← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11788

نهر الذهب فى تاريخ حلب

كامل الغزي

Полный текст (1 631 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والقوافي وقرض الشعر والإنشاء والمحاضرة والدواوين ووقائع الأمم والأمثال وشروط السجلات وعلم قوانين الكتابة ورسم المصحف وعلم مخارج الحروف، وغير ذلك من العلوم والفنون. وقد بحث المفسرون بالقرآن أبحاثا عميقة هي غير تفسير المعاني فاشتغلوا بتحرير سوره المختلف في موضع نزولها، ومعرفة مواضع نزول الآيات مكة أم المدينة أو غيرهما ومعرفة ما كان نزوله في الليل أو في النهار والصيف أو الشتاء، ومعرفة أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل منه وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغير ذلك من الفنون التي تتعلق بالقرآن، حتى عدّوا كلماته وضبطوا حروفه وأحصوا نقطه وحركاته وسكناته على ما هو محرر مسطور في كتاب الإتقان للإمام السيوطي، ولما فرغوا من ذلك ورأوا أن الشريعة المحمدية قد بلغت الغاية القصوى من الضبط والتحرير وأن الفتوحات قد اتسعت والنفوذ السياسي قد أرهبت سطوته عالم المسكونة ثنوا عنان عزمهم واهتمامهم إلى ما يزيدهم ارتقاء في معارج الكمالات الإنسانية وتقدما في ميادين الحضارة والمدنية. وقد صادف ميلهم هذا وتفرغهم إليه أوائل الدولة العباسية فقام أمير المؤمنين هارون الرشيد وشرع بمساعدة العلماء وترويج مقاصدهم وأخذ يمهد الطريق لذلك ببث التمدن ونشر العلوم وحماية الصنائع إلى أن آلت الخلافة إلى ولده عبد الله المأمون ورسخ قدمه في الإمرة أشرقت أنوار العلم وتجلت سماء المعارف بنجوم العلماء والعظماء لما فطر عليه هذا الخليفة من حب العلم وأهله حتى إنه كان في عهد والده لا تطيب نفسه إلا بمصاحبة العلماء من المسلمين والكلدان والسريان والفرس وغيرهم. وقد جعل بغداد مقر المعارف وانتشرت فيها محبة العلم والانصباب إليه حتى صار لا يسمر فيها سامر إلا بالكلام على الدرس والمدارس والكتب والعلوم. وقد استحضر المأمون العلماء من سائر جهات العالم على اختلاف مللهم ونحلهم ولغاتهم معاملا جميعهم بالحفاوة والكرامة متقربا إليهم بأنواع العطايا الوافرة والإقطاعات العامرة وكان يدخل إلى بغداد في كل يوم مئات من الجمال الموقرة بالكتب المجهزة من أقطار العالم وكانت العلماء يترجمون أحسنها إلى اللغة العربية وكانت دار الحكم «١» مؤلفة من معلمين

стр. 142

ومدرسين ومترجمين وبلغاء وخطباء ونحوهم. وكان لشدة ولعه بالمعارف وحرصه على العلوم والفنون لا يعقد صلحا مع سلطان رومي أو فارسي أو هندي إلا ويجعل من جملة شروطه تقديم أنفس ما عند ذلك السلطان من الكتب العلمية والأسفار الصناعية. ثم جاء الخلفاء من بعده وحذوا حذوه في هذا السبيل، فما مضى غير قليل حتى ابتزّوا خزائن كتب الرومان واليونان وفارس واستحوذوا على كنوزها وظهر في الإسلام علم المنطق وفروعه كالفلسفة والمناظرة وشاعت العلوم الرياضية كالحساب والهندسة والمساحة والهيئة وأقسام العلوم الفلكية كالميقات والتنجيم والعلوم الطبيعية والطب والبيطرة والبزدرة «١» والنبات والحيوان والفلاحة والمعادن والجواهر (وكانت صنعتهما في القرون المتوسطة مختصتين بالشرقيين ومن ذلك امتازت الأسلحة الدمشقية عما سواها خصوصا السيوف منها وصار يضرب بها المثل) . وعلم الكون والفساد وعلم التشريح والكحالة والصيدلة والهندسة البنائية التي لم تزل المساجد الإسلامية دالة على تقدمها في تلك الأعصار وعلم المرايا المحرقة وعلم صناعة الزجاج وتنويعه فإن المسلمين هم الذين علموا شرف هذا الفن وعنهم أخذته أوروبا وعلم مراكز الأثقال وعلم جر الأثقال وعلم إنباط المياه وفنون الحرب وعمل آلاته وعلم الجغرافيا ومسالك البلدان وعلم الجبر والمقابلة وهو علم عظيم من مخترعات العرب ولا بد من استحضاره في أكثر العلوم الرياضية وعلم الموسيقى، وعلم عمل آلاتها وعلم الأخلاق وعلم تدبير المنزل وعلم السياسة وعلم قود الجنود وفن التصوير والنقوش، على ما وصفه المقريزي في كتابه «الخطط المصرية» على أن بعض الأحجار والأواني النحاسية الموجودة حتى الآن التي هي من صنع المسلمين يدلّنا ما عليها من النقوش والصور التي لم تزل موضوع أبحاث أهل الصناعة من الأوروبيّين. على أن المسلمين بلغوا في صناعة النقش والتصوير غاية قصوى حتى إن كثيرا من النقوش التي زيّنوا بها النقود الذهبية والفضية حملت أمراء النصارى في سيسليا (صقلية) والأندلس على أن يقلدوها ويجعلوا نقودهم على شاكلتها بل قال جامعو المسكوكات العربية إن عدة نقود ذهبية أدخلها ماري لويس في المسكوكات الفرنسية نقلا عن النقود الإسلامية. وحكى

стр. 143

المقريزي عن الوزير البازوي أنه كان مولعا بالتصاوير وكان يشتري الصور التي هي من صنع المصورين الشرقيين بأثمان باهظة. وأورد بهذا الموضوع حكاية غريبة تدل على أن مصوري الإسلام اشتهروا في فن تصوير المناظر التي تخدع الناظر وذكر أنّ من جملة من كان بارعا في هذا الفن: ابن العزيز والقصير وأبو بكر «١» وأحمد بن يوسف المصور ومحمد بن محمد المصور وغيرهم. فن التصوير في الإسلام ومما يدلنا على أن فن التصوير كان شائعا متداولا في الدول الإسلامية ما حكاه صاحب كتاب المستطرف نقلا عن أحمد بن حمدون النديم قال: عملت أم المستعين بساطا على صورة كل حيوان من جميع الأجناس وصورة كل طائر من ذهب وأعينها يواقيت وجواهر أنفقت عليه مائة ألف ألف دينار وثلاثين ألف دينار. إلى آخر ما حكاه. وذكر أبو الفداء أن رسل ملك الروم لما قدموا على بغداد كان من جملة ما أعده الخليفة المقتدر في موكب استقبالهم من الزينة شجرة من ذهب وفضة تشتمل على ثمانية عشر غصنا وعلى الأغصان والقضبان الطيور والعصافير من الذهب والفضة والأغصان تتمايل بحركات مصنوعة والطيور تصفر بحركات مرتبة اه. وخلاصة الكلام أن الأمة الإسلامية بلغت من أكثر العلوم والفنون التي ذكرناها غاية لم يكن ليباريها بها في وقتها أوروبي ولا هندي ولا قبطي. وقد ألفت «٢» في كل فن من هذه الفنون ما لا يحصى من الكتب والرسائل وهي وإن كان يوجد فيها الكثير مما ترجمت أصوله عن اللغات الأعجمية إلا أن العرب زادوا في متونها من المسائل الكلية المهمة ما لم يخطر قط على فكر واضعيها الأولين وقد خرج من بغداد والكوفة والبصرة وأصفهان وسمرقند وغيرها فحول من العلماء والصناع والأطباء والحكماء والشعراء والخطباء مما لا يكاد يقع عليه قلم الإحصاء.

стр. 144

وكما راجت أسواق هذه العلوم في الشرق فقد بلغت الذروة العليا في الغرب أيضا، فإن الحكومة الإسلامية المغربية أرادت مضاهاة الخلافة الشرقية فأطلقت الحرية بالأديان ونشرت العلوم والصنائع والتجارة وبلغت إسبانيا في تلك القرون منتهى طبقات السعادة حتى إن من بقي فيها من المسيحيين قد تألفت قلوبهم مع المسلمين وأصبحت قرطبة مقر العلوم والآداب والبلاغة والفصاحة والتجارة والصناعة وبلغ فيها عدد المدارس والمكتبات الغاية القصوى فإن مكتبة قرطبة وحدها كانت تشتمل على أكثر من ستمائة ألف مجلد من الكتب المختارة ولانتظام أمر التجارة والزراعة والصناعة في المغرب زادت مداخيله زيادة باهظة حتى كانت حكومة إفريقية وحدها تستورد كل سنة اثني عشر مليونا وخمسة وأربعين ألف دينار، ما عدا الجبايات وأموال الفتوحات وغيرها مما لا يحدّ ولا يعدّ وكان هذا المبلغ في ذلك العصر أعظم من سائر مداخيل أوروبا. وكان يوجد في قرطبة وحدها وهي قاعدة ملك الأندلس ست مائة جامع وتسعمائة حمام ومائتا ألف بيت وكان تحتها ثمانون مدينة من الرتبة الأولى وثلاث مائة مدينة من الرتبة الثانية والثالثة واثنا عشر ألف قرية. وكان هذا النمو العظيم من نتائج العلوم والمعارف وثمرات حرية الشريعة الإسلامية. أما الاسكندرية فقد بلغت من المدارس والمباني العلمية غاية لم تصل إليها قط لا في عهد القياصرة الرومانيين ولا في عهد غيرهم. قال بنيامين السائح الطوليدي إنه بمروره من تلك المدينة وجد فيها للفلسفة فقط عشرين مدرسة تتوارد عليها طلاب الفلسفة من جهات العالم. ونقل ليون الإفريقي أنه كان يوجد في القاهرة مدارس كثيرة أعظمها واحدة كانت أشبه بمدينة صغيرة تكفي لأن يعصى بها عسكر صغير وأما مدارس فاس ومراكش ولاراق فقد شاع ذكرها وملأت البسيطة أخبارها ومن مكتبة فاس ولاراق اغتنت مكتبات أوروبا وأخذ منها الأوروبيون فوائد يكل اليراع بعدها.

стр. 145

الملل والنحل في حلب وجهاتها قبل الفتح الإسلامي الوثن نبو قال ابن خطيب الناصرية في كتابه الدر المنتخب أثناء كلامه عن البابليين ما خلاصته: إنهم كان لهم بجبل نبو (المعروف الآن بجبل سمعان) صنم يعبدونه في موضع يعرف بكفر نبو. والعمائر الموجودة اليوم في هذا الجبل هي آثار الذين كانوا مقيمين في جواره من تلك الأمة. وقد جاء ذكر هذا الصنم في كتب بني إسرائيل «وأمر الله بعض أنبيائه بكسره» اه. قلت: قد وقفت على بناء في محل هذا الصنم وهو بناء ضخم مبني بالحجارة العظيمة وأظنه كان كنيسة رومانية وذلك في قرية كفر نابو من جبل سمعان المعروف أيضا بجبل ليلون. ومعنى نابو بلغة البابليين إله فيكون معنى كفر نابو قرية الإله. والذي يرى هذه القرية ويتأمل في ضخامة أطلالها وموقعها المتوسط من الجبل لا يصعب عليه أن يصدق أنها كانت في أيام البابليين مكانا مقدسا عندهم يحجّون إليه من جميع جهات هذا الجبل. الوثن عشتاروت في تاريخ سوريا الكبير للمطران دبس في سنة ١٨٦٩ م/ ١٢٦٨ هـ اكتشفت صحيفة عرفت بصحيفة ميشاع ملك موآب فحفظت في متحف اللوفر في باريس بين الآثار اليهودية وإن من جملة ما قاله ميشاع في هذه الصحيفة هذه الكلمات (وقال لي كاموش- أبوه- امض إلى نابو على إسرائيل فمضيت ليلا وأقمت الحرب عليها من الفجر إلى الظهر فأخذتها وقتلت كل رجالها سبعة آلاف ونساءهم واستحييت البنات والعبيد لأني قدمتهم إلى عشتاروت كاموش وأخذت من هناك آنية يهوه (إله العبرانيين) وطرحتها على الأرض أمام كاموش هـ.

