← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11788

نهر الذهب فى تاريخ حلب

كامل الغزي

Полный текст (1 631 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حلّ طعام الكتابي لنا، أي ما حلّ له «١» من طعامه، وحلّ طعامنا له في القرآن العظيم الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ أي أحل لكم معاشر المسلمين الذبائح وغيرها من طعام أهل الكتاب اليهود والنصارى وكما أحل لكم طعامهم فقد أحل لهم طعامكم فلا عليكم أن تطعموها وتبيعوا طعامكم منهم. التزام العدل في الحكم والشهادة على المسلم وغيره في القرآن العظيم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي يا مؤمنين قوموا بحق الله واشهدوا بالعدل ولا تحابوا في شهاداتكم أهل ودكم وقرابتكم، ولا تمنعوا شهادتكم أهل بغضكم وأعداءكم «٢» أقيموا شهادتكم لهم وعليهم بالصدق والعدل ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل بل اعدلوا في كل أحد، القريب والبعيد والصديق والعدو فالعدل أقرب للتقوى واتقوا الله فهو خبير بأعمالكم. وفيه أيضا: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ* إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا* وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً أي يا مؤمنين كونوا مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته جاعلين شهادتكم لوجه الله ولو كانت على أنفسكم بأن تقروا أو كانت على والديكم وأقاربكم سواء كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة عليهما ولا تجوروا فيها فالله أولى بالغني والفقير فلا تتبعوا هوى أنفسكم وتعدلوا عن الحق وتحرفوا الشهادة أو تعرضوا عن أدائها فإن الله يعلم ذلك منكم فيجازيكم عليه.

стр. 177

وأما التزام العدل بالحكم على الذميّ وإنقاذه من غدر خصمه وإنصافه ممن ظلمه فقد ورد فيه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأخبار الصحابة ما تضيق هذه الصفحات عن استيعابه. قصة زيد السمين اليهودي وحسبنا من ذلك ما حكاه القرآن العزيز من قصة رجل من الأنصار يقال له طعمة ابن أبيرق من بني ظفر بن الحرث وكان منافقا سرق درع جار له يقال له قتادة بن النعمان وكانت الدرع موضوعة في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق الجراب حتى انتهى إلى داره. فلما شعر بذلك خاف من التهمة ومال بالجراب إلى دار رجل من اليهود يقال له زيد السمين فخبأها عنده. ثم التمس صاحب الدرع درعه وتبع الدقيق فأداه إلى دار طعمة فطلب منه الدرع فحلف بالله ما أخذها وما له بها من علم. فأمعن صاحب الدرع نظره بالأثر فرآه قد دخل منزل اليهودي فأخذه منه فقال اليهودي: دفعها إليّ طعمة ابن أبيرق وشهد له على ذلك جماعة من اليهود عند النبي ﵇. وكان بنو ظفر قوم طعمة قد بيتوا أمرهم ورتبوا منهم بينة تشهد أن اليهودي هو السارق، ثم جاؤوا إلى النبي ﵇ وقدموا بينتهم وقد سأله بنو ظفر أن يجادل عن صاحبهم ويبرئه من عار السرقة فهمّ النبي بذلك وكاد يحكم بعقاب اليهودي فتقطع يده. ثم ظهر له الحق وأطلعه الله على حقيقة الحال فعدل عن أن يجادل عن طعمة واتهمه بالسرقة وحكم عليه بقطع اليد وبرأ ساحة اليهودي من السرقة وأنزل الله عليه في كتابه إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ - طعمة وقومه- خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ - مما هممت به من معاقبة اليهودي- إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً* وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ - بالسرقة- إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ - وهو التزوير- وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً* ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا* وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ - وهو طعمة- ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً - وهو اليهودي- فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً* وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ - من بني ظفر- أَنْ يُضِلُّوكَ وَما

стр. 178

يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً. فانظر كيف كان خطاب الله نبيه عظيما لمجرد ما هم به من الحكم على يهودي وكيف امتنّ الله عليه بهدايته إلى الحق وعدم إيقاعه باليهودي وعرفه أن ذلك من فضله عليه وكيف أكبر الله فعل طعمة وتهمته لليهودي وكيف وبخه ووبخ قومه ووعدهم جميعا بعقابه وسماهم خائنين آثمين وسمى اليهودي بريئا ونفى عنه التهمة ووجهها على طعمة. فما بالك بعدله مع النصارى الذين لم يشتهروا بعداوته بل منهم النجاشي الذي آمن به على بعد وحمى أصحابه من عدوهم حينما هاجروا إليه. ولذلك أخبر القرآن عن قرب مودة النصارى للإسلام فقال: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. فصل في معاملة أهل الذمة مما جاء من الأحاديث الحاثّة على التزام الحدود مع أهل الذمة وصونهم من التعدي والإيذاء ما أورده أبو داود في سننه عن العرباض بن سارية قال: نزلنا مع النبي ﵇ خيبر ومعه من معه من أصحابه، وكان صاحب خيبر رجلا ماردا منكرا، فأقبل إلى النبي ﵇ فقال: يا محمد لكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتعذبوا نساءنا، فغضب النبي ﵇ وقال يا ابن عوف اركب فرسك ثم ناد أن الجنة لا تحل إلا لمؤمن وأن اجتمعوا للصلاة، فاجتمعوا ثم صلى بهم ﵇ ثم قام فقال: أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن. ألا إني والله لقد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر وإنه لا يحل لكم ضرب أهل الكتاب إلا بإذن ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوا الذي عليهم. انتهى. قوله «إلا بإذن» أي بإذن الإمام فيما إذا وجب على أحدهم حد شرعي فيأذن الإمام بحده كما يأمر بحد المسلم إذا وجب عليه. ولأبي داود عن رجل من جهينة رفعه: «لعلكم تقاتلون قوما فتظهرون عليهم فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم فيصالحونكم على صلح فلا تصيبوا منهم فوق ذلك فإنه

стр. 179

لا يصلح لكم» . ولأبي داود والترمذي عن سليم بن عامر أنه كان بين معاوية وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد غزاهم فجاءه رجل على دابة أو فرس وهو يقول الله أكبر وفاء لا غدر. فإذا هو عمرو بن عسبة فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء. فرجع معاوية. ولأبي داود عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء الصحابة عن آبائهم رفعوه: «من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» . قوله انتقصه: معناها أو آذاه بشيء ما. وفي الترمذي وصححه: ألا من قتل نفسا معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر ذمة الله ولا يريح رائحة الجنة وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين خريفا. وفي النسائي: من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما. ورواه البخاري: من قتل معاهدا. ولأبي داود عن مالك قال بلغني أن العباس قال: ما ختر قوم بالعهد إلا سلّط عليهم العدو. ومعنى ما ختر: ما غدر. وفي البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن ابن عمر رفعه: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان. وفي ابن ماجه: ثلاث «١» أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يؤده حقه. وعنه ﵇: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس. وفي رواية: الذين يقذفون الناس. وروي: ولا يقفنّ أحدكم موقفا يضرب فيه رجل ظلما فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه. قال ابن حجر في زواجره تبعا للعلماء ما معناه أنه لا فرق في هذا بين أن يكون المضروب مسلما أو ذميا قال ﵇: من ظلم ذميا فأنا خصمه يوم القيامة.

стр. 180

في ثبوت الأمانة لأهل الكتاب قال الزيلعي في الكلام على خبر أهل الكتاب ما خلاصته: إن القرآن العظيم أثبت الأمانة لأهل الكتاب بقوله: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً فخرجت الآية مخرج الوصف لهم بالأمانة. اه. قال المفسرون: هذه الآية نزلت في اليهود خاصة فأخبر الله عنهم أن فيهم أمانة وخيانة وقسمهم إلى قسمين. والقنطار عبارة عن المال الكثير والدينار عبارة عن المال القليل. يقول الله: منهم من يؤدّي الأمانة وإن كثرت ومنهم من لا يؤديها وإن قلّت. وقال ابن عباس في هذه الآية: أودع رجل من قريش عبد الله ابن سلام ألفا ومائتي أوقية من الذهب فأداها إليه فذلك قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ . واستودع رجل من قريش فنحاص بن عازوراء دينار فخانه وجحده ولم يؤدّه فذلك قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً . اه. لهجة أهل حلب في التكلم نورد هنا نبذة وجيزة في الكلام على لهجة الحلبيين في كلامهم كالنموذج لعلها تروق لدى من يعتني بالعلم الحديث المعروف باسم فلسفة اللغة فنقول: الحلبي يلفظ الحرف من مخرجه الحقيقي فيلفظ الجيم جيما لا كيما عبرانية ولا شينا ولا زايا، والشين شينا لا سينا، والقاف قافا لا كافا ولا همزة وهكذا بقية الحروف. غير أن النصارى واليهود يخرجون القاف همزة مرققة في الغالب فيقولون في قارىء مثالا آري. كما أن بعض النصارى ربما أخرجوا التاء طاء فقالوا في ترى مثلا طرى. أو أخرجوا السين صادا فقالوا في ساعة مثلا صاعة. لكن هذا قليل. وقد يخرج اليهود الضاد والطاء بين التاء والدال فقالوا في مثل فضله وأعطني فدله وأعتني. ويوجد بعض من المسلمين الذين يعاملون عرب البادية من يخرج القاف كافا مفخمة فيقولون في قال مثلا: كال. والإعراب في كلامنا لا وجود له البتة وتوجد فيه الإمالة بكثرة جائزة وممتنعة كقولهم سريج لحيف قيعد نييم، في: سراج لحاف قاعد نائم.

стр. 181

وحرف المضارعة في كلامنا هو الباء نحو بضرب بشرب في أضرب أشرب وهذا البدل ربما أدى إلى هجنة في بعض الكلمات كقول بعضهم أنا بهيم إذا رأيت جميلا وأنا بصل للأكل وأنا بريد السفر يريد أنا أهيم وأصل وأريد. وإذا أسند المضارع للمتكلمين أبدلت الباء ميما وزيدت قبله ألف فقيل امناكل امنشرب امنلبس. والفعل المبنى للمجهول في الثلاثي يطّرد عندنا على وزن انفعل كانضرب وانكرم ولا يوجد في الرباعي مجردا أو مزيدا فيه. والمفعول به يقترن باللام غالبا فيقال ضرب زيد لعمر. ويوجد المفعول المطلق قليلا والمفعول فيه كثيرا. والمفعول معه غير موجود بل هم يلفظون معه بمع يقولون مثلا أمشينا مع الجبل. وقلّ أن يوجد المفعول من أجله بل يعتاضون عنه بأداة تعليل فيقولون مثلا قمنا إمشان تعظيم المعلّم أي لأجل. والحال قليل في كلامهم والأكثر أن يعتاضوا عنه بكلمة عمال يقولون مثلا إجا فلان عمّال بضحك. وهذه الكلمة يستعملونها أيضا في المضارع المراد منه الحال يقولون مثلا فتنا على فلان شفناه عمّال بكتب. والتمييز موجود في كلامهم ومثله الاستثناء ويعتاضون عن نفي الجنس بحدا أو بما في معناها فيقولون مثلا ما في حدا في الجميع أي لا أحد في الجامع. أو يقولون مكان حدا الدومري ولا يستعملون من حروف النداء سوى يا. ويلحقون الفعل ضمير الفاعل، تقدّم عليه أو تأخر، فيقولون اجو الرجيل علينا، جاء الرجال علينا وهذا على حد أكلوني البراغيث. وليس عندهم من الأسماء الموصولة شيء سوى أنهم يستعلمون كلمة اللي للذكر والمؤنث مفردا أو غيره ويميزون المراد منها بالصلة بعدها فيقولون مثلا اللّي قام اللي قاموا اللي قامت. وهذه الكلمة تدور في كلامهم على كثرة لأنهم كثيرا ما يعتاضون بها عن التلفظ باسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وهم يعدّون الفعل القاصر بالتضعيف غالبا كقولهم فلان روّح مصاريه أي صرف دراهمه. ولا وجود للذال في كلامهم بل يقلبونها دالا أو يلفظون بها زايا وتاء التأنيث في الأسماء يقلبونها ياء كقولهم فاطمي عاقلي أي فاطمة عاقلة والثاء تاء كقولهم تيني تليت أي ثاني ثالث وربما لفظوها سينا كقولهم في ثم سم ويخرجون الظاء زايا مفخمة كقولهم في ظاهر زاهر أو يقلبونها ضادا كقولهم أدّن الظهر في أذّن الظهر. وكثير من المتطرفين الذين يعانون اللغة التركية من يلفظ الضاد زايا مفخمة فيقول في مريض مثلا مريز. كما أن بعض المتفرنجين يلفظون القاف كافا فيقول في قرش مثلا كرش حتى إنهم كثيرا ما يخلطون في كلامهم العربي بعض كلمات افرنجية لا عجزا منهم عن أن يأتوا

