← Тараджим

Тараджим · id 11786

كنوز الذهب فى تاريخ حلب

سبط ابن العجمي

Полный текст (1 101 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

يهاب قويق أن يملّ فإنما ... يقيم زمانا ثم يمضي فيشتاق وما الصّبح إلا آئب ثم غائب ... تواريه آفاق وتبديه آفاق ولا البدر إلا زائد ثم ناقص ... له في تمام الشّهر حبس وإطلاق ولو لم تطاول غيبة الورد لم تتق ... إليه قلوب تائقات وأحداق ولو دام في الحبّ الوصال ولم يكن ... فراق ولا هجر لما اشتاق مشتاق وفضل الغنى لا يستبين لذي الغنى ... إذا لم يبين ذلك الفضل إملاق قويق سيل الغيث يأتي وينقضي ... ويأتي انسياقا تاره ثم ينساق «١» / (١١٤ ظ) ف وقال: للصنوبري أيضا فيه وقد مدّ «٢» : اليوم يا هاشمي يوم ... لباسه الطل والضباب عيد في عيدنا قويق ... وخلقت وجهه السحاب ما لون الزعفران ما قد ... لون من مائه التراب تذهب أمواجه كخيل ... شقر لها وسطه ذهاب فبادر الشرب قبل فوت ... قد برد السماء والشراب وقال أيضا «٣» : رياض قويق لا تزال مروضة ... يجاور فيها أحمر اللون أبيضه يعارضنا كافوره كل شارق ... إذا ما الصبا مرت به متعرضه

стр. 562

لدى (العوجان) المستفادة عنده ... مغان على حث الكؤوس محرصه «١» إذا ما طفا النيلوفر الغ فوقه ... مفتحة أجفانه أو مغمضة حسبت نجوما مذهبات تتابعت ... فرادى ومثنى في سماء مفضضه وقال الشيخ أبو النصر محمد بن محمد بن إبراهيم الحلبي «٢» : ما بردى عندي ولا دجلة ... ولا مجاري النّيل في مصر «٣» أحسن مرأى من قويق إذا ... أقبل في المد والجزر يا لهفتا منه على جرعة ... تبل منّي غلّه الصّدر «٤» وقال الصنوبري «٥» : أما قويق فارتدى بمعصفر ... شرق بحمرته الغداة بياضه فكأنما فيما اكتسى من صبغه ... نفضت شقائقها عليه رياضه ولغيره «٦» : قويق إذا شم ريح الشتا ... أظهر تيها وكبرا عجيبا وناسب دجلة والنيل ... والفرات بهاء وحسنا وطيبا وإن أقبل الصيف أبصرته ... ذليلا حقيرا حزينا كئيبا إذا ما الضفادع نادينه ... قويق قويق أبى أن يجيبا فيأوين منه بقايا كسين ... من طحلب الصيف ثوبا قشيبا وتمشي الجرادة فيه فلا ... تكاد قوائمها أن تغيبا

стр. 563

وقال الصنوبري: قويق إذا شم ريح الشتاء ... تشم الخلافة من جيبه «١» وفي وغد من عتبه ... فليس ملوما على عيبه وقال أبو القاسم الحسين بن علي المغربي: (١٠٣ و) م أما قويق فلا عدته مزينة ... من خدرها برز الغمام الصيب (١١٥ و) ف نهر لا بناء الصبابة معشق ... فيه وللصاد الملوح مشرب وقال الصنوبري «٢» : قويق على الصّفراء ركّب جسمه ... رباه بهذا شهّد وحدائقه إذا جدّجدّ الصّيف غادر جسمه ... ضئيلا ولكنّ الشتاء يوافقه يريد أن أصحاب الأمزجة الصفراوية تنحل أجسامهم في الصيف ويوافقهم الشتاء ويريد أن قويقا يقل ماؤه في الصيف حتى يبقى حول المدينة كالساقية وربما انقطع بعد السنين بالكلية «٣» . انتهى. وقال أيضا: لله يوما مد في صدره ... قويق مقصور جناحيه مصندلا يلثم ماء الحياة ... منه لمخضر عتذاريه وقد وصفه الشعراء كثيرا لكنا اقتصرنا على ما ذكرناه لعلمنا أن الصنوبري لا يشق غباره في وصف حلب. ولا فيها أحد عداه. ولا يبلغ العشر من مداه. خاتمة: كان أبو الطيب المتنبي مع الشريف أبي إبراهيم على سيف قويق وهو يسايره ويحادثه ويناشده فمر على رجل معه قصبتان بينهما شبكة وهو يضعها في الماء ويرفعها فقل أن تخرج وما فيها شيء من دق السمك فوقفا ينظران إليه. فقال الشريف

стр. 564

للمتنبي: يا أبا الطيب قل في هذا شيئا. فقال سمعا وطاعة. ثم التفت الشريف إلى غلمانه يحدثهم حتى لا يشغل أبا الطيب عما يفكر فيه. ولبث ساعة يمكن أن يعمل فيها الثلاث والخمسة. ثم سأل المتنبي عما فعله فقال: والله ما خطر ما أرتضيه. فقال له الشريف: بل أنا خطر ببالي، وأنشده على لسان الصياد: وخناجر من فضة ... تستل من سيف صقيل باكرتها بمفاضة ... زغف وخطى طويل فلما سمعها المتنبي استحسنها، وأثنى على فضل الشريف وأدبه. واستنشده شيئا فأنشده- كما اتفق- يصف فرسا أدهم أغر: يا رب ليل كماني الشوق خيفته ... فجئته فوق ليل وجهه فلق موله الطرف نحو الحسن يرقبه ... كأنه ديدبان مسه فرق يطل تسمع..... في شكيمته ... إذا استمر به في سيره العنق «١» (١٠٣ ظ) م لأبي الحسن بن علي بن عنبر الحلوى» : لئن سمحت أيدي الليالي برحلة ... إلى حلب حلّ الحيا عندها الحبا شكرت لما أولت يدا غربة النّوى ... زماني بها شكر المجازى على الحبا «٣» وقابلت مغناه وقبّلت مبسما ... يحيى فيحي عنده مبسم الصبا «٤» (١١٥ ظ) ف فأهلا وسهلا بالشمال تؤمّه ... وسقيا ورعيا للجنوب وللصّبا «٥» وقال المهذب عيسى بن «٦» سعدان «٧» :

стр. 565

عهدي بها في رواق الصّبح لامعة ... تلوّى ظفائر ذاك الفاصم الرّجل وقولها وشعاع الشمس منخرط ... حييت يا جبل السماق من جبل يا حبّذا التّلعات الخضر من حلب ... وحبّذا طلل بالسّفح من طلل يا ساكنى البلد الأقصى عسى نفس ... من سفح جوشن يطفى لاعج الغلل طال المقام فوا شوقي إلى طلل ... بين الأحصّ وبين الحصحص الرّمل ماذا يريد الهوى منى وقد علقت ... إني أنا الارقم بن الأرقم الدّغل وقال الخطيب أبو عبد الله محمد بن حرب وهو بالبيرة يتشوق إلى حلب من أبيات «١» : يقر لعيني أن أرواح بجوشن ... وماء قويق تحته متسربا لقد طفت في الآفاق شرقا ومغربا ... وقلبت طرفي بينها متقلبا فلم أر كالشهباء في الأرض منزلا ... لا كقويق في المشارب مشربا جعلت استعار الوحد لي بعد بعدكم ... شعارا ومجرى مذهب الحب مذهبا «٢» لعل زمانا قد قضى بفراقنا ... يرينا قريبا شملنا متقربا «٣» وقال أبو نصر محمد بن خضر الحلبي «٤» : يا حلبا حييت من مصر ... وجاد مغناك حيا القطر أصبحت في جلّق حيران من ... وجد إلى مربعك النضر «٥» ومنها: والعين من شوق إلى العين ... والفيض غدت فائضة تجري