стр. 146

وفي المجلد العاشر من مجلة الجامعة الإمريكية التي تصدر في بيروت ما ملخصه أن الدكتور (كلاي) أستاذ اللغة الآشورية في جامعة بابل الإمريكية قال في أثناء خطاب ألقاه في الجامعة المذكورة- إن شمالي سوريا وما يجاورها من بلاد ما بين النهرين هو من أقدم مدنية في الشرق الأدنى وإن هذه المدنية هي أقدم من حضارة مصر ومن تمدن بابل أيضا. وإن الدكتور (كلاي) يعتقد أيضا أن أقدم التفاصيل عن عبادة عشتروت وأقدم الروايات الخرافية عن آلهة بابل وآشور تشير إلى موطن أصلي في شمالي سورية- في حلب وضواحيها، قالت المجلة المذكورة بعد أن كتبت ما كتبناه عنها: ولا يخفى ما في هذا القول من المناقضة لأقوال المتخصصين في تاريخ مصر القديم فإن أجمع على صحة هذا الرأي مؤرخو هذا العصر وجب على علماء التاريخ القديم أن يعيدوا كتابة تواريخهم مبتدئين في تاريخ سورية من سنة ٥٠٠٠ لا من سنة ٣٠٠٠ قبل المسيح كما جروا عليه لحد الآن اه. الوثن رمّن في كتاب بابيلونيا وشيريا لمؤلفه فينكلار الألماني أشهر علماء التاريخ المطبوع باللغة الألمانية سنة ١٨٩٢ م/ ١٣١٠ هـ ما خلاصته أن سلمناصر خرج من نينوى سنة ٨٥٤ ق. م وبعد أن استولى في مسيره هذا على عدة بلاد وممالك (ذكرناها في الكلام على من تملك حلب قبل الإسلام في الجزء الثالث) : قصد خلمن (حلب) ودخلها وقرب فيها الذبائح إلى الوثن (رمّن) وهو على رأي فينكلار معبود الحلبيين إذ ذاك. وقد استدل بعض علماء التاريخ من الآثار على أن الوثن رمّن كان إله العواصف في سورية اه. الوثن حداد أو هداد وذكر بعض الأثريين أن سلمناصر الثاني دخل إلى حلب سنة ٨٥٤ ق. م وضحّى فيها للوثن حداد وعلى هذا يكون قد وجد في حلب وثنان في وقت واحد. عبادة الحلبيين الحمام وأسماك قويق ذكرنا في الكلام على نهر قويق أن كزانفون اليونان تلميذ سقراط الحكيم قال في رحلته إلى قورش إن نهر حلب صغير فيه أنواع من السمك، والسوريون يحسبونه آلهة لا يسمحون لأحد أن يصيده وكذلك الحمام كانوا يعبدونه ولا يرضون على من يؤذيه.

стр. 147

الوثن أبولون سيأتي لنا في الكلام على أنطاكية أنه كان يوجد فيها هيكل يقال له أبولون معبود السلوقيين وكان معمولا من السرو الجبلي وهو عند اليونانيين إله الصنائع والأدبيات والطب وضياء الشمس. وكان على مثال شاب جميل الصورة وقد استرسل شعره إلى الأرض وحمل في يده قوسا. وقد بقي يعبد (١١٧٨) سنة وذلك من مبدأ عمله إلى عام احتراقه. الصابئية منذ نصف قرن تقريبا ظهر ضمن ناووس في قرية النيرب حجر على هيئة القمر قد يستدل منه على أن نحلة الصابئية كانت موجودة في حلب. أما وجودها في مدينة حران والرها فهو أمر محقق لا مرية فيه. قال المسعودي في مروج الذهب: وللصابئية من الحرانيين هياكل على اسم الجواهر العقلية والكواكب فمن ذلك هيكل العلة الأولى وهيكل العقل وهيكل السنبلة وهيكل الصورة وهيكل النفس، وهذه مدورات الشكل. وهيكل زحل مسدس وهيكل المشتري مثلث وهيكل المريخ مستطيل وهيكل الشمش مربع وهيكل عطارد مثلث الشكل في جوف مربع مستطيل وهيكل الزهرة مثلث في جوف مربع وهيكل القمر مثمن إلى آخر ما قال. وقد تكلمنا على هذه النحلة بإسهاب في الفصل الذي عقدناه بالكلام على الرها وحرّان فراجعه «١» . عبادة النار في حلب المفهوم من الكلام على منارة الجامع الأموي الكبير أن حجارتها كانت من بناء معبد للنار قديم. فيلزم أن يكون المجوس توطنوا حلب في وقت ما. أما وجود اليهود والنصارى في حلب قبل الفتح وبعده فسنتكلم عليهما في الفصل التالي.

стр. 148

الملل والنحل في حلب وجهاتها بعد الفتح الإسلامي المسلمون السنيون هذه الفرقة أعظم فرقة إسلامية وجدت في حلب قديما وحديثا. وكانت بعد عصر الصحابة على مذهب أبي حنيفة النعمان لارتباط حلب ببغداد مقر أبي حنيفة الذي اختار مذهبه المنصور العباسي ومن بعده من الخلفاء إلى أن كانت أواخر أيام سيف الدولة بن حمدان وفد من حران إلى حلب رجل يقال له أبو إبراهيم محمد الممدوح المتصل نسبه بعلي ابن أبي طالب كرم الله وجهه وهو جد بني الزهراء الذين كانوا نقباء حلب وسراة رجالها فظهر حينئذ التشيع في حلب وفشا مذهب الإمام الشافعي وفي تلك الأيام حدثت بدعة الزيادة في الأذان كما ستعرفه. ثم في حدود الستين والثلاثمائة دخل مذهب الإمام مالك إلى حلب مع جماعة قدموا عليها من المغرب بواسطة استيلاء المعز العلوي على مصر. وأما المذهب الحنبلي فالظاهر أنه دخل حلب في حدود الخمسمائة تقريبا ولم يزل هذان المذهبان في فشوّ وشيوع إلى سنة ٧٤٨ وفيها عيّن لكل واحد منهما قاض مستقل كمذهب الحنفي والشافعي وكان لكل مذهب منهما قبل ذلك نائب غير مستقل وحينئذ اجتمع في حلب أربعة قضاة لكل مذهب قاض. وكان أول قاض حنبلي موسى أبا الجود فياضا بن عبد العزيز بن فياض المقدسي النابلسي، وأول قاض مالكي أحمد بن ياسين بن محمد بن شهاب الدين أبا العباس الرياحي المالكي. ولم يزل لكل مذهب قاض مستقل إلى أن استولت الدولة العثمانية على حلب فأفردت القضاء في قاض واحد حنفي. ومن ذلك الوقت أخذ المذهب المالكي والحنبلي بالاضمحلال إلى سنة ٩٤٨ وبها توفي علي بن محمد بن عثمان علاء الدين البابي المعروف بابن دغيم، وهو آخر العلماء الحنابلة وآخر حنبلي من أهل حلب.

стр. 149

وأما المذهب المالكي فلم أقف على نص بانقراضه من حلب. ويمكن أن يقال إنه انقرض في عصر انقراض المذهب الحنبلي تقريبا. أما الآن فمعظم أهل حلب على مذهب أبي حنيفة ثم على المذهب الشافعي. وأكثرهم من سكان المحلات المتطرفة والقرى ويوجد بها بعض حنابلة من عشيرة عقيل في أطراف بغداد يقدمون إلى حلب تجارا أو جمالين. كما أنه يوجد بها بعض مالكية يقدمونها للتجارة من المغرب. الطرائق العلية في حلب والطرائق العلية في حلب كثيرة جدا كالطريقة القادرية والرفاعية والدسوقية والنقشبندية والبدوية والأردبيلية وغير ذلك من الطرائق التي يطول ذكرها غير أن معظم ذوي الطرائق قادرية خلوتية ثم رفاعية خلوتية. ومن نحو ٥٧ سنة دخل حلب الطريقة الشاذلية وكان أهلها على غاية من النسك والصلاح لا يرتاب أحد في استقامة طريقتهم. وكان في حدود سنة ١٢٨٥ قدم إلى حلب رجل يدعو إلى اتباع شيخ مشهور بالصلاح مقيم في ترشيحه مما يلي عكا ويرغب في طريقته الشاذلية فتبعه خلق كثير وصار لهم في حلب ظهور وشأن وشرعوا يمشون في الأسواق مجاهرين بذكر الله تعالى. وربما سافر بعضهم إلى الشيخ في ترشيحه وعاد على أسمى درجة من الصلاح والتقوى كما أنه ربما عاد على ما لا يحب. الشيعة في حلب قديما وحديثا قد علمت مما تقدم أن التشيع ظهر في أهل حلب أيام سيف الدولة، غير أن أولئك الشيعة كانوا مفضّلين فقط حتى دخل الإسماعيلية إلى حلب فاشتد تشيعهم وتبع بعضهم الإسماعيلية بأمور منحرفة عن الدين كما سيرد عليك في حوادث سنة ٥٧٠ ولم تزل الشيعة في تصلبهم حتى حل عصبتهم وأبطل أعمالهم نور الدين الشهيد سنة ٥٤٣ ومن ذلك الوقت ضعف أمر الشيعة غير أنهم ما برحوا يتجاهرون بمعتقداتهم إلى انقراض الإسماعيلية في حدود الستمائة فأخفوا حينئذ معتقداتهم وربما ظفر أهل السنة بواحد منهم تظاهر بما يخالف السنة فعاقبوه ونكّلوا به.

стр. 150

حكى ابن خطيب الناصرية في تاريخه درّ الحبب «١» أنه حضر إلى حلب رجل يقال له يحيى بن أحمد الهزلي أحد أكابر الشيعة واتصل بنقيب أشرافها عز الدين المرتضى وحظي عنده إلا أنه استرسل معه في الحديث في يوم من الأيام وذكر الصديق ﵁ بما يخلّ بمقامه فغضب عليه وشهره على جمل وطاف به الشوارع وهو يضرب بالدرّة وعظم قدر المرتضى عند الناس وتحققوا حبه للصحابة. وكان ذلك بعد الخمسين والستمائة. ثم في حدود الألف وما بعدها أخذ أهل التشيع يتنكرون وبأفعال أهل السنة يتظاهرون فصار يتسنى لهم أن يتزلفوا إلى الحكومة ويحرزوا من قبلها المناصب العالية ويبطشوا بأهل السنة باطنا إلى أن كان من أمرهم ما سنورده في ترجمة مصطفى بن يحيى بن قاسم الحلبي الشهير بطه زاده. وبعد أن فتك بهم المذكور أخفوا أمرهم. وربما كان أهل السنة في أواسط القرن الثالث عشر يظفرون بشيعي فعل منكرا فشهروه بإحراق خشبة يطاف بها في شوارع حلب وينادي حاملها هذه خشبة فلان الرافضي. ثم انقطع هذا العمل لانقراض الشيعة وتلاشيهم بالمرة غير أنه لم يزل يوجد في حلب عدة بيوت معلومة يقذفهم بعض الناس بالرفض والتشيع ويتحامون الزواج معهم مع أن ظاهرهم على كمال الاستقامة وموافقة أهل السنة والجماعة والله أعلم بحقيقة عباده. أقول: لم يزل يوجد في قضاء إدلب وقضاء جبل سمعان عدة قرى مختصة بسكنى الشيعة كقرية الفوعة والنغاولة ونبّل. والغالب على أهل هذه القرى الثروة والغنى لطيب تربة أراضيهم وجودة معرفتهم بالفلاحة والزراعة إلا أنهم ليسوا بأصحاب نفوذ وهم إمامية اثنا عشرية يدينون بالتقيّة ويقولون إن جعفرا الصادق كان يدين بها ويقول (التقية ديني ودين آبائي وأجدادي ومن لا تقية له لا دين له) . وفيهم علماء يسافرون في طلب العلم إلى بغداد ومشهد الحسين. والفوعة قرية عظيمة تضاهي قصبة. وأهلها معروفون بالتشيع من قديم الزمان وفيهم أولو أنساب علوية عالية. وكان يرسل إلى هذه القرية قاض مستقل في دولة الأتراك والجراكسة وأوائل الدولة العثمانية أما الآن فهي تابعة قضاء إدلب.

