Полный текст (1 101 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الشام فعوضا عن بهاء الدين بن حجة «١» / (١٥ ط) م سنة ثمان وثلاثين ببذل أربعة آلاف دينار، ووليها أيضا ثم عزل بالونائي. والحاصل أنه لا يبالي بما يقول ولا يثبت ولما ولّي القضاء بحلب سكن بالخانقاه الشمسية وأراد أن يقلع بلاط مغارتها. وقدم معه شمس الدين محمد البلاطنسي «٢» وكان نقيبه ولا يبالي من أن يجمع المال فأصبح ميتا. فادعى أنه شرب الخمر ومات نسأل الله السلامة.
وله نظم أنشدني منه وهو ركيك. لا جزالة فيه. ومنه كما شاهدته بخطه يمدح القاضي ضياء الدين ابن النّصيي:
كل الأنام إلى الضياء توجهوا ... حسا ومعنى فهو بغية قاصد
ونجومه كالزهر ضاءت في الورى ... كالشمس في الدنيا لنفع حامد
حصنته وبنيه بالسبع الذي ... في الخمس تتلى من عدو حاسد
وتوفي سراج الدين المشار إليه بالقدس يوم الثلاثاء حادي عشر صفر سنة إحدى وستين؛ كذا نقل عن كتاب القاضي محب الدين أبي الفضل بن الشحنة منفيا. وفي يوم الأحد رابع ربيع الأول توفي الخليفة داود بن محمد المعتضد أبو الفتح بن المتوكل «٣» قارب تسعين سنة وعهد لأخيه سليمان. وكتب في عهده وورث سليمان داود.
وفي يوم الخميس تاسع عشر جمادى الأولى منها قدم قاضي المسلمين جمال الدين يوسف بن قاضي المسلمين أبي العباس أحمد بن ناصر بن خليفة فرج بن عبد الله ابن يحيى بن عبد الرحمن الباعوني «٤» قاضيا، شافعيا، وعزل ابن الخرزي، ولبس
стр. 772
تشريفه ودخل إلى الجامع فقرىء توقيعه. ثم جاء إلى المدرسة الشرفية وسكن دارا على بابها وهو بيت كمال الدين عمر بن العجمي- شيخ والدي- ولزم المدرسة الشريفة وحكم بها، ودرس بالمدارس، وباشر القضاء بدين متين وعفة زائدة، وعقل حسن يتلو القرآن وينكر المنكر يأمر بالمعروف، ويتصدق على الفقراء، ورتب له على ديوان السلطان كل شهر خمسمائة، وعلى بيت المال كذلك، وعلى الجامع كذلك وعلى العصرونية كذلك، ولم يلتمس شيئا من أموال الناس.
وكان نقيبه شمس الدين محمد بن الياسوفي فسمع القاضي بخمر في بيت عند خان الدهانين فأرسله لإراقته فسمع به طوغان وهو أمير بحلب. فأرسل خلفه وأحضره إلى بيته- بيت سودون- وضربه ضربا شديدا فجاء إلى الشرفية وهو على حالته من الضرب لا يقدر على المشي فقام الناس قاطبة على الأمير طوغان فأرادوا قتله فأغلق بابه ورمى مماليكه بالنشاب على الناس. فجرح أناس. فجاؤوا بالنار لإحراقه وتوجه القاضي جمال الدين إلى دار العدل ومعه الفقهاء فأعلم الكافل بذلك فأشهر الكافل النبأ على طوغان «١» بالإتيان إلى الجامع وقصد بذلك انفلال الناس عنه خشية قتله فحضر الناس إلى الجامع وكذلك القضاة فخرج هو فارا إلى العسكر الذين كانوا بالميدان واختبأ عندهم ثم أحضروه إلى الشرفية إلى القاضي جمال الدين وأدبه. وكان قد عزم على التوجه على الشام فدخل عليه القاضي محب الدين بن الشحنة حتى أقام وأما والده فولد بقرية الناصرة «٢» من أعمال صفد سنة/ اثنتين وخمسين وسبعمائة وحفظ القرآن وله عشر سنين، وحفظ (المنهاج) في مدة يسيرة ثم حفظ المنهاج
стр. 773
للبيضاوي والألفية وغير ذلك. وقدم دمشق وعرض محافيظه على التاج السبكي وسمع الحديث من جماعة، وكتب المنسوب وقرأ النحو، وبهر في ذلك ثم صحب الفقراء بصفد، وتخلق بأخلاقهم ثم توجه غ ١ كلام القوم وتسلم على هذا لا تجلس عندنا وغضب منه.
وفي شوال توفي القاضي شمس الدين أبو عبد الله هبة الله بن العدل عماد الدين إسماعيل الحنبلي والده الحنفي. هو نشأ في حجر خالد إدريس الشاهد داخل باب النصر وكان إدريس من رجال الدنيا دهاء شغله بمذهب أبي حنيفة وقرأ على الشيخ بدر الدين بن سلامة/ (١٦ ظ) م الحنفي وأدام القراءة عليه، وحفظ محافيظ على قاعدة مذهبه، و (ألفية ابن مالك) ، وكان ذكيا له خط حسن إلى الغاية، وجلس مع العدول داخل باب النصر عند خاله إدريس وأولاد رضوان.
ثم استكتبه شيخنا المذيّل حكمه ودربه في صناعة التوريق ففاق في ذلك على أقرانه. لديه/ (١٦ ظ) م وكان عاقلا داهية له طمع كثير وجب ذلك أن استولى على وظائف، وإجازات وكثر دخله بحيث لم تبق ضيعة في بلاد حلب من جبل سمعان إلا وله فيه تعلق. وحصل كتبا. ولما مات القاضي المالكي شمس الدين محمد بن النحريري سعى لنفسه في قضاء المالكية بحلب عوضا عنه فلم يجب إلى ذلك وولوه للقاضي علاء الدين الناسخ.
ثم ترفع عن كتابة حكم شيخنا ولزم بيته وحبّب إليه العمارة ولبس الثياب الفاخرة والخيول الحسنة واستكثر من ذلك واستنابه القاضي الحنفي محب الدين بن الشحنة ولم تبق مدرسة بحلب إلا وله وظائف منها الصلاحبية والصلاحية والكلتاوية وطال طمعه، وزاد شرهه وخرج للتنزه بالسعدي فرجع ومرض بالدم ومات. وتفرق ما جمعه شذر مذر وماتت أولاده. ولا عقب له الآن. ولم يمرض أحد من أهل حلب إلا وأخذ وظائفه بالتعليق سامحه الله تعالى.
стр. 774
سنة ست وأربعين [وثمانمائة]
قدم الشيخ بدر الدين محمود بن عبيد الله الأردبيلي الحنفي «١» وعلى يده مرسوم شريف بالكشف عن النسيمية «٢» ، وعقد لهم مجلس بالجامع الكبير، وحضر كافل حلب، وقتل الحيداد قاسم النسيمي وكان شكلا مجزعا ينشد أشعار النسيمي ويحث على اتباع مذهبه. وله أتباع ببلاد منبج وعين تاب. ثم ورد في سنة ثمان وأربعين بسببهم وقتل سوندك التركماني بعد إقامة غ ٢ إلى مصر واجتمع بالظاهر برقوق فولاه خطابة الجامع الأموي فقدم دمشق سنة اثنين وتسعين وباشرها ثم لما قدم الظاهر إلى دمشق سنة ثلاث وتسعين ولاه القضاء في الحجة فباشر بعفة. وولى مشيخة الشيوخ في ربيع الأول سنة أربع وتسعين انتزعها من كاتب السر، ابن أبي الطيب ثم تغير خاطر الظاهر عليه، وطلب منه أن يقرضه شيئا من أموال الأيتام فلم يفعل فعزله.
ثم ولي خطابة القدس في شعبان سنة اثنين وثمانمائة مدة وجاءت الفتنة- يعني فتنة تيمور «٣» - وهو هناك ثم وقع بينه وبين أهل القدس لأنه لم يكن عنده حسن مداراة وحكم عليه القاضي الحنبلي بالقدس بحكم باطل فقدم إلى دمشق سنة سبع وثمانمائة واشتكى إلى شيخ نائبها فطلب الحنبلي، وعقد لهما مجلسين وأهين الحنبلي إهانة عظيمة كبيرة وسجن ثم ولي خطابة دمشق وشيخ الشيوخ غير مرة وولاه الناصر القضاء في صفر سنة اثني فلم يمكنه إجراء الأمور على ما كانت عليه ثم صرفه شيخ عند استيلائه على دمشق في جمادى الآخرة من السنة وفي فتنة الناصر ولي قضاء مصر مدة الحصار ثم انتقض ذلك.
стр. 775
وله شعر كثير، ومنه:
ولينصرن الله ناصر دينه ... وليتركن عدوه مخذولا.
وقال شيخنا شيخ الإسلام أبو الفضل في ذي الحجة سنة ست وثمانمائة: تقلّد القاضي عز الدين عبد العزيز البغدادي الحنبلي قاضي القدس سيفا، ووقف بالأقصى وأشهد على نفسه أنه حكم بزندقة شهاب الدين الباعوني- خطيب القدس- ومنع من الصلاة خلفه فسئل عن المستند فذكر أنه سمعه يقول:" وكتب «١» النبي ﷺ فقبل فاه «٢» ".
فاستفتى الباعوني العلماء بالقدس فأفتوه أنه لا يقتضي «٣» كفرا. فوصل الباعوني إلى دمشق في المحرم من السنة المقبلة، وشكا حاله لكافل الشام. فأرسل خلفه للحكم بينهما ففر إلى العراق.
