← Тараджим

Тараджим · id 11786

كنوز الذهب فى تاريخ حلب

سبط ابن العجمي

Полный текст (1 101 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فقال ابن الشحنة: النبي ﷺ لا يقول: القاضي. ولا يدخل الألف واللام على محب. وحضر غالب أهل حلب دار العدل منتصرين للسوبيني. وخاف الكافل من الرجم. فأشار إلى بعض جماعته إذا حصل الرجم فاقتلوا السوبيني فلطف الله ولم يرجم أحد، ثم إن المماليك ضربوا الناس. وانفصل المجلس عن كتابة فحضر بما اتفق وأخذ خط السوبيني عليه، وجهر إلى السلطان، وكنت حاضرا بدار العدل، وحضر الشيخ يوسف الكردي للمساعدة فرأى هذا المجلس فسكت. وكان يقال: ما تقول فيقول: أستعين بالله. فلما وصل المحضر إلى السلطان عزله وولى صدر الدين محمد بن شهاب الدين النويري. ولما كان السوبيني بحلب كتب شخص ورقة وألقاها في بيته. ومنها: جاء للشهباء قاض ... ليس فيه من سيادة وإلى سوبين يعزى ... فهو سوء وزيادة وكان سلطان مكة بن بركات «١» يقول: السوبيني: سوء بيّن. وكان له معلوم في الجوالي، وشيخنا أبو الفضل ناظر عليها فكان يرسل إليه ويقول لا ترسل من دارهم (البلص) . فلما عزل أحضر ابن الشحنة نقيبه محمد الخطيب وأراد إهانته فمنعته من ذلك وشفعت فيه فقبل شفاعتي، وأكرمه. وأفضل عليه. وأعطاه ما انكسر للسوبيني من الجوالي. وجاء الشريف علاء الدين الهاشمي إلى دار العدل، وكان قد حكم عليه. فقال أنا أشكوك إلى جدي ﷺ ، وأنا ذاهب إلى الحجاز.

стр. 807

وتوفي السوبيني بدمشق بعد رجوعه من القدس يوم الاثنين ثاني عشر سنة ثمان وخمسين وصلى عليه بحلب صلاة الغائب ثالث عشري الشهر المذكور. وفي يوم الجمعة سلخ السنة بلغ كافل حلب قانباي البهلوان أن تغري بردي نائب القلعة تكلم في حقه أنه خارج عن الطاعة وأنه قد أخذ في تحصينها وخربها ليلا فطلب الهجن ليلا ليسافر إلى حضرة السلطان فاجتمع به أبو الفضل ابن الشحنة وكان قاضيا وكاتب السر بحلب فأشار عليه بعدم السفر وأن يرسل دواداره ففعل ذلك إلى السلطان يتنصل مما نسب إليه ويعتذر عما قيل عنه. وقال أنا مستمر على الطاعة لم أخرج عنها. وكذب من نسب إليّ غير ذلك.

стр. 808

سنة إحدى وخمسين [وثمانمائة] في المحرم تقاتل نائب البيرة علان «١» وجهان كير «٢» بن قرايلوك ودخل علان إلى البيره فدخل خلفه عسكر المذكور ونهبوا حارة منها وأخذوا أموالها وسبوا حريمها. ثم أعقب ذلك دخول الطاعون البيرة فاستمر إلى آخر سنة إحدى وإلى أوائل سنة اثنين. وكان السلطان قد أعطى جاه نكير قلعة جعبر فأرسل جاه نكير إلى السلطان يعتذر عما وقع ووعد بتسليم قلعة جعبر. وفي ثاني صفر وصل سماع من السلطان وعلى يده كتاب من دوادار الكافل ومن جماعة من أمراء المصريين بعزل نائب القلعة تغري بردي. وتطييب خاطر الكافل وأن بسيل «٣» دواداره. وعلى يده خلعه من/ (٣٦ و) م السلطان. فسر الناس وزينت المدينة. وفي يوم الاثنين خامس عشر الشهر المذكور وصل الدوادار المذكور وعلى يده خلعة سنية للكافل فصادف الكافل وقد اعتراه مرض بطل منه نصفه فصار لا يقدر على المشي فلبسها في الشباك بدار العدل. وكان قبل ذلك جاءته خلعة وفرس من السلطان على يد أقبردي «٤» الذي ولي نيابة القلعة بعد ذلك فلبسها وركب على سرج الفرس وحصل له ذلك من السم الذي كان في السرج. ووصل صحبة الدوادار فتسلم القلعة ومرسوم بذهاب تغري بردي إلى الشام بطالا. ثم تزايد مرضه فاستدعى زين الدين ابن الخرزي من حماة للمداواة فحضر إلى حلب. فقال: هذا ميت لا محالة ولست بسيدنا عيسى ﵇ فإنه كان يحيي الموتى.

стр. 809

فتمادى به المرض واشتد به. فلما كانت ليلة الاثنين سادس ربيع الأول توفي فأصبح الناس وأغلقوا الأسواق وحضروا جنازته وصلى عليه. ثم دفن خارج باب المقام مقابل تربة موسى الحاجب وكان يوما مشهورا. وبكى الناس وترحموا عليه. وكان شجاعا بطلا ذا هيبة وسطوة وبأس شديد وأمن الناس في أيامه من قطاع الطريق والسراق، وكان يكرم العلماء ويعظمهم ويقرأ البخاري عنده ويحضر وينظر إلى الفضلاء بعين الإكرام، وكان أميرا كبيرا أولا بحلب وولي نيابة ملطية وصفد وحماة ومنها انتقل إلى حلب. وبنى حماما خارج باب النصر فقال لي يوما: إنما بنيت هذه الحمام ليطمئن الناس فإنه أشيع أن تيمور شاه روخ يجيء إلى الشام. وفي تاسع صفر وصل القاضي صدر الدين محمد بن النويري إلى حلب متوليا عوضا عن السوبيني. فسار سيرة سيئة مع جنون وأخذ أموال الناس وحكم بغير الشرع. وكان يرقم الشهود، ولم يشهدوا عنده، وتزوج ببنت القاضي الحنفي ابن الشحنة وماتت في صحبته. ورأيت شيخنا وقد وقف عليها وهي تلحد، وبكى وقال: أنا حزين لفراقك. مسرور وفرح بفراق زوجك. ووقع بينه وبين القاضي ضياء الدين بن النصيي وولديه فتنة عظيمة أوجبت سفر القاضي ضياء الدين بولديه إلى القاهرة وكان كريما كثير الإعطاء يعطي للفقهاء ويحسن إليهم ويسمح بالقدر الذي لا يسمح به غيره من القضاة. وما أحقه بقول الأول: يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما ... لكنها خطرات «١» من «٢» وساوسه

стр. 810

ويحفظ كتاب العثماني. ودرس بالعصرونية في قوله:..... «١» وثمرة النخل المبيع أن شرطت للبائع فله. يوم الأحد ثاني عشر ربيع توفي الشيخ الصالح شمس الدين محمد بن الناصر الصوفي ودفن بالمدرسة الهروية حلب. وكان مجاورا هناك منقطعا عن الناس دمث الأخلاق، وله أوراد وأتباع والناس يهرعون لزيارته ويعظمونه ويدخل إلى الجامع لصلاة الجمعة وهو من أتباع الشيخ محمد بن بهادر «٢» . وفي ثامن عشر ربيع الأول جاء هواء عظيم مزعج بحلب وانتشر إلى وادي الباب فقلع أشجارا من الجوز بأصولها. واقتلع نصف مأذنة الشيخ عقيل- أعاد الله علينا من بركاته- ثم بنيت بعد ذلك. وفي أواخر ربيع الأول توفي الإمام تقي الدين أبو بكر بن علي بن الحريري/ (٣٣ ظ) م الدمشقي «٣» ؛ ترجمته في مشايخي. وفي نهار السبت مستهل جمادى الأول دخل برسباي كافل طرابلس إلى حلب نائبا عوضا عن البهلوان. وكان وليّ أولا حاجب بدمشق. وفي ليلة الجمعة ثامن رجب توفي العدل الرضا شهاب الدين أحمد بن رضوان وصلى عليه بعد صلاة الجمعة بجامع المهمندار. ودفن بالجبل الأول وكان ساكنا عدلا مريضا وخطب بجامع المهمندار.

