_________
وقد رام تقريضي تصانيفه التي ... نصال عمرو عندها وأبو عمرو «١»
وزيد وبكر والخليل وتغلب ... ويحيى وعبد القاهر الخير والخبر
وماذا عسى فكرى يطيع لواجب ... مديحي وما مدد الشهاب من البدر
ولا سيما مع غربه وفراق من ... ألفت وقد مدت إليّ يد القهر
وقد كنت من مصر بكيت تعنتا ... فلما تفرقنا بكيت على مصر
فلم يأت ما أرضى ولم أرض ما أتى ... ولكن تعودنا بطاعة ذي الأمر
وبرزت لا عتبا بل الدهر لا يعي ... لتقسيمه فاصفح أخا الحلم عن نزري «٢»
فهذا لعمري الجهد مني بذلته ... ولكن سأقضي الدين إن مد في عمري
عبرت زمانا والقريض يطيعني ... فياليت شعري هل يفي شيئا شعري «٣»
فقد لاح عذري يا إمام زمانه ... وفرقة إلفي علمتني الهوى العذري «٤»
ورفقة قوم صار ذو الفضل فيهم ... وأبناء أهل الجهل شان في القدر
............... أمر بهم ... فلم أجن ثمرا بل تحيرت في أمري
............. بالله خشيتي ... فداركني اللطف الخفي ولا أدري
.. الحمد في الأولى والأخرى وانني ... عليه اعتمادي في السريرة والجهري
ومنه على خير الأنام محمد ... صلاة وتسليم وبر إلى بر
ولا زال بدر الدين يسوق نوره ... على طالب العلم الشريف مدى الدهري
стр. 492
بدت في سما الحسن تزهر كالدر ... منورة تروى الحديث عن الزهري (٩٨ و) ف
ومن جملتها:
تفآلت إذ وافت من ابن سلامة ... غداة رحيلي بالسلامة والنصر
وقد سمعت هذه القصيدة على شيخنا الناظم.
قلت: أنشدني العلامة محب الدين بن الشحنة قال: أنشدنا الشيخ بدر الدين المشار إليه، قال: أنشدنا سريجا لنفسه، وأخبرني أيضا به الشيخ بدر الدين إجازة:
أما يزيد فإني لا أكفره ... لكنه فاسق بالظلم مشتهر
وجوز أحمد رأس الدين لعنته ... عن ابن جوزيهم نقلا كما ذكروا (٨٩ ظ) م
وأنشدنا بالسند إلى ابن سريجا يتحمس فيها:
وما جبت البلاد لكسب علم ... وعلمي منه تكتسب البلاد «١»
وها أنا راقد بديار بكر ... إلى أن يبلغ الأمل الرقاد
فأما والثرى وأموت حرا ... وأما والثريا والمراد
انتهى.
وتوفي للشيخ بدر الدين ولد بماردين يقال له سيف الدين فأنشد:
يعز عليّ يا ولدي وعيني ... ويا من فاق بالفضل النبيه
بأن ألج الديار ولست منها ... وأن أطأ التراب وأنت فيه «٢»
وللشيخ بدر الدين أخت يقال لها دنيا ولها شعر رقيق فمنه في الشقيق: «٣»
مدورة على غصن دقيق ... يحاكى لونها لون العقيق
كأن جماجم السودان فيها ... يحير حسنها غادي الطريق
стр. 493
وكان أبو الشيخ بدر الدين من أهل العلم والأدب شرع في نظم الكنز، ومن نظمه وقد عرضت له حمى ليليه:
وزائرتي كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلام «١»
ومن مبتكراته في الهجو «٢» :
مدحت الخسيس الندل ثم هجوته ... لأني حرمت البر من جانب المدح
إذا انصب ماء الياس في مقلة الرجاء ... فليس لها عند الحكيم سوى القدح
وللشيخ بدر الدين مؤلفات منها: «تفسير الفاتحة» ؛ وقد كتب له عليه شيخنا العلامة شيخ الدين الباعوني نظما ونثرا. وله مؤلف في صنعة الحديث انتزعه من كلام الطيبي «٣» .
ومن قصائده الطنانة ما كتب به إلى المقر الأشرف الشهابي ابن السفاح من قصيدة:
يقبل الأرض محروم بلا سبب ... سوى الفضائل والعلم الذي اكتسبا
ولو درى أن كسب العلم منقصة ... ماجد في حفظه يوما ولا طلبا
ولو قضى العمر في لهو وفي لعب ... لكان في عالم الجهال قد نجبا
فمن لأرض بها الجهال قد رأسوا ... واستوعبوا الوقف مسروقا ومنتهبا (٩٨ ظ) ف
وخولوا صبية التدليس واعجبا ... وظيفة الدرس أصبحت بينهم لعبا
стр. 494
يا للرجال فهل للوقت من رجل ... يقوم منتصرا لله محتسبا
ويخلص القصد من سر ومن علن ... ويفقد الناس من قال قد اضطربا
كم روج الطاهر المعمور من رجل ... على الغبي وأخفى الباطل الخربا
لكن لدى النقد ما يخفى على فطن ... لا سيما الصارم البتار إن ذربا (٩٠ و) م
اعنى شهاب الدنا والدين ناظرنا ... نجل الأكارم والسادات والنجبا
ومن إذا يمم الراجون ساحته ... أضحى لهم جبريل المرتجى سببا
و «١» لما سكن الشيخ بدر الدين المذكور في هذا المسجد المتقدم كان جميع ما يحتاج إليه يأخذه من بيت شيخنا المذيل. وكان في لسانه سلطة على الأكابر. وكان الظاهر عيسى صاحب ماردين يقول: «يا الله السلامة من لسان ابن سلامة» . وكان يحسن إليه ويكرمه.
دخل مرة إليه فإذا هو في الطريق بالوزير الحاج فياض والأمير اصغا يأكلان لبنا وعسلا فما أطعماه فقال لهما: لا هناكم الله. ودخل إلى الظاهر وحكى له ما لقيه فأسر له بجائزة سنية.
وكان يقرأ بعض البخارى بالجاولية ويجتمع الناس عنده فيحكى لهم حكايات من الرقائق والعامة تميل إلى ذلك. وكان يكتب الشيء ثم يلصق فوقه. ثم يكتب ثم يكشط ثانيا ويكتب عليه.
وأصابه الفالج في آخر عمره فتوفى بعد العصر نهار الاثنين سابع عشري صفر سنة سبع وثلاثين وثمانمائة. وكان شيخنا الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين قد قدم حلب للأخذ عن والدي فخرج في جنازته وصلى عليه ودفن «٢» بجبانة خارج باب الفرج «٣» . [انتهى] .