قال لي والدي الحافظ برهان الدين المحدث- ﵀ كنت جالسا على باب الناصرية بالقاهرة ومعنا الشيخ شهاب الدين المشار إليه ومعنا شخص يقال له الصفدي وهو من أهل الخير والصلاح والشيخ شهاب الدين يذكر ما لهم من كرامات فمر يونس الدوادار فسلم. فترك غ ٣ البينة عليه. وكان نسيميا أيضا لا عقيدة له ولا دين له، وله أتباع لا كثر الله منهم.
وفي خامس عشر ربيع الأول ولي قاضي المسلمين علاء الدين بن العلامة عز الدين الحاضري قضاء حلب عن قاضي المسلمين محب الدين بن الشحنة وليها بمصر وحضر إلى حلب وهو ضعيف. وقرئ توقيعه بجامع حلب، وباشر بحرمة وعفة تبعا لأبيه وجده وصرف عن قرب بالقاضي محب الدين.
стр. 776
وفي خامس عشر ربيع الآخر استقر القاضي زين الدين عبد القادر بن الرسام في وظيفة نظر الجيش بحلب على عادة كمال الدين إبراهيم «١» بن أبي أصبع. وعلى عادة زين الدين عمر بن السفاح.
وفي تاسع عشر جمادى الأولى استقر ابن الرسام في نظر القلعة عوضا عن ابن السفاح مضافا لنظر الجيش. وفي ليلة الجمعة تاسع عشر رجب توفي الشيخ أبو بكر الحيشي؛ وتقدمت ترجمته في المزارات.
وفي ذي القعدة. ولي قضاء الحنابلة بحلب قاضي المسلمين علاء الدين علي بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الراميني «٢» - نسبة إلى قرية من جبل نابلس- الدمشقي الحنبلي. وهم ينسبون إلى بني النجار وعوضا عن سالم إذ شكا القاضي جمال الدين الباعوني ووصل إلى حلب في عاشر ربيع الأول سنة سبع وأربعين، وأقام بها إلى أثناء شعبان من السنة. ثم أشيع بحلب ولاية سالم فتوجه إلى القاهرة فلما كان نصف شعبان بعد وصوله إلى الشام/ (١٧ و) م بثلاثة أيام ورد إليه كتاب القاضي محب الدين بن الشحنة أن سالما ردّ من الصالحية وورد توقيع باستمراره وفي الكتاب إن شئت أن تعود إلى حلب. وإن كان لك ضرورة استنب من شئت فاستناب أمين الدين ظاهر الحنبلي الذي وليها قبله. وأقام بدمشق إلى جمادى سنة ثمان فتوجه إلى القاهرة بسبب الحكم الذي حكمه سالم ونقضه علاء الدين المشار إليه بوقوع الطلاق على عمر بن يحيى فعقد مجلس في بيت القاضي كمال الدين بن البارزي بإشارة السلطان وحضره العلماء فأفتوا بأن الحق بيد ابن مفلح فاجتمع بالسلطان.
стр. 777
فسأله لأي معنى لم تقم بحلب فعرفه أنه ليس له ما يكفيه، فرتب له علي الجوالي «١» كل يوم عشرة دراهم، وعلى ديوان السلطان كل شهر مكوكا من القمح ومكوكا من الشعير، وأعطاه خمسين أشرفيا نفقة.
ثم عاد إلى حلب في السنة المذكورة وأقام بها إلى فتنة شاهين فعزل سنة تسع وأربعين وتوجه إلى الشام واستمر بها إلى حضور تغري ورمش الفقيه وابن عبيد الله إلى حلب فعاد إلى حلب فأرسلا وأحضر له توقيعه سنة تسع وأربعين. ثم طلب إلى القاهرة بسبب قضية شاهين.
وكان قد وصل «٢» يعقوب المالكي إلى مصر وأنكر خطبه ثم عاد متوليا في أوائل سنة خمسين، وأقام بها إلى سنة ست وخمسين فولى سالم فتوجه إلى الشام ثم إلى القاهرة في سنة سبع وخمسين فولى قضاء دمشق في ربيع الأول، واستمر إلى أثناء سنة ثمان وخمسين.
فعاد إلى حلب قاضيا وورد عليه مرسوم شريف بتحرير قضية ابن قاضي عين تاب وأقام بقية سنة ثمان وسنة تسع إلى الحجة فورد كتاب ناظر الخاص بتوجهه إلى القاهرة وكان يستنيب «٣» من يشاء. فاستناب إبراهيم النابلسي، وتوجه إلى دمشق في الحجة سنة تسع فلما كان في صفر توجه إلى القاهرة. وولي قضاء الشام، ثم عزل ثم قضاء الشام.
ثم كتابة السر وكالة بيت المال في سنة ثلاث وستين في ربيع الأول وأقام بدمشق
стр. 778
إلى آخر سنة خمس وستين فعزل.
ثم في أثناء سنة ثمان وستين توجه إلى القاهرة للإقامة بها فلم يتيسر فولي قضاء حلب في جمادى الأول سنة تسع مع نظر الجيش فاستناب ولده صدر الدين عبد المنعم.
وقدم هو في سادس رمضان وأقام بها إلى ثامن عشر شوال فعزل عن نظر الجيش بمحمد بن الطنبغا سمسم، واستمر قاضيا إلى أوائل سنة إحدى وسبعين فولي جمال الدين يوسف التادفي جمادى الأولى.
واستمر معزولا إلى رجب من السنة المذكورة فولي حلب واستمر ج ١ جمادى الأولى «١» ثم رجع إلى حلب ثم إلى مصر ثم حج في سنة ست وثلاثين والأشرف غائب عن مصر.
واجتمعت به في مكة لما حججت سنة سبع وثلاثين وأفضل عليّ وكان صدرا محتشما، وهو أول من وليّ قضاء الحنابلة بمكة، وقد ترجمته في مشايخي. سمع من التشاوري المكي، ومولده في شعبان سنة تسع وسبعين وسبعمائة بمكة، وأجاز له البرهان الشامي وغيره البلقيني وابن الملقن «٢» والعراقي والهيثمي. وجمع له مشيخة تقي الدين بن فهد. وعمي في آخر عمره. توفي يوم الاثنين سابع شوال سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة بمكة ودفن بالمعلى.
وكان قد نقل عنه للأشرف برسباي «٣» أنه نقل عظام تيمور إلى مكة ودفنها بالمعلا؛ نقل عنه الأعداء ذلك. وأن شاه روخ أعطاه مالا جزيلا على ذلك فانقطع في حياة الأشرف عن التوجه إلى شاه روخ لأن الأشرف كانت بينه وبين شاه روخ عداوة. ولأجل ذلك توجه إلى صاحب الروم وفي بعض سفراته أخذ جميع ما معه
стр. 779
زهدا «١» خارج مكة ولم أر أحدا أكرم منه كأن الدراهم عنده..... «٢» مع طيب نفس بإخراجها. وكان متواضعا وعليه وقار وسكينة. فيه خصال أهل البيت: الكرم والبشاشة والتواضع والحياء والوقار والسكينة.
وفي يوم الخميس ثالث عشري المحرم توفي الشيخ شهاب الدين إبراهيم الدمياطي- بالدال المعجمة- ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة، كان إنسانا حسنا مقدما عند الرؤساء، معظما عندهم، لجودة عقله ومعرفته بالأمور يقتدي الرؤساء بعقله ورأيه.
ولا يقول كلاما أبدا إلا إن كان خطيرا.
وعرف منه هذا وربما أبدل القبيح بالحسن، وكان يحفظ القرآن ويداوم على قراءته ودرسه وتدريسه للصغار.
وتقدم عند ابن السفاح وأثرى. وسألني بعد موت والدي- ﵀: ما السبب الذي أوجب الاختلاف في اسم أبي هريرة ﵁؟ فأجبته: أنه أصاب دما في الجاهلية. فكان ينتقل في القبائل فكان كلما جاء إلى قبيلة غير/ (٢٩ و) م اسمه ج ٢ إلى آخر السنة فاستقر التادفي.
ثم في سنة اثنين وسبعين في رمضان عزل التادفي واستقر ابن مفلح إلى آخر السنة.
ثم استقر التادفي إلى ربيع الأول سنة خمس وسبعين.
ثم ولاه السيد علاء الدين الكردي قضاء حلب.
وفي خامس الحجة أعيد ابن السفاح إلى نظر الجيش ونظر القلعة عوضا عن ابن الرسام.
стр. 780
سنة سبع وأربعين [وثمانمائة]
في أوائلها «١» : استقر القاضي زين الدين بن الخرزي في قضاء حلب. وانفصل القاضي جمال الدين الباعوني إلى قضاء دمشق عوضا عن الوفائي. وكان بحلب فضل كبير إلى الفدية «٢» . وشاهدت الناس خارج باب المقام على كيفية منكرة»
من البكاء والعويل وتجهيز الموتى ودفنهم كل مشغول بنفسه. وترك الناس حوانيتهم وخرجوا إلى خارج حلب إلى كل مقبرة للصلاة على الأموات وتجهيزهم.
وفي أواخر الفصل قدم القاضي سراج الدين عبد اللطيف بن أبي الفتح محمد الحسني الحنبلي «٤» - قاضي مكة- وليها سنة تسع وثمانمائة. ثم جمع له قضاء الحرمين سنة سبع وأربعين من بلاد العجم واجتمع في سنة اثنين بشاه روخ «٥» بن تيمور هناك وأفضل عليه وكان كريما جوادا، فرق ما حمل له شاه روخ قبل أن يصل إلى مكة ونزل بالمدرسة الكلتاوية الحنفية داخل باب بانقوسا «٦» وتوفي له قريب فدفنه خارج الكلتاوية. ثم سافر إلى مصر ومن مصر إلى مكة.