стр. 182

بنظائرها من اللغة العربية بل ليفهموا أن معرفتهم باللغة العربية قليلة كأنهم يفتخرون بذلك. وبالجملة فإن لكل محلة عندنا لهجة مخصوصة بأهلها غلب عليهم ذلك باعتبار خلطائهم. فسكان محلة باب النيرب يغلب على لهجتهم ألفاظ أهل الصوف والوبر. وسكان محلة الكلاسة يغلب عليهم ألفاظ أهل الحرث. وسكان محلة الفرافرة يوجد في كلامهم كثير من الألفاظ التركية والفارسية إذ كان أكثر المستخدمين في أيام الحكومة العثمانية منهم. والنصارى واليهود يغلب عليهم في تراكيب كلامهم أساليب اللغات الافرنجية لكثرة معاناتهم إياها. وهكذا بقية المحلات، كل يضارع خليطه. الألفاظ الدخيلة في لغة الحلبيين عموما كثيرة جدا منها جميع الألفاظ الافرنجية التي ذكرت في قوانين الدولة العثمانية كالكمبيالة والبريتستو والقونطوراتو. وكأسماء الآلات والأدوات كشمندوفر وأوتوموبيل وتلغراف وإستاسيون مما يكاد استعماله يكون عاما في جميع البلاد العربية. ومن الألفاظ الدخيلة في لغة الحلبيين كلمات تركية وفارسية وسريانية وعبرانية محرفة أو مصحفة يطول الكلام عليها بحيث يحتاج إلى وضع معجم على حدته. أمراض حلب الأمراض التي يكثر وقوعها في حلب: مرض التّسنين الذي يعتري الطفل حين بلوغه الشهر الخامس أو السادس من عمره. ومن أمثال الحلبيين (طلعت أسنانه حضّروا أكفانه) وذلك أن أشد وقت يخشى فيه على حياة الطفل هذا الوقت الذي تخرج فيه أسنانه اللبنية التي يبدّلها بعد فتختلّ جميع وظائفه الطبيعية وتنحرف صحته وترم لثته «١» ويسيل لعابه ويحمرّ غشاء فمه ويكثر بكاؤه وتضجره ويصحب ذلك إسهال دائم مادته خضراء أو مخاطية بيضاء. وهذا عرض شديد الوطأة على صحة الطفل وقد يوجد غيره من الأعراض الشديدة أو الخفيفة على حسب الاستعداد الطبيعي في الطفل ومساعدة الشّئون والأحوال. وقد يصحب المرض تقرّح اللثة أو الفم جميعه أو تهور بنية المريض وهبوطها سريعا أو وقوعه في سل الأطفال أو انتقال المرض إلى درجة الإزمان. وعلى كل فهو مرض رديء النوع

стр. 183

سيّىء الإنذار على أنه قد يكون في بعض الأطفال بسيطا جدا بحيث لا تكاد تظهر فيهم أعراضه. حبة حلب وفي هذا السن أو أقل منه بشهرين يعتري الطفل بثرة يقال لها حبة السنة والبعض يسميها حبة حلب زاعما أنها من خواصها مع أنها غير قاصرة عليها بل هي تظهر في عدة بلاد كالموصل وبغداد وأكثر البلاد التي تشرب من نهري دجلة والفرات وبعض قرى كسروان التي يدعي أهلها أنها انبثّت إليهم من حلب وأنهم يعهدون ابتداء زمن ظهورها فيهم. أما ابتداء زمن ظهورها في حلب فهو غير معلوم ولم أر من صرح به في صفحات التاريخ. هذه الحبة بثرة جلدية تظهر أولا على هيئة نقطة حمراء كالحة تقرب من الاستدارة شبيهة بلسعة البرغوث. ثم تأخذ بالنتوء والارتفاع حتى تصير على هيئة ثؤلولة ملساء داكنة اللون تنمو رويدا رويدا وقد يختلف نموها من بعض أيام إلى بعض أشهر حتى تزداد خشونة وتقشر أجزاء دقيقة من بشرتها وحينئذ تقل صلابتها ويزيد احتقانها ثم تتقرح ويسيل منها صديد يختلف قواما وطبيعة مع اختلاف اتساعها وغورها «١» إلى أن تؤخذ بالجفاف فيتكون عليها خشكريشة «٢» تسقط ثم يتكون غيرها إلى أن تبرأ وتبقي أثرا لا يزال مدة الحياة. والغالب أن يكون ظهورها في الشهر الرابع من العمر كما ذكرنا آنفا. وقد تتأخر إلى تمام السنة الأولى أو الثانية وأحيانا إلى سن البلوغ وهي لا تقتصر على الحلبيين فقط بل لا بد من ظهورها في الوافدين جديدا على حلب فتسمهم غالبا في الشهر الأول من قدومهم وقد تتأخر للسنة الثانية كما أنها قد تظهر في بعضهم بعد خروجهم من حلب. أما مدة سيرها فهي لا تكون أقل من ثلاثة أشهر ويكثر إلى سنتين وبقاؤها أكثر من ذلك نادر جدا. وأما أسبابها فقد تأكدت بالملاحظة المدققة أنها غير موروثة ولا معدية بالملامسة إذ أنها قد تعتري الوالدين دون أولادهما وبالعكس. وإذا انتقل الوالدان إلى بلد غير معرض لهذه الحبة فإنها لا تعتري نسلهما في ذلك البلد ولو كانت اعترتهما من قبل. وقد لا تعتري الغرباء

стр. 184

المستوطنين الذين يخالطون الحلبيين ويتقلدون جميع عاداتهم والناس يعتقدون أنها مسببة عن الماء، ولذا يتحامى بعض الغرباء تناول ماء نهر حلب وقناتها شربا ويعتاضون عنه بماء العين البيضاء أو عين التل فيتخلصون من هذه البثرة غالبا. أكثر ما يكون ظهور هذه الحبة من جسم الإنسان في الأعضاء المكشوفة المعرضة للنور فيكثر ظهورها بالوجه والأنف والأذنين والجفون والساعدين وظهر الكتفين. ويقل ظهورها في الأخمص والساقين. ويندر في مقدّم العنق والصدر والبطن. وأندر من ذلك أن تظهر في باطن الكف والظهر والعجيزتين. وهي تعتري غير الإنسان من الحيوانات كالكلاب والسّنانير «١» وتكون في الأقوياء والضعفاء والمترفهين والفقراء والذكور والإناث على حد سواء. وفي الغالب تكون مفردة وقد تتعدد وربما بلغت ثلاثين حبة متفرقة في جهات مختلفة من البدن يتوالى خروجها فلا يكون ما بين خروج الأولى وما يليها إلا مدة وجيزة وقد تبرأ الأخيرة مع الأولى. والعوام يسمون المفردة منها ذكرا والمتعددة أنثى. وقد ظهرت هذه الحبة في بعض الخدم والمأمورين الذين رافقوا الملك غليوم إمبراطور ألمانيا في سياحته إلى فلسطين. وبعد أن شاهدهم البروفسور (لابسار) أستاذ الأمراض الجلدية في دار الفنون الطبية في برلين قال: حبة حلب ليست من الأمراض الّتي تستحق الاهتمام وهي تظهر في سكان المناطق الحارة ولا سيما سكان شطوط الفرات ودجلة والعاصي. وشوهدت أيضا في سكان بيسقرا في منتهى جنوب الجزائر وتسمى هناك حبة بيسقرا. وتظهر في سكان السند وتسمى حبة دلهي وهو يرى أنها تتأتى عن لسع نوع من الذباب السيوري. اه. أقول إن إنذار هذه الحبة جيد لأنها من نوع الحبوب القابلة للبرء. غير أنها تبقي في محلها أثرا مشوها يعظم كلما قربت من الأنف والعين والشفتين. وإذا ظهرت على بعض سلاميات الأصابع فالغالب أن تبطل حركة مفصلها. وهي تستعصي غالبا في ذوي الأمزجة الليمفاوية المستعدين للمزاج الخنازيري والمصابين ببعض الأمراض الجلدية الصعبة كالمرض الزهري والمولدين من أبوين مصابين به.

стр. 185

أما ما تعالج به هذه الحبة فأحسنه أن يبادر إلى مسها بقلم نيترات الفضة متى تأكد ظهورها مسا لطيفا في كل عشرة أيام مرة إلى أن تتقرح وحينئذ تغسل مرتين في النهار بماء زهر البلسان وتنشف وتطلى بزيت الزيتون أو دهن اللوز إلى أن تبرأ. ويوجد لمعالجتها بعض أدهنة مركبة مذكورة في الكتب الطبية فراجعها وبلغنا أن بعض أطباء بلدتنا عول على عملية التلقيح لهذه البثرة كالجدري ومارس هذه العملية مدة فظهر له منها تأثير في بعض الأطفال دون بعض. ومن الأمراض الكثيرة الوقوع عندنا أمراض الجهاز التنفسي كالحادر والنزلة الحنجرية والتشعّب الرئوي والأزمة، وتكثر في الشتاء وتبدل الفصول وأسبابها كثيرة جدا منها يبس الهواء وقحولته «١» والإقامة في الأماكن الرطبة والإفراط من استعمال التدخين بالتتن والتنبك وكثرة تناول الحوامض وغير ذلك من الأسباب. والله أعلم.

стр. 186

العادات المستعملة عند المسلمين في أفراحهم وأتراحهم استعمال جميع ما سنذكره من العادات في الأفراح والأتراح والفصول والمواسم إنما هو أمر أغلبي، وإلا فكثير من الناس ولا سيما الخواص أو المتصلبين في الدين يقتصرون منها على أشرفها وأبعدها عن المفاسد الدينية. العادات المستعملة في الحمل والولادة وما بعدهما متى علمت المرأة بالحمل أخذت بالتحرز على نفسها وتجنبت حمل الثقيل والركوب على الدوابّ والصعود السريع على الأدراج والمشي الكثير وتناول المسهلات الشديدة إلى دخول الشهر التاسع. وعندها تكثر من الدخول إلى الحمام وقد تتردد من بيتها إلى باب الفرج تفاؤلا وتكون قد استحضرت لوازم المولود من الكسوة والقماط واللفائف، ويعرف ذلك بالديارة فإذا ابتدأ معها الطلق تحضر القابلة وتعرف بالداية وتصحب معها كرسيا من الخشب قد قوّر مقعده نصف دائرة فكلما جاء المتمخضة طلقة شديدة جلست على هذا الكرسي وإذا تعسر معها المخاض سقوها شيئا من السمن المذاب وبعضهم يحضر لها حربة مركوزة عند أضرحة بعض الصالحين فتتوكأ عليها تبركا وهي على الكرسي إلى أن تضع. قلت ولادة المرأة جالسة على هذا الكرسي مضرّة برحمها فالأولى أن تستولد مسلنقية «١» نصف الاسلنقاء مستندة إلى وسادة وحينما يولد الطفل تلمسه القابلة فإن كان غلاما صلّت على النبي وإن كان جارية ترضّت عن فاطمة الزهراء. فيتباشر القوم وتبتدىء النساء بالزراغيت. ثم إن القابلة تشتغل بدهن ظهر الولد بالزيت لإزالة الشحم منه وبقطع سرّه وتلبيسه. ويشتغل من حضر من النسوة برفع أمه إلى المرتبة المعدة لها ثم يجيء أحد أقارب المولود ويؤذن في أذنيه.