стр. 151

النصارى في حلب قبل الفتح الإسلامي قيل إن مدينة حلب لم يدخلها مطران أو أسقف إلا بعد سنة ٣١٤ م. وإن ممن اشتهر من أساقفتها الأولين أوسطاثيوس الذي نقل إلى كرسي أنطاكية سنة ٣٢٤ ومنهم أقاق الذي حضر المجمع القسطنطيني الأول سنة ٣٨١ م والمجمع الأفسسيّ سنة ٤٢٤ م. وقد طالت مدة أسقفيته نحوا من ٥٨ سنة. النصارى في حلب بعد الفتح الإسلامي سيأتي لنا في الكلام على فتوح حلب أن قائد الخليفة فتح مدينة حلب صلحا وفتح قلعتها عنوة وإنه أقر المسيحيين على معابدهم القديمة سوى شيء منها. والذي ظهر لي مما أجريته من البحث والتنقيب أن المسيحيين في حلب كانوا بعد الفتح الإسلامي على أحسن حال وأنعم بال ممتزجين مع مواطنيهم المسلمين امتزاج الراح بالماء راتعين في بحبوحة ناضرة من الفلاح والنجاح آمنين على أنفسهم وأموالهم ومعتقداتهم، ينظر إليهم المسلم بعين اللطف والعطف متحاشيا عن مسهم بأدنى أذية فرارا من دخوله في منطوق «من آذى ذميا كنت خصمه ومن كنت خصمه كان الله خصمه» «١» . ناهيك دليلا على ما كان يسديه المسلم إلى المسيحي من الرفق والمواساة وحسن المعاملة: ما حكاه ياقوت في معجم البلدان حيث قال في باب الدال «دير مارت مروثا» هذا دير كان في سفح جبل الجوشن مطل على مدينة حلب وعلى العوجان وهو صغير وفيه مسكنان أحدهما للرجال والآخر للنساء ولذلك سمي بالبيعتين وقلّ ما مر به سيف الدولة

стр. 152

إلا نزل به وكان يقول كانت والدتي محسنة إلى أهله وتوصيني به خيرا وفيه بساتين وزعفران وفيه يقول الحسن بن علي التميمي: يا دير مارت مروثا ... سقيت غيثا مغيثا فأنت جنة حسن ... قد حزت روضا أثيثا «١» وكانت الحكومات الإسلامية في تلك الأزمان تثق بأمانة المسيحيين وتعتمد عليهم في مهماتها وتستخدمهم في أجل وظائفها. فقد ذكر ياقوت في كتابه المذكور أيضا أن صاعد ابن شمامة الحلبي النصراني كان مستخدما عند بني مرداس في كتابة الدولة. قال: وهو القائل في الخمرة: خافت صوارم أيدي المازجين لها ... فألبست رأسها درعا من الزرد واستخدم الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين في جباية أموال مملكته، أي في نظارة ماليته، كريم الدولة بن شرارة النصراني. على أن تشريفه بعنوان (كريم الدولة) كاف في الاستدلال على الاحترام الذي كان يوجهه إلى المسيحيين أعاظم ملوك الإسلام. وكان المسيحيون في حلب يساكنون إخوانهم المسلمين في محلاتهم غير منفردين عنهم. وكانت بعض معابد الأمتين متجاورة. ومنها ما هو مقبل ببابه على باب معبد الطائفة الأخرى. قال ابن شداد: فكان يقف على باب الجامع كذا وكذا بغلة لرؤساء المسلمين من الكتّاب والمتصرفين. وعلى باب البيعة كذا وكذا بغلة لرؤساء النصارى من الكتاب والمتصرفين. هكذا كانت حالة الوفاق والمواساة سائدة بين هاتين الأمتين المغتبطتين بحسن الجوار ومكنة الجامعة الوطنية.

стр. 153

زحف التتر على مدينة حلب وتشتت شمل أهلها ثار من الشرق الأقصى عاصفة التتر المغول الكفرة أتباع جنكزخان رأس الكفر والطغيان فزعزعت الرواسي وقلبت العروش وشوهت وجه العمران والتهمت نيرانها الأخضر واليابس من الأقطار والبلدان وأهلك تيارها الجارف من نفوس المسلمين فقط ثمانية عشر مليونا على ما رواه بعض المؤرخين. حادثة لم يحدث مثلها فيما مضى ولن يحدث نظيرها فيما يأتي على ما يظنه بعض علماء التاريخ وقد كان لمدينة حلب أوفر نصيب من شرها ومستطير شررها فقد هاجمتها جنود ذلك الطاغية عدة مرات في كل مرة منها تدك حصونها وتهدم منازلها وتحرق معابدها ومعاهدها العلمية وتزهق أرواح أهلها وتفعل فيها من الفظائع والعظائم ما يرتعد القلم لذكره. إلى أن كانت الهجمة الأخيرة وذلك في حدود سنة ٧٠٠ هـ/ ١٣٠٠ م فقضت على هذه البلدة العظيمة القديمة بأن تكون خرابا يبابا وأن تقفر من أهلها الذين أصبحوا ما بين قتيل وأسير ومشرّد وهائم على وجهه لا يعرف إلى أين انتهى ولا في أي هاوية كان مقره ومصيره؟. قال ابن العبري الملطي في تاريخه المدني السرياني ما خلاصته: إن أهل بعلبك خربوا سقف كنيسة السريان الحلبية وكان هو مطرانها سنة ١٢٦٠ م/ ٦٥٩ هـ فاستحوذ عليه الجنون فذهب إلى هولاكو ملك الملوك فزجوه في السجن في قلعة نجم. وهكذا ظلت طائفته الحلبية دون راع ولكنهم كانوا يجتمعون في بيعة الملكيين فهجم عليهم التتر وقتلوهم وسبوهم اه وقال صاحب كتاب عناية الرحمن ما خلاصته: وبعد أواسط القرن الثالث عشر لم يرد في الآثار السريانية ذكر لأساقفة حلب حتى أواخر القرن الخامس عشر. قال: ولعل سبب ذلك هو أن هولاكو وخلفاءه أبادوا المسيحيين قاطبة من حلب ونواحيها ومن سوريا. قلت: إن هولاكو وخلفاءه الطغاة الطغام لم يبيدوا في هجمتهم الأخيرة التي كانت في التاريخ المذكور المسيحيين فقط بل أبادوا فيها جميع سكان حلب من المسلمين والمسيحيين وغيرهم كما أسلفنا بيانه فالمسلمون والمسيحيون في هذا البلاء شركاء على السواء.

стр. 154

هذا وإن الجفّال «١» من أهل حلب بعد انجلاء التتر عن هذه البلاد بدأ من بقي منهم حيا يعودون إلى حلب ويشتغلون بتعمير مساكنهم وقد عادوا إلى أحسن ما كانوا عليه من حسن الجوار ومكنة الجامعة الوطنية مستمرين على ذلك إلى سنة ٨٠١ هـ/ ١٣٩٨ م وفيها تواردت الأخبار على حلب بتحرك جيوش التتر المنسوبين إلى الطاغية تيمور لنك فاستولى الذعر على أهل حلب وأجفلوا عنها ومن بقي منهم فيها أصبح بعد أن دخل إليها تيمور في السنة التالية حصيد سيوف جنوده إلا من سلم الله وقليل ما هم. وبعد انتهاء هذه الحادثة عاد إلى حلب أولئك الجفّال واستأنفوا العمل بلّم شعثهم ورمّ منازلهم وخططت الحكومة الجركسية المحلة الجديدة لسكنى المسيحيين خاصة فبنوا فيها منازلهم ومعابدهم وساد الأمن والسلام بين الأنام. ولما دخل السلطان سليم خان الثاني إلى حلب ورأى قلة من فيها من التجار نقل إليها من البلاد المجاورة أربعين أسرة من التجار المسلمين ومثلها من التجار المسيحيين، أسكنهم في زقاق الأربعين المنسوب إليهم. المذهب الأرتودكسي والمذهب الكاثوليكي في حلب الطوائف المسيحية منذ وجدت في حلب، أي قبل الفتح الإسلامي وبعده، كانت تدين بالمذهب الأرتودكسي. وكانت رؤساء الطوائف يتحامون الكثلكة وينفرون منها كما أن الحكومات الإسلامية كانت لا تحب أن ينتشر هذا المذهب في مسيحييّ بلادها لاعتقادها به أنه مذهب أهل الحرب من الفرنج وغيرهم. ولذا بقي المذهب الكاثوليكي غير معروف في الشرق ولا متّبع فيه. حتى قامت الحروب الصليبية واستولى الصليبيون على بيت المقدس. ومن ذلك الوقت بدأ هذا المذهب ينبث في الشرق وعلى تمادي الأيام انتشر بين جميع الطوائف المسيحية فلم يبق منها طائفة إلا انقسمت إلى قسمين أرتودكسية وكاثوليكية. قال في كتاب عناية الرحمن في هداية السريان ما خلاصته: إن البابا غريغوريوس أرسل إلى الأمم الشرقية في أيام استيلاء الفرنج على القدس سنة ١٣٢٧ م/ ٦٣٥ هـ رهبانا دومنكيين. وفي ذلك الحين حج إلى أورشليم (أغناطيوس داود) بطريرك السريان اليعاقبة

стр. 155

فبلغها في الشعانين فجاهر بالاتفاق مع الكنيسة الرومانية. وقيل إنما فعل ذلك تخلصا من التتار. وهذا القول غير صحيح. الكثلكة في حلب قال صاحب كتاب عناية الرحمن ما حاصله: ثم في سنة ١٦٢٦ م/ ١٠٣٦ هـ افتتح رسالة الكثلكة في حلب الرهبان الكبوشيون. ثم في سنة ١٦٦٧ م/ ١٠٧٨ هـ حضر إلى حلب الرهبان الكرمليون ثم اليسوعيون. وكان المسيحيون في حلب على قول بعضهم ٢٠ ألفا وقيل ٤٠ ألفا. وهم أربع طوائف: الروم والأرمن والسريان والموارنة. فلاقى أولئك المرسلون مصاعب جمة لجهلهم اللغة ولتمسك رؤساء تلك الشيع بعوائدهم ومذاهبهم ونفورهم من المرسلين بل إشهارهم الحرب على رعاياهم إذا انتموا إليهم. غير أن أولئك المرسلين لم تكن تلك المصاعب تثني عزمهم فقد كانوا يذهبون خفية إلى البيوت ويتفنّنون باتخاذ أساليب لاستمالة أهلها إلى الكثلكة اه. قلت: ومن ذلك الحين بدأت الكثلكة تنتشر في مسيحيّي حلب، وكثر المنحازون إليها وأخذ الشرّ يتفاقم بين الشعبين إلى أن كان ختامه المقتلة التي حدثت سنة ١٨١٨ م ١٢٣٤ هـ كما ألمعنا إلى ذلك في حوادث السنة المذكورة من باب الحوادث. الطوائف المسيحية في حلب الطوائف المسيحية الآن في حلب سبع طوائف: الأولى الروم، وكانت منقسمة إلى فئتين إحداهما تدين بالكثلكة. وفي حدود سنة ١٧١٠ م/ ١١٢٢ هـ انفصلتا عن بعضهما فصارتا طائفتين تدعى إحداهما بالروم الكاثوليك أو بالملكيين، والأخرى بالأرتودكسيين أو الروم العتق. الطائفة الثانية الأرمن. وكانوا أيضا فرقتين إحداهما تميل إلى الكثلكة وفي حدود التاريخ المذكور انفصلتا عن بعضهما فصارتا طائفتين إحداهما تدعى بالأرمن الكاثوليك والأخرى تدعى بالأرمن العتق. الطائفة الثالثة السريان وكانوا يعرفون باليعاقبة فانحازوا إلى الكثلكة في التاريخ المذكور تقريبا. ولم يبق منهم على المذهب اليعقوبي سوى بضعة بيوت، ثم صار يقدم منهم من بلاد الجزيرة وما والاها بعض بيوت كبار واتخذوا لهم قسيسا وبيتا يقيمون فيه شعائر دينهم. الطائفة الرابعة الموارنة وكلهم من الكاثوليك.

