Полный текст (1 631 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
بعد ثمان إلى عشر سنين وحينئذ يدهن جذعها في كل عام يوم أربعة الزوبعة منطقة بصبغة تراب المورة المعروفة عندنا بالمغرة زعما أن هذا يخلصها من الدود وتقطف في ثاني عشر أيلول وقد يبلغ حمل الشجرة إلى خمس «١» وعشرين ألف حبة. ومنها الكرز ولا أعرف اسمه الحقيقي، وهو أربعة أنواع: استانبولي أبيض أحمر حلو الطعم. وعجمي أحمر قاتم حلو. وافرنجي أحمر قان حامض. ووشنه أسود كميت مزّ وحبّته مكبكبة «٢» عنبيّة النضج في عجم حبة العنب. وأنواعه الثلاثة تلقح على الوشنة وشجر المحلب وتدرك بعد سنة والوشنة تزرع فسيلا وتدرك بعد أربع سنوات وكلها تقطف من هيار إلى أوائل حزيران ويصنع من الوشنة المربّى الذي لا نظير له في المربيات في اللذة.
ومنها التّوت وهو شامي وهزّيز فالأول هو الفرصاد أسود عند استوائه، أحمر قبله، كبير الحبة مزّ الطعم إذا استوى حامضه قبل ذلك. والثاني يكون أسود وأحمر وأبيض، حلو إذا استوى، ويقطف بهز شجرته ولهذا عرف بالهزّيز أو بضرب أغصانه بهراوة بعد أن يفتح تحت الغصن ملاءة كبيرة تعرف بالقلع. والشامي يقطف باليد حبة حبة. ويوجد من النوع الثاني مقدار عظيم في أنطاكية والسويدية. وتلك الجهات يعانون زرعه بقصد ورقه لتربية دودة القز فينجب هناك جدا ويحصل منه قناطير مقنطرة من الحرير الجيد وربما ربّوا الدودة المذكورة على ورق التوت في بساتين حلب لكنها لا تنجب عليها كتوت أنطاكية، والسبب في ذلك خشونة ورقه لقدم شجره بخلاف ورق توت أنطاكية وما والاها فإنه غضّ رخص لحداثة شجره وعنايتهم به. ويوجد في بساتين حلب نوع من التوت لا عجم له أبيض حلو يعرف بالعجمي أو بالعرب كيرلي، وهو حادث منذ سنة ١٢٨٥ وكل أنواع التوت تزرع فسيلا وتلقح من بعضها وتدرك بعد سنة وتقطف بهيار وتدوم نحو شهر. والشامي يقطف من حزيران إلى أواخر آب.
ومنها شجر العنّاب وهو قليل في حلب وجهاتها عدا أنطاكية فإنه كثير بها. ومنها الجلّوز ويعرف عندنا بالبندق يزرع حبّة ويثمر بعد خمسة أعوام ويقطف أخضر من تموز إلى آخر آب. ومنها البرتقال وما هو من فصيلته كالليمون الحلو والحامض والكبّاد والأترجّ والنارنج وبرتقال الدم والمالطي المعروف عندنا بيوسف أفندي والليمون الهندي المعروف
стр. 107
بالأنان. وكلها مخصوصة بالبيوت في حلب. ولأهل حلب عناية عظيمة بهذا الشجر بحيث لا يكاد يوجد منه نوع إلا وهو موجود في بيوتهم ومع هذا فهو لا ينجب إلا بمشقة عظيمة من السقي والتسميد ومحافظته من البرد ولا يوجد منه الآن شيء في البساتين كما يفهم من كلام دارفيو على ما قدمناه في الكلام على تربة حلب، وهو كثير جدا في أنطاكية وجهاتها الغربية وينقل منها إلى حلب، وقد استجدّ منه جانب عظيم في جهات اسكندرونة المعروفة بالجايات، وصار ينقل منها إلى حلب ألوف من الأحمال ويباع فيها الرطل الحلبي الصالح للعصير بستين بارة ويجلب منه مقدار عظيم من طرابلس الشام وجهاتها، ويستخرج من زهره في جميع الجهات ماء الزهر ويباع منه في حلب مبلغ عظيم وهو يزرع في حلب بزرا يثمر بعد سبعة أعوام على الغالب أو يزرع فرعا منه بعد استنبات جذوره بواسطة إدخاله في إناء مملوء ترابا وتعهده بالسقي مدة أشهر. وهذه الواسطة تعرف عندنا بالداروخ ويطعم من بعضه سمسمة كثيرا ونشابا قليلا.
وكل أنواع البرتقال تزهر في نيسان وتقطف في كانون الأول وتدوم إلى السنة الثانية بحيث يجتمع في الشجرة الأصفر والأخضر والزهر. والمفهوم من كلام المسعودي في مروج الذهب أن أنواع البرتقال لم تكن موجودة في بلادنا قبل الثلاثمائة، وإنما حمل من أرض الهند إلى غيرها بعد التاريخ المذكور فزرع بعمان ثم نقل إلى البصرة والعراق والشام حتى كثر في دور الناس في طرسوس وغيرها من الثغور الشامية وأنطاكية وسواحل الشام وفلسطين ومصر وما كان يعهد ولا يعرف، وبنقله من الهند عدمت منه الرائحة الخمرية الطيبة واللون الحسن الذي يوجد فيه بأرض الهند لعدم ذلك الهواء والتربة والماء وخاصية البلد. اه.
ومنها الانكي دنيا الشبيهة بالمشمش إذا نضجت، المشتملة حبتها على عدة عجوات كبار وتقل في بيوت حلب وتكثر في جهات أنطاكية وتزرع حبّة تثمر بعد سبعة أعوام إذا خدمت جيدا ويجلب منها من أنطاكية إلى حلب مقدار عظيم وتقطف في نيسان وتدوم إلى تموز. ومنها النخل وهو مما لا أثر له في حلب بعد أن كان يوجد فيها كما يفهم من كلام أحمد الصنوبري في قصيدة أثبتناها في ترجمته ولا يوجد منه في بلاد حلب سوى القليل في برية اسكندرونة. هذا معظم الأشجار المطلوبة لثمرتها.
وأما الأشجار التي يطلب منها منفعة أخرى فهي كثيرة جدا، منها ما يوجد في بيوت حلب وبساتينها وبساتين بلادها، ومنها ما هو خاص بجبال ولايتها. فالأول أنواع كثيرة
стр. 108
منها شجر السرو بنوعيه الهرمي والصيواني وقد أدركنا منه القليل في مدينة حلب ثم فقد عن آخره وكان يوجد فيها بكثرة ويقال إن مدينة حلب كانت من أحسن البلاد منظرا للقادم عليها حيث يشاهد مناراتها البيض القائمة بين شجر السرو المحيطات بقلعتها إحاطة الجند بالملك العظيم وهو يزرع حبّة منه ويعمّر مئات من السنين.
ومنها شجر الغار ويوجد في حلب قليلا وأنطاكية كثيرا وقد يعمل من دهنه الصابون فيرغبه الناس ليطيب رائحته. ومنها الحور القطراني الذي تبلغ شجرته عشرين قنطارا حلبية ويعرف بالدّلب ويستعمل خشبه في الظروف المكوّرة الخشبية وغيرها. ومنه نوع له ثمر شبيه بالكرز الصغير حريف قابض يعرف بالموز. والحور السلطاني يكون أبيض طويلا أملس يستعمل جذوعا لسقوف البيوت ويثمر في حلب ظروفا فيها ثقوب يخرج منها البعوض المعروف عندنا بالبق وهو كثير في عينتاب. ومنها الصفصاف وهو نوعان: أحدهما مستقيم الأغصان عظيم الشجرة يستعمل خشبة آلة للتجارة وعروقه ينسج منها سلّات وأطباقا جماعة يقدمون من بلاد وان إلى حلب في كل سنة ويلتزمون شجره من أصحابها ويستعملون عروقه فيما ذكر ويقال لهم عندنا سلات مكبات. وثانيهما منحني الأغصان إلى الأسفل ويعرف عندنا بالمستحي، ويراد منه حسن منظره.
ومنها شجر الزيزفون ويوجد في الخنادق وأنطاكية كثيرا وفي غيرها قليلا. ومنها الدردار وهو شجر عظيم صلب الخشب يستعمل في آلات الفلاحة والزراعة وثمره لسان العصفور المستعمل في الطب ويكثر وجوده في بساتين حلب. ومنها الزنزلخت وهو لفظ فارسي أصله اللازادخت «١» واسمه العربي القيقب ومعناها بالفارسية الشجرة الحرة لأنها تحمي نفسها بثمرها. وهو شجر يشبه ورقه ورق الدردار يثمر حبا كالزعرور ولا يؤكل لسمّ فيه ويستعمل عجوه مسابح ويزرع في أطراف بساتين حلب وبعض بيوتها فسيلا ويزهر في الربيع. ومنها شجر شائك لا يطول أكثر من قامتين بل يفتح صيوانا ويرسل عروقا وفروعا تحتبك ببعضها وتتصل بالشجرة التي بجانبها فتكون كالسياج العظيم محيطا بالبستان عوضا عن الجدار ويسمونها الغبيرة وتثمر شبه اللوز الصغير بلا فرق بينهما لولا مرارة قليلة
стр. 109
في لبها، وكثيرا ما يؤخذ لبها ويستخرج مراره ويلبّس بالسكر، وهي تزرع عجوة في الشتاء وتثمر بعد ثلاثة أعوام.
ومنها شجر البان والمقصود زهره لحسن منظره كأنه أصابع ملبّسة بالفراء ويزرع قلما ويثمر من سنته. ومنها العوسج ينبت في برية حلب ويجعل حطبه وقودا ويدخل ورقه في الأكحال. ومنها الغرقد «١» وهو كبار العوسج ينبت في أطراف القرى الشمالية ويستعمله الفلاحون طبقا لسقوفهم.
هذا معظم الأشجار والنباتات التي توجد في بساتين حلب وبريتها وجهاتها. وأما الأشجار والنباتات التي توجد في جبالها المعشبة فهي كثيرة لا تكاد تدخل تحت حصر.
وبالجملة فإنه يوجد فيها جميع ما يوجد في جبال سورية فلا حاجة إلى إطالة الكلام بعده.
نباتاتها المعدود بعضها من العقاقير الطبية
لم أذكر في هذا الفصل من هذه النباتات إلا ما وقفت له على اسم مشهور في المفردات الطبية القديمة. ولذا لم أذكر منها سوى القليل فأقول: من النباتات المعدودة من العقاقير الطبية الموجودة في برية حلب وبعض جبالها هي الحزنبل والقسط والدرونج العقاربي والغافث والهليون والقنطريون، وهو أنواع، والحاشا والبادروج والعرطنيسا وهو يعرف عندنا بالمهدة والشيطرج وهو الخامشة والماميثا والبابونج وهو أنواع، والبرشاوشان وهو كزبرة البئر والسذاب وشيبة العجوز والبنج وعنب الثعلب ولسان الثور ولسان العصفور والأسطوخودس والبسفايج والسقمونيا وهي المحمودة ومنابتها في قضاء أنطاكية وجهات جسر الشغر واليبروح والأفتيمون والغاريقون والنجيل وهو من أنواع النجم وإكليل الملك والخزامى والحمّاض والخبّازى والخيري والنرجس والزنبق، وهذه الثلاث: أنواع عديدة.
والسوكران والراسن والغبيرا والسبستان والنسرين، ويوجد في البيوت أيضا، والسعد والعكوب وهو السلبين والسوسن والخطمي وتوجد في البيوت أيضا والكشوث وعرق السوس وهو كثير في جميع جهات الولاية ولا سيما في العمق وجهات أنطاكية وينقل منه
стр. 110
إلى أوروبا وأميركا مبالغ وافرة. والسيسبان ويوجد في البيوت أيضا، والشبث والعلّيق والحلفاء التي تعمل منها الحصر وحبال الآبار وتكثر في السويدية والعمق وشقائق النعمان والنيلوفر والأشنان والحرمل ويكثران في جهات تدمر ويعمل منهما القلي الكثير وقثّاء الحمار والسدر والخنثى والغاغاليس وهو فساء الكلاب، والفاغية ويختص وجودها في البيوت وقرة العين والفوة والزراوند وهو أنواع والقردمانا والطباق والخربق ورجل الحمامة والعذبة والأقحوان وهو أنواع. واللاعية والفوتنج وهو أنواع. والإبهل واللوفا وهو الحي عالم، ويوجد في البيوت أيضا والعرعر وآذان الجدي وآذان الأرنب وأسد العدس والعنصل ويكثر في جهات أنطاكية والسّنبل والشّيح والقيصوم والعبيثران والدفلى ويوجد منها في البيوت أيضا، وأنواع النعنع البري والبستاني والحرف وهو حبّ الرشاد والزوفا والحسك والأفسنتين والأنجرة والهندبا والجرجير وهو أنواع، والبان والبنفسج ويوجدان في البيوت والبساتين والجبال والشقاقل وجوز ماثل وحشيشة الزجاج والريباس وذنب الخيل ورعي الإبل والصعتر ويزرع في البساتين أيضا والكمأة وهي تكون في برية حلب والصحراء الجنوبية والشرقية في سنة الخصب والنقل على أنواعه.
