← Тараджим

Тараджим · id 11786

كنوز الذهب فى تاريخ حلب

سبط ابن العجمي

Полный текст (1 101 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

تسلم التتر القلعة في تاسع شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وستمائة عمدوا إلى خراب سورها، وأحرقوا ما كان بها من الذخائر والزردخاناه والمجانيق. ولما هزم الملك المظفر التتر على عين جالوت وهرب من كان منهم في حلب ثم عادوا إليها مرة ثانية بعد قتل المظفر فرأوا في القلعة برجا قد بنى للحمام بأمر الملك المظفر قطز فأنكروا وأخربوا القلعة خرابا شنيعا وما فيها من الدور والخزائن. ولم يبقوا فيها مكانا للسكنى وذلك في المحرم سنة تسع وخمسين انتهى. وقال «١» بعض المؤرخين: وفي دولة العزيز جدد طغربك دارا فيها للسكنى فظهر في الأساس صورة أسد من حجر أسود فأزالوه عن موضعه فسقط بعد ذلك الجانب القبلي من أسوار القلعة وانهدم من جسرها قطعة كبيرة. ولما حفر العزيز أساس الدار المذكورة وذلك في سنة اثنين وثلاثين وستمائة ظهر لهم مطمورة مطبقة وفيها رجل في رجليه لبنة حديد. فلا أشك أنه: [القاضي أحمد بن أبي أسامة] : أحمد بن محمد بن عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد. بن بهلول بن أبي أسامة أحد كبراء حلب. وهو الذي قبض عليه أسد الدولة صالح بن مرداس ودفنه حيا بالقلعة وهذا الرجل ولي قضاء حلب وتمكن في أيام سديد الدولة ثعبان بن محمد وموصوف والي القلعة فكانا يرجعان إلى رأيه. فلما حضر نواب صالح كان (١٠٥ و) ف ابن أبي أسامة في القلعة فتسلمها نواب صالح. وقتلوا موصوفا وابن أبي أسامة دفنوه حيا (!) وذلك سنة خمس عشرة وأربعمائة.

стр. 527

وقال بعض الناس في ذلك: وأد القضاء أشد من ... وأد البنات عمى وغيا أدفنت قاضي المسلمين ... بقلعة حلب الشهباء حيا واعلم «١» أنه قد تقدم أن هذه القلعة حصينة، مباركة ببركة الخليل ﵊. وبركة الخضر ﵇ ومقامه «٢» بها. وما رامها أحد بسوء إلا أهلكه الله بعد ذلك. ولم تؤخذ فيما استحضر بقتال ولا خربت في جدال. وها أنا أذكر لك ما يبين هذا: أما الصحابة- ﵃ فأخذوها أبالحيلة، وصعود الرجال على أكتاف الرجال ليلا، وكانت أسوارها غير حصينة كما تقدم. وأما فتح القلعي فقد عصى فيها على مولاه مرتضى الدولة بن لولو ثم سلمها إلى نواب الحاكم وقد عصى فيها عزيز الدولة فاتك على الحاكم فسلمها أيضا. وقتل بالمركز وكان قصره الذي تنسب إليه خانكاه القصر المتقدم ذكرها متصلا بالقلعة، والحمام المعروف بحمام القصر إلى جانبه تحصينا لها فصار الخندق موضعه، ولما جاء الملك الظاهر هدم الحمام وجعلها مطبخا له. (٩٥ و) م ولما قتل عزيز الدولة صار الظاهر وولده المستنصر ج يوليان واليا بالقلعة وواليا

стр. 528

بالمدينة؛ خوفا أن يتفق ما اتفق من عزيز الدولة. وأما أبو المكارم مسلم بن قريش فقد غارت الساتورة فسلموها له إذ ذاك عطشا. وسنذكر طرفا من أخبار حصاره لها «١» : لما حاصرها غلت الأسعار بحلب فعول على الرحيل عنها «٢» . وقرب «٣» أبو الحسن بن «٤» منقذ من سور القلعة أحد أمرائه فطلع إليه صديق له من أهل الأدب. فقال له ابن منقذ كيف أنتم. فقال: طول حب. خوفا من تفسير الكلمة. فعاد بن منقذ وهو يقلب هذا الكلام فصح له أنه قصد بكلامه أنه قد ضعفوا. فأوجس أنها كلمتان وأن قوله طول: يريد مدا. وحب بير. فقال: مدابير والله. فاعلم مسلما بهذه النكتة فقويت نفسه حتى ملكها. وتقدم الكلام مستوفيا في ملوكها. وأما هولاكو فإنه أخذها بالأمان ثم خربها. وبقيت نحو ثلاث وثلاثين سنة كذلك حتى شرع في عمارتها قرا سنقر المنصوري بأمر الملك المنصور. وفي سنة تسعين وستمائة كملت عمارتها. وقال ابن حبيب: وكتب عليها اسم السلطان الأشرف خليل بن المنصور (١٠٥ ظ) ف بماء الذهب فإنه تولى السلطنة في هذه السنة. وأما غازان فامتنعت عنه كما سيأتي. وامتنعت عن منطاش أيضا.

стр. 529

وأما تيمور فأخذها بالأمان، ثم خربها جماعته كما تقدم في فصل النواب. وأخذ منها من حواصلها ما أبهره كما اعترف به تيمور أنه لم يجد في حصن قط ما وجد فيها. ودامت على ذلك خرابا حتى انتدب لعمارتها جكم وهو الذي ادعى السلطنة بحلب. وقتل على يدي عثمان بن طرغلي في سنة تسع وثمانمائة كما تقدم، وأخرب عدة أماكن بحلب من الترب والمدارس لعمارتها. وعمل بنفسه. واستعمل قضاة البلد وعمر البرج المطل على سوق الخيل، وكذلك البرج المطل على باب الأربعين. وبنى قصرا على البرجين المطلين على باب القلعة. وهذا «١» القصر عظيم واسع جدا. مفروش بالرخام وله مناظر من جهاته المطلة على البلد. وله بوابة عظيمة. واتجاهها ايوان واسع برسم مصالح خدمة السلطان إذا حضر إلى حلب ونزل بهذا القصر، وقيل أنه لم ير مثل هذا القصر في حصون المسلمين. والمكحلة التي على جدران البرجين. والدكارة من فعل الأمير ناصر الدين بن سلار نائب برقوق بالقلعة. وقد حاصرها جماعة منهم: - ابن قصروه فامتنعت. - وكذلك تغري ورمش كافل حلب في سنة اثنين وأربعين- حصار ايلبغا- ورمى عليها بمكحلة عظيمة. فأثر برميها في البرج المطل على سوق الخيل ونقب عليها، ونزل في النقب بنفسه، فرأى ما يهوله. فرجع. ودام في حصارها بمشاة من الأكراد وزحف عليها

стр. 530

ليلة العاشر من رمضان من جميع جوانبها ونزلوا إلى الخندق ظنا منهم أن يلقوا الجسر الذي لها ففتح أهل القلعة باشارة نقيبها الأمير شهاب الدين طاقات من أعلى الجسر، ورموا عليهم بقدور من الكلس فخرجوا. وكانت المكحلة إذا ألقيت بالنار يقول شخص مجدوب كان تحت القلعة: «بطال. بطال» ؛ وتقدم «١» شيء من أخبار تغري ورمش في زاويته. وبالجملة لم يأخذها أحد إلا بالأمان كما في فصل الملوك. وقد نقل إلى هذه القلعة المؤيد أخشابا من دمشق من الجوز. وسقف القصر ببعضه أ. وأحدث الكوات التي في ظلمة الدركاة. وبعضها باق الآن. وقد عمر فيها باك في أيام الأشرف برجا مثمنا شرقي بابها. وعمل له شباكا من النحاس الأصفر فرد في بابه. ثم خرب من سورها مكان من جهة الغرب فعمر في أيام الظاهر جقمق (٩٥ ظ) م وأصلح في التسفيح ما كان بالقرب من جسرها وفي أيامه. وقد كان على خندقها حائط قدر قامة يمنع الناس من الوقوع فيه، سبب بنائه أن مغربيا حضر إلى حلب. وأخذ شخصا سقاء من أهل باحسيتا وأنزله إلى الخناقية وغور الماء فوجدا مطلبا فأخذ المغربي تبرا وقال للسقاء خذ فامتنع. وقال: هذا صار لي. فذهب المغربي بعد أن أعطى للسقاء شيئا من الذهب كأقراص الخبز (١٠٦ و) ف فنصب السقاء الدلاء على هذا المكان لينزع الماء فاستفاق الناس عليه وأحضروه إلى

