← Тараджим

Тараджим · id 11786

كنوز الذهب فى تاريخ حلب

سبط ابن العجمي

Полный текст (1 101 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وأمسكوا من الأمراء بالقاهرة يشبك الدوادار الذي كان انسحب إلى جهة قرا يوسف قديما وجانبك الصوفي فلما بلغ [تغري بردي «١» ] نائب حلب ذلك جد في حصار القلعة وعلى أهل البلد في الجنايات فابتهل الناس إلى الله تعالى فيه فلما كان نهار الاثنين سابع عشرين الحجة أشار أهل القلعة لعوام المدينة بالهجوم على النائب وطرده فكبسوه بدار العدل فانسحب في نفر يسير وفرج الله تعالى عن الأمراء المعتقل عليهم وخرج النائب من البلد وتوجه إلى حارم واجتمع بالأمير كزل «٢» فإنه كان نازلا على بلد حارم يستخرج منهم الأموال وعادوا نهار الأربعاء تاسع عشرية إلى حلب فخرج إليه أمير عمر سبط بن شهري وباقي الأمراء والعوام ولم يمكنوهم من الوصول إلى الجدران فلما كان آخر النهار توجه إلى جهة الباب في نفر يسير وعاد غالب جماعته وأكابرهم مثل كزل ودواداره وأمير آخوره ورأس نوبته وغالب مماليكه ومن كان بخدمته وكان قد جهز إلى التركمان منهم متولي بن كبك الأوشرى وابن كردي الكيدري وغيرهم فانسحبوا صحبته بعد أن أمسك العوام جماعة من التركمان وسلبوهم. (تولية قاني باك عام ٨٢٥ ه ـ) . ولما كان نهار السبت ثاني شهر المحرم سنة خمس وعشرين ورد الخبر (بنقل) «٣» قاني باك البجاسي الذي كان نائب طرابلس وولي عوضا عن المذكور. وورد عليه المرسوم الشريف بولايته يوم عزله سنة أربع وعشرين حلب وصحبة العساكر وهم

стр. 737

اينال نائب صفد المستقر الآن في نيابة طرابلس والنائب بغزة. وعسكر الشام صحبة دوادار كافل الشام ومقبل الدوادار أتابك العساكر بالشام وحاجب الحجاب وغالب عسكرها وعسكر حماة- وورد مرسوم إلى عمر سبط بن شهري لحلب والأمور أقبلاط أتابك العساكر بحلب أن يتوجهوا بمن عندهم من العسكر أثر المخذول فتوجهوا نهار السبت المذكور. ولما كان يوم الأحد ثالث شهر محرم حصرت العساكر ولم يدخلوا البلد ونزلوا شمالي حلب. وتوجهوا يوم الاثنين رابع شهر تاريخه إلى جهة الباب في أثر الأعداء فلحقوا التركمان على جانب الفرات فقصدوا نهبهم فدخلوا على كافل حلب وقالوا نحن رعية السلطان وقطعوا عليهم أغناما وانسحب تغري بردي النائب وكزل ولم يتحقق إلى أي جهة توجهوا وعاد كافل إلى محل كفالته نهار الاثنين حادي عشر المحرم. وفي نهار الأربعاء سابع عشرين من المحرم سنة خمس وعشرين ورد الخبر أن تغري بردي دخل إلى بهسنى في أربع نفر باتفاق مع نائبها شراباش ولما ورد الخبر بذلك كاتب الأمير قاني باك البجاسي كافل حلب الأبواب الشريفة بهذا الخبر على يد أمير آخور وعاد «١» في سادس عشر ربيع الأول منها. وفي صفر ورد الخبر من بردبك نائب كختان أن تغري بردي كاتبه على أنه يتفق معهم فأجاب السمع والطاعة وطلب منه اليمين على الوفاء وأن تجهز إليه أكبر جماعة ممن يثق إليه ليحصل اليمين والاتفاق فجهز إليه شرباش نائب بهسني ولما وصل إلى القرب من كختا نزل في زورق أكراد للراحة فجهز نائب كختا وأعلم الأكراد أن قصده إمساك المذكور ونزل إليه من القلعة ومسكه وجماعته وصعد به إلى القلعة بكختا وبعض جماعته هرب.

стр. 738

وفي ثالث ربيع الآخرة خرج العسكر المنصور صحبة كافل حلب إلى جهة العمق ولما كان ثاني جمادى الأولى ورد الخبر من الأبواب الشريفة باستقرار الأشرف برسباي عوض الصالح، ودقت البشائر، وزينت المدن سبعة أيام، واستقر سودون (بن) «١» عبد الرحمن «٢» دوادار وقصروه أمير آخور. واستمر الحصار لعسكر حلب على قلعة بهسنا ونازلوها إلى سلخ شعبان فحضر نائب حماة جار قطلوبغا بعساكر حماة ونزل على القلعة وفي عشرين رمضان حضر نائب حلب وأقام بها يومين وثالث يوم بلغه الخبر أنه عند عودته إلى حلب جهز ربيب قصروه المذكور وطلب الأمان من جارقطلو نائب حماة فآمنه ونزل إليه فلما بلغه ذلك خرج من حلب، وتوجه إلى بهسنا وأحضروا المذكور إلى حلب وأودع سجن القلعة وهو يقيم بها إلى سلخ جمادى الأولى سنة سبع وعشرين ثم برزت المراسيم الشريفة في ربيع الأول سنة ثمان وعشرين بقتله فقتل. واستقر المشار إليه في كفالة حلب. واستقر في نيابة بهسنا جربغا. وكان في ربيع الآخر سنة ست وعشرين حضر الناصري محمد بن منجك وعلى يده مرسوم شريف بطلبه إلى الأبواب الشريفة. فتوجه صحبته في جماعة يسيرة فرضي عليه السلطان ورسم له بالعود إلى كفالة حلب، فعاد إليها في آخر جمادى الآخرة واستمر إلى عاشر رمضان بها فتوفى قاني باك كافل الشام فولى البجاسي كفالته بالشام وتوجه إليها وأرسلوا معه من حلب القاضي شهاب الدين بن زين الدين الموقع ليوصله إلى معاملته على عادتهم في ذلك فوصل إلى الشام وأحسن إليه وأعطاه مائة فلورى «٣» وخلعه وأمر جماعته أن يخلعوا عليه.

стр. 739

[تولية الأمير جار قطلو عام ٨٢٦ ه ـ] . واستقر في كفالة حلب جار قطلو با «١» كذا كان يكتبه في علامته بالراء وشيخنا المذيل سماه جان- بالنون- فوصل إلى حلب في أول يوم أو ثاني يوم من شوال سنة ست وعشرين. وكان شهما مع جنون. واستقر في كفالة حماة عوض جلبان المؤيدي أمير آخور. ولما كان نهار الأربعاء تاسع صفر سنة سبع وعشرين برزت المراسيم الشريفة إلى برسباي الحاجب بالشام وإلى نائب القلعة بها وسائر الأمراء بإمساك البجاسي المذكور فكبسوه بدار السعادة فركب عليهم وكسرهم ومسك بعض الأمراء وانسحب الحاجب وأقام بدار العدل بدمشق أربعة أيام فبلغه أن عساكر مصر واصلة صحبة سودون عبد الرحمن «٢» الدوادار المستقر في كفالة الشام عوضه وصحبته مقبل نائب صفد ونائب عزة ونائب القدس ومن انضم إليهم فلما بلغ ذلك البجاسي خرج من دمشق وتوجه لمقابلتهم فوجدهم على الجسر المعروف بجسر يعقوب من ذلك الجانب فنزل من الجانب الشمالي والعساكر من الجهة القبلية، ولما كان نهار الثلاثاء خامس عشر صفر حضر سودون عبد الرحمن ومن معه من العساكر، ودخل دمشق فلما بلغ ذلك البجاسي رجع إليهم ودخل نهار الأربعاء سادس عشر الشهر المذكور فاجتمعت عند باب القلعة فرفس البجاسي وأراد أن يدخل وعدى باب الجابية إلى عند جامع مرجان الطواشي فلما رآه العسكر رفسوا عليه والمكان ضيق فتفرق عنه جماعته وأدار فرسه

стр. 740

ليرجع فتقنطر وسقط عن الفرس فلحقوه، وضربوه بسيف ورمح وحملوه إلى قلعة الشام. وانكسر عسكره ونهبوا ما معهم. واستقر جار قطلو في كفالة حلب إلى جمادى الأولى سنة ثلاثين. وهو الذي كتب إلى أهل عين تاب وخرج من حلب وحده من باب النيرب لئلا يشعر به أنه خرج إلى عين تاب وتبعه شهاب الدين كاتب السروما زال راكبا، وأرسل شخصا من الطريق بين يديه وقال له: من وجدته في الطريق فأمسكه فسار فإذا هو براكب فأمسكه فإذا هو نذير إلى عين تاب يعلمه بأن الكافل واصل فوصل الكافل إلى عين تاب بكرة النهار فإذا هو بعلي باك قد سكر تلك الليلة، وبات عند قينة وهو نائم فأرسل إليه فأيقظه وأخبره بوصول الكافل فنزل ومنديله في عنقه فأمسكه وجاء به إلى حلب ثم ادعى عليه بأنه قتل ابن عمّه وفي غضون الدعوى سل علي باك سيف محمد الحاجب بحلب وهو الذي كان ماسكا بجنزيره ليقتل غريمه فجذبه الحاجب بجنزيره فوقع إلى الأرض فضربه المدعى فقتله ثم إنه غسّل، وكفن ودفن بالجبل إلى جانب السور. انتهى. [تولية حلب للأمير قصروه عام ٨٣٠ ه ـ] . ثم وليها قصروه «١» - نائب طرابلس- وكان لين الجانب محبا للعلماء يحضر معهم المدارس وحضر مع شيخنا المذيل دروسه بمدارسه ودرس شيخنا درسا حافلا بالعصرونية والرواحية. أما درس الرواحية فكان في الصلاة الوسطى فذكر فيها أقوالا عديدة وأفاد فوائد جمة وظهر فيه عن علم كبير. انتهى.