وكان قد قدم حلب في حياة والدي رحمه الله تعالى. ونزل بالمدرسة الشرفية في الدور الثاني في شدة البرد ومعه جماعة فكان يستدين وينفق عليهم وذلك في سنة خمس وثلاثين.
стр. 781
وسافر من حلب إلى جهة الروم قاصدا في جهة الروم تاسع عشر ج ٣ وكان قبل محنته تيمور معظما عند ناصر الدين بن سلار «١» نائب القلعة وكمال الدين بن العديم وناصر الدين بن السفاح.
وكان فقيرا في مبدأ أمره وارتقى بالعقل والسكون. وبنى بيتا بحلب عند السفاحية وحوى كتبا كثيرة.
وفي عاشر جمادى الأول استقر ابن الرسام في كتابة السر ونظر الجيش ونظر الجوالي ونظر القلعة، ونظر الديوان المفرد وكان قد رافع عمر بن السفاح كاتب السر بحلب وحطط نائب القلعة ومحمد متولي الحجر، وقال للسلطان إنهم أكلوا حواصل القلعة فأحضروا إلى القاهرة وأودعوا في الترسيم وأخذ منهم «٢» السلطان بعد الجهد خمسة وعشرين ألف دينار. ثم ولي الوظائف المذكورة.
وفي تاسع شهر رجب استقر الأمير غرس الدين خليل بن شاهين الظاهري «٣» في الإمرة الكبرى بحلب عوضا عن الأمير طوغان العلائي ووصل إلى حلب وباشر بشهامة زائدة. ودق الكوسات «٤» على بابه فأنف من ذلك كافلها الحمزاوي وقال:
هذه الكوسات لا تدق إلا على باب الكافل. وكان يترفع عن الركوب في الخدم السلطانية فازداد أنفة وحنق عليه مع ما كان الحمزاوي عليه من رياضة الأخلاق
стр. 782
وحسن المعاشرة. ولكن أغراه على ذلك ابن الرسام كاتب السر فكتب إلى السلطان يعلمه برقاعته وقلة عقله.
فأحس بذلك خليل فكتب خليل محضرا بحسن سيرته وأنه داخل في الطاعة ملازم للخدم السلطانية. وأخذ خط قاضي المسلمين محب الدين بن الشحنة، وقاضي المسلمين زين الدين بن الخرزي وخط «١» القاضي ضياء الدين بن النصيي نائب كاتب السر ويخبرهم على محضره وألزمني بالكتابة فكتبت فيه: أنه يحب العلماء، ويثني على مشايخ الإسلام، ويواظب على طلب العلم، فسخط من ذلك وقال ليس «٢» هذا المقصود.
فدخل ابن الرسام إلى الكافل وقال له: إن خليلا كتب محضرا بأنك خارج عن الطاعة- وكان ابن الرسام يحب الفتن والشرور متحركا- فطلب الكافل القضاة وقال: لا بد من إحضار هذا المحضر إليّ لأنظره وإلا قطعت أيدي الكاتبين فيه فقالوا له إن هذا لم يكتب شيئا يتعلق بك إنما كتب محضرا بحسن سيرته، وملازمة الطاعة فدخل ابن الرسام إليه وقال: لا، هذا جواب إقناعي. لابد أن تقف على المحضر لتنظر حقيقة ذلك فاشتد طلب الكافل للمحضر فحضر القضاة إلى خليل وطلبوا منه المحضر فادعى خليل أنه أرسل المحضر إلى السلطان. ثم إنه أرسله إلى الكافل فقرئ عليه فما وجد فيه شيئا مما قاله ابن الرسام فسكت.
وهذا الرجل خفيف العقل له دعاوى عريضة، وكان ولي نيابة إسكندرية وكان قد اجتمع بجماعة من العلماء وأخذ عنهم كشيخنا الحافظ «٣» ابن حجر بينهما مراسلات ومكاتبات عديدة، وله نظم في الدرجة السفلى. وكان يدعي أن نظمه
стр. 783
منسجم، رقيق، فائق في الدرجة العليا والأمر بخلاف ذلك ولكن بواسطة مكانته وما هو عليه شهد له بعض الناس وهم الطامعون بما عنده من الإعطاء والكرم بحسن النظم وجودته، وفضله وعلمه وممن أخذ عنه الحديث قال هو شيخنا ابن حجر والتفهني «١» والبساطي «٢» المالكي، والعيني «٣» ، وسعد الدين الديري «٤» ، وشمس الدين والده ومحب الدين بن نصر الله، وبدر الدين الحنبلي وابن.... «٥» المالكي والسراج الحمصي، وبدر الدين بن قاضي شهبه ووالده، وبرهان الدين الباعوني وأخوه جمال الدين، وبرهان الدين وأبو السعادات قاضيا مكة وخطيب المدينة.
ووقفت له على مؤلف سماه:" التحفة المنيفة في جميع الأحاديث الشريفة".
جمع فيه أحاديث شريفة كل حديث لا تعلق له بما قبله. وقال في أوله:
" وشرحتها إلهاما". وهذا دليل قلة عقله ونظرته. فرأيته قد أخذ كلام العلماء وتصرف فيه تصرفا عجيبا: المبتدأ لا خبر له، والشرط لا جزاء له.... «٦» العقل.
وله مؤلف آخر سماه:" الذخيرة لوقت الخيرة". يشتمل على فضل لا إله إلا الله. وله تخميس بانت سعاد ونظمه غير طائل، سد وزن، وأولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... وفيه شوق إلى الأحباب موصول
من وجدهم في طوى الأحشاء معلول ... قد زاد حبا فلا يتلوه تحويل
стр. 784
متيم إثرها لم يفد مكبول
قال في كتاب (التحفة) ومما أتحفني به شيخنا الحافظ ابن حجر:
أيا غرس فضل أثمر العلم والندى ... فلله ما أزكى وما أطيب الثمر
يجود وينشئ بالغا ما أراده ... لمستطلع «١» درا «٢» ومستنزل الدرر
لك الخير قد حركت بالنظم خاطرا ... له مدة في العمر ولى «٣» وما شعر
وقلدت جيدي طوق نعماك جائدا ... فعالا ونطقا صادق الخبر والخبر
تناسب اسمانا خليل وأحمد ... لرأس أولى النظم الإمام الذي غبر
قال: ولشيخنا المشار إليه من الأشعار الرائقة المطولة ما تضيق عنها الطروس وقد بالغ ﵀ في أشعار كان يرسلها إليّ. وكنت أكتب إليه بماسخ الله عليّ من أشياء يطول ذكرها. ولا بد من قصيدة من ذلك لنفهم الثاني، وهي:
بعث الخليل إلى حبيب رسالة ... تحوي صنوف تحية المعشوق
وله اشتياق حل في وسط الحشا ... يزداد في ليلاته بتعلق
قد كنت أعشقه بمصر قبل ما ... أزداد أخبارا كمسك معبق
وقرأت من كتب وأشعار له ... فاشتد صرفي نحوه وتعشقي
ورأيت إعرابا له في نظمه ... والنثر زهر في قضيب مورق
أهل المعاني والبيان بأسرهم ... شرحوا منهاجه.... «٤» في المنطق
وولى وزارة مصر وكتب تقليده بذلك وجاء رؤساء القاهرة..... إلى بيته لسماع قراءة التقليد على العادة. وكان ممن حضر القاضي ... عبد الباسط. فقرئ
стр. 785
منه أن السلطان قلده وزارة المشارق والمغارب. فقال في وجهه القاضي عبد الباسط:
المفاسي والمضارط وفي آخر عمره افتقر افتقارا زايدا وعزل من المناصب. ولم يتول منصبا ومات رث الحال. قليل المتاع وكان بحلب كتب له القاضي الفاضل زين الدين أبو حفص عمر بن القاضي ضياء الدين محمد النصيي «١» الشافعي بأبيات منها:
ملكت رقاب العالمين جميعهم ... بفضل صلات منك يا صاحب الفخر
غرست ثمار الفضل في كل نبعة ... فلا زلت محبورا «٢» من الله بالنصر
وفقت الورى بالعلم والفضل والتقى ... وفي الرأي والأفعال والنهي والأمر
وقد صرت من بعض ... «٣» فإن نجد ... بها من عيوب عظما أنت بالستر
وفي تاسع عشر شعبان توفي الشيخ بدر الدين الحسن بن أحمد الحصوني «٤» الشافعي فجأة وصلى عليه يوم الجمعة بالجامع الأموي وكان فاضلا أمره ذكيا اشتغل كثيرا، ثم ترك ذلك، وباشر وظائف بحلب، فعوقب وصودر وكان يضرب ببعض الآلات ثم صار شاهدا بباب الجامع الأشرفي في داخله دكة للعدول ثم أزيلت، وخطه حسن إلى الغاية في مبدأ أمره، وكتب على الفتوى وكان مستهلا في فتواه، وقليل الصلاة. وله نظم كثير.
стр. 786
وكان يفتي بالمسألة..... «١» ولا يوقع الطلاق بها لكن صورتها إذا قال متى أو، أن، أو إذا، فكان هو يظن أن كلما كان. وإذا ومتى فتكتب على الفتوى أنه لا يقع الطلاق بكلما. وكان يفتي بأشياء ليست جارية على قاعدة المذهب.