стр. 531

حاكم حلب. فذكر له ما اتفق مع المغربي. فأخذ الحاكم منه الذهب وعمر به الحائط المذكور. / فصل «١» /: ذكر ما يضرب فيها «٢» من النوبات: أما النوبة التي تضرب عند ثلث الليل الأخير فهذا شيء أحدثته ضيفة خاتون أم العزيز لأجل قيام الليل. فإنها كانت تقوم ذلك الوقت للصلاة. وما كان أحد يستطيع ايقاظها. وأما التي تضرب بعد العشا فللإعلام بانقضاء صلاة العشاء. ودق الطبل مرة بعد ذلك إلى ثلث الليل ثم يضرب مرتين، ثم ثلاثة فأصل ذلك أنه كان بالقلعة جرس كالتنور العظيم معلق على برج من أبراجها التي من غريبها كانت الحراس تحركه ثلاث دفعات في الليل: دفعة في أوله لانقطاع الرجل عن السعي. وأخرى في وسطه للبديل. وأخرى في آخره للاعلام بالفجر. وعلق هذا الجرس في سنة ست وتسعين وأربعمائة. والسبب في تعليقه ما حكاه منتخب الدين يحيى بن أبي طي النجار الحلبي في تاريخه: أن الفرنج لما ملكوا أنطاكية في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة طمعوا في بلاد حلب فخرجوا إليها وعاثوا في بلادها وملكوا معرة النعمان. وقتلوا من فيها. فخافهم الملك رضوان بن تاج الدولة تتش لعجزه عن دفعهم فاضطر إلى مصالحتهم فاقترحوا عليه أشياء من جملتها أن يحمل إليهم في كل سنة قطيعة من مال وخيل وأن يعلق بقلعة حلب هذا الجرس ويضع صليبا على

стр. 532

منارة المسجد الجامع فأجابهم إلى ذلك فأنكر عليه القاضي أبو الحسن بن الخشاب وكان بيده زمام البلد وضع الصليب على منارة الجامع، وقبّح ذلك. فراجع الفرنج في أمر الصليب إلى أن أذنوا له في وضعه على الكنيسة العظمى التي بنتها هيلانة. فلم يزل بها إلى أن حاصرت الفرنج حلب سنة ثمان عشرة وخمسمائة ونبشوا ما حولها من القبور فأخذ القاضي ابن الخشاب الكنائس كما تقدم ورمى الصليب. وأما الجرس فإنه لم يزل معلقا إلى أن ورد حلب الشيخ الصالح أبو عبد الله بن حسان المعري فسمع حركة الجرس وهو مجتاز تحت القلعة فالتفت إلى من كان معه وقال، ما هذا الذي قد سمعت من المنكر في بلدكم (!) هذا شعار الفرنج. فقيل له: هذه عادة البلد من قديم الزمان. فازداد إنكاره وجعل اصبعيه في أذنيه. وقعد في الأرض، وقال: الله أكبر الله أكبر. وإذا بوجبة عظيمة قد وقعت في البلد فانجلت عن وقوع الجرس. إلى الخندق. وكسره وذلك في سنة سبع وثمانين (١٠٦ ظ) ف وخمسمائة. فجدد بعد ذلك، وعلق مرة ثانية فانقطع لوقته، وانكسر، وبطل من ذلك اليوم. [محمد بن حسان الزاهد المغربي] قال كمال الدين في ترجمة هذا الرجل: محمد بن حسان بن محمد أبو عبد (٩٦ و) م الله وأبو بكر بن المغربي، الزاهد. رجل فاضل، مقرئ، محدث. ولي من أولياء الله تعالى قدم حلب، ونزل بدار الضيافة، بالقرب من تحت القلعة، وكان من الموسرين المتمولين ببلاد المغرب، فترك ذلك؟؟؟ بيعه، وخرج على قدم التجريد، وحج إلى بيت الله الحرام، ثم قدم حلب، ورحل منها إلى جبل لبنان، وساح فيه، وقيل إنه مات فيه، ولم يذكر وقت وفاته. انتهى.

стр. 533

ثم اتخذ هذا الضرب في القلاع عادة وأما الضرب الذي يضرب وقت اصفرار الشمس فسببه أن الخليل ﵊ كان يتخذ للفقراء طعاما يجمعهم ذاك الوقت لأكله «١» . وبقية ما يضرب فيها من الأوقات فهو من اصطلاح الملوك. خاتمة «٢» : أما مساجدها فقد تقدم الكلام عليها. وأما بيعها فسيأتي. وقد هرب من هذه القلعة الأمير هبة تدلى في الحبال. وكتب الأديب الكاتب عمر بن إسماعيل الفارقي إلى الناصر بن العزيز يعتذر عن ذلك. عذري عن القلعة الشهباء أوضحه ... لربها زاد ربي في سعادته رأت تكرر اطلاق الهبات بها ... فأطلقت هبة منها كعادته وقد هرب «٣» من حبسها سالم بن بدران ومعه طاعة. وتدلى بجبال...... «٤» وقد ألقى نفسه منها نهارا في وقعة تغرى ورمش (فتيان) وسبب ذلك أن خطط نائب السلطنة أحسّ بأن طاعة من أهل القلعة واطئوا تغرى ورمش على تسليمها إليه وأخذوا منه ذهبا، منهم من تسلم الذهب بالبلد، ومنهم من أخرج إليه الذهب في

стр. 534

علب اللبن وممن كان منهم الدبسي أ، وعثمان القلاب بالساتورة وغيرهما. فلما أحس بذلك طلبهم من أبراج القلعة متفرقين وقتلهم، أحس فتيان المذكور بذلك فألقى نفسه من أعلى القلعة، وخرج من النقب الذي نقبه تغري ورمش. وجاء إلى تغري ورمش وأعلمه بما اتفق. فخلع عليه. وأشهره في البلد وأما عثمان فإنهم ألقوه في المنجنيق. انتهى. وسورها مساحته ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون ذراعا. وعدد أبراجها تسعة وأربعون برجا. وأبدانها ثمان وأربعون بدنة؛ هذا ما كانت عليه قديما «١» وللسري الرفاء قصيدة يمدح سيف الدولة بها: وشاهقة يحمي الحمام سهولها ... وتمنع أسباب المنايا وعورها «٢» إذا سترت غر السحاب وقد سرت ... جوانبها خلت السحاب ستورها مقيم تمر الطير دون مقامه ... فليس ترى عيناه إلا ظهورها «٣» وقال الخالديين من قصيدة يمدحا سيف الدولة ويهنئانه بفتح حلب ويصفا القلعة: وقلعة عانق العيوق مسافلها ... وجاز منطقة الجوزاء عاليها لا تعرف القطر إذ كان الغمام لها ... أرضا توطأ قطريه مواشيها «٤»

стр. 535

إذا الغمامة راحت خاض مساكنها ... حياضها قبل أن تهمي عزاليها على ذرى شامخ وعرق امتلأت ... كبرا به وهو مملوء بها تيها له عقاب عقاب الجو حائمة ... من دونها فهي تخفى في خوافيها ردت مكايد أملاك مكايدها ... وقصرت بدواهيهم دواهيها أوطأت همتك العلياء هامتها ... لما جعلت العوالي من مراقيها وقال الفقيه الوزير أبو الحسن على بن ظافر المعروف بابن أبي المنصور يصف قلعة حلب من قصيدة مدح بها الظاهر غازي: وفسيحة الأرجاء سامية الذرى ... قلبت حسيرا عن علاها الناظرا كادت لفرط سموها وعلوها ... تستوقف الفلك المحيط الدائر وردت قواطنها المجرة منهلا ... ورعت سوابقها النجوم أزاهر شماء تسخر بالزمان وطالما ... بشواهق البنيان كان الساخرا ويظل صرف الدهر منها خائفا ... وجلا فما شيء لديها حاضرا «١» ويشوق حسن روائها مع أنها ... أفنت بصحتها الزمان الغابرا «٢» فلأجلها قلب الزمان قد انثنى ... قلقا وطرف الجو أمسى ساهرا «٣» غلابة غلب الملوك فطالما ... قهرت من اغتصب المماليك قاهرا غنيت بجود مليكها وعلت به ... حتى قد امتطت الغمام الماطرا فترى وتسمع للغمام ببرقه ... والرعد لمعا تحتها وزماجرا