стр. 741

وعمر قصروه المشار إليه مقام سيدي عبد الله الأنصاري «١» خارج حلب- كما سيأتي- ووقف عليه وقفا آل إليه ثم عزل عن كفالة حلب إلى كفالة دمشق وتوجهت صحبة شيخنا المذيل إلى قصروه قبل وصول الخبر إليه بكفالة دمشق فبشره بذلك، ففرج عنه، وسر، وقال لشيخنا: أنت إن شاء الله تعالى تصير قاضيا بدمشق وذلك في سنة سبع وثلاثين فصلى شيخنا عنده الجمعة بجامع الناصري. في دار العدل بحلب فسمعته يقول لشيخنا: وأن مكاني شخص يقال له:" قرقماس". وعنده حد فاصبروا له أو كلاما معناه هذا. [تولية حلب لقرقماس علم ٨٣٧ ه ـ] فاستقر قرقماس الشعباني في كفالة حلب، ودخل حلب في العشر الأول من رمضان. قال شيخنا ابن حجر: ومن الاتفاق أن رفيقا لي لما كنا في سفرة آمد قبل أن يدخل حلب رأى أن الناس اجتمعوا يطلبون من يؤم بهم فرأوا رجلا ينسب إلى الصلاح فسألوه أن يؤم بهم قرقماس وكان ففي الحال حضر وتقدم فصلى. فوليها بعد ذلك. وكان شهما، مقداما، أمن الناس في أيامه من قطاع الطرق والحرامية وكان إذا وقع في قبضته أحد منهم علقه بكلاليب تحت الواجه. وخرج مرة إلى الموكب فسار إلى مدينة الباب وحده فوجد جماعة من العربان ينعلون خيلهم فنكل بهم وامتنع العرب في أيامه من ركوب الخيل وحمل الرماح وصاروا يخوفون أولادهم الصغار منه حتى كان البدوي إذا دخل بفرسه إلى الماء ليشرب فامتنعت يقول لها قرقماس في الماء. ثم وشي به إلى السلطان بشيء يقتضي العصيان فورد المرسوم الشريف بطلبه إلى القاهرة في صفر.

стр. 742

[تولية الأمير اينال الجكمي ثانية عام ٨٣٩ ه ـ] وتولى عوضه اينال الجكمي المتولي نيابتها أولا المقتول في محنة تغري ورمش بدمش وكان شجاعا جوادا ودخل اينال المذكور حلب يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر سنة سبع وثلاثين. فلما كان تاسع عشرين ربيع الآخر جاء القاصد على الهجن وقت الغروب أو بعده باستقراره في كفالة دمشق عوضا عن قصروه بحكم وفاته. [تولية الأمير تغري ورمش عام ٨٣٩ ه ـ] واستقر السيفي تغري ورمش «١» واسمه أولا حسين بن أحمد من أهل بهسنى في كفالة حلب أ، وكان عاقلا مدبرا متطلعا إلى أحوال رعيته، وما زال رأيه رائدا وعقله تاما حتى أظهر مخالفة السلطان فزال عنه ذلك. ولقد بلغه أن ابن تيمور المدعو (شاه رخ) «٢» لما أن بلغه أن السلطان فعل بقاصده صفا ما فعل بالقاهرة قصد التوجه إلى بلد الشام فأظهر تغري ورمش شجاعة عظيمة وطلب أهل البلاد وأرمى عليهم رجالة كثيرة وذكر لبعض رؤساء حلب أنه إن جاء (شاه رخ) أمرت أهل حلب ومعاملتها أن يذهبوا إلى أنطاكية، وأخليت له

стр. 743

البلد فإن هذا معه جيش عظيم يريدون أكلا كثيرا فإذا جاؤوا وجدوا البلاد خالية ماتوا جوعا فإذا نزلوا على البلد كبسهم وصار يرسل جواسيس يكشفون خبر (شاه رخ) وفي كل وقت عنده خبر حتى إنه لما قتل حضر بعض جواسيسه إلى حلب. ثم إنه سافر من حلب وصحبته العساكر إلى جهة مرعش ليحصل حمزة بن دلغاز «١» ثم عاد إلى حلب، ثم سافر إلى الأبلستبن لمسك ناصر الدين فوصل إلى الأبلستبن ومعه من العساكر نائب حماة إذ ذاك قانباي الحمزاوي فلم يجده فنهب الأبلستبن ثم عاد إلى حلب في رمضان سنة تسع وثلاثين. ثم ساق العساكر صحبته وذلك في محرم سنة أربعين وهم: أمير من مصر جقمق أتابك الجيوش الإسلامية، ويشبك المشد حاجب الحجاب «٢» وتغري بردي المؤذي «٣» وقاني باك، وأركماس الدوادار «٤» ، وقراقجا الحسيني «٥» ، وخجاسودون ومعهم أتباعهم، ونائب طرابلس جلبان، وأمراء التركمان وحرب بني كلاب إلى جهة

стр. 744

سواس خلف ناصر الدين المذكور فوصل إلى آغ صاغ وتفسيره بالعربية" الجبل الأبيض"- فوجد تركمان ابن دلغار وبيوتهم وفلاحين بلد الأبلستبن وماشيتهم فنهبهم وأخرج منه الخمس فجهزه للأمراء المصريين الذين صحبته وبيع رأس البقر بثلاثة دراهم والشاة بدرهم وأقام هناك ثلاثة أيام ثم عاد إلى سيواس وصحبته العساكر وجعلهم أطلابا «١» وألبسهم آلة الحرب جميعها ومر بهم على سيواس ونزل ظاهرها ولم يفتح له المدينة وجهز له نائبها من جهة ابن عثمان تقدمة فقبلها؛ وهي خيل ووشقة حية. فأرسل له خلعة. ثم عاد إلى حلب وأخرب الأبلستبن وغيبته خمسون يوما- وسيأتي في زاويته طرف من أخباره- ثم أقام بحلب إلى آخر شوال سنة إحدى وأربعين. وتوجه إلى أرزنكان «٢» ومعه الأمراء المصريون- وسيأتي تعينهم في الزاوية التي أنشأها بحلب- وأخذ (قلعة برظلش) ونقل إليها من قلعة أقشار وحصنها وسلمها مع أقشار لصاحب قلعة ملي حصار ثم توجه إلى أرزنكان وصحبته العساكر وجهان كير بن علي باك بن قرايلوك «٣» - صاحب ماردين وديار بكر- ونزلوا «٤» بمرج يدعى بالعربية:" المرج العريض" وبينه وبين أرزنكان فحضر إليه أكابر أرزنكان ومعهم مفاتيح البلد ودخلوا في الطاعة الشريفة فسلمها لجهان كير. وأما القلعتان المذكورتان فعاد إليها صاحبها حسن وتسلمها في غضون ذلك. انتهى. ثم رحل العساكر عن أرزنكان متوجهين إلى جهة حلب وعند إقامته على

стр. 745

أرزنكان سمع بوفاة الأشرف فلما رجل عن أرزنكان عاد صاحبها يعقوب بن قرايلوك «١» ثم جهان كير إليها وطرد المذكور ولما أشيع وفاة الأشرف تنكر عسكر مصر ونائب الشام منه ولم يجتمعوا به. فلما نزل بالقرب من درندة حضر إليه قاصده من حلب وأخبره بحضور اينال الأحمدي الخاسكي مبشرا باستقرار العزيز ووفاة الأشرف فأرسل الأمير الكبير بحلب مطع وسودون الدوادار وكاتب السر القاضي نور الدين إلى عسكر مصر يعرفهم بوفاة السلطان واستقرار ولده وأنه هو وهم مماليك الأشرف ومماليك ولده بعده، وأن يكونوا على كلمة واحدة على طاعة العزيز المذكور. ورحل في أثر من أرسلهم طالبا جهة حلب فلما وصل إلى مكان يسمى بالعربية:" السبع الحجر". من معاملة الأبلستين كان «٢» المصريون إذ ذاك نازلين بالمكان فحين عاينوا فوانيسه رحلوا على الفور ليلا طردا خوفا منه قبل اجتماعهم بمن أرسل إليهم. وفي بكرة النهار رحل طالبا الأبلستين وصرف أمراء التركمان وألبسهم خلعا وكان المصريون نازلين بها وبمكان يسمى" زلى خان" بالقرب منها فحين رأوا طلبه رحلوا على الفور ولم يصبروا «٣» إلى استواء طعامهم فجهز إليه نائب الشام يقول له ما سبب إسراعه في الرحيل إثر المصريين وأن يجتمع تغري ورمش به فركب ليجتمع بنائب الشام فوجد نائب الشام راكبا مطلبا فخشى على نفسه وعاد ولم يجتمع به. وعند نزول تغري ورمش بزلي خان رحل عنه نائب طرابلس ونائب حماة ونزلوا على المصريين فلما وصل تغري ورمش إلى النهر الأزرق كتب كتابا إلى نائب الغيبة بحلب ونائب القلعة وأكابر حلب يأمرهم أن لا يمكنوا من يحصل منه ضرر على الرعية

