامع الصغير لمحمد بن الحسن فرغ من تصنيفه بمكة. وله الفتاوى والواقعات، وكان دينا وله حكاية طويلة في حضوره عند نور الدين وقد سأله عن لبس خاتم في يده فكان فيه لوزات من ذهب فقال: لم تتحرز عن هذا ويحمل إلى خزانتك من المال الحرام كل يوم كذا وكذا فأمر نور الدين بإبطال ذلك. وسميت بالحلاوية لأنه كان عندها سوق الحلوانيين «١» . «المدرسة الشاذبختية «٢» » : هذه المدرسة بدرب العدول، وهو سوق النشابة «٣» . أنشأها الأمير جمال الدين شاذبجت الخادم الهندي الأتابكي. وكان نائبا عن نور الدين بحلب بقلعتها.

стр. 342

ومحرابها عجيب «١» ولها ايوان وخلاوي للفقهاء. [الأمير شادبخت الهندي الأتابكي] : وشادبخت المذكور استمر أمره بالقلعة، وحفظها على ولد نور الدين الصالح مدة حياته. وكان شاذبخت شهما من الرجال ذا رأي سديد، وعقل وافر، وتدبير حسن، وله اليد البيضاء في فعل المعروف، وبناء الربط والمدارس. بنى بحلب مدرستين: - هذه - والأخرى ظاهر حلب شماليها؛ وكان يعرف بمشهد الزرازير. ورأيته وهو عامر. ثم إن الدولة هدمته. وأخذوا الحجارة لعمارة سور حلب. والفاعل لذلك باك نائب السلطنة بقلعة حلب في زمن الأشرف. ونقل ابن العديم عز الدين وقفه بمربع شريف إلى الشاذبخيتية المذكورة. انتهى. ووقف شاذبخت المذكور أوقافا على الصدقات. وعلى خانقاه سنقر جار وقف بحران خانقاه للصوفية. ولما توفي الصالح حفظ حلب. ولم يزل يأمر فيها وينهى إلى أن قدم عز الدين. انتهى ما رأيته بخط ابن عشائر. ولما كملت هذه المدرسة استدعى من سنجار نجم الدين مسلم بن سلامة ليوليه تدريسها فقدم حلب وأصبح ليذكر بها الدرس. واحتفل شاذبخت لوليمة يعملها فسير الظاهر غازي إليه وسأله أن يوليها موفق الدين بن النحاس فلم يسعه مخالفة الظاهر. وانعكس عليه مقصوده. فتولى الموفق المدرسة. وسار النجم عن حلب. انتهى.

стр. 343

ومما ينسب لعبد المحسن الصوري: (٦١ و) ف أنست بوحدتي حتى لو أني ... رأيت الأنس لا ستوحشت منه ولم تدع التجارب لي صديقا ... أميل إليه إلا ملت عنه فأجازه النجم السنجاري: لأني قد خبرتهم انتفاذا ... فبرء من شئت منهم ثم منه إذا عاشرت خلا صار خلا ... وإن تسأل عن العاصي تكنه انتهى. (٦٠ و) م ولم يزل الموفق متوليها إلى أن توفي يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر سنة اثنين وستمائة «بتل عبدة «١» » من عمل «حران» عائدا من رسالة حملها لصاحب تبريز من جهة الظاهر غازي. ونقل إلى حلب فدفن بها. وتولى بعده تدريسها القاضي شمس الدين محمد بن يوسف بن الخضر المعروف بابن القاضي الأبيض- قاضي عسكر العادلي- ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي ليلة الخميس سابع عشري شهر رمضان سنة أربع عشرة وستمائة. وتولى تدريسها بعده الصاحب كمال الدين أبو القاسم عمر بن أبي جرادة ولم يزل مدرسا بها وولده مجد الدين عبد الرحمن ولم يزل ينوب عن والده إلى أن استقل بها أخوه جمال الدين محمد ولد الصاحب كمال الدين إلى أن كانت فتنة التتر سنة ثمان وخمسين والتدريس بأيديهم إلى زماننا. وقد نزل بها الشيخ باكير الحنفي وكان مدرسا بها متبرعا علوما شتى.