стр. 536

ذكر «١» دار العدل سبب بنائها أولا أن نور الدين لما طال مقامه بدمشق وأقام بها أمراؤه وفيهم أسد الدين شيركوه أكبر أمرائه. وكان الأمراء قد اقتنوا الأملاك وتعدى كل منهم على مجاوره «٢» في قرية أو غيرها فكثرت الشكاوى إلى القاضي كمال الدين فأنصف بعضهم من بعض ولم يقد- على الإنصاف من شيركوه فأنهى الحال إلى نور الدين فأمر ببناء دار العدل. فلما سمع شيركوه ذلك أحضر نوابه وقال: اعلموا أن نور الدين ما بنى هذه الدار الا بسببي وحدي إلا فمن هو الذي يمتنع على القاضي كمال الدين والله لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب واحد منكم لأصلبنه. فامضوا إلى من كان بينكم وبينه منازعة فأعطوه، وأرضوه بأي شيء ممكن، ولو أتى ذلك على بيع ما بيدي. فقالوا إن الناس إذا علموا ذلك ألحوا في الطلب. فقال لهم: خروج أملاكي عن يدي أسهل عليّ من أن يظن نور الدين أني ظالم أو يساوى بيني وبين آحاد العالم في الحكومة. فخرجوا من عنده وفعلوا ما أمرهم به، وأرضوا خصماهم، وأشهدوا عليهم. فلما فرغت دار العدل جلس نور الدين فيها لفصل الخصومات والمحاكمات وكان يجلس في الأسبوع يومين وعنده القاضي والفقهاء وبقى ذلك مدة فلم يحضر إليه أحد يشتكي من أسد الدين. فقال: نور الدين للقاضي ما جاءنا أحد يشتكي من أسد الدين فعرفه القاضي الحال فسجد نور الدين شكرا لله تعالى. وقال (١٠٧ ظ) ف الحمد لله الذي أصحابنا ينصفون من أنفسهم قبل حضورهم عندنا. وكان إنما يعينه على ذلك صدقه. وحسن نيته. انتهى.

стр. 537

ثم سلك هذه السنة السلطان الملك «١» الظاهر غازي فبنى سورا على حلب وفتح له بابا من جهة القبلة اتجاه باب العراق. وبابا من جهة الشرق والشمال على حافة الخندق، كما سيأتي في سورها. وكان إذا ركب يخرج منهما، ومن دار العدل بحلب لجلوسه العام فيهما بين السورين: السور العتيق الذي فيه الباب الصغير وفيه الفصيل الذي بناه نور الدين. وبين السور الذي جدده. ومكتوب على بابها: أنشأ هذه الدار اقبال الظاهري العزيزي الناصري بتولي مملوكه ايدغدي صنعة المطوع. انتهى. ولم تزل «٢» الملوك تجدد في هذه الدار سيما بعد فتنة تمر. فاينال الصصلاني وسع المقعد المعروف بالشباك. ويشبك جدد البحرة. وتغرى ورمش عمّر السقف الذي قدام الشباك، ورخم الأرض تحته وجدد المكان الذي يجلس فيه المباشرون. وقرقماش بنى قبة بأربعة أواوين فوق سطحها. وقانباي البهلوان بنى قبة على الزدخانة. وفرع من ذلك في سنة خمسين وثمانمائة. وجلبان جدد المطبخ «٣» .

стр. 538

أوتقدم في الجوامع مسجد السيدة. وجامع الناصري. ومن بناه. وكل نائب ينعزل من حلب تتركها أعوانه كالخربة فيأتي من بعده يصلحها ب. (٩٧ و) م وبهذه الدار حمام لأجل حريم الملوك. وقاعة الحريم سقط منها مكان على جوارى جانم أخي الأشرف- كافل حلب- فمات منهم من مات فجدده المذكور. ومن الغرائب أن البلدي كافل حلب وقع من اصطبله بها حجر على فرس له فمات الفرس فكتب السلطان إليه يخفض عنه في ذلك فشق عليه ذلك فقيل له: لأي شيء شق عليك. فقال فرس في اصطبلي تموت فما يخفى عليّ السلطان فكيف أحطامي. وهذه الدار قديما كانت تعرف بابن مجلى وهو الأمير نور الدين علي بن عمر بن مجلى، نائب حلب عن السعيد بن الظاهر لأنه جددها بعد أن خربت. ورأيت قطعة من توقيعه انشاء تاج الدين أحمد ابن سعيد بن الأثير الحلبي: «ولما كان الأمير نور الدين ممن أثرته الدول، واستخلصته لأنفسها الملوك الأول، وأشير إليه في الحل والعقد، وثبت خلاص اخلاصه على النقد وامتاز بنفسه وسلفه، وانحاز إلى فئة من عفافه وصلفه، وأرسل الجياد إلى الجهاد مطلقة الأعنة، وأبات المناوئين من كيدهم على وخز الأسنة. تعين علينا أن نفرده بكفالة المملكة الحلبية ونيابتها، ونعول على هممه المتمكنة في أصالتها واصابتها فليصرف الأحوال (١٠٨ و) ف على أهل المصارف ويساو في الحق بين الباد والعاكف. ويتخذ العدل جنة وللرفق

стр. 539

سنة. ويأمر من عنده من الجند باكمال العدد والعدد. والتأهب إلى ما يدعون إليه من الخدمة التي لا تنتهي إلى آمد، ويحفظ من في وديعته من الرعايا، ويعمر البلاد التي هي أول الوصايا، ويعلم أنه موقوف ومسئول. ومجازي حقيقه لا مجازا بما يفعل ويقول أ. ......... «١»

стр. 540

ذكر السور كان سور حلب مبنيا بالحجارة من بناء الروم. ولما وصل كسرى أنوشروان إلى حلب وحاصرها تشعثت أسوارها وكان ملك حلب إذ ذاك توسطينيانوس ملك الروم. ولما استولى عليها أنوشروان «١» وملكها رمّ ما كان هدم من أسوارها وبناءها بالآجر الفارسي وشاهدنا منه في الأسوار التي ما بين باب الجنان وباب انطاكية. قال «٢» الصاحب: أظن أن كسرى فتحها من هذه الجهة فإنها كانت أضعف (١٠٨ ظ) ف مكان في البلد فلهذا كانت المرمة فيه دون غيره. وفي أسوارها أبرجة عديدة جددها ملوك الإسلام بعد الفتوح مثل بني أمية. وبني صالح لما كانوا ولاة عليها من قبل بني العباس وعلى الخصوص صالح بن علي وعبد الملك ولده. ولما خربت بمحاصرة نقفور ملك الروم لها في ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وخرج منها سيف الدولة هاربا واستولى عليها نقفور. وقتل جميع من كان فيها. ثم رجع إليها سيف الدولة جدد سورها سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة واسمه مكتوب على بعض الأبرجة. ولحقت منها برجا كان إلى جانب باب قنسرين من جهة الغرب «٣» . وكذلك جدد فيها سعد الدولة بن حمدان ولد سيف الدولة أبرجة واتفق سورها في سنة سبع وستين وثلاثمائة. وبنى بنو مرداس لما ملكوها فإن معز الدولة أبا علوان ثمال بن صالح بن مرداس بنى فيها أبرجة بعد سني عشرين وأربعمائة.