стр. 566

كم فيك من يوم ومن ليلة ... مرّ لنا من عزر الدّهر ما بين بطياس وحيلان والجوسق ... والميدان والجسر «١» وروض ذاك الجوهري الذي ... أرواحه أذكى من العطر وزهره الأحمر ناضر ... الياقوت والأصفر كالتّبر «٢» والنّور في أجياد أغصانه ... منظم أبهى من الدّر منازل لا زال خلف الحيا ... على رباها دائم السدر تا لله لا زلت لها ذاكرا ... ما عشت في سريّ وفي جهر وكيف ينساها فتى صيغ من ... تربتها الطّيبة النشر «٣» وكل يوم مر في غيرها ... فغير محسوب من العمر إن حنّ لي قلب إلى غيرها ... فلا غرو وحن الطّير للوكر «٤» يا ليت شعري هل أرها وهل ... يسمح بالقرب بها دهري (١١٦ و) ف (١٠٤ ظ) م وقال موفق الدين أبو القاسم بن أبي الحديد «٥» : سلام على الحي الذي دون جوشن ... سلام يرث الدّهر وهو جديد يضوع بمسراه البلاد كأنّما ... ثراها من الكافور وهو صعيد فلي أبدا شوق إليه مبرح ... ولي كل يوم أنة ونشيد وكيف أداوي بالعراق محبة ... شآمية إن الدواء بعيد «٦» وقال نور الدين علي الغرناطي «٧» : حادي العيس كم تنيخ المطايا ... سق فروحي من بعدهم في سياق

стр. 567

حلبا إنها مقر غرامي ... ومرامي وقبلة الأشواق لا خلا جوشن وبطياس والسّعديّ ... من كلّ وابل غيداق «١» كم بها مرتعا لطرف وقلب ... فيه يسقى المنى بكأس دهاق وفجر الصّبا بشط قويق ... لا عدته حدائق الأحداق وقال «٢» : وشاهقة يحمي الحمام سهولها ... وتمنع أسباب المنايا وعورها إذا سترت غرّ السحاب وقد سرت ... جوانبها خلت السّحاب ستورها مقيم تمير الطير دون مقامه ... فليس ترى عيناها إلا ظهورها «٣» وللخالديين من قصيدة مدحا بها سيف الدولة ويهنئانه لفتح حلب في صفة القلعة «٤» : وقلعة عانق العيّوق سافلها ... وجاز منطقة الجوزاء عاليها لا تعرف القطر إذ كان الغمام لها ... أرضا توطأ قطريه مواشيها إذا الغمامة راحت خاض ساكنها ... حياضها قبل أن تهمى عزاليها «٥» على ذرى شامخ وعر قد امتلأت ... كبرا به وهو مملوء بها تيها له عقاب عقاب الجو حائمة ... من دونها فهي تخفى في خوافيها ردّت مكايد أملاك مكايدها ... وقصّرت بدواهيهم دواهيها أوطأت همّتك العلياء هامتها ... لما جعلت العوالي من مراقيها وقال الفقيه الوزير أبو الحسن علي بن ظافر المعروف بابن أبي المنصور يصف قلعة حلب من قصيدة مدح بها الملك الظاهر غازي «٦» : وفسيحة الأرجاء سامية الذرى ... قلبت حسيرا عن علاها الناظرا

стр. 568

كادت لفرط سموّها وعلوها ... تستوقف الفلك المحيط الدائرا وردت قواطنها المجرة منهلا ... ورعت سوابقها النجوم أزاهرا (١٠٤) م شماء تسخر بالزمان وطالما ... بشواهق البنيان كان الساخرا ويظل صرف الدهر منها خائفا ... وجلا فما يمسي لديها حاضرا (١١٦ ظ) ف ويشوق حسن رواتها مع أنها ... أفنت بصحتها الزمان الغابرا فلأجلها قلب الزمان قد انثنى ... قلقا وطرف الجو أمسى ساهرا غلّابة غلب الملوك فطالما ... قهرت من اغتصب الممالك قاهرا غنيت بجود مليكها وعلت به ... حتى امتطت الغمام الماطرا فترى وتسمع للغمام ببرقه ... والرعد لمعا تحتها وزماجرا وأنشدني الشيخ الإمام بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نصر بن النحاس الحلبي لنفسه يتشوق حلب «١» : سقى حلبا سحب من الدّمع لم تزل ... تسح إذا شحّ الغمام غمائما «٢» وحيّا الحيا قيعانها وآكامها ... وأخرج فيها للرّبيع كمائما بلاد بها قضيّت لهوي وصبوتي ... وصاحبت فيها العيش جذلان ناعما وله أيضا «٣» : سقى زمانا تقضى في ربا حلب ... من السّحاب ملثّ المزن هطّأ أال ولا عدا ربعها غيث يراوحه ... يحثّه من حداة الرّعداء جال منازل لم أزل ألهو بمربعها ... نعمت فيها فلا حالت بها الحال «٤» أصبو إليها ولا أصغى للأئمة ... مالذة العيش إلا القيل والقال «٥»

стр. 569

[ما كتب عن حلب نثرا] واعلم: أنا قد أوردنا في وصف حلب. وفي وصف أماكن منها شيئا من النظم ولنضيف إلى ذلك شيئا من النثر إذ هو حليفه وصديقه. بل توءمه وشقيقه.. ونقتصر من ذلك على نبذة يسيرة فنقول: [كتاب الملك الناصر إلى أخيه العادل] وقد كتب القاضي الفاضل عن الملك الناصر إلى أخيه العادل بفتح حلب: «وقد علم المجلس السامي موضع حلب من البلاد، وموقعها من المراد.. ومنه: «.. وكتبنا كتابنا هذا وقد تمكنت أعلامنا الشريفة على قلعتها المنيفة وتفرقت نوابنا في- مدينتها موفية بمواعيد عد لنا الجليلة اللطيفة» . [كتاب عماد الدين الكاتب] «.. في مثل ذلك صدرت هذه المكاتبة مبشرة بما منّ الله تعالى به من الفتح العزيز. والنصر الوجيز ... » . ومنها: « ... قد سكنت الدهماء مذ سكنت الشهباء، وبشرت بها بالأمس افتحها السوداء لما كان لنا في فتحها اليد البيضاء..» . [كتاب محي الدين بن الزكي إلى الناصر] وكتب محي الدين بن الزاكي- قاضي دمشق- إلى الناصر يهنيه بفتح حلب:» وعدكم الله مغانم كثيرة.. الآية ... » . إلى أن قال: «.. ولا زالت عزماته مؤيدة منصورة. وراياته على رؤس المعاقل مرفوعة مشهورة. وقلوب المؤمنين بحياته ونصره مسرورة، وجموع الكفرة وصور الصلبان بسيفه مغلولة مكسورة؛ من النصر المتين، والفتح المبين من فتح هذا المعقل الذي أجمعت العقول على اختياره وتفضيله، وعجزت الخواطر لولا ظهوره إلى عالم الحسن عن تصويره في عالم الخيال (١١٧ و) ف وتمثيله. فيالها عن شهباء ليس لها

стр. 570

سوى السحاب سرج، والريح لجام. وعذرا لم يفضض لها بغير اختيارها ختام..» ، إلى أن قال: «فهي نهد والأرض لها صدر وألف. والبلاد لها سطر. إلى أن قال: «فهي نهد والأرض لها صدر، وألف والبلاد لها سطر.» . وطائر المعاقل عندها غواشي ... وراكب الحصون بين يديها ماشي [وصف ابن جبير لحلب] وذكر الإمام الصالح أبو جعفر «١» في كتاب وضعه ذكر رحلته وما رأى فيها من البلاد فقال: «حلب قدرها خطير، وذكرها في كل زمان يطير، خطابها من الملوك كثير، ومحلها من النفوس أثير، كم هيجت من كفاح، وسلت عليها من بيض الصفاح، لها قلعة شهيرة الامتناع، ثابتة الارتفاع، معدومة الشبيه والنظير في القلاع، تناهت حصونه أن ترام وتستطاع، قاعدة كبيرة، ومائدة من الأرض مستديرة منحوتة الأرجاء موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، فسبحان من أحكم تدبيرها وتقديرها، وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها. عتيقة في الأزل حديثة، وإن لم تزل قد طاولت الأيام والأعوام، وسبعت الخواص والعوام. انتهى.» . وقد ذكرنا طرفا من هذا في الفصل الأول «٢» .