النباتات المشهورة عند الحلبيين
من تلك النباتات الجيجان الشبيه ظاهره بالعرطنيسا وهو من أجود مراعي النحل.
والسحلب وهو كثير في جهات مرعش ويباع منه في التجارة مبالغ كثيرة. والبلسان شجر يرتفع كشجر الرمان له ورق كورق الملوخيا وأغصان ملس ويزهر جماجم بيضاء تدخل الطب كثيرا وهو يوجد في البيوت كثيرا وغيرها قليلا والجاي المعروف بالجاي الصيني، يوجد في الجهات الجنوبية لكنه خفيف الطعم قليل جدا. ومن الزهور التي يعتني الحلبيون بتربيتها في البيوت والبساتين: شجر الورد بأنواعه كالحوجم والجوري والوتيرة والقحابي ونوع يقطف سبعة أدوار يعرف بالسباعي وآخر ظاهر ورق زهرته أسود وباطنها أصفر، والسباعي والجوري يكثر في البيوت والبساتين وجهات إدلب والقصير ويستقطر منهما الماء الطيب الرائحة ويباع منه في التجارة مقدار عظيم. والجوري يعمل منه الحلبيون المربّى اللذيذ المعروف (كولبشكر) .
ومنها الياسمين الذي يعظم شجره ويعرش في البيوت كالدالية وهو أنواع كثيرة، ومنها
стр. 111
الياسمين البحري البصلي والزنبق وأنواع النمام والمنثور والفلّ المفرد والمضاعف والفاغية وزهر المسك والنرجس بأنواعه، وكثير من النباتات التي عددناها من العقاقير. وأغرب ما يعتنى به في البيوت نبات غض له ورق كورق الصعتر تقريبا يقوم على ساق واحد ولا يرتفع أكثر من شبر إذا لمس بأصبع أو نحوه أدنى لمس انكمش على بعضه كأنه في غاية الحس والشعور، ثم بعد برهة ينبسط ورقه ويعود إلى ما كان عليه وهو يعرف عندنا بالغنّاجة وأظنه هو المعروف بالسنط الحسّاس أو العشبة المستحية.
إن الزهور في بيوت حلب كثيرة الأنواع لا تكاد تحصى وفي كل وقت يتجدد منها شيء كثير يستجلب بزره من غير جهة وتسميه العامة باسم يلائم ذوقها فيه فلا نطيل بذكرها وفي هذا القدر كفاية.
حيوانات حلب وتوابعها
ولنبدأ منها بالطيور الأهلية المقيمة دائما: فمنها الحمام الأزرق المطوق الموجود نظيره في الحرم المكي وبعض جوامع القسطنطينية وغيرها ويعرف عندنا بالبرّي وأوكاره في الأبنية الخربة وربما ألف العمار فكثر. وله أبراج خصوصية تبنى على شكل هندسي معلوم تعرف بالأبراج، أكثر ما توجد في القرى المشهورة بجودة البطيخ الأصفر، لأن زرقه يجعل سرجينا لحقول البطيخ. وهذا الحمام يصاد بكثرة في كل مكان من حلب وجهاتها. ومنها حمام أحمر اللون مطوق دون الحمام الأزرق بيسير، أو كاره في الغالب كوّات البيوت ويسمى اليمام أو الفاخت، والعوام يتحرجون في صيده كأنهم يعدّونه مستأمنا أو محتميا بهم.
ومنه نوع أبيض اللون يقتنى في الأقفاص لحسن هديره ينقل إلى حلب من بلاد الرها وأنطاكية ويعرف عندنا بدايم كريم. ومنها حمام أبيض ناصع أو أحمر متوّج يؤلف في البيوت ويعرف بالقوّال والعامة تزعم أن وجوده يمنع القرينة أي الجن. ومنها حمام أبيض أو أصفر أحمر ملون وأرقش وموشّى منسدل الريش أو منقوشه.
وغير ذلك من الأنواع التي لا تكاد تدخل تحت حصر، ولكل منها اسم يخصه ولها جماعة من الناس يعتنون باقتنائها يثيرونها في طرفي النهار فتختلط مع بعضها في الهواء ويعود كل سرب منها إلى مكانه فيربح صاحبه الزيادة أو يخسر النقص. وهؤلاء الجماعة يعرفون عندنا بالحماماتية أكثرهم أوباش ممقوتون عند العموم لما يتصفون به غالبا من قلة الدين
стр. 112
والإشراف على حريم الناس لصعودهم الأسطحة وكسر زجاجات البيوت بسبب رميهم ما يقف من الطيور على الأسطحة بالحجارة.
وكانت حلب مشهورة بحمام الزاجل من قديم الزمان وسنتكلم عليه. ومنها العصفور وهو أنواع منه ما يعرف عندنا بالدوري رمادي اللون موشّى بسواد وأوكاره في جدران البيوت في حلب وغيرها وهو كثير جدا ويصاد بقلّة. ومنه نوع متوج ونوع آخر يعرف عند العرب بالمطواق أكبر من الأولين ونوع يقارب حجمه الزرزور ويقال له الدلدل وكلها توجد في برية ولاية حلب ولا توجد في مدنها. ومنها الزرزور الأسود أو المرقش ببياض وهو أكبر حجما من الدوري وأقل منه وأوكاره في جدران البيوت وصيده قليل. ومنها نوع من القنبرى في حجم العصفور طويل الذنب يرقصه إذا وقف، أصفر موشى بسواد يعرف عندنا بالقنبرى جعصو أي قمري الجعص، ويوجد في أطراف الحياض في البيوت وفي شطوط البحيرات والمستنقعات ونهر قويق ولا أعرف أين تكون أوكاره. ومن هذا النوع ما هو أصغر منه وأقصر ذنبا لا يرقصه إذا وقف ويعرف عندنا بالسقيقية، وتصاد فتجعل في الأقفاص لحسن صوتها وتطعم حب الشهدانج.
ومنها الغراب الأبقع ويعرف عندنا بالقاق وأوكاره في رؤوس الأشجار العالية في البيوت والبساتين، وكثيرا ما يوجد في أوكاره ذهب مسكوك وألواح من الصابون يختطف الذهب مع قلانس صغار وهي منشورة على الأسطحة للتجفيف بعد الغسل وقد غفل أهلها عن حراستها. ومنها الصقر الذهبي اللون المرقش بالسواد الذي يقف في الهواء برهة فاتحا جناحيه وهو في حجم الغراب، وأوكاره في جدران البيوت صيفا وفي الجبال شتاء. ومنها طير الباشق ويعرف عندنا بالشوحة أكبر حجما من الغراب بقليل، أقتم اللون أوكاره في الجبال.
ومنها أنواع البوم يأوي الخراب ومنه نوع يظهر في الصيف فقط ويقف على بعض الأشجار ليلا ويتدلى منكوسا قيل لزعمه أن السماء ستقع عليه ويصيح كأنه يقول توب توب ولذا عرف عندنا بطير التوب واسمه الحقيقي التهبط أو الهديل. ومن أنواع البوم أيضا نوع في حجم الدجاجة الأهلية أبيض الريض يظهر صيفا ويقف على بعض الأبنية العالية أو في المقابر ويسمع منه صوت مكرب كأنه صوت مصدور. وبقية الأنواع تظهر في جميع الفصول وكلها تظهر ليلا.
стр. 113
ومنها طير الخفاش في حجم العصفور ومساكنه الأماكن المهجورة المظلمة. ومنها نوع من البلبل في حجم العصفور رمادي اللون يأوي إلى البساتين ويختفي صوته من تموز إلى أوائل آذار وصوته مطرب وأوكاره في أشجار البساتين. ومنها الحجل، وهو القبج، ويوجد في جبال الولاية ويصاد. ومنها الشقراق يوجد في برية حلب غالبا وأوكاره في الجبال والأبنية الخربة خارج البلد. ومنها الهدهد ويختفي شتاء. ومنها طير يقال له الوروار دون الزرزور بقليل، أسود أخضر يوجد حيث وجد النحل لأنه غذاؤه ويصاد ويؤكل والعرب تتشاءم من أكله، والنحل عندنا كثير في المدن والقرى. ويوجد غير ذلك من الطيور الأهلية المقيمة مما لا طائل بذكره.
وأما الطيور الوافدة وهي الطيور القواطع فمنها أنواع التدرج كالذي يسمونه دجاج القنبيط دون الحمام الأزرق بقليل ويقدم على بساتين حلب في أواخر الخريف ويبقى ما دام القنّبيط باقيا ويصاد بكثرة والذي يسمونه الدج أصغر من الثاني. وقدوم هذين في الأوان المذكور ويصادان بكثرة. ومنها الإوز والبط يقدمان من ابتداء كانون ويصادان من أطراف البحيرات وشطوط الأنهار ويستمرّان إلى آخر الشتاء. ومنها السمان وهو نوع من التدرج ويقدم في أوائل آذار ويصاد من المزارع ويغيب في الصيف ثم يرجع إلى الخريف ويبقى في الشتاء. ومنها طير دون الحمام الأزرق بقليل ويعرف عندنا بالترغل، واسمه الصحيح الأطرغلّات، وهو من نوع الدباسي ويقدم في نيسان ويبقى لأيام الحصاد ويغيب ثم يرجع في تشرين الأول ويصاد من بين الزرع والقيعان المتسعة في البرية.
ومنها القطا يجيء في أواخر الخريف ويصاد بكثرة. ومنها عصفور صغير من بغاث «١» الطير يقدم في أيام نضج التين ويغيب في نفاده ويصاد من شجره ولذا سمي بعصفور التين.
ومنها الكركي والحبارى واللّقلق توجد في شرقي برية حلب واللقلق يقدم إلى الرّها صيفا ويتخذ أوكاره في رؤوس المنارات المتوّجه من قبل الناس بأطباق من العود عناية به لأنه يصيد الحيّات، وهو في بعض السنين يتسلط على الجراد فيفنيه. ومنها طير شبيه بطير السقاء يوجد في شطوط الفرات ويعرف بنعاج الماء ويصاد. ومنها طير أسود كبير تسميه العرب النواق يوجد في جهات الزور. ويوجد فيها أيضا طير تسميه العرب العناق الأصغر يصاد.
стр. 114
وطير تسميه الدلم كأنه حمامة زرقاء لكنه قدرها ضعفين ويصاد. وفي هذه الجهة وجهة العمق يوجد الإوز والدرّاج في كل وقت ويوجد في صحرائها طير طويل الرجلين والمنقار وتسميه العرب بالرعاف. ويوجد في بحيراتها طير السقاء وفي جبالها النسر الأسود والعقاب والشاهين وفي جبال العلاء طير أسود كالدجاج له بين عينيه عرف أبيض كاللوزة يستدلون بكبره على سمنه ويصاد ويؤكل.
ومنها الغراب الزرعي ويعرف عندنا بالزاغ يصاد من بين الزرع والبساتين شتاء وفيه قدومه. ومنها السنونو المطوق بحمرة والخطّاف ويقدمان إلى حلب وما يتبعها من البلدان والقرى في آذار. والأول يبني بيوته من الطين تحت سقوف البيوت والأسواق ويفرخ فيها. والثاني يسكن في ثقوب الجدران. وكلاهما يبقيان إلى اشتداد الحر. ومنها طير مائي أبيض في حجم الحمامة كان يقدم إلى حلب في أيام الربيع ويستمر إلى اشتداد الحر ويعرف عندنا بالتاعية وكان الأولاد يصعدون إلى الأسطحة ويقذفون له قطع الخبز فيتلقفها بالهواء وربما احتالوا عليه وصادوه وقصّروا أجنحته وتركوه يدرج في الدار ويلتقط من هوامّها وقد انقطع هذا الطائر عن حلب منذ بضعة أعوام.
ومنها طير السمرمر يجيء في ظهور الجراد أحيانا ويهلك من الجراد قسما كبيرا ويترك له في بساتين حلب ثمر التوت ليتفكه به وإذا قلّ الجراد على هذا الطائر تسلط على ما يكون في بساتين حلب من الفواكه الغضة المائية كالكرز والإجّاص. ومنها طير مائي كبير يقدم إلى البيرة في أوائل الصيف ويسكن في كهوف جبلها ويستبشر أهلها بقدومه وهو أسود اللون. ويوجد من الطيور الوافدة غير ذلك ومعظمها ما ذكرته.
وأما الدواجن في البيوت فمنها أنواع الدجاج الأهلي والهندي ودجاج فرعون على قلة والإوز والبط والطّاوس المجلوب من الهند وهو قليل، والببغاء ويعرف بالدرّة، تجلب من جهات مصر والهند وتوضع في الأقفاص والقمري ويعرف بالقناري يجلب من الممالك الغربية والشحرور والنعار ويجلبان من دمشق وأنطاكية.
وأما ذوات الأربع فمنها أهلية وهي الهر والكلب وكلاب الصيد والغنم ذات الألية والماعز الأسود والمرقّش وقلّ أن يوجد فيه أبيض، والخيل الأصائل والبراذين والبغال والحمير وأنواع البقر والجاموس ويوجد في جهات العمق على كثرة والجمال العربية والبختية ومنها
стр. 115
وحشية كأنواع الغزال وتصاد ويوجد الأسد قليلا والذئب والضبع كثيرا في الجهات الشرقية غالبا والوعل في جنوبي السخنة شرقا بين أشجار البطم وقد يصاد والنمر والأريل في غربي جبل اللكام المعروف بكاور طاغ وفي جهة الزور غالبا والخنزير وحمار الوحش وبقر الوحش وتصاد. ويباع الخنزير للفرنج والنصارى وأوان صيده فصل الشتاء ويوجد في أكثر جهات الولاية الأرنب الأحمر وفي جبالها ابن آوى ويعرف بالجقال، وهو اسمه التركي.