وكتب صداقا نظما ونثرا للشيخ شمس الدين البوادي «٢» الذي كان بحلب شاهدا بسوق الهوى، فمنه:
يا له من خاطب ما أجمله ... وعروس بالبها مستكملة
ومن الأمر إذا بينهما ... فلها لاق ولاقت هي له
وله قريب يقال له شمس الدين محمد بن الحصوني يعرف بمنطاش كان يجلس مع العدول على باب المدرسة الأسدية ويكتب بخطه المالكي وهو لا يدري مسألة لكنه كبير العمة. واسع الأكمام. لقد سمعته مرة يسأل شيخنا المؤرخ في درس الأسدية: هل يصح السلم في الدقان «٣» . فلم يرد عليه شيخنا شيئا لجهله. وكان سخيف العقل يدّعي معرفة الشعر وأنه ينظم وهو لا يقيم الوزن، ولا يدري البحور بل يهزأ به الناس ولا يدري.
وما أحقه بقول الشاعر:
قال حمار حكيم توما ... لو أنصفوني لكنت أركب
لأنني جاهل بسيط ... وصاحبي جاهل مركب
لأنه يجهل ويجهل أنه يجهل.
ولما قدم الأشرف برسباي حلب ومعه القضاة مدح العلامة بدر العيني بشيء فقال:
стр. 787
فلم تر عيني مثلك يا عيني ... لأنه بحر إمام في العلوم وفي.... «١»
وقاك الله شر كل حاسد وعين ... وحفظك الواحد المنان بعينيه التي لا تنام
أنت ومن حضر معك من مشايخ الإسلام.
فقيل له: إن القرينة الواحدة طويلة والأخرى قصيرة فقال خذ من هذه وضع على هذه.
ودخل على شيخنا أبي الفضل أبي حجر وعرض قيثارة وشيخنا كان لا يواجه أحدا بما يكره وقال له: إن بعض المحمدية يقول إني/ (٣ ط) م سرقت هذا فقال له شيخنا على جهة الإبهام: ليس فيه شيىء من كلام الناس وله قريب آخر يقال له شهاب الدين أحمد كان يلي الحكم بسرمين وإذا عزل يجلس من العدول بباب الأسدية. فولي مرة قضاء سرمين رفيقا لعماد الدين أبي زيد تاج فأنشد فيه شعرا أرسله إلى معين الدين بن شرف الدين يسأله عزله:
لا تعذلوني على جنوني ... وخلصوني من الحصوني
أيش ذي البقالة «٢» أيش ذي الرطالة «٣» ... إلى البطالة بالله أرجعوني
ما أنا معود بذا المحدد ... بجاه محمد لا تهلكوني
أنا ألاطف وهو يخاطف ... والخصم واقف على عيني
ومنها:
إلى حلب سر ولا تقصر ... لكاتب السر أشكو شجوني
قل يا أبا الوجود يا خير موجود ... بمورق العود لا تهلكوني
وفي يوم الاثنين ثاني عشري رمضان خرجت الحجة الكبرى المحجبة زوجة كافل حلب قانباي الحمزاوي صان الله حجابها صحبة الحاج إلى الحجاز الشريف في أبهة
стр. 788
عظيمة وحال حسنة وبهجة زايدة وحشمة وأنفقت على العكّامين «١» والجمالين وخلعت عليهم وتصدقت قبل خروجها على الفقراء ونقل عنها إحسان عظيم إلى الناس في الطريق وصدقات كثيرة على أهل الحرمين الشريفين. ورجعت إلى حلب فاحتفل الكافل لذلك احتفالا عظيما وفرح بها وابتهج الفقراء بقدومها لما تسديه إليهم من الإحسان وتصرف من الصدقات.
وفي الليلة المسفر صباحها عن نهار الأربعاء خامس عشر شوال توفي القاضي شهاب الدين أحمد بن قاضي المسلمين جمال الدين إبراهيم بن العديم وكان الناس يكرمونه لأجل أسلافه ولا علم عنده. ووليّ عدة تداريس بحلب أخذها عن أسلافه وكان يلبس الثياب الفاخرة، ويأكل المآكل الحسنة ويديم الإقامة لقرية بابلي في جوسق أهله ثم أخربه وباعه أخيرا وكان منقطعا عن الناس ملازما لبيته ورزقه دار عليه ناب في الحكم عن أخيه كمال الدين لما توجه إلى القاهرة سمعت عليه وأجازني لاتصال السفر. وفي سابع شوال عزل غرس الدين خليل الظاهري عن الإمرة الكبرى بالأمر قانباي اليوسفي؛ كذا كتب إليّ عامل ديوان الجيش بحلب ورأيت بحلب القاضي زين الدين عمر بن النصيي في رابع شهر ذي القعدة يوم الاثنين قدم حلب قاصدا من الأبواب الشريفة وعلى يده مرسوم استقرار قانباي اليوسفي في الإمرة الكبرى عوضا غرس الدين خليل بن شاهين المذكور ومسك خليل المذكور وإيداعه في سجن القلعة في المنصورة فامتثل المرسوم الشريف وقبض عليه وأودع سجن القلعة.
وفي ليلة بعد السبت ثاني عشري الحجة، وفي كلام بعض الفضلاء ثاني عشر توفي أبو المعالي محمد بن السلطان الظاهر جقمق الحنفي «٢» وجاء الخبر بوفاته آخر
стр. 789
نهار الأحد رابع عشر المحرم سنة ثمان. وكان كافل القلعة شاهين فأخرج نساءه إلى سور القلعة ورفعن أصواتهن بالعويل والصراخ فخاف الناس من ذلك. وظنوا أن السلطان توفي فأصبح القاضي الحنفي محب الدين بن الشحنة/ (٢١ و) م، وجاء إلى الجامع وأشهر النداء بالصلاة على ابن السلطان خشية إفهام الناس إلى وفاة السلطان كما فهم ذلك بعضهم وحضر الكافل إلى الجامع وصحبته بعض القضاة. وحضر الناس وصلى عليه صلاة الغائب.
وهذا أبو المعالي قدم مع أبيه صحبة الأشرف برسباي ونزلا بيت المهمندار مقابل جامعه «١» ، وجاء إلى المدرسة الشرفية وقرأ على والدي شيئا لا أدري ما هو وكتب له والدي إجازة وأراد أن يشرب ماء فقال له لا تشرب هذا. فلما ذهب إلى أبيه وأخبره استحضار رأي والدي وقال لولده: خاف عليك أن يصيبك شيء فنسب إليه.
ولازم الاشتغال فقرأ على شيخنا أبي الفضل بن حجر وعلى الشيخ سعد الدين الديري وعلى الكافجي «٢» والشيخ قاسم الحنفي واعتنى بعلم حديث وطلب من بعلبك علي بن إسماعيل بردس «٣» ورفيقه وهما أحمد بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن ابن يوسف بن الطحان فقدموا القاهرة يوم الاثنين خامس عشر المحرم سنة خمس وأربعين فقرئ عليهم وسمع عليهم.
وابن الطحان سمعت عليه بدمشق في رجوعي من الحج عام ثمان وثلاثين وللاثنين لي منهما إجازة وترجمتهم في مشايخي رحمهم الله تعالى.
стр. 790
سنة ثمان وأربعين [وثمانمائة]
في يوم السبت سادس المحرم قبل الفجر قدم هجان من الديار المصرية إلى حلب وعلى يده مرسوم شريف إلى كافل حلب بالإفراج عن غرس الدين خليل وإنزاله من القلعة واحترامه وأن يقيم بحلب من غير وظيفة إلى أن يحصل الرضى الشريف.
وفي الليلة المسفر صباحها عن يوم الخميس ثالث صفر توفي نجم الدين عبد الخالق سبط الشيخ زين الدين ابن الوردي أصابه ريح السكتة إثر غيظ أصابه وحدث له وكان إنسانا حسنا كريما حسن الأخلاق باشر أعماله بالجامع بحلب وكتب عند نائب الغيبة بحلب وله عقل زايد.
وفي يوم الخميس سابع ربيع الآخر قدم حلب الشيخ عفيف «١» الدين أبو المعالي عبد المحسن بن محمد بن حسين بن عبد المحسن بن عبد الغفار الخراط الحنبلي ابن الدواليبي ونزل بالمدرسة الشرفية.
ومولده ببغداد يوم الأربعاء في الساعة السابعة حادي عشر المحرم سنة تسع وسبعين وسبعمائة واجتمعت به بدمشق سنة ثمان وثلاثين وسمعت عليه المسلسل بالأولية.
وأنشدني من نظمه:
الشعر ووجهه ضياء وظلام ... صنوان معا
والعنق ولحظه قنا وحسام ... قلبي قطعا
والثغر وريقه لآلي ومدام ... كيف اجتمعا
والوصل وهجره حلال وحرام ... من ذا شرعا
стр. 791
وقدم حلب قبل ذلك أيضا سنة عشرين وعمل الميعاد بجامع حلب وكان قراجا يجلس على باب الجامع يبيع من غير شاش. وكان يرى أن الطلاق الثلاث واحدة وعزر على ذلك بدمشق. وهو لا يرجع ولما عزروه، وطافوا به شوارع دمشق ولما فرغوا من ذلك قال لهم: هل بقي شارع أيضا ولم يتأثر من ذلك.
وخرج من بغداد لما نكب نظام بغداد وقدم/ (٣١ ط) م الشام وكان مطرح الكلفة له صوت جهوري ويخطب خطبا بليغة، ويحفظ غالب (البقرة لأبي الفرج ابن الجوزي) ومواعيده منها.
وفي الليلة المسفر صباحها عن نهار السبت سابع شوال توفي الشيخ بدر الدين محمد بن تاج الدين بن عشائر الحلبي الشافعي. وصلى عليه بجامع حلب- ودفن بالفيض بتربة بني مقلد. وكان شيخا مسنا يكرمه الناس لأجل أسلافه. وهو عار عن العلم. وفي يده وقف أسلافه. وفي محنة تيمور رآه حسين بن مصطفى وحسين في أيدي التتار فدلهم عليه فأخذوه وعذبوه. فجاء بهم إلى الشرفية إلى بيتهم الذي هو لهم بشرط الواقف وهو على يسار الداخل إلى المدرسة. وله دفينة بالبيت فأخرج ذهبا يقرب من ألف دينار فأخذوه وتركوه.