стр. 156

وقد ألمعنا بتاريخ وجودهم في حلب في الكلام على كنيستهم في باب الآثار. الطائفة الخامسة طائفة اللاتين وهم من الكاثوليك المرتبطين ببطريرك اللاتين المقيم بالقدس. الطائفة السادسة طائفة الكلدان وأكثرهم غرباء من الموصل وغيرها وهم كاثوليك أيضا. الطائفة السابعة بروتستان وتوطّنهم في حلب حادث منذ ٤٠- ٥٠ سنة. اليهود في حلب سيأتي لنا نبذة في أخبار حلب قبل الإسلام نقلا عن تحفة الأبناء أن داود ﵇ استولى على حلب قبل الهجرة بنحو ١٦٦٥ سنة تقريبا وأنها بقيت بأيدي الإسرائيليين حتى أخرجهم منها ملوك بابل قبل الهجرة بنحو ١٣٠٣ سنة تقريبا. ثم أن سليكس نيكادور أحد الملوك الرومانيين الذي استولى على أنطاكية قبل الهجرة بنحو ٩٦٥ سنة هو الذي أمر اليهود أن يترددوا للتجارة إلى حلب ويقيموا فيها. ورتب عليهم بعض ضرائب فسكنوها وكثر عددهم فيها حتى بلغت مساحة دورهم نصف ساعة طولا. قلت: حكى الحاخام إبراهيم بن شعيا الديان في كتابه المسمى بالعبرانية، بوعيل صيديق، أي فاعل الصدق، الذي فرغ من تأليفه سنة ٥٦١٠ للخليقة أي سنة ١٢٦٦ هجرية ما تعريبه ملخصا أنه كان يوجد في حلب ثمان عشرة كنيسة مختصة بالإسرائيليين غير أن المعروف لنا أربعة: الأولى هي الكنيسة العظمى الكائنة في بحسيتا وكان يقال لها الكنيسة الصفراء. الثانية هي الكائنة في باب الكروم بتغليظ الكاف، لعله أراد باب الكروم الذي هو باب الملك خارج باب النيرب. قال: وكانت تسمى بالعبرانية كنيسة الببليم ومعناها كنيسة البابليين. والثالثة جامع الحيات وفيها حجر مكتوب عليه بقلم الآشورية واللفظ العربي ما نصه (تاريخ هذا الحائط سنة ٥٥٣ لشطاروت بناه الأمان (أستاذ الفعلة) هليل هكوهين (الكاهن بر ابن) ناتان اه. فعلى هذا يكون مضى على بنائها ١٦٨٣ سنة إلى عامنا هذا وهو سنة ١٣٤٢ هـ أي أنها بنيت قبل الهجرة النبوية ب ٣٧٧ سنة وزعم أنها مدفون فيها كتاب مقدس يقال له بالعبرانية كيتر. الكنيسة الرابعة كانت في بستان الشاهبندر قرب جسر الناعورة وهي دائرة لا أثر لها. قلت سيأتي لنا في باب الأخيار في ترجمة محمد بن علي بن عبد الواحد الزملكاني أن

стр. 157

الكنيسة الثالثة كانت تدعى بكنيسة مثقال وأن صاحب الترجمة في أيام قضائه بحلب وذلك من سنة ٧٢٤ إلى سنة ٧٢٧ انتزعها من يد اليهود وجعلها مسجدا للمسلمين وأنه لم يفعل هذا الفعل إلا بعد أن ثبت لديه أنها محدثة في دار الإسلام وكان ثقة في دينه لا يظن في مثله ظلم، ولو لم يثبت لديه كفلق الصبح أنها محدثة لما جعلها مسجدا ولو كان في عزمه أن يظلم اليهود لما قنع منهم بأخذ هذه الكنيسة الصغيرة بل في قدرته أن يأخذ منهم كنيستهم الصفراء دون أن يعارضه أحد في وقته لما كان عليه اليهود وغيرهم من ضعف الشوكة وما كان عليه المسلمون من قوتها. فالظاهر أن الحجر المذكور مأخوذ من غير عمارة ومبني بها أو هو مزور حادث ليس بقديم يؤيد ذلك كونه مرصوفا في موضع لا يستدعي التفات الناظر، أي إنه مبني بعرض الجدار لا فوق باب ولا نافذة كما جرت العادة في وضع الحجارة المنقوشة التي يقصد منها بيان التاريخ أو غيره. على أن نفس الحجرة والجدار التي بنيت فيه ليسا بقديمين بل هما من عمارة المسلمين. يظهر ذلك بأدنى تأمل. ثم أي داع يدعو إلى كتابته باللفظ العربي في التاريخ الذي دل عليه مع أن العرب لم يكونوا موجودين في حلب في ذلك التاريخ، وهل يوجد في الكتابات الموجودة في بقية آثارهم القديمة كتابة لفظها عربي غير هذا. الرياسة الدينية على اليهود في حلب الرياسة الدينية على يهود حلب كانت منوطة بأرشد واحد من الطائفة المعروفة في أيامنا بطائفة ديان الذين يدعون اتصال نسبهم بنبي الله داود ﵇. فكان لا يعقد نكاح إلا بمعرفته ولا يعتبر صك شرعي عندهم إلا بتصديقه حتى هاجر إلى حلب جم غفير من يهود بلاد الأندلس سنة ٨٩٨، فكان فيهم الغني وذو المعرفة والسياسي والفلكي. ولذا قام أحد وجهائهم المشهور عندهم باسم (ربي شلومولنيادو باعيل هكيليم) أي مؤلف الظروف وقام معه جملة من زمرته الغرباء ورفضوا رياسة ابن ديان وولوا ربي شلومو مكانه وأناطوا به فصل الدعاوي بين المتخاصمين وعقود الأنكحة وتصديق الصكوك وغير ذلك إلا أن الإسرائيليين الحلبيين لم يزالوا يراعون حقوق طائفة الديان ويخصونها بعقد الاتفاق بين الخطيب ومخطوبته وتصديق سند المهر المؤخر للزوجة وإجراء الختان وقراءة استغفار معلوم عندهم ليلة العيد المسمى بالعبرانية كبور أي عيد الغفران يقرؤه أحد أفراد هذه الطائفة

стр. 158

وأمامه سبع نسخ من التوراة يحملها سبعة أشخاص يدفعون في مقابلة حملها مبلغا معلوما للكنيسة. وفي ذلك الوقت يقوم رجل موظف بالترحيم ويدعو لحملة التوراة ويترحم على رجل من بيت شنفاخ لأنه كان تبرع بدفع ضريبة أميرية ثقلت على اليهود وأغلقت من أجلها كنيستهم. هذا وبعد وفاة ربي شلومو صاروا ينتخبون لهم حاخاما بعد حاخام بشرط أن يكون من أتقى حاخاميهم دينا وذمة. وهكذا استمر الحال عندهم إلى زماننا هذا. وفي سنة ١١١٦ قدم إلى حلب رجل من فرنج اليهود يقال له السنيور صموئيل بيجوتو وكان من كبار التجار مرعيّ الخاطر عند الدولة العثمانية فامتنع هو وأولاده من بعده من الاعتراف برياسة الحاخام ولم يعملوا بتنبيهاته التي أوجب اتباعها على بقية اليهود في أيامه: منها عدم جواز زيارة الخطيب مخطوبته والاختلاء معها، وعدم جواز خروج النساء للبرية والبساتين بوجود الرجال، وعدم جواز زيارة النساء في أول أيام الأعياد وغير ذلك. ثم لما انتخب شلومولينادو حاخاما لم يتحمل نشوز هذه الأسرة عنه «١» فطلب منها أن تساوي بقية اليهود في طاعته بكل ما يأمرها به مستندا في طلبه هذا على بعض مقالات دينية وعلى أن كل إسرائيلي في حلب تجب عليه متابعة أهل البلد. أما الأسرة المذكورة فإنها لم تصغ إلى مقالته تمسكا بصك استخرجه لها من الكتب الدينية أحد الحاخامين المعروف بيهودا قاصين الكفيف وغيره ومآله أن هذه الأسرة لما كانت منذ مدة مديدة خالصة من سائر التكاليف التي يكلف بها بقية اليهود فليس عليها أن تساويهم بها حديثا وقد ذيل هذا الصك عدة من حاخامي القدس والشام حتى صار كتابا طبع على نفقة الأسرة المذكورة بعنوان (ماحانيه يهودا) أي معسكر يهودا. وحفظته هذه الأسرة عندها وكان انتهاء هذه المنازعة سنة ١١٩٨ تقريبا. طوائف اليهود في حلب جميع طوائف اليهود في حلب على اتباع التلمود وليس فيهم سامرية ولا قراؤون إلا وهو غريب عن حلب. وهم على ثلاثة أنواع: كوهن ينتسبون إلى نبي الله هارون عليه

стр. 159

السلام. ولاوي وإسرائيلي وهم العموم. هذا والغالب على اليهود في حلب تمسكهم بتقاليدهم الدينية واعتزالهم معاشرة غير أبناء دينهم خصوصا المسيحيين وانهماكهم في مشاغلهم، وفيهم الغنى المفرط والفقر المدقع وفي تجارهم المهارة في الاقتصاد وأصول التجارة وفنون الحساب وتعدد اللغات الغربية. النصيرية هم طائفة يتكلمون بالعربية وينتسبون إلى محمد بن نصير أحد كبراء الشيعة وحزب الإسماعيلية. مسكن هذه الطائفة من ايالة حلب السويدية وجبال القصير وجبل السماق والجبل الأقرع. وكان الغالب عليهم الفاقة والجهل. ثم في هذه الأيام بدأت في بعضهم سمات الغنى والعلم. وكان يوجد فيهم بعض أفراد يدعون معرفة الرمل أو النجوم وهم أصحاب كد وتعب ومعرفة في الفلاحة والزراعة وتربية دود الحرير. قال في كتاب الملل والنحل ما ملخصه: إن النصيرية من غلاة الشيعة يطلقون اسم الإلهية على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لاعتقادهم أن فيه جزءا آلهيا. قلت: في كتاب الباكورة السليمانية ما فيه كفاية لبيان نحلتهم فليراجعه من أراد الوقوف عليها. على أنني مما لم أره في هذا الكتاب رسالة وقعت إلى مؤلفها أحد أكابر النصيرية، عليها رد من أحد أكابر الدروز فأوردت منها بعضها ضاربا صفحا عن بقيتها تمسكا بالأدب وتحاشيا عما قد يكون مكذوبا ومختلقا. فأقول: من جملة ما في هذه الرسالة قوله: (جميع ما حرموه من القتل والسرقة والكذب والبهتان والزنا والفاحشة فهو مطلق للعارف والعارفة بمولانا) (يعني به الحاكم بأمر الله أحد الملوك العبيديين في مصر) . ومنها: والحرام على من تكلم لغير المستحق فهو الزنا. ومن عرف الباطن فقد رفع عنه الظاهر وقد كشف لكم المحجوب وان أرواح النواصب والأضداد ترجع في الكلاب والقردة والخنازير وبعضهم في الطير والبوم وبعضهم ترجع إلى الامرأة التي تثكل ولدها وإن المشركين هم النواصب الذين يشركون بين أبي بكر وعمر وعثمان.

стр. 160

اليزيدية هم طائفة مساكنهم من ايالة حلب جبل ليلون والجومة وبعض جبال مرعش. وهم من شيع الخوارج من فرق الإباضية ينتسبون إلى يزيد بن أنيسة الخارجي بعد حرب الأزارقة الخارجين بالبصرة على علي بن أبي طالب بعد وقعة صفين المنتسبين إلى أبي راشد نافع بن الأزرق وهم يتبرؤون من علي وعثمان ويقولون بكفر من خالف اعتقادهم فيحلون قتله. وكان يزيد المذكور إباضيا نسبة إلى عبد الله بن إباض الخارج في أيام مروان وكان من غلاة الحكماء ثم خالف يزيد المذكور بمسألة واحدة وهي أنه لا بد وأن يبعث نبيّ أعجمي ينزل عليه من السماء كتاب جملة واحدة ينسخ به شريعة محمد ﷺ . قال في إحدى الصحف الإخبارية ما ملخصه: إن الطائفة اليزيدية الآن قوم يعبدون الشيطان ويتكلمون بالكردية، يلبسون الصوف الخشن ويفترشون الثرى ويتوسدون الحجر والمدر ويدّعون أن عددهم ثلاثة ملايين من الأنفس مع أنهم لا يتجاوزون عشرين ألف نسمة، ولا يجوز لهم السكنى في المدن ولا مخالطة المسلمين والنصارى وسائر المخلوقات وذلك لاعتقادهم أنهم ليسوا من نسل آدم بل هم من نسل رجل يقال له ابن حجار، ولدته حورية من الجنان فرباه آدم منفردا عن أولاده ولذلك لا يجوز لهم الاختلاط بأولاد آدم وحواء، ولا يتعلمون القراءة والكتابة مخافة الخروج عن دينهم والدخول في الدين الإسلامي. ومن نحلتهم أن من تعلم القراءة والكتابة فجزاؤه القتل في الدنيا والعقاب في الآخرة ولا يجوز لأحدهم أن يتعلم العربية ولا أن يطلع أحد على أسرار ديانتهم سوى واحد يزعمون أنه من سلالة الشيخ عدي ابن مسافر فإنه يجوز له أن يسلم نفسه لنصراني يعلمه القرآن الكريم دون سواه من الكتب العربية، ولكن يجب عليه أن يمحو أسماء الشيطان من النسخة التي يتعلم منها لأنه لا يجوز لأحد منهم أن يتلفظ باسم الشيطان احتراما له. ويزعمون أن الله تعالى لما خلق الملائكة تعاظم عليه كبيرهم- وهو الشيطان- فزجّه في جهنم سبع «١» آلاف سنة باكيا منتحبا حتى ملأ من دموعه سبع جرار كبار فعفا عنه