стр. 541

وبقيت إلى أن خربت بأيدي التتر. وكذلك غيرهم من الملوك الذين أسماؤهم مكتوبة عليها مثل: قسيم الدولة آقسنقر وولده عماد الدين زنكي الأتابك. وبنى نور الدين فصيلا على مواضع من باب الصغير إلى باب العراق. ومن قلعة الشريف إلى باب قنسرين إلى باب انطاكية، ومن باب الجنان إلى باب النصر إلى باب أربعين جعل ذلك السور ثانيا قصيرا بين يدي السور الكبير. وعمر أسوار باب العراق. وكان ابتداء العمارة في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. انتهى كلام الصاحب. وقد دخل المختار بن الحسن بن بطلان «١» حلب في سنة أربعين وأربعمائة قال: ولها سور فيه سبعة أبواب. ولما ملك الظاهر غازي حلب أمر بإنشاء سور من باب الجنان إلى برج الثعابين. وفتح الباب المستجد. وأمر بحفر الخنادق وذلك في سنة اثنين وتسعين وخمسمائة. وفي هذه السنة أمر برفع الفصيل «٢» الذي بناه نور الدين. وجدد السور والأبرجة، [و] عين لكل أمير من أمرائه برجا يتولى عمارته إلى أن انتهت وكتب كل أمير اسمه على برجه، وبنى أبرجة من باب الجنان إلى باب النصر، وبنى سورا من شرقي البلد على دار العدل، وفتح له بابا من جهة «٣» القبلة. وبابا من جهة الشرق والشمال على حافة الخندق يسمى الباب الصغير. وكان يخرج منهما إذا ركب، وبنى دار العدل؛ كما تقدم- بين السورين الجديد الذي جدده إلى جانب الميدان

стр. 542

والسور العتيق الذي فيه الباب الصغير. وفيه الفصيل الذي بناه نور الدين. وكان الشروع في بنائها في سنة خمس وثمانين وخمسمائة (٩٨ و) م. [خندق الروم] : واهتم الملك الظاهر «١» أيضا بتحرير خندق الروم. وسمي بخندق الروم (١٠٩ و) ف لأن الروم حفروه لما نازلوا حلب أيام سيف الدولة. وهو من قلعة الشريف إلى الباب الذي يخرج منه إلى المقام ويعرف بباب نفيس. ثم يستمر خندق الروم من ذلك الباب المذكور شرقا إلى باب النيرب. ثم يأخذ شمالا إلى أن يصل إلى باب القناة خارج باب الأربعين. ثم يأخذ غربا من شمالي الجبل إلى أن يتصل بخندق المدينة. وأمر الظاهر برفع التراب وإلقائه على شفير الخندق مما يلي المدينة فارتفع ذلك المكان. وعلا. وسفح إلى الخندق. وبنى عليه سور من اللبن في أيام العزيز. وبنى الأتابك شهاب الدين طغربك برجا عظيما فيما بين باب النصر وبرج الثعابين مقابل أوتونات الكلس، ومقابر اليهود من شمالي حلب. وذلك بعد العشرين وستمائة. وأمر الأتابك طغربك «٢» المذكور الحجارين بقطع الأحجار من الحوارة من خندق الروم، وقصدا في توسعته. فعمق. واتسع. وازداد البلد به حصانة. وتقدم الكلام على قلعة الشريف. ورأيت في تاريخ الإسلام: في سنة عشر وستمائة حفر خندق حلب فظهر قطع ذهب وفضة، وكان الذهب نحو عشرة أرطال صورى والفضة بضعة وستين رطلا. وكان على هيئة اللبن. انتهى.

стр. 543

وكذلك في تاريخ ابن كثير؛ لكنه قال: ظهر بلاطة وهم يحفرون فوجد تحتها من الذهب خمسة وسبعون رطلا ومن الفضة خمسة وعشرون رطل فضة بالرطل الحلبي. وكذلك في تاريخ الكتبي؛ لكنه قال: فوجد تحتها سبع عشرة قطعة من الذهب والفضة على هيئة اللبن. فاعتبرت. فكان منها ذهبا مصريا ثلاثة وستون رطلا بالحلبي. وعشرة أرطال. ونصف صوري. وأربعة وعشرون رطلا فضة. ثم وجدوا حلقة من ذهب وزنها رطلان ونصف فكمل الجميع قنطارا. انتهى. وجدد الملك الناصر يوسف بسور حلب أبرجة كل واحد منها أيضا قلعة وذلك في سنة اثنين وأربعين وستمائة. وسبب بنائه لها أن التتر لما نزلوا حلب ثم رحلوا عنها من غير حصول غرض أخذ في الاستعداد وتحصين البلد بالأبرجة من باب أربعين إلى باب قنسرين، وذلك من شمال حلب إلى قبليها عدتها نيف وعشرون برجا. ارتفاع كل برج فوق الأربعين ذراعا وسعته ما بين الأربعين إلى الخمسين وكل برج له رواقات تستر المقاتل من حجارة المجانيق والنشاب. وكان السور يشتمل على مائة وثمانية وعشرين برجا وبدنة، ومساحته خارجا عن دور القلعة ستة آلاف وستمائة وخمسة وعشرون ذراعا. وسور القلعة تقدم. هذا ما كانت عليه أسوار البلد قديما. ولما هجم هولاكو «١» أخربه كما سيأتي في التتار، ودام كذلك إلى أن جاء كمشبغا وأخرب بانقوسا وذلك في سنة اثنين وتسعين وجعلها دكا، وذلك لخروجهم على السلطان برقوق وقيامهم مع منكاش «٢» (١٠٩ ظ) و. وأمسك جماعة من أهل الهزازة وقتلهم. وقطع أصابع جماعة من الرماة منهم. وقتل ابن أبي الرضا بسبب هذه القضية فعند ذلك سأله أهل حلب أن يعمر سور حلب. وكان منذ خربه

стр. 544

هولاكو «١» لم يبق له إلا الأساسات فجمع أهل حلب من بينهم ألف ألف درهم وعمر السور عمارة هائلة. وجعل له بابين. وفرغ من عمارته في دون ثلاثة أشهر وعمل أكثر أهل حلب فيه تبرعا بأنفسهم. ودام كذلك حتى هجم تمرلنك حلب خرب أسوارها أيضا. فجاء المؤيد- ﵀ إلى حلب واستشار عقلاء الناس على إعادة السور على ما كان عليه قديما إلى باب العراق. فأشار شيخنا المؤرخ بعدم ذلك فإن فيه تخريب المساجد وغيرها. فغضب المؤيد منه ومال جماعة إلى رأي (٩٨ ظ) م السلطان. واستصوبوه. ثم في اليوم الثاني اجتمع شيخنا بالسلطان فقال له السلطان: الرأى ما أشرت به. فأمر بعمارة الأسوار، وجدد أبراجا عديدة من باب الجنان إلى باب قنسرين كل برج منها كالقلعة. ثم إن الأشرف برسباي تمم ما كان قد بقى من عمارته. وهو الآن مستقر على بنائها أ.

стр. 545

[أبواب حلب] ذكر أبواب حلب قديما: ونذكر بعد ذلك أبوابها الآن. فأولها مما يلي القبلة: «باب قنسرين» : وسمي بذلك لأنه يخرج منه إلى جهة قنسرين، ويمكن أن يكون بناء سيف الدولة، لأنه إلى جانبه برج كان عليه اسمه. ثم جدده الملك الناصر يوسف في سنة أربع وخمسين وستمائة ونقل إلى بنائه الحجارة من قرية الناعورة «١» من برج كان بها من أبرجة القصر الذي بناه سليمان بن عبد الملك فيها؛ وقد تقدم، ونقل إليه باب الرافقة. وهذا الباب كان أولا على سور عمورية فلما فتحها المعتصم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين نقله إلى سر من رأى لما شرع في بنائها سنة احدى وعشرين. ثم نقل من سر من رأى لما خربت إلى الرافقة، وبنى على هذا الباب أبرجة محصنة كالقلاع المرجلة، وعمل فيها طواحين وأفران، وجباب للزيت وصهاريج للماء وحمل إليها السلاح. ومن عجائب الاتفاقات ما حكاه القاضيان الأجلان كمال الدين بن العديم...... «٢» قالا: قصدنا في بعض الأيام زيارة الشيخ الصالح العابد الزاهد العالم (١١٠ و) ف العامل شرف الدين أبا عبد الله محمد بن موسى الحوراني بظاهر حلب فاتفق عند اجتماعنا به وصول الباب ليركب على باب قنسرين فاجرينا ذكره فقال لنا: يوم فروغ هذا الباب ينزل على المدينة من يأخذها، ويخرب هذا الباب وسائر البلد.» . فجرى الأمر على ما ذكر. ولما استولت التتر على حلب كان أول ما خرب منها.