стр. 187

ثم يسمى من قبل أبيه أو جده أو أمه أو جدته ويدفع لأمه فتعرض عليه ثديها. وبعضهم يلعقه من شراب الزوفا ليسرع خروج العقي «١» من بطنه. وقلّ من يستعمل له العقيقة المسنونة. والغالب أن تقتصر الأم في مأكولها ومشروبها على الأغذية اللطيفة والأمراق وتطبخ لها حلوى بالشّونيز «٢» والجوز ليكثر لبنها وتشرب من ماء الحمام المنقوع فيه أصول البنفسج. وتستمر على ذلك مدة أسبوع. وفي ثاني أو ثالث يوم من الولادة يرسل أحد أصدقاء البيت إليه فرشا من الزلابية ومعه أباليج السكر «٣» قد وشي بالألوان. ثم في مساء اليوم السابع يولم أهل المولود وليمة حافلة يدعون إليها أقاربهم وخواصّ معارفهم. وقد يوجد من جملة الألوان طعام حلو مطبوخ مؤلف من الدبس والشمرة ويعرف بالمغلي وقد يحضرون في تلك الليلة القينات فيغّنين ويطربن من حضر. وقد يقمن إذا رضي صاحب الوليمة فيجمعن من النسوة دراهم تعرف بالنقوط فتعطي كل امرأة بحسبها من ثلاثة قروش فصاعدا. وربما جمع من ذلك مبلغ وافر يعطى بعضه القابلة وقيمة الحمام والقينات ويبقى فضلة لصاحب الدعوة. ثم في صباح تلك الليلة تنصرف كل امرأة إلى بيتها. وقد اعتادت النسوة أن يتهادين في الأفراح بأنواع الحلوى أو الأقمشة أو بعض النقود الذهبية القديمة فكل من كان عندها في فرح سبق لها الهدية من قبل الوالدة أو من ذوي قرابتها تأتي وتهنئتها بمثل هديتها. فإن كانت حلوى وضعتها في ظرف من البلور مصفوفة منضدة وقدمته إليها وإن كانت نقدا من الذهب المذكور علّقته في قلنسوة المولود. ثم بعد أربعين يوما من يوم الولادة تؤخذ النفساء إلى الحمّام مع أقاربها من النسوة. وربما أفردت لها الحمام خاصة بها وبمن معها فبعد دخولها إليه تطلى جميعها بعسل فيه زنجبيل «٤» ويوضع منه مقدار تحتها ويكبس جسمها بالمرزنوش «٥» القبرص والخزامى المغربية. وتجلس على هذه الحالة نحو ساعة في طرف سطح بيت النار ثم تغسل وتخرج وهذا الكبوس والطلي يعرفان بالشدود وقد تركه كثير من الناس ولا سيما في الصيف.

стр. 188

وأما تربية الولد فإنه يرضع في الغالب حولين كاملين من أمه أو مرضعة مستأجرة. وفي أوائل هاتين السنتين يشدّ بقماط يستوعبه إلى رأسه وهذا غير جيد إذ ربما تلتوي بعض أعضائه من شد القماط ويوضع تحت مقعده تراب يعرف بتراب الهلّك كي يتشرب الرطوبة التي تخرج منه. وهذا غير جيد أيضا إذ ربما تضرّر الطفل من رطوبته على نحو ما يتضرر الإنسان من رطوبة الأرض فالأولى حذفه وتغيير لفائف الطفل كلما أحدث. وقد يؤانس منه وجع في بطنه فتمضغ له أمه لب عجو الدرّاقن وتعتصره في فمه أو يدهن بطنه من دهن البابونج فيسكن الوجع وقلما يغسلونه في غير الحمام. والأولى غسله بالماء الفاتر في أكثر الأيام مع الاحتراز عليه من البرد. ومما اعتادوه من يوم ولادته إلى أن يمضي عليه بضعة أشهر أن يكحلوه في كل أسبوع تقريبا بكحل أسود مركب من هباب الزيت ويدهنوا مراقّه «١» بالزيت الطيب ويذرّوا فوقها مسحوق ورق الآس كأن ذلك دباغا «٢» لجسمه. وقد اعتادوا إذا خرجت أسنان الطفل أن يسلقوا له قمحا ويخلطوا معه سكرا ورمانا وجوزا ولوزا وفستقا ويطعموه من هذا الخليط ويفرقوا باقيه. وضع الولد في المكتب أو غيره وحفلة الختم إلى أن يبلغ حد الزواج وحينما يبلغ الطفل الرابعة أو الخامسة من عمره يضعونه في المكتب وإن كان أنثى وضعوها عند الشيخة أو معلمة الخياطة أو التطريز وكلما بلغ الولد نحو الربع من القرآن أرسلوا لشيخه هدية تعرف بالبخشيش إلى أن يكمله فترسل له هدية وافرة على حسب حال ثروة أهل الولد. وعندها يعمل له فرح يعرف بالنشيدة وهي وليمة لأولاد المكتب يدعون مع شيخهم صباحا إلى بيت الولد الذي أكمل القرآن ويدعى معهم بعض الأحباب والأصدقاء فيحضرون وقد سبقهم المطربون الذين يضربون بالدفوف وجماعة العازفين بالناي وربما

стр. 189

أوجدوا زمرة من دراويش الطريقة المولوية ويعملون نوبة سماح فيطرب من حضر. ثم يدعى الجمع للطعام فيأكلون ثم تصطف الأولاد عدة صفوف، أهل الصف الأول منهم يحملون أعلاما صغارا ويمشي أمامهم بضعة أولاد متفوقين ينشدون أبياتا من بردة البوصيري وبقية الأولاد يعيدون قوله (مولاي صلّي وسلم إلخ) وقد ينشدون غير ذلك. وأولاد الصف الثاني يحملون أعلاما أكبر من الأعلام التي حملها الصف الأول ويتقدمه واحد ينشد مدائح نبوية والأولاد يعيدون لازمتها. وأولاد الصف الثالث يقفون فرقتين متقابلتين إلى جانبي الذي ختم ويفتح بين كل ولدين من الصفين درج مكتوب فيه بعض الأدعية. وقد قام بين الصفين ناشد «١» يشدو بمدائح نبوية والأولاد يعيدون لازمتها وقد مشى أمامهم رجل يحمل كرسيا على رأسه فوقه المصحف، وأمام هذا الصف جماعة المغنين وبأيديهم الدفوف وهم ينشدون مدائح خصوصية ووراءه جماعة الدراويش ومن يحمل المبخرة التي يحرق فيها العود وفي جانبه إنسان ينثر على الناس شعيرا زعما أنه يدفع العين عن الولد. وهكذا يطوفون في الشوارع إلى أن يرجعوا إلى بيت الولد الذي ختم وفيه يقوم بضعة أولاد ممتازين يقرأ كل واحد منهم دعاء يدعو فيه للسلطان ولشيخه وللأولاد بالفتوح والبقية يؤمّنون على دعائه ثم ينصرفون وعند خروجهم من الباب يملأ جيب كل ولد منهم نقلا مركبا من الفستق والزبيب وغيرهما. وفيه مقدار من الدراهم وهكذا تكون خاتمة النشيدة. ختان الولد ثم إن الولد إن كان غير مختون فإنه قد يختن في هذا اليوم بعد رجوعه من الطواف المذكور. على أن كثيرا من الناس اعتادوا أن يختنوا الولد في اليوم السابع من ولادته، كما اعتادوا ثقب أذن البنت للقراط في أثناء ذلك الأسبوع، فيختنونه دون أن يقيموا له حفلة ومنهم من يفرد احتفالا خاصا لسنة الختان بعد أن يترعرع الولد فيولم صباحا ويحضر المغنين والمطربين وتقدم له الهدايا من أفراد أصحابه فيرسل له أحدهم أرزا أو سكرا أو غنما أو بعض أقمشة حريرية، كلّ بحسب حاله، وبعد أن يفطر المدعوون ويطربوا يفتتح شيخ

стр. 190

بقراءة قصة المولد النبوي وفي ختامها يجاء بالولد ويختن وينصرف الناس وتحضر المغنيات وتقبل النسوة فيبقين ذلك النهار كله ويجمع منهن النقوط على نحو ما تقدم. وبعض الغرباء يجعل حفلة الختان مساء فيأكل المدعوون ويتغنى المطربون ثم تحرق الملاعب النارية وفي ثاني يوم تتلى قصة المولد بحضور نفر قليلين وفي ختامها يختن الولد. أما سكان الأطراف فقد اعتادوا غالبا أن يحتفلوا بالختان على غير هذه الصورة وهي أنهم يولمون صباح اليوم الذي يريدون أن يختنوا الولد فيه ثم يركبون الولد بالحلى والحلل على برذون ويركبون خلفه رديفا ويطوفون به في شوارع البلد وأمامه أحد شيوخ الطرايق مكللا بغطاء وردي وفي يده عقّافة راكبا على برذون يقوده أحد مريديه وأمامه جماعة يضربون طبول البدوي ويحملون أعلام الطريق إلى أن يطوفوا هكذا في أكثر الشوارع ثم يرجعوا إلى بيت المختون وتتلى قصة المولد النبوي ويختن الولد في ختامها. ومن الناس من يجعل في مكان نوبة الطريق هذه عراضة وهي عبارة عن جماعة يطوفون بالشوارع وهم يلعبون بالعصيّ ومنهم من يلعب بالسيوف والتراس، ومنهم مدرعون مشاة وفرسان معتقلون رماحا ووراءهم رجل يقود بعيرا على ظهره منصّة مهندمة يقوم فيها رجل قد ألبس كسوة نسوة العرب وفي يده صنوج فيرقص ويتخلع حتى يصل هذا الموكب إلى البيت. وهذا الرجل الرقاص يسمونه عبلة وكثيرا ما يجرون هذا الموكب في غير حفلة الختان. صيام الطفل في رمضان ثم إن الولد متى بلغ سن المراهقة صام من رمضان فيعمل له في أول يوم صيامه فرش مملوء من أنواع الحلوى يفطر عليه مساء ذلك اليوم. الزواج وتوابعه فإذا بلغ مبلغ الرجال رغب أبواه بتزويجه فتبتدىء أمّه ومن يقربه من النسوة بالخطبة له، ويبحثن في بيوت البلدة على البنات وربما استغرقن في ذلك أشهرا بل سنة أو سنتين. فإذا اتفق رأيهن على بنت لحسنها وأصلها وأدبها تقدم أقرب رجل إلى الزوج ومعه وجهاء

стр. 191

أهل بيته وخطبوها من أقرب رجل إليها وعينوا معه المهر الذي قد يكون ألف ذهب، وهذا عند المفرطين بالغنى والثروة. وأما المهر عند غيرهم فلا حد لأقله وقد اعتادوا أن يجعلوا ثلثي المهر معجلا يدفع إلى الزوجة أو وكيلها قبل العقد وثلثة مؤجلا يدفع للزوجة بعد الموت أو التطليق. والمهر المعجل الذي تأخذه الزوجة ربما أضافت إليه قدره وجهزت بذلك كله نفسها فاشترت به حليا وفرشا ونمارق وأواني صينية وغيرها وحمل ذلك جميعه إلى بيت الزوج. هذا إذا كانت الزوجة غنية أما إذا كانت متوسطة الحال فتضيف إلى المهر قدر نصفه أو ثلثه أو ربعه على حسب سعة حالها. والفقيرة لا تضيف إليه شيئا مطلقا. وبعد أن تتم الخطبة يجتمع نفر من ذوي قرابة العروسين ويأخذون العهد على وليها بالإعطاء ويقرءون على ذلك الفاتحة. وهذا الاجتماع يسمونه بالفاتحة أو بالملاك. وقلّ من يجريه. وفيه يرسل الخطيب إلى مخطوبته هدية من الحلي كالخاتم والقرط وغيرهما. ثم بعد أن يدفع المهر المشروط تعجيله يباشرون عقد النكاح فيهيّا» من قبل الزوجة دار فسيحة جميلة وترسل رقاع الدعوة من قبل وليّ العروسين ويدعو كل منهما من أراد من معارفه وأصحابه إلى الدار المذكورة في وقت معين، والأكثر أن يكون صباحا فيجتمعون في تلك الدار وقد سبقهم المغنون والمطربون فيستمعون الألحان والأغاني وآلات الطرق نحو ساعة ويطعمون شيئا من الحلوى كالراحة وربّ الكبّاد، ويتبعون ذلك بقهوة البنّ والدخان. ويكون الشيخ قد كتب اسم الزوجين ووكيليهما وشهوديهما وجملة المهر معجلا ومؤجلا وأكثر أسماء الحاضرين. ثم ترفع أدوات الدخان ويسكت المغنون والحاضرون ويتلو الشيخ خطبة يذكر فيها فضل الزواج ويدعو الزوجين، ثم يجلس أمامه وكيلاهما فيلقنهما الإيجاب والقبول وإذا انتهى من عمله افتتح أحد الحفظة بتلاوة شيء من القرآن العظيم وأعقبه أحد من حضر من الشيوخ بالدعاء للزوجين بالرفاء والبنين. ومتى أتم الدعاء ابتدر جماعة المطربين ينقرون بالدفوف وإنشاد بعض المدائح النبوية ثم ينتقلون منها إلى الأغاني المطربة ويحركون آلات الطرب وتدور