стр. 746

من الدخول إلى حلب. فلما قطع عقبة (قالي بالي) ونزل تحت العقبة وكان المصريون إذ ذاك نازلين بلوك «١» فحضر إليه خجا سودون وأحسن السفارة بينه وبين المصريين وأوقع الصلح بينهم من غير أن يجتمع بهم. ثم رحل المصريون إلى عينتاب وتغري ورمش في أثرهم فنزل المصريون بعينتاب وتغري ورمش بمرج دلوك فحضر اينال الأحمدي المذكور إلى عند تغري ورمش وقرأ المرسوم الشريف عليه من مضمونه أن يجلس في خيمة نائب الشام هو والعساكر الإسلامية على طاعة العزيز وكان به إذ ذاك قولنج فحلف وهو ينقلب من وجهه في خيمة نفسه وجهز كاتب السر إلى نائب الشام والمصريين يحلفهم فقال نائب الشام المرسوم الشريف ورد أن يحضر إلى عندي ويحلف بخيمتي. فقال له كاتب السر حلف بخيمته وهو ضعيف فامتنع نائب الشام وأمر المصريين وغيرهم من الحلف حتى يحضر تغري ورمش إلى خيمته حسبما اقتضت الآراء الشريفة. وتوجه المصريون ونائب الشام وطرابلس وحماة إلى جهة حلب فرحل هو ونزل بعينتاب واستمر مدة ضعيفا فلما حصل له البرء حضر إليه تمرازا أحد أمراء المصريين ونائب حماة رسلا من جهة نائب الشام والمصريين أن يجتمع بهم قبل وصولهم إلى حلب كل منهم بمملوك فتردد في ذلك وكان تارة يحسن له التوجه وتارة لا يحسن له ذلك فرحل ونزل بقرية (سنادر) » بالقرب من كلز فحضر إليه قاصد نائب الشام يعرفهم أن المصريين لا يمكنهم الاجتماع به إلا بعساكرهم فلا يحضر فاستمر مقيما بسنادر. وأخذ في أهبة قصاد يرسلهم إلى حلب للكشف عن أخبار المصريين فلما وصل المصريون إلى حلب خرج إليهم نائب الغيبة ومعه الكتب المجهزة إليه من تغري ورمش المقدم ذكرها

стр. 747

فحصل أمر عظيم عندهم. وأخذوا الكتب لتعرض على المسامع الشريفة ثم حضر هو إلى حلب في العشر الأخير من المحرم سنة اثنين وأربعين وثمانمائة. واستمر نائبا بها إلى أن ولي السلطان جقمق فخرج عن طاعته وأظهر العصيان وسيأتي ما اتفق له في عصيانه في فصل المدارس والزوايا في مدرسته التي أنشأها بحلب إن شاء الله تعالى. [تولية الأمير جلبان عام ٨٤٣ ه ـ] ثم استقر جلبان «١» في كفالة حلب، ثم إنه عزل. ولما كان نائب طرابلس وأخذ تغري ورمش طرابلس هرب وأظهر لجيشه أن قصده مقابلة تغري ورمش وأرسل من يكشفه إلى جسر (أرطوسيه) . فلما كان في جسر الحديد طلب طريق القاهرة فمر على جسر البحصاص وكان نائب الشام إذ ذاك اينال يخشي من جلبان العرب إلى جهة السلطان فأرسل جماعة ليقفوا له عند درجة نهر الكلب وهو مكان ضيق فجاوز جلبان قبل إدراكه، ووضع جلبان مركبا في البحر خشية أن يدركه فيذهب في البحر فسار المركب في البحر وهو في البر مقابله إلى الرملة فأقام بها إلى أن أتاه عسكر المصريين.

стр. 748

[تولية الأمير قانباي الحمزاوي عام ٨٤٣ ه ـ] واستقر قانباي الحمزاوي «١» في كفالة حلب ودخلها في جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة. انتهى كلام شيخنا المذيل «٢» وسيأتي من تولاها بعده في الذيل إن قدره الله تعالى

стр. 749

[الحوادث على السنين] [سنة اثنين وأربعين وثمانمائة] في يوم الخميس ثاني عشر من رمضان توفي العلامة قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن نعيم بن مقدم «١» بن محمد بن الحسن بن خالد بن حاتم «٢» ابن محمد بن علي البساطي «٣» المالكي. شيخنا قاضي مصر؛ وكان كتب بخطه الكوفي فظهر أن نسبه لبعض قرى سباط. ومولده في أحد الجماديين سنة ستين وسبعمائة. واشتغل في فنون وبعد صيته، وسمع الحديث على عبد الرحمن البغدادي. وقال شيخنا شيخ الإسلام رفيقه «٤» لم يشتغل بالحديث. وكان عرافا بالمعقول والعربية والمعاني والبيان والأصلين، وصنف فيها تصانيف. وفي الفقه أيضا وناب في الحكم عن ابن عمه جمال الدين لمدة وغيره مدة. فذكره ططر للمؤيد فولاه مشيخة التربة الظاهرية ثم القضاء عقب موت الأقفهسي «٥» في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين فاستمر نحو عشرين سنة متوالية وهو على ولايته. وعين للقضاء بعده الشيخ عبادة «٦» فامتنع وكان يميل إلى كلام ابن عربي ويجادل

стр. 750

عنه؛ وسبب ذلك ما وقع بينه وبين العلامة علاء الدين علي بن محمد بن محمد البخاري الحنفي ومولده «١» البخاري سنة تسع وسبعين وسبعمائة ونشأ بها وتفقه بأبيه. وعن العلامة عبد الرحمن. وقرأ على العلامة سعد الدين التفتازاني. وبرع في المنقول والمعقول. واستوطن الهند وعظم قدره عند ملوكها لما شاهدوه من دينه. وتوفي بالشام في خامس رمضان سنة إحدى وأربعين وثمانمائة «٢» رحمة الله تعالى. رجع: اجتمعت........... «٣» وسيأتي وسمعت عليه. وفي أواخرها عزل شيخنا المذيل قاضي المسلمين علاء الدين أبو الحسن علي بن شمس الدين أبي عبد الله محمد بن سعد بن محمد بن علي بن عثمان بن إسماعيل بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب بن علي بن هبة الله بن ناجية الطائي الشافعي سبط العلامة قاضي المسلمين فخر الدين ابن خطيب جبرين عن قضاء حلب وورد كتاب القاضي شرف الدين أبو بكر بن علم الدين سليمان سبط المجد بن العجمي بذلك فاجتمع أصحابه ببيت القاضي ضياء الدين محمد بن النصيبي الشافعي وشق عليهم ذلك فأرسلوا إليّ فحضرت فأعلموني بذلك فشق عليّ لأنه كان لي كالوالد إحسانا وشفقة وتربية فجئت إلى بيته وسلمت عليه فرأى الغضب في وجهي فقال: ابتدأ عزلت عن قضاء حلب. قلت له: نعم. وكان مستشعرا بذلك. وسبب عزله أن السلطان الظاهر جقمق قدم إلى حلب صحبته الأشراف فأرسل إليه يطلب منه من مال الأيتام قرضا خمس مائة (أشرفي) «٤» فاعتذر شيخنا بأنه لا مال

стр. 751

للأيتام تحت يدي. وكان صادقا فحقد عليه بسبب ذلك وأضمر له السوء ثم لما خرج تغري ورمش عن الطاعة وكانت العادة أن القضاة يغيبون ولا يحضرون إلى الخارج عن الطاعة فأراد شيخنا أن يفعل ذلك فجاء إليه بعض الناس وأشار عليه بأن لا يفعل وكان غير مصيب في رأيه ولا أدري هل أشار عليه بذلك خبثا أم لا فأقام شيخنا فبلغ ذلك السلطان فحرك ما كان كامنا عنده. فلما ظفر بمقصوده وقتل تغري ورمش بادر إلى عزله وولى شيخنا القاضي زين الدين أبا حفص عمر بن المبارك الخرزي. وأرسل توقيعه إلى حماة فلزم شيخنا بيته، وانكف عن الأحكام «١» وأظهر السرور والفرح وقال: أنا كنت في ضيق لأنني كنت مشتغلا عن العلم بالأحكام فلما وصل توقيع ابن الخرزي بالقضاء فرح فرحا زائدا. وأنشدني القاضي عماد الدين قاضي سرمين في عزله: إني وإن تهت «٢» في الدنيا بحبكم ... وبت من كل واش غير محترز فالرب يعلم في سري وفي علني ... أني عن الدر لا أعتاض بالخرز ومدحه الشيخ خاطر فقال: يا سيدا نال في العلياء منزله ... سمت على فلك العلياء عن زحل لا تطلبن المعالي يا ابن بجدتها «٣» ... فأنت من قبل تطلاب العلاء «٤» علي وله فيه: أقول لأقوام رووا جود حاتم ... وفضل ابن ادريس وقوم تقدموا لئن شرعا للفضل والجود مذهبا ... فإن خطيب الناصرية يختم