وفي ثالث عشر ذي القعدة بين الظهر والعصر دخل غرب باك قاصد صاحب الروم، ودخل دار العدل ومعه جماعة من الفرنج عدتهم خمسة عشر رجلا أحدهم ابن أخي تبكو بن الأنكرس، والآخر يدعى يعقوب من أكابرهم. والثلاثة عشر من الأنكرس. كذا أخبرني غرب باك المذكور عند اجتماعي به بجامع حلب وشاهدتهم عليهم آلة الحرب وعلى رؤوسهم خوذ غريبة الأشكال ولا يظهر شيء من أجسادهم من اللآمة التي عليهم. ومعه ثلاثة ألوية مذهب أحدهم عليه صورة فرس عليها راكب والألوية منكسة ثم ذهبوا إلى الديار المصرية.
стр. 792
في يوم الأربعاء سادس عشر القعدة حضر مثال باشنقر بن سراج الدين الحمصي في قضاء حلب عوضا عن ابن الخرزي.
وتاريخ المثال الثالث عشر شوال سنة تسع وأربعين.
في يوم الأحد سابع عشر المحرم توفي الشريف إبراهيم بن حمزة الجعفري «١» كان كريم النفس عاريا عن العلم وأبوه ساد بحلب، واستولى على أوقافها وأملاكها وله ترجمة في تاريخ شيخنا. وإبراهيم استولى على غالب مدارس الحنفية وكان يعطل المعاليم من تحت يده ووليّ نظر الجيش كذا قيل لي ووكالة بيت المال.
وفي مستهل صفر توفي الشيخ برهان الدين إبراهيم بن عمر بن رضوان الشافعي «٢» . في مبدأ أمره، ثم صار حنفيا ثم صار شافعيا. وكان شاهدا بباب النصر ثم توجه إلى القاهرة واتصل بولده السلطان الظاهر فسعى له تدريس الأسدية بعد وفاة شيخنا قاضي المسلمين علاء الدين فقدم حلب. ودرس بها درسا واحدا ودلّ على عدم فضله.
وكان كثير التردد إلى القاهرة فقال له يوما والدي: الناس يحبون القاهرة لمحافيظ وكتب جديدة. وقد قرؤوا على مشايخ وأنت تقدم بقول تضارب علي ابن البلقيني وابن حجر ولانتقل فائدة. ولا تأتينا بكتاب ألف جديدا. وتوفي بعد عوده من الحجاز ولم يكن عليه نورانيه. وينسب إلى التهاون بالصلاة.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشر صفر توفي العلامة قاضي المسلمين بدمشق أبو عبد الله شمس الدين محمد بن إسماعيل بن محمد بن أحمد الونائي «٣» الشافعي المصري.
стр. 793
كان أبوه شاهدا فشغله بالعلم وأخذ الفقه عن شمس الدين البرقاوي «١» واشتهر بالفضل وفوض إليه ابن المحمرة تدريس الشيخونية لما انتقل إلى القدس مدرسا بالصلاحية فمات ابن المحمرة فاستقل بها ثم ولي قضاء الشام مرض فرجع إلى القاهرة فسعى في تدريس الصلاحية بجوار الشافعي فتركها شيخنا أبو الفضل ابن حجر له اختيارا فباشرها. سنة ونيفا/ (٣٢ و) م.
ومولده في شعبان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة.
وفي بعد العصر نهار الجمعة سادس عشر جمادى الأول توفي الشيخ العالم علاء الدين أبو الحسن علي سبط ابن الوردي «٢» ودفن بمقابر الصالحين وكان أعمى حصل ذلك وهو كبير وبينه وبين شيخنا المؤرخ ما بين الأقران. وكان فقيها أصوليا من أذكياء العالم درس بالصاحبية وانتفع الناس به ويستحضر كثيرا من التاريخ وأخبار حلب. ومجالسته حسنة، وله عقل ينتفع برأيه.
وكنت إذا قرأت البخاري بالجامع يحضر عندي وكذلك إذا قرأته ببيت القاضي الحنفي ابن الشحنة يحضر عندي يسمع قراءتي. وكان يدرس (البهجة) لجده وكان أولا يميل إلى التاج ابن الكركي. ثم رجع عن ذلك ولازم والدي كثيرا.
وفي شهر رجب توفي شيخنا العلامة علاء الدين بن مكتوم العشائري الرحبي الشافعي «٣» بالدير. قدم من الرحبة إلى الشام فنشأ بها وقرأ على الرحبي وحفظ ثلث الترمذي وحفظ (التمييز) و (الألفية) و (مختصر ابن الحاجب الأصلي) .
وكان ذكيا إلى غاية فقيها، أصوليا، يستحضر كثيرا من أشعار العرب وأيامها.
ومن التاريخ.
стр. 794
وولي نيابة الحكم بحلب عن شيخنا المؤرخ. وقرأت عليه بحلب بعض شرح (منهاج الأصول) . وكان والدي وشيخنا يعظمانه. وكان أثرى ببلده وكثرت أولاده فمات الجميع في حياته فكان يبكي عليهم. ويذكر قول أبي ذؤيب:
أودى بني ... «١» لهواهم ... ... «٢» ولكل جنب مصرع
ثم توفي ولد ولده وكان شحيحا مع كثرة ماله وكان من أولاده شخص يقال له محمد كان ذكيا حفظ محافيظ وعرضها على والدي رحمهم الله تعالى.
وفي شهر ربيع الأول اجتمع العامة على شرف الدين يعقوب المالكي «٣» قاضي المالكية بحلب، وأخرجوه من المدرسة الشادبختية الحنفية وأخذوه إلى تحت القلعة مجرجرا، فرجموه، وأرادوا قتله وأراد بعضهم إلقاءه في الخندق وسبب ذلك ما تقدم منه من أخذ الرشا ونصر الباطل وعند إقامة الحق وأكل أموال الناس. ومن جملة ما قاموا عليه بسببه أن شخصا قتل آخر. فقامت البينة عنده على ذلك فقال لا أقتله حتى آخذ كذا وكذا. ثم إن يعقوب المذكور من بين العوام الذين جاؤوا إلى دار بني الشحنة فأحجم الناس عنه فمكث هناك غير مبال بما اتفق له. وكان سيء الخلق قبيح الشكالة، لا نورانية عليه كما قال الشاعر:
يأتيك في ثوب من التطليس ... يروي حديث الخزي عن إبليس
وفي هذا الشهر جد شاهين نائب القلعة «٤» في عداوة الفقهاء وتتبع عثراتهم والنظر إلى ما في أيديهم من الوظائف. وكان قد أحضر مرسوما بالنظر على الأوقاف ودار على المدارس، وصار الشخص يخرج إليه بكتاب الوقف فلا يلتفت إليه ولا يقرؤه
стр. 795
ويطالب الفقيه بمستند وظيفته فإذا أحضره إليه لا يعبأ به، وخرج إليه فقهاء العصرونية ومعهم نقيب الأشراف عفيف الدين وهو جالس في طيارة القلعة فلما شاهدهم أعرض عنهم ونظر إلى الخندق فسلموا عليه فلم يرد عليهم فقاموا من عنده وقد حصل لهم من الخجل ما لا يوصف.
ثم إنه في يوم الأحد/ (٣٢ ظ) م. حادي عشري الشهر أرسل جماعة من القلعة ليأخذ ما غرما من بيت القاضي الحنبلي ابن مفلح فلما يمكنوا من ذلك فلما كان يوم الاثنين ثاني عشرين حضر الفقهاء مع من حضر من القضاة بدار العدل وطلبوه في دعوى شرعية فاستمهل إلى غد فلما كان في غد اجتمع الفقهاء بالجامع والعامة معهم وصعد الناس إلى المنارة وكبروا عليه وقرؤوا القرآن العظيم. واجتمع القضاة ببيت القاضي الحنفي وأرسلوا خلفه فلم ينزل إليهم فحضر القاضي الحنبلي ابن مفلح والقاضي يعقوب المالكي وأبو جعفر ابن العجمي إلى الجامع وكان نائبا عن الحمصي والحمصي إذ ذلك لم يحضر إلى حلب فبيناهم كذلك إذ قام مدع شرعي بأنه ضرب شخصا فقال المضروب أنا في جيرة محمد ﷺ : فقال: لا أزال أضربك حتى يجيء محمد فيخلصك. وأنه قال له شخص من الفقهاء نقرأ لك القرآن ونجعله في صحيفتك فقال لا حاجة لي بقرآنكم بالنون وغير ذلك.
وحضرت عليه بينة وهم ابن فرعون وغيره كالتاج «١» والكركي فشهد أنه يلفظ بذلك قبله هذا المجلس بأيام وكتبوا عليه محضرا بذلك ثم أغلقوا باب الجامع وذهب القضاة والفقهاء إلى دار العدل، وأحضروا بعض البينة وأرسل الكافل وهو الحمزاوي إليه فأبى عن الحضور وكتب شاهين المذكور أحمد بن أبي سواده ليس هو منهم إنما هو من أولاد مماليكهم فلما وصل بين يدي السلطان شق أثوابه، وقال له: أدرك حلب
стр. 796
فإنها قد خرجت من يديك فسأل «١» عن سبب ذلك فقال: اتفق كافل حلب الحمزاوي مع القضاة والفقهاء على إنزال شاهين نائبك في دعوى. وأضمروا أنه صار عندهم أمسكوه وسلموا القلعة للحمزاوي. فلما لم ينزل عمدوا، ورجموا الخندق وملؤوه حجارة، فغضب السلطان وعزل الحمزاوي والقاضي ابن مفلح في ربيع الآخر وأمر بإحضار الحمزاوي والفقهاء إلى مصر فخرج ابن مفلح إلى الشام ووصل إليها.