стр. 192

كؤوس الشراب الطّهور على الحاضرين ثم قهوة البنّ، فيشربون وينهضون إلى الانصراف ويقولون لأقرب من يكون للزوج وهم منصرفون: جعله الله مباركا. هذا ما يكون عند الرجال، وأما ما يكون عند النساء فإنهن بعد ذهاب الرجال يجتمعن إلى الدار المذكورة ويجلسن العروس بحليها وحللها على كرسي خصوصي، وتبتدر القينات بالأغاني والعزف بالآلات ويطعم الجميع من الحلوى المتقدم ذكرها ويدار عليهن كؤوس المرطبات ويجمع النقوط للقينات فقط إن سمح رب الدعوة بذلك وإن كان شرط عليهن أن يكتفين بما يعطيهن من الأجرة فلا يجمعن شيئا وإن جمعن فلا يأخذن منه شيئا بل هو لصاحب الدعوة إذا كان ضعيف الحال. ثم إن النسوة يبقين إلى مساء ذلك اليوم وفيه يرجعن إلى بيوتهن وفيها يتعشين. وأما حفلة الزفاف فهي أنه بعد مضي برهة من الزمن يجهز أهل الزوجة ما يلزمها من الملبوس والمفروش والأواني، ينفقون على ذلك المهر الذي أخذوه من الزوج ويضيفونه «١» شيئا على حسب حالهم كما بيناه آنفا، ثم في يوم معين ينقلونه إلى بيت الزوج إما على ظهور الدواب المجمّلة سروجها بالخرز والودع المعصّبة رؤوسها بالمناديل الملونة وإما على ظهور الحمالين، وهذا أكثر عند الأكابر وقد اعتاد سكان الأطراف غالبا أن يقدموا أمام الدواب جماعة يلعبون بالسيوف والتراس والعصيّ، وآخرين معهم طبل وزمر وأمامهم واحد ينشد أدوارا من الزجل وهم يرددون اللازمة ويصفقون ويضجّون ويطولون ويقصرون حتى يصلوا إلى بيت الزوج فيوضع فيه الجهاز. ثم في ثاني أو ثالث يوم يأتي أهل الزوجة ويفرشونه في البيت المعدّ له ويصنع لهم أهل الزوج في ذلك اليوم غداء. ومن جملة العادات المستعملة عند هؤلاء وأمثالهم أن يجتمعوا عدة ليال قبل ليلة القران في دار ذات ساحة فسيحة ويحضرون فيها طبّالا وزمّارا ويفتحون باب الدار لكل وارد فيجتمع إليها جم غفير من أخلاط الناس ويضرب الطبل وينعر الزمر ويقوم اثنان ويتلاعبان بالسيوف كالمتنازلين في الحرب إلى أن يغلب أحدهما فيقوم آخر وهكذا إلى آخر الليل. وربما داخل أحدهما الحنق على صاحبه فضربه مجدا وأثرا فيه. وقد يقوم اثنان يتلاعبان بالعصي على نسق المتلاعبين بالسيوف. وهذه الليالي تسمى بالتعاليل وفي كل ليلة منها يقوم

стр. 193

واحد من قبل صاحب الحفلة ويقف أمام كل رجل ويتملقه ويمدح بيته وأهل محلته فيعطيه شيئا من الدراهم حتى يستوعب جميع الحاضرين. وهذا العمل يقال له الجبوة ثم إن هذه التعاليل قد تكون عند جماعة الأكابر على صفة جميلة بأن يحضروا فيها جماعة الموسيقى والمغنين والمطربين ويحرقون فيها الألعاب النارية دون عمل الجبوة. وبعد إجراء هذه التعاليل يباشرون حفلة ليلة القران وتكون العروس قد أخذت على الحمام عدة مرات وفي كل مرة منها تغسل عند خروجها منه بماء الورد. وقبل ليلة أو ليلتين يدعو أهل الزوجة إليهم أقاربهم وأحبابهم من النسوة ويفرقون عليهم نقش الحنّاء وتسمى تلك الليلة ليلة النقش ويكون المدعوون قد أرسلوا هداياهم على حسب أقدارهم إما أرزا أو سكرا أو شاة أو ثوبا هنديا أو غير ذلك. ثم في صباح اليوم الذي في مسائه يكون القران، يحضر المدعوون إلى بيت الزوج للفطور على السماط وقد سبقهم المطربون فيأكلون ويطربون وينصرفون. واعتاد بعض الأكابر أن يجعل هذه الوليمة عامة فلا يدعو إليها أحدا بل يحضر إليها أحباب هذا البيت وأصحابه دون دعوة ولا تقدمة من الهدايا المتقدم ذكرها، ويكون وقتها غالبا بعد العصر. أما النساء في هذا اليوم فإنهن يأتين في ظهيرته إلى منزل الزوج ثم يتوجه من أقاربه عدة «١» نسوة إلى منزل العروس فتلبس ثيابها ويأتين بها لمنزل زوجها راكبات معها في عجلات مجملة تسير بكل سكون ووقار. أما سكان الأطراف فإنهم ما برحوا مثابرين في ذلك على العادة القديمة وهي إتيان النساء بالزوجة إلى بيت زوجها ماشيات وهن في الطريق يزرغتن وينشدن التهاني ولا يمررن بها على حمّام زعما بأن جنّ الحمام تتخطفها. فإن وصلن بها إلى منزل زوجها استقبلتها القينات بالدفوف والأغاني التي تناسب مقامها ثم أجلست على كرسي معدّ لها واشتغلت القينات بالغناء وتحريك آلات الطرب إلى المساء وفيه تبسط الموائد وتتعشى النسوة ثم يرجعن إلى ما كن عليه من السماع والطرب. ويكون الزوج قد أخذ إلى منزل أحد الأصدقاء بعد مضي بضع من الليل وقد اجتمع فيه الناس والمغنون والمطربون فيلبس ثيابه في هذه البرهة ويخرج إلى الطواف في الشوارع هو ومن معه من الجموع ويقف إلى جانبه من يشبهه ويسمى سخدوجا «٢» ويصطف إلى

стр. 194

جانبيه صفان متقابلان في يد كل واحد من أفرادهما شمعة موقدة أو فانوس مسرج. وعلى كل واحد منهم غالبا أن يغني مواليا وعند إتمامه ينضمون إلى بعضهم مثنى وثلاث ورباع ويقولون بصوت عال: الله يساور جوز جوز جيز. وأظن أن هذه العبارة محرفة عن (الله يصور الزوج زوج جهاز) . وقد تقدم أمام هذين الصفين كبكبة من الناس فيهم طبال وزمار أو ذو طبيلات وكمنجا وأمامهم كبكبة أخرى يصفقون ويصيحون ويطولون ويقصرون، وقد مشى أمامهم القهقرى رجل ينشدهم زجلات ركيكة وهم يعيدون لازمتها والمشاعل توقد أمامهم والأولاد الصغار يتقاذفون بجمرها. وربما وجد مع هؤلاء الجماعات رجل يرمي بالشهب النارية المعروفة بالفتّاش. كما أنه ربما وجد معهم جوق الموسيقى الكبير المعروف بالعسكري. ولا يزالون هكذا حتى يصلوا إلى باب منزل الزوج فيقفوا عنده مليا وهم يصيحون ويضجون بتلك الزجلات ثم يقف الحاضرون حلقة ويغني من كان منهم صيّتا مواليا معروفا لا يتغنى به إلا في ذلك الموقف وفي آخره يصيح بقوله الفاتحة فيقرؤها الناس ويدعو أعلم الجماعة دعاء البركة للعروسين. ثم يدخل الزوج إلى الدار ويصيح واحد من القوم بتعيين الحمّام الذي ينزله الزوج في غده وينصرفون وتكون القينات قد خرجن إلى قرب الباب واستقبلن الزوج بالأغاني المناسبة لمقامه ومشين أمامه إلى قرب البيت الذي فيه الزوجة، وتكون هي قد نهضت لاستقباله ومعها أقرب من يكون إليها من النسوة وحينما يلتقيان يتقدم أقرب رجل إلى زوجها فيأخذ منه يدا ومنها أخرى ويضعهما في بعضهما فيتصافحان ويدخلان إلى البيت المعدّ لهما ويوضع فوقهما غطاء وردي اللون وتأتي القينات فيتغنين أمامهما ويحركن آلات الطرب برهة والشموع موقدة بين أيديهما. ثم ينصرف الجمع ويبقى العروسان وحدهما وتستمر القينات والنسوة على ما هن عليه من الصفو والطرب. وفي أواسط الليل يوضع للقينات مائدة تشتمل على أنواع الحلوى والنقل فيأكلن ويطعمن منها من شئن ثم يرجعن إلى التغني والطرب والرقص إلى الصباح فينصرف الكل إلى بيوتهن والزوج يقدم إلى زوجته هدية تسمى بالصبحية وهي تقابله بمثلها، ثم يتوجه إلى الحمام المعين للقوم فيدخل معه طائفة من أحبابه وأصحابه فيمرحون فيه ويختضبون بالحناء ثم يغتسلون ويخرجون وفي هذا اليوم يصنع أحد أصحاب الزوج وليمة باسمه يقال لها الصبحية فيدعوه إليها مع أقاربه وأصحابه وتكون في الغالب مشتملة على جماعة المطربين

стр. 195

والمغنين وإذا كان الأوان غير الشتاء تعمل في البستان. وبعد أن يتعشى المدعوون يؤخذ الزوج إلى بيت صاحب الدعوة فيلبس ثيابه ويخرج إلى بيته في الموكب الذي عمل له في الليلة الأولى التي هي ليلة القران وهذه الصبحية قد تكرّر من أصحاب الزوج وأحبابه عدة أيام وفي كل مرة تكون على النسق المتقدم ذكره ثم بعد مضي خمسة عشر يوما من ليلة القران يولم الزوج وليمة حافلة يدعو إليها أهل زوجته ويقال لهذه الوليمة عزيمة الخامس عشر. عاداتهم في أتراحهم متى احتضر المريض أحروا له أحد حفظة القرآن الكريم فيجلس في جانبه ويتلو ما ألهمه الله تعالى من القرآن. والغالب أن تكون التلاوة سورة الرعد يرددها حتى يقضي المريض نحبه وعندها يهيأ له المغتسل والنعش من الجامع. وإذا كان غنيا عمل له نعش جديد وبني له قبر جديد. ثم إن النسوة يأخذن بالنواح ولبس السواد. وبعض نساء سكان الأطراف المتعاملين مع البدو ربما أحضرن نائحات بالأجرة ونثرن على رؤوسهن الحناء وشددن المآزر وسوّدن وجوههن بسخام القدر وخدشن خدودهن وفعلن من هذه الأمور ما لا يليق إلا بالجاهلية. ثم إن كان يمكن دفن الميت قبل دخول الليل غسلوه ودفنوه وإلا أبقوه إلى الغد. ومن عاداتهم أنهم يغسلونه بالماء الفاتر مع الأشنان والصابون ثم بعد الوضوء والاغتسال ينثرون فوقه الكافور والعبيثران ويشدون عليه أكفانه ويضعونه في النعش. وربما ضرب أحدهم صفحة قنطرة باب الدار بإناء خزفي عندما يخرج منه النعش زاعمين أن ذلك يمنع من أن يلحق بالميت غيره من أهل الدار. ثم يحملونه إلى المصلى ثم إلى التربة ويجهرون بكلمة التوحيد وهم سائرون معه وربما كان في مقدمة موكب الجنازة من يؤذن أذان الجوق أو ينشدون بعض مدائح نبوية كبردة البوصيري أو جماعة من دراويش الطرايق العلية يحملون أعلاما وطبيلات يضربون بها. وربما كان الميت منتسبا إلى الطريق فتتقدم جماعته ويحملون النعش ويتجاذبونه ويتماسكون به كأنه يريد الطيران وهم يمنعونه عنه، الأمر الذي ينكره الشرع فإذا وصلوا بالجنازة إلى القبر أنزلوها إلى الأرض وافتتح واحد بالأذان الشرعي ثم أخرجوا الميت من