стр. 752

وله: لئن فخرت بالسبق طيء بحاتم ... وطالت به في الملتين «١» كرامها فبابن خطيب الناصرية أصبحت ... على هامة الجوزاء تبنى خيامها وما ضر خير المرسلين جميعهم ... إذا سبقته الرسل وهو ختامها رجع: ثم حضر ابن الخرزي إلى حلب بسرعة في أثناء شهر صفر من سنة ثلاث وأربعين، ولبس تشريفه، وسكن ببيت ابن سلار بالجلوم فبلغ ذلك شيخنا فهم بالسلام عليه وأن يرسل له شيئا من الهدية فجاء إليه من أشار عليه أولا بما تقدم ومنعه من ذلك، فأم القاضي الجديد بحلب وأقام شيخنا ملازما بيته للإشغال والاشتغال. وكان مكبا على ذلك محبا للعلم وأهله، وأذكر لك صفة اشتغاله: كان يخرج من بيته إلى بيت الكتب من ثلث الليل الآخر فيطالع إلى صلاة الصبح ثم يصلي الصبح ثم يشتغل حتى يضحى النهار فيفتح عليه الباب للقضاء بين الناس فيدخل عليه الفتاوي والأوراق فيكتب على الفتاوي والأوراق فيكتب على الفتاوي ويثبت «٢» الأوراق فإذا فرغ من ذلك أقبل على المطالعة فإن جاء أحد محدثيه يجده يطالع فلا يتكلم معه إلا كلمة أو كلمتين ثم يقبل على المطالعة فإذا قرب الظهر أغلق الباب وأقبل على المطالعة حتى يدخل وقت العصر فيصلي العصر ثم يجيء إلى المدرسة الشرفية إلى عند والدي- رحمهما الله تعالى- فيذكر له ما أشكله فيتذاكر إلى قرب المغرب ثم يذهب إلى بيته فيصلي المغرب ثم يدخل بيت الكتب للمطالعة إلى بعد صلاة العشاء بزمان ثم يدخل إلى حريمه. فلما أقام شيخنا في بيته على الصفة المذكورة جاء إليه من جاء إليه أولا وثانيا.

стр. 753

وقال له: الرأي في ذهابك إلى مصر لتزيل ما في خاطر السلطان منك. وإن أنت أقمت يقول السلطان هذا عزلت فما التفت إليّ. ويتأثر منك، ويحصل شر عظيم. فما زال به حتى حركه للسفر إلى القاهرة فاهتم في ذلك وسافر من حلب إلى القاهرة فدخلها/ (١١ و) في يوم الاثنين رابع عشر ربيع الآخر من سنة ثلاث كما قاله شيخنا شيخ الإسلام أبو الفضل ونزل بيت صديقه القاضي شرف الدين المشار إليه وخرج وسلم على السلطان فأرسل له ألف دينار فقال السلطان: هذا يرشيني على القضاء. فبلغ ذلك شيخنا فخرج إليه وقال له: هذا قدمته لمولانا السلطان لا على سبيل الرشوة، بل كنت نذرت إن مكن الله السلطان بمن خرج من طاعته يكون عندي لبيت مال المسلمين ألف دينار، ففرح السلطان بذلك ظاهرا. ولما سافر من حلب قال القاضي ابن الخرزي: استعجل القاضي علاء الدين في ذهابه إلى القاهرة فإن السلطان لا يوليه هذه الأيام فكان ما قال. فأقام شيخنا بالقاهرة والناس يأتون إليه من كل فج ويتكلمون في العلوم الشرعية، وهو يتكلم فيها فكل أحد أثنى فضله وعلمه. فقدم القاهرة (حطط) نائب القلعة بحلب وكان له يد عند السلطان لأنه هو الذي أمسك القلعة له، وحفظها عليه ولم يمكن تغري ورمش من أخذها ففرح السلطان به وخلع عليه وأعاده إلى ولايته فلما خلع عليه خلعة السفر استعرض حوائجه فقال: أريد أن تولي قاضي حلب القضاء وأن آخذه معي فأجاب إلى ذلك وخلع عليه وأعاده إلى وظيفته فسافر إلى حلب وكان ذلك أثناء شعبان؛ قال شيخنا أبو الفضل. ورأيت بخط بعضهم أنه أول رمضان وشيخنا أعلم بذلك وسافر ابن الخرزي إلى حماة. وكان ذلك في الشتاء فمرض شيخنا المذيل في الطريق ووصل حلب وهو متوعك في أواخر رمضان وكان معه في هذه السفرة دواداره محمد فمرض أيضا معه ومات قبله بيسير وتحدث بعض الناس بأنهما سقيا فالله أعلم. ثم ثقل في المرض وكان مرضه ذات الجنب فلازم الفراش فدخلت عليه يوما

стр. 754

مسلما وفي يدي صحيح مسلم فقال لي: إلى أي مكان وصلت في قراءة مسلم بالجامع؟ فقلت له إلى صلاة الخوف. وكان متكئا فجلس وتكلم على كيفيات صلاة الخوف وما قال الناس فيها. ومن قال إنها نسخت. وأطال الكلام جدا. فقال له من حضر: أنت ضعيف وفيما ذكرت كفاية. فسكت. ودخل عليه طبيبه وهو سليمان الحكيم فقال له ما وجعك. قال: ذات الجنب فشق عليه ذلك لأنه يعلم أنه من الأمراض المخوفة. وصار يكرر ذات الجنب. ذات الجنب. فقال له بعض الحاضرين: قتلته. وتزايد به الألم إلى أن مات بعد العشاء بقليل في الليلة المسفرة صباحها عن يوم الأربعاء عاشر القعدة سنة ثلاث وأربعين. وحضرت غسله فكان نير الوجه، وغسله الشيخ يوسف الكردي «١» وصلى عليه بالجامع العمري «٢» ثم الأموي «٣» ثم النوري «٤» . وكانت جنازته عظيمة. وحمل نعشه كافل حلب قانباي الحمزاوي «٥» وصلى عليه عند باب دار العدل ثم عند جامع دمرداش ثم عند جامع الطواشي ثم خارج باب المقام ودفن في تربة أعدها لنفسه خارج باب المقام رحمه الله تعالى. وشمت بعض الناس بموته فأذكرني ذلك ما قال منصور التميمي الفقيه الشافعي: قضيت نحبي فسر قوم ... حمقى بهم غفلة ونوم كأن يومي عليّ حتم ... وليس للشامتين يوم

стр. 755

ومما قال غيره: فقل للشامتين بنا أفيقوا أ ... ستلقون الممات وتلحقونا. ومما قال غيره: تشفى بشيء لا يصيبك مثله ... وإلا فشىء أنت وارده فلا. وكان ﵀ ينصف أصحابه، ويقوم بحوائجهم ويتكلف مشاقهم ويحتمل عنهم. ولله در القائل وهو منصور التميمي: قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا ... للموت ألف فضيلة لا تعرف منها أمان لقائه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف ومولده في سنة أربع وسبعين وسبعمائة بحلب ونشأ بها فحفظ القرآن العزيز والمنهاج، وألفية ابن مالك، وألفية الحديث، وقرأ على مشايخ بلده كالشيخ زين الكركي والشيخ شمس الدين النابلسي، وقرأ على العلامة محب ابن الشحنة من (المطول) للعلامة سعد الدين، وسمع مع والدي على الشهاب ابن المرحل «١» وابن عمه شرف الدين الحراني والسيد عز الدين نقيب الأشراف وغيرهم. ولازم والدي وقرأ عليه بعد التسعين وسبعمائة. وناظر مشايخه وباحثهم. واعترفوا بفضله وحفظ سيرة ابن سيد الناس وكتبها بخطه ورحل من حلب إلى القاهرة في سنة ثمان وثمانمائة فسمع ببعلبك وبدمشق على عائشة بنت عبد الهادي وبالقاهرة من الشريف النسابة وأحمد بن عبد القادر السبكي. وقرأ على الشيخ ولي الدين العراقي، والشيخ جلال الدين «٢» ابن البلقيني.