стр. 495
رجع «١» : وبالقرب من المسجد المذكور أزاوية أنشأها شيخ والدي شهاب الدين أحمد بن عشائر فلما توفي غيرها ولده تاج الدين وجعلها قاعة وفي تمر خربت فباعها ولده بدر الدين وهي خراب لبعض العدول بحلب فجددها قاعة وكل أيام تهدم حيطانها ب «٢» .
«درب الخابوري» :
على باب الجامع الشمالي، وهو غير نافذ ج.
[الشيخ أحمد بن عبد الله الخابوري] والخابوري هو خطيب الجامع «٣» .
стр. 496
«درب الديلم» :
وهو الآخذ من باب الجامع الشرقي إلى عقبة الياسمين. وبه المدرسة الشرفية وعند القطيعة مسجد الشيخ الشهيد بن العجمي أ، وإلى جانبه حوض ماء. وسيأتي الكلام عليه.
وبرأسه مسجد يعرف بابن الزراد وله وقف.
وبرأسه درب لا ينفذ وبه كان سكن صاحب الشرفية ب.
стр. 497
«درب البازيار «١» » : وهو الدرب الذي لا ينفذ. وفي أوله الرباط الشمسي.
[أحمد بن نصر البازياراني] :
وهو منسوب إلى أحمد بن نصر بن الحسين البازياراني أبي عليّ الكاتب. كان أبوه من أهل سامراء أ. وانتقل هو وأهله إلى حلب وسكنها. واتصل بخدمة سيف الدولة، وحظي عنده، ونادمه. وكان فاضلا. أديبا. كاتبا.
توفي سنه إحدى وخمسين وثلاثمائة. وحمل تابوته إلى بغداد. وفي كلام ابن شهاب توفي سنة اثنين وخمسين.
وهذا الدرب هو سكن سليمان بن عبد الملك. وعمر بن عبد العزيز. وفي أوله تحت الأرض أزج عظيم وبه طرق مصارف الماء.
درب الخطيب هاشم ب:
وهو الذي يفتح إليه باب سر الشرفية. وكان على رأس الدرب حوض ماء.
وبهذا الدرب مسجد. وبه أيضا بناء عظيم وقد جعل قاسارية ج. والظاهر أنها كانت كنيسة ثم صار غالب هذا الدرب لعماد الدين ابن الترجمان. ولهذه الدور باب يفتح قبلي
стр. 498
الشرفية إلى ناحية بيوت أقاربه فإن غالب بيوتهم كانت بدرب الديلم. وكان لبني الترجمان ثروة. وانقرضوا.
[الخطيب هاشم] :
وأما الخطيب هاشم فهو ابن أحمد بن عبد الواحد- خطيب حلب- وابنه محمد خطيبها أيضا. وهم أسديون. ولد ابنه في حدود الستين وخمسمائة أ (١٠٠ و) ف ونيف على الثمانين. وحدث عن أبيه. ولأبيه ديوان خطب. وكانا شافعيين روى عن محمد مجد الدين
стр. 499
العديمي حديثا واهيا وتوفي في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وستمائة أ. وتقدم شيء من أخباره في الجامع.
[سعيد بن الخطيب هاشم] :
وكان له ولد آخر يسمى سعيدا. خطب بحلب أيضا. سمع عبد الرحمن بن الحسن بن العجمي. سمع أباه وعبد الواحد بن عبد الماجد بن القشيري، وأبا بكر بن علي بن ياسر الجياني مولده في رجب سنة ست وأربعين وخمسمائة بحلب.
وتوفي يوم الجمعة خامس ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وستمائة.
[سعيد بن عبد الواحد عم الخطيب] :
وللخطيب عم يقال له: سعيد بن عبد الواحد روى عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان شيئا من شعره. وروى عنه أخوه أحمد. ولأبي محمد بن سنان إليه أبيات يعرض فيها بذكر روشن «١» عملهأبو طاهر بحلب. وكان من ظرفاء الحلبيين. والأبيات:
بحياة زينب يا ابن عبد الواحد ... وبحق كل نبية في ياقد
стр. 500
وزينب هذه التي أقسم عليه بحياتها هي بنت الشيخ أبي نصر بن هاشم والقسم عليه بالنبية هو أن أبا نصر كان له ملك بقرية ياقد من قرى حلب أ. وكان له فلاح فيها له بنت تدعى أنها نبية تبصر في المنام الوحي. وكان الفلاح أقل عقلا من ابنته. وكان يقسم بحق النبية. وكان أبو نصر يحكي عن خرافات هذا الفلاح فلذلك أقسم عليه بها وقلة العقل في أهل هذه القرية باق الآن وقد ادعى رجل منهم النبوة يقال له: ابن الدربي وأخته أيضا تدعي النبوة. وقد أنشد أبو الفتيان بن حيوس في أبي نصر بن هاشم لما مات:
وتربة المرحوم والحاء جيم ... لقد ثوى في النار منه رجيم
تبكى لظى إن حل في قعرها ... وتستقيل الله منه الجحيم
مضى وفعل السوء اضماره ... فما أتى الله بقلب سليم [١] ب (٩١ و) م
стр. 501
_________
-
ألا قومي إلى المخدع ... فقد هيئ لك المضجع
فإن شئت سلقناك ... وإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيه ... وان شئت به أجمع
فقالت: لا والله بل به أجمع، فذلك أوحيّ إليّ. فنهض إليها. ورفع ساقيها فلم تتكلم. فلما فرغ منها قالت له: إني راجعة إلى قومي فأخبرهم أني رأيت الحق معك، وإني قد صدقتك، وآمنت بك.
فان قومي يبايعوني على ذلك. ثم ابعث إلى قومي واخطبني منهم فإني أتزوجك، فوافقها على ذلك. فرجعت إلى قومها وأخبرتهم بقصتها معه. فتبعوه على ذلك. وبعث مسيلمة وخطبها، وتزوجها. وإليها أشار الحريري بقوله: «إنها ومرسل الرياح لا كذب من سجاح» . انتهى.
وسجاح كقطام. واما مسيلمة فأرسل إليه أبو بكر رضى الله عنه جيشا وأميرهم خالد ﵁ فقتل على يد وحشي وأبو دجانة وعبد الله بن زيد المارذي «١» وابن سهل، وزيد بن الخطاب وهو أول من أدخل البيضة في القارورة وأول من وصل جناح الطائر المقصوص. وكان يدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها، ورثاه بعض الكفار فقال:
لهفي عليك أبا ثمامة ... لهفي على ركني بشمامة
كم آية لك منهم ... كالشمس تطلع في غمامة
وكذب لعنة الله عليهما بل آياته كانت أكاذيبه. تفل في بئر تبركا فملح ماؤها. ومسح رأس صبي فقرع، ودعى لرجل في ابني له بالبركة فرجع إلى منزله فوجد أحدهما قد سقط في البئر والآخر قد أكله الذئب. ومسح على عين رجل استشفى بمسحه فابيضت عيناه. ووقعته كانت في ربيع الأول سنة اثنى عشر. قتل فيها أربع مائة وخمسون من الصحابة وقيل ستمائة. منهم سبعون من الأنصار.