وذهب الحمزاوي إلى مصر ثم أعيد ابن مفلح عن قرب إلى حلب.
فلما سمع القاضي بإرسال شاهين قاصده إلى مصر أرسلوا قاصدا وعلى يده المحضر فوصل قاصد الفقهاء آخر يوم وصول قاصد شاهين فطاف بالمحضر على قضاة مصر وسمع فقهاء مصر بما رسم به السلطان فاجتمعوا عند قبر الإمام محمد بن إدريس الشافعي واستغاثوا به فسمع السلطان بذلك فطلب السلطان القضاة بمصر بكرة النهار وسألهم عن القضية فقال القاضي المالكي: إن اتصل بي المحضر ضربت عنق شاهين وفي غضون ذلك أرسل ابن فرعون إلى القاهرة فاستفسر عن الشهادة فقال: أنا ما شاهدت إلا أنه استجار المضروب بالنبي ﷺ فأدام الضرب عليه وكان من أكبر القائمين على الفقهاء جاني بك المحمودي.
وفي نهار السبت حادي عشر ربيع الآخر دخل شيخنا سراج الدين الحمصي إلى حلب قاضيا وتلقاه كافل حلب إلى ظاهرها والقضاة والأمراء ولبس تشريفه بدار العدل.
وفي رابع عشري جمادى الأول قدم قانباي البهلوان «٢» من حماة نائبا عوضا عن الحمزاوي. ثم في يوم الخميس ثاني رمضان حضر من السلطان الأمير تغري ورمش
стр. 797
- نائب القلعة- والشيخ بدر الدين محمود وابن/ (٣٧ و) م عبيد الله الحنفي ليتعرفا حقيقة الأمر؛ وكان السلطان قد أرسلهما لذلك فدارا على مدارس الفقهاء واستكشفا حقيقة الأمر في الباطن ثم إن تغري ورمش رحل عن حلب قاصدا أدنة بسبب الكشف على عمر بن رمضان فإنه قيل عنه إنه تزوج أكثر من أربع نسوة ونسبا إليه ظلما كثيرا. فوصل إلى طرطوس فكشف الأمر. ثم رجع إلى حلب فلما وصل إليها أظهر الحط «١» على الفقهاء والانتصار لشاهين ونقض المحضر المتقدم.
وكان الحمصي قد قدم إلى حلب بعد الثبوت فاستفتاه شاهين فأفتاه بما يقتضي عدم تكفيره، فوقع بينه وبين ابن عبد الله في قضية أراد كل منها رشوة. وتعصب الحمصي مع الفقهاء فغضب منه تغري ورمش فلما سافر تغري ورمش أرسل له هدية فردها فقال الحمصي هذا غير عاقل كان أخذ الهدية وفعل ما أراد.
رجع: فأعيد المجلس بدار العدل وأعادوا البينة فضرب القاضي المالكي الكركي لأنه قيل له: أنت شهدت عليه في تاريخ كذا فلم أخرت شهادتك. فقال: أعرف أن الحق في ذلك الوقت لا يقام ثم عمل ابن عبيد الله المذكور محضرا بضد المحضر الأول وأخذ هو وتغري ورمش من الفقهاء تسفيرا قريبا من عشرين ألف درهم وصارا يقبضان الدراهم بالصيرفي ورجعنا إلى مصر. وهذا تغري ورمش اجتمعت به بحلب فرأيته يستحضر شيئا من التاريخ وأسماء الرجال، وكان كريما، أكولا يتأنق في المآكل ويميل إلى المجون وأهلها. وأخبرني أنه صحب الأشرف إلى حلب وأنه قرأ على والدي وأنه قدم قبل ذلك إليها مع تاجره جلال في سنة ثمان وثمانمائة فاشتراه الظاهر جقمق ثم قدمه لأخيه جركس المصارع، ثم صار إلى الناصر ثم إلى المؤيد.
وأنشدني من نظمه لنفسه. قال نظمت ذلك عند نظري كتاب:" الإحكام في
стр. 798
الأحكام" لابن حزم «١» :
خذ القرآن والآثار حقا ... وتوفيقا وإجماعا بيانا
دع التقليد بالنص الصحيح ... ولا تسمع قياسا أو فلانا
وأنشدني من نظمه ضمن اسمه شقير:
تفاح خدي شقير فيه ... مسكي لون زهى وأزهر
قد باب منه النوى فأضحى ... زهري لون بخد مشعر
وهو سد وزن. ومدحه الشيخ شهاب الدين المرعشي، وزين الدين عمر البيري الحكيم وأنا بأبيات أستحضرها الآن فأستصبحها صحبته إلى القاهرة وبعد وصوله إليها غضب السلطان عليه ونفاه إلى القدس فمات طريدا ببركة العلماء في يوم الجمعة ثالث رمضان سنة اثنين وخمسين. وأما شاهين فإن السلطان عزله بعد ذلك وولاه نيابة قلعة دمشق فعمل بفقراء الشام كما فعل في حلب فإن لهم مرتبا على قرية داريا فخرجوا للقبض من فعلها على عادتهم فوصى عليهم فأرسل الله ريحا حملت الغلات وألقتها حيث شاء الله فأصبحوا فلم يروا شيئا. ثم وقعت عليه دعوى فطلب لسماعها فنزل فحصل له قهر من ذلك فمات قهرا. وأما ابن أبي سوادة فافتقر آخر عمره، ومات أعمى. وفي الليلة المسفر صباحها عن عشرين شوال قبض على جاني بك المحمودي بعد أن امتنع وتحصن في بيته ثم أودع في الترسيم «٢» بدار العدل إلى بكرة النهار ثم أودع سجن القلعة؛ وسبب ذلك أن جماعته حضروا إلى كافل حلب أنه يقصد أن يقتلك وتنسحب عن الشام فكتب إلى السلطان فأخرج السلطان إمرته، ورسم بإدامته في السجن ببركة الفقهاء.
стр. 799
سنة خمسين [وثمانمائة]
ثم استقر زين الدين بن الخرزي وعزل الحمصي في أوائل السنة.
وفي تاسع عشر المحرم أنشدني الشيخ الإمام العالم أبو محمد وعبد الله بن مرر بن عثمان الحيزاني- بكسر الحاء المهملة- الشافعي «١» قال: أنشدني شيخي علم الدين الزمخشري؛ وهي مدينة من خراسان:
به فلق الظلماء رب البرية ... فنار بنور فاق بالأولية
هو القلم العلوي والكون لوحة ... فيجري عليه باليد الأزلية
وهذا الرجل ولد بحيزان سنة أربع وثمانمائة تقريبا وقرأ على الشيخ العلامة زين الدين عبد الرحمن بن الحلّال بالجزيرة (شرح العبري على البيضاوي) و (الغاية القصوى للبيضاوي) «٢» وقدم حلب ثم ارتحل إلى القاهرة وقرأ على القاياتي في (مقدمة العضد مع حاشيتها) لسعد الدين. وسمع على البخاري ومسلم و (الشفا) وقرأ على شيخنا أبي الفضل بعض البخاري وسمع الباقي و (الموطأ) ، وعلى الكافجي (التلويح) «٣» و (التوضيح) «٤» إلى باب الاجتهاد، والعضد إلى القياس.
ثم قدم حلب ونزل بالصالحية فقرأ عليه بعض الطلبة، وكان فاضلا عالما دمث الأخلاق نزها، وضيء الوجه نيّره، ثم رحل من حلب إلى بلاده ولما كان تغري ورمش الفقيه بحلب كان يجتمع به ويبحث مع الفضلاء فيترجح عليهم وهو رجل
стр. 800
عاقل ذكي إلى الغاية منقطع عن الناس ملازم للإشغال والاشتغال غير متطلع إلى أيدي الناس كثير الأدب والتواضع وله أخلاق حسنة.
وفي يوم الاثنين ثامن عشري المحرم توفي العلامة المحقق قاضي المسلمين بالديار المصرية شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن يعقوب القاياتي «١» الشافعي. وليّ القضاء بالقاهرة فباشره بعفة ونزاهة وصلى عليه الخليفة بأمر السلطان واستقر شيخنا أبو الفضل ابن حجر عوضه. وصلي عليه بجامع حلب يوم الجمعة سادس عشر صفر صلاة الغائب.
وفي يوم الاثنين تاسع صفر خرج القاضي الحمصي من حلب بين الظهر والعصر معزولا بالسوبيني «٢» . وفي تاسع عشري ربيع الأول يوم الخميس توجه القاضي الحنفي أبو الفضل بن الشحنة قاصدا القاهرة فعوتب في سفره آخر الشهر فأنشد:
دع النجوم لطرقي «٣» يعيش به ... وبالعزائم فانهض أيها الملك
إن النبي وأصحاب النبي نهوا ... عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا
قلت: وأذكرني هذا ما رأيت من شعر زيد بن الحسن الكندي انتهى/ (٣٤ و) م
دع طارق النجم يكبو في ضلالته ... إن ادعى علم ما يجري به الفلك
تفرد الله بالعلم القديم فلا ... الإنسان يشركه فيه ولا الفلك
أعد للرزق من أشراكه شركا ... وبئست العدتان الشرك والشرك
وسفرته هذه كانت بسبب قضية شاهين المتقدمة فإن السيد السفاحي كتب إلى المصريين بأن القضية صدرت عن رأيه وباتفاق منه.