стр. 344

«المدرسة الأتابكية» » : هذه المدرسة قبلي بحرة شيخنا العلامة بن الشحنة، ومن جملة ما نقم على ابن الشحنة أنه أخذ قطعة منها وأضافها إلى إيوانه، وأخرب الطنبغا وعلي باي وابن الزهري بعض إيوانه بسبب ذلك، وستأتي القضية مطولة في الحوادث إن شاء الله تعالى. انتهى. أنشأها شهاب الدين طغربك الأتابكي عتيق الظاهر غازي نائب السلطنة بقلعة حلب، ومدبر الدولة بعد وفاة معتقه. انتهت عمارتها في سنة ثمان عشرة وستمائة. وأول من درس فيها الشيخ العالم جمال الدين خليفة بن سليمان بن خليفة القرشي الحوراني الأصل. ولم يزل بها إلى أن توفي في الرابع والعشرين من شوال سنة ثمان وثلاثين وستمائة «٢» . ووليها بعده مجد الدين عبد الرحمن بن كمال الدين بن العديم ولم يزل بها إلى أن خرج من حلب فرارا من التتر أسوة أهل بلده. وهي الآن داثرة؛ قاله ابن شداد «٣» . قلت: غالبها الآن عامر. ومن جملة أوقافها «فج كمون أ» . وبوابتها عظيمة الظاهر أنها من عمارة الواقف. ولم أسمع بها درسا قط. ولا رأيت أحدا (٦١ و) ف في أيامي درس بها. «المدرسة الحدادية» : هذه المدرسة سميت بالحدادية بسوق الحدادين كان هناك. وهي بالدرب المتوجه إلى السفاحية.

стр. 345

أنشأها حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين بن أخت صلاح الدين؛ كانت من الكنائس الأربعة التي تقدم ذكرها فهدمها وبناها بناء وثيقا. وأول من درس بها الفقيه الإمام الحسين بن محمد بن أسعد بن حليم المنعوت بالملجم ولم يزل بها إلى أن استدعاه نور الدين إلى دمشق. وولى مكانه عالي بن إبراهيم بن إسماعيل الغزنوي. ولم يزل بها إلى أن توفي إما في سنة إحدى أو اثنين وثمانين وخمسمائة. وقال مقرب الدين أبو حفص عمر بن قشام توفي عالي سنة خمس وثمانين وخمسمائة وهذان القولان حكاهما كمال الدين ابن العديم. وعالي المذكور صنف كتاب: «التقشير في التفسير «١» » . قال أبو اليمن الكندي صحف حتى في اسمه. وفيه أوهام كثيرة سيما إذا تعرض في النحو. ثم وليها بعده موفق الدين أبو الثنا محمود بن طارق النحاس الحلبي. ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي في السنة التي قدمنا ذكرها. عند ذكره في الشاذبخيتية. ثم وليها بعده ولده كمال الدين إسحاق ولم يزل بها مدرسا إلى أن توفي ليلة الأربعاء مستهل شعبان سنة أربع وأربعين وستمائة. ووليها بعده الشيخ شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الواحد الأنصاري ولم يزل بها مدرسا إلى أن توفي يوم الخميس سادس عشر شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة. ووليها بعده ولده فخر الدين يوسف ولم يزل إلى أن قتلته التتر عند استيلائهم على حلب. انتهى.