وكان بيد سالم مولى أبي حذيفة لواء المسلمين فقطعت يمينه. فأخذ اللواء بيساره فقطعت. فاغتبق اللواء ثم صرع. وقتل في هذا اليوم ثابت بن قيس بن شماس. وأجيزت وصيته بعد الموت. انتهى.
[الأسود العنسي] :
قلت: وادعاها أيضا الأسود العنسي ويقال له: «ذو الخمار» باسم شيطانه، أو لأنه يخمر-
стр. 502
_________
- وجهه. وقيل ذو الخمار اسمه «عيهلة» . وقيل له الأسود لخلاط كان في عنقه. وكان يدعى أن سحيقا و (سعسا) «١» يأتيان بالوحي. ويقول هما ملكان يتكلمان على لساني. قتله فيروز الديلمي. وقيس بن مكشاح وداذويه دخلوا عليه من سرب صنعته لهم امرأة كان قد غلب عليها فوجدوه سكران لا يعقل. وفي كلام بعضهم أن مرزمامه زوجه دلتهم على السرب وسقته البنج وحمل رأسه إلى النبي ﷺ وقال ﵇ قتله الرجل الصالح فيروز «٢» . وفي رواية قتله رجل مبارك من أهل بيت مبارك وقتل إنما قتل فى خلافة أبي بكر رضى الله عنه.
وفيروز هو ابن أخت النجاشي ﵄.
رجعنا إلى المقصود: وهذا الدرب كان يعرف قديما بدرب التميمين وهو الذي يفتح إليه بابا الشرفية وكان على رأس الدرب حوض ماء وبه مسجد ولهذا الدرب مكان عظيم النبأ. والظاهر أنه كان كنيسة. وقد جعل قاسارية ولهذه القاسارية حصة وقف على الشرفية ثم اتخذت دارا في سنة ثمان وسبعين.
ورأيت في بعض التواريخ أنه كان على باب الجامع ديرا ولا أدرى محله الآن. ثم صار غالب الدرب المذكور لعماد الدين ابن الترجمان، وبه دار الحاج سالم الحلاوي وكان من أهل الخير والصلاح لم يدخل بيته دنس أبدا. انتهى
وكان لبني الترجمان ثروة وانقرضوا. ولهم مساكن بدرب الديلم اتجاه أمكنتهم التي هي شرقي المدرسة. انتهى. والله أعلم.
стр. 503
«درب الحبيشي» :
وهو الآخذ من عقبة الياسمين إلى جهة المدبغة.
وبه مسجد قديم وجدده الشيخ شرف الدين حمزة الحبيشي وكان من أهل العلم.
شافعي المذهب أ.
وكان بهذا الدرب حمام يسمى حمام السرور لبني العجمي فباعها بعض بني العجمي في أيامنا وعمرت جنينة ومساكن.
«درب الشيخ إسماعيل» :
«١» وكان من الصالحين من زقاق الشيخ نبهان.
وبهذا الدرب مسجد الشيخ إسماعيل المذكور ب.
وكان بهذا الدرب كنيسة لليهود فيما يزعمون فاتخذت دورا بمربع شريف. وكان هذا الدرب يسكنه اليهود قديما فلذلك لا نورانية علمية «٢» . (١٠٠ و) ف
«سويقة علي» :
هكذا ذكر القدماء من المؤرخين»
هذه المحلة، ولا أعرف لعلى ترجمة وتقدم الكلام على حماميها «٤» .
стр. 504
«درب «١» الفرافرة» أ:
نسبة إلى بني فرفور «٢» . وكانوا «٣» رؤساء. وكان بهذا الدرب مسكن نقباء الجيش الأمير شهاب الدين أحمد وشعبان أولاد كيكلدي وكانا من أهل الخير والصلاح يميلون إلى العدل، ويحبون أهل الخير. وكانا محبين لوالدي وغيره من أهل الخير، وكان شعبان المذكور يجلس عند حانوت الذي يبيع الشمع. والذي يبيع الفاكهة. شخصين يخبران بمن يشتري الفاكهة والشمع فيرسل إليه بكرة النهار ويقول له: بلغ النائب عنك أنك تفعل وتفعل وأراد إخراج اقطاعك. فارجع عما أنت فيه وإلا أخرج اقطاعك وإنما يفعل ذلك شفقة عليه لأنه إذا فعل المحرم احتاج إلى بيع الاقطاع. انتهى.
وبهذا الدرب قسطل ب من أيام الظاهر غازي وكان عليه قبو فاندثر ولما قدم الأشرف برسباى الى حلب نزل بهذا الدرب العلامة بدر الدين العيني.
...... «٤»
كان به ... «٥»
стр. 505
«درب الدقصلارية أ» :
كانوا تجارا قبل فتنة تمر ب وكانوا تسعة أخوه. ونزل عندهم السخومي «شارح المصابيح» ج. وارتحلوا من حلب قبل تمر؛ وسبب رحلتهم أن واحدا منهم لبس تفصيلة جاءته من العجم فحبسها شخص من السوق وسأله عن ثمنها. فقال عند ذلك: هذا بلد لا يسكن وارتحل إلى القدس هو وأخوته.
وهذه الدار عظيمة واسعة الأرجاء. وبهذا الدرب مسجد قديم وبه منارة. وبه «١» المدرسة الكاملية. (١٠٠ ظ) ف.
«درب بني الريان» :
هو الآخذ من هذا الدرب إلى جهة القرناصية. وتقدم الكلام على بني الريان، وهناك مساكن بني الاستاذ. والخانكاه العادلية. وخانكاه أخرى. (٩١ ظ) م
«درب بني كسرى» :
هو الذي فيه المدرسة الصلاحية، وكان به دور بني العديم د. وبهذا الدرب مسجد لهم. وهناك مساكن عز الدين هـ.
стр. 506
[كسرى بن عبد الكريم السلمي] :
وكسرى هو ابن عبد الكريم بن كسرى بن كسور السلمي. قاضي حلب. مات سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. وولي قضاء حلب في سنة خمس وأربعين وأربعمائة. انتهى.
وحيث انتهينا إلى تحت القلعة فنرجع إلى ما وعدنا في أول القطيعة التي برأس قصبة باب الجنان:
«درب الصبانة «١» » :
به مطابخ للصابون عديدة تزيد على عشرين. وذلك لكثرة أشجار الزيتون بمعاملة حلب، وقد كان الأخص كثير أشجار الزيتون لأنك كنت إذا خرجت منه إلى قرية بابلى ثم أخذت في الرابية المطلة على بابلى تدخل في أشجار الزيتون والتين ولذلك قل قرية من قرى الأحص إلا وبها معصرة للزيتون؛ وسيأتي الكلام في المعاملات مفصلا إن شاء الله تعالى.