стр. 546

ثم لما أخرجت التتر عنها وملكها الملك الظاهر أبو الفتح بيبرس نقض حديده المصفح به ومساميره وحمل إلى دمشق ومصر. انتهى. وهذا الباب دركاته عظيمة بها عدة أبواب كالقلعة. ثم يتلو هذا الباب من جهة الشرق: «باب العراق» : وسمي بذلك لأنه يخرج منه إلى ناحية العراق، وهو باب قديم. وكان مكتوب على بعض أبرجته: أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس. وكان ثمال بحلب بعد العشرين وأربعمائة. وبين يدي الباب ميدان أنشأه الملك العادل نور الدين محمود في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وله بابان «١» . كذا كان قديما وقد أزيل هذا السور وحول إلى قبلي البلد. ولم يبق لهذا الباب أثر. وأما الخندق الذي كان فيه هذا الباب فإنه صار داخل هذا السور انتهى. ويتلو هذا الباب شرقا: «باب دار العدل» : كان لا يركب منه إلا الملك الظاهر غازي، وتقدم الكلام على هذا الباب. ويلي هذا الباب شرقا: «باب الصغير» : وهو الباب الذي يخرج منه من تحت القلعة من جانب خندقها، وخانقاه القصر إلى دار العدل، وكان يسمى باب الفرج (٩٩ و) م. ومن خارجه البابان اللذان جددهما الظاهر غازي في السور الذي جدده على دار العدل. أحدهما يدعى:

стр. 547

- الباب الصغير أيضا، يفتح على شفير الخندق، ويخرج منه إلى الميدان الآتي ذكره. - والآخر: مغلق. هكذا كان قديما. فإن السور كان يأخذ من البرج الذي على جانب قلعة الشريف إلى خندق القلعة، ويأخذ من الخندق من جهة الشمال إلى العونية. وقد جدد الظاهر غازي السور الثاني الذي يأخذ من تم الخندق المذكور من القبلة، ويأخذ شرقا وشمالا إلى العونية. ثم أزيل هذا السور الوسطاني وسدت الفرجتان من القبلة والشمال. وصار البلد على ما تراه انتهى. ويلي الباب الصغير الأول: «باب الأربعين» : وكان قد سد، ثم فتح، وله بابان، واختلف في تسميته بهذا الاسم فقيل أنه خرج منة مرة أربعون ألفا فلم يعودوا هكذا قال ابن شداد «١» (١١٠ ظ) ف. وفي كلام الصاحب عاد منهم واحد فرأته امرأة في طاق من علو وقالت له: يا دبير جئت. فقال: دبير من لم يج. فسمي بذلك. وقيل إنما سمي بذلك لأنه كان بالمسجد الذي داخله أربعون من العباد يتعبدون فيه. وكان الباب مسدود. وقيل: أربعون محدثا. وقيل: كان به أربعين شريفا، وإلى جانب أعلى مسجد الأشراف مقبرة. وهذه الثلاثة- أعني باب العراق وباب الصغير وباب الأربعين- كان الظاهر غازي قد سفح بين يديها تلا من التراب الذي أخرجه من خندق الروم. سماه (التواتير) محيط بها من شرقي قلعة الشريف إلى باب القناة. وفتح فيه ثلاثة أبواب ولم يتمها فأتمها ولده العزيز، وسمى القبلي منها.

стр. 548

«باب المقام» : ويعرف قديما بباب نفيس رجل كان به اسفاسلارا «١» . ويلي هذا الباب شرقا: «باب النيرب» : وسمي باب النيرب لأنه يخرج منه إلى قرية تسمى بهذا الاسم. وكان يلي هذا الباب: «باب القناة» : وهو باب بانقوسا وسمي بهذا الاسم لأن القناة التي ساقها الملك الظاهر غازي من حيلان إلى المدينة تعبر منه «٢» . انتهى. خندق الروم: وقد كان على الخندق المذكور من الأبواب: باب يسمى بباب الرابية التي يباع فيها التين والغلة، خارج باب قنسرين وكان السور اللبن المجدد على خندق الروم من حد هذا الباب. وقد صار على هذا الخندق أبواب مجددة بابان من جامع الطنبغا صغيران لا يدخل منهما إلا المار لا الدواب. وباب بخندق بالوج: رجعنا إلى ما يلي باب القناة. ويليه «٣» : «باب النصر» : وكان يعرف قديما بباب اليهود. لأن اليهود تجاوره بدورهم ومنه يخرجون إلى مقابرهم

стр. 549

واستقبح الملك الظاهر غازي وقوع هذا الاسم عليه فسماه باب النصر. وجعل عليه أربعة أبواب لكل بابين دركات يسلك من إحداهما إلى الأخرى حنية معقودة وبنى عليه أبراجا محكمة، ويخرج منه على جسر معقود على الخندق. وبناء فنادق تباع فيها الغلات كان في مكانها تلال من التراب والرماد. وكان قبل بناء الظاهر لهذا الباب بابان يخرج منهما إلى باشورة يخرج منهما إلى ظاهر البلد. ويلي هذا الباب: «باب الفراديس» : هو من غربي البلد. ويسمى الآن باب الفرج (١١١ و) ف. وفي كلام الصاحب أنه إلى جانب برج الثعابين، وأن الظاهر مات ولم يفتحه، فتطيروا به. ولم يزل على ذلك إلى أن فتحه الناصر ابن ابنه. ورتب له أجناد. ويلي هذا الباب: «باب الجنان» : وسمي بذلك لكونه يخرج منه إلى البساتين، وله بابان. ويلي هذا الباب: «باب أنطاكية» : وهو باب حلب الأعظم، وسمي بذلك لكونه يخرج منه إلى جهة أنطاكية وهذا الباب كان قد خربه نقفور لما استولى على حلب في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. ثم لما عاد إليها سيف الدولة بناه. ولم يزل على ما أنشأه إلى أن هذه الملك الناصر يوسف، وبناه فكان ابتداء عمارته في سنة ثلاث وأربعين وستمائة. وتم في سنة خمس وأربعين وبنى عليه برجين عظيمين. وعمل له دركاة. وحنايا بعضها على بعض. وله بابان. ويلي هذا الباب: «باب السعادة» : ويخرج منه إلى ميدان الحصى. أنشأه الملك الناصر في سنة خمس وأربعين

стр. 550

وبنى عليه أبرجة، وله دركاة، وبابان، وهو الآن مسدود، وما فتح إلا وتشاءم به أهل البلد. وهو إلى جانب برج كان يعرف ببرج الغنم. ويعرف الآن (ببرج المزنر) ومن هذا الباب إلى باب قنسرين المذكور. وكان بحلب من الأبواب قديما باب يسمى: باب الفرج: وهو إلى جانب حمام القصر المشهور الذي يلي القلعة. أخربه الظاهر غازي ودرست معالمه. وباب على الجسر الذي على نهر قويق: خارج باب أنطاكية كان من بناء سيما الطويل. وسماه (باب السلامة) ودثرت معالمه، وكانت الروم خربته أيام سيف الدولة. خاتمة: من غرائب الاتفاقيات ما حكاه أبو عبد الله بن الاسكافي لغرس النعمة أبي الحسن في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة أن في خلافة المستنصر بالله صاحب مصر احترق برج من أبراج حلب فذكر ذلك للمستنصر خادم كان بحلب. فقال له: إن كنت صادقا يخطب لنا بالعراق. وعندنا في كتبنا دليل على ما قلناه. قال أبو عبد الله واتفق أن جئنا، وأقمنا الخطبة في ذي القعدة سنة خمسين. انتهى. واعلم أنه لما احرق تمر أسوار حلب جددت أبواب حلب في أوائل شهر رجب سنة أربع وإلى خامس رمضان دام العمل فيها بإشارة دقماق كافل حلب؛ كذا رأيته بخط بن القرناص. وسمعت المتقدمين يقولون أن الصفائح التي على الأبواب أخذت من (١١١ ظ) ف أبواب الناس بالبلد. ومن جملة الأبواب التي كانت مصفحة باب الخانقاه الشمسية. وباب سكنى.