стр. 346

قلت: وهذه المدرسة بعد الفتنة التمرية تعطلت عن إقامة الشعائر فيها. وسكنها النساء. وأغلق بابها حتى قدم الشيخ الصالح الزاهد العامل علاء الدين الجبرتي- نفع الله به- المتقدم ذكره في مدرسة الصاحبية. فحضر إلى هذه المدرسة بعد أن عمر الصاحبية كما تقدم. وأخرج النساء عنها. وصار يتردد إليها فأقام شعارها وعمر ما دثر منها. وفتح خلاويها بعد أن كانت مردومة بالتراب. وبيض إيوانها. وفتح بركتها. وأجرى إليها الماء من الحوض الذي خلف دار العدل واتخذ له فيها خلوة. وكان يتعبد بها. وعمر مرتفقها وحفره حتى بلغ الماء وكان ينزل إليه بنفسه. وينزح التراب منه، وعمره عمارة متقنة. ولما حفروا المرتفق وجدوا فيها حجرا أسود على قبر وعليه صلبان. وكان أصل هذا المرتفق ناووسا للكنيسة. فتعاونوا على هذا الحجر. وربطوه بالحبال. وجذبوه إلى خارج هذا المرتفق. وبنى إلى جانب هذا المرتفق مستحما. وأحضر إليه جرنا أسود من خارج وقفه بعض أهل الخير على (٦١ ظ) ف هذا المكان والجرن الأبيض الذي على جانب البركة نقله من الحمام الخراب الذي خلف دار العدل بأمر بنت المؤيد وكان قد أخرجه بعض الناس من الحمام إلى مسجد هناك مهجور ليأخذه إلى منزله فسمع الشيخ بذلك. فأرسل إلى القاهرة. واستأذن بنت المؤيد في نقله إلى هذه المدرسة فأذنت له فيه فنقله. وفتح في هذه المدرسة بعض العناصر صهريجا. وأنفق عليه جملة. وأقيم شعار هذه المدرسة بالذكر والصلوات الخمس والمؤذنين والحصر والبسط والمصابيح وغير ذلك. انتهى. ومن جملة ما نقم الأعداء على الشيخ علاء الدين واستفتوا عليه أنه كان يصلي في هذه المدرسة وهو شافعي المذهب فهلا كانوا استفتوا على النساء الساكنات «١» بها.

стр. 347

وعلى من عطل معاهدها. ولقد رأيت بعيني من غير قصد النساء سافرات «١» بها فلا حول ولا قوة إلا بالله. وسيأتي ما اتفق للشيخ في خانقاه الملكي ولما ألزم قصروه المدرسين بالتدريس «٢» ألزم شيخنا ابن الرسام الحنبلي بالتدريس فلم يجد له مكانا يدرس بها. وهذه المدرسة من جملة وقفها حوانيت بسوق الحرير. وآل تدريسها إلى المالكية. (٦١ و) م «المدرسة الجرديكية» : هذه المدرسة بسوق البلاط لها باب من السوق المذكور ينزل إليها بدرج وباب آخر من درب شرقيها. وهي ملاصقة للصاحبية «٣» . أنشأها الأمير عز الدين جرديك النوري في سنة تسعين وخمسمائة. وانتهت في سنة إحدى. وأول من وليّ تدريسها الشيخ مقرب الدين أبو حفص عمر بن علي بن محمد بن فارس بن عثمان بن فارس بن محمد بن قشام التميمي الحنفي. ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي ليلة السبت الثاني من جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وستمائة. ثم وليّ تدريسها بعده نجم الدين عمر بن أبي يعلى عبد المنعم بن هبة الله بن محمد ابن هبة الله الرعباني- ويعرف بابن أمين الدولة- ولم يزل بها إلى أن عزل نفسه؛ إما في سنة ثلاث أو أربع وأربعين. وانقطع بيته. ولم يزل منقطعا إلى أن قتل في بيته عند استيلاء التتر على حلب.

стр. 348

ثم وليها بعده صفي الدين عمر بن زقزق الحموي. ولم يزل مدرسا بها إلى أن جدد الطواشي «١» مرشد المنصوري بحماة مدرسة فاستدعاه. فتوجه إليه في سنة اثنين وخمسين وستمائة. وتولى بعده محي الدين محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن النحاس. ولم يزل إلى أن انقضت الدولة الناصرية. ...... «٢» ومن جملة وقفها: حصة بكفر نوران «٣» . والفقهاء يتناولون من وقفها. انتهى. وجردبك هو الذي تولى قتل شاور بمصر. وقتل ابن الخشاب بحلب. وكان بطلا شجاعا «٤» ولي أمرة القدس لصلاح الدين، وتوفي سنة أربع وتسعين (٦٢ و) ف وخمسمائة «٥»