стр. 196

التابوت وأنزلوه في حفرته وابتدروا تلاوة سورة ياسين ثم تبارك ثم النبأ ثم سورة الإخلاص والمعوذتين والفاتحة وأوائل البقرة وأواخرها والتربّي في هذه البرهة يلحده ويحلّ ربط أكفانه فإذا انتهى خرج من القبر وطبقه وأهال عليه شيئا من التراب ثم صاح المؤذن في الناس: غفر الله لعبد جلس. فيجلس الجميع القرفصاء ويصمتون، ويتقدم أحد الشيوخ ويلقن الميت سؤال الملكين وكلمة التوحيد ثم يقوم هو ومن حضر فيصطفون حلقة يقوم في وسطها ناشد ويذكرون الله تعالى برهة. وفي ختامها يتقدم واحد من قبل وصي الميت ويفرّق على الفقراء والمحتاجين شيئا من الدراهم وينصرفون ويصطف أهل الميت في جهة من المقبرة ويمر عليهم الناس ويعزّونهم وفي مساء هذا اليوم يرسل أحد أصدقاء الميت طعاما يتعشى منه أهل الميت ومن يكون في بيته، ويقال لهذا الطعام حمول. وفي هذه الليلة أيضا يدعى جماعة من حفظة القرآن الكريم إما إلى البيت الذي مات فيه الميت وإما إلى قبره إذا ساعد الأوان، وقد تضرب عليه خيمة، وإما للمحلين معا فيشتغلون بتلاوة القرآن إلى مضيّ طائفة من الليل. ومنهم من يشتغل بالتلاوة إلى الصباح. ويستمرون على ذلك ثلاث ليال إلى سبع. وفي آخر كل ليلة يوضع لهم مائدة تشتمل على حلاوات وبعض أطعمة فيأكلون ومن حضر معهم لسماع التلاوة، ويشربون قهوة البنّ ويدخنون وينصرفون. وفي كل ليلة من هذه الليالي أيضا يجتمع نفر من الرجال والأولاد بين العشاءين في مسجد المحلة ويكررون كلمة التوحيد وفي أيديهم سبحة كبيرة تبلغ نحو خمسمائة حبة فإذا دارت دورا سكتوا وتلا إمام الجامع أو غيره شيئا من القرآن الكريم. وبعد فراغه يعودون إلى التسبيح فيديرونها دورا آخر ويختمون الذكر وتفرق عليهم الحلوى المعروفة بالغريبة. وفي صبيحة اليوم الثالث من الوفاة يجتمع جمّ غفير من أقرباء الميت وأحبابه وأترابه والفقراء والمساكين إما في مسجد المحلة وإما على قبره إذا ساعد الفصل، فتخرج البسط والسجادات وتمد على الأرض في طراف القبر ويوضع عليه قماقم «١» ماء الورد وتنثر فوقه الزهور ويفرق على القارئين أجزاء الربعات التي يستخرجها إمام مسجد المحلة. وبعد إتمام قراءتها يجهر الجميع بتلاوة صيغة الختم. وفي ختامها يقوم الناس ويصطفون حلقة على القبر يقوم في وسطها أحد شيوخ الطرائق العلية وناشده فيذكرون الله تعالى وربما ضرب النشاد بطبلات

стр. 197

استحضروها معهم بإذن أهل الميت فإذا قرب فراغهم من الذكر قام واحد من قبل وصيّ الميت وفرق على الفقراء شيئا من الدراهم وتبعه آخر يرش عليهم ماء الورد ثم يدعو الشيخ للميت بالرحمة والمغفرة وينفضّ الجمع ويقف قرابة الميت صفا يمرّ بهم من حضر ويعزّيهم بالفقيد. وهذا اليوم يعرف بالثالث. ثم في اليوم السابع من الوفاة يدعى جماعة من حفظة القرآن إلى بيت أهل الميت فيختمون في ذلك النهار ختما شريفا. وفي مسائه تبسط الموائد ويفتح باب الدار للفقراء والمساكين فيدخلون أفواجا أفواجا ويأكلون ويخرجون. وهذا اليوم يسمونه الأسبوع. ومثل ما يكون فيه يكون في يوم الأربعين ويوم تمام السنة من الوفاة ويعرف بالسنويّة. بعض عادات يستعملها النصارى في أفراحهم وأتراحهم فمنها ما اعتادوه في الخطبة والزواج، وذلك أن بعض الشبان متى أراد الزواج أخذ يتصفح وجوه البنات عند خروجهن من الكنيسة ومجامع الناس. فإذا أعجبته بنت من جهة حسنها ومالها وكفاءتها له شرع يتعاطى الوسائل للتوصل إلى مكالمتها واستمالتها نحوه فإذا تم له ذلك عرّفها تصريحا أو تلويحا بأنه يريد أن يكون بعلها. وهذه هي الخطبة الأولى التي تكون سرا بين الزوجين ولا يقع بينهما اجتماع في بيت إلا بطريق المصادفة، كأن يكون في المكان وليمة زفاف أو اجتماع خاص، فإذا ظهر له منها الرضا باشر الخطبة الثانية، ويقال لها الخطبة الرسمية، فيرسل من قبله إلى ولي المخطوبة كاهنا ومعه وليه وبعض أقاربه فيتلقاهم ولي الزوجة بالترحاب ويقدم لهم الحلوى وقهوة البن ثم يتقدم الكاهن إلى ولي الزوجة ويقول له: هل تخطب كريمتك أو قريبتك فلانة إلى فلان؟ فيقابله بالإيجاب، فيلتفت إلى ولي الزوج ويسأله مثل هذا السؤال فيقابله بالإيجاب وعندها يضع أيديهما في بعضهما علامة على الرضا المتبادل منهما، ويشهد عليهما هو ومن معه. وبعض الكهنة يسأل المخطوبة هذا السؤال بحضور والدتها فتطأطىء رأسها بالإيجاب فيعطيها الحلي الذي أهداها إياه زوجها. وبعد هذا العمل يتوجه الجميع إلى دار

стр. 198

الزوج فيدعون له باليمن والإقبال فيجاوبهم بالشكر منهم ويقبل يد أبيه وأمه ويد الكاهن وينصر الجمع. وبعد مضي نحو أسبوع من الزمن يشرع الخطيب بزيارة مخطوبته فيتردد إليها في اليوم مرة أو في الأسبوع أو في الشهر. وكثيرا ما نهى الكهنة عن كثرة هذه الزيارة فذهب نهيهم سدى وبعد أن يبلو الخطيب أخلاق مخطوبته وتكمل له أسباب الزواج يرسل الكاهن إلى أهل خطيبته ليحدد لهم ميعاد الزواج على حسب ما يرغب الزوج. وهذا العمل يقال له المشورة ويكون الزوج قد حمّل الكاهن بعض الحلي والحلل، فيتوجه بها إلى بيت مخطوبته ويعطيها إياها ويعين مع أهلها يوم الزفاف. وكثيرا ما ينكث أهل المخطوبة ويفسخ عقد الخطبة فيرجع الكاهن ومعه الحلي والحلل إلى بيت الزوج ويبين لهم السبب الذي حملهم على إبطال الزواج، فإن رضي الزوج بهذا السبب كان بها وإلا أقام الحجة على أهل الزوجة عند الرئيس الروحاني المنسوب إليه أهل المخطوبة (هذا إن لم يكونا من طائفة واحدة) وللرئيس حينئذ أن يحكم على المتسبب بالضرر وينقض ويبرم على نحو ما يتضح له. وهذه المشورة قد بطلت الآن وصار الزوج يرسل الهدية لزوجته مع بعض أقاربه أو أصدقائه ومعه يكون تعيين يوم الزفاف. وقبل ثمانية أيام أو خمسة عشر يوما من هذا اليوم توزع رقاع الدعوة إلى حفلة العرس على الأقارب والخلّان من قبل وليي العروسين، ثم في اليوم المعين يقبل المدعوون إلى دار الزوج بلباسهم الرسمي فيستقبلون بالترحاب وتدور عليهم كؤوس المرطبات وقهوة البن ثم يتوجهون مع ولي الزوج إلى بيت الزوجة فيستقبلون بالترحاب ويسقون الشراب والقهوة المذورين ويستريحون قليلا ثم يطلبون إزار الزوجة وخمارها فيضعونها عليها ويسيرون معها إلى بيت زوجها ومعهم جميع المدعوين من قبل أهلها فيمشون بها في الطريق مشي الهوينى ويسيرونها بين امرأتين وربما كان ذلك ليلا أو قبيل الغروب ويحمل أمامها عدة فوانيس ومتى اقتربت من بيت الزوج خرج لاستقبالها المطربون ومعهم الزوج فيستقبلها أيضا وينتظم شمل المدعوين ويرسل الزوج شخصا كبيرا يدعو ولي زوجته، فمتى حضر يبتدر المطران مع جمهور الكهنة وهم باللباس الكنائسي بتلاوة آيات الإنجيل التي هي عقد النكاح وتستغرق نحو ساعة من الزمن. وفي ختامها يدعو لهما بالرّفاء والبنين ويحذو حذوه الحاضرون ثم تحرك آلات الطرب وتدور الخمرة

стр. 199

على القوم فيرقصون ويمرحون إلى نحو الساعة الثالثة من الليل وفيها يقدم لهم طعام العشاء ويسمونه سفرة الدخلة وهو قطع من لحم الدجاج الهندي والقديد والمخلّل والخبز السّميذ وغير ذلك فإذا أكلوا عادوا إلى السماع والطرب. وبعد مضي طائفة من الليل تقدم لهم الأشربة وبعض الحلاوات. وفي منتصف الليل ربما يقوم أحد الأدباء وينشد قصيدة تتضمن تهنئة العروسين والتبريك لهما. فإذا أتمها صاحوا استحسانا وصفقوا واستمروا في عملهم من الطرب والشرب والرقص حتى الصباح وفيه يقدم لهم الفطور الذي هو عبارة عن الجيكولاتا أو بعض الحلاوي اللطيفة مع الخبز السميذ والقديد فإذا أكملوا أكلهم باشروا جلوة العروسين وذلك بأن ينتظموا معهما حلقة ويرقصوا جميعا على نسق رقص العرب أو الأكراد. فإذا فعلوا ذلك انصرفوا مثنين على العروسين. وفي صبيحة هذا اليوم يهدى إلى الزوجة من قبل أحد أبوي الزوج هدية من الحلي يسمونها الصبحية. ثم في ثالث يوم أو سابع يوم يقبل من كان مدعوا ليلة الزفاف ويهنئ العروسين. وفي اليوم الثامن يزور العروسان أصحابهما فيحتفلون لهما بإحياء ليلة طرب ورقص. وفي اليوم الثاني عشر أو قبله يولم الزوج إلى المطران ولفيف الكهنة فيأكلون وينصرفون داعين لهما باليمن والإقبال وبعد مضي ثلاثين يوما من ليلة الزفاف يشرع العروسان برد الزيارة لمن كان مدعوا لزفافهما فيقابلان بالإعزاز والإكرام وتولم لهما الولائم. فهذه هي معظم العادات المستعملة في الخطبة والزواج. بعض عادات النصارى في أتراحهم فمن ذلك العادات المستعملة في الوفاة. وهي أنه متى قضى المريض نحبه يوضع على منصة. وبعضهم يضعه في صندوق من صفيح التوتياء كيلا يتغير ريحه لأنه لا بدّ وأن يبقى بضع ساعات من غير دفن، ولا سيما إذا كان شابا عزيزا على قومه فإنه يبقى أربعا وعشرين ساعة خوفا من أن يكون اعتراه سكتة القلب. وفي هذه البرهة يرسلون رقاع نعيه إلى أحبابه ومعارفه فيحررونها من لسان جميع من يلوذ بالميت، ذاكرين كل فرد باسمه معينين فيها ساعة تشييع جنازته إلى التربة، ويطلبون منهم الدعاء له بقولهم في آخر المكتوب صلّوا لأجله.