стр. 551

ذكر الميادين «الميدان الأخضر الذي جدده الظاهر غازي» : هو شمالي حلب طوله سبعمائة وخمسون ذراعا. وعرضه من القبلة خمسون ذراعا ومن الشمال سبعون ذراعا. هكذا كان قديما. وخارجه دكة عظيمة لا يصعدها من الملوك للنزول عليها إلا السلطان. ولم تزل الملوك تعمر في هذا الميدان وتحسنه. ولما أراد الأشرف برسباي الحضور إلى حلب عمر فيه قصروه كافل حلب عمارة كثيرة. وعمر فيه اينال الأشقر. ومما قيل فيه: «١» فحبذا في حلب مسارح ... للحسن روح الروح في عيانها وحبذا ما يمرح الأعين في ... مروجه الفيحا في ميدانها وما اكتست أقطاره من جلل ... تتوق الصانع في ألوانها وما جرى حوليه من حد ... عين الحياة الورد من غدرانها رحب مجال الخيل ممتد ... السابق في الحلبة من فرسانها لا يبلغ الغاية من أقطاره ... إلا فتى يطلق من عنانها كأنه بعض مروج الجنة الفيحاء ... قد زحزح عن رضوانها «ميدان باب قنسرين» : طوله ألف ومائة وخمسون ذراعا. «ميدان باب العراق» : طوله خمسمائة وعشرون ذراعا، وعرضه من القبلة خمسة وثمانون ذراعا ومن الشمال مائة وخمسون ذراعا «٢» .

стр. 552

ذكر نهرها اعلم أن هذا النهر خفيف الماء، وشربه يورث البخل، وكان بعض الملوك إذا كان بحلب يقول: لا تطلبوا مني نفقة فإني بحلب. وأهل حلب لا يشربون منه إنما يشربون من قناتها. والنيل يورث عدم الغيرة. والدجلة الخلفاء لا تشرب منه لأنه يورث لينا في الحركات. وروى ابن العديم في تاريخه بسنده إلى سعيد بن إسحاق أن إلقاء الأقلام في كفالة مريم ﵍ كان بهذا النهر «١» . وهذا النهر له مخرجان وبين حلب وبينهما أربعة وعشرون ميلا. أحدهما في قرية يقال لها «٢» «الحسينية» بالقرب من عزاز. يخرج الماء من عين كبيرة فتجري في نهر، ويخرج بين جبلين حتى تقع في الوطأة التي قبلي الجبل الممتد من بلد عزاز شرقا وغربا. والمخرج الآخر يجتمع من عيون ماء من سنياب «٣» ومن قرى حولها كلها من بلد الراوندان فتجتمع مياه الأعين، وتجرى في نهر يخرج من فم فج سنياب فيقع في الوطأة المذكورة «٤» . ويجتمع النهران فيصيران نهرا واحدا في بلد عزاز ونهر قويق (١١٢ و) ف.

стр. 553

ثم يخرج إلى دابق. ويمر بمدينة حلب. وتمده عيون قبل وصوله إليها. وكذلك بعد أن يتجاوزها. وتمده العين المباركة وتدور به الأرحى. وأول هذه الأرحا قرية «مالد «١» » من شمالي حلب. ويسقى في طريقه مواضع كثيرة حتى ينتهي إلى قنسرين. ثم يمر إلى المطخ فيفيض في الأجم. وحكى جماعة أن نهر قويق يفيض في المطخ، ويخرج إلى بحيرة أفاميا. وبعض الناس يقول أن سمك البحرة يحيض فيحمر ماؤها، فاستدلوا بذلك على ما ذكروه والمسافة بين مفيضه وأفامية مقدار أربعة عشر ميلا «٢» . وقال أبو زيد البلخي «٣» في تاريخه: ويخرج نهر حلب من حدود دابق دون حلب بثمانية عشر ميلا، ويغيض في أجمة أسفل حلب. وقال ابن حوقل النصيي «٤» فيما وقفت عليه فيه: ولها- يعني حلب- واد يعرف بأبي الحسن قويق، وشرب أهلها منه. وفيه قليل طفس. وذكر الحسن بن أحمد المهلبي «٥» في كتاب: «المسالك والممالك «٦» » الذي صنعه للعزيز الفاطمي لما ذكر حلب قال: وشرب أهلها من نهر على باب المدينة يعرف بقويق،

стр. 554

وتكنيه أهل الخلاعة: «أبا الحسن» : وقال أبو الحسين بن المنادى «١» في كتابه المسمى «بالحافظ «٢» » فخرج قويق نهر حلب من قرية تدعى سنياب على سبعة أميال من دابق يمر إلى حلب ثمانية عشر ميلا ثم إلى مدينة قنسرين اثنى عشر ميلا ثم إلى مرج الأحمر اثنى عشر ميلا. ثم يفيض في الأجمة فمن مخرجه إلى مفيضه اثنان وأربعون. ورأيت في كلام ابن الجوزي كذلك. والمرج الأحمر هذا هو المعروف الآن بمرج «تل السلطان «٣» » ، وإنما عرف بتل السلطان لأن السلطان ألب أرسلان السلجوقي خيم به مرة فنسب إليه. انتهى. وفي سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة وصل نهر الساجور إلى حلب وسلط على قويق فكثر ماؤه، وطال بقاؤه واجراره. وكان بإشارة ارغون الدوادار. ورأيت بخط بدر الدين الناسخ شيخ والدي في صفر وصل إلى حلب نهر الساجور، وسلط على نهرها قويق فعمت فوائده، وطابت موارده، وزاد بعد النقصان، وتبسم الزهر من حوله، ومالت إليه الأغصان وكان يسقم في المصيف، ويبرأ في أواخر الخريف. كما وصفه الصنوبري كأنه أراد قوله «٤» (١٠٠) م: قويق على الصفراء راكب متنه ... رباه بهذا سهد وحدائقه «٥» إذا جدجد الصيف أبصرت جسمه ... ضئيلا ولكن الشتاء يوافقه «٦»

стр. 555

ورأيت في تاريخ الصفدي ما لفظه الأمير سيف الدين الدوادار الناصري إلى أن قال: سمع البخاري من الحجار بقراءة الشيخ أثير الدين وكتبه بخطه في مجلد (١١٢ ظ) ف في الليل على ضوء القناديل. وكان له معرفة بعلم الميقات «١» : واجتهد في حلب على سياق نهر الساجور. وبذل فيه أموالا يتحقق بها أنه عند الله مأجور. وما زال إلى أن أدخله حلب. وساق به إليها كل خير وجلب. إلى أن قال: وهو الذي كمل سياقة نهر الساجور إلى حلب بعد ما كان ساقه سودي، ولم يتفق وصوله ويوم دخوله خرج لتلقيه هو والأمراء وأهل البلد مشاة، وشعارهم التكبير والتهليل وحمد الله تعالى. ولم يمكن أحد من المغاني والمطربين من الخروج معهم، وكان يوما مشهودا واحكم عمله وسياقته في الجبال والسهول. واتفق في طريقه واديان وجبلان فبنى على كل واحد- الواديين- جسرا يعبر الماء عليه. وأما الجبلان فكان الأول منها سهلا نقب في مدة يسيرة، والآخر كان صخرا أصم وطول الحفر في هذا الجبل ثلاث مائة وستون ذراعا. وأعمق موضع فيه من الجباب طوله ستة عشر ذراعا وبعضه محفور على هيئة الخندق بعضه جباب مقفرة وكان من هذا القدر نحو عشرين ذراعا لا يمكن حفره إلا بعد حرقه بالنار. وانتهى عمل هذا الجبل في ثمانية أشهر. وكان بعد هذا الجبل سهل فظهر بالحفر فيه حجارة مدورة لا يمكن نبشها إلا بالمشقة. وقيل له: يا خوند بالله لا تتعرض لهذا فإنه ما تعرض له أحد إلا ومات. فقال: أنا أكون فداء المسلمين فيه، وجعل مشده «٢» شخصا من مماليكه اسمه أرغون فاتفق ما جرى. انتهى. وفي أجرائه في أيام أرغون «٣» يقول شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن ريان:

стр. 556

لما أتى نهر الساجور قلت له ... ماذا التأخر من حين إلى حين فقال أخرني ربي ليجعلني ... من بعض معروف سيف الدين أرغون وقال أبو محمد بن حبيب: قد أضحت الشهباء تثنى على ... أرغون في صبح وديجور من نهر الساجور أجرى بها ... للناس بحرا غير مسجور انتهى. وكان سودي قد أجراه كما رأيته في ذيل على تاريخ صاحب حماة وذلك سنة ثلاث عشرة وسبعمائة قبل أرغون وأنفق عليه أموالا كثيرة. انتهى. وفي بعض التواريخ في شعبان سنة ثلاث عشرة تكامل حفر النهر الذي عمله سودي طوله من نهر الساجور إلى نهر قويق أربعون ألف ذراع في عرض ذراعين وعمق ذراعين، وغرم عليه ثلاث مائة ألف درهم. واعلم أن نهر الساجور أصله من عين تاب يجتمع من عيون ببلد عين تاب ويجري إلى قرية التفاح، ويجتمع عليه عيون أخر من بلد تل باشر، ثم ينتهي إلى (١١٣ و) فالفرات، ويصب يه. وله ذكر في الفتوح ونزله أبو عبيدة حين ففتح منبج انتهى. (١٠١ ظ) م. غريبة: كان سيف الدولة بن حمدان بنى له قصرا بالحلبة. وساق قويقا. وأدخله في قصره. وكان قد رأى في منامه كأن حية قد تطوقت على داره فعظم ذلك عليه، فقال له بعض المعبرين: الحية في النوم ماء؛ فأدار نهر قويق حول قصره. ثم إن الروم فتحوا حلب. واستولوا على داره كما تقدم في سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. وخربت الدار، وعاد النهر إلى حاله «١» . انتهى. وفي سنة تسع وستين وسبعمائة طفا «٢» نهر حلب وزاد، وتكرم بماء ذهبه الأحمر

стр. 557

وجاد، وارتفع وعلا، وملأ الرعب قلوب الملأ، وقلع الغراس النابتة، ومما آثار الأشجار الثابتة. وجار على الجار برفعه وحطه. وهدم كثيرا من البيوت المبنية على شطه، وأهلك عدة من المواشي، واستطال معرضا عن لوم العاذل والواشي، ووصل إلى أماكن لم يصل إليها فيما مضى من الأزمان، ثم سكن بعد الحركة ولان، بعد الشدة والزيادة لا بد لها من نقصان. وقال ابن حبيب: لما طفا نهر قويق ولم ... يأت بسيب بل بسير غزير قالت الأشجار من حوله ... مهلا لقد زدت علينا كثير وفي سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة في شهر جمادى الأولى زاد هذا النهر زيادة كثيرة، وخربت بيوتا بالقصيلة ظاهر حلب، وعلا الماء على الأشجار، وصل الماء إلى أسفل التلة التي خارج باب الفرج وذلك عقب الثلج الكثير الذي وقع بحلب ومعاملاتها. ودام أياما بجامعها كالتلال؛ وفي ذلك يقول الأديب الأريب الفاضل عماد الدين إسماعيل ابن الزيرتاج الشافعي تغمده الله تعالى برحمته- وستأتي ترجمته في الذيل «١» -: الحمد لله الذي أجرى الماء بقدرته وأوقف عقول أوليائه على بدائع حكمه، أحمده على ما منحنا به من فائض نعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من أخلص في نيته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخيرته من بريته. صلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه، والتابعين لسنته، وبعد فلما طغى الماء وزاد بظاهر مدينة وأكثر فيها الفساد، وحمل بجيوشه يجوس خلال تلك الديار، وهلك من

стр. 558

أهلها من استمر على مقاومة التتار، وخرق جيوبها بخارق العادة ونودي على بيوتها بالخراب فلم تكن تحمل الزيادة، وفوض بالهدم تلك الأماكن وعرض (١١٣ ظ) ف بالجزم على تحريك الساكن، ورفع من أبوابها ما كان مبنيا على الفتح، وأزال شكل محاسنها بمحو كل رسم، وهبوط كل سطح، ودار حول كل دار فالتقى الماء على أمر قد قدر، وانحدر نحو بساتينها ولم يقلع عن قلع أشجارها وهو كما قيل السيل المنحدر، واقتحم تلك البيوت يقلعها بعروضه وأوجب قلبها إذ سيق «١» القضاء وتقوس قوس الهلاك بقروضه، فكم قصر حاز عليه المد إلى الغاية، وبحث عن (١٠٧ ظ) م إدراك نهايته فلم يحفظ له نهاية. كم عامر رخم فعام فيها، فأعلن الهدم سرائرها، وأظهر خافيها، وهلك من الرجال والنساء والأطفال عدة، وكابد من تلك الأموال والأحوال كل شدة، وساقهم الحين إلى موارد الهلكة واعنف في سوقهم، وأصبحوا وتلك المياه من تحتهم. وخر عليهم السقف من فوقهم واختطفتهم أيدي المنية وهي تجري بهم في موج كالجبال، وأحاطت بهم البلية، واتسع الخرق وضاق المجال، ودخلت عليهم الأمواج من كل باب، وهي نوح بعد فوح، وكم والد رام خلاص ولده فحال بينهما الموج، ولحقت أرواحهم بذي الفضل والامتنان، إذ غلق عنهم باب الفرج وفتح لهم باب الجنان: عليهم سفح جوشن بات يبكي ... لما لا قوه من نكد وضر وزاد بكاؤه والنوح حتى ... رأيت عيونه بالفيض تجري واستمال ذلك السيل قلب كل جدار فقوى إليه ميله، وبالغ في ذلك حتى ما بلغ العرم سيله، فكأن بقية الطوفان طافت بتلك الأرض وسعت لتقابل مبرم ذلك

стр. 559

البنيان بالنقض، وبلغ السّيل الزبى «١» ، وأسكن لقية المنازل برونق تلك الربا، وهلك من المتاع كل حقير وجليل، وقرى فيها بنحو الإمالة قل متاع الدنيا قليل، إلى أن منّ الله تعالى وأخمد من ذلك الطوفان ما كان بالقلوب من حر الجمر، وزال ببركة الله تعالى الغيظ وغيض الماء، وقضي الأمر «٢» . فالحكم لله العلي الكبير له التصرف في ملكه. انتهى. وفي سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة أصلح هذا النهر جلبان كافل حلب وقيل له ما قيل لأرغون فلم يلتفت إلى ذلك، وانفق عليه مالا كثيرا جمعه من أرباب الأملاك. وهذا النهر تغزل فيه الشعراء لخفته وعذوبة مائه، وطيب تربته، وقد بلغني أن أرضه مرخمة بالرخام الأسود. واللينوفر ينبت فيه. ورأيت في تاريخ بدر الدين العيني «٣» ما لفظه أن نهر قويق ماؤه موصوف بالرقة والخفة، وقيل أن أوله وخيم فإذا امتد طاب (١١٤ و) ف. وسمعت والدي يقول: ما بين النهرين أخف منه، ولقد جيء بماء النيل ووزن به فإذا هو كخفته. ومما قال الشعراء في اللينوفر: يألف المياه طمعا في دوام ... الحياة صفوة السقام. وللشعراء في مدحه: غرام فمنه كأنه ودروع الماء تشمله ... تحت الشعاع أكاليل الطواويس

стр. 560

ومن أحسن ما وصف به الشعراء هذا النهر قول أحمد بن محمد الصنوبرى «١» في القافية: قويق له عهد لدينا وميثاق ... وهذي العهود والمواثيق أطواق نفى الخوف أنا لا غريق ترى له ... فنحن على أمن وذا الأمن أرزاق ونزهه ألا سفينة تمطي مطاه ... لها وخد عليه وإعناق وأن ليس تعتاق التّماسيح شربه ... إذا اعتاق شرب النيل منهن معتاق ولا فيه سلّور ولو كان لم أكن ... أرى أنّه إلا حميم وغسّاق بلى يعلن التسبيح في جنباته ... علاجم بالتسبيح تذكر حذاق «٢» أقامت به الحيتان شوقا ولم تزل ... تقام على شطّيه للطير أسواق «٣» وسربل بالأرحاء مثنى وموحدا ... كما سربلت غصنا من البان أوراق وفاضت عيون من نواحيه ذرّف ... ولما تعاونها جفون وآماق هو الماء إن يوصف بكنه صفاته ... فللماء إغضاء لديه وإطراق ففي اللون بلور وفي اللمع لؤلؤ ... وفي الطيّب قنديد وفي النفع درياق إذا عبثت أيدي النسيم بوجهه ... وقد لاح وجه منه أبيه براق فطورا عليه منه درع خفيفة ... وطورا عليه جوشن منه رقراق ولم يعده فر متشوق ... بأرؤس تبر والزبر جد أعناق له ورق يعلو على الماء مطبق ... كأطباق مدهون يليهن أطباق وقد عابه قوم وكلّهم له ... على ما تعاطوه من العيب عشّاق وقالوا أليس الصّيف يبلى لباسه ... فقلت الفتى في الصيف يصفه طاق