стр. 756

وبرع وكتب العالي والنازل والطباق وناظر. ثم قدم حلب فلازم الإفتاء والإشغال. وولي قضاء حلب كما تقدم. أخبرني أنه أرق ليلة فتذكر أن بعض الخلفاء أرق وكان قد طفى سراجه فأمر بتحويل فراشه فإذا حية تحته. قال: فحولت مخدتي فإذا أنا بحية تحت مخدتي. ثم إنه حج من حلب حجة عظيمة. وكان الشيخ بدر الدين ابن قاضي شهبة قال لوالده: ائذن لي في الكتابة على الفتوى. فقال له: القاضي علاء الدين متوجه إلى الحج فاستأذنه فلما حضر إلى دمشق استأذنه فأذن له وأخبرني من كان حاضرا معه أنه دخل إلى جامع دمشق والشيخ تقي الدين ابن قاضي شهبة يدرس فلما رآه قام إليه وتواضع فقال له القاضي علاء الدين: درس في مكانك. فدرس فتكلم معه القاضي علاء الدين فأبهره هذا والقاضي علاء الدين غافل عن مكان الدرس. والشيخ تقي الدين طالع لك المكان. ثم حج ورجع إلى بلدة فلا قيته في «١» حماة. ثم بعد الثلاثين لازمته وكتبت حكمه ثم أقلعت عن ذلك. ولما كتبت حكمه «٢» رأيت في منامي أن منهاجي سقط من يدي في بعض الأخلية. فنسيت ما كنت حفظت منه. ثم أقلعت عن كتابة حكمه، وانقطعت للاشتغال ففرح بذلك فرحا شديدا. وقرأت عليه قطعة في شرحه على (حديث بريرة) فكتب لي: بلغ الفاضل. ثم كتب لي: بلغ العالم. وكان قلمه يابسا. ثم قال: إن أكملت عليّ قراءة هذا الكتاب كتبت لك العلامة. فصادف سفره من حلب فما أتممت عليه. وحضرت دروسه بالمدارس والجامع وكان يقرأ عليه بالجامع/ (١٢ و) م (التمهيد) لابن عبد البر و (منهاج البيضاوي) وحليت (كذا) عليه من المنهاج. ورأيت في بعض الليالي في منامي أنني في منزل والدي وشيخنا المشار إليه عندي.

стр. 757

وإذا أنا بشخص قد دخل إلى البيت وبشخص يمشي بين يديه ومعه شمعة ومعه كتاب فلما وصلا إلى المكان الذي نحن فيه فإذا هو الإمام ناصر الدين الشافعي «١» والمزني «٢» : فوضع المزني الكتاب بيت يدي شيخنا وقال له: انظر هذا الكتاب فقال له شيخنا: هذا المسند سقط منه عقيل، فضحك الشافعي حتى انقلب عليّ، ثم قال المزني هذا الذي قلت لك. فقلت أنا للشافعي: يا إمام هذا عقيل بن خالد- وهو بضم العين- وكذلك يحيى بن عقيل. وكذلك عقيل: القبيلة. وكل ما في صحيح البخاري ومسلم غير ذلك فهو بفتح العين. فقال الشافعي: أنت تحفظ كتاب ابن الصلاح؟ قلت: نعم. فقال لي: لم لا تدرس الفقه ثم سقاني من كفه شربة ماء. فاستيقظت وجئت إلى شيخنا فأخبرته المنام فبكى. ثم إنه حبب لي مراجعة المنهاج فراجعته. وكان شيخنا المشار إليه كلما قدم إلى حلب فاضل أنزل في مدرسته وأجرى عليه الأدرار حتى يرتحل من حلب. وكان لا ينظم «٣» الشعر، ونظمه فيه ركة. وأنشدني في مرض موته: إذا ما بات لحدي من تراب ... وبت مجاور الرب الرحيم فهنوني أصيحابي وقولوا ... لك البشرى قدمت على كريم (لغز في قطايف) : وقد كتب إلى شيخنا المشار إليه القاضي شهاب الدين أحمد بن القاضي زين الدين عمر الحلبي نائب حلب لغزا في قطايف:" ما يقول مولانا الأديب، والعالم الأديب، في ذاتها لها شكل موصوف، ووصف معروف، لها في القلوب وقع ومحل وصحبتها في

стр. 758

الأحباب لا تمل، إن أودعتها سرا فقد أودعتها فخرا، جرت كريم الأمهات والتعدد في الصفات، ولاسمها طلاوة، وعليه حلاوة. وبعضه اسم طائر. وباقيه بغير معنى صائر. وإن حذفت أوله فهو إنسان أو طارق من الجان، وإن قرنته بعد الحذف بأداة تعريف فهو مكان بغير تحريف: ومودعة سرا وأنت تلومها ... إذا ذاع منها سرها عند شربها تحن للقياها الأنام وإنما ... تسام بنقص عند مغزى «١» يحبها فأجابه شيخنا: وقف المملوك على لغز مولانا البديع الحسن فوجده قد حوى فرعي البلاغة واللسن، وبادر إلى حل ما خفي من رموزه وكشف ما استتر من كنوزه. فإذا هو خماسي الحروف. لإن أودعته السر عدّ من الظروف. طاب ذكره وحلا وكرم أصله وعلا إن صحفته بعد حذف خمسيه فهو بالسقم موصوف. أو قلبته مصحفا صار مكانا بالفضل معروف. وإن كررته على فيك/ (١٢ ط) م. فكل ما عنده من السر يوليك فلله در منشئه. لقد أربى على فضله. وأغدق وابل علمه ووصله انتهى. [لغز في منبر] : وكتب شيخنا المذيل إلى المشار إليه بعد ذلك لغزا في منبر فما أجاب: ما تقول في اسم رباعي الحروف، معدود في الظروف، إن قصد تعريفه فهو معروف، أو طلب وصفه فهو بعلو الرتب موصوف، مفعول وهو مرفوع، محمول وهو موضوع، مفرّق وهو مجموع، مركب وهو من الصرف غير ممنوع، إن حذف منه حرفان عاد حرفا واحدا، أو عكست محذوفه صار صاحبا مساعدا، أو استعملته مطرودا كان في أطراف البحر موجود. يحار النحوي في تأليفه. ويعجز عن جمعه وتصنيفه، وإن تكلف له جمعا. فليس له نظير قطعا. وإن شدد ثانية مع حذف باقيه حلا في النفوس ذكره. وطاب خبره. وخبره، وإن تشأ كان ذكره مذموما

стр. 759

ومعانيه ملوما، إلا أن تدعو عليه مع أنه لم يقترف ذنبا فيما لديه، وألفيته ينادى عليه بشرط أن لا يباع مع أنه عين ظاهرة يحل بها الانتفاع. انتهى. ورآني يوما أدرس (جمع الجوامع) «١» فأمرني بدرس (منهاج البيضاوي) فتقاعدت «٢» عن ذلك ثم رأيت بعد مدة الشيخ سيف الدين الآمدي في النوم فأصبحت ودرست المنهاج المذكور، ورآني أكتب شرح الزركشي على المنهاج وهو الديباج في النقيصة «٣» ومنه الزنا والسرقة لنقص القسيمة بهما والآباق ذكرا كان أو أنثى وقيّدها في الكفاية..... «٤» والأصح اعتبار مصيره عادة. فأخذ الكتاب من يدي وكتب قوله: والأصح إلى آخره. هذا خلاف المذهب فإن الأصح في المذهب وهو المجزوم به في الروضة أنه لا يشترط الاعتياد في الزنا والسرقة وإلا بات خلافا للغزالي. وأمامه والله تعالى أعلم انتهى. وفيه أماكن غير ذلك. وقال لي يوما: تتفكه قبل أن تتغدى؟ فقلت له: ما معنى هذا؟ فقال: طالع الروضة والشرح فإنها بمنزل الخبز واللحم. وأما شروح المنهاج فإنما هي بمنزلة الفاكهة وكان يطالع (الشرح الكبير للرافعي) والروضة ويكثر مطالعتها بحيث إنه يحفظ منهما الورقة والورقتين وينقلهما بالحرف ويحفظ شرح مسلم وقرأ غالبه على والدي

стр. 760

وكان عالما بالفقه والأصول. وكان اشتغل به أخيرا. وينزع الفروع وحفظ كتاب (التمهيد للأسنوي) «١» في ذلك. وقيل له مرة وهو في السفر المطلق المفيد ما يقول فيهما؟ فأخذ يذكر هذه المسألة وما بنى عليها من الفروع حتى عجب الحاضرون من ذلك، وكان عالما باللغة «٢» يحفظ (التوضيح لابن هشام) وكان عالما بالفرائض. وأما كتابه على الفتوى فنهى به مع قلة الألفاظ والإتيان بالمقصود وكان قائلا برضاع الكبير لأنه أمر زوجه أن ترضع محمدا دواداره وهو كبير وصار يدخل عليهما بذلك وكان يميل إلى أن الواقف على معين لا يشترط قبوله وحكم بذلك مرة ومال إلى النصوص في غير موضع. وهو اختيار العراقيين وخلائق وصححه الروياني «٣» وابن الصلاح وهو الصواب المفتى به وهو الراجح في الروضة في كتاب السرقة. وصنف «٤» تصانيف منها:" الطيب الرائحة في تفسير الفاتحة «٥» ". و" ضوء البصيرة في شرح حديث بريرة" و" الدر المنتخب في تاريخ حلب" وشرح قطعة من الأنوار في الفقه وغير ذلك. وكان حليما عفيفا، نزيها. يغض عن عورات الناس. لا يتكلم في أحد إلا بخير نظيف اللسان، ويتصام قصدا عما يكره. وافتقده أهل حلب.