стр. 161

ورده إلى الفردوس. والجرار السبع محفوظة لتطفأ بها نار جهنم يوم القيامة. فهذا هو السبب عندهم في تحريم التلفظ باسم الشيطان فإذا لعنه أحد بحضرتهم اغتاظوا منه وحللوا قتله. وهم لا يأكلون من ذبيحة غيرهم ولا يشربون في آنية سواهم وإذا اضطر أحد وخالط مسلما فعليه أن يسجد للشمس ثلاث سجدات: واحدة عند شروقها والثانية عند استوائها والثالثة عند غروبها، يفعل ذلك على عشرة أيام متوالية أما إذا خالط مسيحيا فعليه أن يفعل ما ذكر للقمر. ومن خرافاتهم أنه إذا كان أحدهم واقفا وأتى آخر ورسم حوله دائرة لا يخرج منها ما لم يأت آخر ويمحو منها محلا يخرج منه وذلك لاعتقادهم أن الدائرة هي رسم الشمس والقمر وسائر الكواكب فلا يجوز خرق حرمتها بالخطو من فوقها. ولهم أمير في نواحي بلاد العجم عنده طواويس من نحاس لها آلات تحركها ومن عادته أن يرسلها في كل سنة لهم مع أحد أتباعه فيطلبون رضاها فإذا لم تتحرك وضعوا أمامها الحبوب فلا يحركها حتى يرى القدر الكافي من الحبوب. ولهم معبد يحجون إليه فيه قبر في واد كثير الأشجار والرياحين يجري فيه نهر اسمه نهر الشمس يعتقدون أنه آت من القدس تحت الأرض. ومن فروضهم الختان فلا يسوغ لأحد أن يتزوج ما لم يكن مختونا. وعندهم العماد أيضا فإنهم يتعمدون في نهر الشمس ويغسلون أكفانهم فيه زاعمين أن الموتى لا تدخل الفردوس ما لم تغسل أكفانها في هذا النهر. وغسل الأكفان عندهم كناية عن غسل أدران الذنوب. وهم لا يقتلون الحية السوداء لزعمهم أنها أخفت الملك طاوس وهو الشيطان وأدخلته إلى الجنة. ومن اعتقاداتهم أن سفينة نوح ﵇ التطمت بصخرة فانثقبت فأتت الحية وأدخلت ذنبها في الثقب فمنعت دخول الماء إلى الفلك فبارك الله في نسل تلك الحية، ولما كثرت أضرارها على الناس قبض سيدنا نوح على واحدة منها وطرحها في النار فصارت رمادا تكونت منه البراغيث. ومن خرافاتهم أيضا أن نفوسهم بعد الموت تذهب إلى الفردوس وأن نفوس العصاة منهم تتناسخ وتدخل في أجساد الكلاب والحمير والبغال وسائر الحيوانات فإذا كان لأحدهم ولد شقي أخفى عنه أمواله لاعتقاده أن ابنه سيصير بعد موته حمارا أو بغلا ثم يموت ويتقمص من الموت إلى هذه الدنيا فيستولي على ما خبأه هو في الأرض. وذكر في معجم التاريخ

стр. 162

والجغرافية أنهم أكراد منتشرون بين الموصل والخابور في جبل سنجار ومنهم من يسكن في أريوان التابعة لروسية يحلّ عندهم قتل المسلمين. وعندهم أن الملك طاوس سيأتي في آخر الزمان ويبيد جميع المخلوقات وينشر ديانتهم في الدنيا كلها. الإسماعيلية كان ابتداء قدوم الإسماعيلية إلى حلب تحت اسم القرامطة سنة ٢٨٩ كما سيأتي لنا في باب الأخبار في حوادث السنة المذكورة. قال في دائرة المعارف للبستاني ما ملخصه أن الإسماعيلية فرقة من غلاة الشيعة سرية سياسية وديانتهم مؤلفة من الوثنية واليهودية والمسيحية والإسلامية وهم منسوبون إلى إسماعيل بن جعفر الصادق لأنهم قالوا بإمامته. وذلك أن عدد الأئمة الذين وقع الاتفاق عليهم عندهم قبل انقسام الإمامية ستة وهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ثم ابنه الحسن بالوصية ثم أخوه الحسين ثم ابنه زين العابدين ثم ابنه محمد الباقر ثم ابنه جعفر الصادق. ومن هناك افترقت شيعتهم إلى فرقتين فرقة ساقوا الإمامة من موسى الكاظم بن جعفر الصادق لأنه مات بعد إسماعيل ويسمون بالاثني عشرية أو الإمامية لوقوفهم عند الثاني عشر من الأيمة وقولهم بغيبته إلى آخر الزمان. وفرقة ساقوها من إسماعيل بن جعفر فقالوا بإمامته بالنص من أبيه جعفر وإن كان قد مات قبل أبيه، كما أوصى موسى لأخيه هارون. وفائدة النص بقاء الإمامة في عقبه وهم الإسماعيلية. ثم قالوا انتقلت الإمامة من إسماعيل إلى ابنه محمد المكتوم وهو أول الأيمة المستورين لأن الإمام عندهم قد لا يكون له شوكة بل يكفي أن يكون ظهر وأظهر دعوته فقط وإذا كانوا يعتقدون بقاء الإمامة في العلويين سموا الأيمة الذين لم يظهروا بعد إسماعيل بالمستورين أو المكتومين وهم ثلاثة محمد المكتوم ثم ابنه جعفر المصدق ثم ابنه محمد الحبيب وبعده ظهر ابنه عبد الله المهدي الذي أظهر دعوته أبو عبد الله الشيعي في المغرب فهو من الأيمة الظاهرين. ولا تخلو الأرض عندهم من إمام إما ظاهر بذاته أو مستور لا بد له من ظهور حجة ودعاة. ويدور عدد الأيمة عندهم على سبعة عدد الأسبوع والسماوات والكواكب ولذلك سموا بالسبعية، أو لزعمهم أن النطقاء بالشريعة أي الرسل سبعة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى

стр. 163

وعيسى ومحمد وإسماعيل بن جعفر وهو السابع من النطقاء. وبين كل اثنين من النطقاء سبعة أيمة يتممون شريعته فكل ناطق بغير شريعة من قبله فيتمم شريعته سبعة أيمة بعده يسمون بالمستورين. ولا بد في كل شريعة من سبعة يقتدى بهم وهم الإمام وهو يؤدي عن الله، والحجة وهو يؤدي عن الإمام ويحمل عليه، وذو المصّة وهو يمصّ أي يأخذ العلم عن الحجة، والأبواب وهم الدعاة فمنهم داع أكبر ليرفع درجات المؤمنين وداع مأذون يأخذ العهود على الطالبين من أهل الظاهر فيدخلهم في ذمة الإمام ويفتح لهم باب العلم والمعرفة، والمكلب وهو الذي تقدم في الدين لكن لم يؤذن له في الدعوة بل في الاحتجاج على الناس والترغيب بالداعي ومؤمن يتبع الداعي وقد أخذ عليه العهد وآمن ودخل في ذمته وحزبه فمدار كل ذلك على سبعة وهو عدد السماوات والأرضين والسيارات وغير ذلك. وأما أصل دعوتهم فكان على يد رجل يقال له ابن ديصان ثم انتشرت قليلا ببلاد فارس على يد عبد الله بن ميمون القداح وولده وتظاهروا بالعقائد الزائغة ثم أرسلوا رجلين مهدا لهم الدعوة في افريقية ثم أرسلوا إليها أبا عبد الله الشيعي فأقام دعوة عبيد الله المهدي فابتدأت من هناك الدولة العبيدية المعروفة أيضا بالفاطمية. ثم ظهر رئيس آخر بقرية قرمط فنشأت هناك دولة القرامطة، ولما رسخ قدم الدولة العبيدية بافريقية أنشأ الحاكم بأمر الله مدرسة على نفقة الحكومة مباحة لكل إنسان وكان موضوعها التعليم بقلب الدولة العباسية بالمشرق ثم دراسة المقدمات الدينية التي أخذت من مبادئ عبد الله القداح المذكور. إن لطالب الدخول في نحلتهم تسع مراتب يختبرون بها مبلغ علمه فلا يبيحون له بمنتهى تعاليمهم إلا بعد أن يبلغ الرتبة الثامنة، وحينئذ يعرفونه بسمو جميع الأنبياء والرسل وتساويهم في المنزلة وأنه لا جنة ولا نار وأن جميع الأعمال الدينية باطل ليس عليها ثواب ولا عقاب لا عاجلا ولا آجلا. ثم يدخل في الرتبة التاسعة التي ينقاد بها لراعيه كالأعمى لقائده. هذا ما كان من أمرهم في افريقية وأما ما كان منهم في المشرق فإنه بعد ظهور هذا المذهب سنة ٢٢٦ قام بدعوته في البحرين رجل يقال له حمدان قرمط وكان داعيته رجل يقال له ذكرويه بن مهرويه فأخذ يبث دعوته ويجمع الجموع حتى كثرت أتباعه ونشأت عنها دولة القرامطة التي اضطربت بها الدولة العباسية. ثم في سنة ٢٩٤ قتل ذكرويه المذكور فضعف أمرهم قليلا ولكن بقي مذهبهم منبثا في الأقطار يتناوله أهله ويدعون إليه ويكتمونه حتى فشت أذيتهم وقويت شوكتهم وصاروا يستبيحون الدماء ويفسدون في البلاد ولا سيما في

стр. 164

أيام بابك الخرّمي حين سموا بالبابكية والخرّمية مع اسم القرامطة وسادوا إلى أواخر القرن الرابع حتى تلاشى أمرهم على يد بني الأصفر بن تغلب فبقوا في ضعف حال إلى أن استقر الملك للعجم من الديلم والسلجوقية وعجز الخلفاء العباسيون عن تحصين إمامتهم وضبط خلافتهم انتشر الإسماعيلية في تلك العصور واستولوا على القلاع وصاروا يخطفون الناس من السابلة وعظم ضررهم في نواحي العراق وبلاد فارس وغيرها وصاروا كدولة من أقوى الدول في أيام السلطان ملك شاه السلجوقي، وكان ذلك في أواسط القرن الخامس. وكان مقدّمهم الكبير إذ ذاك الحسن بن الصبّاح سافر إلى افريقية وتعلم في المدرسة المار ذكرها ورجع إلى المشرق فبث دعوته في حلب وبغداد وفارس فكثرت أتباعه في تلك الأقطار واستولى بالحيل والقوة على قلعة ألموت في ولاية جيلان من بلاد فارس وهي من أمنع القلاع وجعلها مركزا للدولة الإسماعيلية وتلقب بالسيد أو الرئيس أو شيخ الجيل وهو أعم ألقابه ولقب خلفائه وقويت شوكته جدا واستولى على هوى أتباعه حتى لو أنه أمر واحدا منهم بقتل نفسه لفعل. وكان يبلغ عددهم سبعين ألفا منهم الفداوية وهم الذين يستعملهم وهو والملوك في قتل أعدائهم غيلة فيأخذون على ذلك فدية أنفسهم على الاستماتة في مقاصد من يستعملهم ومن ذلك سموا بالفداوية. وقد أنشأ ابن الصباح لمن أطاعه حدائق مستورة قد جمعت كل ما تلذ به النفوس من مأكول ومشروب ومنكوح يحمل إليها مطيعه وهو سكران بالحشيش فإذا صحا وجد نفسه في أجمل جنة متمتعا بأنواع لذاته وشهواته ثم يسقونه ذلك الشراب ويرجعون به إلى مجلس الرئيس، فإذا زال تأثير الحشيشة عنه كان يعتقد أنه ذاق لذة النعيم الموعود به وهو الجنة على زعمهم. وكانت أفراد هذه الطائفة يكثرون من استعمال الحشيشة ولذا سموا بالحشاشين فأفسدها الصليبيون وقالوا أسّاسين. وقيل إن كلمة أساسين محرفة عن عسّاسين أطلقها الفرنج على الإسماعيلية لأنهم كانوا يعسّون البلدان في الليل. أقول: قد تكلم صاحب دائرة المعارف على هذه الفرقة كلاما مسهبا فليراجعه من أراد الوقوف عليه. وكانوا يسمون بالباطنية لقولهم بالإمام الباطن أي المستور. وقيل: لقولهم بباطن القرآن دون ظاهره. وقيل: لأنهم كانوا يبثون دعوتهم سرا. ويسمون أيضا بالقرامطة نسبة إلى