وفي جبال العلاء الفهد والنمر وحيوان دون الكلب سمين أغرّ يعرف عندنا بالغرير أو نباش القبور ويوجد حيوان السمّور الأسود الجيد الفروة. وفي أطراف حلب الهر الوحشي وحيوان ضارّ شبيه بالذئب يعرف عندنا بالشيب ويزعمون أنه متولد بين الكلب والذئب.
وأظن أنه السمع المتولد بين الذئب والضبع.
ويوجد في مدينة حلب نوع من القنفذ الصغار يأوي البالوعات والأماكن القذرة وفي جبالها الدلادل الكبار المعروفة بالنيص الذي تضاهي واحدته الجدي ويصاد. ويوجد في أكثر سهول الولاية الخلد ويعرف بأبي عمايا والثعلب الأحمر والأملح وتعمل منه الفراء وكلب الماء الجيد الفروة في الفرات وشطوطه. ويوجد في صحرائها الظرباء ويعرف بأبي فسيّ والحرباء ويعرف بالبربختي. وفي خرابها وبساتينها الحردون وفي بيوتها السامّ أبرص.
ويوجد عند جماعة من سكان محلة المشارقة بحلب أنواع القردة والدب الأملح يجلبون الأول من جهات اليمن والمغرب والثاني من جهات جبل اللكام ويعلمونها بعض اللعب ويسترزقون بها. ومنهم جماعة يعلمون الحمار والماعز بعض اللعب ويسترزقون بها. فهذا معظم الحيوانات ذوات الأربع.
وأما الحشرات فمنها الحية البيضاء والرقشاء وتوجد في جميع الولاية ويزعمون أنّها لا تلسع داخل سور حلب وإن لسعت لا تقتل. ويوجد في بساتين حلب وخربها نوع من الثعبان أسود وثاب ويعرف عندنا بالحنش، ونوع من الحيّات رمادي اللون قصير غليظ، لسعته تميت من وقتها ويعرف عندنا بالدرفيل. وفي جهات المطخ نوع من الحيات الحبشية اللون وتعرف هناك بالعرابيد وهي كثيرة جدا، ولسعتها تميت لوقتها. ويوجد في البيوت العقرب والشبث والحريش ويعرف بأم أربع وأربعين ويقل وجودهما في البساتين والصحارى وتوجد الرثيلاء والعنكبوت في كل مكان. ومن الهوام الفار في البيوت وفي بعض بلدان حلب فأرة المسك. وتوجد الجرذان في المراحيض وفأر الأرض فيفسد الزروع
стр. 116
وفي البيوت الخنفساء والجعلان والنمل الأسود والأحمر والذر والصرصر الصيّاح في الصيف والقرنبى وتعرف عندنا (بأم علي) . والبقّ ويعرف بالفسفس. ويقال إنه دخل حلب مع عساكر إبراهيم باشا المصري. والنموس ويعرف عندنا بالبق والبرغش وهو الحرقص ويعرف بالشيخ ساكت. ويوجد البرغوث ويتسلطن في الربيع، والقمل ويقوى بالبرد والطبوع قليلا والقراد وأنواع الذباب. ومنه نوع لسّاع ونوع آخر شبيه بالنحل يلسع الدواب فيخرج دمها ويكثر هذا النوع في العمق والمطخ وأنواع الزنابير وتتسلطن صيفا.
ويوجد في الصيف الحباحب ويعرف عندنا بسراج الفعالة.
стр. 117
تجارة حلب
لا يخفى أن موقع حلب من أهم المواقع التجارية كما عرفت ذلك من الكلام على جغرافيتها. ولهذا كانت حلب بعد خراب قنّسرين هي المركز التجاري المتوسط بين الشرق والغرب ومنه تخرج القوافل إلى العراق المتصلة ببلاد فارس ثم بالهند ثم بالصين ثم باليابان وإلى الشام والحجاز واليمن وعمان والبحرين وإلى مصر وما وليها من أفريقية وغيرها من الممالك الغربية. ولعظم تجارتها في الزمن السابق كان يلقبها الفرنج بتدمر الجديدة وكنت تجد فيها أنفس بضائع هذه البلاد والممالك. ولم تزل حلب على هذه الثروة التجارية والدرجة المهمة إلى أن اكتشف البرتقاليّون سنة ١٤٩٧ م/ ٩٠٣ هـ طريقا للهند من جهة رأس الرجاء وبسببه انصرفت الموارد التجارية عن حلب وتقهقر حالها ولكنها لم تفقد ثروتها بالكلية إنما بقي فيها من التجارة جانب عظيم لا يوجد مثله في كثير من الممالك غيرها.
قال ابن الشحنة: ومن خصائص حلب نفاق ما يجلب إليها من البضائع كالحرير والصوف والبردي والقماش وأنواع الفرو من السمور والوشق والفنك والسنجاب والثعلب وسائر الوبر والبضائع الهندية وأجناس الرقيق فإنه قد يباع فيها في يوم واحد ويقبض ثمنه ما لو حضر إلى القاهرة التي هي أم البلاد لما بيع بعشرة أيام.
وقال جاك سواري دي تروسلون في الصحيفة ال ١٠١٨ من الجزء الأول من قاموسه التجاري العام المطبوع سنة ١٧٢٣ م/ ١١٣٦ هـ إن حلب لا تضاهيها بلدة بتجّارها الذين يقصدونها من أقطار الدنيا فإن خاناتها التي لا تقل عن أربعين خانا لا تزال غاصة بالهنود والفرس والترك والفرنج وغيرهم بحيث لا تقوم بكفايتهم. قال: ومن خصائصها التجارية وجود الحمام الذي يأتي تجارها بالأخبار من إسكندرونة بثلاث ساعات بسبب تربيته بحلب وحمله إلى اسكندرونة بأقفاص فإذا طرأ خبر علقت البطاقة في رقبة الطير وسرح فيطير إلى حلب طلبا لفراخه شأن كل حيوان يطلب أولاده، على الأخص نوع الحمام الذي يمتاز بعض أجناسها بشفقته على بقيتها. قال: ولحلب خاصة ثانية في تجارتها وهي أن القادمين عليها من اسكندرونة لا يجوز لهم أن يحضروا إليها إلا ركوبا مع القافلة وسبب ذلك أن المركب حينما كان يصل إلى اسكندرونة كان يتوجه بعض من فيه إلى حلب مشيا
стр. 118
على الأقدام طلبا للتجارة فيسبق بقية رفقائه ويشتري البضائع من حلب قبلهم فتقل عليهم أو تغلو أثمانها إلى حين وصولهم وبسبب ذلك صارت أجرة الدابة ذهابا وإيابا ستة قروش فكانت جملة النفقات التي تلحق المسافر في ذهابه وإيابه وبقائه بحلب ثلاثين قرشا. اه.
وذكر في معجم البلدان أن من عجائب حلب أن في قيسارية البزّ عشرين دكانا للوكلاء يبيعون فيها كل يوم متاعا قدره عشرون ألف دينار، مستمر ذلك منذ عشرين سنة وإلى الآن. اه.
وما زالت تجارة حلب جارية على هذا المنوال بعد اكتشاف رأس الرجاء حتى ظهرت سفن البخار التي قربت المسافات البحرية لسرعة سيرها وقلة خطرها. ثم لما مدت السكة الحديدية من الاسكندرية إلى السويس هبطت عدة درجات ولم يبق فيها من تجارتها سوى الربع تقريبا وذلك لأن طريق الهند قربت جدا وسهل نقل البضائع من المراكب إلى عجلات الحديد ثم تفرغ منها على فرضة «١» السويس التي هي على البحر الأحمر وتشحن بالمراكب المذكورة.
ولما فتحت قناة السويس المعروفة بالترعة واتصل بسببها البحر الأحمر بالبحر المتوسط هبطت تجارة حلب هبوطا فاحشا فلم يبق بها سوى عشر تجارتها السابقة. ثم مما زادها اضمحلالا وانحطاطا حتى بقيت دون العشر عما كانت عليه، هو سير البواخر الصغار من البصرة إلى بغداد وابتذال البواخر الكبار التي تنقل السلع من كل جهة إلى كل جهة.
ومع هذا كله فإن تجارة حلب لم تزل واسعة بالنسبة إلى كثير من الممالك العثمانية.
أما ما يدخل إلى حلب من غيرها من البضائع والسلع في هذه الأزمان فهو جميع بضائع أوروبا والهند والصين واليمن والحجاز والعراقين والروم والأناضول وأفريقية والسودان والحبش وغير ذلك من بقية الممالك. وأما ما يخرج منها إلى غيرها فكثير أيضا منه الحنطة وبقية الحبوب والحرير والصوف والقطن والكتان والقنّب والزيت والسمن والتين والزبيب والجوز واللوز والجلود والفستق والدبس والعسل، وغالب أنواع الحيوان كالغنم والبقر والخيول وأنواع الأقمشة والمنسوجات الحريرية المعروفة بالجتارة التي تضاهي جتارة الهند ونوع منها منقوش بالحرير والقصب على أنواع وأشكال بديعة يعرف الآن بالدوناتو نسبة إلى أسرة دوناتو التي اشتهرت بهذه الصنعة أكثر من سواها، وأنواع الغزلية المعروفة بالآلاجة
стр. 119
والشال الذي هو تقليد العجمي والبسط الكردية والخام البلدي، والنعال الحلبية المشهورة بحسنها ورشاقتها وإتقانها وجلود الحيوانات كالمعز والغنم والبقر والجواميس وأنواع الأصبغة كالجهرة والعفص، وأنواع العقاقير كالسحلب والأفيون والسقمونيا والخشخاش والشونيز والكسفرة والآنسون والسمسم والصابون والملح والعصفر والصنوبر والمناديل المطبوعة المعروفة بالبصمة والشريط الفضي المعروف بالتيل. وغير ذلك مما يطول شرحه.
وأما بيع الرقيق بحلب في هذه الأزمان فلم يسبق له أثر بعد اتّفاق الدول على منع بيع الرقيق، وكان يباع في حلب السود والحبش والكرج والجركس.
والناس الآن يستأجرون في حلب وغيرها البنات النصيريات والمسلمات من الجبل الأعلى وجبال صهيون وما جاورها، يستأجرون البنت البالغة من نفسها، والقاصرة من وليها مدة ثلاثين سنة في الغالب بأجرة قدرها ما بين ألف قرش إلى ثلاثة آلاف وخمسمائة قرش على حسب حسن صورتها وخدمتها بناء تقوم «١» بخدمة منزل مستأجرها في المدة المذكورة. ثم إن مقادير ما يدخل من البضائع وما يخرج منها غير ممكن تعيينه على وجه الحصر. وهاك بيانا في أثمان ما يدخل إلى ميناء اسكندرونة وأثمان ما يخرج منها تعرف منهما درجة تجارة حلب تقريبا حينما كانت اسكندرونة هي الميناء المختصة بولاية حلب:
بيان قيمة الأموال الواردة إلى الميناء المذكورة في سنة ١٨٨٩ م/ ١٣٠٧ هـ ملخصا من جدول كبير مفصل ظفرنا به من (أجنتة) السفن، أي شركة السفن في اسكندرونة على اعتبار الليرة العثمانية (١٠٠) قرش وهو:
قروش ١٢٣٤٤٨٠٠/من أوستريا ٠٢٤٠٩٩٧٥/من روسيا ٠٣٨٢٥٩٠٠/من إيطاليا ٢٥٨٠٤٢٣٧/من فرنسة ١٠٠٠٨٦٥٢٥/من إنكلترة ٠٤٣٣٩٦٣١٢/من البلاد العثمانية ١٨٧٩٥٧٧٤٩
стр. 120
الأموال الواردة التي بينا قيمتها هنا هي (مال الفاتورة) (أنواع الجوخ) (حرير) (أنواع الأقمشة الحريرية) (السكر) (قهوة البن) (رز) (صبغة القرمز) (مسكرات) (سختيان وكوسلة) (بهارات) (مأكولات) (ورق) (نحاس) (رصاص وتوتيا وفولاذ) (حديد وآلات حديد) (نيل) (بترول) (بلور وأواني خزفية) (منسوجات متنوعة) (صرر نقدية ومجوهرات) .
وهذا بيان قيمة الأموال الصادرة من الميناء المذكورة ملخصا من الجدول المذكور وهو:
قروش ٤٨٣٣٠٠٠/إلى أميركا ٠٠٤٣٣١٢/إلى اليونان ٠٠٦٣٠٠٠/إلى أوستريا ٠٠٨٤٨٢٥/إلى إيتاليا ٠٦٤٢٦٠٠/إلى فرانسه ٠٥٣٤٣٧٥/إلى إنكلترة ١٣٤٦٧٩٤٢/إلى الممالك العثمانية ١٩٦٦٩٠٥٤ الأموال الصادرة التي بينا قيمتها هنا هي (مال الفاتورة) (شرانق الحرير) (قطن) (صوف) (عفص وجهرة) (شمع عسلي) (سمسم) (حنطة ذرة شعير وغيرها) (صابون تين وتنباك فستق وجوز وزبيب وأنواع من المأكولات) (جلود وسختيان غنم ومعزا وغيرها) (صرر نقدية) .