وبحلب سوق يباع فيه الصابون يحمل منه كل يوم أحمال عديدة إلى ناحية الروم والعجم وغيرهما. وفي معاملة حلب في قراها عدة مطابخ للصابون أيضا أوالجميع يجلب إلى هذا السوق ويباع. انتهى.
وبهذه الحارة مسجد يقال له مسجد بدران، وله وقف على الصدقات برحاحاسين وغيرها، وهو مدفون بهذا المسجد. وكان يخدم هذا المسجد شخص يقال له: البعير من
стр. 507
فقهاء الحنفية، وكان شيخا مسنا، وكان يذكر أنه يجد في هذا المكان دراهم من وقف هذا المسجد بعض رحا الحربلي.
وبرأس التل مسجد. وعند أسفله مسجد؛ قاله ابن شداد.
وهذه الناحية الآن كثيرة المساجد أ.
«سويقة الحجارين» :
كان يسكن هناك الحجارون ويجتمعوا.
بأول الدرب مسجد، وبئر ب. وبأوسطه: مسجد. وبآخره مسجد وبئر ج.
وكان قديما يسمى بدرب القرابين.
«درب المدابغ» :
تقدم الكلام على الجامع الذي به.
«ناحية باحسيتا» :
فنبدأ منها بباب الفرج:
стр. 508
على يسار الداخل منه إلى حلب مسجد، وبه مزار والناس يعتقدون فيه ويقولون أنه مسجد سيتا المنسوب إليه المحلة. وأنه باح بسره؛ فسميت تلك المحلة (١٠١ و) ف باح سيتا.
وهذا الباب يدخل منه إلى قصبة تنتهي إلى قطيعة باب النصر وسيأتي الكلام عليه.
وبهذه القصبة عدة مساجد منها مسجدان لابن حرب، أحدهما يعرف بمسجد القادوس الآن وعلى بابه منارة.
ومنها: مسجد الشيخ سوار وتقدم ذكره في المزارات، وعلى بابه منارة. أيضا.
وسكن به الشيخ قاسم الرملي نزيل حلب. وسيأتي ذكره في الحوادث ووسع في هذا المسجد.
«درب اليهود» :
بأوله مسجد لطيف محكم البناء بناه شخص من مباشري أحلب. وبقربه دار الشيخ شمس الدين بن الشماع. وستأتي ترجمته في الحوادث. وبهذا المسجد شبابيك على الطريق.
وبوسط هذا الدرب مسجد معلق، له منارة مطلة على الكنيسة التي هي اليوم بأيديهم يذكرهم أنها لهم. وسيأتي الكلام عليها. (٩٢ و) م
«درب الحرانيين» :
هو الدرب الآخذ من درب اليهود إلى ناحية سويقة علي.
وبأوله مسجد. وبقربه مسجد آخر يعرف بالشيخ محمد الحراني. وقد قرأت فيه الحديث على عبد الواحد الحراني.
стр. 509
وفي أوسط هذا الدرب حوض ماء وبرأسه في القطيعة حوض آخر. انتهى.
وفي الدرب الآخذ إلى قصبة باب النصر مسجد قديم له منارة.
«باب النصر» :
في دركاته مزار أ، ومنفعة «١» ، ومسجد. وتنتهي قصبة هذا الباب إلى قطيعة جامع المهمندار، وبتشعب في هذه القصبة درب آخذ إللى المعقلية ب.
وكانت المعقلية ج أولا يعقل بها خيل اللمجاهدين وأبلهم، وكانت رحبة متسعة.
وبها بوايك، ونصب في بعض الحروب القلعة بها منجنيق ورمى به على القلعة فرموا من القلعة حجرا من منجنيقها فكسرت رجل الرامي بالمنجنيق الذي في المعقلية، وقتل معه جماعة. وقد جعلت الآن دورا ومزروعا. انتهى.
стр. 510
وقد ولد بهذه المحلة شيخ الإسلام جمال الدين يوسف المزي؛ خاتمة السماط أ.
«العونية ب» :
محلتها كانت خندق البلدة قديما الآخذ إلى باب الأربعين. وآثار السور باقية هناك.
стр. 511
وأهل حلب يقصدون هذه العين للحما بكرة السبت ويغتسلون منها.
وبالقرب منها حوض ماء ومطهرة.
وفوقهما مسجد أنشأه الحاج عبد الله الزموطي.
«درب الجبيل» :
تقدم بعض الكلام على الجبيل أ. وسيأتي «١» بقية الكلام عليه. (١٠١ ظ) ف.
وجدد بهذا الدرب بالقرب من مدرسة الجبيل ب.
قصبة بانقوسا:
جدد في أيامنا سوق وخان. وكان أولا للكتاوي وبه اصطبله. وداره فآل إلى الانهدام.
فاتخذه الفقراء مساكن لهم فجاء شخص من التجار الغرباء يقال له: ابن الاكنجي ج فتوصل إليه وعمره سوقا وخانا، وكان قبل ذلك كافل حلب الحاج اينال همّ أن يجعله سوقا
«١» - كذا قرأناها.
стр. 512
للصابون ويجعل هناك مصبنة فلم يتفق له ذلك، فجاء هذا الرجل المذكور وعمره طمعا فيما أراده الحاج اينال من نقل سوق الصابون إلى هناك فلم يتم له ذلك، وتقدم الكلام على جامع الصروي، وعلى درب البياضة.
وبهذه القصبة عدة مساجد.
وجدد بها [ا] بن النفيس العجمي حماما [ا] تجاه الجامع.
«حارة الأعجام» :
هي الآخذه من درب الميدان الأسود إلى درب باب النيرب . وسيأتي الكلام على الميدان في الأسوار. وكانت هذه المحلة مسكنا للأعاجم الذين بحلب.
«درب باب النيرب» :
الآخذ إلى تحت القلعة؛ تقدم الكلام على ما فيه من المساجد والتكايا.
«محلة القصيلة» :
كانت مزرعة داخل السور فعمرت دورا وسكنها الناس الغرب وبها عدة مساجد
«درب باب المقام» :
تقدم الكلام على ما فيه من الجوامع وغيرها يتشعب منه إلى:
«ساحة بزا» :
وبها حمام حمدان، ومنها أخذ هولاكو حلب. وسيأتي الكلام في السور على هذه المحلة. (٩٢ ظ) م
«درب المرمي» :
هو الدرب الآخذ من حمام الذهب إلى ناحية القلعة وقد بلطه الظاهر غازي ويعرف الآن بدرب المبلط «١» .