стр. 811

وفي يوم الاثنين رابع رمضان وصل تنم نائب حماة كافلا بحلب عوضا عن برسباي. وكان برسباي عبدا صالحا دينا خيرا لم يقطع يد أحد بحلب، ولا قتل أحد وحماها وبلادها بالحال. ولما قدم من طرابلس طلبني من شيخنا أبي الفضل ابن الشحنة لقراءة صحيح البخاري وذلك لأنه لما كان بطرابلس كان يقرأ عنده تقي الدين ابن صدر الحنبلي قاضي طرابلس فلما عزل حثه على أنني أقرأ عنده فقرأت عنده فأحبني حبا زائدا، ولم أر عنده مملوكا أبدا إنما يتفق عنده عبد للوضوء، وكان يصلي أولا الظهر ثم نقرأ عنده وإذا مر حديث يعرفه لكثرة ما قرئ عنده بطرابلس وكان يعظم الحاضرين ويألفهم. ويعد كل جميل. فسافر إلى جهة البيرة لأجل مجيء جاه نكير بن قرايلوك وكبسها وأخذ منها مالا، وأمرني بالقراءة في غيبته فقرأت. فلما قدم حلب بلغه خبر العزل فلما كان في آخر شعبان يوم الجمعة بعد الصلاة رابع عشري الشهر المذكور صرع فدخلت إليه يوم السبت فرأيت عقله مختلا فقال لي: تتم البخاري بالجامع فإنني عزلت فحصل لي أسف على فراقه. فأمرني وللحاضرين بالعادة التي كان يعطيها للقارئ والحاضرين بطرابلس. فخرجنا من عنده داخل الشباك بدار العدل للقبض فأغمي عليه. وضربت الحواطة السلطانية على حواصله فلم نحصل على شيء فسافروا به من حلب بكرة نهار الخميس سلخ شعبان متوجها إلى دمشق فمات قبل وصوله إلى سراقب. فلما وصل جماعته إلى المعرة وصل تنم إليها فكان هذا يدق بشائره وهذه النائحة قائمة عليه والصياح في وطاقه فسبحان «١» من لا يزول ملكه. وبنى برسباي جامعا بدمشق وبرجا على البحر بطرابلس ولم يأخذ من خمارة حلب شيئا.

стр. 812

وسبب عزله من حلب أن الذي قلده بكفالة حلب وهو الأمير جرباش كرت «١» أشاع بالقاهرة أنه مستقيل من كفالة حلب وأنه سأله «٢» أن يكون هذا الكلام صدر منه. وفي ليلة الأحد حادي عشري القعدة دخل قانباي الجكمي إلى قبة في بيته ومعه خازنداره وأشعلا نارا في منقل وقيل أنه كان يتناول الخمر فانعكس البخار عليهما فماتا. وفي رابع الحجة صلي بحلب صلاة الغائب على العلامة تقي الدين أبي الصدق أبي بكر بن الشيخ الإمام الفرضي شهاب الدين أحمد بن شيخ الإسلام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الإمام الفقيه شرف الدين أبي عبد الله «٣» محمد بن الإمام كمال الدين عبد الوهاب بن الفقيه جمال الدين محمد بن ذؤيب بن مشرف الأسدي الشهير بابن قاضي شهبة «٤» الشافعي فقيه الشام. ولد بدمشق في ربيع الأول سنة تسع (٣٧ و) م وسبعين وسبعمائة حفظ القرآن و (التنبيه) و (منهاج البيضاوي) و (ألفية ابن مالك) وحفظ (الحاوي الصغير) في كبره. واشتغل وسمع الحديث على جماعة وأخذ الفقه عن جماعة منهم البلقيني، وأبو البقاء محمد البكري ابن الشريش وشهاب الدين الزهري وشرف الدين عيسى الغزي وبدر الدين محمد بن مكتوم وشهاب الدين الملكاوي، وشهاب الدين أحمد بن حجي

стр. 813

وعنه أخذ التاريخ، وجمال الدين الطيماوي وعنه أخذ الأصول، قرأ عليه شرح المختصر للأصفهاني والحاوي الصغير، وأخذ النحو عن الشيخ محمود الأنطاكي. وروى المنهاج عن شهاب الدين الزهري، وشرف الدين محمود بن الشريش عن ابن النقيب عن المصنف «١» وعن جده أيضا شمس الدين محمد عن ابن العطار عن المؤلف وكان آخر فقهاء الشام بالمدارس الطبرية والأمينية والاقبالية. وفي سنة ثلاث عشرة تصدى للإشغال بجامع حلب. وفي سنة عشرين استنابه نجم الدين بن حجي في القضاء فدخل فيه بكره زايد وباشر بعفة ودين وترك ذلك بإشارة الشيخ علاء الدين محمد البخاري «٢» في سنة خمس وثلاثين فقال الناس للشيخ البخاري كان في نيابته خير فقال في اشتغاله واشتغاله خير من ذلك. وراسله بالسلام شاه روخ بن تيمور مع والدي وابن حجر وابن المزلق وعبد الباسط. وولي قضاء دمشق استقلالا والخطابة بالجامع ونظر المارستان النوري ومشيخة الخانقاه الشميصاتية مرتين وركبه الدين بسبب ذلك. وله تصانيف منها: (كفاية المحتاج على المنهاج) «٣» وصل منه إلى أثناء كتاب الخلع، و (نكت المنهاج الكبرى) كتب فيها من باب من تلزمه الزكاة إلى آخر الفرائض، (وامتناع المحتاج) كتب منه السلم إلى أثناء كتاب العدد. ونكت على التنبيه كتب ومنها: من كتاب الصيام إلى أثناء كتاب النكاح، ولخص (تهذيب الكمال للمزي) «٤» ، و (التهذيب للذهبي) «٥» في أربع مجلدات وصل منه إلى أثناء

стр. 814

باب الهاء وبقي عليه مواضع متفرقة. وذيل على تاريخ ابن كثير إلى سنة ست عشر وثمانمائة «١» ، وكتب كراريس متفرقة إلى سنة وفاته وفقد منه كراريس لم توجد بعد وفاته. واختصر الذيل فكتب منه مجلدين إلى ثمانمائة. وله: (المنتقى من الأنساب) لابن سمعان «٢» . وله: (المنتقى من نخب في عجائب البر والبحر) «٣» . وله: (المنتقى من تاريخ دمشق) لابن عساكر. وله: (طبقات النحاة واللغويين) في مصنفين أحدهما على السنين والآخر على الحروف. وله: (مناقب الشافعي ﵁ «٤» و (طبقات الشافعية) «٥» . وغير ذلك. اجتمعت به بالعلا في سنة ثمان وثلاثين في الحج لكني لم أقرأ عليه شيئا وكان شكلا حسنا عارفا بالفقه كثير الاطلاع صحيح النقل والفهم وكان الشيخ تقي الدين الحصني يثني عليه ويرسل الفتاوى إليه وكان يطبخ الطعام الفاخر، ويؤثر الفقراء ويقنع باليسير. توفي يوم الخميس بعد العصر حادي عشر ذي القعدة فجأة وصلى عليه في ثاني يوم.

стр. 815

وكانت جنازته حافلة ودفن بمقبرة باب الصغير بين جده شمس الدين وعم والده الشيخ كمال الدين. وروت له منامات عظيمة رحمه الله تعالى «١» . وفي شهر الحجة ورد المرسوم الشريف الظاهر جقمق إلى أبي الفضل ابن الشحنة وهو كاتب السر والقاضي الحنفي وناظر الجوالي بحلب أن يصرف لنائب سيس مبلغ ألفي دينار ليبني بسيس جامعا من مال الجوالي فأعطاه ذلك وبنى بسيس جامعا لطيفا.

стр. 816

سنة اثنين وخمسين [وثمانمائة] في أوائلها ولدت بنت بقرية بجارز «١» من عمل سرمين لها جسد واحد وعنق واحد وعلى العنق رأسان من جهة واحدة في كل رأس وجه في كل وجه عينان وفم وأنف وأذنان فإذا بكت بكت من المكانين وعاشت يوما واحدا. وفي يوم الأحد تاسع عشر المحرم شرع في عمارة جامع منكلي بغا وتقدم ذلك في الجامع المذكور. وفي أوائل السنة انتقل الطاعون من البيرة إلى حلب وغالب معاملاتها والمعرة وحماة وكثر في حلب في صفر ودام. وفي الخميس ثالث عشري المحرم حضر جماعة من أهل أعزاز وصحبتهم الخطيب وشكوا إلى الكافل تنم بأنهم ظلموا فضربهم وأراد إشهارهم في البلد فخلصهم العامة فوقع بسبب ذلك فتنة بين الكافل والعامة ورمى جماعة من مماليك الكافل على العامة بالنشاب فجرح جماعة وقتل بعض. ثم دخل الأمير الكسرو «٢» الحاجب ودوادار السلطان ونائب القلعة بينهم وسكنت الفتنة. وفي الليلة المسفر صباحها عن نهار الخميس سلخ المحرم هرب جماعة من العرب وأميرهم سالم بن بدران من سجن القلعة، ونزلوا من سورها واحتالوا على ذلك فأمروا امرأة من نسائهم فجاءتهم بمبرد «٣» فبردوا قيودهم وكسروا باب السجن وكانت قد أتتهم بصوف فغزلوه في السجن. وكانوا إذا سئلوا عن سبب غزلهم قالوا نبيعه ونأكل بثمنه. وأصبح نائب القلعة وأمسك النائحين على باب السجن وأودعهم السجن وطالع بهم السلطان فأمر بإطلاعهم والإفراج عنهم.