هذه الأموال هي غير الأموال الوطنية الصادرة من حلب عن طريق البر إلى بر الأناضول والجزيرة والعراقين وبقية سوريا وفلسطين والحجاز واليمن وغير الأموال المستهلكة في حلب وبرها الواردة برا من الجهات المذكورة مما يعجز القلم عن إحصائه.
стр. 121
الحركة البحرية في ميناء اسكندرونة في السنة المذكورة
طرد/ سفينة هوائية/ سفينة بخارية/ دولة السفينة ١٠٠٨/٠/٢/إيتاليا ٤٨٦٢/١٠/٠/إيتاليا ٤٢٤٠١/٠/٧٠/إنكلترة ٦٧٤/١/٠/إنكلترة ٨٨٧٣٣/٠/٦٥/فرانسه ٤٣٧٤٤/٠/٢٣/روسيا ٥٠٨٣٨/٠/٥١/الممالك العثمانية ٤٤٩٤/١٥٧/٠/الممالك العثمانية ٢٥٧٦/٠/٣/اليونان ٤٩٣٩/١٧/٠/اليونان ١٤٢٥/٠/٢/أوستريا ٠٨٣٠/٠١/أوستريا ١٩٨٩/٠/٣/إسبانيا ٤٩٢٤٧/٠/٥٢/مصر ١٩٧٧٦٠/١٨٦/٢٨١/المجموع
خلاصة أخرى
هذه خلاصة استخلصناها من جدول كانت رسمته غرفة التجارة بحلب بعد سنة ١٣١٠ أثناء وجود المرحوم عبد الرحمن أفندي الكواكبي في رياستها. وقد قدمته إلى مطبعة الولاية لينشر في صحيفة الفرات فعربته من التركي ونشرته في القسم العربي حينما كنت موظفا بتحرير هذا القسم وقد اعتبر في هذا الجدول مقادير الأشياء في سنة معتدلة بين الخصب والجدب مع طرح كسور الأرقام واعتبار الكيل الاستانبولي والحقة القديمة. والخلاصة هي:
стр. 122
مقادير غلات ولاية حلب: من الحنطة (٧٢٠٠٠٠٠) والشعير (٣٠٠٠٠٠٠) والذرة البيضاء (٥٠٠٠٠٠) والجلبان (٤٠٠٠٠٠) والذرة الصفراء (٢٢٥٠٠٠) كيلة ومن القطن (٧٥٠٠٠٠) والقنب (٥٠٠٠٠٠) والسمسم (٣٥٠٠٠٠) والرز (٢٥٠٠٠٠) حقة: وبعد تسديد الاحتياجات المحلية من هذه المحاصيل يخرج منها إلى لواء الزور والعشائر العربية المتجولة في ضواحي الولاية وإلى بقية الجهات: من الحنطة (٦٠٠٠٠٠) والشعير (٥٠٠٠٠) والذرة (١٠٠٠٠٠) والسمسم (٦٠٠٠٠) كيلة. وتبلغ قيمة ذلك (١٣٨٠٠٠) ليرة. وأما ما يصدر من المحاصيل الزراعية إلى خارج الولاية فهو من القطن (٥٠٠٠٠٠) وشرانق الحرير (١٢٥٠٠٠) والزبيب (١٥٠٠٠٠) والتبغ (١٠٠٠٠٠) والقنب (١٥٠٠٠٠) والزيت والصابون (١٦٠٠٠٠٠) والفستق (١٧٥٠٠٠) والجوز (٤٢٠٠٠) والجهرة (٢٥٠٠٠) ومثلها العفص وورق السماق (٣٠٠٠٠) وحب الخروع (٨٠٠٠٠) والكثيرا (٧٠٠٠) والأصول الصباغية (١٠٠٠٠) وعرق السوس (٤٠٠٠٠٠٠) وقشر الرمان (٣٠٠٠٠٠) ومواد الوقود (٣٠٠٠٠٠٠) ولحاء شجر الأرز (٥٠٠٠٠٠) والخرق البالية (٢٤٥٠٠٠) حقة. وتبلغ قيمة هذه السلع (١٤٢٠٠٠) ليرة. ويخرج من الولاية من الدواب (١٥٠٠٠) بعير و (٥٠٠٠) رأس كبش غنم و (٤٠٠٠٠) خروف و (٢٥٠٠) فرس و (٢٠٠٠) عجل و (٥٠٠) جاموس. وتبلغ قيمتها (١٨٩٠٠٠) ليرة. هذه الدواب تنتج في ولاية حلب فقط. فأما الدواب التي تمر منها آتية إليها من جهات الموصل وأزروم والأناضول وبقية الجهات فتقدر بأكثر من مليون حيوان وهي تسافر من مواني حلب إلى بيروت ولبنان والبلاد الساحلية واسكندرية ومصر وبعض بلاد أوروبا. ثم إن الصادر من المواد الحيوانية من ولاية حلب هو من الصوف (١٨٠٠٠٠٠) والسمن (١٢٠٠٠٠٠) وزلال البيض ومحّه (١٨٠٠٠٠) والعسل (١٥٠٠٠) والشمع العسلي (١٠٠٠٠) وجلود الحملان (١٤٠٠٠٠) وجلود الغنم والمعز (٤٥٠٠٠) والعظام والقرون (٥٥٠٠٠٠) حقّة.
أما مصنوعات الولاية التي تصدر إلى خارجها فأشهرها المنسوجات الحريرية والقطنية والعباءات واللبابيد والعقادة والجوارب والمناديل والأصبغة والصابون والحلي والقصب والميس والمدبوغات والنعال وأواني النحاس الأصفر والأحمر والحصر وما شاكل ذلك مما
стр. 123
لم نقدر على إحصائه. ويقدر ربح ما يخرج من هذه المصنوعات بمبلغ لا تزيد جملته على (١٤٠٠٠٠) ليرة تقريبا. منها (٧٠٠٠٠) ليرة من حلب و (٢٥٠٠٠) ليرة من عينتاب و (٥٠٠٠) ليرة من أورفة وبيره جك و (١٢٠٠٠) ليرة من أنطاكية و (٨٠٠٠) ليرة من إدلب و (١٠٠٠٠) ليرة من مرعش و (١٠٠٠٠) ليرة من منسوجات الصوف التي تنسجها العشائر. ويربح أهل الولاية من نقل الصادرات الجاري إخراجها بواسطة دواب الولاية وعتاليها مبلغا قدره (١٥٠٠٠٠) ليرة ويقدر ربح تجار الولاية من الواردات والصادرات بمبلغ قدره (٣٠٠٠٠٠) ليرة على تقدير العمولة خمسة في المائة. ويقدر صافي الربح المتروك من المسافرين وعابري السبل وأصحاب الأشغال الواردين على الولاية من غيرها بمبلغ (٤٥٠٠٠٠) ليرة باعتبار أن عدد الواردين المذكورين يبلغ (١٥٠٠٠٠) شخص ومجموع هذه الأرباح (١٥٨٦٠٠٠) ليرة.
أما ميزانية الواردات فهي: الواردات الداخلية إلى ولاية حلب بواسطة اسكندرونة يختص منها بالولايات الداخلية عشرون في المائة وباعتبار ما يقابل الواردات الحاصلة من هذه الولايات تبلغ واردات الولاية (١٤٤٠٠٠٠) ليرة فلدى مقابلة الواردات بالصادرات تزيد الثانية على الأولى مبلغا قدره (١٤٦٠٠٠) ليرة مع الإدخالات النقدية وهو مبلغ لا يوازي الإرساليات النقدية الصادرة إلى خارج الولاية. فيظهر من هذا أن الثروة المالية في الولاية آخذة بالتقدم العظيم وإن كانت الإرساليات النقدية العمومية ناقصة وثروة الولاية العمومية مديونة من جهة النقد فقط.
أما نمو خلق الولاية فمواليدها تزيد على وفياتها سنويا أربعة في المائة من أهل الولاية وواحدا في المائة من المهاجرين.
مساحة ولاية حلب
قال: ومساحة ولاية حلب هي (٧٨٦٠٠) ميل مربع (كيلو متر) أي (٨٦٤٦٠٠٠٠) دونم عتيق، من ذلك (٣٤٦٠٠) ميل مربع جبال وغابات وبحيرات وسباخ غير قابلة للزراعة و (٤٤٠٠٠) ميل مربع سهول وجبال قابلة للزراعة. لكن المستخدم منها الآن للزراعة الدورية السنوية (٤٢٠٠٠٠٠) دونم و (٥٠٠٠٠) دونم منابت أشجار وكروم وزيتون وتوت وغير ذلك فالمجموع (٤٧٠٠٠٠٠) دونم فيتحصل
стр. 124
من ذلك أن زراعة الولاية الآن تشغل عشر أراضيها القابلة للزراعة. وهذا المقدار من الزراعة يقوم بمعاش مليون من الناس تقريبا وهم القاطنون في ولاية حلب مع مائتين وخمسين ألف حيوان أهلي يقدم له العلف. وقيمة ما يستهلك في ذلك باعتبار أسعار الصادرات مقدر بمبلغ (٣٥٠٠٠٠٠) ليرة ويبقى فضلة لأجل الصادرات ما قيمته (٢٨٠٠٠٠) ليرة.
وإذا تحسنت زراعة الولاية كزراعة أضنه ومعمورة العزيز وبذلت العناية في زرع المحاصيل الخفيفة الجرم الغالية الثمن كالقطن والسمسم والقلب والكتّان والرز والمواد السكرية والعطارية والعنب والتين والزيتون والفستق والجوز والتوت تبلغ الصادرات الزراعية (٤٠٦٠٠٠٠) ليرة بدل (٢٨٠٠٠٠) ليرة المتقدم ذكرها. وإذا حصلت الولاية على خط حديدي يوصل الساحل بنهر الفرات تتقدم زراعة الأموال الفقيرة كالحنطة والشعير والذرة والعنب فتصير ضعف ما هي عليه الآن فتبلغ قيمة صادراتها (٦١٨٠٠٠) ليرة بدل أن تكون (١١٨٠٠٠) ليرة وحينئذ تبلغ قيمة الصادرات الزراعية (٨٦٧٨٠٠٠) ليرة. أما فائدة الأراضي المعطلة عن الزراعة فهي:
أولا: المواد الحيوانية الحاصلة من (٢٢٠٠٠٠٠) من الغنم والمعز ومن (٢٠٠٠٠٠) من الإبل السوائم و (٢٥٠٠٠٠) رأس بقر، ومن بقية الحيوانات الأهلية فيصرف من ذلك على الاحتياجات المحلية ما قيمته (٧٥٠٠٠٠) ليرة ويحصل صادرات قيمتها (٢٦٦٠٠٠) .
ثانيا: النباتات الطبيعة التي هي عرق السوس والعفص ونحوهما مما لا يقبل الترقي وتقدر قيمته بمبلغ قدره (٢٤٠٠٠) ليرة ومجموع هذه الصادرات (٢٩٠٠٠٠) ليرة. على أن هذه الأراضي المعطلة من جهة أخرى لا تكاد تكفي العدد المتقدم ذكره من الحيوانات مع أن (١٥٠٠٠٠٠) رأس غنم تعيش مدة أربعة أشهر من كل سنة في المراعي الشتائية الخارجة عن الولاية وذلك لأنه يصيب كل غنمة أربعة عشر دونما من المراعي الطبيعية وهي لا يكفيها إلا بالجهد. وهذا هو السبب الداعي لذبح (١٨٠٠٠٠) خروف في الولاية في كل سنة وبيعها بضعف قيمة جلودها فإن المراعي تضيق عن تربيتها. فلو ربّي نصف هذه الكمية من الحيوانات بعلف يزرع سقيا أو يزرع لكل غنمة أربع دونمات بعلا لزاد النماء والربح من هذه الحيوانات ضعفا ونصف ضعف على الحاصل منها الآن وحينئذ تبلغ قيمة الصادرات منها (١٨١١٠٠٠) ليرة بدل أن تكون (٢٩٠٠٠) ليرة.
стр. 125
التجارة في حلب منذ ثلاثين سنة
التجارة في حلب آخذة بالتقدم والرقي منذ ثلاثين سنة وأكثر ولذا زاد عدد التجار زيادة عظيمة بحيث بلغ ثلاثة أضعاف ما كانوا عليه قبل هذه المدة. وكان معظم هذه الزيادة في أيام الحرب العالمية المنقضية فإن أرباح التجارة التي كانت في غضونها جرت العدد الكبير من ذوي الصنائع اليدوية من صنائعهم إلى الاسترزاق بالتجارة فنجحوا وربحوا أرباحا طائلة ونشأ من بينهم أصحاب ثروات تستحق الذكر بعد أن كان أحدهم لا يملك من المال غير القدر الذي يسد به رمقه. ولزيادة عدد متعاطي التجارة وتضخم الثروة العامة غلت قيمة المنازل والحوانيت وأجورهما فارتفعتا إلى أربعة أضعاف ما كانتا عليه رغما عن العدد الكبير الذي تجدد إيجاده من هذين النوعين.