стр. 761

ورثاه شيخنا قاضي المسلمين محب الدين أبو الفضل ابن الشحنة بقصيدة وأنشدني إياها أ ب ناحت على سلطانها العلماء ... وبكت لفقد علائها الشهباء وانهد ركن أي ركن شامخ ... للمسلمين ويتم الفقهاء فلئن رأينا الشهب يوم مماته ... لا بدع لما أن تغيب ذكاء والله مات العلم في حلب به «١» ... يا من له طلب ومنه ذكاء من بعد شيخ المسلمين وحبرهم ... قاضي القضاة سيرفع السفهاء من للمدارس بعده علّامة ... من للفتاوى إن بغي إفتاء جل المصاب به وعمّ فموته ... قسما مصاب ليس عنه عزاء الله أكبر يالها من ثلمة ... في دين أحمد مالها إرفاء يا شيخ الاسلام ارتحلت برغمنا ... فانسر قوم مالهم أكفاء فلك البشارة قد قدمت على الذي ... ترجو تراحم جوده الرحماء والله أكرم أن يضيع عالما ... دانت له في علمه العلماء بل سوف يجلس فوق كرسي لدى ... ملك العباد ويجمع الشهداء كيما يفاض عليه من خلع الرضى ... مزجية من سندس خضراء ويخصه الله الكريم بفضله ... بشفاعة فيمن يرى ويشاء يا ابن الخطيب سقى ثراك بواكر ... من رحمة لا تنقضي سخّاء ويثاب فيك المسلمين مصابهم ... فاليوم حقا ماتت الآباء وأنشدها شمس الدين ابن انشا على قبره بصوت حسن فأبكى الناس.

стр. 762

ومررت يوما على بابه فإذا الكلاب جالسة على دككه فذكرت ما كان مكتوبا على قصر جعفر بن فلاح «١» : يا منزلا لعب الزمان بأهله ... فأبادهم بتشتت لا يجمع إن الذين عهدتهم بك مرة ... كان الزمان بهم يضر وينفع وقاله أبو حية النميري وقد رأى باب محمد سليمان خاليا بعد موته: فإن يمس وحشا بابه فلربما ... تواطح «٢» أفواجا إليه المواكب يحيون بساما كأن جبينه ... هلال بدا وانجاب عنه السحائب ويا غائبا من كان يرجى إيابه ... ولكنّ من قد ضمن اللحد غائب وفي أواخر هذه السنة يوم الخميس في الثامن عشر من الحجة وقع القبض على القاضي زين الدين عبد الباسط وسبب القبض عليه أنه لما كان الأشرف سلطانا كان لا يلتفت إلى الظاهر ولا يوقره ولا يعظّمه بل كان يهزأ به فيوغر صدره عليه، فلما وليّ السلطنة انتقم منه. وفي سابع عشر قتل تغري ورمش على باب القلعة ودفن بمكانه الذي انشأه تحت القلعة. «٣» وفي أوائل رجب من هذه السنة توفيت فاطمة بنت شرف الدين الأنصاري «٤» أم القاضي زين الدين عمر بن السفاح. ولها سند وكانت دينة أ.

стр. 763

سنة ثلاث وأربعين [وثمانمائة] في ثالث المحرم أمر عبد الباسط دواداره بإحضار ما في منزله من المال فكان ثلاثين ألف دينار، فاستقل السلطان، فاستأذن السلطان في بيع موجوده فبلغت مصادرته إلى مائة ألف دينار وثلاثين ألف دينار وطلب منه ألف دينار فأنزلها بعض الناس إلى خمسمائة ألف دينار، وقطع على مملوكه جاني بك عشرة آلاف دينار فباع حوائجه ثم تقرر الحال على ثلاث مائة ألف دينار فتكلم معه فأظهر العجز فحبس في البرج فقلب الله قلب السلطان فأخرجه وسلمه إلى نائب القلعة فأنزله في غرفة وذلك أعلى ما في القلعة فأقام بها أكثر من شهر ثم أفرج عنه يوم الاثنين حادي عشر ربيع الآخر وخلع عليه خلعة. وتوجه إلى مكة المشرفة ليلة الاثنين ثامن عشر الشهر المذكور. وفيها تقرر جلبان «١» في كفالة حلب عوضا تغري ورمش «٢» وذلك يوم الأحد سابع عشر ربيع الآخر. وأجرى النهر واجتهد فيه. ثم استقر الحمزاوي «٣» في كفالتها بحكم انتقال جلبان إلى دمشق. وتقدم في الكفالة متى دخلها. وجلبان أجرى النهر، وعزل طريقه، وسد عورته، وأخرج على ذلك مالا كثيرا من أموال أرباب الأملاك.

стр. 764

سنة أربع وأربعين [وثمانمائة] في ثاني المحرم وصل القاضي عبد الباسط من مكة إلى القدس. وفيها وصلت هديته إلى السلطان. ومنها مائة شاش وتحف هندية وحبشية وثمانمائة قبلها السلطان وخلع على قاصده. وفي أثناء صفر استقر شيخنا القاضي زين الدين ابن الخرزي في قضاء حلب عوضا عن شيخنا المذيل وفي أثناء ولايته هذه كتب بعض أهل حلب من أصحاب الشرور قصة على لسان حلب والفقهاء بأمور كذب فيها أن نائبه مجد ابن الكركي وولده يأخذان الرشوة ويقولان من زاد ركب. فورد تغري البريدي بالكشف عليه وإن صح ذلك فيعزل ويصعد به إلى القلعة فاجتمعت الفقهاء بدار العدل عند الكافل وأثنوا عليه وكذبوا ما في القصة بالكتب إلى السلطان أن الأنباء غير صحيحة «١» وإعطاء البريدي مائتي دينار. [القاضي الفقيه ابن الخرزي] : وشيخنا القاضي ابن الخرزي كان فقيها، نحويا، أصوليا، طيبا، دينا، خيرا ومثالا للأخلاق، عارفا بالأحكام قدم قبل فتنة تيمور وقرأ/ (١٤ و) م على تاج الدين العجمي. وقرأ على جماعة بحماة وحضر إلى القاهرة عدة مرار وأثنوا على فضله وقرأ الطب على شهاب الدين ابن زيتون. قرأت عليه بعض شرح الدميري على المنهاج، وأذن لي بالإفتاء والتدريس. وكان يقول أنا من ذرية عبد الله بن مبارك ومولده سنة سبع وسبعين وسبعمائة.

стр. 765

وقرأ على جمال الدين بن خطيب المنصورية «١» والشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ عبد الله المدرس بطرابلس، وعلاء الدين بن الملقي «٢» . وسمع على شيخنا أبي الفضل بن حجر وقرأ أولا على السراج القوي «٣» قرأ من التسهيل قطعه، وقرأه مرتين. [القاضي محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي] : وفي ليلة الآخر ثاني عشر جمادى الأول منها توفي شيخنا قاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي- قاضي مصر- كذا رأيته بخطي عن تاريخ شيخنا أبي الفضل. وسمعت ولده جمال الدين يوسف يقول: إنه توفي صبيحة يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة. سمعت عليه بحلب لما قدم صحبة الأشراف، وكان يكتب على الفتوى جيدا وعلمه مشهور، ولما قدم حلب قبل تيمور، وولد في رجب سنة خمس وستين وسبعمائة. ورأيت بخطه أنه ولد يوم السبت ضحوة سابع عشر ببغداد.

стр. 766

وقرأ على الشيخ شمس الدين الكرماني وكتب له: إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا. ولقبه شهاب الدين، وسمع من ابن رجب بدمشق وابن المحب، وبحلب من ابن المرحل، وقرأ صحيح مسلم قبل تيمور بحلب، ودخل القاهرة سنة ثمان وثمانين. قال رفيقه شيخنا أبو الفضل: ومن الاتفاقات أني كنت أنظر في دمية القصر فمررت في ترجمة المظفر أبي علي هذه الأبيات: بلاني الزمان ولا ذنب لي ... بلى إن بلواه للأمثل وأعظم ما قد أتى صرفه ... وفاة أبي يوسف الحنبلي سراج العلوم ولكن خبا ... وثوب الجمال ولكن بلي فوقع في نفسي أنه يموت بعد ثلاثة أيام بعدد الأبيات فكان كذلك. [ابن سحلول] وفي يوم الجمعة قبل المغرب سلخ جمادى الآخرة منها توفي الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ ناصر الدين محمد بن سحلول- شيخ الشيوخ بحلب- وصلى عليه بكرة النهار في الجامع الأموي، ودفن خارج الخانقاه السحلولية «١» . وكان شكلا حسنا ظريف الشمائل، يلبس الثياب الفاخرة ويليق به، ويركب حمارة كبيرة حسنة وكان كريم الأخلاق يعطي للفقراء ويطعمهم ويؤثرهم. وآثرني عند وفاته بتدريس الخانقاه. وأعطاني كتاب الوقف. وكان يحبني ويعظمني. ثم إني أعطيت الكتاب لابن أخيه شمس الدين. وولي شيخ الشيوخ بعده الشيخ علاء الدين أبو الحسن علي الهاشمي وفيها يوم الأربعاء ثاني رمضان توفي المقر الشرفي أبو بكر بن علم الدين سليمان سبط المجد بن العجمي بالقاهرة. رحل من حلب. ودخل القاهرة سنة سبع وثمانمائة وهو