стр. 513
وسميت حمام الذهب لأنها وقف على الفقراء. وكانوا يأخذون منهم صدقتهم ذهبا.
وقد جعل بعضها الآن ملكا. والذي فعل ذلك قرض الله ذريته [١] . وهذا الوقف منسوب إلى ايدغري ومعه «١» حصص في قرى منها: حصة كفر كرمين إلى جانب الأتارب. وآل الوقف إلى الست خديجة، وكانت من الصالحات الخيرات. فتزوج بها شخص يدعى حسن بن عم أوغلي وماتت في صحبة فاستولى على الوقف، وولد له ولد يدعى أحمد فحرّف، وغيّر، وكتب للوقف مكاتيب رأيتها مزورة فمات شابا فقيرا. وكذلك أبوه مات فقيرا ببركة الواقف. وقد كان المتقدمون إذا أرادوا خراب بيت أحد أخذوا من تراب الموقوف وطرحوه في بيته. وأشار الدميرى في المنظومة ب.
«باب قنسرين» :
تقدم الكلام على ما في قصبته من المساجد وغيرها، وكان قديما (١٠٢ و) ف يعرف بالدرب الآخذ إلى حمام المالحة. [أما] مطابخ الصابون فحولت إلى ناحية ذكرفا.
стр. 514
[أسواق حلب]
خاتمة «١» : الأسواق التي كانت بحلب:
سوق الظاهري:
الآن الذي يباع فيه القماش المخيط هو: «سوق الشراشبين» . وقبل بنائه كان معصرة ومدارا.
«وسوق الصاغة» :
الآن الكائن شرقي الجامع كان: «سوق النطاعين» ، وكان سوق الصاغة القديم بالقرب من حمام الست. وكان يقال له: «تل فيروز» لأنه كان تلا؛ كذا رأيته في بعض كتب الأوقاف.
وفي كتاب وقف السلطان نور الدين أنه وقف سوق الصاغة على المدرسة العصرونية الشافعية بحلب. انتهى.
وهو السوق الذي يباع فيه البز الآن. وسوق البز قديما كان غربي الجامع.
و «سوق الحبال «٢» » :
الآن الذي بغربي الجامع كان «سوق البز الخليع» أخرى: قال الصاحب في سنة خمس وسبعين وخمسمائة قبض الصالح قرية للإسماعيلية تعرف «بحجيرا» من نقرة بني أسد. فكتب سنان كتبا عديدة إلى الصالح في إطلاقها فلم يطلقها. فأرسل جماعة من الرجال معهم النفط والنار فعمدوا إلى الدكاكين التي في رأس الزجاجين من الشرق في القرية، فألقوا فيها النار أفنهض ثابت رئيس البلد بمن معه في
стр. 515
المربعة والجماعة المرتبون بحراسة الأسواق وأخذوا السقايين لإطفاء الحريق فأتى الإسماعيلية من أسطحة الأسواق وألقوا النار والنفط في الأسواق فاحترق سوق البز الكبير، وسوق العطارين وبالكتانيين. وسوق مجد الدين، المعد للبز، وسوق الخليع. وسوق الشراشبين. وهو الآن يعرف بالكتانيين. وسوق السراجين. والسوق الذي غربي الجامع إلى أن انتهى الحريق إلى الحلاوية. واحترق للتجار والسوقة ما لا يحصى وافتقر كثير منهم بسبب ذلك ولم يظفروا من الإسماعيلية بأحد فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
стр. 516
الفصل الثاني عشر «١» في- قلعتها.- ودار العدل.- وسورها.- ونهرها.- وقناتها.- وكنائسها.- وبعض الديارات التي بها.- أو بمعامليها.- وجبلها.- وبعض جبالها. (٩٣ و) م
стр. 517
[قلعة حلب]
اعلم أن القلعة التي بحلب قيل أول من بناها ميخائيل وقيل سرقوس «١» (١٠٢ ظ) ف الذي بنى حلب. وهي على جبل مشرف على المدينة. وعليها سور. وبه أبراج وكان قديما عليها. بابان من حديد أحدهما دون الآخر؛ كذا قاله ابن الطيب «٢» الذي نكبه المعتضد.
والآن عليها خمسة أبواب ثلاثة من حديد خالص واثنان مجددان وهذان البابان والبرج الذي عليهما جددهما دمرداش كافل حلب بعد فتنة تمر وأخرب أماكن بحلب ونقل أحجارها لعمارة هذا البرج فمن ذلك خان القواسين نقل أعمدته وجعل بين هذا البرج وبين البلد خلوا يوضع عليه سقالة من الخشب يمر عليها الصاعد للقلعة وعليه مشط من الحديد يرفع وينزل في عجلات وهو باب سادس خارج الأبواب بحيث إذ هجم أحد على باب القلعة أرخي هذا المشط وبقى من هجم داخل هذا المشط.
انتهى.
وقد تقدم أن الخليل ﷺ كان قد وضع أثقاله بتل القلعة وكان يقيم بها ويبث الرعاة إلى تل الفرات والجبل الأسود ويجلس بعض الرعاة بما معهم عنده ويامر بحلب ما معه واتخاذ الأطعمة، ويفرقها على الضعفاء والمساكين وبها مقامات له ﷺ «٣» .
стр. 518
وقال الهروي: بقلعة حلب مقام إبراهيم وبه صندوق وبه قطعة من رأس يحيى ظهرت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. وقال الصاحب: وفيه رأس يحيى موضوع في جرن من الرخام في خزانة. ووقع الحريق ليلة من الليالي في المقام المذكور فاحترق جميعه في سنة أربع وستمائة، ولم يحترق الجرن المذكور.
وفي تاريخ العظيمي «١» في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ظهر [ب] بعلبك رأس يحيى في حجر منقور فنقل إلى حمص. ثم إلى حلب. ودفن في هذا المقام المذكور في جرن من الرخام الأبيض. ووضع في خزانة إلى جانب المحراب وأغلقت ووضع عليها ستر يصونها.
وتقدم الكلام مستوفا في المزارات.
أما المقام الأعلى فهو الذي تقام فيه الجمعة، وكان به رأس يحيى ﵊ أ.
وأما المقام الثاني فكان موضعه كنيسة للنصارى إلى أيام بني مرداس وكان فيه المذبح الذي قرب عليه إبراهيم ﵊. فغيرت بعد ذلك وجعلت مسجدا للمسلمين. وجدد عمارته نور الدين الشهيد ووقف عليه وقفا ورتب فيه مدرسا يدرس الفقه علي مذهب أبي حنيفة.
وقال ابن بطلان في القلعة مسجد وكنيستان وفي إحداهما المذبح.