стр. 571

[ذكر القني المتفرعة عن القناة العظمى] [القناة العظمى] «١» هذه القناة، قيل: هي «عين إبراهيم الخليل ﵇ وهي تأتي من حيلان. قرية شمالي حلب- وقيل: إن الملك الذي بنى حلب وزن ماءها إلى وسط المدينة وبنى عليها. وهي تأتي إلى (مشهد العافية) تحت (بعاذين) وتركب بعد ذلك على بناء محكم. رفع لها لانخفاض الأرض في ذلك الموضع. ثم تمر إلى أن تصل إلى (بابلي) وهي ظاهرة في مواضع عدة. ثم تمر في جباب قد حفرت لها إلى أن تنتهي إلى (باب القناة) وتظهر في ذلك المكان، ثم تمر تحت الأرض إلى ان تدخل إلى (باب الأربعين) وتنقسم في طرق متعددة إلى البلد، وقيل: إن الملك الذي بنى حلب لما انتهت القناة أعطى للصانع الذي ساق الماء عليها مائة ألف دينار. ولأهل حلب صهاريج في دورهم فيها الماء منها إلا ما كان من الأمكنة المرتفعة «كالعقبة» و (قلعة الشريف) فإن صهاريجهم من المطر. وكان الذي حفرها أجراها إلى كنيسته التي جددتها هيلاني؛ أم قسطنطين. وصارت كما قدمنا مدرسة. وقيل: إن القناة دثرت، وإن عبد الملك بن مروان جددها في ولايته والذي أدخلها إلى حلب الشيخ الأمين بن الفصيصي، الذي تغلب على (قنسرين) . ولم يدخلها داره حتى لا يقال عنه: لحظ نفسه.

стр. 572

وقد قيل: إن هذه القناة إسلامية، والصحيح أنها رومية وكانت لا تدخل في قديم الزمان إلا إلى الجامع فقط. وفي أيام نور الدين محمود بن زنكي أخرج منها قطعة إلى (المطهرة) التي هي غربي الجامع بسوق السلاح، وعمل منها قسطل إلى (رأس الشعبيين) وأخرج نور الدين المذكور قطعة أخرى منها إلى الخشابين، وساق منها إلى (الرحبة الكبيرة) داخل باب قنسرين، ثم انقطع ذلك كله بعد وفاة نور الدين، ولم ندرك من القناة شيئا سوى (قسطل الخشابين) فقط. فلما كانت سنة خمس وستمائة سير الملك الظاهر غياث الدين غازي بن الملك ناصر صلاح الدين إلى دمشق صناعا. وخرج بنفسه وأوقفهم على أصل هذه القناة التي تخرج من (حيلان) وأمرهم باعتبار الماء الخارج منها واعتبار ما يصل منه إلى حلب فاختبروا ذلك فرأوا أن مقدار الماء الخارج من أصل القناة مائة وستون إصبعا، ووصل إلى حلب منها عشرون إصبعا لا غير. وضمنوا له أن يكفوا جميع سكك حلب وشوارعها وآدرها ومدارسها وربطها وحماماتها، ويفضل منه شيء كثير يصرف إلى البساتين والأراضي، فشرع الملك الظاهر فيها وبدأ أولا بإصلاح المجرى الذي لها من (حيلان) إلى بلد (حلب) وباشر ذلك بنفسه، وأحضر إليه جميع الأمراء فضربوا خيمهم على سيفها. ثم أمر بزرعها من (حيلان) إلى (باب حلب) فكانت خمسة وثلاثون ألف ذراع بذراع النجارين، وهو ذراع ونصف، ثم قسم ذلك قطعا على الأمراء. وأضاف إليهم صناعا وفعلة وحمل إليهم الكلس والزيت والحجارة والآجر، فأصلحت جميعها، وكانت منكشفة لا سقف لها، فقطع الطوابيق من الصخور الصلبة وطبقها جميعها، إلا مواضع جعلها برسم تنقيتها وشرب الماء منها، وأجرى جميع المجرى إلى (باب حلب) في ثمانية وخمسين يوما. [طريق (باب الأربعين- المعقلية) ] : ولما اتصلت بالبلد أمر ببناء القساطل. وأول قسطل بناه القسطل الذي على (باب الأربعين) تحت (الرباط) الذي بناه شهاب الدين طغريل الأتابك، من رأس خندق الروم،

стр. 573

وصورته حوض طوله عشرون ذراعا في رأسيه المشرقي والمغربي قبتان في وسطيهما كالصهريجين ولكل واحد منهما أنبوب مقدار الإصبع يفيض ليلا ونهارا، ووليّ عمارته فخر الدين موسى بن شمس الخلافة محمد بن مختار المصري، ثم ساق هذه القناة إلى داخل باب أربعين، ثم أخذ منها قطعة ودخل بها إلى باب المعقلية. وأمر فبني قسطل على باب المسجد المعروف ببني الأستاذ. ثم بني قسطل آخر في (وسط المعقلية) ثم بني قسطل في (آخر المعقلية) بينه وبين القسطل ثلاثمائة ذراع، ثم ساق الماء منها إلى المسجد الذي داخل (باب النصر) وعمل عنده قسطلا أيضا. ثم ساق الماء منه إلى قدام (باب النصر) وعمل حوضا كبيرا طوله قريب من عشرين شبرا فيه ثلاثة أنابيب تفيض ليلا ونهارا، ثم ساق من هذا القسطل إلى باحسيتا وعمل فيها قسطلين. وهناك انتهى طريق (المعقلية) . [طريق (باب الأربعين- السويقة ومسجد البلاط) ] «١» ثم ساق من أصل القناة من (باب أربعين) إلى الطريق الآخذ إلى (مدرسة ابن أبي عصرون) و (كنيسة اليهود) وتفترق قدام (كنيسة اليهود) قسمين: - قسم يأخذ إلى السويقة - وقسم يأخذ إلى البلاط وما يليه. وهذا الطريق الآخذ إلى (البلاط) فيه قسطل في (رأس العقبة) قدام (درب دار الملك الظاهر) ثم يخرج إلى عند (باب مسجد البلاط) ، وهناك قسطل، ثم يسير إلى رأس درب الديلم، وهناك قسطل، ثم يسير إلى رأس الدرب المعروف بالبازيار، وهناك قسطل، ثم يسير إلى عند (حمام ابن أبي عصرون) وهناك قسطل، ثم يسير إلى رأس (درب شراحيل) وهناك قسطل. والقسم الآخر يأخذ إلى (مسجد المزيبلة) وهناك قسطل، ثم إلى عند (حمام أوران) وهناك قسطل، ثم إلى وسط (السدلة) وهناك قسطل. ثم إلى (باب الجنان) إلى عند (مسجد

стр. 574

القصر) وهناك قسطل، ثم يعود إلى الطريق الآخذ إلى (سويقة اليهود) يسير الماء إلى عند (دور بني القيسراني) وهناك قسطل، ثم ساقه إلى أول (سويقة اليهود) في رأس الطريق الآخذ إلى (باب النصر) ، وعمل حوضا كبيرا يفيض منه ثلاثة أنابيب ليلا ونهارا، ثم ساق منه إلى وسط (السويقة) عند (دار الصبغ) وعمل هناك قسطلا ثم ساق منه إلى (رأس السويقة) وبنى تحت قبلة (المسجد المعلق) في وسط الطريق الآخذ إلى (البلاط) قسطلا. وهناك انتهى طريق السويقة. [طرق (النبع- المصنعة) ] : ثم ساق القناة من أصل الماء الذي تحت القلعة إلى رأس السوق وبنى برأس الطريق الآخذ إلى أسواق حلب وقصبة «١» البلد مصنعة في الأرض وجعل ماء القناة جميعها يجتمع في تلك المصنعة، ثم جعل فيها مقاسم يخرج الماء فيها على السوية فينفرق في حلب على السواء، فأخرج منها طريقا إلى الجامع وما يضاف إليه، وطريقا إلى (كتاب الأسود) وما يليه، وطريقا إلى (باب العراق) وما يليه، وطريقا إلى (القطيعة) وما يليها. فأما طريق الجامع فبنى عليه في رأس درب العدول قسطلا. قلت: هو برأس سوق البلاط. وهو الذي إلى جانب البشتكية. ثم يصير منه إلى رأس الصاغة تحت المسجد المعلق. قلت: وعلى باب حمام الدلبة الذي على مسجد أيضا وقد خرب الآن وليس هو المذكور هنا وقد اندرست معالمه. وأخذ منه إلى حمام العفيف بن زريق الذي عند حبس الدلبة ثم أخذ من (قسطل رأس الصاغة) إلى رأس (سوق النطاعين) في شرقي الجامع وبنى هناك قسطلا. قلت: وقد اندرست معالمه واندثرت آثاره والجرن موجود وهو برأس درب الخطيب هاشم المتقدم ذكره.