ومما يعد من أسباب غلاء قيم المنازل والحوانيت وأجورها وجود العدد العظيم من مهاجرة الأرمن وغيرهم اللاجئين إلى حلب من الممالك التركية، فإن عددهم في حلب لا يقل عن الستين ألف نسمة وهو عدد لا يسعه فراغ المباني في حلب إلا بالمزاحمة والتغالي بالأجور.
وترى من جهة أخرى غلاء أجور ذوي الأعمال اليدوية كالنجّار والمعمار والحجار، فقد ارتفعت أجرة أحدهم ثمانين في المائة ومنهم من زادت على هذا القدر وسبب ذلك انحياز العدد الكبير منهم إلى تعاطي التجارة والإضراب عن أعمالهم كما أسلفناه. على أن وجود العدد الكثير من عملة المهاجرين قد خفض قليلا من غلواء الوطنيين ولولا ذلك لكانت تصعد أجرة أحدهم إلى مائة في المائة «١» .
تجارة حلب في الحالة الحاضرة
منذ سنة ١٣٤١ بدأ دولاب التجارة والأعمال يدور ببطء إلى أن كانت هذه السنة وهي سنة ١٣٤٢ أدركه الكلال فكاد يقف عن دورانه بتاتا ولذا أخذت الثروة العامة في حلب بالانحطاط وقد ضرب الكساد أطنابه في حلب وأصبح التاجر والعامل يتشكيان من وقوف الحال وكثرة الخسار ويتألمان من غلاء أجور الحوانيت والمنازل.
стр. 126
لهذا البحران أسباب عديدة منها إغلاق الأناضول أبوابه في وجه تجارة البضائع المعدودة من الكماليات. ومنها غلاء أجور النقل بالسكة الحديدية فإن بعض البضائع قد تساوي أجرة نقلها قيمتها. ومنها تلاعب الصيارفة والمحتكرين بالأوراق النقية والنقود الذهبية.
إلى غير ذلك من الأسباب التي يطول شرحها. حول الله الحال إلى أحسن حال.
المعارف في حلب
لم تلبث حلب بعد الفتح غير قليل من الزمن حتى نشأ فيها الجم الغفير من العلماء والمحدّثين الذين يقصدهم طلاب العلم من البلاد القاصية. ففي كنوز الذهب ما خلاصته أن حلب بلدة العلماء والمحدثين والنحاة وقد دخلها العلماء قديما وسمعوا بها. فمنهم سليمان ابن أحمد الطبراني أبو القاسم، قدم حلب سنة ٢٧٨ وسمع بها أحمد بن الخليل الحلبي وأحمد ابن المسيب وعبد الله بن إسحاق الصفري. ومنهم شيخ الإسلام أبو داود سمع فيها مؤمل الرملي وابن بويه الربيع بن نافع. ومنهم سعيد بن عثمان بن السكن سمع بحلب عبد الرحمن ابن عبد الله وجماعة. ولو أخذنا في تعداد محدثيها لطال علينا. وقال قبل ذلك ببضعة أسطر:
ودخلها أحمد بن حنبل وخلف بن سالم. اه.
وكان العالم يقرئ الطلبة في المساجد والبيوت لأنه لا يوجد فيها مدارس في تلك الأيام وقد وجد في حلب أيام سيف الدولة فحول من العلماء الأغراب والحلبيين والشعراء المبرزين لأنه كان شديد الميل إلى العلم والأدب وافر العطايا والإكرام لذويهما. يضاف إلى ذلك تحسين موقع حلب من البلاد بسبب اتساع الفتوحات في جهتها الشمالية مع كثرة خيراتها ورخص أسعارها. ولهذه المحسنات العظيمة صارت منتجع جهابذة العلم والأدب وإليها ينسابون من كل فج وحدب فاجتمع فيها زمن سيف الدولة عدة أفراد من أساطين الشعراء وجهابذة العلماء كالمتنبي وكشاجم وابن خالويه وأبي علي الفارسي وكثير ممن هو في طبقتهم كما ستراه مسطورا في باب تراجم الأخيار إن شاء الله تعالى.
ومن تلك الأيام كان ابتداء شهرتها بالعلم، فلما جاءت دولة بني مرداس واقتدت بالدولة الحمدانية من جهة التفاتها إلى العلم وأهله زاد إليها تردد العلماء من الأقطار وعلا شأنها وارتفع بالعلم منارها، وصار البعض من أهلها يشتغلون بالعلوم العربية والحديث
стр. 127
والفقه وليس فيها مدرسة بل كانوا يقرءون علومهم في المساجد والبيوت كما قلنا واستمروا هكذا إلى سنة ٥١٦ وفيها بني بباطن حلب المدرسة الزجاجية أنشأها بدر الدين أبو الربيع سليمان بن عبد الجبار بن أرتق صاحب حلب. وهي أول مدرسة بنيت فيها ثم بني بعدها بضع مدارس إلى أن كانت سنة ٥٩١ وفيها ولي قضاءها أبو المحاسن يوسف بن رافع المعروف بابن شداد وكان من فحول العلماء وكانت حلب في ذلك التاريخ قليلة المدارس فاعتنى أبو المحاسن في ترتيب أمورها كما حكى عنه ذلك في وفيات الأعيان، وجمع إليها الفقهاء وعمر فيها المدارس الكثيرة. ومن ذلك الوقت أخذت تنفرد بالشهرة وتتقدم بالعلوم والفنون وقصدها العلماء والطلبة من الشرق والغرب وجعلوها محط رحالهم.
قال شمس الدين بن خلكان في وفيات الأعيان في ترجمة يعيش بن علي: (ولما وصلت إلى حلب لأجل الاشتغال بالعلم الشريف وكان دخولي إليها يوم الثلاثاء مستهل ذي القعدة سنة ٦٢٦ وهي إذ ذاك أم البلاد مشحونة بالعلم والعلماء والمشتغلين) . فناهيك شاهدا على تفردها بالعلم في تلك الأعصار ما أخبر به هذا الرجل الموثوق بفضله. وحسبك دليلا على علو شأنها وبلوغها من العلوم مرتبة لم يبلغها غيرها في الأعصار المذكورة أن الطلبة كانت تقصدها من أقاصي البلاد الشمالية فضلا عمّن كان يقصدها من المغرب والهند وفارس.
حكى ياقوت في معجم البلدان في باب الباء قال: وجدت بمدينة حلب طائفة كثيرة يقال لهم الباشقردية شقر الوجوه والشعور جدا يتفقهون على مذهب أبي حنيفة فسألت رجلا منهم استعقلته عن بلادهم وحالهم فقال: أما بلادنا فمن وراء القسطنطينية في مملكة أمة من الفرنج يقال لهم الهنكر ونحن مسلمون، رعيّة لملكهم، متوطنون في طرف بلادهم في نحو ثلاثين قرية كل واحدة منها تكاد تكون بليدة إلا أن ملك الهنكر لا يمكننا أن نعمل على شيء منها سورا خوفا من أن نعصى عليه، ونحن في وسط النصرانية فشمالينا بلاد الصقالبة وقبلينا بلاد البابا وفي غربينا الأندلس وفي شرقينا بلاد الروم قسطنطينية وأعمالها ولساننا لسان الفرنج وزيّنا زيّهم ونخدم معهم في الجندية ونغزو معهم كل طائفة غير الإسلام.
قال: فسألته عن سبب إسلامهم مع كونهم في وسط البلاد النصرانية. فقال: سمعت جماعة من أسلافنا يتحدثون أنه قدم إلى بلادنا منذ دهر طويل سبعة نفر من المسلمين من
стр. 128
بلاد البلغار وسكنوا بيننا وتلطفوا في تعريفنا وما نحن عليه فأسلمنا جميعا، ونحن نقدم هذه البلاد ونتفقه فإذا رجعنا إلى بلادنا أكرمنا أهلها منا اه.
أقول: الباشقردية هم من أجناس الترك وكلمة باشقرد محرفة عن كلمة بوزقير كما أفاده صاحب كتاب تلفيق الأخبار. وزعم أيضا أن الهنكر هم أيضا من جملة أجناس الترك يقال لهم الهون اه. قلت: الهنكر هم الذين يطلق الآن على اقليمهم كلمة هنكاريا.
هذا وإن مدينة حلب لم تزل تبنى فيها المدارس حتى بلغت نحو ثلاثمائة مدرسة عدا المساجد ودور الحديث وغيرها من الأماكن التي كانت تتفجر من خلالها ينابيع العلوم من منطوق ومفهوم.
مصيبة مدينة حلب بحادثة تيمور لنك وغيرها
ما زالت حلب على تلك الثروة العلمية حتى دهمتها حادثة تيمور لنك فصدمتها صدمة كادت تذهب بكيانها فخربت مدارسها وأبادت علماءها لأنهم أصبحوا ما بين قتيل وأسير ومشرد عن وطنه. ثم بعد مضي نحو من قرن على هذه الحادثة الكارثة بينما كانت حلب تستجمع قواها وتحاول أن تسترد شيئا من ثروتها العلمية إذ دهمها سوء أحوال الحكام وتغاضيهم عن مناقشة المتولّين الحساب، والضرب على أيديهم القابضة على الأوقاف التي يتصرفون بها وبغلّتها كما شاؤوا وشاء لهم الهوى. وبسبب ذلك تقلص ظل العلم من حلب وعادت مدارسها القديمة إلى ما كانت عليه من الخراب.
المدارس العلمية الإسلامية المجددة في حلب
ثم إن بعض محبي العلم أنشؤوا في حلب عدة مدارس كانت هي السبب الأقوى لاتصال سلسلة العلم والعلماء في مدينة حلب. فقد أدركنا تلك المدارس مفتوحة الأبواب للعلماء والمتعلمين معمورة الحجر بالمجاورين وهي (المدرسة العثمانية) و (الشعبانية) و (القرناصية) . وهذه الثلاث تعد في مقدمة المدارس. وبعدها المدرسة (السيافية) و (الإسماعيلية) و (المنصورية) و (البهائية) .
على أن المجاورة في جميع هذه المدارس كانت قليلة الجدوى لأن المجاور في إحداها لم
стр. 129
يكن لمدة مجاورته حدّ وكان يتقاضى من غلة وقف مدرسته راتبا شهريا زهيدا لا يسدّ له عوزا ولا يغني عن كفافه فتيلا وليس عليه رقيب ولا مسيطر وربما جاور مدة حياته ولم يحصل من العلم على طائل. ولذا لم ندرك مدة حياتنا نابغة من مجاوريها نبغ بالعلوم والفنون سوى نفر قليلين لم يحملهم على الانقطاع إلى العلم حامل سوى نفوس شريفة أدركت فضيلة العلم فتخلّت للاشتغال به عن كل لذة وقنعت لأجله من المعاش باليسير.
فترت الهمم في طلب العلم لأن ثمراته الدنيوية أصبحت قاصرة عن النهوض بالعالم إلى مستوى ينال فيه عيشة راضية. على أن قليلا من الناس كانوا يقبلون على طلب العلم ليتخلصوا بالامتحان من القرعة العسكرية لأن قانونها العثماني كان يستثني الطالب من القرعة إذا أدى امتحان سنته فلما كانت أيام دولة السلطان عبد الحميد خان الثاني العثماني أصدر أمره بأن يكتفى ممن يدعي طلب العلم بمجرد كونه مجاورا في مدرسة ما فيستثنى من القرعة دون أن يؤدي امتحانا فزاد هذا الأمر همة الطلبة تثبيطا وأعطاهم من غائلة الجهل أمانا وضمانا لأن الراغب في طلب العلم للتملص من القرعة صار غير محتاج إلى العلم بل حسبه أن يكون اسمه مسجلا في سجل المجاورين المحسوبين على حجرة المدرسة التي قد يكون سجل على حسابها بضعة أشخاص كل واحد منهم يباشر عمله وتجارته دون أن يصرف لحظة واحدة من وقته في طلب العلم إذ لا يحوجه في سبيل التملص من القرعة سوى تصديق مدرّس المدرسة على أنه مجاور في مدرسته فيفلت من شرك القرعة بلا امتحان ولا أقل سؤال ويبقى جاهلا بل قد يكون أميا صارفا من نقد عمره نحو ثلاثين سنة باسم طالب علم وهو عنه بمعزل.
هذا الاستثناء كاد يمحو معاهد العلم من حلب ويطمس آثاره وذلك أن البقية الصالحة من الرّغبة في العلم التي حفظت نفسها مدة طويلة فرارا من القرعة قد زالت حينئذ بتمامها ولم يبق لها من لزوم.