وهذا المقام تقدم الكلام عليه في الزيارات ولما ملك كسرى حلب وبنى سور البلد بنى في القلعة مواضع. ولما جاء أبو عبيدة ب إلى حلب وأخذها ثم جاء إلى القلعة
стр. 519
فلما عاينها دامش أبو الهول قال: هي قلعة منيعة شامخة حصينة يعجز عن مثلها الرائد ويمتنع على الطالب والقاصد، لا ينفع أهلها محاصرة الرجال ولا يضيق (١٠٣ و) ف صدرهم من قتال. ثم احتال عليها أبو الهول وأخذها من يومنا- والقصة مطولة مذكورة في كتاب الواقدي «١» - وقد أخذها من البرج الكبير المطل على باب الأربعين هذا وصفه لها.
وقد وجدها مرممة الأسوار بسبب زلزلة كانت أصابتها قبل الفتوح فأخربت أسوار البلد وقلعتها. ولم يكن ترميما محكما فنقض بعض ذلك وبناه كسرى كما تقدم. فكيف لو رآها وهي مشيدة الأركان. محكمة الأسوار مشحونة بالرجال والأسلحة. وكذلك لبني أمية وبني العباس فيها آثار «٢» .
ولما استولى نقفور ملك الروم على حلب في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة والهاشميون قد اعتصموا بها فحمتهم، ولم يكن لها حينئذ سور عامر لأنها كانت قد تهدمت فكانوا يتقون سهام العدو بالأكف والبرادع. وزحف نقفور عليها فألقى على ابن أخته حجرا فمات فلما رأى نقفور ذلك طلب الصلح فصالحه من كان فيها.
ومن حينئذ اهتم الملوك بعمارتها وتحصينها.
فبنى سيف الدولة منها مواضع لما بنى سور حلب وكانت الملوك لا تسكنها بل كانوا يسكنون قصورهم الذين بالبلد.
قال الذهبي: لما قتل ابن أخت الملك كان قد أسر من أعيان حلب ألفا ومائتين فضرب أعناقهم جميعهم.
стр. 520
ولما وليّ سعد الدولة بنى فيها. وسكنها وذلك لما تم ما بناه والده سيف الدولة من الأسوار.
وكذلك بنى فيها بنو مرداس دورا وجدّدوا سورها.
وكذلك من بعدهم من الملوك إلى أن وليها عماد الدين اقسنقر وولده عماد الدين زنكي فحصناها. ولهم بها آثار حسنة.
وبنى فيها طغدكين برجا من قبليها. ومخزنا للذخائر عليه اسمه.
وبنى فيها السلطان نور الدين أبنية كثيرة وعمل ميدانا، وخضره بالحشيش يسمى الميدان الأخضر./ قد اختصر الآن وتبدل بالجريد بعد الخيزران/ «١» .
وكذلك بنى فيها ولده الصالح باشورة «٢» كانت قديمة فجددها وكتب عليها اسمه.
وفي وسطها برج كبير فوق طريق الماء الذي يدخل إلى الساتورة وعلى البرج اسم الصالح إسماعيل.
وكانت هذه الباشورة من موضع الباب الذي يلي البلد «٣» . وتدور وسط التل إلى المنشار المتصل بباب الأربعين. وكان في الباشورة مساكن للأجناد أوقد خرب الظاهر
стр. 521
غازي هذه الباشورة. ووسع الخندق في عمقه. وبنى حائطه من جهة البلد؛ وتقدم في الفردوس «١» ما وجد في الخندق من الذهب لما حفر في سنة عشر وستمائة في رابع عشر رمضان. قال ابن شداد فوجد فيها تسعة عشر لبنة من ذهب وزنها سبعة وعشرون رطلا بالحلبي- الرطل: سبعمائة وعشرون ورفع بابها إلى مكانه (١٠٣ ظ) ف الآن وعمل لها هذا الجسر الممتد وحصنها. وبنى فيها مصنعا كبيرا للماء الحلو ومخازن للغلات وسفح تلها. وفي تاريخ الصاحب: سفح بعضها. وعزم على التتميم فاخترمته المنية، وبناه بالحجر الهرقلي. وكان الباب أولا قريبا من أرض البلد متصلا بالباشورة فوقع في سنة ستمائة وقتل تحته خلق كثير كما تقدم في الجامع وبنى على الباب برجين لم ير مثلهما قط، وعمل للقلعة خمس دركاوات بأزاج معقودة، وجعل لها ثلاثة أبواب حديد زاد واحد وجعل لكل باب اسفهلارا «٢» ونقيبا، وبنى فيها أماكن يجلس بها
стр. 522
الجند وأركان الدولة، وكان معلقا بها آلات الحرب. وفتح في سور القلعة بابا يسمى باب الجبل، شرقي بابها وعمل له دركات لا تفتح إلا له إذا نزل دار العدل. وهذا الباب وما قبله انتهت عمارتهما في سنة إحدى عشرة وستمائة وقد سد هذا الباب. وعمل عليه برجان عظيمان. وأخبرني من أثق به أن الباب الذي أغلق هو الذي عليه البرج المطل على سوق الخيل أ.
واعلم أن هذه القلعة لم تزل في عمارة وزيادة إلى أن ملكها صلاح الدين يوسف وأعطاها لأخيه العادل فبنى بها برجا ودارا لولده فلك الدين وتعرف به.
وفي وسطها بئر قديمة ينزل إليها بمائة وخمسة وعشرين مرقاة قد هندمت تحت الأرض وخرقت خروقا وصيرت آزاجا ينفذ بعضها إلى بعض إلى ذلك الماء المالح.
قلت: وهذه الدار بيد بعض أمراء القلعة الآن. وهذه البئر موجودة بها. وذكر بعض القدماء أنه كان على هذا البئر دولاب حيلة يستعمل عند احتياج أهل القلعة إلى الماء وليس عندهم من الدولاب ما يستعملوه في الساتورة المعهودة. وبنى فيها الظاهر ساتورة محكمة بديع إلى العين يميز بها سائر منازلها. وبنى ممشا من شمالي القلعة إلى باب الأربعين وهو طريق بآزاج معقودة لا تسلك إلا في الضرورة وكأنه باب سر. وزاد في حفر الخندق وأجرى فيه الماء الكثير. وأخرق في شفير الخندق مما يلي البلدي مغاير أعدها لسكنى الأسارى يكون في [كل] مغارة خمسين بيتا وأكثر.