стр. 575

ومنه ينقسم الماء ثلاثة أقسام. - قسم منه فوارة الجامع - وقسم يشق وسط الجامع ويسير إلى (المطهرة الغربية) وما يتصل بها. - وقسم يأخذ إلى (باب قنسرين) وما يليه. فأما القسم الفوارة ففاصله ينصرف إلى (صهاريج الجامع) ومصانعه، ويمد (المطهرة الغربية) وأما القسم الذي يخرج إلى (المطهرة) فإنه إذا خرج منها سار إلى رأس الشعبيين و (سوق الطير العتيق) وهناك قسطل. قلت: وهو موجود وهو مركز وقد جدد سودون الدوادار بالقرب منه عند مسجد بني زهرة قسطل وقد عطل انتهى. ثم يصير منه إلى درب الخراف وهناك قسطل. قلت: وإلى جانب المسجد الذي برأس الدرب الذي يخرج منه إلى سوق الهوى قسطل كان قد عطل وجدده الحاج علي الصانع على باب داره وبدرب تجاه مسجد الجورة المتقدم ذكره قسطل وقد عطل. ثم يصير الماء إلى رأس (درب الصباغين) ، وهناك قسطل. قلت: وهو الآن يتوجه إلى الشمال وقد عطل الآن والآن موجود تحت الساباط قسطل تأتي إليه أحيانا. ثم منه إلى المسجد الذي قدام باب انطاكية. وهناك قسطل سبع أنابيب يفيض الماء ليلا ونهارا. قلت: وهو موجود وقد عطل. ثم جدد. وكان قد جدده قصروه وأجرى فيه الماء وكذلك القسطل الذي قبله حوّله في سنة سبع وسبعين وثمانمائة شخص يقال له درويش عن باب الشعيبية إلى مكان آخر ليكشف باب الشعيبية. وأخذ في بناء الشعيبية وعزل بالوعة إلى خارج البلد. وهي محكمة مبنية بالحجارة الهرقلية. انتهى.

стр. 576

[طريق (باب قنسرين والخشابين ودار ذوكا) ] وأما الطريق الذي يخرج إلى باب قنسرين وما يليه فيخرج إلى رأس سوق العطارين العتيق ورأس المدبغة. وهناك قسطل. قلت: وقد درست معالمه. وينقسم هناك قسمين: - قسم يأخذ إلى الخشابين. - وقسم إلى (دار ذوكا) . فأما قسم دار ذوكا فيصير إلى (المطهرة الصغيرة) المعروفة بتل فيروز برأس سوق العطر. قلت: وهذا التل رأيت في كتاب (عقود الجواهر) أن في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة شرع الظاهر في نقله وكان عاليا أشرف على جميع المدينة وكان (٥١) م* على الأسوار والدور ضرر عظيم ووجد تحت هذا التل آثار قديمة من بناء الروم وبنى سودون قيسارية في قبلى المصنعة وأسكن فيها الحلبيين. وبنى في قبلي هذه قيسارية أسكن فيها ... «١» وجعل لها بابا إلى الجوارين وبابا إلى الغرب قبالة السقاية. انتهى. ثم من هناك إلى حمام دار ذوكا ثم إلى داره وهناك قسطل ثم منه إلى دار ذوكا فيفيض في بركة في وسطها وهناك آخر هذا الطريق. وأما طريق الخشابين فيصير إلى رأس الخشابين وتحت القبة وهناك قسطل. قلت: درست معالمه وجدد علاء الدين ابن الشيباني قسطلا بالقرب من حمام الست. انتهى. وينقسم الماء هناك وأعني من القسطل الذي تحت القبة. ينتهي: - قسم إلى باب قنسرين.

стр. 577

وقسم إلى الزجاجين. فأما قسم الزجاجين فيصير إلى رأس درب أسد الدين الأخذ شمالا إلى سوق الأساكف القديم والبز، وهناك قسطل، قلت: وقد لحقت رسومه جدد علاء الدين المذكور. ثم يصير إلى عند مسجد المجن. وهناك قسطل. قلت: وهو موجود وتعطل ... «١» مائة. ثم يصير إلى رأس درب البيمارستان وهناك قسطل. قلت: درست معالمه. ثم يصير إلى رأس درب الحطابين، وهناك قسطل يفيض عنه ثلاثة أنابيب ليلا ونهارا قلت: وهو موجود متعطل فان. [طرق عن باب النيرب] فأما طريق (باب النيرب) فيصير إلى رأس (درب ابن بلديق ... «٢» وهناك قسطل. قلت: قد عطل، والجرن موجود هناك وجود بن الكلزي هناك قسطلا. وجدد قسطلا بقربه شخص من التجار يقال: محمد بن أحمد بن غنيم حصل له جنون في شبابه ومات. ثم يصير إلى عند المسجد المعروف بابن الإسكافي، وهناك قسطل. قلت: قد عطل وبقيت رسومه ... «٣» الآن. ثم يصير إلى عند مسجد المحصيب وهناك قسطل. قلت: وكان قد عطل فجدده شخص من التجار يقال له: أبو بكر بن الجلبي، ثم

стр. 578

عطل أيضا، وحفر الشيخ عبد الكريم هناك بئرا. وينقسم الماء هناك ثلاثة أقسام: - قسم يأخذ إلى (ربع بني الطريرة) قدام المسجد المعروف بصفي الدين بن طارق ريس في رأس (درب الماسح) . وهناك قسطل. وهو آخر هذا الطريق. - وقسم يأخذ إلى (باب قنسرين) . - وقسم يأخذ إلى الجرن الأصفر فيصير إلى عند (دار غرس الدين قليج) وهناك قسطل خلف تربة بني الخشاب. قلت: درست رسومه. ثم يصير إلى (الجرن الأصفر) عند المسجد، ثم إلى (الرحبة الصغيرة) وهناك قسطل. قلت: قد عطل ثم يصير إلى عند دار بني بكران عند باب أتون حمام الشريف. وهناك قسطل وهو آخر هذا الطريق. وأما القسم الذي يأخذ إلى (باب قنسرين) فيصير إلى اقدام باب قنسرين وهناك قسطل يفيض منه ثلاثة أنابيب ليلا ونهارا. قلت: وهو موجود ثم يخرج منه الماء إلى ظاهر البلد تحت (برج الغنم) مقابل (سوق الأعلى) ، وهناك حوض كبير يفيض منه ثلاثة أنابيب ليلا ونهارا «١» . [طريق (المصنعة- كتاب الأسود) ] «٢» وأما الطريق الذي من (المصنعة) إلى كتاب الأسود فيصير إلى تحت المسجد المعلق المعروف ببني الطريوسي. وهناك قسطل.