стр. 349

«المدرسة المقدّمية» : هذه المدرسة بدرب كان يسمى قديما بدرب الحطابين. والآن يسمى بدرب ابن سلار. أنشأها عز الدين عبد الملك المقدم. وكانت إحدى «١» الكنائس الأربع التي صيرها القاضي أبو الحسن بن الخشاب مساجد في سنة ثمان عشرة وخمسمائة. وأضاف إليها دارا كانت إلى جانبها. وابتدئ في عمارتها في سنة خمس وأربعين وخمسمائة. وهذه المدرسة على هيئة الشرفية. وقيل أنه أخذ ترتيب الشرفية منها. وشماليتها الآن داثرة. وأول من درس بها برهان الدين أبو العباس أحمد بن علي الأصولي المقدم ذكره. ثم وليها بعده الشريف افتخار عبد المطلب بن الفضل الهاشمي المقدم ذكره في الحلاوية، ولم يزل بها إلى أن توفي. ووليها بعده ولده أبو المعالي الفضل، ولم يزل بها إلى أن توفي. وتولاها بعده شهاب الدين أحمد بن يوسف بن عبد الواحد الأنصاري. ولم يزل بها إلى أن توفي. ووليها بعده افتخار الدين أبو المفاخر محمد بن تاج الدين أبي الفتح يحيى بن القاضي أبي غانم محمد بن أبي جرادة المعروف بابن العديم. ولم يزل بها مدرسا إلى أن قتل عند استيلاء التتر على حلب. قلت:...... «٢» ومن جملة أوقافها رحا الجوهري قبلي حلب على قويق. وحصة بقرية كفتان «٣» .

стр. 350

«المدرسة الجاولية» : هذه المدرسة بالقرب من السهلية وهي سويقة حاتم. الآن لها بوابة عظيمة مبنية بالحجر الهرقلي. أنشأها عفيف الدين عبد الرحمن الجاولي النوري. وشرط أن يقرأ الفقهاء والمدرس شيئا من القرآن. ويجعل منه للسلطان نور الدين. وأول من درس بها الشيخ العالم علاء الدين أبو بكر بن مسعود بن أحمد- أمير كاسان- للكاساني المقدم ذكره ولم يزل بها إلى أن توفي. ووليها بعده الشيخ جمال الدين خليفة بن سليمان بن خليفة القرشي المقدم ذكره إلى أن مات فوليها بعده نجم الدين أبو الحسن على بن إبراهيم بن حسام الكردي الهكاري المعروف بالحلبي. ولم يزل بها إلى أن كانت فتنة التتر. فقتل فيها. وآل تدريسها إلى شيخنا الشيخ شمس الدين بن سلامة وسكن بها. وآلت بعد وفاته لشيخنا العلامة محب الدين الشحنة الحنفي فدرس بها درسا حافلا من أول سورة البقرة، ونقل كلام الزمخشري، والبحث عليه لوالده. ومن جملة أوقافها حصة في لفحناز «١» » من عمل معرتمصرين. «المدرسة الطمانية» : هذه المدرسة بدرب الاسفريس «٢» . بالقرب من حمام الهذباني. وقد (٦٢ ظ) ف خط سليمان بن صالح بن علي بن عبد الله بن العباس المولود ببطياس- وموته كان بحلب- منازله بهذه المحلة؛ فولده بها إلى اليوم. انتهى. أنشأها الأمير حسام الدين طمان النوري.