стр. 200

ثم في الساعة المعينة يقبل المدعوون للحضور في احتفال جنازته الذين أرسلت إليهم الرقاع المذكورة ويقبل لفيف الكهنة ثم يضعونه في صندوق عمل له جديدا ليدفن فيه. وبعضهم يكتب على صندوق الميت بعض الأشعار في رثائه وربما كتبوا عليه تاريخ ولادته ووفاته وزينوه بالزهور والنقوش. ثم يأتي الحمالون فيحملونه على كواهلهم إلى الكنيسة ويتبعهم الجمهور. وهناك يصلي عليه المطران مع القسيسين وبعدها يصطف من حضر على نسق معلوم يكون فيه العسكر (إن كان الميت عزيزا ووجد عسكر) سائرين صفّين على مقدمة الموكب ويليهم خفر «١» قناصل الدول الأجنبية ثم تلامذة المدرسة ثم حملة الصليب والشموع ثم جماعة القسيسين والمطارنة يترنمون بآيات من الإنجيل ثم النعش وقد اكتنفه أربعة رجال من كبار القوم وأعزاء الميت يمسكون من أربعة أطراف النعش أربعة سفايف من الحرير الأسود فإذا وصلوا به إلى اللحد صلّوا عليه. فإن كان عزيزا في قومه قام أحد أدبائهم ورثاه نظما أو نثرا وبعد أن يواروه في ترابه يصطف أهله للتعزية، فأول من يمر من أمامهم ويعزّيهم هو المطران أو الأسقفّ ثم يتبعه بقية الكهنة والناس. وهكذا ينصرف الجمع. ثم في اليوم الثالث يعملون له في الكنيسة صلاة يسمونها الجنّاز ويحسنون فيه إلى الفقراء ببعض المأكولات أو بنقود وهذه الصلاة يعيدها بعضهم في اليوم التاسع وفي اليوم الأربعين وفي نصف السنة وتمام السنة. وحزن الولد على أبيه أو أمه مدة ثلاث سنوات والأخ على أخيه والأب على ولده سنتين. وهكذا الزوجان على بعضهما. وقد تزيد مدة الحزن وتنقص باعتبار عظم المصيبة بالفقيد. وفي مدة الحزن يلبسون السواد ويفرشون منه بيوتهم ويمتنعون عن الحمّام وسماع الغناء وآلات الطرب ومحافل الفرح. هذا ما تيسر لي استقصاؤه من عاداتهم في أفراحهم وأتراحهم. وأما عاداتهم في أعيادهم ومواسمهم فليس لي بها حق المعرفة فلذا لم أتعرض إليها بالذكر.

стр. 201

بعض عادات يستعملها اليهود في أفراحهم وأتراحهم فمنها أن يختنوا الطفل بعد ولادته بيومين إن كان قوي البنية. ثم إن كان من سبط «١» إسرائيل وكان بكر والدته التي هي من سبط إسرائيل أيضا ولم تكن أسقطت قبله وجب على أبيه أن يفتديه من رئيس روحاني يكون من سبط هارون ويعرف عندهم بالكاهن. وكيفية هذا الفداء هو أن يدعى الكاهن إلى البيت الذي ولد فيه الطفل فيضع الطفل في حجره ويلتفت إلى أمه قائلا لها: هل هذا أول ولد ولد لك ولم تكوني أسقطت قبله فتجيبه بقولها نعم فيلتفت إلى أبيه ويقول له إن هذا المولود حقّ سبط الكهنة فيتضرع أبوه إليه ليستوهبه منه ويعوضه عنه قدرا معلوما من الدراهم الفضية. قلت: هذا الفداء عندهم مأخوذ من الإصحاح الثالث عشر من سفر الخروج. ثم إن الطفل متى بلغ عمره السنة وجب على أبويه أن يأخذاه في كل سنة إلى قدّوس أي وليمة زفاف بشرط أن يكون في اليوم الذي قبل عيد الفصح وهو عيد الفطير. فيطعمانه من طعام المائدة المعروفة بالسيعوداه التي توضع في تلك الوليمة ويستمرون على هذا العمل إلى أن يبلغ عمره اثنتي عشرة سنة فيعتاضون عنه بصيام الولد ذلك اليوم. وإذا بلغ الثالثة عشرة وجب على أبيه أن يلبسه كنفوت، وهو صدرية مرتبطة أطرافها الأربع بفتائل من الغزل وأن يلبسه تيفلين، وهو سير من الجلد يشده على عضده الأيسر ورأسه قد اشتمل على الكلمات العشر والإصحاح الأول من سفر الوصايا فمتى تقلد الولد ذلك عدّ رجلا وجاز أن يكون متمما صلاة الجماعة التي لا تتم إلا بعشرة رجال، ويرث سهمين من تركة أبيه الحاضرة. وهذا كله إذا كان من سبط إسرائيل على ما تقدم فإن كان كاهنيا أو من سبط لاوي «٢» فليس على أبيه أن يفتديه ولا أن يأخذ سهمين من تركة أبيه.

стр. 202

وإذا بلغ عمره الثامنة عشرة يجب عليه الزواج فيباشر الخطبة ومتى أعجبته أنثى وأعجبها جرى بينهما قنيان أي تحالف على الرضا ببعضهما وحررا فيه صكا يسمونه شيطارا يذكران فيه مقدار المهر الذي يوضع من الطرفين ويعينون مدة للزفاف وعند حلولها تنعقد جميعة يسمونها كتبة فيها يكون استلام الزوج الأمتعة التي اشترطها على الزوجة كالحلي والملابس. وفي هذا اليوم يشربون ويطربون ويكون حاضرا فيه جملة من رؤساء دينهم. ثم بعد ثلاثة أيام تكون حفلة الزفاف المعروفة بالقدوس فيحضر رؤساء الدين وجم غفير من أحباب العروسين وأصحابهما ويبتدئ احتفالهم من العصر إلى وقت الغروب، فيقوم رؤساء الدين ويجرون العقد المشتمل على الإيجاب والقبول، ويقرأ أحدهم قداسين فمدة قراءة الأول يوقفون الزوج أمام الزوجة والثاني يوقفونهما بجانب بعضهما ويفتحون على رأسهما ملاءة من صوف يسمونها طليطة أي طيلسان. وفي هذه البرهة يعطيها الزوج مقدارا من الفضة فتأخذه ويشهد بذلك رجلان ليس لهما قرابة لأحد الطرفين وعند ما يسلم الزوج زوجته الفضة المذكورة يقول لها بالعبرانية [هاري آت ميقديشت لي بي طباعت زكيدات موشى وإسرائيل] معناها أنت مقدسة لي بهذه القطعة الفضية مثل دين موسى وإسرائيل. وبعد هذا يتقدم الحاخام الأكبر وبيده كأس من الخمر فيبارك عليه بدعاء طويل باللغة العبرانية ويشرب منه جرعة ويدار على كل من حضر فيشرب منه جرعة أيضا ثم يرميه إلى الأرض فينكسر. وبعد ذلك يدخل الزوجان البيت المعد لخلوتهما فإن تزوج الزوج في تلك الليلة وجب عليه أن لا يمس زوجته مدة خمسة عشر يوما وأن يذهب إلى الحمّام وينطبل أي ينغمس في الحوض الخصوصي. ويجب على الزوج أن يدعو في ثاني يوم من زواجه عشرة من رؤساء الدين ويعمل لهم وليمة. ويجب على رئيسهم قبل تناول الطعام أن يبارك على المائدة سبع مرات كما بارك على كأس الخمر يوم الزفاف فإذا فعل ذلك أكلوا وانصرفوا. هذا جل ما يستعملونه من العادات في أفراحهم.

стр. 203

بعض ما يستعملونه في أتراحهم وأما ما يستعملونه في أتراحهم، فهو متى احتضر المريض جلس عند رجليه رجلان متدينان يذكرانه بقولهما [شيماع إسرائيل أدوناي إيلو أدوناي أحاد] أي اسمع يا إسرائيل الديان إلهنا الديان واحد. فإذا مات وضعوه على المغتسل المعروف عندهم باللوحوت فيغسلونه بالماء الفاتر ويدرجونه في ثوب من الكتان ويضعونه في التابوت ويسمونه [أروت] ثم يحضر أحد أولاده وأقاربه ويقرأ عليه قديشا أي يصلي عليه صلاة الميت فإذا تم ذلك حمل التابوت بين ثلاثة أشخاص. ويجب على كل من مرت به الجنازة أن يمشي معها لا أقل من أربعة أذرع ويطلب من الميت السماح. فإذا وصلوا به إلى الكنيسة أدخلوه إليها وقرأ عليه أحد أقاربه قديشا آخر. ثم حملوه كذلك حتى وصلوا به إلى مدفنه ودفنوه وعندها يقوم أحد الحاضرين ويبارك عليه بقوله [با روخ ديان ها ايميت] أي تبارك من شرع الحق. ثم يقرأ ولده قديشا ثالثا ويعود هو ومن معه من الأقارب والأحباب إلى بيت الميت وفي أثناء الطريق يغسل يديه كل من حضر في الجنازة ويقول عند غسله إياها [عينينو لو رأو ويادينو لوشا فيخو بيدام هزه] أي أعيننا ما رأيت ويدينا «١» ما سفكت هذا الدم. فإذا وصلوا إلى بيت الميت قام أحد الحاضرين إلى كل وارث للميت وخرق ثوبه من طوقه سواء كان أنثى أم ذكرا ويقول لأولاده [يا روخ ديان ها ايميت] . ثم تحضر مائدة فيها أنواع الأطعمة يرسلها أحد الحاضرين ويطعمون ورثة الميت بشرط ألا يتناولوا منها ما لم يضعوا الطعام بأيديهم ويباركوا لهم بقولهم [يا روخ ميناحيم إبيليم] يعني تبارك الذي يسلي الحزين. ثم إن ورثة الميت يجلسون في بيوتهم مدة سبعة أيام لا يشتغلون فيها مطلقا ويسمونها التأبيل أي الحداد، وفي اليوم السابع يصنعون لروح الميت طعاما للفقراء. وهكذا في اليوم الثلاثين وبمرور تسعة أشهر وبمرور السنة.

стр. 204

عادات الحلبيين المسلمين في الأشهر القمرية فمما اعتادوه في أول يوم من شهر محرم أن يتناولوا فيه طعاما حلوا ويخرج فيه جماعة من العجزة والفقراء ينضمون إلى بعضهم رباع وخماس وسداس ويدورن على أبواب البيوت وينشدون شيئا من المديح فيتصدق عليهم الناس بشيء من البرغل وهؤلاء الجماعة يقال لهم فاز من صلّى، سموا بلازمة الزجل الذي ينشدونه وهي (فاز من صلى على تاج العلى طه النبي المصطفى جد الحسين) . وبعض الناس يسمونهم الحسينية وفي يوم عاشوراء يوسع الناس على عيالهم المآكل ويطبخون الطعام المعروف بالحبوب. وكان الناس يخرجون في هذا اليوم إلى المشهد حيث تكون فيه وليمة حافلة يحضرها الوالي ومن دونه فيتلى شيء من القرآن العظيم وصحيح البخاري وقصة المولد وتنشد مرثية ابن معتوق في سيدنا الحسين التي أولها (هلّ المحرّم فاستهلّ مكبّرا) ثم يأكل الجميع وينصرفون. والنفقة في ذلك من أوقاف المحل المذكور. وكانت النفقة على ذلك تصرف بواسطة الخزينة السلطانية الخاصة التي تجبي غلات القرى الموقوفة عليه وهي أبو الرويل وكفر هداد ودلامة ولما صارت هذه القرى مضبوطة للخزينة المالية كانت النفقة المذكورة تصرف من بيت المال. وفي آخر أربعاء من صفر يشتغلون بالذكر والتسبيح وتعطل فيه الحكومة. وفي اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول تعطل الحكومة ويقبل الناس إلى الجامع الكبير لسماع قصة المولد النبوي فيسقون الشراب الطهور وينثر عليهم اللوز والملبس وتستمر هذه القصة تتلى في المساجد والجوامع نهارا وفي البيوت ليلا إلى آخر هذا الشهر. وكثيرا ما تتلى في الأماكن المذكورة في غير الشهر المذكور أيضا وتصنع لأجلها الولائم الحافلة. وأكثر قصص المولد استعمالا البرزنجي، ثم مختصرها للشيخ مصطفى الأصيل، ثم مولد نظم ينسب للشيخ وفا الرفاعي أوله (بعد حمد الله رب العالمين خالق الإنسان من ماء وطين) ، تم مولد السمان