стр. 579

قلت: هذا القسطل خلف دار العدل، وهو جرن صغير أصفر وهيئته غريبة «١» ثم؟؟؟ المسجد المعلق الذي على سطح (كتاب الأسود) وهناك قسطل ثم إلى (٥٢) (الحدادين) إلى قدام (المدرسة الحنفية) ، وهناك قسطل، ثم إلى (الأسفريس) إلى عند (المسجد المعروف ببني دايح) وهناك قسطل، وينقسم إلى قسمين: - قسم يأخذ إلى (عمود العسر) وهناك قسطل، وهو آخر هذا الطريق - وقسم يأخذ إلى عند (مسجد الجبلي) وهناك قسطل، ثم يدخل من هناك إلى (درب البنات) وهناك قسطل، وهو آخر هذا الطريق. [طريق (المصنعة- باب العراق) ] وأما الطريق التي تأخذ من (المصنعة) إلى (باب العراق) فيسير إلى خلف (مدرسة القاضي بهاء الدين ابن شداد) عند (حمام النفري) و (دار الحديث) وهناك قسطل، وينقسم الماء هناك قسمين: - قسم يأخذ إلى (باب العراق) . - وقسم يأخذ إلى (باب القطيعة) و (قلعة الشريف) . فأما الذي يسير إلى (باب العراق) فينتهي إلى داخل (باب العراق) وهناك قسطل. ثم يخرج إلى ظاهر السور من شمالي (باب العراق) وهناك حوض عظيم يفيض في ثلاثة أنابيب، ليلا ونهارا، ثم يسير الماء منه إلى تحت (التواثير) قدام الباب الذي يؤخذ منه إلى (مقام إبراهيم) ﵇ والمقابر، وهناك قسطل عند (مسجد الارتاحي) ، ثم يسير منه إلى المدرسة التي جددها الملك الظاهر تربة، فيفيض في بركتها. وينقسم الماء هناك قسمين:

стр. 580

- قسم يسير إلى قدام خان السبيل (الذي بناه سيف الدين بن علم الدين) بن جندر، وهناك قسطل يفيض في بركة أمام الخان ليلا ونهارا. وأما الطريق التي تأخذ إلى رأس (القطيعة) و (قلعة الشريف) فإنه يسير إلى (رحبة السوق) التي تأخذ إلى الآن إلى (حمام حمدان) وهناك قسطل، ثم منه إلى عند مسجد الشجرة، وهناك قسطل. ثم يسير إلى (خرابة خليج) إلى عند المسجد وهناك قسطل. ثم ينقسم إلى قسمين:- قسم يأخذ إلى (حمام القاضي ابن الخشاب) في (رأس درب الحديد) وهناك قسطل. - وقسم يأخذ إلى قلعة الشريف، إلى عند (مسجد القبة) وهناك قسطل ثم يسير هذا إلى الطريق التي ظاهر باب قنسرين إلى (خندق الخاص الكبير) فيفيض إلى بركة وفي ظاهر هذا الخندق من القبلة مقابل الحمام المعروفة بسوق التبن، وهناك قسطل. ثم يسير منه إلى (باب الرابية القبلي) ثم يسير منه إلى كتف الخندق، ثم يسير منه إلى يسرى (حمام القاضي) وهناك قسطل ثم يسير منه إلى المدرسة التي أنشأها سيف الدين بن علم الدين سليمان بن جندر فيفيض في بركتها، ثم يسير الفائض إلى بركة الجامع فيفيض ليلا ونهارا ثم ويتصل بالقساطل التي ذكرناها في طريق مدرسة سيف الدين إلى (جامع أسد الدين) . وهذا آخر ما جدده الملك الظاهر وأنشأه من القساطل التي تجري فيها المياه وينتفع بها سوى ما هو سائح إلى برك المساجد والمدارس والربط والحمامات والدور والبساتين وغير ذلك. وصرف على هذه القساطل والطرقات أموال كثيرة. ووقف عليها الملك الظاهر أوقافا سنية. وتجدد في أيام الملك الناصر صلاح الدين بن الملك العزيز بن الملك الظاهر، بظاهر البلد، بسبب سوق الماء إلى (حمام سعد الدين ابن الدرمش) أربعة قساطل، أحدها ب (سوق الخيل) . سيق إليه الماء من القسطل الذي خارج (باب المقام) عند (مسجد

стр. 581

الأرتاحي) وساق من القسطل المذكور قسطلا إلى آخر السوق الأخذ من باب الرابية إلى (الحاضر) من قبلي السوق، وقسطلا بالقرب من (جامع أسد الدين) بالحاضر، وساق الماء فيه إلى قسطل على باب داره. وكان يدخل إلى حلب قناة من جهة باب قنسرين ولما عمل الشيخ منتخب الدين ابن الإسكافي المصنعة التي في المسجد الذي هو شمالي (مسجد المحصب) رأيت هذا الطريق وقد نبش فاستدللت بذلك على صحة ما قيل. ورأيت جماعة من الصناع يقولون: إن القناة إسلامية جلبها إلى حلب ابن الفصيصي، حين حبس في حلب، وكانت هذه القناة قد فسدت مرايقها لطول المدة ونقصت منابع عيونها فكراها الملك الظاهر- ﵀ وحرر طريقها إلى البلد وسد مخارج الماء منها؛ فكثر ماؤها. وجرى في القنوات والقساطل كما قدمنا. فقال أبو (المظفر محمد بن.. الواسطي المعروف بابن سنينير يمدحه بما فعل، من هذه المكرمة التي عم نفعها، وشاع برّها وصنعها: روّى ثرى حلب فعادت روضة ... أنفا وكانت قبله تشكو الظما أحيا موات رفاتها فكأنه ... عيسى بإذن الله أحيا الأعظما لا غرو أن أجرى القناة جداولا ... فلطالما بقناته أجرى الدّما «١»

стр. 582

[كنائسها] ------------- «١»

стр. 583

[بعض الديارات التي بها أو بمعامليها] ---------------- «١»

стр. 584

[جبالها] * الكلام في جبال معاملتها فمنها «جبل سمعان» : وهو سمعان الديري كان ينزل به، وتقدم الكلام عليه وعلى رفيقيه في المزارات. وهما: شمعون الصفا «١» وقس بن ساعدة. وقيل سمعان اسم الجبل نفسه، والدير مضاف إلى الجبل «٢» . وكان على الدير حصن «٣» أخربه سعد الدولة خوفا من الروم أن يضايقوا حلب به. وفي وسط هذا الجبل جبل شاهق يقال له: «بيت لاها الشرقي» . لأن جبل اللكام يقال له: «بيت لاها الغربي» ؛ ومعناه بالسريانية: «بيت الله تعالى» . يقال أن الخليل ﵇ كان يرعى غنمه من أرض حلب إلى بيت لاها. وهذا الجبل فيه قرى كل قرية كبلدة صغيرة. وبه زيتون وتين وغير ذلك «٤» . إشارة: يقال لما حول بيت «٥» لاها من الجبال: جبل ليلون؛ ذكره البلاذري في حديث الجراجمة «٦» وجميعها من جبل سمعان.

стр. 585

ولعيسى بن سعدان «١» لنفسه: يا دار علوى ما جيدي بمنعطف ... إلى سواك ولا قلبي بمنجذب ويا قرى الشام من ليلون لا بخلت ... على بلادكم هطالة السحب ما مر نومك مجتازا على بصرى ... إلا وذكرتني الدارين من حلب ليت العواصم من شرقي فامية ... أهدت إليّ نسيم البان والغرب ما كان أطيب أيامي بقربهم ... حتى رمتنا عوادي الدهر عن كثب (١١٧ ظ) ف ومنها: «جبل السماق» «٢» : وهو من وادي الركايا وسرمين بطرفه، وهو جبل مشتمل على قرى عظيمة وقد تقدم الكلام عليه في الفصل الأول. [سنان صاحب الدعوة النزارية] : وقد قدم إلى هذا الجبل سنان بن سلمان بن محمد أبو الحسن البصري صاحب الدعوة النزارية، ومتولى الحصون الإسماعيلية، كان أديبا، فاضلا، عارفا بعلم الفلسفة، وله شعر حسن، وكلام منثور وجيد، وتمكن في الحصون وانقادت «٣» إليه الطائفة الإسماعيلية ما لم ينقادوا إلى غيره. ومن شعره: وما أكثر الناس وما أقلهم ... وما أقل في القليل النجبا ليتهم إذ لم يكونوا خلقوا ... مهذبين صحبوا المهذبا