стр. 767

في غاية من الفقر. وكان يحب أن يكتب في الإنشاء وكان كاتبا عند ابن/ (٦٤ ط) م سلار نائب قلعة حلب وكان معظما «١» تيمور، وكان شكلا «٢» حسنا كان عارفا بمباشرة الناس كتابة الإنشاء. نشأ بحلب ثم انتقل إلى القاهرة فاتصل بخدمة جمال الدين الأستادار فحظي عنده واتصل به اتصالا شديدا، وصار لا يفصل أمرا إلا به وأثرى بسبب ذلك. فلما قتل جمال الدين أراد الناصر قتله، ثم شفع فيه بعض مماليك جمال الدين وكان الملوك قد قدمه جمال الدين للسلطان فأطلقه السلطان. ثم ندم السلطان على إطلاقه، فتطلبه فاختفى وسار إلى مكة، وأقام بها مدة. ثم قدم القاهرة فعاشر الناس بتواضع زايد وعقل وحشمة، وعدم نقل الكلام فأحبّه عبد الباسط وقدمه، وصار يشاوره ويسامره ويتيمن بمشاورته. ولما سافر عبد الباسط إلى الحج أراد السلطان عزله فأخذ من مال عبد الباسط جملة، واصعد هذا للسلطان، وقال له: إن عبد الباسط قال إذا احتاج السلطان إلى شيء فأعطوه كذا ففرح السلطان، وعظمه. ورجع عن همته فرعاها القاضي عبد الباسط له وزادت منزلته عنده ووليّ نيابة كتابة السر بالقاهرة وحضر إلى حلب صحبة الأشرف إلى حلب فأحسن إلى أصحابه بحلب وراعى المودة القديمة ثم رجع مع السلطان إلى القاهرة. ثم في سنة تسع وثلاثين ولاه كتابة السر بحلب، وخلع عليه في ثالث ربيع الأول، وقرر في وظائفه ولده معين الدين وطلب ابن السفاح إلى القاهرة لأنه كتب إلى السلطان يحذره من غائلة قرقماش يطلب الحضور فصادف توجه الهجان بطلبه فسبق قاصده فعرف السلطان بمراده فأذن له في المجيء وحنق على ابن السفاح، فعزله من كتابة السر وتوجه قرقماش على الهجن في أربعة عشر يوما في سادس ربيع الأول.

стр. 768

فلما قدم أكرمه وفي صبيحة دخوله خلع عليه أمير سلاح فكان جقمق، وخلع على اينال الجكمي «١» بحلب وعوتب قرقماس بأنه كاتب جاني باك الصوفي فتنصل من ذلك. وسافر الجكمي وشرف الدين في رابع عشر ربيع الأول إلى حلب فأقام بحلب ونزل ببيت ابن شبابوا بالقرب من المدرسة الصاحبية «٢» ، وباشر بدين وعفة وحشمة زائدة وعقل وراعى أصحابه وزاد في إكرامهم. وكان شيخنا المؤرخ يتردد إليه لأنه صاحبه دائما ويسمر عنده وكان ينزل إلى الجامع فيصلي الصبح، ويسمع قراءة البخاري، وخلع عليّ خلعة سنية يوم الختم. وراعى ما بيننا من القرابة والرحم. وفي رمضان «٣» توفي الإمام علاء الدين علي بن الصيرفي «٤» الدمشقي الشافعي ورأيته بدمشق وترجمته في مشايخي. وقال له شيخنا شمس الدين بن ناصر الدين: هذا هو ولد الشيخ برهان الدين وكان في الحج. فقال: ادع لنا أما علمت أن دعاء الغائب مستجاب، فقلت حتى يرجع إلى أهله. وقد رجعت إليكم وأنتم أهلي. فعجب لسرعة الإجابة فأثنى عليّ وكان دينا، خيرا، محدثا متواضعا حسن الأخلاق/ (١٥ و) م مطرح الكلفة. وفيها توفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن الرسام الحموي الحنبلي القادري ذكرته في مشايخي، وترجمته، وليّ قضاء حلب مرارا.

стр. 769

سنة خمس وأربعين [وثمانمائة] في شهر صفر قدم الشيخ سراج الدين أبو حفص عمر بن موسى الحمصي المخزومي «١» الشافعي- غير قاض- وسكن الجامع الأموي ثم صار ينتقل من مكان إلى مكان تارة يقيم بمشهد الأنصاري خارج حلب، وتارة بمقام الشيخ فارس خارج قرية بابلي، ونزل الشرفية. ومولده: كما رأيته بخطه في رمضان سنة سبع وسبعين ورأيت بخط صاحبنا «٢» الشيخ نجم الدين بن فهد أن مولده سنة إحدى وثمانين بحمص. وكتب لي إذنا بالفتوى والتدريس أفتتحه بقوله: الحمد لله الذي وفق للدين القيم من أظهر المحاسن الشريفة بسر برهان آثارها، وحلاها بتصحيح جوهرها ودرر حسان أخبارها. ومنه: وإن تفق الأصول فذاك منهم ... وإن المسك بعض دم الغزال [لطيفة مع المتنبي] : وأذكرني هذا قول أبي الطيب في سيف الدولة: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال «٣» وأوله: نظرت إلى الذين أرى ملوكا «٤» ... كأنك مستقيم في محال

стр. 770

وحكى أن أبا الطيب قيل له في مجلس سيف الدولة إن المحال ما يطابق الاستقامة لكن القافية ألجأتك إلى ذلك. ولو فرض أنك قلت: كأنك مستقيم في اعوجاج كيف كنت تضع في البيت الثاني. فقال: ولم نتوقف؟ فإن البيض بعض دم الدجاج. رجع: ذكر أنه سمع من البلقيني والعراقي ومن جلا [ل] الدين بن البلقيني وابن الجرزي وشرف الدين بن علوى بمدينة تعز ومن جمال الدين الزجاجي باليمين. وجمال الدين العبدوسي وابن مرزوق «١» وهما من علماء المغرب. وقرأت عليه شيئا من الصحيحين والسنن وذلك في ربيع الأول سنة خمس. ولما نزل الشرفية بحث معي في صفات الفعل فقلت له: تعلتها حادث. فقال: بل قديم. فقلت له: فيلزم قدم العالم فأخذ في الصياح واللفظ كعادته حتى يظن أن الحق معه. وحضر عندي قراءة البخاري. فقرأت:" إني لأرى مومنا....." بفتح الهمزة. فرد عليّ بالضم فقلت له النووي ضبطه بالفتح فمن ضبطه بالضم، فسكت ولم يستحضر أن القرطبي قال الرواية بالضم، وعمل المواعيد بالجامع. فقال في بعض مواعيده: عنان السماء بالكسر. والصواب بالفتح. وكان كثير الدعاوى، وصنف كتابا في الفقه بحلب سماه:" الإرشاد". وله ترجمته في مشايخي. ورأيت للعلامة تقي الدين ابن قاضي شهبه ترجمة في تاريخه بترجمة غير حسنة وأورد فيها مقامة عملها الشيخ برهان الدين الباعوني وهي غاية في الأدب وذكر فيها مثالبه وما انطوى عليه وظهر منه في قضاء دمشق. وولي قضاء دمشق. وولي قضاء أسيوط سنة خمس وعشرين، ثم طرابلس، ثم الشام، ثم حلب، أما

стр. 771

الشام فعوضا عن بهاء الدين بن حجة «١» / (١٥ ط) م سنة ثمان وثلاثين ببذل أربعة آلاف دينار، ووليها أيضا ثم عزل بالونائي. والحاصل أنه لا يبالي بما يقول ولا يثبت ولما ولّي القضاء بحلب سكن بالخانقاه الشمسية وأراد أن يقلع بلاط مغارتها. وقدم معه شمس الدين محمد البلاطنسي «٢» وكان نقيبه ولا يبالي من أن يجمع المال فأصبح ميتا. فادعى أنه شرب الخمر ومات نسأل الله السلامة. وله نظم أنشدني منه وهو ركيك. لا جزالة فيه. ومنه كما شاهدته بخطه يمدح القاضي ضياء الدين ابن النّصيي: كل الأنام إلى الضياء توجهوا ... حسا ومعنى فهو بغية قاصد ونجومه كالزهر ضاءت في الورى ... كالشمس في الدنيا لنفع حامد حصنته وبنيه بالسبع الذي ... في الخمس تتلى من عدو حاسد وتوفي سراج الدين المشار إليه بالقدس يوم الثلاثاء حادي عشر صفر سنة إحدى وستين؛ كذا نقل عن كتاب القاضي محب الدين أبي الفضل بن الشحنة منفيا. وفي يوم الأحد رابع ربيع الأول توفي الخليفة داود بن محمد المعتضد أبو الفتح بن المتوكل «٣» قارب تسعين سنة وعهد لأخيه سليمان. وكتب في عهده وورث سليمان داود. وفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الأولى منها قدم قاضي المسلمين جمال الدين يوسف بن قاضي المسلمين أبي العباس أحمد بن ناصر بن خليفة فرج بن عبد الله ابن يحيى بن عبد الرحمن الباعوني «٤» قاضيا، شافعيا، وعزل ابن الخرزي، ولبس