стр. 817

وفي يوم السبت ثالث عشري صفر ورد المرسوم الشريف صحبة خاصكي إلى كافل تنم بالكشف عمن قام عليه في القضية السابقة ويطالع بذلك السلطان فصفح الكافل عن الناس ولم يؤاخذهم بما صدر منهم. وفي منتصف ربيع الأول طفا السمك الذي بخندق قلعة حلب. ودام الطاعون خارج البلدة أكثر شيئا بالكلاسة وبانقوسا، وصار الناس يبيتون على النعوش وعمل نعوشا، وتكلم في عدد الموتى فمقل ومكثر والصحيح أنه خرج من باب المقام دون الستين وفوق الخمسين نفسا. وحصلت رائحة كريهة في بعض القرى لكثرة الموتى. وفي يوم الجمعة العشرين من ربيع الأول توفي الشيخ شمس الدين محمد بن أبي بكر الشهير بابن المعصراني الجبريني الأصل، وكان شاهدا في مبدأ أمره بباب النيرب وقرأ شيئا من الفقه على الشيخ علاء الدين ابن الوردي وقرأ عليّ شيئا من البخاري. ثم إنه صحب ابن القاصد الصوفي ولزمه وترك زي «١» الفقهاء ولبس زي الفقراء وانقطع إلى رحمة الله تعالى. وكان مجاورا عند قبر سيدي يحيى خارج قرية النيرب وعند قبر الشيخ يوسف/ (٣٧ و) م ولزم مدرسة أشقتمر، ثم حج ورجع فسكن المدرسة العلمية- داخل باب النيرب «٢» - وصار له أتباع. يعظمونه، وكان كثير الرياضة، حسن السمت، مليح الشكل، نير الوجه، وهو الذي قام في عمارة جامع التوبة «٣» خارج باب النيرب. وكان الخمر يباع في مكانه. وكلم كافل حلب تنم في إزالة المنكرات بكلام خشن فورد مرسوم السلطان بعد ذلك بإزالة المنكرات فعظم قدره، وكانت له جنازة حافلة وتوفي بالعلمية. ورأيت أكابر

стр. 818

الفقراء يتبركون به عند الموت. ودفن خارج الجامع الذي بناه. ثم في يوم الاثنين ثالث عشري ربيع الأول خرج الكافل والقضاة والمشايخ والعوام ومعهم المصاحف وأعلام الجوامع إلى قرنبيا ورفعوا أصواتهم بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى، وقرّب الكافل قربانا للفقراء ورجعوا فظهر الوباء ظهورا لم يكن قبل ذلك. وأذكرني هذا ما قاله شيخنا أبو الفضل بن حجران في سنة تسع وأربعين وسبعمائة وقع الطاعون بدمشق وخرج الناس إلى الصحراء ومعظم أكابر البلاد ودعوا واستغاثوا فعظم الطاعون بعد ذلك وكثر. قال ووقع أيضا الطاعون في القاهرة في السابع والعشرين من ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين فكان عدد من يموت بها دون الأربعين فخرجوا إلى الصحراء في الرابع من جمادى الأول بعد أن نودي بالصيام ثلاثة أيام كما في الاستسقاء واجتمعوا ودعوا ثم رجعوا ... «١» انسلخ الشهر حتى صار عدد من يموت في كل يوم بالقاهرة فوق الألف ثم تزايد. وفي يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الأول ورد كتاب شيخنا زين الدين بن الخرزي باستقراره في قضاء حلب عن صدر الدين بن النويري وأرسل الكافل خلف صدر الدين. ورسم عليه في المدرسة السلطانية، وألزمه أن يعطي الناس ما أخذ منهم. فأخذ في الوفاء، وحضر الناس على الشكوى عليه من كل فج عميق فأدى نحو سبع مائة أشرفي ووعد الباقين بالوفاء، ثم دخل الكافل وذكر أنه أوفى الناس حقوقهم فأطلقه فذهب إلى بيته وكان أولا نازلا بالبيت الذي لبني العجمي مقابل الشرفية. ثم لما تزوج بنت شيخنا انتقل إلى قرب بيوتهم فلما صار الليل ذهب خفية إلى انطاكية ثم توجه إلى طرابلس.

стр. 819

وفي نهار الخميس سادس عشر جمادى الأول وصل شيخنا ابن الخرزي إلى حلب ولبس تشريفه وحكم بين الناس. وفي جمادى الآخرة اشتهر بين الناس اعتمادا على قول أرباب الهيئة «١» أن الشمس تكسف قريبا من التمام فجاء الناس للصلاة بالجامع فانكسفت انكسافا قليلا. وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة صرف تنم عن كفالة حلب بالحمزاوي وكان تنم كثير الطمع في أموال الرعية، وصادر أهل الباب ومن حولها من القرى عند ذهابه إليها، وكثر قطاع الطريق في أيامه، وصارت العرب من رعب يأتون إلى القرى يأخذون الغفر «٢» حتى لقد رأيت فلاحا يزرع بقرية مارت التي للأشرف وضع بيدره عند مقام الأنصاري فجاء العرب إليه يطلبون الغفر على بيدره، وأحدث غفراء عند خان طومان يغفرون/ (٣٣ ظ) م القوافل إلى سرمين وذلك لعجزه عن ضبط المملكة وعاقب شخصا من أكابر أهل عينتاب بالصفع وأدخله السجن فمات في السجن من الصفع. وفي ليلة الجمعة المسفر صباحها عن ثالث عشري جمادى الآخرة توفي الشيخ أبو العباس محمد بن الشيخ إبراهيم الكتبي وقد أجازني وكان عارفا أستاذا في تجليد الكتب، وتضرب الأمثال بصنعته، وعمل قيامة جامع حلب. وخدمه كثيرا بتقوى وصلى عليه بالجامع بعد الصلاة. ودفن بمقابر الصالحين وافتقده أهل حلب لأنه لم يكن أحد مثله في صنعته وإتقانه. وفي حادي عشري رجب دخل الحمزاوي إلى حلب كافلا عوضا عن تنم وكان الحمزاوي لين الجانب كثير الحياء والتودد للناس وتظلم نفسه. وله زوج عملت خيرا كثيرا لم تدع مزارا بحلب إلا وأرسلت له الدراهم. وأحسنت للفقراء وعزّلت عقبة

стр. 820

ديركوش وسهلتها بعد صعوبتها وأقرأت البخاري في صحيفتها. وكانت تأخذ ما يتحصل من الملح فتصرفه في وجوه الطاعات وكانت حشمة كريمة. لها عقل وماتت بعد زوجها بدمشق عن أثاث كبير وبنت دارا عظيمة بدمشق، وحجت من حلب حجة عظيمة. أصرفت عليها مالا كثيرا وأحسنت للفقراء بالماء والزاد والنفقة وأحسنت لأهل مكة والمدينة- رحمها الله تعالى- وكانت لا تسمع بفقير صالح إلا وأحسنت إليه، ولا بمعروف إلا بادرت إليه، وتحسن لأهل الحبس كثيرا وتطعم الأيتام وتكسوهم، وتزوجهم، وكانت شهمة لها همة عظيمة في فعل الخير. وفي أول رمضان حصل الخلف فثبت عند ابن مفلح أن منزلة الهلال بها غيم فأصبح يوم الثلاثاء وصام وأفطر القاضي الشافعي وصام الأربعاء. ثم بلغنا أن رمضان ثبت برؤيا يوم الثلاثاء فأرسلوا ساعيا إلى طرابلس فجاء على يده كتاب يثبت بأنه الثلاثاء. وكان قبل ذلك جاء اثنان وشهدا أن رمضان ثبت في بلاد طرسوس الثلاثاء فأثبته الحنبلي. لأن الرؤية عندهم تعم جميع البلاد، وجاء الخبر من القاهرة بأنهم صاموا الأربعاء ليلة الخميس روئ هلال شوال. وفي يوم الأحد سابع عشري رمضان حضر صدر الدين ابن النويري من القاهرة متحفظا عليه الشكوى القاضي ضياء الدين ابن النصيبي وولديه زين الدين وشرف الدين وذلك لأنه لما كان بحلب وقع بينه وبينهم وأخذ ابن البويري طبرا «١» ليضرب سيدي عمر بن النصيي ليلا فمسكوه وضربوه وأخذوا الطبر منه. وسبب العداوة أنه

стр. 821

كان زوجا لبنت القاضي ابن الشحنة فكان يدعى أن ابن الشحنة يقدم سيدي عمر ابن النصيي عليه وهو صهره أيضا. وكانت زوجة ابن النووي ماتت وزاد في مخاصمتهم وشتمهم فأنفوا من ذلك. وخرجوا إلى القاهرة شاكين للسلطان فوصلوا القاهرة ونزلوا بالبارزية ببولاق وساعدهم الكمال ابن البارزي فشكوا حالهم للسلطان فشكاهم، وأخرج ابن النويري إلى حلب في الحديد للكشف عليه فجرى الكشف بما التمس من أموال الناس. وأنزلوه بالسلطانية ومرض سيدي عمر بن النصيبي بالقاهرة مرضا أشرف به على الموت ثم عوفي لله الحمد، ثم خلع على القاضي ضياء الدين وولديه بحضرة السلطان خلع السفر وطلعوا من القاهرة كتب الله سلامتهم. وفي يوم الاثنين أدخلوا ابن النويري دار العدل وفي عنقه الغل وقرأ المرسوم الشريف ونودي عليه بالكشف من التمس له شيئا فليحضر فجاء الناس من كل فج يطالبونه واستمر في جامع الناصري في الترسيم. ثم في يوم الخميس ثامن شوال أحضر إلى دار العدل ووقف بين يدي الكافل وادعى عليه الناس بما التمس فصار ينكر. ثم يوم الجمعة بعد الصلاة ادعى الناس وكثر الصياح عليه، وهو مع ذلك لا يتغير ولا يرعوي، ثم أسرع في مصالحة غرمائه. واستمر في الترسيم إلى نهار السبت خامس عشر ربيع الأول سنة ثلاث فأنزل من القلعة للإسهال الذي حصل له إلى السجن في المدينة فأقام بالسجن والإسهال زايد عليه وقاء «١» دما فاشتهى خيارا فجاؤوا له من السجن فلوسا واشترى له خيار بها وهو ملقى على باب السجن في أسوأ حال والناس يأتون أفواجا ينظرون إليه للاعتبار إلى ثالث عشري الشهر المذكور فتوفي أول النهار بالسجن فأخرجوه إلى المارستان الجديد فغسلوه هناك وصلى عليه بالجامع الكبير ثم دفن خارج مقام الأنصاري ورق الناس عليه لغربته وذلته بعد عزه.