وبنى فيها دارا تعرف بدار العز. وكان في موضعها دار للعادل نور الدين تسمى دار الذهب. ودار تعرف بدار العواميد، ودار الملك رضوان؛ وفيها يقول (٩٤ و) م
стр. 523
الرشيد عبد الرحمن بن النابلسي «١» في سنة تسع وثمانين وخمسمائة وأنشده أياها ممتدحا له:
دار حكت دارين في طيب ولا ... عطر بساحتها ولا عطار
رفعت سماء عمادها فكأنها ... قطب على فلك السعود تدار (١٠٤ و) ف
وزهت رياض نفوسها ببنفسج ... غض وورد يافع وبهار
وضحت محاسنها ففي غسق الدجى ... يلقى لصبح جبينها أسفار
ومنها:
فتقرعين الشمس أن يضحى لها ... بفنائها مستوطن وقرار
تربت يد وفت بها خيلا لها ... في غير معترك الورى احضار
وفوارسا شبت لظى حرب وما ... دعيت نزال ولم تشن مغار
صور ترى ليث العرين تجاهه ... منها ولا يخشى سطاه صوار
ومنها:
وموسدين على أسرة ملكهم ... سكرا ولا خمر ولا خمار
هذا يعانق عوده طربا وذا ... دأبا يقبل ثغره المزمار
وهي طويلة جدا فإنه خرج من هذا إلى ذكر البركة والفوارة والرخام ثم إلى مدح الملك الظاهر فاقتصرت منها على ما يعلم منه حسن هذه الدار.
انتهى.
وبنى حولها بيوتا وحجرا وحمامات وبستانا كبيرا في صدر ايوانها فيه أنواع الأزهار
стр. 524
وأصناف الأشجار، وبنى على بابها أزجا يسلك فيه إلى الدركاوات التي قدمنا ذكرها.
وبنى على بابها أماكن لكتاب الدرج «١» وكتاب الجيش.
قلت «٢» : وهذه القاعة هي القاعة العظمى الموجودة الآن وهي محكمة البنيان. واسعة الأرجاء. كثيرة المخادع. وبها إيوان كبير. وبصدره وجانبيه مخادع، وقد كان قد أشرفت هذه القاعة في أيامنا على الانهدام فأمر السلطان الظاهر خشقدم لمتوليها بإصلاح هذه القاعة فأصلحت وبيضت وزخرفت.
وهذه القاعة مفروشة من الرخام الملون المحكم التركيب وبها فوارة يأتي إليها الماء من الساتورة الحلوة إلى مقلب في إيوانها الصغير محكم من الرخام الملون جدده...... «٣» ثم يغوص الماء في أسفل هذا المقلب ويخرج من الفوارة التي في وسط هذه القاعة. ولهذه القاعة دهليز طويل جدا وبوابة عظيمة.
وإلى جانب هذه القاعة قاعة لطيفة مفروشة من الرخام الملون المحكم التركيب. ولها بابان أحدهما يدخل من جانب القاعة العظمى. والآخر يدخل دهليزها. وسيأتي من عمرها..
وبهذه القاعة العظمى من جهة الشرق قاعة ثالثة لطيفة. ولها أيضا بابان يخرج منه إلى عند حمام القلعة الآن وباب في جانب القاعة العظمى.
стр. 525
ولو استوفينا وصف هذه القلعة لأطلنا. وفي الجملة ما رؤي مثلها....... «١»
ولما تزوج في سنة تسع وستمائة بضيفة خاتون ابنة عمه الملك العادل التي (١٠٤) ف حكمت في حلب بعد وفاته. وأسكنها بها وقعت نار عقب العرس فاحترقت وجميع ما كان فيها من الفرش والمصاغ والآلات والأواني. واحترق معها الزردخاناة. وكان الحريق في حادي عشر جمادى الأولى من سنة تسع. ثم جدد عمارتها وسماها «دار الشخوص» لكثرة ما كان منها في زخرفتها وسعتها أربعون ذراعا في مثلها.
وفي أيام العزيز ولده وقعت من القلعة عشرة أبراج مع أبدانها وذلك في سنة اثنين وثلاثين وستمائة. ووافق ذلك زمن البرد، وكان تقدير ما وقع خمسمائة ذراع وهو المكان المجاور لدار العدل، ووقع نصف الجسر الذي بناه الملك الظاهر فاهتم الأتابك شهاب الدين طفربك بعمارتها فجمع الصناع واستشارهم فأشاروا أن يبني من أسفل الخندق على الجبل ويصعد بالبناء فإنها متى لم تبن على ما وصفناه وقع ما بنى (٩٤ ظ) م عاجلا وطرأ فيه ما طرأ الآن. وإن قصدها عدو لم يمنعه. فرأى «٢» الأتابك أن ذلك يحتاج إلى مال كثير ومدة طويلة فعدل عن الرأي. وقطع أشجار الزيتون والتوت وترك الأساس على التراب وبنى.
ولهذا لما نزلتها التتر لم يتمكنوا من أخذها إلا من هذا المكان لتمكن النقابين منه.
وفي سنة ثمان وعشرين بنى فيها العزيز دارا إلى جانب الزر دخاناه. يستغرق وصفها الأطناب، ويقصر عنه الإسهاب. مساحتها ثلاثون ذراعا في مثلها. ولما
стр. 526
تسلم التتر القلعة في تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وستمائة عمدوا إلى خراب سورها، وأحرقوا ما كان بها من الذخائر والزردخاناه والمجانيق. ولما هزم الملك المظفر التتر على عين جالوت وهرب من كان منهم في حلب ثم عادوا إليها مرة ثانية بعد قتل المظفر فرأوا في القلعة برجا قد بنى للحمام بأمر الملك المظفر قطز فأنكروا وأخربوا القلعة خرابا شنيعا وما فيها من الدور والخزائن. ولم يبقوا فيها مكانا للسكنى وذلك في المحرم سنة تسع وخمسين انتهى.
وقال «١» بعض المؤرخين: وفي دولة العزيز جدد طغربك دارا فيها للسكنى فظهر في الأساس صورة أسد من حجر أسود فأزالوه عن موضعه فسقط بعد ذلك الجانب القبلي من أسوار القلعة وانهدم من جسرها قطعة كبيرة. ولما حفر العزيز أساس الدار المذكورة وذلك في سنة اثنين وثلاثين وستمائة ظهر لهم مطمورة مطبقة وفيها رجل في رجليه لبنة حديد. فلا أشك أنه:
[القاضي أحمد بن أبي أسامة] :
أحمد بن محمد بن عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد. بن بهلول بن أبي أسامة أحد كبراء حلب. وهو الذي قبض عليه أسد الدولة صالح بن مرداس ودفنه حيا بالقلعة وهذا الرجل ولي قضاء حلب وتمكن في أيام سديد الدولة ثعبان بن محمد وموصوف والي القلعة فكانا يرجعان إلى رأيه. فلما حضر نواب صالح كان (١٠٥ و) ف ابن أبي أسامة في القلعة فتسلمها نواب صالح. وقتلوا موصوفا وابن أبي أسامة دفنوه حيا (!) وذلك سنة خمس عشرة وأربعمائة.