النهضة العلمية في حلب
ولما انقضى ذلك العصر الحميدي وتقلبت الأيام والليالي وآلت مديرية أوقاف حلب إلى عهدة السيد يحيى الكيالي نظر إلى حالة المدارس والمجاورين وانحطاطهما بعين التبصر والاهتمام وأحب أن يبقي له ذكرا جميلا وأجرا جزيلا فألّف تحت رئاسة السيد الفاضل
стр. 130
الشيخ عبد الحميد الكيالي مفتي حلب لجنة من رجال العلم والفضل للبحث في حالة المدارس والمجاورين ومداواة أمراضهما، وأن ترسم اللجنة «١» برنامجا لإصلاح كل من المدرسة الخسروية التي كانت محتجبة في زوايا الإهمال والنسيان رغما عن عظمة بنائها وسعة أرجائها والمدرسة العثمانية والشعبانية والقرناصية والإسماعيلية، على أن يكون سير مجاوري هذه المدارس على منهاج البرنامج الذي ترسمه اللجنة المشار إليها. وبعد التفكير مليا رسمت اللجنة البرنامج المذكور فجعلت فيه مدة المجاورة اثنتي عشرة سنة على عدد أصناف المجاورين وعينت لكل صنف منهم في العلوم الدينية والآلية كتبا تليق به وخصصت لكل مجاور راتبا شهريا على قدر صنفه يتقاضاه من غلة وقف مدرسته وفرضت عليه أداء امتحان خاصّ في غضون السنة وعامّ في نهايتها، وعينت لكل صنف من يقوم بتعليمه وتدريسه من المعلمين الذين فرضت لكل واحد منهم راتبا شهريا يناسب درجته. وأقامت لكل مدرسة مديرا يراقب المجاورين ويحدو بهم إلى الطريقة المثلى والمنهج القويم. إلى غير ذلك من الأمور المستحسنة التي تتكفل بحفظ نظام المدرسة وانتظام أحوار مجاوريها. وبذلك عاش ميت الأمل بالنهضة العلمية في حلب التي يقوم بها مائة وخمسون طالبا يشملهم هذا البرنامج وتجري عليهم أحكامه.
هذا وإن علامات النهضة العلمية أخذت تبدو في أحوال هؤلاء المجاورين وتدل على اجتهادهم وانصبابهم على الاشتغال بالعلوم والفنون، مما يحمل على اليقين بأنه بعد بضع سنوات لا بد وأن يظهر في عدد كبير من أولئك الطلبة نبغاء لما يتلألأ في نواصيهم من نور النّباهة والذكاء والجد في الطلب. حقق الله ذلك.
المكاتب الأهلية في حلب
المكاتب الأهلية في حلب كثيرة توجد في كل محلة، منها ما هو مختص بالذكور ومنها ما هو مختص بالإناث وهي تعلم القرآن العظيم وبعضها يعلم معه الخط ومبادئ الحساب ومعلموها رجال ونساء وهي تأخذ على التعليم أجرة زهيدة تعرف بالخميسية، لأن الولد
стр. 131
يقدمها إلى معلمه في يوم الخميس. وبعض هذه المكاتب وقف يدخلها الولد مجانا لأن أستاذها يأخذ عنها راتبا شهريا من جهة الوقف.
المدارس الإسلامية الأهلية الحديثة الطرز في حلب
يوجد في حلب من هذا النوع أربع مدارس ابتدائية، ثلاث منها مختصة بالذكور وهي المدرسة الفاروقية والشرقية وقد أسستا في أواخر أيام الحكومة العثمانية والأولى أقدم من الثانية والمدرسة الثالثة المدرسة الإسلامية العربية أسست بعد انقضاء الحرب العامة. وكلها تتلقى فيها مبادئ العلوم القديمة والحديثة حسب أصول التعليم الحديثة وهي على أتم ما يكون من النجاح وفي كل واحدة منها مزية لا توجد في الأخرى وتأخذ من التلميذ أجرة معلومة.
والمدرسة الرابعة مختصة بالإناث وتسمى مكتب الصنائع النسائية وهي على جانب عظيم من النجاح تتقاضى من التلميذة أجرة معلومة وكان تأسيسها بعد انقضاء الحرب العامة.
هذه المدارس الأربع تضم إليها ٧٠٠ تلميد وتلميذة.
للمسيحيين والموسويين عدة مدارس حديثة الطرز تكلمنا على كل مدرسة منها أثناء الكلام على كنيسة الطائفة في باب الآثار.
المدارس والمكاتب الأميرية في حلب
في حدود سنة ١٢٧٨ فتحت الحكومة في المدرسة المنصورية مكتبا دعي مكتب الرشدية وكانت نفقاته من الجهة الأميرية وهو أول مكتب أميري فتح في مدينة حلب.
وكانت تعلم فيه اللغة التركية والفارسية ومبادئ العلوم الدينية. وقد أقبل عليه الناس إقبالا زائدا وانتفع منه شبان كثيرون من جهة إتقان اللغة التركية.
ثم في حدود ١٣٠٠ فتحت الحكومة أيضا غرفة في دار الحكومة سمتها دائرة المعارف ألفت فيها لجنة باسم لجنة المعارف تحت رياسة المرحوم (الحاج عطاء الله أفندي ابن الحاج عبد الرحمن أفندي المدرس) جعلت وظيفة هذه اللجنة البحث عن الأوقاف المندرسة أي الأوقاف التي ليس لها كتاب وقف معمول به على أن تنتزعه من يد المتغلب عليه ويصرف ريعه في نفقات مدارس ومكاتب تفتح جديدا باسم مكاتب المعارف. فاستولت هذه اللجنة
стр. 132
على عدة أوقاف من هذا النوع وفتحت عدة مكاتب استفاد الناس منها فائدة حسنة. ثم في سنة ١٣٠٣ قدم على حلب (كمال بك ابن الحاج موسى) مديرا لمعارف حلب وهو أول مدير للمعارف في حلب من غير أهلها ففتح عدة مكاتب في محلات مختلفة من حلب وأوجد للمعارف صندوقا خاصا بها تجمع فيه غلات الأوقاف المندرسة وتصرف على المكاتب وبقية نفقات الدائرة وأنشأت هذه المديرية عدة أملاك خاصة بها واتسع نطاق المعارف في حلب اتساعا ما عليه من مزيد مستمرا ذلك إلى أيام حدوث الحرب العامة فأغلق في أثنائها عدة مكاتب واختل نظام المعارف. وبعد انقضاء الحرب المذكورة قررت الحكومة استدخال واردات المعارف إلى صندوق المال وابطال صندوق المعارف وأن يكون دفع نفقات المكاتب وغيرها من جهة صندوق المال. وخصص في سنة ١٣٤٢ لدائرة المعارف مبلغ من المال يتراوح قدره بين ٢٥ و ٣٠ ألف ذهب عثماني ليصرف على مكاتب المعارف وبقية شؤونها.
مكاتب المعارف في مدينة حلب
مكاتب المعارف في محلات مختلفة من مدينة حلب تحت أسماء مختلفة تقسم إلى مكاتب ذكور ومكاتب إناث. عدد القسم الأول اثنا عشر مكتبا تضم إليها نحو ١٥٥٠ تلميذا وعدد معلميها ٦٤ معلما وعدد مكاتب القسم الثاني أي مكاتب الإناث أربعة تضم إليها نحو ٧٠٠ تلميذة. من المكاتب نوع ثالث يدعى مكاتب الحضانة تربى فيها الأطفال ذكورا وإناثا على أن تكون أعمارهم دون السادسة وهي خمسة مكاتب تضم إليها نحوا من ٤٠٠ طفل. جملة معلمات مكاتب الإناث ومكاتب الحضانة ٢٧ معلمة.
هذه المكاتب لم يدخل في عددها المكتب السلطاني الذي سنتكلم عليه في باب الآثار في الكلام على المحلة الجميلية.
مكاتب المعارف في الأقضية التابعة دولة حلب
هي مكتب للذكور وآخر للإناث في كل من مدينة الباب وادلب وريحا والمعرة والجسر وحارم وتادف ومنبج. ومكتب للذكور في كل من بزاعة وقباسين ومعرّ تمصرين وسرمين
стр. 133
وبنّش والبارة وبو قلقل وخان شيخون ونبّل ودركوش وتلّ ارفاد ومارع وسلقين وأرمناز وسرمدا وترمانين وقورقانيا وميدانكي وعنادان والأثارب ودارة عزّة وجبرين وتل عران والسفيرة وبنان وخناصرة وجرابلس. ورشدية للذكور في إدلب.
هذه المكاتب تضم إليها نحوا من ٢٥٠٠ تلميذ ما بين ذكر وأنثى. والمكاتب التي في لواء دير الزور هي: مدرسة رشدية ومكتب ابتدائي للذكور وآخر للإناث في مدينة الدير «١» . ومكتب ذكور في كل من الرقة وميادين وبوكمال. هذه المكاتب تضم إليها نحوا من ٧٠٠ تلميذ وعدد معلميها ١٨ شخصا ما بين ذكر وأنثى.
مكتب الصنائع في حلب
في سنة ١٣١٩ أسس في مدينة حلب مكتب للصنائع تكلمنا عليه في حوادث هذه السنة من باب الأخبار. وهو الآن مقتصر على صنعة الحدادة والنجارة ويضم إليه نحوا من ١٠٠ تلميذ يدخلونه مجانا ويقدم لهم الطعام والكسوة والمفارش للنوم وغيرها من اللوازم والنفقة عليه من جهة المالية. وقد بدأت طلائع النجاح والرقي تشرف عليه.
المكتبات في حلب
معلوم أن النهضة العلمية في مدينة حلب بدأت في أيام سيف الدولة الحمداني ومن ذلك الوقت أخذت تكثر الكتب والأسفار العلمية في حلب على قدر الحاجة إليها إلى أن كانت دولة نور الدين محمود بن زنكي ازدادت النهضة العلمية فازداد عدد الكتب في حلب إلى أن جاءت دولة السلطان صلاح الدين الأيوبي. ثم خلفه أولاده وأحفاده وأقرباؤه ومماليكه فاقتدوا به فكثرت المدارس في حلب وتمت تلك النهضة العظمى في العلوم والفنون حتى أصبحت حلب تعد في معارفها من أمهات الممالك الإسلامية.
стр. 134
ولع الحلبيين باقتناء الكتب
إن ولع الحلبيين باقتناء الكتب كان ولم يزل غريزة فيهم. فقد أدركنا الكثيرين من علما حلب وأغنيائها وهو شديد العناية باقتناء الكتب المخطوطة النادرة حتى إنهم كانوا يتسابقون إلى اقتنائها ويبذلون الأموال الطائلة في استنساخها.
أدركنا منهم من استكتب كتاب «رد المحتار حاشية الدرّ المختار» في الفقه الحنفي فصرف على استنساخه نحوا من مائة ذهب عثماني. ومنهم من استكتب كتاب تاج العروس لمرتضى الدين الزبيدي شرح قاموس الفيروزبادي فصرف عليه نحوا من مائتي ذهب عثماني.
إلى غير ذلك من الكتب الكبيرة التي كانت أغنياء الحلبيين يتسابقون إلى اقتنائها.
حرفة نسخ الكتب وحسن الخط في حلب
كان نسخ الكتب في حلب حرفة ناجحة يسترزق بها عدد كبير من الخطاطين الماهرين وكان لهم عند العلماء والوجهاء منزلة مقبولة. وكان أكثر طلاب العلوم الفقراء المجاورين في المدارس الإسلامية يستعينون على طلب العلم بالاسترزاق من نسخ الكتب والمصاحف.
ولشرف هذه الحرفة كان الناس يقبلون على تعليم الكتابة ويجتهدون بتحسين الخط. ولذا اشتهر أهل حلب بحسن الخط كما اشتهروا بفن الموسيقى وحسن الصوت. وكان الناس في الشهباء يعتبرون حسن الخط مزية كبيرة وبابا عظيما من أبواب الغنى حتى اشتهر بين الحلبيين قولهم الجاري مجرى المثل عندهم: (حسن الخط سوار من ذهب) . والحلبيون بعد الجيل الثالث برعوا بالخط العربي وتفننوا في تنويعه على أشكال مختلفة وضروب شتى.
يدلك على ذلك ما تراه من الخطوط المنقوشة في الألواح الحجرية التي تطرز بها المباني العظيمة والأضرحة الضخمة كطراز عمارة ضيفة خاتون في محلة الفردوس وأضرحة بعض العظماء في مقبرة الخليل ومناطق منارة الجامع الكبير، وغير ذلك من الكتابات المنقوشة على الحجارة المرصوفة في المباني التي يراد منها بيان التاريخ واسم صاحب البناء أو يراد منها حكمة أو موعظة. فإنك تجد كتابة بعضها مخطوطة بقلم نسخي وبعضها الآخر بقلم فارسي ومنها ما هو من نوع الكتابة المعروفة بالكوفية أو ما هو من النوع المعروف بالريحاني أو المشجّر أو المزهّر أو بالديواني أو ما هو شبيه بالأحرف السريانية إلى غير ذلك من أنواع الخطوط العربية التي قلما تجد لها نظيرا في غير الشهباء.
стр. 135
أسباب عناية الحلبيين باقتناء الكتب
يعتني أهل اليسار من الحلبيين باقتناء الكتب وتحسين جلودها وعمل خزانات جميلة لحفظها لأسباب: أهمها أمل استفادة المقتني من بعضها الذي يكون موضوعه علما بسيطا كالتاريخ والأدبيات. ومنها جعل مكتبته زينة لبيته. ومنها، وهو أعظمها، الاعتقاد السائد بين كثير من الناس حتى في غير حلب أن اقتناء الكتب يورث الغنى. ومنها جعلها وسيلة احترام ووجاهة عند أهل العلم الذين يستعيرون منهم الكتب الفنية التي تمس إليها حاجتهم وتقصر أيديهم عن شرائها.