стр. 822

وفي يوم عيد الفطر توفي الشيخ أبو بكر الكردي الشافعي قدم حلب وسكن بحارة التركمان وأقرأ أولاد الناس بمكتب ابن الزين ولازم والدي وقرأ عليه كثيرا وحفظ قطعة من (الحاوي الصغير) وكان فرضيا. ويعرف النحو والقرآن، متعففا قليل الكلام، مواظبا على تلاوة القرآن، ودرس بجامع حلب نيابة عن أولاد الشيخ علي ابن الوردي. وفي يوم السبت ثالث شوال ورد كتاب القاضي ضياء الدين بن النصيبي إلى القاضي محب الدين ابن الشحنة إلى حلب يخبره بأن صلاح الدين ابن السابق ... «١» عند خروجه من دمشق قاصدا التوجه إلى حلب في القابون «٢» ، وقد رجع من مصر من الشكوى على ابن النويري أنه ورد كتاب الكمالي ابن البارزي يخبر بتولية شمس الدين محمد سبط الوجيه وعزل ابن الخرزي ووصل الكتاب إلى ابن السابق في خامس عشري رمضان فأعلمناه ذلك. وفي رابع عشر شوال وصل إلى خان طومان القاضي ضياء الدين ووالده وسيدي عمر في محفة لتوعكه، وخرج لتلقيهم القاضي الحنفي وولده الأثيري وغالب الناس إلى الخان المذكور، وأصبح بكرة النهار دخلوا إلى حلب وخرج الكافل لتلقيهم إلى جسر الأنصاري ودخلوا إلى دار العدل وعليهم خلع. وقرأ المرسوم الشريف فيه غاية التعظيم والإكرام وأن سيدي عمر ولي قضاء العسكر وسيدي أبو بكر إفتاء دار العدل ولبس كل منهما تشريفا بطريقته كعادة القضاة، وحضروا إلى منزلهم وصحبتهم القضاة، وأركان الدولة وكان يوما مشهودا. ثم أنشدني القاضي شرف الدين لنفسه:

стр. 823

إلهي لك الحمد الذي أنت أهله ... على نصره جاءت من الحكم العدل تقطعت الأوصال في كل ظالم ... وسربها أهل المعارف لا الجهل وأخبرني أنه أنشد من نظمه للكمال البارزي: أيا مليك العصر يا ظاهرا ... مؤيدا من حاكم عادل كيف يولي جاهل جائر ... يهدم دار العدل بالباطل وأن الكمال بن البارزي أنشدهما للمقام الشريف وأنه استحسن ذلك. وفي يوم الأحد ثامن عشر شوال ورد مثال السلطان بولاية ابن الرحبية القضاء وكتابه. وفيه أنه ولي في خامس عشر رمضان وخرج ابن الخرزي إلى حماة يوم الخميس تاسع عشري شوال. وفي يوم الاثنين رابع القعدة عمد رعاع أهل البيرة إلى قاضيهم زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الشافعي سبط الشيخ محمد بن الحداد البيري، فقتلوه قتلة منكرة. وكان قبل ذلك متكلما عليهم من جهة نائبها علّان وأساء السيرة فيهم فلما عزل علان خاف عليه من القتل فكاتب في أمره نائب حلب فأرسل جماعة من عسكر حلب إلى البيرة على أيديهم مرسوم الكافل أن يحضر في دعوى إلى حلب فأنزلوه من القلعة خوفا من القتل فحضر إلى حلب ثم سافر إلى القاهرة ووليّ قضاء البيرة، ودخل حلب وعلّم على توقيعه. وأخذ مرسوم الكافل الحمزاوي إلى نائب البيرة بالوصية به فاجتمعت به بحلب وحذرته من الذهاب إلى البيرة فلم يسمع. فلما وصل إلى البيرة ولبس تشريفه وذلك يوم الاثنين المذكور فلما دخل الليل فعلوا به ما تقدم. وأما رؤساء البيرة فإنهم كانوا قد حلفوا أنه إذا جاء عبد الرحمن إلى البيرة يرحلون منها. فرحلوا منها قبل قتله إلى بعض القرى. وكان عبد الرحمن المذكور فاضلا ذكيا ذكاء مفرطا وله نظم ونثر وكتابة حسنة

стр. 824

وكتب على أرزة سوداء سورة الإخلاص. وكان في لسانه لثغة وبذلة. وفي طبعه احتقار الناس، وفيه كبر وزهو زائد، وحفظ قطعة من (الحاوي الصغير) . وفي ليلة الأحد تاسع القعدة توفي الإمام النحوي شمس الدين محمد الملطي الحنفي وكان فاضلا في اللغة والنحو والتصريف والمعاني والبيان والأصول مستحضرا لأشعار العرب. وهو مطرح التكلف تاركا للمطالعة. وكان يجيء إلى والدي فيكرمه ويطلب من والدي تفسير ابن عبد السلام ويكثر مطالعته ويستحضر (الكشاف) وهو مسرف على نفسه. وصلي عليه بكرة النهار ودفن بالجبل الكبير. وله نظم جيد وقرأت عليه قطعة من (شرح ابن عقيل على الألفية) فكنت إذا توقعت فهمي يقول منشدا: إذا ما تميمي أتاك مفاخرا ... فقل عد عن ذاك من أكلك للضب اشتغل باسم الزهري. ولما كان القاضي معين الدين سبط ابن العجمي بحلب كاتب سر مدحه فلم يعطه شيئا فأنشد: مدحت معين الدين لا زال عاليا ... ليحصل لي منه العطاء المعجل/ (٢٠ و) م فما انبسطت بالبشر عزة وجهه ... ولا انفتحت بالجود لي منه أنمل فأبت بلا نفع كأوبة أمرد ... ينال فلا يعطي نوالا فيخجل وفي يوم الأحد قدم قاضي المسلمين شمس الدين محمد بن خليل بن محمد بن حسين بن محمد بن أبي العزائم بن عبد الله بن سبط بن الوجيه إلى مقام الأنصاري وبات ثم أصبح بكرة نهار الاثنين سلخ الحجة فدخل دار العدل ولبس تشريفه بقضاء الشافعية ثم جاء إلى الجامع الأموي فقرئ توقيعه وجاء فنزل بيت الشيخ كمال الدين ابن العجمي مقابل الشرفية.

стр. 825

سنة ثلاث وخمسين وثمانمئة وفي يوم الجمعة ثامن عشر المحرم حضر شخص من أهل حمص إلى حلب وصلى بالجامع ثم قال: ما لكم لا تصلون على شيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر «١» فإنه مات. وصلي عليه بحمص. فلما كان يوم الأحد وردت الأخبار من القاهرة على القاضي الحنفي ابن الشحنة في ليلة السبت ثامن عشري ذي الحجة فاجتمع عند ذلك بالجامع القضاة خلا ابن الشحنة. والفقهاء والفقراء وأهل الخير وقرؤوا شيئا من القرآن في صحائفه ثم صلي عليه صلاة يوم الجمعة في أكثر جوامع حلب. ثم وقفت على كتاب جاء من القاهرة «٢» يتضمن أنه توفي ليلة السبت بعد العشاء بنحو عشرين درجة ثامن عشرين ذي الحجة سنة اثنين وخمسين وثمانمائة «٣» وكان يوم وفاته يوما عظيما ذكروا أنه لم ير في القاهرة مثله فصلوا عليه في الرميلة بسبيل «٤» المؤمني صلى عليه أمير المؤمنين الخليفة وكان قد تقدم للصلاة عليه علم الدين البلقيني فأشار السلطان إلى الخليفة أن يصلي عليه وقال لعلم الدين: أنت تبغضه. فتأخر قال: في الكتاب وأنشدني أبو البركات الغراقي «٥» وقال: إن الشيخ قبل وفاته أنشد يرثي نفسه: قرب الرحيل إلى ديار الآخرة ... فاجعل إلهي خير عمري آخره وارحم مبيتي في القبور ووحدتي ... وارحم عظامي حين تبقى ناخرة فأنا المسكين الذي أيامه ... ولت بأوزار غدت متواترة فلئن رحمت فأنت أكرم راحم ... فبحار جودك يا إلهي زاخرة