стр. 351

أول من درس بها الشريف افتخار الدين عبد اللطيف. ثم آثر بها أبا حفص عمر بن حفاظ بن خليفة بن حفاظ- المعروف بابن العقاد الحموي- أحد طلبته علاء الدين الكاساني. ثم سافر عنها فوليها شهاب الدين أحمد بن يوسف- المقدم ذكره- ولم يزل بها إلى أن رحل إلى بغداد سنة اثنين وثلاثين وستمائة فوليها بعده ضياء الدين محمد بن ضياء الدين عمر بن حفاظ؛ المعروف بالنحوي. ولم يزل بها إلى أن توفي سنة اثنين وأربعين وستمائة فوليها الفقيه نجم الدين عبد الرحمن بن ادريس حسن الخلاطي مولدا. الحلبي منشأ. وعليه انقضت الدولة الناصرية. ثم إن تدريسها كان ونظرها بيد شمس الدين بن أمير حاج الحنفي فادعى أبو بكر بن مهاجر وله اتصال بطومان الذي بنى الخان المعروف (المسبل) أن هذه المدرسة لجده طومان فصولح بينهما. وأخذ نظرها. واستقر تدريسها بيد شمس الدين المذكور. واسم بانيها على بابها طمان لاطومان. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن جملة أوقافها بستان ظاهر بالقرب من الكلاسة يعرف ببستان الجورة. «المدرسة الخشابية» : هذه المدرسة غربي القلعة على رأس القناة. أنشأها الأمير حسام الدين محمود بن ختلو والي حلب. كان أول من درس بها الشيخ بدر الدين يعقوب بن إبراهيم بن محمد بن النحاس الحبلي «١» . (٦٢ و) أ

стр. 352

ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي سنة سبع وثلاثين وستمائة فوليها بعده ولده محي الدين بن محمد ولم يزل بها إلى انقضاء دولة الملك الناصر. انتهى. وإلى جانبها «١» مسجد لحسام الدين. وبالقرب منها خانكاه يقال لها: «العادلية» بنيت في سنة ست وسبعمائة. «المدرسة الأسدية تجاه القلعة» : هذه المدرسة على باب بني الشحنة داخل القنطرة. أنشأها بدر الدين؛ بدر الخاتم عتيق «٢» أسد الدين شير كوه كانت دارا يسكنها فوقفها بعد موته. وأول من درس بها صائن الدين أيوب بن خليل بن كامل. ولم يزل إلى أن توفي في غرة شعبان سنة ثلاث وخمسين وستمائة فوليها بعده قطب الدين محمد بن عبد الكريم بن عبد الصمد بن هبة الله بن أبي جرادة. ولم يزل بها أن توفي فوليها بعده الشيخ مجد الدين الحسن بن أحمد بن هبة الله بن أمين الدولة، ولم يزل بها إلى أن توفي في وقعة التتر. (٦٣ و) ف والآن تدريسها بيد بني علاء الدين بن الشحنة. وعلى بابها مكتوب: «جدد هذه المدرسة المباركة للفقهاء المشتغلين في دولة السلطان العزيز الطواشي بيدمر الظاهري في ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين وستمائة» . «المدرسة القليجية» : هذه المدرسة غربي دار العدل، ملاصقة لها. أنشأها الأمير مجاهد الدين محمد بن شمس الدين محمود بن قليج النوري. وانتهت عمارتها سنة خمسين وستمائة.

стр. 353

وأول من درس بها الشيخ مجد الدين الحسن- المتقدم ذكره- جامعا بينها وبين المدرسة الأسدية، وعليه انقضت الدولة الناصرية. والآن هي في تكلم أولاد الفان. ويدعون أنهم من ذرية الواقف. انتهى. وفي كفالة جانبيك الناجي حلب. لما توفي أبو زوجته دفنه بهذه المدرسة. «المدرسة الفطيسية» : هذه المدرسة دخلت في دار العدل ولم يبق لها أثر. أنشأها سعد الدين مسعود بن الأمير عز الدين ايبك المعروف (بفطيس) عتيق عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب- صاحب بعلبك- كانت دارا يسكنها فوقفها بعد عينه مدرسة. وتوفي المذكور سنة تسع وأربعين وستمائة. وأول من درس بها أحمد بن محمد بن يحيى القراؤلي المارداني- المعروف بالفصيح- وعليه انقضت الدولة الناصرية. وحكم القاضي شمس الدين بن أمين الدولة الحنفي بانتقال وقفها إلى القليجية إذ هي أقرب مدرسة إليها. ومن جملة وقفها حصة بدير الجمال «١» . « [المدرسة] الشاذبختية التي بظاهر حلب» : قد تقدم اسم بانيها «٢» ، وأين كانت في الشاذبخيتية التي داخل حلب. أول من درس بها موفق الدين أبو الثنا محمود بن النحاس؛ باعتبار شرط الواقف أن من في الجوانية كان إليه التدريس في البرانية. ولم يزل مدرسا بها إلى أن توفي في التاريخ قدمنا ذكره «٣» .