المكتبات القديمة المفقودة
أدركنا في مدينة حلب حدة مكتبات غنية بالكتب المخطوطة النادرة قد تسلط عليها لصوص الكتب فسلبوها كل ما حوته من الظرف والتحف. واننا منذ زمن الصبا حتى الآن نرى تجار الكتب المخطوطة يترددون إلى حلب ويملؤون من مكتباتها الصناديق الكثيرة، عدا ما نراه من سواح الغرب وسماسرة المستشرقين الذين يختطفون الكتب النفيسة الخطية من أيدي طائفة من البسطاء لا يفرقون بين الطين والعجين فيشترونها منهم بأبخس الأثمان.
وإني على يقين من أن مدينة حلب ما زال يوجد فيها العدد العظيم من الكتب الخطية النادرة التي إذا بحثت عنها وجدتها في زوايا الإهمال والنسيان في بيوت جماعة من جهة العامة قد هبطوا من أصلاب رجال كانوا يعدون من نبغاء العلم والأدب فخلف من بعدهم خلف أهملوا العلم وركبوا متن الجهل وباعوا ما كان في خزائن أسلافهم من الكتب والأسفار وبقي عندهم منها بقية عدّوها من سقط المتاع حتى إذا ألفتتهم إليها الصدف حملها واحد من أطفالهم أو واحدة من عجائزهم وقصد بها باعة الكتب أو السوق العامة المعروفة بسوق الجمعة حيث تباع السلع الرخيصة فيبيعون منها ما قيمته ألف قرش مثلا بنصف قرش.
من الصدف الغريبة التي صادفتها أنني بقيت مدة طويلة أبحث عن كتاب كنوز الذهب فلم أظفر به. ومضى على ذلك أعوام وقد يئست من الظفر به إلى أن كنت يوما من الأيام مارا في سوق من أسواق حلب إذ بصرت بامرأة عجوز يدل إزارها على فقرها وفي يدها
стр. 136
كتاب يلوح عليه القدم فاستوقفتها وقلت لها ما هذا الكتاب؟ أجابتني بقولها: (قصة حلب) فتناولته من يدها وسرعان ما فتحته وقرأت من خطبته سطورا فإذا هو ضالتي المنشودة (هو كتاب كنوز الذهب) بخط مؤلفه فقلت لها بكم تبيعينه قالت: دفع إليّ به بائع الكتب خمسة قروش وأنا لا أبيعه إلا بعشرة قروش فنقدتها عشرة القروش وأخذت منها الكتاب ولو أنها طلبت مني ثمنه ألف قرش لما استكثرتها.
أما المكتبات المفقودة في حلب، وكانت على جانب عظيم من الغنى، فهي مكتبة بني الشحنة ومكتبة بني العديم ومكتبة بني الخشاب وغيرهم من الأسر العلمية التي كانت تعد من أجل بيوتات العلم في حلب. ومن تلك المكتبات مكتبة الجامع الكبير ومكتبات المدارس الكبرى كالمدرسة السلطانية والعصرونية والحلوية والشرفية والرواحية فإن جميع هذه المكتبات فقدت برمتها في حادثة تيمور لنك؛ منها ما استأثر به تيمور لنك وابتاعه ومنها ما انتهبته العامة أثناء تلك الحادثة وطرحوه في زوايا بيوتهم ثم باعوه بأبخس ثمن.
ذكر شجرة الإفادة
ومما يناسب إيراده هنا أن من جملة ما كان في الجامع الكبير من الذخائر الفنية العلمية شجرة دعيت في وقتها شجرة الإفادة. فقد ذكر رضي الدين الحنبلي في كتابه (درّ الحبب) في ترجمة (خليل بن أحمد غرس الدين) أنه هو الذي غرس شجرة الإفادة في شرقي الجامع الكبير اه.
وقد وقع إلي كتاب مخطوط جمع بين دفتيه عدة رسائل في علم الفلك والميقات قرأت في حاشية منه أن هذه الشجرة كانت عظيمة الرواء مصنوعة من حجر ونحاس وحديد، ذات خطوط وجداول في أصول العلوم الرياضية شبيهة بشجرة ذات جذع ضخم وأغصان وأوراق عظيمة في كل ورقة منها أصل من أصول تلك العلوم. قال صاحب الحاشية:
وكان الطلبة يقدمون إلى حلب من البلاد القاصية للاشتغال بالعلوم الرياضية المرسومة في هذه الشجرة.
стр. 137
المكتبات الإسلامية الموجودة الآن في حلب
المكتبة الأولى مكتبة المدرسة الأحمدية كانت تجمع في خزانتها زهاء ثلاثة آلاف مجلد مخطوط في علوم شتى. وقد لعبت أيدي الضياع في كثير من محتوياتها النفيسة. ومع ذلك فقد بقي فيها من الكتب النادرة: التفسير المهمل للفيض الهندي، ودرّ الحبب في تاريخ حلب لابن خطيب الناصرية «١» في مجلدين ضخمين ثانيهما مختل- وتاريخ ابن كثير في ثلاثة مجلدات وتاريخ الذهبي في سبعة مجلدات، وهو ناقص، ومرآة الزمان منه مجلد واحد ومختصر تاريخ الذهبي المسمى بالعيار ومثير الغرام لزيارة القدس والشام.
هذه المكتبة تفتح أبوابها للقراء يومي الاثنين والخميس.
المكتبة الثانية مكتبة المدرسة الرضائية المعروفة بالعثمانية تشتمل على نحو ١٥٠٠ مجلد مخطوط في فنون شتى. أندر ما فيها كتاب عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ للحلبي السمين، والمقدمة السنية للصفدي والدر الثمين في أسماء البنات والبنين، والحدائق الأنسية في الحقائق الأندلسية وغير ذلك. وهي مباحة للعموم يوم الخميس من كل أسبوع.
المكتبة الثالثة مكتبة الجامع الكبير المعروفة بمكتبة محمود أفندي الجزار وهو الذي وقفها وهي تشتمل على نحو ١٠٠٠ مجلد مخطوط ومطبوع. وأندر ما فيها كتب فلكية مخطوطة وآلات فلكية متنوعة كالربع المجيّب والمقنطر وأنواع الاصطرلابات والكرات «٢» .
المكتبة الرابعة مكتبة الخسروية وهي مجددة في هذه الأيام لم تزل قيد الترتيب وستجعل مكتبة عامة. والأمل أن تكون معدودة في مقدمات المكاتب الإسلامية لأن الهمة مصروفة إلى رقيها وجعل ثروتها في الدرجة الأولى. وقد نقلت إليها مكتبة الجامع الكبير وبدأ محبّو العلوم يقدّمون إليها نفائس ما عندهم من الكتب. وأول من تبرع عليها بعدد وافر من الكتب السيد محمد مرعي باشا الملاح الذي هو الآن حاكم دولة حلب العام» .
стр. 138
ومن المكتبات الأهلية الغنية التي ضمت إلى خزانتها كل نادرة: مكتبة الأديب الفاضل السيد أسعد الحلبيّ المولد والمنشأ، نجل ناجي أفندي العينتابي المعروف بإمام زاده.
هذه المكتبة تشتمل على زهاء ألفي مجلد بينها عدد كبير من نوادر الكتب المخطوطة والمطبوعة. ومن ذلك مجلد مخطوط من كتاب الفتوحات المكية، حررت في آخره هذه العبارة (سمعت هذه المجلّدة عليّ أهلي مريم بنت محمد بن عبدون البجائيّة «١» وفقها الله وأذنت لها أن تحدّث بها عني وتجمع تواليفي «٢» ورواياتي. وكتبه محمد علي محيي الدين العربي مؤلف هذا الكتاب بخطه عند فراغ سماعها مني هذه المجلّدة وذلك يوم الجمعة الحادي أحد عشر من شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين وستمائة، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى) .
ومن نوادر الكتب الموجودة في هذه المكتبة الجزء الثالث من تفسير القرآن العظيم للإمام الماوردي، وفي ظهر أول صحيفة منه عبارة مفهومها أنه مما وقفته إحدى بنات عبد الله بن المستعصم بالله العباسي على مدرسة في ظاهر شارع ابن رزق الله بالجانب الغربي من مدينة السلام وذلك في سنة ٦٥٢ والظاهر أن هذا المجلد واحد من ستة. وفي هذه المكتبة غير ذلك من الكتب المخطوطة النادرة التي يرجع عهد كتابتها إلى القرن الرابع.
ومن مزايا السيد أسعد صاحب هذه المكتبة ولعه أيضا في أوراق الحوادث المعروفة بصحف الأخبار فهو لا يكاد يظهر منها صحيفة بلغة شرقية إلا وتراه حصل منها على العدد الأول أو غيره من أوائل أعدادها وقد ألف من هذه الصحف مجموعا ضم بين دفتيه زهاء ألفين وخمسمائة صحيفة بينها عدة صحف محررة بلغة جغطاي ولغة الأفغان.
ومن المكتبات الشهيرة مكتبة التكية المولوية، وأكثر ما فيها من الكتب مطبوع ويوجد غير ذلك من المكاتب عند جماعة من الأهلين مما يعسر ضبطه ويطول شرحه.
أما المكتبات المسيحية فقد تكلمنا عليها عند الكلام على كنائس الطوائف المسيحية في باب الآثار الذي يلي هذه المقدمة فراجعه.
стр. 139
الأطباء في حلب
عهدنا أن الأطباء في حلب كانوا يداوون المرضى على قوانين الطب القديم. ثم في حدود سنة ١٢٧٠ بدأ الأطباء الغربيون يحضرون إلى حلب ويداوون المرضى على قوانين الطب الحديث التي تلقوها في مدارس أوروبا وقد أخذ عن بعضهم جماعة من الحلبيين مبادئ الطب الجديد وشرعوا يطببون الناس بما أخذوه عن أساتذتهم. أما الآن فإن الأطباء هم من المتخرجين في المكاتب الطبية الرسمية وليس لأحد أن يعاني حرفة الطب إلا بإجازة من تلك المدارس. ويوجد الآن في حلب أطباء ماهرون ومنهم المتخصصون بنوع من الطب كالجراحة وأمراض العيون وأمراض الأذن والأمراض الجلدية وغيرها. على أنه ما زال يوجد في الحلبيين بعض أطباء متخصصين بجبر الكسر ومداواة بعض القروح التي ربما يعسر برؤها على حذاق الأطباء الغربيين فتبرأ عن يد الحلبيين المذكورين الذين تلقوا حرفتهم هذه عن أسلافهم تلقيا دون قراءة ولا كتابة.
استطراد مفيد في معارف المسلمين ومدنيتهم
طلب العلم في الشريعة الإسلامية فرض عين وفرض كفاية. فالأول هو تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناهما وكل ما يجب اعتقاده ثم تعلم أحكام الطهارة والصلاة والصوم والحج والزكاة حين وجوب كل فريضة منها على المكلف بها ثم تعلم ما يجب عليه تركه من النواهي كالزّنى وشرب الخمر والسرقة وقتل النفس وما يجب عليه إتيانه من بر الوالدين وانجاز الوعد ووفاء العهد وأداء الأمانة وغير ذلك من الأمور المستحسنة. والثاني هو فرض كفاية ينقسم إلى شرعي وغير شرعي. فالأول هو علم الأصول والفروع والعلوم الآلية: كالنحو واللغة وعلوم القرآن. والثاني هو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا وذلك كالطب والحساب والهندسة والفلاحة والحياكة والسياسة والخياطة وكل ما له دخل في هذه الأمور وما يتوقف عليه إتمامها كاستخراج المعادن وعملها أواني وأوائل للجهاد والصنائع ونحو ذلك، فإن البلد إذا خلا عمن يعرف هذه الحرف أو علما من تلك العلوم يأثم أهله كلهم.
فشريعة الإسلام كما أرشدت الخلق إلى ما به صلاح آخرتهم جعلت لهم نصيبا وافرا مما يكون به صلاح دنياهم فحثّت على العلم وبينت فضائله ورغبت فيه. فمن ذلك قوله
стр. 140
تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ)
. فثلّث بذكر أهل العلم لشرفهم وفضلهم. وقوله (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)
، وقوله (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ)
وقوله (قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ)
. وقوله ﵇ (الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع المملوك حتى يدرك مدارك الملوك) ، فنبّه بهذا على ثمرة العلم في الدنيا. وقوله (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) . وقوله (اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد) . وقوله (اطلبوا العلم ولو بالصين) . وقوله (العلم خزائن مفاتيحها السؤال ألا فاسألوا فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل والعالم والمستمع والمحبّ لهم) وقوله (لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله ولا للعالم أن يسكت على علمه) .
وقوله: (من علم علما فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من النار) . وقوله: (إن الله سبحانه وملائكته وأهل سمواته وأرضه، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر، ليصلّون على معلم الناس الخير) . وقوله: (الدالّ على الخير كفاعله) وقوله: (ناصحوا في العلم فإن خيانة أحدكم في علمه أشد من خيانته في ماله وإن الله سائلكم يوم القيامة) .
وقوله (اغد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامسة فتهلك) أي لا تكن مبغضا للعلم وأهله فتهلك) . وقوله (الكلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها) . وكان عمر ﵁ يأمر المسلمين في وقت السلم باتباع إحدى الحرف الثلاث: الزراعة والتجارة والصناعة، عملا بقوله ﵇: (إن الله يكره العبد البطّال ويحب العبد المحترف) ، وبقوله ﵇ (ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) .