وفي يوم الاثنين تاسع ربيع الآخر خرج ابن مفلح من حلب لورود مرسوم بطلبه
стр. 801
من القاهرة بسبب شاهين ولما كان بطريق القاهرة اجتمع بالسويني فأخبره أن الطلب بسبب قضية شاهين، ثم دخل القاهرة فاجتمع بها بشيخنا أبي الفضل بن الشحنة واجتمع بكاتب السر ابن البارزي فسأله عن قضية شاهين فأخبره أنه ما ثبت فقال له:
هذا بإشارة ابن شحنة فقال: لا. فقال لمن عنده: أنا أخبركم أنه ثبت على كلامه خلافا لسالم فإنه يتلون ثم إنه اجتمع بمحب الدين بن الأشقر فسأله عن قضية شاهين فأخبره فقبله من عينيه. ثم إن شيخنا ابن حجر أنزله في بيت بالمدرسة البيبرسية. ثم أجتمع بقانباي الجركسي وهو مريض ببيت ناظر الخاص ببولاق فسأله عن قصة شاهين فأخبره فقال: هلا ضربت رقبته. واستصوب كلامه. وقال له: لا تكن مثل الحمصي القاضي فإنه قال خذوا من ماله عشرة آلاف دينار.
ثم إنه اجتمع بالسلطان فسأله عن القضية فأخبره. فقال: أما علمت أنه مملوكي.
فقال: لا أحابي في الشرع أحدا. فقال له الشاهد: ابن فرعون رجع عن الشهادة.
فقال له: هلا أقمت منه موجب الشرع. ثم إن السلطان ألبسه خلعه بعد اقتناعه.
ثم سافر من القاهرة بعد شيخنا أبي الفضل. ثم اجتمعنا بدمشق وقدم شيخنا إلى خان طومان قبله. ثم جاء بعده واجتمعنا بخان طومان فقدما حلب يوم السبت تاسع رجب الفرد ولما تقدم القاضي الحنفي شيخنا إلى خان طومان راجعا كتبت إليه:
فرحت به الشهباء عند قدومه ... فرح العليل وقد أتاه شفاء
والله ما الشهباء إلا جدبة ... من فقده وقدومه الأنواء
فليهنها قد زال ما قال العدا ... في حقها من أنها عجفاء
فلما وصلت الأبيات صادفت وقوع المطر عليه. ففرح بذلك واستبشر.
فلما وصلت الأبيات صادفت وقوع المطر عليه. ففرح بذلك واستبشر.
وفي الليلة المسفر صباحها عن نهار السبت حادي عشري ربيع الآخر ورد شخص إلى بانقوسا ومعه جماعة فادعى أنه السلطان العزيز بن الأشرف فأنزل في بيت فلما
стр. 802
طلعت الشمس قبض عليه وأحسن إلى الكافل فأمر بإيداعه في القلعة ومن معه وهم نحو ثلاثين رجلا وطولع السلطان بذلك فورد المرسوم الشريف في ثاني عشري جمادى الأول بقتل كردي باك بن بكيك هو ومن معه وكان خارجا عن الطاعة وعصى في قلعة كركر فوسطوه ووسطوا شخصا معه. وأما المدعي المذكور فضرب ضربا بليغا فاعترف بأنه من قرية المعيصرة من بلد عين تاب وكذلك الذين/ (٣٤ ظ) م معه فردوا إلى السجن. ثم توفي المدعي المذكور في السجن.
وفي العشر الأخير من ربيع الآخر بين العشاءين وقع نجم كبير فأضاءت منه حلب وشاهدت ضوءه. وظننته برقا.
وفي يوم الأربعاء بعد العصر رابع عشري جمادى الأول نزل قاضي المسلمين شهاب الدين إبراهيم السوبيني «١» بمقام سيدي عبد الله الأنصاري، وفي نهار الخميس خرج لملاقاته كافل حلب البهلوان. فقال له المسجونون بلغني أن فيهم من حبس بغير حق، وقال لي السلطان انظر في أحوالهم والمنكرات أريد إبطالها فقال له الكافل: افعل ما سمى به السلطان.
ولما نزل بخان طومان خرج إليه رؤساء البلد فلما عاينهم دخل إلى خيمته وأقام زمنا. ثم إنه خرج إليهم ودخل إلى حلب ولبس تشريفه وجاء إلى الجامع الأموي وقرئ توقيعه، ثم حضر إلى المدرسة الشرفية ثم ذهب إلى أماكن المنكر وغيّرها وأراق الخمر ومعه الحاجب.
أخبرني أنه كان في محنة تيمور مميزا وأنه قرأ الفقه على الشيخ شمس الدين بن زهرة، والنحو على ابن يهودا، والبخاري على ابن البلد وأنه لازم ابن زهرة وانتفع
стр. 803
به، ثم ترحل إلى القاهرة فقرأ على شيخنا أبي الفضل ابن حجر، وعلى ابن المجدي.
وعلى الشيخ كمال الدين بن الحمام، وأنه بكري من جهة الأم. انتهى. وليّ قضاء مكة ثم عزل فحضر إلى القاهرة فاتفق حضور تغري ورمش وابن عبيدان إلى حلب بسبب قصة شاهين وانتصار الحمصي للفقهاء بحلب فعزل الحمصي وربّاه شيخنا أبو الفضل عند السلطان:
وما من حبه يحنو عليه ... ولكن بغض قوم آخرينا.
فولاه حلب. ثم إنه عامل الناس بشدة وأنكر على الكافل أشياء فيها ضرب الأوزان بين يديه والقرآن يقرأ. ومنها الطبلخاناة والمؤذن يؤذن وغير ذلك. وقال الكافل: لا تجلس معنا في المكان المعد للكفال قديما، وأنزل عنه إذا حضرنا. وأبطل الشحنكية والنقدية وحكم المراسيم الواردة إلا أن يشهد على السلطان شاهدان وكان إذا جاءه الشاهد يسأله عن فرائض الوضوء. فإن أجاب وإلا رد شهادته ومع ذلك يشهد عنده من هو مجهول فيقبله. وقد قرأت عليه بعض مؤلفاته: (لغات المنهاج) وأخذه من كتاب الشيخ سراج الدين ابن الملقن بالإشارات ونقل فيه أشياء من كتب غير صحيحة، وقرأت عليه وغير ذلك من مؤلفاته. وكان فقيها فريضا، عارفا بالحساب معرفة جيدة، دينا، عفيفا عن أموال المدارس، غير عارف بمداراة الناس.
وكان لا يليق دواته بماء بركة الشريفة ولا يقبل لأحد هدية. ولم يقبل من قضاة البر شيئا، وتوقف في ولايتهم وفي قبول شهادة بعض الشهود ودرس بمدارس القضاء.
وسألني لم قال النووي: بسم الله الرحمن الرحيم بعاطف. فقال له: ليعرفك أن البداية المطلقة بالبسملة، والبداية المقيدة بالحمد لله ليجمع بين روايتي كل أمر ذي بال لا يبدأ بسم الله. وفي رواية بحمد الله فهو أجزم. فلوأتى العاطف لكانت البدأة بالبسملة.
стр. 804
وفي ثامن عشري جمادى الأول ورد كتاب من القاضي أبي الفضل ابن الشحنة على/ (٣٥ و) م، ولده قاضي المسلمين أثير الدين من الصالحية بطريق مصر أنه رأى رؤيا حسنة من جملتها أنه شاهر سلاحا، وقد هزم جماعة من قطاع الطريق وهو يرتجز بديها:
من كان لي لا يشهد ... فأنا الخطيب محمد
ووقائعي مشهورة ... ومشاهدي لا تجحد
فلكم حضرت مشاهدا ... ووقائعا تستشهد
ورددت خصمي خائبا ... منه الفرائص ترعد
ورجعته مستأثرا ... في قبضتي ولي اليد
ولما وصل إلى القاهرة حصل له الكرامة من السلطان ثم عاد إلى حلب على عادته في التاريخ المتقدم ومدحه عماد الدين ابن الزير تاج «١» بهذه القصيدة «٢» :
ومدحه الشيخ خاطر فقال «٣» :
بشراك يا شهباء كم تشتكي ... ضرا فقد وافا سماك الطيب
محب الدين عدله والتقى ... نصر من الله وفتح قريب
وفي يوم الجمعة ثاني عشري رجب توفي الشيخ الإمام المقرئ النحوي شمس الدين محمد بن عمر الفزاري الشهير بابن الدقيق- تصغير الدقيق- وهذا الرجل كان يحفظ محافيظ كثيرة (كالمنهاجين) و (والتلخيص) و (الشاطبية) . ويلازم على درسها ولا يشتغل إلا بقراءة القرآن والحديث ودرس محافيظه وكان صيتا ويظهر
стр. 805
البله. ولازم والدي كثيرا وسمع عليه، ولازم الشيخ عبيدا في دروسه وولي خطابة السفاحية بالجامع الأموي. وانتفع أولاد الناس به لإقرائه أياهم. وكان يقرأ بالسبع.
وأظنه قرأ على الشيخ بيروا وصلى عليه بجامع حلب، وخرج في جنازته الشيخ برهان الدين السيوبني قاضي حلب. ودفن في مقبرة الأطعاني. وكان أكولا. موصوفا بذلك مهما حضر بين يديه أكله. وأتى على آخره وصحب زين الدين عمر بن السفاح بعد أبيه فحمل ضررا من جهة الآخرة بصحبته ثم ندم بعد ذلك على صحبته وكان يبكي كثيرا على ما وقع له في صحبته.