стр. 772

تشريفه ودخل إلى الجامع فقرىء توقيعه. ثم جاء إلى المدرسة الشرفية وسكن دارا على بابها وهو بيت كمال الدين عمر بن العجمي- شيخ والدي- ولزم المدرسة الشريفة وحكم بها، ودرس بالمدارس، وباشر القضاء بدين متين وعفة زائدة، وعقل حسن يتلو القرآن وينكر المنكر يأمر بالمعروف، ويتصدق على الفقراء، ورتب له على ديوان السلطان كل شهر خمسمائة، وعلى بيت المال كذلك، وعلى الجامع كذلك وعلى العصرونية كذلك، ولم يلتمس شيئا من أموال الناس. وكان نقيبه شمس الدين محمد بن الياسوفي فسمع القاضي بخمر في بيت عند خان الدهانين فأرسله لإراقته فسمع به طوغان وهو أمير بحلب. فأرسل خلفه وأحضره إلى بيته- بيت سودون- وضربه ضربا شديدا فجاء إلى الشرفية وهو على حالته من الضرب لا يقدر على المشي فقام الناس قاطبة على الأمير طوغان فأرادوا قتله فأغلق بابه ورمى مماليكه بالنشاب على الناس. فجرح أناس. فجاؤوا بالنار لإحراقه وتوجه القاضي جمال الدين إلى دار العدل ومعه الفقهاء فأعلم الكافل بذلك فأشهر الكافل النبأ على طوغان «١» بالإتيان إلى الجامع وقصد بذلك انفلال الناس عنه خشية قتله فحضر الناس إلى الجامع وكذلك القضاة فخرج هو فارا إلى العسكر الذين كانوا بالميدان واختبأ عندهم ثم أحضروه إلى الشرفية إلى القاضي جمال الدين وأدبه. وكان قد عزم على التوجه على الشام فدخل عليه القاضي محب الدين بن الشحنة حتى أقام وأما والده فولد بقرية الناصرة «٢» من أعمال صفد سنة/ اثنتين وخمسين وسبعمائة وحفظ القرآن وله عشر سنين، وحفظ (المنهاج) في مدة يسيرة ثم حفظ المنهاج

стр. 773

للبيضاوي والألفية وغير ذلك. وقدم دمشق وعرض محافيظه على التاج السبكي وسمع الحديث من جماعة، وكتب المنسوب وقرأ النحو، وبهر في ذلك ثم صحب الفقراء بصفد، وتخلق بأخلاقهم ثم توجه غ ١ كلام القوم وتسلم على هذا لا تجلس عندنا وغضب منه. وفي شوال توفي القاضي شمس الدين أبو عبد الله هبة الله بن العدل عماد الدين إسماعيل الحنبلي والده الحنفي. هو نشأ في حجر خالد إدريس الشاهد داخل باب النصر وكان إدريس من رجال الدنيا دهاء شغله بمذهب أبي حنيفة وقرأ على الشيخ بدر الدين بن سلامة/ (١٦ ظ) م الحنفي وأدام القراءة عليه، وحفظ محافيظ على قاعدة مذهبه، و (ألفية ابن مالك) ، وكان ذكيا له خط حسن إلى الغاية، وجلس مع العدول داخل باب النصر عند خاله إدريس وأولاد رضوان. ثم استكتبه شيخنا المذيّل حكمه ودربه في صناعة التوريق ففاق في ذلك على أقرانه. لديه/ (١٦ ظ) م وكان عاقلا داهية له طمع كثير وجب ذلك أن استولى على وظائف، وإجازات وكثر دخله بحيث لم تبق ضيعة في بلاد حلب من جبل سمعان إلا وله فيه تعلق. وحصل كتبا. ولما مات القاضي المالكي شمس الدين محمد بن النحريري سعى لنفسه في قضاء المالكية بحلب عوضا عنه فلم يجب إلى ذلك وولوه للقاضي علاء الدين الناسخ. ثم ترفع عن كتابة حكم شيخنا ولزم بيته وحبّب إليه العمارة ولبس الثياب الفاخرة والخيول الحسنة واستكثر من ذلك واستنابه القاضي الحنفي محب الدين بن الشحنة ولم تبق مدرسة بحلب إلا وله وظائف منها الصلاحبية والصلاحية والكلتاوية وطال طمعه، وزاد شرهه وخرج للتنزه بالسعدي فرجع ومرض بالدم ومات. وتفرق ما جمعه شذر مذر وماتت أولاده. ولا عقب له الآن. ولم يمرض أحد من أهل حلب إلا وأخذ وظائفه بالتعليق سامحه الله تعالى.

стр. 774

سنة ست وأربعين [وثمانمائة] قدم الشيخ بدر الدين محمود بن عبيد الله الأردبيلي الحنفي «١» وعلى يده مرسوم شريف بالكشف عن النسيمية «٢» ، وعقد لهم مجلس بالجامع الكبير، وحضر كافل حلب، وقتل الحيداد قاسم النسيمي وكان شكلا مجزعا ينشد أشعار النسيمي ويحث على اتباع مذهبه. وله أتباع ببلاد منبج وعين تاب. ثم ورد في سنة ثمان وأربعين بسببهم وقتل سوندك التركماني بعد إقامة غ ٢ إلى مصر واجتمع بالظاهر برقوق فولاه خطابة الجامع الأموي فقدم دمشق سنة اثنين وتسعين وباشرها ثم لما قدم الظاهر إلى دمشق سنة ثلاث وتسعين ولاه القضاء في الحجة فباشر بعفة. وولى مشيخة الشيوخ في ربيع الأول سنة أربع وتسعين انتزعها من كاتب السر، ابن أبي الطيب ثم تغير خاطر الظاهر عليه، وطلب منه أن يقرضه شيئا من أموال الأيتام فلم يفعل فعزله. ثم ولي خطابة القدس في شعبان سنة اثنين وثمانمائة مدة وجاءت الفتنة- يعني فتنة تيمور «٣» - وهو هناك ثم وقع بينه وبين أهل القدس لأنه لم يكن عنده حسن مداراة وحكم عليه القاضي الحنبلي بالقدس بحكم باطل فقدم إلى دمشق سنة سبع وثمانمائة واشتكى إلى شيخ نائبها فطلب الحنبلي، وعقد لهما مجلسين وأهين الحنبلي إهانة عظيمة كبيرة وسجن ثم ولي خطابة دمشق وشيخ الشيوخ غير مرة وولاه الناصر القضاء في صفر سنة اثني فلم يمكنه إجراء الأمور على ما كانت عليه ثم صرفه شيخ عند استيلائه على دمشق في جمادى الآخرة من السنة وفي فتنة الناصر ولي قضاء مصر مدة الحصار ثم انتقض ذلك.

стр. 775

وله شعر كثير، ومنه: ولينصرن الله ناصر دينه ... وليتركن عدوه مخذولا. وقال شيخنا شيخ الإسلام أبو الفضل في ذي الحجة سنة ست وثمانمائة: تقلّد القاضي عز الدين عبد العزيز البغدادي الحنبلي قاضي القدس سيفا، ووقف بالأقصى وأشهد على نفسه أنه حكم بزندقة شهاب الدين الباعوني- خطيب القدس- ومنع من الصلاة خلفه فسئل عن المستند فذكر أنه سمعه يقول:" وكتب «١» النبي ﷺ فقبل فاه «٢» ". فاستفتى الباعوني العلماء بالقدس فأفتوه أنه لا يقتضي «٣» كفرا. فوصل الباعوني إلى دمشق في المحرم من السنة المقبلة، وشكا حاله لكافل الشام. فأرسل خلفه للحكم بينهما ففر إلى العراق. قال لي والدي الحافظ برهان الدين المحدث- ﵀ كنت جالسا على باب الناصرية بالقاهرة ومعنا الشيخ شهاب الدين المشار إليه ومعنا شخص يقال له الصفدي وهو من أهل الخير والصلاح والشيخ شهاب الدين يذكر ما لهم من كرامات فمر يونس الدوادار فسلم. فترك غ ٣ البينة عليه. وكان نسيميا أيضا لا عقيدة له ولا دين له، وله أتباع لا كثر الله منهم. وفي خامس عشر ربيع الأول ولي قاضي المسلمين علاء الدين بن العلامة عز الدين الحاضري قضاء حلب عن قاضي المسلمين محب الدين بن الشحنة وليها بمصر وحضر إلى حلب وهو ضعيف. وقرئ توقيعه بجامع حلب، وباشر بحرمة وعفة تبعا لأبيه وجده وصرف عن قرب بالقاضي محب الدين.
следующие страницы →