стр. 826

والأبيات للزمخشري. أ وبلغني أن أبا الجود المالكي وهو من أهل الصلاح قال: إن الخضر ﵇ صلى عليه، وهذا على قول من قال بحياته. وبلغني أنه أنشد قبيل وفاته في آخر أيامه: خانني ناظري وهذا دليل ... بانتقالي من بعده عن قليل وكذا الركب إن أرادوا رحيلا ... قدموا ضوءهم أمام الحمول فقال إنهما لسعد بن إبراهيم الطائي الحنبلي البغدادي. رجع: ومولد شيخنا شيخ الإسلام قاضي المسلمين أبو الفضل بن حجر كما رأيته بخطه في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ب، وأخبرني لما كان بحلب أنه قرأ البخاري على نفسه للتبرك في عشرة مجالس وكانت القراءة ما بين الظهيرة والعصر وأنه قرأ صحيح مسلم على شرف الدين محمد بن الكويك في خمسة مجالس. وكانت القراءة من بكرة/ (٢٠ ظ) م النهار إلى الظهر (المعجم الأصغر «١» ) في مجلس، وأنه قرأ ابن ماجه في عشر مجالس، وأنه أقام بدمشق مائة يوم فقرأ فيها ألف جزء حديثية تقريبا وكتب عشرة مجلدات «٢» . وأول اشتغاله بالعلم سنة سبع وثمانين وأول سماعه سنة خمس وثلاثين وطلب بنفسه سنة ثلاث وسبعين وله مصنفات ومؤلفات وولي قضاء القضاة بالقاهرة عدة مرات وعدة مناصب وتداريس وبالجملة قلّما ترى عيناي مثله.

стр. 827

ورثاه الشهاب الحجازي وعماد الدين بن الزبراح «١» بقصيدة أنشدنيها، وأولها: هي الليالي خطوب تعتري وغير ... فكم أرتنا صروف الحادثات غير لم يصف منهل عيش لامرئ أبدا ... إلا وعقبه بعد الصفاء كدر كم كدرت وصفت كم أخلقت ووفت ... وكل ذا بقضاء قد جرى وقدر منها: فكم جسوم بإطباق الثرى بليت ... وأوجه أسكنت بعد النعيم حفر أواه وا لهف قلبي اليوم وا أسفي ... وا حسرة الدين والدنيا على ابن حجر على شهاب لدين الله كان.... «٢» ... (جنابكم) شمس فضل قد خبت وقمر على إمام عليه الخلق قاطبة ... أثنت وكم قد حكت «٣» في الجود عنه سير فالعلم من بعده ضاقت مذاهبه ... وضل في حيرة من بعده وفكر مجالس العلم من حزن عليه بكت ... فنوحها اليوم ترمي في القلوب شذر وفي أحاديث خير المرسلين له ... أعلى مقام وإسناد وحسن نظر

стр. 828

فكم أنار طريقا من مذاهبها ... وكم قديم حديث قد روى وخبر منها: من للفضائل أم من للمسائل أم ... من للرسائل عليها بعد صخر من للمحارب زانتها تلاوته ... في ظلمة الليل من متن الكتاب سور فالسحب أجرت عليه اليوم أدمها ... والريح تبكي إذا مرت عليه سحر بكت عليه نجوم الليل ذاكرة ... تهجدا في ليال كلهن غرر منها: يا قبره قد حويت المجد أجمعه ... وفيك جنة عدن أزلفت ونهر لله درك من قبر علا وسما ... أمسيت للمجد والعلياء نعم قصر مولاي نصر قضاة المسلمين ومن ... للعدل قد سل سيفا في الورى وشهر مقرر على الخلق فقدان لشخصك يا ... من كان ملجأهم يوما لدفع ضرر ما ناح ذو شجن ليلا على فنن ... وأومض البرق نجديا ولاح القمر وفي نهار الثلاثاء سادس صفر ورد الخبر من القاهرة بكثرة الطاعون وبوفاة الشاب السعيد محي الدين يحيى بن السيد نقيب الأشراف بدر الدين بن السيد نقيب الأشراف/ (٢١ و) م عز الدين الإسحاقي. وكان قد حج ورجع إلى القاهرة والعجب أن القاصد الذي جاء بخبر وفاته جاء صحبته كتاب منه بأنه طيب وكان قد طعن بعد أن أعطاه الكتاب. وكان أخوه النقيب عفيف الدين عبد الله متطلعا خائفا عليه ولا يسأل أحدا عنه خشية أن يبلغه ما يكره كما قيل: ومن حذري لا أسأل الركب عنكم ... وأعلاق قلبي باقيات كما هيا ومن يسأل الركبان عن كل غائب ... فلا بد أن يلقى بشيرا وناعيا وكان السيد يحيى عاقلا ذكيا كثير الحياء، دمث الأخلاق حسن المعاشرة لطيف المحاضرة. قرأ على والدي شيئا من (شرح ألفية الحديث للعراقي) ولازمه ملازمة

стр. 829

كثيرة، وكان والدي يقدمه في الجلوس على أقرانه اتباعا للسنة:" قدموا قريشا". ويثني على عقله ورجاء أن يكون خلفا عن آبائه وكان سني الاعتقاد. وفي يوم الجمعة تاسع صفر صلي بجامع حلب صلاة الغائب عليه وعلى قاضي القضاة بدر الدين محمد بن التنسي المالكي قاضي مصر. وفي العشر الآخر من صفر سنة ثلاث ورد المرسوم الظاهري بعمارة سور حلب. وفي العشر الأول من ربيع الأول ورد المرسوم الظاهري بعمارة جسر يغرا فخرج المهندسون من حماة وحلب ووقفوا على الجسر وقالوا إن عمارة جسر جديد أنفع من ترميم الجسر العتيق وذكروا أن عمارته لا تكمل إلا في سنتين. وأنه يريد اثني عشر ألف دينار تقريبا وأن عمارته يكون من حجارة قلعة دربساك. فطولع السلطان بذلك وفي يوم السبت رابع عشري ربيع الأول صلب محمد الشهير بالمخلع صاحب شرطة حلب مع جماعة من السّراق لأن بعض السراق أقر عليه أنه كان يعاملهم وضربوه ضربا بليغا فلم يعترف. وعزقت امرأة خارج حلب عند جسر باب انطاكية لأنها كانت تدخل السوق وتعرفهم من أين ينقبوا ويدخلوا «١» ، وفي يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر دخل حلب قصاد صاحب الروم مرادباك ومعهم جماعة من الفرنج الذين أسرهم في بعض وقائعه وعليهم آلة الحرب ومعه لواء مذهب ونزلوا بيت الكلتاوي وكان قد أرسلهم إلى السلطان. وفي العشر الأوسط من جمادى الأولى سقط نجم فأضاءت له حلب. وفي العشر الأوسط من رجب تكررت الزلازل بحلب حتى في ليلة الخميس خامس عشر الشهر المذكور زلزلت عدة مرات. وفي ليلة الأحد خامس عشر منه زلزلت ثلاث مرات أيضا. وفي العشر الأول من شعبان تكررت الزلازل حتى في ليلة

стр. 830

الجمعة ثامن شعبان زلزلت زلزلة عظيمة فخربت أماكن عديدة وورد كتاب نائب إياس غريب إلى حلب يتضمن أن في هذه الليلة زلزلت إياس ومعاملتها زلزلة عظيمة وانهدم من بروج القلعة أماكن كثيرة وتشقق وأن أرض البجق في ناحية الملاحة «١» على نهر جيحان يوم الخميس العصر من النهار وقعت زاعقة وقتلت/ (٢١ ظ) م أربعة نفر في بيت واحد وفي آخر الليل حصلت الزلزلة وأن بعض المواضع خربها؛ ومن جملة ما خسف بأربعة أجمال وراحت. فلا يدري ما اتفق لها وإن في نفس بيوت التركمان تشققت الأرض ونبع الماء من موضعين وأن الحجر البحر الملح انجذب مقدار مدتين قوس وبقي لا ماء فيه. وورد كتاب نائب طرسوس بأن هذه الليلة زلزلت طرسوس ووقعت مئذنتها وبعض الجامع والأسوار. وفي القعدة أخرب العشير المعرة وسبب ذلك قتل أولاد العطوي في الحمام قبل صلاة الجمعة. وفي يوم الأربعاء ثاني الحجة ورد الخبر بوفاة سيدي يحيى بن العطار بالقاهرة. وأخبرني بعضهم أنه توفي في القعدة. وورد في كتاب أنه توفي سابع عشر القعدة. وقد تقدمت ترجمته في قدوم الأشرف إلى حلب «١» وكتب إليه المقر الكمالي ابن البارزي: حل لفظي فإنه سكري ... يتمنى لحلو فهمك لقيا إن تجده قد رق أو مات شوقا ... يا طيب القلوب برحمة يحيى وكتب إليه أيضا: خيالك في فكري يؤانس وحدتي ... على أن داء الشوق في مهجتي أعيا