وفي آخر ليلة الثلاثاء سلخ شوال توفي بحماة الشيخ العالم شمس الدين محمد بن الأشقر الحموي الشافعي كان من الصالحين وقرأ عليه أهل حماة وانتفعوا به. وكان كثير البكاء وعليه سكون وهيبة اجتمعت به بحماة ودفن في مقبرة المحداد أ. وقال له الشيخ تقي الدين الحصيني أنت الأشقر. قال: نعم. قال:" سماعك بالمعيدي خير من أن تراه" «١» . فكان يذكرها ويبكي وكان مطرح الكلفة، متواضعا كتب لي بالإجازة.
وفي سابع عشر القعدة خرج من حلب برهان الدين السوبيني بعد أن صرف عن القضاء؛ وسبب صرفه أنه لما اتفق له ما اتفق من الإنكار على البهلوان كتب الكافل إلى السلطان يخبر بأمره وكان كلما سرق بيت بحلب يقول لصاحبه اذهب إلى السوبيني فإنه لم يدع له حرمة فحضر خاصكي إلى حلب يوم الخميس تاسع عشر رمضان إلى الكافل يدعى إينال وطلب السوبيني للخانقه فأظهر أعذارا وجاء في غضون المجلس الشيخ عبد الكريم ومعه جماعة من أوباش الناس فقال: رأيت النبي ﷺ في المنام وقال لي خذوا بيد السوبيني/ (٣٥ ط) م واعزلوا القاضي المحب دين
стр. 806
فقال ابن الشحنة: النبي ﷺ لا يقول: القاضي. ولا يدخل الألف واللام على محب.
وحضر غالب أهل حلب دار العدل منتصرين للسوبيني. وخاف الكافل من الرجم. فأشار إلى بعض جماعته إذا حصل الرجم فاقتلوا السوبيني فلطف الله ولم يرجم أحد، ثم إن المماليك ضربوا الناس. وانفصل المجلس عن كتابة فحضر بما اتفق وأخذ خط السوبيني عليه، وجهر إلى السلطان، وكنت حاضرا بدار العدل، وحضر الشيخ يوسف الكردي للمساعدة فرأى هذا المجلس فسكت. وكان يقال: ما تقول فيقول: أستعين بالله.
فلما وصل المحضر إلى السلطان عزله وولى صدر الدين محمد بن شهاب الدين النويري. ولما كان السوبيني بحلب كتب شخص ورقة وألقاها في بيته. ومنها:
جاء للشهباء قاض ... ليس فيه من سيادة
وإلى سوبين يعزى ... فهو سوء وزيادة
وكان سلطان مكة بن بركات «١» يقول: السوبيني: سوء بيّن. وكان له معلوم في الجوالي، وشيخنا أبو الفضل ناظر عليها فكان يرسل إليه ويقول لا ترسل من دارهم (البلص) . فلما عزل أحضر ابن الشحنة نقيبه محمد الخطيب وأراد إهانته فمنعته من ذلك وشفعت فيه فقبل شفاعتي، وأكرمه. وأفضل عليه. وأعطاه ما انكسر للسوبيني من الجوالي. وجاء الشريف علاء الدين الهاشمي إلى دار العدل، وكان قد حكم عليه.
فقال أنا أشكوك إلى جدي ﷺ ، وأنا ذاهب إلى الحجاز.
стр. 807
وتوفي السوبيني بدمشق بعد رجوعه من القدس يوم الاثنين ثاني عشر سنة ثمان وخمسين وصلى عليه بحلب صلاة الغائب ثالث عشري الشهر المذكور.
وفي يوم الجمعة سلخ السنة بلغ كافل حلب قانباي البهلوان أن تغري بردي نائب القلعة تكلم في حقه أنه خارج عن الطاعة وأنه قد أخذ في تحصينها وخربها ليلا فطلب الهجن ليلا ليسافر إلى حضرة السلطان فاجتمع به أبو الفضل ابن الشحنة وكان قاضيا وكاتب السر بحلب فأشار عليه بعدم السفر وأن يرسل دواداره ففعل ذلك إلى السلطان يتنصل مما نسب إليه ويعتذر عما قيل عنه. وقال أنا مستمر على الطاعة لم أخرج عنها. وكذب من نسب إليّ غير ذلك.
стр. 808
سنة إحدى وخمسين [وثمانمائة]
في المحرم تقاتل نائب البيرة علان «١» وجهان كير «٢» بن قرايلوك ودخل علان إلى البيره فدخل خلفه عسكر المذكور ونهبوا حارة منها وأخذوا أموالها وسبوا حريمها.
ثم أعقب ذلك دخول الطاعون البيرة فاستمر إلى آخر سنة إحدى وإلى أوائل سنة اثنين. وكان السلطان قد أعطى جاه نكير قلعة جعبر فأرسل جاه نكير إلى السلطان يعتذر عما وقع ووعد بتسليم قلعة جعبر.
وفي ثاني صفر وصل سماع من السلطان وعلى يده كتاب من دوادار الكافل ومن جماعة من أمراء المصريين بعزل نائب القلعة تغري بردي. وتطييب خاطر الكافل وأن بسيل «٣» دواداره. وعلى يده خلعه من/ (٣٦ و) م السلطان. فسر الناس وزينت المدينة.
وفي يوم الاثنين خامس عشر الشهر المذكور وصل الدوادار المذكور وعلى يده خلعة سنية للكافل فصادف الكافل وقد اعتراه مرض بطل منه نصفه فصار لا يقدر على المشي فلبسها في الشباك بدار العدل.
وكان قبل ذلك جاءته خلعة وفرس من السلطان على يد أقبردي «٤» الذي ولي نيابة القلعة بعد ذلك فلبسها وركب على سرج الفرس وحصل له ذلك من السم الذي كان في السرج.
ووصل صحبة الدوادار فتسلم القلعة ومرسوم بذهاب تغري بردي إلى الشام بطالا.
ثم تزايد مرضه فاستدعى زين الدين ابن الخرزي من حماة للمداواة فحضر إلى حلب.
فقال: هذا ميت لا محالة ولست بسيدنا عيسى ﵇ فإنه كان يحيي الموتى.
стр. 809
فتمادى به المرض واشتد به.
فلما كانت ليلة الاثنين سادس ربيع الأول توفي فأصبح الناس وأغلقوا الأسواق وحضروا جنازته وصلى عليه. ثم دفن خارج باب المقام مقابل تربة موسى الحاجب وكان يوما مشهورا. وبكى الناس وترحموا عليه.
وكان شجاعا بطلا ذا هيبة وسطوة وبأس شديد وأمن الناس في أيامه من قطاع الطريق والسراق، وكان يكرم العلماء ويعظمهم ويقرأ البخاري عنده ويحضر وينظر إلى الفضلاء بعين الإكرام، وكان أميرا كبيرا أولا بحلب وولي نيابة ملطية وصفد وحماة ومنها انتقل إلى حلب. وبنى حماما خارج باب النصر فقال لي يوما: إنما بنيت هذه الحمام ليطمئن الناس فإنه أشيع أن تيمور شاه روخ يجيء إلى الشام.
وفي تاسع صفر وصل القاضي صدر الدين محمد بن النويري إلى حلب متوليا عوضا عن السوبيني. فسار سيرة سيئة مع جنون وأخذ أموال الناس وحكم بغير الشرع. وكان يرقم الشهود، ولم يشهدوا عنده، وتزوج ببنت القاضي الحنفي ابن الشحنة وماتت في صحبته. ورأيت شيخنا وقد وقف عليها وهي تلحد، وبكى وقال: أنا حزين لفراقك. مسرور وفرح بفراق زوجك.
ووقع بينه وبين القاضي ضياء الدين بن النصيي وولديه فتنة عظيمة أوجبت سفر القاضي ضياء الدين بولديه إلى القاهرة وكان كريما كثير الإعطاء يعطي للفقهاء ويحسن إليهم ويسمح بالقدر الذي لا يسمح به غيره من القضاة. وما أحقه بقول الأول:
يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما ... لكنها خطرات «١» من «٢» وساوسه
стр. 810
ويحفظ كتاب العثماني. ودرس بالعصرونية في قوله:..... «١» وثمرة النخل المبيع أن شرطت للبائع فله.
يوم الأحد ثاني عشر ربيع توفي الشيخ الصالح شمس الدين محمد بن الناصر الصوفي ودفن بالمدرسة الهروية حلب. وكان مجاورا هناك منقطعا عن الناس دمث الأخلاق، وله أوراد وأتباع والناس يهرعون لزيارته ويعظمونه ويدخل إلى الجامع لصلاة الجمعة وهو من أتباع الشيخ محمد بن بهادر «٢» .
وفي ثامن عشر ربيع الأول جاء هواء عظيم مزعج بحلب وانتشر إلى وادي الباب فقلع أشجارا من الجوز بأصولها. واقتلع نصف مأذنة الشيخ عقيل- أعاد الله علينا من بركاته- ثم بنيت بعد ذلك. وفي أواخر ربيع الأول توفي الإمام تقي الدين أبو بكر بن علي بن الحريري/ (٣٣ ظ) م الدمشقي «٣» ؛ ترجمته في مشايخي.
وفي نهار السبت مستهل جمادى الأول دخل برسباي كافل طرابلس إلى حلب نائبا عوضا عن البهلوان. وكان وليّ أولا حاجب بدمشق.
وفي ليلة الجمعة ثامن رجب توفي العدل الرضا شهاب الدين أحمد بن رضوان وصلى عليه بعد صلاة الجمعة بجامع المهمندار. ودفن بالجبل الأول وكان ساكنا عدلا مريضا وخطب بجامع المهمندار.
следующие страницы →