стр. 165

أول داعيتهم بالبحرين وهو حمدان قرمط، وبالسبعية لقولهم بالأئمة السبعة، والنطقاء السبعة كما علمت، وبالملاحدة لإلحادهم وبالخرّمية لاخترامهم المحارم أو نسبة إلى بابك الخرّمي الخارج بأذربيجان ولذلك يقال لهم أيضا بابكية، وبالنزارية نسبة إلى نزار بن المستضيء العبيدي. وكان ابتداء ظهور هذه الطائفة من بلاد فارس سنة ٢٢٦ كما تقدم ثم أطلق عليهم الملوك في كل أقطار آسيا وجعلوا يقتلونهم حيثما وجدوا حتى أبادوهم وخلت الأرض منهم وذلك سنة ٦٥٠ وكان ملكهم ممتدا من سواحل البحر المتوسط إلى داخل تركستان وذلك من حدود خراسان إلى جبال سورية ومن بحر قزوين إلى الشواطىء الجنوبية من البحر المتوسط وكانت مدة ملكهم «١٥٠» سنة. على أنه لم يزل لهم بقايا حتى الآن في بلاد فارس وعلى سواحل نهر السند والكنك وفي غير ذلك من المحلات. ويبلغ عددهم في ناحية القدموس من جبل النصيرية وفي جبل السماق نحو ألفي نفس وهم الآن يتظاهرون بأفعال أهل السنة ويقيمون الفروض الإسلامية. قلت: والناس في هذه النواحي لا يفرقون بينهم وبين طائفة النصيرية التي هي فرع من فروعهم. الدروز هم طائفة منتشرة في لبنان وحوران ووادي تيم الأعلى والأسفل وبلاد صفد ومرجعيون ودمشق وبعض ضواحي ولاية حلب. ويبلغ عددهم سبعمائة ألف نفس تقريبا وهم يتكلمون بالعربية وينسبهم الناس إلى أبي عبد الله محمد بن إسماعيل الدرزي مع أنهم يكرهونه لقوله بما ينافي اعتقادهم ويقولون إنهم ينسبون في الأصل إلى طيروز إحدى بلاد فارس. أما مساكنهم من ولاية حلب فهي بضع قرى في الجبل الأعلى المعروف بجبل السماق من أعمال قضاء حارم وهي قرية بنابل وقلب لوزة وبشندلاية وجدعين وعبريتا وككو ووحله وكفر مالس وتل تيته. جميع سكان هذه القرى من طائفة الدروز ومنهم جماعة يسكنون مع المسلمين في قرية كفر كيله وبشندلنتة ودير سلونة وعددهم في هذه القرى على وجه التقريب لا يزيد على خمسمائة نفس ما بين ذكر وأنثى، وهم أهل جدّ وكد

стр. 166

واقتصاد بالمعيشة ومعرفة بالزراعة وسياسة المواشي إلا أنهم متأخرون في الفنون والمعارف ضعفاء النفوذ في تلك الناحية. وهم يسمون حلب تل الخمر ويكرهون أهلها لإيقاعهم بالإسماعيلية حينما قدموا عليها أول مرة ويزعمون أنه سيأتي زمان تجف فيه جميع آبار الدنيا سوى بئر أسد الله المعروف بجب الزلة قرب العقبة في مدينة حلب. والمشهور عنهم محبة الضيف وإطعام الطعام وحفظ اللسان وأحسن ما يرى منهم التزام الحرمة والوقار والأدب لا سيما مع ساداتهم وأشرافهم حتى إنهم جرت عادتهم على أن أحدهم إذا نزل عنده ضيف أن يقدم له كل واحد من أهل حيه صحنا من طعام عشائه وآخر من طعام غدائه على حسب حاله، فيضع صاحب المنزل هذه الصحون للضيف واحدا بعد واحد مراعيا في وضعها شرف صاحبها، فيقدم منها صحن الأشرف فالأشرف غير ملتفت إلى فقره أو غناه ولا إلى ما في الصحن من خسة الطعام ونفاسته. وهم يقسمون إلى رؤساء في الدين ويسمونهم عقّالا أو أجاويد، وإلى عامة ويسمونهم جهّالا. وإن العقّال تتفاوت مراتبهم علما وعملا وربما كان في جملتهم بعض النساء ولا يقبل انتظام الجاهل في سلك العقّال إلا بعد الإلحاح في الطلب وتحقق عقّل القرية أنه جدير بذلك. وأرفع العقّال مرتبة أقدرهم على فهم أسفارهم المعتبرة. ويجتمعون في كل ليلة جمعة في خلواتهم لاستماع كتبهم الدينية ويطيل أحدهم جلوسه للاستماع على حسب مرتبته في العلم. ومجالسهم هذه يصونونها عن الجهال إلا في عيد ويشترط أن يكون العاقل وقورا متأنيا عفيفا طاهر اللسان متقشفا في المأكل والملبس متحاشيا عن التدخين وتعاطي المسكرات، وأكل المال الحرام الذي هو عندهم كل مال أخذ بالظلم أو التحيل أو الكذب. ومن أحكام شريعتهم تحريم تعدد الزوجات وعدم جواز ردّ المطلقة لعصمة نكاح مطلّقها. ومن خصائصهم المنفردين بها بين بقية الأمم شدة خضوعهم وانقيادهم إلى رؤساء دينهم وأمراء قومهم. أما وظيفة العقّل عندهم فهي خدمة الدين والقيام بإدارة أمور أوقاف المعابد والندوات فإنهم لهم معابد يجتمعون فيها للصلاة كل ليلة جمعة، كما أن لهم ندوات يجتمعون فيها للمفاوضة في الدين وإدارة شؤون الأوقاف، ولهم خانقاهات معدة لإقامة المتصوفة منهم يتناولون من ريع وقوفها كفاف معيشتهم. وكانت طائفة الدروز تنقسم في الأصل إلى فئتين قيسية ويمانية ثم صارت تقسم إلى جانبلاطية ويزبكية.

стр. 167

ويحكون في أصل طائفتهم حكاية طويلة خلاصتها أن أصلهم من آل تنوخ نزحوا حين خروج بني إسرائيل من مصر فتفرقوا إلى اليمن والعراق والشام وكانت منهم ملوك العرب الذين أولهم يعرب بن قحطان وملوك الحيرة وغيرهم من رؤساء العرب، وأن فريقا منهم رحل إلى معرة حلب وصاهر النعمان أمير المعرة وكان اسمهم في ذلك الحين أمراء بني هاشم التنوخي وبني الأمير فوارس وبني عبد الله وبني مطوّع وبني خالد وأنهم حين ظهور الإسلام كانوا نصارى ثم لما جاءت الصحابة لفتح البلاد الشامية ظاهروهم ونصروهم حمية لهم إذ كانوا مثلهم عربا ثم أسلموا ثم صاروا من حزب الحاكم بأمر الله وتقربوا منه ثم قتلوا عامله عليهم الدرزي لمخالفته اعتقادهم وأنهم بعد ذلك نالوا حظوة عند جميع ملوك الإسلام حتى ملوك آل عثمان. وخلاصة الكلام في نحلتهم أنهم يؤمنون بوجود الباري تعالى ونبوة أنبيائه العظام الذين منهم المسيح ﵇ إلا أنهم يعتقدون أن الآلهية حلت في ناسوت الحاكم بأمر الله وأن المشروعات الإسلامية كالصوم والصلاة مفروضة عليهم تقية لا تدينا وهم يقرون بالحشر والنشر ومجازاة النفوس على أعمالها من قبيل ناسوت الحاكم، ويؤمنون بالقرآن العظيم والتوراة والإنجيل إلا أنهم يفسرون معانيها على مقاصدهم. والمشهور عنهم في الكتب الإسلامية أنهم كانوا في الأصل اسماعيلية ثم جاءهم حمزة بن علي الداعي إلى الحاكم بأمر الله فزين لهم الاعتقاد بربوبية الحاكم ووضع لهم دينا من عنده يخالف دين الإسماعيلية بكثير من المسائل فحملهم على اتباعه فأجابوه وانشقوا عن الإسماعيلية. وفسر البعض منهم قوله تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) بهذا الانشقاق. ولحمزة هذا كتب ورسائل دينية محفوظة في مكتبات أوروبا تكلم عليها صاحب دائرة المعارف العربية بإسهاب فراجعها إذا شئت. وقد وقعت إلي قطعة من بعض كتبهم المخطوطة لخصت منها هذه النبذة وهي: على كل درزي أن يعرف أربعا وخمسين فريضة عشرة منها مقامات ربانية وهي العلي والبارّ وأبو زكريا والعلي الأعلى والمعلّ القائم والمنصور والمعزّ والعزيز والحاكم. وكلهم آله واحد ظهر بهيئة واسم ونطق وفعل. فالهيئة الصورة كصورتنا والاسم الحاكم والنطق المجالس والسجلات والفعل المعجزات. ومنها عشرة هي الفروض التوحيدية وهي معرفة الباري وتنزيهه ومعرفة الإمام وتمييزه ومعرفة الحدود بأسمائها ومراتبها وألقابها وصدق اللسان وحفظ الاخوان وترك ما كنتم عليه من عبادة العدم والبهتان والبراءة من الأبالسة والطغيان وتوحيد

стр. 168

الحاكم في كل آن والرضا بفعله كيفما كان والتسليم لأمره في السر والإعلان. ومنها عشرة هي مواجب دينية وهي قولهم كلهم في نفاسهم وأعراسهم وجنائزهم على السنة التي رسمت لهم وأجيبوا دعواهم واقضوا حاجاتهم واقبلوا معذرتهم وعادوا من ضامهم وبرّوا ضعفاءهم وانصروهم ولا تخذلوهم. ومنها عشرون إمامية منها خمسة روحانية أولها علة العلل. ثانيها السابق الحقيقي. ثالثها الأمر. رابعها ذو معة. خامسها الإرادة. وخمس منها طبائع جوهرية وهي حرارة العقل. وقوة النور، وسكون التواضع، وبرودة الحلم، ولينة الهيولة. وخمس منها خصائص نورانية وهي (الحمد لمن أبدعني من نوره وأيدني بروح قدسه وخصّني بعلمه وفوض إلى أمره وأطلعني على مكنون سره) (هذه العبارة من كلام حمزة في حق نفسه) . وخمس منها منازل كلية وهي حد الجسمانيين وحد الجرمانيين وحد الروحانيين وحد النفسانيين وحد النورانيين. ولهم فرائض يقولون إنها مذكورة في ميثاق ولي الزمان وهي ست وعشرون فريضة يجب حفظها على كل قوي وضعيف، منها ستة شروط أنه قد تبرأ، وأنه لا يعرف وأنه لا يشرك وأنه قد سلم وأنه قد رضي وأنه متى رجع كان بريا وجواز الأمر بأربعة: كونه صحيح العفل وصحيح الجسم وحرا وبالغا ورضي بجميع أحكامه بأربعة عجز ومعجز وظهور واستتار واحترام الإفادة من جميع الحدود بستة ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة فأما الثلاثة التي في الدنيا: تعليمهم وهدايتهم وارشادهم وأما ثلاث الآخرة رضاهم وشفاعتهم وثوابهم واستحقاق العقوبة من البارّ العلي بستة ثلاث في الدنيا وهي احتجاب الرب عنهم وانقطاع فيض الحدود عليهم وعمى قلب وقلة معيشة في دينه ودنياه وثلاث في الآخرة وهي اليأس الكلي من رضاء الله وضاء حدوده والحسرة التي لا تفارقه طرفة عين وعدم مشاهدته الجلالة بلذة وغبطة لأن مشاهدته لذة اللذات وأقصى غاية الغايات للنفوس الزاكيات. نبذة أخرى مهمة عندهم ننقلها بحروفها مراتب الحدود: العقل الكلي النفس الكلية سفير القدرة الجناح الأيمن الجناح الأيسر. أسماؤهم روحاني السابق تالي الجد الفتح الخيال، درجاتهم الإرادة المشيئة الكلمة السابق