стр. 527
وقال بعض الناس في ذلك:
وأد القضاء أشد من ... وأد البنات عمى وغيا
أدفنت قاضي المسلمين ... بقلعة حلب الشهباء حيا
واعلم «١» أنه قد تقدم أن هذه القلعة حصينة، مباركة ببركة الخليل ﵊. وبركة الخضر ﵇ ومقامه «٢» بها. وما رامها أحد بسوء إلا أهلكه الله بعد ذلك. ولم تؤخذ فيما استحضر بقتال ولا خربت في جدال. وها أنا أذكر لك ما يبين هذا:
أما الصحابة- ﵃ فأخذوها أبالحيلة، وصعود الرجال على أكتاف الرجال ليلا، وكانت أسوارها غير حصينة كما تقدم.
وأما فتح القلعي فقد عصى فيها على مولاه مرتضى الدولة بن لولو ثم سلمها إلى نواب الحاكم
وقد عصى فيها عزيز الدولة فاتك على الحاكم فسلمها أيضا. وقتل بالمركز وكان قصره الذي تنسب إليه خانكاه القصر المتقدم ذكرها متصلا بالقلعة، والحمام المعروف بحمام القصر إلى جانبه تحصينا لها فصار الخندق موضعه، ولما جاء الملك الظاهر هدم الحمام وجعلها مطبخا له. (٩٥ و) م
ولما قتل عزيز الدولة صار الظاهر وولده المستنصر ج يوليان واليا بالقلعة وواليا
стр. 528
بالمدينة؛ خوفا أن يتفق ما اتفق من عزيز الدولة.
وأما أبو المكارم مسلم بن قريش فقد غارت الساتورة فسلموها له إذ ذاك عطشا.
وسنذكر طرفا من أخبار حصاره لها «١» :
لما حاصرها غلت الأسعار بحلب فعول على الرحيل عنها «٢» . وقرب «٣» أبو الحسن بن «٤» منقذ من سور القلعة أحد أمرائه فطلع إليه صديق له من أهل الأدب.
فقال له ابن منقذ كيف أنتم. فقال: طول حب. خوفا من تفسير الكلمة. فعاد بن منقذ وهو يقلب هذا الكلام فصح له أنه قصد بكلامه أنه قد ضعفوا. فأوجس أنها كلمتان وأن قوله طول: يريد مدا. وحب بير. فقال: مدابير والله. فاعلم مسلما بهذه النكتة فقويت نفسه حتى ملكها.
وتقدم الكلام مستوفيا في ملوكها.
وأما هولاكو فإنه أخذها بالأمان ثم خربها.
وبقيت نحو ثلاث وثلاثين سنة كذلك حتى شرع في عمارتها قرا سنقر المنصوري بأمر الملك المنصور. وفي سنة تسعين وستمائة كملت عمارتها.
وقال ابن حبيب: وكتب عليها اسم السلطان الأشرف خليل بن المنصور (١٠٥ ظ) ف بماء الذهب فإنه تولى السلطنة في هذه السنة.
وأما غازان فامتنعت عنه كما سيأتي.
وامتنعت عن منطاش أيضا.
стр. 529
وأما تيمور فأخذها بالأمان، ثم خربها جماعته كما تقدم في فصل النواب. وأخذ منها من حواصلها ما أبهره كما اعترف به تيمور أنه لم يجد في حصن قط ما وجد فيها. ودامت على ذلك خرابا حتى انتدب لعمارتها جكم وهو الذي ادعى السلطنة بحلب. وقتل على يدي عثمان بن طرغلي في سنة تسع وثمانمائة كما تقدم، وأخرب عدة أماكن بحلب من الترب والمدارس لعمارتها. وعمل بنفسه.
واستعمل قضاة البلد وعمر البرج المطل على سوق الخيل، وكذلك البرج المطل على باب الأربعين.
وبنى قصرا على البرجين المطلين على باب القلعة. وهذا «١» القصر عظيم واسع جدا.
مفروش بالرخام وله مناظر من جهاته المطلة على البلد. وله بوابة عظيمة. واتجاهها ايوان واسع برسم مصالح خدمة السلطان إذا حضر إلى حلب ونزل بهذا القصر، وقيل أنه لم ير مثل هذا القصر في حصون المسلمين.
والمكحلة التي على جدران البرجين. والدكارة من فعل الأمير ناصر الدين بن سلار نائب برقوق بالقلعة.
وقد حاصرها جماعة منهم:
- ابن قصروه فامتنعت.
- وكذلك تغري ورمش كافل حلب في سنة اثنين وأربعين- حصار ايلبغا- ورمى عليها بمكحلة عظيمة. فأثر برميها في البرج المطل على سوق الخيل ونقب عليها، ونزل في النقب بنفسه، فرأى ما يهوله. فرجع. ودام في حصارها بمشاة من الأكراد وزحف عليها
стр. 530
ليلة العاشر من رمضان من جميع جوانبها ونزلوا إلى الخندق ظنا منهم أن يلقوا الجسر الذي لها ففتح أهل القلعة باشارة نقيبها الأمير شهاب الدين طاقات من أعلى الجسر، ورموا عليهم بقدور من الكلس فخرجوا. وكانت المكحلة إذا ألقيت بالنار يقول شخص مجدوب كان تحت القلعة: «بطال. بطال» ؛ وتقدم «١» شيء من أخبار تغري ورمش في زاويته.
وبالجملة لم يأخذها أحد إلا بالأمان كما في فصل الملوك.
وقد نقل إلى هذه القلعة المؤيد أخشابا من دمشق من الجوز. وسقف القصر ببعضه أ. وأحدث الكوات التي في ظلمة الدركاة. وبعضها باق الآن.
وقد عمر فيها باك في أيام الأشرف برجا مثمنا شرقي بابها. وعمل له شباكا من النحاس الأصفر فرد في بابه.
ثم خرب من سورها مكان من جهة الغرب فعمر في أيام الظاهر جقمق (٩٥ ظ) م وأصلح في التسفيح ما كان بالقرب من جسرها وفي أيامه.
وقد كان على خندقها حائط قدر قامة يمنع الناس من الوقوع فيه، سبب بنائه أن مغربيا حضر إلى حلب. وأخذ شخصا سقاء من أهل باحسيتا وأنزله إلى الخناقية وغور الماء فوجدا مطلبا فأخذ المغربي تبرا وقال للسقاء خذ فامتنع. وقال: هذا صار لي.
فذهب المغربي بعد أن أعطى للسقاء شيئا من الذهب كأقراص الخبز (١٠٦ و) ف فنصب السقاء الدلاء على هذا المكان لينزع الماء فاستفاق الناس عليه وأحضروه إلى