стр. 205

ثم ابن حجر. وربما تليت قصة الإسراء والمعراج للبرزنجي التي أولها (افتتح تحبير أبراد ايراد.) وقد يتلى غيرها. واعلم أن أول ما عمل المولد الشريف النبوي أيام الفاطميين بالقاهرة. قال المقريزي: واعلم أنه لم يعرف في زمن رسول الله ﷺ ولا في مدة الخلفاء الراشدين ولا في أيام بني أمية ولا في بعض خلافة العباسيين أن أحدا اتخذ يوم المولد موسما يخصه بشيء من العادات بل كان أول من أحدث في الإسلام عمل المولد مظفر الدين كوكبري ابن زين الدين علي متولي إربل بعد وفاة أخيه زين الدين يوسف سنة ٥٨٦ واحتفل لعمله وأكثر فيه من الصدقات وإظهار الزينة والسرور. انتهى ملخصا. رجعنا إلى ما نحن في صدده: وفي اليوم السابع والعشرين من شهر رجب يخرج الناس للمشهد المتقدم ذكره ويخرج الوالي ومن دونه وتعطل الحكومة فيسمعون فيه قصة الإسراء والمعراج ويسقون الشراب ويطعمون الحلوى وينصرفون. وقد بطلت هذه العادة منذ حدوث الحرب العالمية وخرب المشهد بالحادثة التي ذكرناها في الباب الأول في الكلام على المشهد. وفي ليلة النصف من شعبان يجتمع الناس في المساجد والجوامع بين العشاءين ويتلون دعاء يسمونه دعاء ليلة النصف من شعبان فيلقنهم الشيخ إياه كلمة كلمة ويعيدونها ويكررونه ثلاث مرات يقدمون على كل مرة منها تلاوة سورة ياسين. وأكثر الناس مواظبون على قراءة هذا الدعاء في تلك الليلة حتى كأنه من الفروض الدينية مع أنه مما لم يثبت به أثر نبوي. وبعد الانتهاء من هذا الدعاء يصلي الحاضرون صلاة العشاء ويتصرفون إلى بيوتهم. وفي بعض المساجد يصلون صلاة التسابيح بعد صلاة العشاء، ثم يجلس الشيخ ويعظ القوم ويذكر لهم فضل هذه الليلة وربما تلا قصة المولد وتفسير سورة الدخان وكثير من يحيي «١» هذه الليلة بالذكر والعبادة في المسجد أو في بيته ويصوم يومه. ثم متى أطلقت مدافع إثبات رمضان ابتدر الناس الجوامع لصلاة التراويح فإذا أتموها خرج بعضهم إلى بيوت القهاوي لسماع المطربين والتفرج على المشعوذين أو اللاعبين مع بعضهم

стр. 206

بالصراع. ومن الناس من يخرج من المسجد إلى بيته ويشتغل بتلاوة القرآن إلى السحر. ومنهم من ينام إلى الوقت المذكور. وعلى كل حال: فمتى أطلق المدفع الأول وذلك قبل الفجر بنحو ساعة ونصف هب الناس من منامهم أو رجعوا إلى بيوتهم، وتناولوا شيئا من الطعام والقهوة والدخان فإذا أطلق المدفع الثاني وذلك قبل الفجر بنحو ثلثي ساعة تركوا الطعام والشراب وابتدروا الطهارة والوضوء وتوجهوا إلى المساجد فيتلون بها الورد البكري وبعض تسابيح وتهاليل أو يسمعون فيها تلاوة القرآن من قبل أحد الحفاظ الموظفين، ثم صلوا الصبح ورجعوا إلى بيوتهم. ومنهم من ينتظر طلوع الشمس ويصلي صلاة الضحى ويرجع إلى بيته فينام. فإذا كان قرب الظهر هبوا من مضاجعهم وتهيئوا لصلاة الظهر فإذا صلّوها أخذ كل رجل يهيّئ طعام بيته للمساء ثم جلس في حانوته إلى وقت العصر ومنهم من يستغني عن الاسترزاق في هذا الشهر فيلازم المسجد في أكثر نهاره. وفي كل ليلة من العشر الأخير منه سحرا يصعد إلى أكثر منارات المساجد زمرة من المؤذنين ويتغنون بالزجلات المشتملة على وداع رمضان والتأسف عليه وربما أخرجوا معهم طبيلات يضربون بها على الإيقاع. وفي سحر الليلة السابعة والعشرين يجتمع جم غفير من الناس في الجامع الكبير لسماع القرآن وإنشاد المدائح من بعض ذوي الأصوات الحسنة ودعاء مؤثر يتلوه أحد الموظفين في الجامع وليتفرجوا على الجامع لأنه يوقد فيه بتلك الليلة عدد وافر من الشموع والمصابيح فإذا صلوا الصبح عادوا إلى بيوتهم كجري عادتهم. وهكذا يستمرون إلى ليلة العيد. ثم إن الناس في خلال هذه الأشهر الثلاثة يهجرون المعاصي ويقبلون على العبادة ويكثرون من الصدقات ويتوجه بعض الحجاج إلى بيت الله الحرام ويخرج سحرا في كثير من المنارات جماعة أصواتهم حسنة يوحدون الله تعالى ويقدسونه ويهللون وينشدون بعض المدائح النبوية. ويعتكف بعض أفراد من المتعبدين في المساجد والجوامع فتقل المعاصي في خلال الأشهر الثلاثة ولا سيما في رمضان وقبله بأيام قلائل. ومما جرت به العادة في رمضان أن يخرج في كل ليلة منه قبل المدفع الأول بنحو ساعتين رجل طبال يدور في المحلة المختصة به ويقف عند كل باب ويضرب بطبلته وينشد شيئا من المديح ثم يحيي كل واحد من رجال أهل البيت ويذكر اسمه وينصرف. ومن العادات في

стр. 207

هذا الشهر أيضا تلاوة القرآن واستئجار الحفظة للتلاوة في الجوامع نهارا وفي البيوت ليلا. ومما اعتادوه أيضا أن يصعد إلى كل منارة في كل ليلة قبل المدفع الأول بنحو ساعة رجل ينشد شيئا من المديح حتى إذا أطلق المدفع الأول أذن الأذان المعتاد ثم سكت وصار في كل برهة يصيح بكلمة من الأذان ويمطط صوته فيها بحيث تضيع صورتها ولا يفهمها السامع إلا بإمعان السمع ويستمر على ذلك إلى إطلاق المدفع الثاني. وهذا العمل يعرف بالأصوات والغرض منه أن يعرف المستيقظ من منامه في أي وقت هو. ومما اعتادوه في هذا الشهر كثرة ترددهم على الجامع الكبير في النهار ولا سيما بعد العصر لكن كثير من الناس من يجعل مجيئه إليه في مقام النزهة وإضاعة الوقت. هذه أكثر العادات المستعملة في رمضان. فإذا أطلقت مدافع العيد ابتدر الناس تهيئة طعام الفطور وتفتح الأسواق في تلك الليلة فيشتري الناس اللحم والبقول والحبوب والتوابل والحلوى وغير ذلك. ثم يرجعون إلى بيوتهم فينامون إلى الغلس «١» ثم يقومون ويغتسلون ويلبسون أحسن ثيابهم ويصلون الصبح وصلاة العيد ويخرجون إلى المقابر فيزورون أمواتهم ويرجعون إلى بيوتهم فيفطرون فيها ويحملون فرشا من جميع أنواع أطعمة الفطور إلى كل من الطبال والحارس وقيّمة الحمّام ويعطون كل واحد منهم جائزة من الدراهم تسمى العيدية. ثم ينطلقون لزيارة بعضهم للمعايدة فمنهم من يجلس في بيته في اليومين الأولين من العيد ويدور في الباقي ومنهم من يعكس وكلما أقبل زائر قدم له المزار شيئا من رب الكباد والراحة وغيرهما مما هو على نسقهما أو سقاه قدحا من أحد الأشربة الحلوة إن كان الأوان صيفا ثم أتبعه بقهوة البن. وكان يخرج قبل العيد بيومين رجل في رأسه قلنسوة طويلة في أعلاها ذنب ثعلب وفي يده دف يضرب فيه وأمامه بغل مدرع بالخرز والودع معصب رأسه بالمناديل الملونة فيدور على هذه الهيئة بالأزقة والشوارع ويقف على كل ذي دكان ويمدحه ويرقص له فيعطيه شيئا من النقود وينصرف. ويقال لهذا الرجل جحش العيد. وكان يخرج في كل يوم من أيام العيد صبيان قد صبغوا أجسامهم بالسواد ولبسوا ثيابا قصيرة وفي رؤوسهم قلانس طويلة وفي أيديهم دفوف يضربون بها يدورون على منازل الأكابر

стр. 208

ويمدحون ذويها ويرقصون لهم ويتخلعون فيعطونهم شيئا من النقود وينصرفون. وهؤلاء الجماعة يقال لهم بيضا بيضا وقد قل ظهورهم في هذه الأيام كالذي قبلهم. ومما اعتاده الأولاد وبعض الشبان في كل أيام العيد أن يتمرجحوا في المرجحونة ويجلسوا في نوع من الدواليب يقال لها القلابة وأن يلعب بعضهم بالميسر المعروف بيانصيب فيخسرون دراهمهم. ومما اعتادوه في المحلات المتطرفة من البلدة أن يضعوا لكل زائر يزورهم في العيد مائدة فيها من طعام الفطور الذي هو عدة أنواع دسمة وحلوة وحامضة. فربما دار الزائر في يومه عشرة بيوت، وفي كل بيت يتناول شيئا من هذه المائدة فيفضي به الحال إلى الكظّة «١» والتخمة وهذا من أقبح العادات. وقد قل استعمال هذه العادة. ثم بعد فراغ العيد يأخذ الحجّاج أهبتهم ويسافرون ويخرج لكل حاجّ من يودعه فمن المودعين من يرجع من أرض الحلبة «٢» ومنهم من يرجع من أرض السبيل المبلّط ومنهم من يرجع من قرية كفر داعل وهكذا حتى إنهم يوجد منهم من يرجع من الاسكندرونة. هذا قبل وجود السكة الحديدية في حلب أما بعد وجودها فالمودعون غالبا لا يتجاوزون بوداعهم المحطة وقليل منهم يتجاوزها إلى غيرها من المحطات فيما بين حلب وطرابلس أو بيروت. وقبل بضعة أيام من عيد النحر يقبل تجار الغنم من كل جانب فيبتاع منها من حقّت عليه الأضحية فإذا كان صباح أول يوم من هذا العيد ابتدأ الناس بالتضحية وتفريق لحمها على المستحقين إلى انتهاء أيام النحر، وبقية العادات في هذا العيد كالذي قبله. هذا ما يستعمل من العادات باعتبار الأشهر القمرية. ما يستعملونه في الأشهر الشمسية وأما ما يستعمل منها باعتبار الأشهر الشمسية فهي أنه كان في اليوم التاسع من آذار يخرج كثير من الناس إلى الجهة الغربية من ظاهر حلب كأرض الحلبة وجبل النحاس وجبل الجوشن «٣» وذلك ليستنشقوا نسيم الصبا التي تهب وقت حلول الشمس في برج الحمل