стр. 561

يهاب قويق أن يملّ فإنما ... يقيم زمانا ثم يمضي فيشتاق وما الصّبح إلا آئب ثم غائب ... تواريه آفاق وتبديه آفاق ولا البدر إلا زائد ثم ناقص ... له في تمام الشّهر حبس وإطلاق ولو لم تطاول غيبة الورد لم تتق ... إليه قلوب تائقات وأحداق ولو دام في الحبّ الوصال ولم يكن ... فراق ولا هجر لما اشتاق مشتاق وفضل الغنى لا يستبين لذي الغنى ... إذا لم يبين ذلك الفضل إملاق قويق سيل الغيث يأتي وينقضي ... ويأتي انسياقا تاره ثم ينساق «١» / (١١٤ ظ) ف وقال: للصنوبري أيضا فيه وقد مدّ «٢» : اليوم يا هاشمي يوم ... لباسه الطل والضباب عيد في عيدنا قويق ... وخلقت وجهه السحاب ما لون الزعفران ما قد ... لون من مائه التراب تذهب أمواجه كخيل ... شقر لها وسطه ذهاب فبادر الشرب قبل فوت ... قد برد السماء والشراب وقال أيضا «٣» : رياض قويق لا تزال مروضة ... يجاور فيها أحمر اللون أبيضه يعارضنا كافوره كل شارق ... إذا ما الصبا مرت به متعرضه

стр. 562

لدى (العوجان) المستفادة عنده ... مغان على حث الكؤوس محرصه «١» إذا ما طفا النيلوفر الغ فوقه ... مفتحة أجفانه أو مغمضة حسبت نجوما مذهبات تتابعت ... فرادى ومثنى في سماء مفضضه وقال الشيخ أبو النصر محمد بن محمد بن إبراهيم الحلبي «٢» : ما بردى عندي ولا دجلة ... ولا مجاري النّيل في مصر «٣» أحسن مرأى من قويق إذا ... أقبل في المد والجزر يا لهفتا منه على جرعة ... تبل منّي غلّه الصّدر «٤» وقال الصنوبري «٥» : أما قويق فارتدى بمعصفر ... شرق بحمرته الغداة بياضه فكأنما فيما اكتسى من صبغه ... نفضت شقائقها عليه رياضه ولغيره «٦» : قويق إذا شم ريح الشتا ... أظهر تيها وكبرا عجيبا وناسب دجلة والنيل ... والفرات بهاء وحسنا وطيبا وإن أقبل الصيف أبصرته ... ذليلا حقيرا حزينا كئيبا إذا ما الضفادع نادينه ... قويق قويق أبى أن يجيبا فيأوين منه بقايا كسين ... من طحلب الصيف ثوبا قشيبا وتمشي الجرادة فيه فلا ... تكاد قوائمها أن تغيبا

стр. 563

وقال الصنوبري: قويق إذا شم ريح الشتاء ... تشم الخلافة من جيبه «١» وفي وغد من عتبه ... فليس ملوما على عيبه وقال أبو القاسم الحسين بن علي المغربي: (١٠٣ و) م أما قويق فلا عدته مزينة ... من خدرها برز الغمام الصيب (١١٥ و) ف نهر لا بناء الصبابة معشق ... فيه وللصاد الملوح مشرب وقال الصنوبري «٢» : قويق على الصّفراء ركّب جسمه ... رباه بهذا شهّد وحدائقه إذا جدّجدّ الصّيف غادر جسمه ... ضئيلا ولكنّ الشتاء يوافقه يريد أن أصحاب الأمزجة الصفراوية تنحل أجسامهم في الصيف ويوافقهم الشتاء ويريد أن قويقا يقل ماؤه في الصيف حتى يبقى حول المدينة كالساقية وربما انقطع بعد السنين بالكلية «٣» . انتهى. وقال أيضا: لله يوما مد في صدره ... قويق مقصور جناحيه مصندلا يلثم ماء الحياة ... منه لمخضر عتذاريه وقد وصفه الشعراء كثيرا لكنا اقتصرنا على ما ذكرناه لعلمنا أن الصنوبري لا يشق غباره في وصف حلب. ولا فيها أحد عداه. ولا يبلغ العشر من مداه. خاتمة: كان أبو الطيب المتنبي مع الشريف أبي إبراهيم على سيف قويق وهو يسايره ويحادثه ويناشده فمر على رجل معه قصبتان بينهما شبكة وهو يضعها في الماء ويرفعها فقل أن تخرج وما فيها شيء من دق السمك فوقفا ينظران إليه. فقال الشريف

стр. 564

للمتنبي: يا أبا الطيب قل في هذا شيئا. فقال سمعا وطاعة. ثم التفت الشريف إلى غلمانه يحدثهم حتى لا يشغل أبا الطيب عما يفكر فيه. ولبث ساعة يمكن أن يعمل فيها الثلاث والخمسة. ثم سأل المتنبي عما فعله فقال: والله ما خطر ما أرتضيه. فقال له الشريف: بل أنا خطر ببالي، وأنشده على لسان الصياد: وخناجر من فضة ... تستل من سيف صقيل باكرتها بمفاضة ... زغف وخطى طويل فلما سمعها المتنبي استحسنها، وأثنى على فضل الشريف وأدبه. واستنشده شيئا فأنشده- كما اتفق- يصف فرسا أدهم أغر: يا رب ليل كماني الشوق خيفته ... فجئته فوق ليل وجهه فلق موله الطرف نحو الحسن يرقبه ... كأنه ديدبان مسه فرق يطل تسمع..... في شكيمته ... إذا استمر به في سيره العنق «١» (١٠٣ ظ) م لأبي الحسن بن علي بن عنبر الحلوى» : لئن سمحت أيدي الليالي برحلة ... إلى حلب حلّ الحيا عندها الحبا شكرت لما أولت يدا غربة النّوى ... زماني بها شكر المجازى على الحبا «٣» وقابلت مغناه وقبّلت مبسما ... يحيى فيحي عنده مبسم الصبا «٤» (١١٥ ظ) ف فأهلا وسهلا بالشمال تؤمّه ... وسقيا ورعيا للجنوب وللصّبا «٥» وقال المهذب عيسى بن «٦» سعدان «٧» :

стр. 565

عهدي بها في رواق الصّبح لامعة ... تلوّى ظفائر ذاك الفاصم الرّجل وقولها وشعاع الشمس منخرط ... حييت يا جبل السماق من جبل يا حبّذا التّلعات الخضر من حلب ... وحبّذا طلل بالسّفح من طلل يا ساكنى البلد الأقصى عسى نفس ... من سفح جوشن يطفى لاعج الغلل طال المقام فوا شوقي إلى طلل ... بين الأحصّ وبين الحصحص الرّمل ماذا يريد الهوى منى وقد علقت ... إني أنا الارقم بن الأرقم الدّغل وقال الخطيب أبو عبد الله محمد بن حرب وهو بالبيرة يتشوق إلى حلب من أبيات «١» : يقر لعيني أن أرواح بجوشن ... وماء قويق تحته متسربا لقد طفت في الآفاق شرقا ومغربا ... وقلبت طرفي بينها متقلبا فلم أر كالشهباء في الأرض منزلا ... لا كقويق في المشارب مشربا جعلت استعار الوحد لي بعد بعدكم ... شعارا ومجرى مذهب الحب مذهبا «٢» لعل زمانا قد قضى بفراقنا ... يرينا قريبا شملنا متقربا «٣» وقال أبو نصر محمد بن خضر الحلبي «٤» : يا حلبا حييت من مصر ... وجاد مغناك حيا القطر أصبحت في جلّق حيران من ... وجد إلى مربعك النضر «٥» ومنها: والعين من شوق إلى العين ... والفيض غدت فائضة تجري
следующие страницы →