стр. 169

التالي. منازلهم الإمام الحجة الداعي المأذون المكاسر. ألقابهم قائم الزمان المجتبى الرضى المصطفى المقتنى. صفاتهم هادي المستجيبين صفوة المستجيبين فخر الموحدين نظام المستجيبين لسان المؤمنين. كناهم: أبو الفضل أبو إبراهيم أبو عبد الله أبو الخير أبو الحسن. أنسابهم: ابن علي ابن أحمد ابن محمد ابن حامد ابن وهب القرشي ابن عبد الوهاب السامري ابن أحمد الطائي السموقي. أشباههم: الشمس البدر النجم السراج البها. أمثالهم: نور نار شمع قطن حسكة. وهذه النبذة تسمى عندهم بالعدة السعيدة. نبذة أخرى استنبطها علماء الدروز من الكتب الستة المنسوبة إلى حمزة ابن علي وإسماعيل أبي إبراهيم وبهاء الدين والحاكم يكفرون من اعتقدها ويكون مرتدا عندهم وقد نقلتها بحروفها وهي: نبت الحكمة عن اثنتين وسبعين خصلة تخرج عن دين التوحيد. وهي من يعتقد أن الحاكم ما هو الإله وأنه بشر أو أن له زوجة أو أبا أو أما أو أنه لا يعلم الغيب أو أنه ظالم أو عاجز أو غائب أو أن ألوهيته انتقلت إلى علي الظاهر أو أنه يحس أو يدرك أو يلحقه شيء من الصفات أو أن الناسوت غير اللاهوت أو أن له روحا أو نفسا أو أن الإمام ما هو الرسول الحقيقي أو أنه لا يعلم الغيب أو أنه ما هو معصوم أو أنه ما هو صاحب الكشف والقيامة والثواب والعقاب وأن الحدود الأربعة ما هم الوسائط أو أنهم ما هم معصومون أو أنهم ما هم شهداء على أعمال العباد أو أن الخمسة أرواح مجردة أو أن المائة والتسع والخمسين ما هم تبعهم أو لا يعرف يميز بعضهم عن بعض أو أن الرب فوق السماء أو في الأرض بشر أو أن ألوهيته حلّت في صنم أو غيره أو أن الناطق ما هو إبليس أو الأساس ما هو زوجته أو الأربعة والعشرين ما هم من أحرف الكذب أو أن الدنيا ما مضت أو أن في الشرائع حقيقة أو أن في أهلها أحد مذموم أو أن دور القيامة ما بدا أو أن ليس هناك قيامة أو لا ثواب أو لا عقاب أو لا رب أو أن النفس ما تنتقل من كثيف إلى كثيف أو أن مقرها ليس في القلب أو أنها تفارق الجسم طرفة عين أو أن النجوم، أو شيء من الجسمانيات، له فيها تأثيرا ويحكم عليها ثم إهمال الحكمة المفيد ثم إهمال الإخوان ثم محبة أحد من أهل الشر ثم نصيحته ثم استحلاله ثم تبجيله ثم الشفقة عليه ثم مناصرته بحال من الأحوال ثم الإحسان إليه ثم مرافقته ومسارته ومخالطته والركون إليه ثم بغض أحد من أهل الخير أو غشه أو سماجته أو التبهلل بواجبه أو محله أو القساوة عليه

стр. 170

ثم إهمال مناصرته ومعاونته ومعاضدته ومساعدته في جميع أحواله أو الإساءة إليه أو مفارقته أو مباعدته أو سوء الظن به وقلة الوثوق به أو يقال عليه ما ليس فيه أو نقص الكلام وتحريفه وتبديله الذي هو النفاق والشرك بعينه أو المفاتحة بالحكمة مع غير أهلها الذي هو الزنى الحقيقي والفساد الكلي أو زواج الزوجة بغير رضاها ثم السعي والشّور والحضور في الخطبة ثم العرس والطلبة ثم المقاهرة لها على نفسها بعد الزواج ثم الرغبة في الدنيا والميل إلى زينتها وزخرفها والانهماك بشهواتها ثم العجب ثم الكبر ثم انكشاف العورة وقلة الحياء أو زواج الموحد لغير موحدة والموحدة لغير الموحد اه. أقول: هذه النبذة والتي قبلها ظفرت لهما بشرح للشيخ علي هلال الدرزي لم يزدهما جلاء عما هما عليه من ظلمة المقاصد وغرابة التركيب ولذا لم أنقل منه شيئا. ومن أراد الوقوف على نحلة هذه الطائفة فليراجع كتاب دائرة المعارف الكبرى للأستاذ البستاني في حرف الحاء، وكتاب (النقط والدوائر) المطبوع في مطبعة شمرسو في كرخهاين من مدن نوساصيا السفلى سنة ١٩٠٢ م/ ١٣١٩ هـ وهو كتاب حافل مستوفى في بابه مذيل بعدة رسائل يندر وجودها في غيره. الحزب الماسوني في حلب ابتداء وجود هذا الحزب في حلب غير معلوم على وجه التحقيق وأخبرني من أثق به أنه رأى في حلب سنة ١٨٤٨ م/ ١٢٦٥ هـ ختما مكتوبا عليه (هذا ختم جمعية الماسون في حلب) . فالظاهر أنهم كانوا موجودين فيها قبلا خفية ولم يثبت وجودهم فيها علنا إلا في سنة ١٨٨٥ م/ ١٣٠٣ هـ فقد وفد عليها في هذه السنة مقدّم منهم ونزل في محلة العزيزية ودعا إليه بعض الناس علنا فتبعه عدد عظيم من شبان الملل الثلاث وصاروا يجتمعون عند بعضهم تارة جهرا وتارة سرا. على أن عددهم لم يزل آخذا بالازدياد يوما فيوما. يقول بعض غلاتهم إن حزبهم هذا مما أسسه سليمان بن داود. والمعتدلون منهم ينكرون ذلك ويقولون إن تأسيس ابتداء حزبهم كان في حدود القرن الخامس عشر.

стр. 171

طائفة كيز وكيز قال دارفيو في تذكرته: يوجد في زماننا طائفة من الأرمن يسكنون عينتاب يقال لهم كيز وكيز أي نصف ونصف، سموا بذلك لأن ديانتهم مركبة من الإسلامية والمسيحية فهم يقرءون القرآن العظيم ويعلمونه أولادهم ويعلقونه عليهم كالتمائم ويدخلون المساجد ويصلون فيها مع الجماعة ويفعلون غير ذلك من الأمور التي تدل على إسلاميتهم. كما أنهم يعمّدون أولادهم ويحترمون الصليب ويحتفلون بالمواسم المسيحية ويعترفون عن جرائمهم ويفعلون غير ذلك من الأمور التي تدل على نصرانيتهم. قلت: عهدنا أنه كان قبل الحرب العامة يوجد بعض أسر من هذه الطائفة في مدينة عينتاب وقرية الجبن في قضاء قلعة الروم. أما بعد الحرب المذكورة فلا ندري ما فعل الله بهذه الأسر اه. الكلام على الملل والنحل. نبذة من حقوق الجوار للجوار حقوق خاصة هي غير حقوق الإسلام وغير حقوق القرابة فقد جاء بالحث على الإحسان للجار مسلما كان أم غير مسلم قوله تعالى: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ» وقال ﵇: أحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما. وقال: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيوّرثه. وقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره. وقال: لا يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوائقه. وقال: وقال: أول الخصمين يوم القيامة جاران. وقال: إذا أنت رميت كلب جارك فقد آذيته. وروى الزهري أن رجلا أتى النبي ﵇ فجعل يشكو جاره فأمر النبي أن ينادى على باب المسجد: ألا إن أربعين جارا. قال الزهري: أربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأومأ إلى الجهات الأربع. وجملة حق الجار ما بينه ﵇ بقوله: أتدرون ما حق الجار؟ إن استعان بك أعنته وإن استنصرك نصرته وان استقرضك أقرضته وإن افتقر عدت عليه، وإن مرض عدته وإن مات تبعت جنازته وإن أصابه خير هنأته

стр. 172

وإن أصابته مصيبة عزّيته ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ولا تؤذه وإن اشتريت فاكهة فأهد له فإن لم تفعل فأدخلها سرا ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ولا تؤذه بقتار قدرك «١» إلا أن تغرف له منها. ثم قال: أتدرون ما حق الجار؟ والذي نفسي بيده لا يبلغ حق الجار إلا من ﵀. هكذا رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﵇. قال مجاهد: كنت عند عبد الله بن عمر وغلام له يسلخ شاة فقال: يا غلام إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي حتى قال ذلك مرارا فقال له: كم تقول هذا. فقال: إن رسول الله لم يزل يوصينا بالجار حتى خشيت أنه سيورثه. وقال هشام كان الحسن لا يرى بأسا أن تطعم الجار الكتابي من أضحيتك. وقال أبو ذر ﵁: أوصاني خليلي ﵇ وقال إذا طبخت قدرا فأكثر ماءها ثم انظر بعض أهل بيت في جيرانك فاغرف لهم منها. وقالت عائشة ﵂ قلت يا رسول الله إن لي جارين أحدهما مقبل عليّ ببابه والآخر ناء ببابه عني وربما كان الذي عندي لا يسعهما فأيهما أعظم حقا فقال: المقبل عليك ببابه. وقال عبد الله: قال رجل يا رسول الله كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو أسأت قال إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت. وقال ﵇ من أراد الله به خيرا عسّله. قيل: وما عسّله؟ قال يحبّبه إلى جيرانه. وعن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ من يأخذ مني هذه الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن. فقلت: أنا يا رسول الله. فأخذ بيدي فعقد خمسا فقال: اتق المحارم تكن أعبد الناس وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب. وعنه ﵇ أنه قال: إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب فمن أعطاه الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه. قيل: وما بوائقه؟ قال: غشه وظلمه ولا يكسب مالا من حرام فينفق

стр. 173

منه فيبارك فيه ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إن الله لا يمحو السيّئ بالسيّئ ولكن يمحو السيّئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث. وقال ﵇: من آذى جاره فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن حارب جاره فقد حاربني ومن حاربني فقد حارب الله . وقال ﵇ لأصحابه: ما تقولون في الزّنى قالوا حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة فقال ﵇ لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. قال: فما تقولون في السرقة قالوا حرمها الله ورسوله فهي حرام إلى يوم القيامة قال: لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره. إلى غير ذلك من الأخبار والأحاديث الحاثة على الإحسان للجار وتكريمه ومؤاساته والرفق به مسلما كان أم غير مسلم. قال حجة الإسلام الغزالي في كتاب الإحياء ما خلاصته: إنه ليس حق الجوار كف الأذى عنه فقط بل احتمال الأذى منه. فإن الجار أيضا قد كف أذاه عنك فليس في ذلك قضاء حقّ الجوار، ولا يكفي احتمال الأذى أيضا بل لا بد من الرفق وإسداء المعروف إذ يقال إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيام فيقول: يا رب سل هذا لم منعني معروفه وسدّ بابه دوني. وبلغ ابن المقفع أن جارا له يبيع داره في دين ركبه، وكان ابن المقفع يجلس في ظل داره فقال: ما قمت إذا بحرمة ظل داره إن باعها معدما. فدفع إليه ثمن الدار وقال لا تبعها. وشكا بعضهم كثرة الفار في داره فقيل له لو اقتنيت هرا فقال: أخشى أن يسمع الفار صوت الهر فيهرب إلى دور الجيران فأكون أحببت لهم ما لا أحب لنفسي. وحكي عن سهل التّستري أنه كان له جار مجوسيّ انفتح من خلائه محل لدار سهل يتساقط منه القذر، فأقام سهل مدة ينحّي ليلا ما يجمع منه في بيته نهارا فلما مرض سهل أحضر جاره المجوسي وأخبره واعتذر بأنه خشي من ورثته أنهم لا يحملون ذلك فيخاصموه، فعجب المجوسي من صبره على هذا الإيذاء العظيم ثم قال له: تعاملني بذلك منذ هذا الزمان الطويل وأنا مقيم على كفري؟ مدّ يدك لأسلم. فمد يده فأسلم. ثم مات سهل ﵀. فتأمل نتيجة صبره.