стр. 831

فإن مات من فرط اشتياقي فصبري ... أعلله بالقرب من سيدي يحيى وكتب سيدي يحيى إلى الكمالي المشار إليه: لما رآني الكما المضني ... وصرت بالشوق كالخلال أراد يحكي نحول جسمي ... إذ كلنا طالب الكمالي فأجابه: مشرف منك قد أتاني ... ألفي محبا ضناه أعيا علمت إذ مات فيه قلبي ... بأنه قد أراد يحيى وفي يوم الأحد عيد الأضحى توفي شهاب الدين أحمد نقيب القلعة بحلب عن سن عالية. وكان عاقلا من رجال الدهر. وفي حادي عشر الحجة ورد مثال بطلب القاضي علاء الدين بن مفلح الحنبلي إلى القاهرة

стр. 832

سنة أربع وخمسين وثمانمائة في يوم السبت مستهل السنة خرج كافل حلب الحمزاوي إلى جهة الجبول بسبب ما حدث بالشام من دخول ابن قرايلوك ونهبه لبعض التركمان وذلك بسبب ابن جعبر مضافة إلى جاه نكير ابن قرايلوك. وقدم عليه في هذه السفرة عرب رغب فأكرمهم وآمنهم ودخل حلب في العشر الثاني من الشهر المذكور. وفي شهر المحرم ورد مرسوم بعدم حضور ابن مفلح واستقراره في وظيفته وتكررت الزلازل في المحرم. وكذلك في صفر فكذلك في جمادى الأولى بحلب وبحماة كانت الزلازل أكثر. وفي نصف صفر ولي ابن الخرزي قضاء حلب عوضا عن شمس الدين سبط ابن الوجيه. وفي يوم الاثنين مستهل ربيع الأول سافر القاضي الحنفي ابن الشحنة إلى القاهرة ونزل بخان طومان/ (٢٢ و) م ثم سافر ليلة الثلاثاء فلما وصل إلى القاهرة ادعى عليه السلطان الظاهر جقمق بنفسه بمقتضى محضر مثبوت على ابن النويري بأنه يستحق عنده ستة وثلاثين ألف دينار. وعقد له مجلسا بحضرة القضاة وكان الشافعي إذ ذاك المناوي فأجاب بأن ابن النويري أنت تعرف فسقه. فأحجم السلطان عن الجواب. ثم انفض المجلس وبعد ذلك صولح على عشرة آلاف دينار بشفاعة عبد الباسط عند أبي الخير النحاس وكانوا قد أرسلوا هجانا إلى القدس لإحضار المحضر. وفي يوم الخميس ثامن عشر ربيع الأول ورد تغري بردي- نائب قلعة حلب- من القاهرة مكرما. وكان قد ذهب من حلب إلى القاهرة. وجاء صحبته نقيب القلعة ومعه مثال بولاية ابن الخرزي عوضا عن سبط ابن الوجيه. وكان ضعيفا فلم يبلغه الخبر واستمر به الألم إلى أن مات؛ وضعفه كان يجبر ألما شديدا في أصبع بيده ولا ظهر لها أثر في الخارج. وتوفي في ليلة السبت المسفر صباحها عن عشري ربيع الأول

стр. 833

وكان كثيرا ما ينشد قبل الموت: ومن كانت منيته بأرض ... فليس يموت في أرض سواها. وصلي عليه يوم السبت بجامع حلب ودفن بمقابر الصالحين إلى جانب الإمام الغزالي وكان فقيها يحفظ (الحاوي الصغير) ويعرفه معرفة تامة عاقلا لا يعرف النحو وعربيته بردونة (كذا) . وكان ينشد: يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور يرفع قرابته. وكان شكلا حسنا كثير التواضع والانبساط إلى الناس. وأخبرني أنه ولد في جبل من بلاد طرابلس. وكان يكتب بخطه الغزي نسبة إلى غزة- التي دفن بها هاشم جد النبي ﷺ وأعداؤه يقولون نسبة إلى غزة؛ بضم الغين المعجمة. ونشأ في طرابلس، وقرأ على الشيخ شمس الدين بن زهرة والشيخ سعد الدين الآمدي. والآمدي: قال ابن قاضي شهبة في ترجمته: " سعد بن عبد الله الآمدي ثم الطرابلسي أقام بطرابلس يشغل ويفتي قليلا وكان فاضلا في الأصول. ويجل الحاوي الصغير لكنه لم يكن محمودا في دينه على ما بلغني. توفي في أحد الجمادين سنة اثنين وثلاثين وثمانمائة. قلت: وأذكرني هذا ما قاله الشيخ العارف السراج: لو كان في الشيخ برجس لظهر في التلميذ أ. لطيفة: ب ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه أن عبيد شرية عاش ثلاثمائة سنة وأدرك الإسلام فأسلم ودخل على معاوية بالشام فقال له حدثني: بأعجب ما رأيت. قال: مررت

стр. 834

ذات يوم بقوم يدفنون ميتا فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع فتمثلت بقول الشاعر: يا قلب إنك من «١» أسماء مغرور ... فأذكر «٢» ، وهل ينفعك اليوم تذكير قد بحت بالحبّ ما تخفيه من أحد ... حتى جرت لك «٣» أطلاما محاضير فلست تدري وما تدري أعاجلها «٤» ... أدنى لرشدك «٥» أم ما فيه تأخير فاستقدر الله خيرا، وارضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير وبينما المرء في الأحياء مغتبطا ... فإذ هو الرمش «٦» تعلوه الأعاصير يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيّ مسرور فقال له الرجل: أتعرف من يقول هذه. قلت: لا والله إلا أني أرويها منذ زمان. فقال والذي يحلف به قائلها هو صاحبنا الذي دفناه، وأنت الغريب الذي «٧» تبكي عليه ولست تعرفه. وهذا الذي خرج من قبره أمس الناس به رحما وهو أسرهم

стр. 835

بموته كما وصفت، فتعجب لما ذكر من شعره والذي صار من قوله كأنه ينظر إلى مكانه جنازته. فقلت:" إن البلاء موكل بالمنطق"؛ فذهبت مثلا. فقال معاوية: لقد رأيت عجبا فمن الميت. قال: عنترة بن لبيد العذري «١» . رجع: ثم أقام سبط بن الوجيه بطرابلس وحج سنة أربعين منها. ثم حصل بينه وبين بعض قضاة طرابلس وحشة أوجبت سعيه في قضاء طرابلس فوليها ثم عزل منها. ثم سافر إلى القاهرة فنزل عند ناظر الخاص فسعى في قضاء حلب فوليها وحضر إليها، وباشرها ببعض طمع ودرس بمدارسها وتقدم صحبته خاله زين الدين عمر بن الوجيه؛ وكان شكلا حسنا يستحضر شيئا من الأشعار وينسب إلى الرفض وحضر صحبته شمس محمد بن حمادة الشافعي وكان نقيبه وله قدرة على تحصيل المال من غير وجهه. ولو مودة وانبساطا وينسب إليه إلى قلة الصلاة. ثم بعد موت شمس الدين ذهب إلى طرابلس فشهد عليه زين الدين بن الوجيه بشهادة. فقتل بطرابلس وكان يقول: أنا بريء مما شهد عليّ به. وقام في قتله شهاب الدين بن قرطاي- قاضي طرابلس الشافعي- وكان المذكور ولي قضاء المالكية بحلب. وكمال الدين فهد بن الناسخ الذي قرأ على والدي بحلب لما كان أبوه قاضيا بها: ولشمس الدين سبط الوجيه شعر- سد وزن- منه يمدح الجمال ناظر خاص: يا أيها المولى الذي للملك عقد ونظام لو كان مثلك آخر ما كان من خلق يضام وله مدح في الكمالي بن البارزي وغيره وهو في الدرجة السفلى؛ فمنه:

стр. 836

إذا ما قضاة الجهل جاروا بظلمهم ... علينا التجينا للكمال بن بارزي كريم ومن أصل كريم ووجهه ... ضحوك لدى الحاجات بالخير بارزي لطيفة أ: رأيت بخط الشيخ المؤرخ المقريزي أخبرني العبد الصالح شمس الدين محمد الصوفي أنه جرب غير مرة أنه إذا وضع إناء أو شيئا مما يؤكل وحوط بأصبعه حوله شبه دائرة وقال: يا أيها «١» النمل هذا اللحم أو هذا العسل مثلا من أجرة غلام القاضي فإن النحل تأتي إلى تلك الدائرة وترجع من غير أن تصل إلى ما وضع في داخلها. ومثله إذا وضعت شيئا وأنت ماسك نفسك لا تتنفس لا يقربه نمل. انتهى. فإذا كان هذا أجرة غلام القاضي لا يقربه النمل فكيف بما يأخذه القاضي. وفي العشر الأول من جمادى الأول اشتهرت ولاية/ (٢٣ و) م زين الدين عبد القادر بن شهاب الدين أحمد بن الرسام «٢» نظر الجيش بحلب وولاية زين الدين ابن السفاح كتابة السر بها. ووردت كتب ابن الرسام من القاهرة بخبر بذلك فلما كان نهار الجمعة ثامن الشهر المذكور ورد قاصد من القاهرة وعلى يده مرسوم بأن يؤخذ من الأثيري ابن الشحنة مبلغ فأرسل نائب القلعة خلفه يطالبه بذلك فاختفى. فلما كان يوم الاثنين لبس تغري بردي- نائب القلعة- خلعه بنظر الجوالي عوضا عن المقر المحبي ابن الشحنة، ودخل ابن السفاح إلى دار العدل وقرأ مرسومه بنظر الجوالي من غير أن يحضر توقيعه بكتابة السر فلما كان آخر الشهر حضر قاصد المقر المحبي من القاهرة وعلى يده مثال شريف باستمرار المحبي في وظيفته قضاء الحنفية