стр. 586

وله: ألجأني الدهر إلى معشر ... ما فيهم للخير مستمتع إن حدثوا لم يفهموا سامعا ... أو حدثوا مجّوا ولم يسمعوا تقدمي أخرني فيهم ... من ذمة الإحسان ما يصنع وقد اجتاز هذا الرجل بحلب فجاء إلى المسجد الذي خارج باب الجنان، ويعرف بمشهد علي، وصلى فيه العصر. ووجد رجلا مسنا هناك فقال له: من أين يكون الشيخ. فقال من صبيان حلب. فأعرض عنه ولم يكلمه. وله: لو كنت تعلم كل ما علم الورى ... طرا لكنت صديق كل العالم لكن جهلت فصرت تحسب أن من ... يهوى خلاف هواك ليس بعالم فاستحى أن الحق أصبح ظاهرا ... عما تقول وأنت شبه النائم وهذا سنان «١» المذكور انقاد له جميع من في جبل السماق وادعوا فيه الألوهية وكانوا يحلفون به. أرسل الملك الناصر رسولا يهدده. فقال للرسول: سأريك الرجال الذين ألقاه بهم وأشار إلى جماعة من أصحابه أن يلقوا بأنفسهم من أعلى فألقوا نفوسهم واحدا بعد واحد فهلكوا. وكان هذا الرجل يعلم الصبيان بالبصرة «٢» (١٠٥ ظ) م وقد مر وهو صاعد إلى الحصون على حمار أبيض حين ولاه إياها صاحب ألموت فمر باقميناس. فاراد أهلها أن يأخذوا حماره فبعد جهد ما تركوه. فلما بلغ من أمره ما بلغ وانقادوا إليه أحضرهم يوما وأوصاهم. وقال لهم عليكم بالصفا بعضكم لبعض ولا يمنعن أحدكم أخاه شيئا هو له. فنزلوا إلى جبل السماق وقالوا قد أمرنا بالصفا وأن لا يمنع أحدنا صاحبه شيئا هو له فأخذ

стр. 587

هذا زوجة هذا. وهذا بنت هذا سفاحا. سموا أنفسهم الصفاة أ. فاستدعاهم سنان إلى الحصون وقتل منهم مقتلة عظيمة وكان قد أحل لهم وطئ بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم وأسقط عنهم رمضان. وقد كتب إلى السلطان نور الدين رسالة لما كتب (١١٨ و) ف إليه نور الدين يهدده؛ كذا حكاه ابن خلكان. وقال ابن العديم الصحيح أنه كتبها إلى صلاح الدين: يا ذا الذي بقراع السيف هددنا ... لا قام مصراع جنبي حين تصرعه قام الحمام إلى البازي يهدده ... واستيقظت لأسود البر أضبعه أضحى يسد فم الأفعى باصبعه ... يكفيه ما قد تلاقي منه اصبعه وقفنا على تفصيله وجمله، وعلمنا ما هدد به من قوله، فيا لله العجب من ذبابة تطن في أذن الفيل، وبعوضة تعد في التماثيل ب. ولقد قالها قبلك آخرون فدمرنا عليهم وما كان لهم ناصرون، أو للحق تدحضون، وللباطل تنصرون. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، ولئن صدرت قولك في قطع رأسي وقلعك لقلاعي من الجبال الرواسي، فتلك أمان كاذبة، وخيالات غير صائبة فإن الجواهر لا تزول بالأعراض، كما أن الأرواح لا تضمحل بالأمراض وإن عدنا إلى الظواهر والمحسوسات، وعدلنا عن البواطن والمعقولات قلنا في رسول الله أسوة حسنة في قوله: «ما أوذي نبي ما أوذيت» . ولقد علمتم ما جرى على عترته وعشيرته وأهل بيته. والحال ما حال والأمر ما زال، ولله الحمد في الآخرة والأولى، إذ نحن مظلمون لا ظالمون ومغصوبون لا غاصبون، وإذا جاء الحق زهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا وعلمتم ظاهر حالنا، وكيفية رجالنا وما يتمنونه من الفوت،

стр. 588

ويتقربون به إلى حياض الموت. قل فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. وفي أمثال العامة السائرة أ: «أو للبط تهدد بالشط، فهيء للبلايا سبايا، وتدرع للرزايا جلبابا، فلا ظهرن عليك منك، ولأنفثنهم فيك عندك، وتكون كالباحث عن حتفه بظلفه، وما ذلك على الله بعزيز، فإذا وقفت على كتابنا هذا فكن لأمرنا بالمرصاد، ومن حالك على اقتصاد، واقرأ أول النحل وآخر صاد. انتهى.» . لطيفه «١» : ولما وثب الإسماعيلية جماعة سنان على صلاح الدين المرة الثالثة بدمشق أرسل صلاح الدين يهدده فلم يرسل إليه جوابا. بل كتب من شعره الأبيات المتقدمة على طرة الكتاب الوارد إليه. ثم قال لقاصد صلاح الدين: هذا هو الجواب. وقال له: إن صاحبكم يحكم على ظواهر جنده، وأنا أحكم على بواطن جندي وقلوبهم، ودليله على ما تشاهده الآن. ثم استدعى عشرة من صبيان القلعة (١٠٦ و) م وكان على حصنه المسمى (الكاف) فيه باب ريح إلى الخندق، واستخرج سكينا من تحت مصلاة، وألقاها في الباب ثم أشار إليهم وقال: من أراد هذه فليلق (١١٨ ظ) ف نفسه خلفها. فتبادروا جميعا فتقطعوا على الصخر. فقام القاصد إلى الناصر. وعرفه ما جرى فصالحه عند ذلك. وفي تاريخ أبي غالب قال: في المحرم سنة تسع وثمانين هلك سنان. وكانت وفاته في حصن (الكاف) . وكان رجلا عظيم المخاريق، ذا قدرة على خديعة القلوب وكتمان السر، وأصله من قرية من قرى البصرة تعرف «بعقر السدن» وخدم رؤساء الاسماعلية بألموت. ورأس نفسه بعلوم الفلسفة، وقرأ كثيرا من علوم الجدل والمغالطة،

стр. 589

ومن رسائل إخوان الصفا، وبنى في الشام حصونا لهذه الطائفة بعضها مستجدة، وبعضها كانت قديمة، وحصنها ووعّر مسالكها، وحذر الملوك خوفا من هجوم أصحابه عليهم بالقتل، ودام له الأمر بالشام نيفا وثلاثين سنة، وسير إليه داعي دعاتهم من ألموت جماعة عدة مرارا ليقتلوه، خوفا من استبداده بالرئاسة. فمنهم من يقتله ومنهم من يخدعه، ويثنيه عما سير لأجله. ولما توفي وليّ مكانه شخص يدعى أبو منصور محمد. إشارة: بهذا الجبل قرية اصطمك «١» . فيها مصنع عظيم للماء من بناء الروم مبنى بالحجر الهرقلي. على قناطر كثيرة، محكم البناء، وهو من عجائب الدنيا. وكان أحمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين أبو الفضل قدم الشام ونزل بجبل السماق واستطاب ماءه. واستلذ هواءه. ولما رحل عنه قال: يا جبل السماق سقيا لك ... ما فعل الضنى الذي حلك فارقت أطلالك لا أنه ... قلاك قلبي لا ولا ملك فأى لذاتك أبكي دما ... ماءك أم طيبك أم ظلك أم نفحات منك تبدى إذا ... دمع الندى إثر الدجى ملك «جبل بني عليم» : منسوب إلى بني عليم بن جناب بن كلب بن وبرة وقد نزلوا هذا فعرف بهم. وهذا الجبل من قرية المغارة «٢» إلى قرية معرزاف «٣» أ. ويشتمل على قرى نضرة

стр. 590

كثيرة الأشجار والثمار. وقرية المغارة خارجها مغارة كبيرة جدا. وسقفها من خزف زخرفته زائدة. «جبل أريحا» : وأريحا قرية كبيرة بل بلدة عظيمة لها جامع. ومساجد. وبها خانقاه للصوفية. وينزل إليها الماء ويتفرق في جامعها وآبارها. من عين تسمى (الكرساني) . وماؤها عذب. ولا ذكر لأريحا في الفتوح. وهذا الجبل مشرف جدا. وفي أعلاه عين ماء. ينظر منه قلعة حلب عند الغروب. (١١٩ و) ف «جبل الأعلى» : سمي بذلك لعلوه. وهو مطل على العمق، متصل بجبل سمعان من جهة الشمال. وبجبل السماق من جهة القبلة، وفيه قرى عظيمة منها: أرمناز من غريبه وكورتها، وهي بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم وبعد الألف زاي. وقال ابن خلكان: إنها قرية من عمل دمشق، وقيل من أعمال انطاكية. وذكر السمعاني أنها من أعمال حلب. وقال لي من رأى أرمناز إن بينها وبين عزاز من عمل حلب أقل من ميل من جانبها الغربي. والمعروف أن أرمناز هي القرية المعروفة بهذا الجبل الآن. وبها معمل الزجاج لكثرة الرمل والحطب بها. وبها عين ماء. ومن شرقيه الجزر وفيه من العمائر وبناء الروم آثار يروق الطرف. ومن قرى هذا الجبل كفر تخارين؛ وهي قرية حسنة، كثيرة الأشجار، ولها مسجد نزه، وقلعتها تحت الأرض، والماء داخل هذا الحصن. وهو عين جارية، وينزل إلى هذا الحصن بدرج. وفي أسفل هذا الجبل إلى ناحية بلد سرمين قرى تدعى (بالحقة) «١» وهي قرى عظيمة كثيرة الفواكه والزيتون. واعتقاد أهلها سيء.