стр. 174

معاملة أهل الذمة بالبر والقسط في القرآن العظيم لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ المعنى أن الله تعالى قد رخص لكم أن تكرموا هؤلاء وتحسنوا إليهم قولا وفعلا وتقضوا إليهم بالعدل والقسط. إن الله يحب المقسطين أي العادلين ومعلوم أن البرّ اسم جامع لكل الطاعات وأعمال الخير المقربة إلى الله تعالى ولا يخفى أن الذين يقاتلون المسلمين ويخرجونهم من ديارهم هم أهل الحرب فأما أهل الذمة فليسوا كذلك بل هم من جملة المقصودين بالبر في هذه الآية فللمسلم أن يعاملهم بكل خير ومعروف يطلق عليه اسم البر. التصدق على الذمّي وأما التصديق على فقراء أهل الذمة فقد ورد فيه في القرآن العظيم: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ قال في تفسير الخازن: قيل سبب نزول هذه الآية إن أناسا من المسلمين كان لهم قرابات وأصهار في اليهود وكانوا ينفعونهم وينفقون عليهم قبل أن يسلموا فلما أسلموا أبوا أن ينفعوهم وأرادوا بذلك أن يسلموا. وقيل كانوا يتصدقون على فقراء أهل المدينة فلما كثر المسلمون نهى رسول الله ﷺ عن التصدق على المشركين كي تحملهم الحاجة إلى الدخول في الإسلام لحرصه على ذلك فأعلمه الله بهذه الآية إنه إنما بعث بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه فأما كونهم مهتدين فليس ذلك إليه. ومعنى الآية: لا يجب عليك التوفيق على الهدى أو خلق الهدى وإنما ذلك لله وما تنفقونه من مال فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم وإن إنفاقكم المال على المشركين لا تقصدون به غير رضاء الله فأنفقوا عليهم إذا كنتم تبتغون بذلك وجه الله في صلة الرحم وسد خلة مضطر. قال بعض العلماء: لو أنفقت على شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك. وقد استدل الأئمة من هذه الآية على إباحة صرف صدقة التطوع إلى فقراء المسلمين

стр. 175

وفقراء أهل الذمة. وأجاز أبو حنيفة وحده صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة أيضا وقد فرض سيدنا عمر ﵁ لذمي عطاء في بيت المال فإنه رأى ذميا يسأل الناس الصدقة وهو شيخ فإن فقال عمر حين رآه: لقد ظلمناه، أخذنا منه الجزية وهو شاب وتركناه يسأل الناس وهو شيخ. وأمر أن يفرض له كفافه من بيت المال ما دام حيا. قلت ولما كانت الخيرات المشروطة للفقراء في أوقاف المسلمين معدودة كلها من صدقة التطوع فقد أطلق كثير من الواقفين لفظة الفقراء ولم يقيدوها بمسلمين ولا غيرهم لتصرف تلك الخيرات إلى فقراء الملل الثلاث. حتى إني اطلعت على كتاب وقف اشترط فيه صاحبه منزلا للمسافرين وأنواعا من الأطعمة تقدم لهم في الصباح وفي المساء واشترط صراحة أن يرخص فيه بالنزول لمسافري الملل الثلاث الإسلام والنصارى واليهود أغنياء كانوا أم فقراء وأن يقدم لكل مسافر منهم طعام يناسب مقامه ويلائم منزلته فيقدم للأمير مثلا طعام الأمراء وللتاجر طعام التجار. عيادة الذمي وتعزيته وضيافته قال الزيلعي إن العيادة نوع من البر وفي القرآن: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ إلى آخر الآية. وأما التعزية فقد قال الحموي نقلا عن النوادر: له جار يهودي أو نصراني مات ابنه يقول له أخلف الله عليك خيرا منه. وأما ضيافته فإنها جائزة لا كراهة فيها. ونقل الحموي عن فتاوي شيخ الإسلام أبي الحسن السعدي أن واحدا من المجوس كان كثير المال حسن التعهد للفقراء المسلمين يطعم جائعهم ويكسو عاريهم وينفق على مساجدهم ويعطي دهان سرجها ويقرض محاويج المسلمين فدعا الناس مرة إلى دعوة اتخذها لجز ناصية ولده فشهدها كثير من أهل الإسلام وأهدى إليه بعضهم هدايا فاشتد ذلك على مفتيهم فكتب إلى أستاذه شيخ الإسلام أن أدرك أهل بلدك فقد ارتدوا بأسرهم. فذكر شيخ الإسلام إن إجابة دعوة أهل الذمة مطلقة في الشريعة ومجازاة المحسن بإحسانه من باب الكرم والمروءة وحلق الرأس ليس من شعار أهل الذمة والحكم بردّة أهل الإسلام بهذا القدر غير ممكن. كذا في الظهيرية من النوع السادس من الفصل السابع من كتاب السير.

стр. 176

حلّ طعام الكتابي لنا، أي ما حلّ له «١» من طعامه، وحلّ طعامنا له في القرآن العظيم الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ أي أحل لكم معاشر المسلمين الذبائح وغيرها من طعام أهل الكتاب اليهود والنصارى وكما أحل لكم طعامهم فقد أحل لهم طعامكم فلا عليكم أن تطعموها وتبيعوا طعامكم منهم. التزام العدل في الحكم والشهادة على المسلم وغيره في القرآن العظيم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي يا مؤمنين قوموا بحق الله واشهدوا بالعدل ولا تحابوا في شهاداتكم أهل ودكم وقرابتكم، ولا تمنعوا شهادتكم أهل بغضكم وأعداءكم «٢» أقيموا شهادتكم لهم وعليهم بالصدق والعدل ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل بل اعدلوا في كل أحد، القريب والبعيد والصديق والعدو فالعدل أقرب للتقوى واتقوا الله فهو خبير بأعمالكم. وفيه أيضا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ* إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا* وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أي يا مؤمنين كونوا مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته جاعلين شهادتكم لوجه الله ولو كانت على أنفسكم بأن تقروا أو كانت على والديكم وأقاربكم سواء كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة عليهما ولا تجوروا فيها فالله أولى بالغني والفقير فلا تتبعوا هوى أنفسكم وتعدلوا عن الحق وتحرفوا الشهادة أو تعرضوا عن أدائها فإن الله يعلم ذلك منكم فيجازيكم عليه.

стр. 177

وأما التزام العدل بالحكم على الذميّ وإنقاذه من غدر خصمه وإنصافه ممن ظلمه فقد ورد فيه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأخبار الصحابة ما تضيق هذه الصفحات عن استيعابه. قصة زيد السمين اليهودي وحسبنا من ذلك ما حكاه القرآن العزيز من قصة رجل من الأنصار يقال له طعمة ابن أبيرق من بني ظفر بن الحرث وكان منافقا سرق درع جار له يقال له قتادة بن النعمان وكانت الدرع موضوعة في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق الجراب حتى انتهى إلى داره. فلما شعر بذلك خاف من التهمة ومال بالجراب إلى دار رجل من اليهود يقال له زيد السمين فخبأها عنده. ثم التمس صاحب الدرع درعه وتبع الدقيق فأداه إلى دار طعمة فطلب منه الدرع فحلف بالله ما أخذها وما له بها من علم. فأمعن صاحب الدرع نظره بالأثر فرآه قد دخل منزل اليهودي فأخذه منه فقال اليهودي: دفعها إليّ طعمة ابن أبيرق وشهد له على ذلك جماعة من اليهود عند النبي ﵇. وكان بنو ظفر قوم طعمة قد بيتوا أمرهم ورتبوا منهم بينة تشهد أن اليهودي هو السارق، ثم جاؤوا إلى النبي ﵇ وقدموا بينتهم وقد سأله بنو ظفر أن يجادل عن صاحبهم ويبرئه من عار السرقة فهمّ النبي بذلك وكاد يحكم بعقاب اليهودي فتقطع يده. ثم ظهر له الحق وأطلعه الله على حقيقة الحال فعدل عن أن يجادل عن طعمة واتهمه بالسرقة وحكم عليه بقطع اليد وبرأ ساحة اليهودي من السرقة وأنزل الله عليه في كتابه إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ - طعمة وقومه- خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ - مما هممت به من معاقبة اليهودي- إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً* وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ - بالسرقة- إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ - وهو التزوير- وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً* ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا* وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ - وهو طعمة- ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً - وهو اليهودي- فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً* وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ - من بني ظفر- أَنْ يُضِلُّوكَ وَما

стр. 178

يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً. فانظر كيف كان خطاب الله نبيه عظيما لمجرد ما هم به من الحكم على يهودي وكيف امتنّ الله عليه بهدايته إلى الحق وعدم إيقاعه باليهودي وعرفه أن ذلك من فضله عليه وكيف أكبر الله فعل طعمة وتهمته لليهودي وكيف وبخه ووبخ قومه ووعدهم جميعا بعقابه وسماهم خائنين آثمين وسمى اليهودي بريئا ونفى عنه التهمة ووجهها على طعمة. فما بالك بعدله مع النصارى الذين لم يشتهروا بعداوته بل منهم النجاشي الذي آمن به على بعد وحمى أصحابه من عدوهم حينما هاجروا إليه. ولذلك أخبر القرآن عن قرب مودة النصارى للإسلام فقال: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. فصل في معاملة أهل الذمة مما جاء من الأحاديث الحاثّة على التزام الحدود مع أهل الذمة وصونهم من التعدي والإيذاء ما أورده أبو داود في سننه عن العرباض بن سارية قال: نزلنا مع النبي ﵇ خيبر ومعه من معه من أصحابه، وكان صاحب خيبر رجلا ماردا منكرا، فأقبل إلى النبي ﵇ فقال: يا محمد لكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتعذبوا نساءنا، فغضب النبي ﵇ وقال يا ابن عوف اركب فرسك ثم ناد أن الجنة لا تحل إلا لمؤمن وأن اجتمعوا للصلاة، فاجتمعوا ثم صلى بهم ﵇ ثم قام فقال: أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن. ألا إني والله لقد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر وإنه لا يحل لكم ضرب أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوا الذي عليهم. انتهى. قوله «إلا بإذن» أي بإذن الإمام فيما إذا وجب على أحدهم حد شرعي فيأذن الإمام بحده كما يأمر بحد المسلم إذا وجب عليه. ولأبي داود عن رجل من جهينة رفعه: «لعلكم تقاتلون قوما فتظهرون عليهم فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم فيصالحونكم على صلح فلا تصيبوا منهم فوق ذلك فإنه

стр. 179

لا يصلح لكم» . ولأبي داود والترمذي عن سليم بن عامر أنه كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاءه رجل على دابة أو فرس وهو يقول الله أكبر وفاء لا غدر. فإذا هو عمرو بن عسبة فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء. فرجع معاوية. ولأبي داود عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء الصحابة عن آبائهم رفعوه: «من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» . قوله انتقصه: معناها أو آذاه بشيء ما. وفي الترمذي وصححه: ألا من قتل نفسا معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر ذمة الله ولا يريح رائحة الجنة وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين خريفا. وفي النسائي: من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما. ورواه البخاري: من قتل معاهدا. ولأبي داود عن مالك قال بلغني أن العباس قال: ما ختر قوم بالعهد إلا سلّط عليهم العدو. ومعنى ما ختر: ما غدر. وفي البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن ابن عمر رفعه: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان. وفي ابن ماجه: ثلاث «١» أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يؤده حقه. وعنه ﵇: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس. وفي رواية: الذين يقذفون الناس. وروي: ولا يقفنّ أحدكم موقفا يضرب فيه رجل ظلما فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه. قال ابن حجر في زواجره تبعا للعلماء ما معناه أنه لا فرق في هذا بين أن يكون المضروب مسلما أو ذميا قال ﵇: من ظلم ذميا فأنا خصمه يوم القيامة.

стр. 180

في ثبوت الأمانة لأهل الكتاب قال الزيلعي في الكلام على خبر أهل الكتاب ما خلاصته: إن القرآن العظيم أثبت الأمانة لأهل الكتاب بقوله: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً فخرجت الآية مخرج الوصف لهم بالأمانة. اه. قال المفسرون: هذه الآية نزلت في اليهود خاصة فأخبر الله عنهم أن فيهم أمانة وخيانة وقسمهم إلى قسمين. والقنطار عبارة عن المال الكثير والدينار عبارة عن المال القليل. يقول الله: منهم من يؤدّي الأمانة وإن كثرت ومنهم من لا يؤديها وإن قلّت. وقال ابن عباس في هذه الآية: أودع رجل من قريش عبد الله ابن سلام ألفا ومائتي أوقية من الذهب فأداها إليه فذلك قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ . واستودع رجل من قريش فنحاص بن عازوراء دينار فخانه وجحده ولم يؤدّه فذلك قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً . اه. لهجة أهل حلب في التكلم نورد هنا نبذة وجيزة في الكلام على لهجة الحلبيين في كلامهم كالنموذج لعلها تروق لدى من يعتني بالعلم الحديث المعروف باسم فلسفة اللغة فنقول: الحلبي يلفظ الحرف من مخرجه الحقيقي فيلفظ الجيم جيما لا كيما عبرانية ولا شينا ولا زايا، والشين شينا لا سينا، والقاف قافا لا كافا ولا همزة وهكذا بقية الحروف. غير أن النصارى واليهود يخرجون القاف همزة مرققة في الغالب فيقولون في قارىء مثالا آري. كما أن بعض النصارى ربما أخرجوا التاء طاء فقالوا في ترى مثلا طرى. أو أخرجوا السين صادا فقالوا في ساعة مثلا صاعة. لكن هذا قليل. وقد يخرج اليهود الضاد والطاء بين التاء والدال فقالوا في مثل فضله وأعطني فدله وأعتني. ويوجد بعض من المسلمين الذين يعاملون عرب البادية من يخرج القاف كافا مفخمة فيقولون في قال مثلا: كال. والإعراب في كلامنا لا وجود له البتة وتوجد فيه الإمالة بكثرة جائزة وممتنعة كقولهم سريج لحيف قيعد نييم، في: سراج لحاف قاعد نائم.
следующие страницы →