стр. 354

ثم وليها بعده صفي الدين محمد بن أحمد بن يوسف الأنصاري السلاري. ولم يزل بها إلى أن مات في شهر رجب سنة ست عشر وستمائة فوليها بعده ولده شمس الدين محمد. ولم يزل مدرسا بها أن توفي فوليها بعده نجم الدين أحمد بن الصاحب كمال الدين بن العديم. (٦٢ ظ) م ولم يزل مدرسا بها إلى أن مات ببلاد الروم وحمل إلى حلب فدفن بها سنة ثمان وثلاثين فوليها افتخار الدين أبو المفاخر محمد بن يحيى بن محمد بن أبي جرادة المعروف بابن العديم. وعليه انقضت الدولة. وقتل بحلب. وهذه المدرسة لم يبق منها إلا الرسوم. «المدرسة الآشودية» : ...... «١» أنشأها الأمير عز الدين أشود التركماني الياروقي. (٦٣ ظ) ف أول من درس بها صفي الدين خليل الملقب بالزقزق الحموي. ثم رحل عنها فوليها بعده شمس الدين محمد الزرنيخي. ثم رحل عنها فوليها ضياء الدين أيوب بن خليل بن كامل- المعروف بابن أخت الجمال خليفة- وخرج عنها. ودرس فيها بعده بدر الدين محمد بن يحيى المعروف بالغوري. «المدرسة السيفية» : هذه المدرسة بالحاضر السليماني. خارج باب قنسرين. أنشأها الأمير سيف الدين علي بن سليمان بن جندر. وكان إلى جانب هذه المدرسة المسجد الجامع المتقدم ذكره.

стр. 355

إشارة: قال الصاحب: مسجد سيف الدين أي المعروف بجامع السلطان «١» الآن وكان قبل أن يبنى مسجدا تربة لبني أبي جرادة وكان فيها القاضي أبو الفضل وأبوه أبو الحسن أحمد وأبوه وجماعة من سلفه، والشيخ أبو الحسن علي بن أبي جرادة فلما جدده سيف الدين مسجدا حولت القبور إلى جبل جوشن. وكانت التربة بالقرب من خان السلطان في السوق. انتهى. [الأمير علي بن سليمان بن جندر] : وسيف الدين المذكور كان كثير الصدقات. توفي سنة اثنين وعشرين وستمائة وأبوه سليمان الأمير علم الدين صاحب عزاز وبغراس له مواقف مشهورة في الجهاد. توفي في أواخر الحجة «٢» بقرية «غباغب» سنة سبع وثمانين وخمسمائة. ورأيت في خط ابن عشائر وذكر أنه نقله من بغية الطلب من كلام الصاحب ما لفظه: سليمان بن جندر. وهو الذي وقف المدرسة بالحاضر اتجاه المسجد الجامع على أصحاب أبي حنيفة. وقال ابن شداد أن ابنه على وقفها «٣» . فانظر ما هذا. لطيفة: قال الزكي أبو العباس أحمد بن مسعود بن شداد الموصلي: وكنت مع علم الدين سليمان بن جندر بحارم وأنا وإياه تحت شجرة. وكنت إذ ذاك أؤم به في سنة سبع وسبعين وخمسمائة. فقال لي: كنت ومجد الدين أبو بكر بن الداية. وصلاح الدين يوسف بن أيوب تحت هذه الشجرة. وأشار إلى شجرة هناك. ونور الدين محمود بن زنكي إذ ذاك يحاصر حارم وهي في يد الفرنج. فقال مجد الدين ابن
следующие страницы →