стр. 591

وقال حمدان بن عبد الرحيم بن حمدان الأتاربي: اسكان عرشين القصور عليكم ... سلامي ما هبت صبا وقبول «١» ألا هل إلى حث المطايا إليكم ... وشم خزامى حربنوش سبيل «٢» وهل غفلات العيش في دير مرقس ... يعود وظل اللهو فيه ظليل «٣» إذا ذكرت لذاتها النفس عندكم ... تلاقي عليها زفرة وعويل بلاد بها أمسى الهوى غير أنني ... أميل مع الأقدار حيث تميل «٤»

стр. 592

الفصل الثالث عشر في- ذكر التتار.- وتراجم بعض ملوكهم.- ووقائعهم .

стр. 593

[جنكيز خان] : اعلم أن ملكهم الأول وطاغيتهم هو جنكز خان الذي خرب البلاد وأباد العباد وأنشأ «١» للتتار ذكرا، وقبله إنما كانوا ببادية الصين فملكوه عليهم وأطاعوه طاعة أصحاب نبي لنبي، بل طاعة العباد المخلصين لرب العالمين، وأمه تزعم أنها حملت به من شعاع الشمس أ؛ فلهذا لا يعرف له أب. والظاهر أنه مجهول النسب، ورأيت في مسند أبي يعلى ما يدل «٢» على هذا وهو أن (حرقوسا) لما سأل علي ﵁ أمه من أين هذا قالت: لا أدري إلا أني كنت أرعى غنما في الجاهلية (بالربذة) فغشيني شيء كهيئة الظل فحملت منه فولدت هذا. انتهى. وهو الذي وضع الكتاب الموسوم (بالياسا) «٣» والتي يتحاكمون ويحكمون بها وأكثرها تخالف شرائع الله وكتبه، وإنما هو شي اقترحه من عند نفسه وذكر بعضهم أنه كان يصعد جبلا ثم ينزل ثم يصعد، ثم ينزل حتى يعيا. ويقع مغشيا عليه. ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذ. فإذا كان هذا هكذا فالظاهر أنه الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها. وذكر الجويني أن بعض عبادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد فسمع قائلا يقول له: أنا قد كلفنا «٤» جنكيز خان وذريته الأرض. وفي كتابه: من زنى محصنا كان أو غير محصن قتل «٥» وكذلك من لاط قتل. ومن تعمد الكذب قتل. ومن سحر قتل، ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان

стр. 594

أحدهما قتل، ومن بال في الماء الواقف قتل. ومن انغمس فيه قتل، ومن وجد هاربا ولم يرده قتل، ومن رمى إلى أحد شيئا من المأكول قتل؛ بل يناوله من يده إلى يده (!) . ومن أطعم أحدا شيئا فليأكل منه ولو كان المطعم أمير الأسير، ومن أكل ولم يطعم من عنده قتل، ومن ذبح حيوانا ذبح مثله؛ بل يشق جوفه ويتناول قلبه بيده يستخرجه من جوفه أولا. وأهدى له رجل جام زجاج من معمول حلب فاستحسنه فوهن أمره بعض خواصه وقال: يا خوند هذا زجاج لا قيمة له. فقال: أليس قد حمله من بلاد بعيدة حتى وصل إلينا مسالما أعطوه مائتي (بالس) «١» . وقيل له إن في هذا المكان كنزا فإن فتحته أخذت منه مالا كثيرا فقال: الذي بأيدينا يكفينا دعوا هذا يفتح للناس ويأكلونه. وهم أحق به منا، ولم يتعرض له. وكان يحب المصارعين وأهل الشطارة وقد اجتمع عنده منهم جماعة فذكر له إنسان بخراسان فأحضره فصرع جميع من عنده فأكرمه. وأعطاه بنتا من بناته. فمكثت عنده مدة لا يتعرض لها فاتفق أنها زارت بيت القان فجعل السلطان يمازحها ويقول: كيف رأيت المستعرب. فذكرت أنه لم يقربها. فتعجب من ذلك. وأحضره فسأله عن ذلك فقال: يا خوند أنا إنما حظيت عنده بالشطارة. ومتى قربتها نقصت منزلتي عندك. ولما احتضر أوصى أولاده بالاتفاق. وضرب لهم الأمثال و [كان] بين يديه نشابا فجعل يأخذ السهم ويعطيه للواحد منهم. فيكسره. ثم أنه غير حزمة أخرى ودفع مجموعة إليهم فلم يطيقوا كسرها. فقال: هذا مثلكم إذا اجتمعتم واتفقتم. وذاك مثلكم إذا افترقتم واختلفتم. وله عدة أولاد أكبرهم (توشي) .

стр. 595

وتوفي في سنة ثلاث وعشرين وستمائة. وقال الذهبي مبدأ ملكه في سنة تسع وتسعين وخمسمائة. واستولى على بخارى وسمرقند في سنة ست عشرة. ومدن خراسان في سنة ثمان عشرة. [وعند ما] رجع من حرب السلطان [جلال الدين] (١٠٧ و) م خوارزم شاه على نهر السند وصل إلى مدينة ... «١» من بلاد الخطا فمرض بها ومات في رمضان سنة أربع وعشرين. وكانت أيامه خمسا وعشرين سنة. وكان اسمه قبل أن يملك الملك (تمرجين) . ومات على دينهم وكفرهم. وبلغنا أنه خلف من الأولاد الذين يصلحون للسلطنة ستة وفوض الأمر إلى أو كتاي أحدهم بعد ما استشار الخمسة الآخرين في ذلك. فلما هلك جنكيز خان امتنع أوكتاي عن الملك وقال: لي أخوة وأعمال من هو أكبر مني. فلم يزالوا نحوا من أربعين يوما حتى تملك وحكم على الملوك. ولقبوه (قان الأعظم) ومعناه: الخليفة. مما قيل: رتب جيوشه. وفتح الفتوحات. وطالت أيامه. وولي بعده الأمر. مونكوكا وهو القان الذي كان أخوه هولاكو أمن جملة مقدميه ونوابه على خراسان. [قبلاي] : وولي بعد مونكوكا أخوه قبلاي. وطالت خلافته. وبقي نيفا وأربعين سنة، وعاش إلى سنة ثلاث وتسعين وستمائة. ومات سنة خمس بمدينة خان تالف التي هي كرسي المملكة وهي أم الخطا.