стр. 837

بحلب ونظر الجيش واستقرار ولده في كتابة السر. ثم في يوم الجمعة آخر شهر جمادى الأولى ورد قاصد من المقر المحبي من القاهرة وعلى يده تشريف لولده الأثيري بكتابة السر فلبسه يوم السبت مستهل جمادى الآخرة. وابن الرسام المذكور كان أولا لما كان والده قاضيا بحلب نقيب والده ثم انجمع عنه فصار صوفيا ثم سافر من حلب وسعى في كتابة السر بحلب ونظر الجوالي فوليها في أيام الظاهر جقمق. وكان بينه وبنيه معرفة ما فأعطاه قرية بابلي فباشر بحرية وضبط زائد. ووقع بينه وبين القاضي ضياء الدين من الدخول لدار العدل ومباشرته كتابة الإنشاء وضاق صدر الضياء من ذلك. ثم ورد كتاب الكمال بن البارزي إلى الضياء وقرينه يقال شريف بمباشرته وظيفته على عادته، وأنه أمين السلطان فطلبه الكافل وألبسه خلعه، وباشر. وفي سادس عشري جمادى الأول يوم الاثنين حضر إلى حلب سودون قر الخاصكي وعلى يده مرسوم لنيابة حماة لسودون المؤيدي الذي كان أميرا كبيرا بحلب. وخلعه لعلي باك بالإمرة الكبرى عوضا عن سودون. وفي يوم الخميس تاسع عشري جمادى الأول اشتكى جمعة القساسي على مكي البريدي «١» عند ابن مفلح فاعترف فأمر بحبسه فلما وصل إلى أول سوق البلاط ضربه بسكين فحمل إلى بيته ومات من ساعته فقطع كافل حلب يدي مكي فمات ثم سلخوه بعد الموت ودفن جمعة من يومه خارج باب قنسرين. وخرج قانباي البهلوان الكافل في جنازته لأجل ولده قاسم حاجب الحجاب ونائب حماة سودون. وكان جمعة رجلا مشرقيا. وولي ولايات. وفي آخر عمره انقطع ببيته وكتب كتابا (كصحيح مسلم) (وتفسير البغوي) ولم يكمله، و (الأحياء) ولم يكمله، وقتل وهو صائم. وفي يوم الجمعة

стр. 838

ثالث شعبان دخل دمشق جلبان وكافل طرابلس وكافل صفد (يشبك الحمزاوي) الذي كان دوادار السلطان بحلب/ (٢٣ ظ) م وانتقل منها إلى نيابة صفد ثم إلى حلب وصحبتهم العساكر ونزلوا بالميدان الأخضر وذلك بسبب نزول عسكر جهان شاه على أرزنكان «١» ليأخذوها من جهانكير وكان خاطر السلطان قد تغير عليه بسبب عدم تسليم قلعة جعبر للسلطان وإفساده وإغارته على بلد البيرة. وفي يوم دخولهم حصل بين مماليك كافل الشام وكافل حلب الحمزاوي فتنة أسفرت عن جراحات بينهم. وفي ليلة الجمعة دخل أبو الخير محمد النحاس إلى حلب وبات بخان ابن السفاح داخل باب النيرب تحت الترسيم منفيا إلى طرسوس وأدخل دار العدل يوم الجمعة واستمر بجامع الناصري محتفظا عليه. وخرج من حلب يوم الاثنين سادس الشهر المذكور إلى طرسوس. وهذا الرجل قدم حلب في خدمة معين الدين سبط بن العجمي ثم عاد إلى القاهرة فترفع بصحبة الظاهر جقمق وقدمه على أقرانه وناظر الخاص يوسف وصار لا يقطع أمرا إلا به وصار إذا ذكر أحدا من أكابر القاهرة يستصغره ويتسافه عليه وتأتي الأعيان إلى بابه فلا يأذن لأحد بالدخول. وأثرى وكثر ماله حتى صار له في مدة يسيرة من الأموال ما يزيد على أربعمائة ألف دينار فاحتال عليه ناظر الخاص وتصدق بمال كثير على الفقراء وسألهم الدعاء عليه فتغيرت خواطر الفقراء عليه فغضب عليه السلطان. وأمر بنهب بيته فأخذوا ما في بيته. ومن ذلك كتب تساوي خمسين ألف دينار ومائتي دينار منها (كشاف) «٢» بخط ياقوت وجواهر بخمسين ألف دينار منها حلق كان في أذن بنته يساوي سبعمائة

стр. 839

وخمسين أشرفيا وعجلوا في أخذه فأخرموا أذنها ولم يتأثر إلا من ذلك. وكان يبكي بسبب ذلك وكان يكتب طبقة فلما وصل إلى طرسوس ضيقوا عليه وأجروا عليه كل يوم رغيفا فكتب ربعة ومصحفا عظيمين وأرسلهما إلى السلطان ليرق له وأطلقه فرجع إلى طرابلس ثم مضى إلى مصر بمرسوم. وفي شهر رمضان كثرت الأراجيف بحلب وبلادها بسبب قدوم عسكر جهان شاه إلى أرزنكان وأخذها ثم انتقالهم إلى أطراف بلاد ملطية ودوركي ولم يتعرضوا إلى أحد وأرسل كافل حلب الحمزاوي وكشفهم فجاء الخبر برحيلهم إلى بلاد جهان كير ثم جاء قاصد كافل حلب في يوم الأحد ثاني شوال وأخبرهم بأنهم خاضوا الفرات من جهة سميساط إلى بلاد جهان كير وزلزلت حلب بعد المغرب زلزلت حلب بعد المغرب زلزلة عظيمة في رمضان. وفي يوم السبت ثامن عشر الشهر دخل المحبي ابن الشحنة حلب قاضيا على عادته وناظر جيش عوضا عن عبد القادر بن الرسام. ودخل دار العدل. ولبس تشريفه. ثم جاء إلى بيته. وقرئ ترقيته وهو مؤرخ بعاشر جمادى الآخرة من السنة. وفي «١» ثاني عشر منه توجه يشبك نائب صفد ومعه فرقة من التركمان لحفظ المخايض الفراتية من جهة قلعة المسلمين وما حذاها خشية أن يعبرها جهان كير وتذهب إلى ابن قرمان. وسبب ذلك أن جهان شاه كتب إلى السلطان أن لا يمكنه من خوض الفرات ثم رجع إلى حلب. وفي رابع شوال خرج الكافل الحمزاوي إلى خارج باب النيرب عند المطعم واستعرض أهل حلب. وخرجوا بالسلاح الكامل وأظهروا شجاعتهم ودعوا السلطان. وكان يوما مشهودا من كثرة السلاح وإظهار القوة على ملاقاة من عاداهم ففرح الكافل بذلك وقوي جأشه.

стр. 840

وفي يوم الأربعاء خامس شوال توفي القاضي زين الدين عبد الصمد بالقاهرة. وأوصى أن لا يصلى عليه عند سبيل المؤمني خشية أنه ينزل السلطان فيصلي عليه فيثقل عليه؛ وهذا كان صدرا محتشما رئيسا كريما يقضي حوائج الناس على يده. حج حجة عظيمة من القاهرة وأصرف عليها مالا كثيرا وعمر مدرسة بالقاهرة ومكة والمدينة والقدس والشام. وتقدم في دولة الأشرف برسباي بحيث لا يصدر شيء إلا عن رأيه وكان أولا بحلب في خدمة ابن الشهاب المحمود. وكان الخواجا شمس الدين بن المزلق لا يرفع به رأسا ولا يلتفت إليه ويراه بالعين التي كان بها. ويقال انه هو الذي حسّن للأشرف أن لا يتجر أحد في النهار إلا هو وذلك لإنكاء ابن المزلق. وفي هذا اليوم وهو الأربعاء خامس شوال حضر ابن رمضان درندار ومعه جماعة من التركمان ونزلوا خارج حلب واطمأنت القلوب. وفي يوم الخميس خرج الكافل الحمزاوي إلى الميدان ومعه من حضر إليه من العرب والتركمان وغيرهم من الفلاحين وحضر كفال الممالك وصفوا حلقة عظيمة وكان يوما مشهودا لا يحصون كثرة. وكان القاصد الذي حضر من جهة العسكر جهان شاه اللذين قطعوا الفرات حاضرا والقاصد حضر يوم الأربعاء فشاهد ما حيّره وأزعجه.