إلى غير ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين والحكماء الموحدين الناطقة بفضيلة العلم والتعليم والتعلم والانصباب على العلوم والانقطاع إليها والرحيل في طلبها وعدم الاستنكاف في أخذها والنهي عن كتمانها مما لو أوردنا استقصاءه واستيعابه لملأنا منه مجلدا على حدته وفيما أوردناه الكفاية.
واعلم أن الصدر الأول من المسلمين بعد أن فرغوا من توسيع نطاقهم السياسي وافتتحوا المدن والأمصار الكثيرة شرعوا يشتغلون بتوسيع نطاقهم العلمي فاخترعوا علم اللغة والصرف والنحو والاشتقاق والعروض والمعاني والبيان والبديع والاستعارات والتاريخ
стр. 141
والقوافي وقرض الشعر والإنشاء والمحاضرة والدواوين ووقائع الأمم والأمثال وشروط السجلات وعلم قوانين الكتابة ورسم المصحف وعلم مخارج الحروف، وغير ذلك من العلوم والفنون.
وقد بحث المفسرون بالقرآن أبحاثا عميقة هي غير تفسير المعاني فاشتغلوا بتحرير سوره المختلف في موضع نزولها، ومعرفة مواضع نزول الآيات مكة أم المدينة أو غيرهما ومعرفة ما كان نزوله في الليل أو في النهار والصيف أو الشتاء، ومعرفة أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل منه وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغير ذلك من الفنون التي تتعلق بالقرآن، حتى عدّوا كلماته وضبطوا حروفه وأحصوا نقطه وحركاته وسكناته على ما هو محرر مسطور في كتاب الإتقان للإمام السيوطي، ولما فرغوا من ذلك ورأوا أن الشريعة المحمدية قد بلغت الغاية القصوى من الضبط والتحرير وأن الفتوحات قد اتسعت والنفوذ السياسي قد أرهبت سطوته عالم المسكونة ثنوا عنان عزمهم واهتمامهم إلى ما يزيدهم ارتقاء في معارج الكمالات الإنسانية وتقدما في ميادين الحضارة والمدنية. وقد صادف ميلهم هذا وتفرغهم إليه أوائل الدولة العباسية فقام أمير المؤمنين هارون الرشيد وشرع بمساعدة العلماء وترويج مقاصدهم وأخذ يمهد الطريق لذلك ببث التمدن ونشر العلوم وحماية الصنائع إلى أن آلت الخلافة إلى ولده عبد الله المأمون ورسخ قدمه في الإمرة أشرقت أنوار العلم وتجلت سماء المعارف بنجوم العلماء والعظماء لما فطر عليه هذا الخليفة من حب العلم وأهله حتى إنه كان في عهد والده لا تطيب نفسه إلا بمصاحبة العلماء من المسلمين والكلدان والسريان والفرس وغيرهم. وقد جعل بغداد مقر المعارف وانتشرت فيها محبة العلم والانصباب إليه حتى صار لا يسمر فيها سامر إلا بالكلام على الدرس والمدارس والكتب والعلوم.
وقد استحضر المأمون العلماء من سائر جهات العالم على اختلاف مللهم ونحلهم ولغاتهم معاملا جميعهم بالحفاوة والكرامة متقربا إليهم بأنواع العطايا الوافرة والإقطاعات العامرة وكان يدخل إلى بغداد في كل يوم مئات من الجمال الموقرة بالكتب المجهزة من أقطار العالم وكانت العلماء يترجمون أحسنها إلى اللغة العربية وكانت دار الحكم «١» مؤلفة من معلمين
стр. 142
ومدرسين ومترجمين وبلغاء وخطباء ونحوهم. وكان لشدة ولعه بالمعارف وحرصه على العلوم والفنون لا يعقد صلحا مع سلطان رومي أو فارسي أو هندي إلا ويجعل من جملة شروطه تقديم أنفس ما عند ذلك السلطان من الكتب العلمية والأسفار الصناعية. ثم جاء الخلفاء من بعده وحذوا حذوه في هذا السبيل، فما مضى غير قليل حتى ابتزّوا خزائن كتب الرومان واليونان وفارس واستحوذوا على كنوزها وظهر في الإسلام علم المنطق وفروعه كالفلسفة والمناظرة وشاعت العلوم الرياضية كالحساب والهندسة والمساحة والهيئة وأقسام العلوم الفلكية كالميقات والتنجيم والعلوم الطبيعية والطب والبيطرة والبزدرة «١» والنبات والحيوان والفلاحة والمعادن والجواهر (وكانت صنعتهما في القرون المتوسطة مختصتين بالشرقيين ومن ذلك امتازت الأسلحة الدمشقية عما سواها خصوصا السيوف منها وصار يضرب بها المثل) .
وعلم الكون والفساد وعلم التشريح والكحالة والصيدلة والهندسة البنائية التي لم تزل المساجد الإسلامية دالة على تقدمها في تلك الأعصار وعلم المرايا المحرقة وعلم صناعة الزجاج وتنويعه فإن المسلمين هم الذين علموا شرف هذا الفن وعنهم أخذته أوروبا وعلم مراكز الأثقال وعلم جر الأثقال وعلم إنباط المياه وفنون الحرب وعمل آلاته وعلم الجغرافيا ومسالك البلدان وعلم الجبر والمقابلة وهو علم عظيم من مخترعات العرب ولا بد من استحضاره في أكثر العلوم الرياضية وعلم الموسيقى، وعلم عمل آلاتها وعلم الأخلاق وعلم تدبير المنزل وعلم السياسة وعلم قود الجنود وفن التصوير والنقوش، على ما وصفه المقريزي في كتابه «الخطط المصرية» على أن بعض الأحجار والأواني النحاسية الموجودة حتى الآن التي هي من صنع المسلمين يدلّنا ما عليها من النقوش والصور التي لم تزل موضوع أبحاث أهل الصناعة من الأوروبيّين.
على أن المسلمين بلغوا في صناعة النقش والتصوير غاية قصوى حتى إن كثيرا من النقوش التي زيّنوا بها النقود الذهبية والفضية حملت أمراء النصارى في سيسليا (صقلية) والأندلس على أن يقلدوها ويجعلوا نقودهم على شاكلتها بل قال جامعو المسكوكات العربية إن عدة نقود ذهبية أدخلها ماري لويس في المسكوكات الفرنسية نقلا عن النقود الإسلامية. وحكى
стр. 143
المقريزي عن الوزير البازوي أنه كان مولعا بالتصاوير وكان يشتري الصور التي هي من صنع المصورين الشرقيين بأثمان باهظة. وأورد بهذا الموضوع حكاية غريبة تدل على أن مصوري الإسلام اشتهروا في فن تصوير المناظر التي تخدع الناظر وذكر أنّ من جملة من كان بارعا في هذا الفن: ابن العزيز والقصير وأبو بكر «١» وأحمد بن يوسف المصور ومحمد بن محمد المصور وغيرهم.
فن التصوير في الإسلام
ومما يدلنا على أن فن التصوير كان شائعا متداولا في الدول الإسلامية ما حكاه صاحب كتاب المستطرف نقلا عن أحمد بن حمدون النديم قال: عملت أم المستعين بساطا على صورة كل حيوان من جميع الأجناس وصورة كل طائر من ذهب وأعينها يواقيت وجواهر أنفقت عليه مائة ألف ألف دينار وثلاثين ألف دينار. إلى آخر ما حكاه. وذكر أبو الفداء أن رسل ملك الروم لما قدموا على بغداد كان من جملة ما أعده الخليفة المقتدر في موكب استقبالهم من الزينة شجرة من ذهب وفضة تشتمل على ثمانية عشر غصنا وعلى الأغصان والقضبان الطيور والعصافير من الذهب والفضة والأغصان تتمايل بحركات مصنوعة والطيور تصفر بحركات مرتبة اه.
وخلاصة الكلام أن الأمة الإسلامية بلغت من أكثر العلوم والفنون التي ذكرناها غاية لم يكن ليباريها بها في وقتها أوروبي ولا هندي ولا قبطي. وقد ألفت «٢» في كل فن من هذه الفنون ما لا يحصى من الكتب والرسائل وهي وإن كان يوجد فيها الكثير مما ترجمت أصوله عن اللغات الأعجمية إلا أن العرب زادوا في متونها من المسائل الكلية المهمة ما لم يخطر قط على فكر واضعيها الأولين وقد خرج من بغداد والكوفة والبصرة وأصفهان وسمرقند وغيرها فحول من العلماء والصناع والأطباء والحكماء والشعراء والخطباء مما لا يكاد يقع عليه قلم الإحصاء.
стр. 144
وكما راجت أسواق هذه العلوم في الشرق فقد بلغت الذروة العليا في الغرب أيضا، فإن الحكومة الإسلامية المغربية أرادت مضاهاة الخلافة الشرقية فأطلقت الحرية بالأديان ونشرت العلوم والصنائع والتجارة وبلغت إسبانيا في تلك القرون منتهى طبقات السعادة حتى إن من بقي فيها من المسيحيين قد تألفت قلوبهم مع المسلمين وأصبحت قرطبة مقر العلوم والآداب والبلاغة والفصاحة والتجارة والصناعة وبلغ فيها عدد المدارس والمكتبات الغاية القصوى فإن مكتبة قرطبة وحدها كانت تشتمل على أكثر من ستمائة ألف مجلد من الكتب المختارة ولانتظام أمر التجارة والزراعة والصناعة في المغرب زادت مداخيله زيادة باهظة حتى كانت حكومة إفريقية وحدها تستورد كل سنة اثني عشر مليونا وخمسة وأربعين ألف دينار، ما عدا الجبايات وأموال الفتوحات وغيرها مما لا يحدّ ولا يعدّ وكان هذا المبلغ في ذلك العصر أعظم من سائر مداخيل أوروبا. وكان يوجد في قرطبة وحدها وهي قاعدة ملك الأندلس ست مائة جامع وتسعمائة حمام ومائتا ألف بيت وكان تحتها ثمانون مدينة من الرتبة الأولى وثلاث مائة مدينة من الرتبة الثانية والثالثة واثنا عشر ألف قرية. وكان هذا النمو العظيم من نتائج العلوم والمعارف وثمرات حرية الشريعة الإسلامية. أما الاسكندرية فقد بلغت من المدارس والمباني العلمية غاية لم تصل إليها قط لا في عهد القياصرة الرومانيين ولا في عهد غيرهم. قال بنيامين السائح الطوليدي إنه بمروره من تلك المدينة وجد فيها للفلسفة فقط عشرين مدرسة تتوارد عليها طلاب الفلسفة من جهات العالم. ونقل ليون الإفريقي أنه كان يوجد في القاهرة مدارس كثيرة أعظمها واحدة كانت أشبه بمدينة صغيرة تكفي لأن يعصى بها عسكر صغير وأما مدارس فاس ومراكش ولاراق فقد شاع ذكرها وملأت البسيطة أخبارها ومن مكتبة فاس ولاراق اغتنت مكتبات أوروبا وأخذ منها الأوروبيون فوائد يكل اليراع بعدها.
стр. 145
الملل والنحل في حلب وجهاتها قبل الفتح الإسلامي
الوثن نبو
قال ابن خطيب الناصرية في كتابه الدر المنتخب أثناء كلامه عن البابليين ما خلاصته:
إنهم كان لهم بجبل نبو (المعروف الآن بجبل سمعان) صنم يعبدونه في موضع يعرف بكفر نبو. والعمائر الموجودة اليوم في هذا الجبل هي آثار الذين كانوا مقيمين في جواره من تلك الأمة. وقد جاء ذكر هذا الصنم في كتب بني إسرائيل «وأمر الله بعض أنبيائه بكسره» اه. قلت: قد وقفت على بناء في محل هذا الصنم وهو بناء ضخم مبني بالحجارة العظيمة وأظنه كان كنيسة رومانية وذلك في قرية كفر نابو من جبل سمعان المعروف أيضا بجبل ليلون. ومعنى نابو بلغة البابليين إله فيكون معنى كفر نابو قرية الإله. والذي يرى هذه القرية ويتأمل في ضخامة أطلالها وموقعها المتوسط من الجبل لا يصعب عليه أن يصدق أنها كانت في أيام البابليين مكانا مقدسا عندهم يحجّون إليه من جميع جهات هذا الجبل.
الوثن عشتاروت
في تاريخ سوريا الكبير للمطران دبس في سنة ١٨٦٩ م/ ١٢٦٨ هـ اكتشفت صحيفة عرفت بصحيفة ميشاع ملك موآب فحفظت في متحف اللوفر في باريس بين الآثار اليهودية وإن من جملة ما قاله ميشاع في هذه الصحيفة هذه الكلمات (وقال لي كاموش- أبوه- امض إلى نابو على إسرائيل فمضيت ليلا وأقمت الحرب عليها من الفجر إلى الظهر فأخذتها وقتلت كل رجالها سبعة آلاف ونساءهم واستحييت البنات والعبيد لأني قدمتهم إلى عشتاروت كاموش وأخذت من هناك آنية يهوه (إله العبرانيين) وطرحتها على الأرض أمام كاموش هـ.
следующие страницы →