стр. 596

وأما ... أفهو اسم جبل بتلك الديار. وهو حدبين بلاد الهند وبلاد الخطا. هذا ومنكوكا وهلاكو أخوة. وهم أولاد طولي «١» بن جنكيز خان. وقتل طولي في مصاف عظيم بين السلطان جلال الدين خوارزم شاه سنة ثمان عشرة وستمائة بخراسان من ناحية غزنة «٢» انتهى. وقال المؤيد في سنة عشرة «٣» قال: وفي هذه السنة كان ظهور التتر وقتلهم من المسلمين، وذكرت قصة طويلة فانظرها إن أردت. انتهى. وقال سبط بن الجوزي كان أول ظهورهم بما وراء النهر سنة خمس عشرة انتهى. وقرأت في كلام ابن أبي حجلة نقلا عن ابن كثير قال: في سنة ثمان وثلاثين وستمائة ورد من ملك التتار جنكيز خان كتاب إلى ملوك الإسلام يدعوهم إلى طاعته ويأمرهم بتخريب أسوار بلداتهم وعنوانه: «من نائب رب السماء، فاتح «٤» الأرض، ملك المشرق والمغرب هامان. انتهى» . وهذا غير الأول. ورأيت في بعض التواريخ عن خط البرزالي قال: جنكيز خان في سنة ست وستمائة كان ظهوره وأول خروجه إلى فرغانة. ونواحي الترك. انتهى. وقرأت في التذكرة للقرطبي قال: وفي جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة خرج جيش من الترك يقال له التتر فأقبلوا «٥» من وراء النهر ومادونه من جميع بلاد خراسان. وهذا الجيش يؤمن أن الخالق المصور هما التتران «٦» . وملكهم يعرف بخان

стр. 597

قامان. وأخربوا مدينة بشاور. وأطلقوا فيها النيران. وأتوا إلى خوارزم وقتلوا وسبوا وخربوا واطلقوا الماء على المدينة من نهر جيحان ثم صيروه لمشهد الرضوى بطوس أرضا وخربوا الري وقزوين وأبهر «١» وزنجان «٢» وأردبيل «٣» ومراغة، ووصلوا إلى العراق الثاني. وأتو أصبهان «٤» وأهلها يشتغلون بالحديث فحفظهم الله تعالى وتلقوهم. واجتمع فيها مائة ألف إنسان وساق القدر التتر إلى مصارعهم. فمرقوا عن أصبهان وجاؤوا إلى همذان (فهدوها) «٥» بعد أن قامت الحرب على ساق. وصعدوا جبل أروند «٦» وقتلوا من فيه من صلحاء المسلمين. وقتلوا من في العراق الثاني. وربطوا خيولهم إلى جواري المساجد والجوامع وأوغلوا في بلاد المشرق. قال: فقد كملت خرجاتهم. ولم يبق إلا قتلهم لهم فخرجوا على العراق الثاني كما ذكرنا، وخرجوا في هذا الوقت على العراق الثالث وما اتصل بها من البلاد. وقتلوا جميع من كان بها من الملوك والعلماء والفضلاء والعباد. وحصروا ميافارقين واستباحوا جميع من فيها من المسلمين، وعبروا الفرات فوصلوا إلى حلب. وقتلوا من كان فيها إلى «٧» أن تركوها خالية. ثم أوغلوا إلى أن ملكوا جميع الشام في مدة يسيرة ودخل زغيمهم إلى مصر فخرج إليهم [الملك المظفر قطز] «٨» إلى أن التقى بهم بعين جالوت فكان له عليهم من النصر والظفر كما كان لطالوت. فقتل منهم جمع كثير.

стр. 598

وارتحلوا من ساعتهم عن الشام وعبروا الفرات منهزمين، وراحوا (١٠٣ ظ) م خاسئين. انتهى. [أبو بكر الشعيبي] : وقال سعد الدين الجويني: سألت الشيخ أبا بكر الشعيبي الزاهد عن التتار قبل أن يطوفوا البلاد فزفر زفرة ثم أنشد: أ وما كل أسرار النفوس مزاعة ... ولا كل ما حل الفؤاد يقال. والشعيبية: قرية من قرى ميافارقين. وكان هذا من الصلحاء الأبدال، صاحب علم وعمل ورياضيات. ومجاهدات. قال الجويني المذكور: سألني السلطان المظفر أن أقول له أن يأذن له في زيارته فلم يجب، وقال: أنا أدعو له أن يصلحه الله تعالى لنفسه ولرعيته فيجتهد أن لا يظلم. قال: وكان أكثر أوقاته يتكلم على.... «١» خرج إلى الشعيبية وقال لأولاده: احفروا لي قبرا. فأنا أموت بعد يومين. فحفروا له ثم مات في اليوم الذي عيّنه في سنة إحدى وأربعين وستمائة. انتهى. رجع: وهلاكو تقدم أنه ابن طرلي. [طولى «٢» بن جنكيز خان] : ورأيت بخط بعضهم: طولي بن جنكيز خان كان من أعظم ملوك التتار حازما. شجاعا مدبرا، ذا همة عالية، وسطوة عظيمة وشهامة شديدة وله خبرة بالحروب وافتتاح الحصون، ومحبة في العلوم العقلية من غير أن ينفعل «٣» منها شيئا. واستدعى

стр. 599

إليه جماعة من العلماء بها كالمؤيد العرضي، والتقي علي الجويني، وابن طلب. وغيرهم. وجمع حكماء مملكته وأمرهم أن يرصدوا الكواكب ويحققوا أمرها، وكان واسع الصدر يطلق الكثير من الأموال والبلاد مما يشح التتار بمثله؛ فإن الغالب عليهم الشح، وكان على قاعدة المغل في عدم التقيد بدين أو الميل إليه. وإنما كانت زوجته قد تنصرت وكانت عضد النصارى ويقيم شعارهم بتلك البلاد التي استولى عليها وكان سعيدا في حروبه وحصاراته لم يرم أمرا إلا سهل عليه وحصل في قلوب الناس كافة من الرعب منه ما أوجب انقيادهم إليه أو هربهم من بين يديه فطوى البلاد واستولى على الأقاليم وفتك في الشام. ورأيت في بعض التواريخ قال: لما ملك هلاكو الشام أحضر النصير الطوسي «١» وقال انظر من يملك مصر من عظمي أو مقدمي عساكري فقد قيل أني لا أملكها فنظر فلم يجد من أسماء من يملكها إلا كتبغا. وكان صهر هلاكو يسمى كتبغا نونين فظنه هلاكو إياه. فانفذه على العساكر الذي خذلهم الله تعالى على يد المظفر على عين جالوت. [هلاكو وابن المستعصم] : وحكى سراج الدين الأرموي أنه لما توجه إلى هولاكو «٢» رسولا من جهة صاحب الروم بعد أخذه بغداد. قال: دخلت عليه فوجدت حوله صبيا صغيرا يلعب فأخذ بمجامع قلبي فلم استطع كف بصري عنه. فلما رأى ذلك هلاكو قال للترجمان:

стр. 600

قل له أتعرف هذا الصبي من هو. فلما قال لي الترجمان ذلك قلت: لا. قال: فلم تديم النظر إليه قلت: أجد في نفسي الميل إليه عن غير اختياري. قال: هذا ولد الخليفة. قال سراج الدين: فقمت قائما وقبلت قدمي ذلك الصغير. فقال هولاكو للترجمان: عرفه أنا قد أقمنا له من يؤدبه بآداب المسلمين، ويعلمه دين الإسلام. ولم ندخله في دين المغل. قال الأرموي: فقلت له من الشكر ما على ذلك ما ناسب. وتحققت رجحان عقله. أ وذكر أن هذا الولد اسمه المبارك أبو.... «١» وبقي عنده إلى أن مات. وقرأت في سيرة الظاهر بيبرس أن في شهر رمضان سنة أربع وستين وستمائة وصل المبارك ولد المستعصم الذي كان عند هولاكو وصحبته جماعة من أمراء العربان فأنزله نائب الشام جمال الدين النجيبي ولما وصل السلطان إلى دمشق سير إليه جلال الدين بن الداودار الطواشي ... فما عرفوه وظهر أنه بخلاف ما أظهر فسيره إلى مصر محتفظا عليه. [كتاب هولاكو إلى الناصر] : وفي سنة ثمان وخمسين وستمائة- في وسط العام- قرئ بدمشق كتاب. هولاكو بسبب الناصر «٢» وذلك قبل أن يصل إليه وهو: أما بعد فنحن جنود الدنيا ب ننتقم ممن عتا وتجبر. وطغى وتكبر ... ونحن قد أهلكنا البلاد وأبدنا العباد. وقتلنا النسوان والأولاد. فيا أيها الباقون أنتم بمن مضى
следующие страницы →