стр. 841

سنة خمس وخمسين وثمانمائة . في مستهلها توفي مراد باك «١» صاحب الروم، ومدة مرضه أربعة أيام وأخفي موته حتى حضر ولده محمد «٢» من (مفيسا) (كذا) قاطع البحر ثم جلس ولده محمد عوضا عنه في سادس عشري المحرم فصلى عليه وأرسل إلى مدينة (برصا) فدفن هناك. وفي يوم الثلاثاء سادس المحرم ورد الخبر من القاهرة بوفاة قاضي المسلمين ولي الدين محمد بن أحمد السفطي «٣» الشافعي وأنه توفي مستهل الحجة من السنة الحالية. وهذا كان يقرأ القرآن كثيرا في نزوله وركوبه وقعوده وقيامه وكان شكلا حسنا وكان صاحبا للظاهر جقمق. ويأتي إليه إلى بيته ويأكل عنده فلما جلس الناس لمبايعته نزل إلى جامع الأزهر وأحضر لباس «٤» الخطيب وهو السواد لأنه لّما طلب من ناظر الخاص هذا الشعار أنكر أن يكون عنده فعظم بذلك قدر السفطي عند الظاهر وقدمه واقتدى برأيه وولاه قضاء الديار المصرية عوضا عن شيخنا أبي الفضل وأساء إلى شيخنا ورسم على ولده برهة. وحاسبه على متحصل الأوقاف وفي القاهرة عدة وظائف كمشيخة الجمالية. ثم ولاه الظاهر نظر المارستان ثم أرسل إليه يطلب منه قرضا من مال/ (٢٤ ط) م الأيتام فأرسل له القدر. وأرسل شاهدين ليكتبا مسطورا على

стр. 842

السلطان. فرد السلطان المال ثم أرسل يطلب من ماله قرضة، وقال لا مال لي. فبلغ السلطان فأعاد الطلب بالضعف فأشهر السلطان النداء من كان عنده مال للسقطي فليحضره وإلا فعل به كذا فأحضر الناس ما عندهم له من الودائع فاختبأ. وكان أبو الخير يحتقره عند السلطان ويذكر مثالبه. ولما تغير «١» السلطان على أبي الخير ظهر السفطي ثم طلع إلى السلطان ثم توفي بعد ثلاثة أيام وكان يدعي علما كثيرا ويقرأ بعض الناس عليه (الكشاف) خوفا منه؛ قال الله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ . فببركة شيخنا أبي الفضل بن حجر اتفق له ذلك. وفي تاسع عشر المحرم وصل الخبر بوفاة أمير المؤمنين المستكفي سليمان بن محمد «٢» توفي بالقاهرة يوم الجمعة ثاني المحرم وصلي عليه بسبيل المؤمني فنزل السلطان الظاهر للصلاة عليه وخرج ماشيا في جنازته إلى أن دفن بالمشهد النفيسي، وكان رجلا صالحا. وفي نهار الخميس تاسع عشري المحرم وصل بيغوت «٣» نائب حماة إلى حلب وكان قد انسحب «٤» من حماة إلى جهة الرحبة ثم إلى الرها ثم إلى البيرة وحضر إلى حلب صحبته محمد متولي الحجر نائب البيرة وألبسه نائب الشام خلعة وكذلك نائب حلب وطرابلس فطولع السلطان بذلك ونزل بيت (صاروحان) «٥» داخل باب بانقوسا وعليه ترسيم. فلما كان يوم الجمعة ثامن ربيع الأول دخل شخص ليسلم عليه فضربه بسكين كانت في يده فجرحه فقام إليه وأمسكه وقتله بعض خدمه «٦»

стр. 843

ثم في يوم الأحد حضر مرسوم السلطان صحبة قاصد بالإفراج عنه وإرساله إلى القاهرة وأن يصرف له مائة دينار نفقة من مال السلطان فأطلق يوم الاثنين حادي عشر ربيع الأول. وفي نهار الأربعاء سابع عشري صفر توفي الأمير شهاب الدين أحمد بن أحمد ابن أغلبك «١» وقد أجازني وكان شكلا حسنا عارفا عاقلا متجمعا عن الناس ويميل إلى أهل الخير ويجتمع معهم ووالده أيضا كان من العقلاء وأرسل قاصدا إلى تيمور باشر شهاب الدين نظر جامع الطنبغا بعفة وعمر أوقافه ودفن خارج باب المقام في تربته. وفي ليلة الخميس المسفر صباحها عن عشري ربيع الأول توفي الشيخ الإمام العلامة عبد الرزاق بن محمد الشيرواني- نزيل حلب- أخبرني القارئ الذي كان يقرأ عنده عند الاحتضار أنهم لما وصلوا إلى قوله تعالى: فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ قضي وهذا الرجل قرأ على الشيخ علاء الدين البخاري وقدم حلب ونزل خارج باب الخندق بالوج فقرأ عليه الشيخ شمس الدين السلامي وغيره (شرح العقائد) ثم نزل بالمدرسة الرواحية ولازم وصار لا يخرج إلا للصلاة بالجامع الأموي وقرأ عليه الشيخ شمس الدين ابن أمير حاج وبه انتفع، وسيدي عمر وسيدي أبو بكر بن النصيبي وغيرهم/ (٢٥ و) م وكانت أوقاته معمورة بالإشغال والاشتغال وقراءة القرآن. وتزوج امرأة فأولدها «٢» - توفي «٣» في رمضان سنة ثلاث وخمسين- بنتين توفي عنهما. وكان منقطعا متعففا عن الفقهاء. رتب له القاضي جمال الباعوني كل شهر

стр. 844

ثلاثين درهما من العصرونية فلم يقبل وكان قليل الكلام فقيرا جدا، يخرج إلى الصلاة في الجامع في الأوقات الخمس في شدة البرد وعليه دراعة بيضاء. وكان ينسب إلى معرفة كلام ابن العربي، وصلي عليه بكرة نهار الخميس بجامع حلب ودفن بالقرب من مقام سيدنا الخليل ﵇ خارج حلب وكان متعففا باليسير. ويعجبني قول الداود راوي البخاري: كان في الاجتماع من قبل نور ... فمضى النور وادلهم الظلام فسد الناس والزمان جميعا ... فعلى الناس والزمان السلام وله: إن رمت عيشا طيبا ... صفوا بلا منازع فاقنع بما أوتيته ... فالعيش عيش القانع وفي رابع جمادى الأولى عمل الحاج محمد بن خليفة المعصراني، وهو من أهل بانقوسا، طهورا لأولاده وأراد أهل بانقوسا أن يلبسوا السلاح على عادتهم في المشي في خدمة المطهرين فشاع الخبر بأنهم يريدون الإيقاع بالحوارنة فأرسل الكافل خلف الأكابر وحذرهم من الفتن وأشهر البلاء بعدم لبسهم فدخل إليهم جماعة من أكابر تجار بانقوسا والتزموا بأن لا يحدث شر بين الطائفتين فأذن في ذلك فلبسوا على عادتهم وطافوا في البلد فلما وصلوا إلى تحت القلعة صاح شخص: يالقيس!. فوقعت الفتنة وحمي الوطيس ودامت إلى قرب العصر فقتل جماعة من الطائفتين وبين المتفرجين وجرح جماعة. فلما كان يوم الجمعة قبل الصلاة اقتتلوا أيضا تحت القلعة فأمر الكافل الأمراء ومماليكه فلبس السلاح وأشهر النداء ودار القضاة الأربع والمنادي ينادي من لم يرجع عما هو عليه قتل: فسكتت الفتنة. (فائدة) : واعلم أن سبب العداوة أولا أنه لما مات يزيد بن معاوية بويع ابن الزبير رضي

стр. 845

الله عنهما بمكة وقام مروان بن الحكم بالشام في أيام ابن الزبير واجتمعت عليه بنو أمية وصار الناس بالشام فرقتين اليمانية مع مروان والقيسية مع الضحاك بن قيس متابعين لابن الزبير لأن الضحاك بايع ابن الزبير سرا بالشام وآخر ذلك أن الفريقين اقتتلوا بمرج راهط في الغوطة وانهزم الضحاك والقيسية وقتل الضحاك وجمع كثير من فرسان قيس ونادى منادي مروان أن يتبع أحد منهزما ودخل مروان دمشق. ثم صار هذا في البلاد. وفي يوم الاثنين بعد العصر توفي عماد الدين إسماعيل الزيرباح «١» الشافعي ودفن يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب [وكان «٢» ] يصلي العيد خارج سرمين. وهذا الرجل ولي الحكم بأريحا وسرمين والفوعة. ونظم الشعر وقال أبو الفضل بن حجر لما أوقفته على نظمه هذا أصلح نظم أهل العصر. ومن شعره: ألا ذاب كحل الليل في مقلة الفجر ... وريق الندى قد راق في مبسم الزهر وأسفرت الكثبان عن رائق الحلي ... وماست غصون البان في الحلل الخضر وهي طويلة، ومنه: لما قرفت من البلاد أردت فوعا. وكان حسن الشكالة والمحاضرة والمجالسة والمفاكهة وله تاريخ وقفت عليه وفي أوله:" قيل إن أبا بكر يجتمع مع النبي ﷺ في النسب في مرّة بن كعب". انتهى. فأقول: وهذا بلا خلاف بين أهل النسب وأنه ابن عمه لكن المؤرخ صاحب الترجمة من أهل الفوعة. وله ديوان قطعه في حال حياته. وسألت عن سبب ذلك فقال لي: كان الشخص قديما إذا نظم القصيدة ومدح بها أحدا أجرى عليه
следующие страницы →