стр. 209

كما يزعم بعض المنجمين. وفي الغالب يكون خروج الناس لذلك في الوقت الذي يعينه لهبوب هذا النسيم ميقاتي حلب أو غيره من المنجمين. ومما اعتادوه في هذا الشهر أيضا كثرة خروجهم إلى الجهات المذكورة للنزهة أو إلى بعض البساتين إذ يكون الشجر أخذ بالنور «١» . وفي شهر نيسان تهجر الجهات المذكورة ويقتصر الناس على البساتين طلبا للظل. وكان يخرج في أوائل هذا الشهر رجل من دراويش إحدى الطرائق ويدور في البلد وهو يضرب بطبلة في يده ويحمل راية صغيرة وينادي باقتراب أوان سفر الزائرين إلى ولي الله الزاهد إبراهيم بن الأدهم ويعين محلا لاجتماعهم في يوم معلوم للمفاوضة في هذا السفر ويذكر الشيخ الذي يترأس عليهم. وكان لبعض العامة اعتناء عظيم في هذه الزيارة إذ يعتقد أنه إذا زار سبع مرات يسقط عنه فرض الحج. وهذا جهل عظيم. وقد بطلت هذه البدعة منذ ثلاثين سنة أو أكثر. ومما جرت به العادة في هذا الشهر أن يرفع الناس مؤنة سنتهم من الفحم والجبن والسمن وربما أخروا الأخير إلى حزيران. وكان مما اعتاده بعض الناس أن يسافر في الربيع لزيارة الشيخ ريح زاعما أنه يشفى من ريحه. ثم هجرت هذه العادة. ومن العادات التي كانت جارية في نيسان أن يخرج في يوم الأربعاء والخميس كثير من النساء والشبان إلى بساتين جهة الدباغة كبستان قيصر وبربر ويخرجون معهم أنواع المأكولات فيبقون هناك ذلك النهار. وهذان اليومان يقال لأحدهما أربعاء الزوبعة ولثانيهما خميس البيض. ويكونان قبل الأحد الذي هو أول يوم من عيد الفصح. ويعمل في يوم الاثنين بعده ما يعمل في اليومين المذكورين ويقال له اثنين الباعود. ويزعمون أن من لم يخرج إلى النزهة في هذه الأيام الثلاثة لا يأمن سنته من الصداع ووجع الرأس. وقد أهملت هذه العادة أيضا لاستغناء الناس عنها بالخروج إلى المنتزهات في أكثر الأيام. ومما اعتادوه في شهر هيار إلى أواخر الصيف أن يزور كثير من الناس في البساتين بالأهل والعيال ثلاثة أيام فأكثر وأن ينام معظم من يبقى في حلب تحت السماء وأن يخرج كثير من الأصحاب والأحباب مع بعضهم إلى أحد البساتين فيبقون بها من الصباح إلى المساء

стр. 210

فيفطرون فيها ويتغدون ويتعشون. والنفقة في ذلك إما تبرعا من أحدهم وإما موزعة على كل واحد منهم وتسمى بشماريّة وإما أن يقوم بمثلها في غير يوم كل واحد منهم وتسمى دوريّة. وهذا اليوم يسمونه سيبانة. ومما اعتادوه أيضا في هذه المدة أن يخرج من الناس عدد كثير للنزهة في جادة باب الفرج أو إلى ظهر القناة في جهة بعاذين أو إلى عين التل والعين البيضاء أو إلى جبل الشيخ فارس أو الشيخ مقصود أو إلى الميدان الأخضر. وكثير من يبقى فيه إلى الليل إذا كانت الليلة مقمرة. وفي هذا الشهر أعني شهر هيار يقع في حلب كساد عظيم على التجار لاشتغال ذوي الزراعة بالحصاد وجمع الزرع ويسمون هذه الأيام أيام عصّة المنجل. ومن أوائل أيلول إلى أواخر تشرين الأول يشتغل الناس باحتكار مؤنة سنتهم من الحنطة والعدس وبقية الحبوب فيسلقون شيئا من الحنطة للبرغل ويشتغلون بدقها وتنقيتها وطحنها وغربلتها ويرفعونها في مخازنها ويحتكرون بقية ما يحتاجونه في شتائهم من البقول والفواكه التي يحفظونها إما بالتيبيس وإما بالماء الموضوع فيه ملح مع رادّة تطفو البيضة على سطحه. قيل إن الحلبيين عرفوا البرغل من التتر المنسوبين إلى جنكزخان حينما استولوا على حلب فإن البرغل كان زادهم في أسفارهم والله أعلم. ثم إذا دخل تشرين الثاني أخذ الناس أهبتهم للشتاء وشرعوا يسهرون عند بعضهم ليلا، فزمرة منهم يقتصرون في سهرتهم على الحديث المباح كذكر الأكل والشرب والبيع والشراء وأخرى تقتصر على مطالعة بعض كتب الأخبار والتواريخ والفتوحات أو على مطالعة قصة عنتر أو كتاب ألف ليلة وليلة أو القصص الموضوعة المعروفة بالروايات أو كتب الحديث والسير أو أحد التفاسير. وربما اقتصر بعضهم على تلاوة القرآن أو غير ذلك من كتب الأخبار والتواريخ. وقد اعتادوا غالبا أن يجعلوا سهرتهم دورية عند كل واحد منهم أسبوعا مثلا. وفي الليلة الأخيرة منه يعمل صاحب البيت وليمة لهم ويحضر في الليل من يطربهم بصوته أو عوده أو كمنجته أو قانونه أو نايه. وربما أحضر جميع هذه الآلات ويعرف بالنوبة أو أحضر اللاعب بالخيالات ويعرف بالخيالاتي وهو مما لا بأس به لو لم يشتمل كلامه على فحش القول الذي يخل بالآداب ويسيء أخلاق الصغار. والظاهر أن اللعب بالخيال قديم لا كما يحكيه الخيالاتية أنه من اختراع بعض وزراء الدولة العثمانية فقد حكى ابن حجة في كتابه ثمرات الأوراق ما خلاصته أن السلطان الملك الناصر

стр. 211

صلاح الدين أخرج للفاضل من القصر من يعاني الخيال أعني خيال الظل ليفرجه عليه فقام الفاضل عند الشروع في عمله فقال له الناصر: إن كان حراما فما نحضره. وكان حديث العهد بخدمته قبل أن يلي السلطنة. فما أراد أن يكدر عليه فقعد إلى آخره. فلما انقضى ذلك قال له الملك الناصر: كيف رأيت ذلك. قال: رأيت موعظة عظيمة. رأيت دولا تمضي ودولا تأتي ولما طوي الإزار إذا المحرّك واحد. اه. ثم إن هؤلاء المطربين يشتغلون بآلاتهم إلى مضي بضع ساعات من الليل وحينئذ يضع صاحب البيت مائدة تشتمل على الفواكه والجبن والكعك والزيتون ولب الفستق واللوز والزبيب والبرتقال مع السكر المذاب بالماء. ويعرف هذا بالخشاف تحريف خوش آب كلمة فارسية معناها الماء اللذيذ. وإذا لم يولم مساء فإن مائدته يكون فيها علاوة ما ذكر أنواع الحلوى المعروفة بالكنافة والشوربة المطبوخة بالأرز ولحم الدجاج أو الضأن. فإذا أكل القوم ثم المطربون رجعوا إلى ما كانوا عليه من الطرب إلى ذهاب أكثر الليل ثم انصرفوا إلى بيوتهم. وكثير من يحذف النوبة المذكورة ويقتصر على شيخ يقرأ قصة المولد النبوي أو قصة المعراج ويحضر معه ذا صوت حسن ينشد القصائد النبوية في خلال تلاوة إحدى القصتين. ثم إن النوبة المذكورة والخيالاتي يشتغلون في بعض بيوت القهاوي في أكثر مواسم السنة التي يساعد ليلها على السهر. وكثير من الناس من لا يدخل في سهرة دوريّة بل يلازم بيته أو بيت القهوة أو يسهر عند أحد ذوي البيوتات التي أعدوها لمجالسة الأحباب ومسامرتهم. وهذه السهرة الدورية تكون عند النصارى واليهود وينتقلون فيها كل ليلة إلى بيت. وجلّ ما يمضون عليه سهرتهم هو اللعب بالورق. وأكثر ما يكون في الليالي التي يحتفلون فيها السماع والشرب والرقص على النسق العربي والافرنجي. ثم في الأيام الأخيرة طمى بحر الملاهي في أماكن متعددة أوجدت لذلك خاصة كمراسح الرقص والتمثيل والشرب والغناء والشعوذة وأنواع الخلاعة على صفة يحمر لذكرها وجه الأدب. ما لا يستحسن من عادات بعض الحلبيين إن ما أذكره هنا من العادات لا يستعمله من الناس إلا من لا يعبأ به. أما خواص الناس فإنهم يدركون بعقولهم المليح فيأتونه والقبيح فيجتنبونه. ولذا ترى الخواص من كل

стр. 212

ملة في كل صقع وإقليم قد اتحدت مشاربهم وعاداتهم وأفكارهم حتى كأنهم نشؤوا في بيت واحد: فالعقل فنّ واحد وطريقه ... أحرى وأجدر، والجنون فنون فمما لا يستحسن من عادات بعض الناس طول مكثهم في الحمّام. وقبح هذه العادة من حيث ضررها بالصحة. والنساء في ذلك أحق باللوم إذ أن إحداهن تدخل إليه من الظهر ولا تخرج منه إلى قرب العشاء. ومن تلك العادات أيضا استلقاء البعض وانكبابه على وجهه في الحمام وتفريك القيّم بالكيس ظهره وبطنه وأعلاه وأسفله. وهكذا يفعل معه عندما يغسله بالصابون. ولا يخفى ما يكون في ذلك من انكشاف العورة وعبث القيّم بها. وقد نص الفقهاء على كراهة ذلك في كتاب الحظر والإباحة. ومنها إفراط استعمال النسوة في الحمام طين الطفال المعروف بالبيلون، فهو وإن كان ينعم البشرة ويزيل ما يحدث فيها الصابون من الخشونة إلا أن الإفراط من استعماله قد يحصل منه سد الآذان سيما آذان النساء. ومنها ما اعتاده بعض الناس من نوم نسائهم عدة ليال عند من يزرنهم من الأهل والأحباب ولا سيما حينما يولد ولد لأحدهم فإنهم يبقين في منزل أبي المولود سبعة أيام متوالية يتكبد فيها مشقة عظيمة ونفقات باهظة عدا ما يلحق النفساء وطفلها من السآمة والملل من ضجيجهن وغواشهن «١» ليلا ونهارا. على أن الواجب الصحي يقضي أن تكون النفساء وطفلها منفردين في خلوتهما مصانة أسماعهما عن اللغط. أما رجالهن فإما أن يناموا في بيوتهم وإما أن يناموا في بيت الزيارة. ولا يخفى ما في نوم الرجل وحده في بيته من الزحمة والمشقة وأما نومه في بيت الزيارة فهو يوجب المشقة الزائدة على صاحبه لأنه يضطر حينئذ أن يستحضر مفروشا للرجال ومفروشا للنساء ويفرد لكل نوع منهما بيتا على حدته. هذا مع ما يكابده من الزحمة في مغايرة الموائد وعند خروج أحد الفريقين إلى الطهارة والوضوء.

стр. 213

ومنها خروج النساء في الحارات المتطرفة مع الجنازة وهن لابسات أثواب الحداد قد خمشن وجوههن وسودنها بالسّخام باكيات مولولات منتحبات وهي من عادات الجاهلية التي يأباها الإسلام. ومنها وهي أقبحها اغتيال «١» كثير من ذوي المطامع أطفالا صغارا وبهائم كالحمير والبغال فيخبئونها عندهم طعما في أن يأخذوا عليها من ذويها شيئا من الدراهم فلا يمضي عليك بضعة أيام إلا وتسمع مناديا ينشد ضالة ويعين لمن ردها عليه حلوانا. فكم من والدة تبيت طول ليلتها باكية منتحبة ترجم في ولدها الظنون أو تحسب أن قد أنشبت فيه مخالبها المنون. وكم من فقير ضاع حماره وتعطل عن عمله مدة أيام وخسر الحلوان ونال من القلق والاضطراب ما لا يخفى، ومنها أخذ النسوة العروس من بيت أبيها إلى بيت زوجها وهن يزرغتن في الشوارع مع أن ذلك غير جائز عندنا شرعا وهذه العادة مستعملة عند أهل الحارات المتطرفة فقط أما أهل الحارات الداخلية فقد هجرت عندهم هذه العادة وصاروا يأخذون العروس إلى بيت زوجها بعربات مستورة على وجه مقرون بالأدب والوقار كما قدمنا بيانه. ومنها استبراء بعض جهلة من المسلمين في الجدران وقد نبه الفقهاء على كراهة هذا العمل نظرا لما ينشأ عنه من انكشاف العورة وتلويث الجدار بالنجاسة مع عدم نقاء المستبرئ لأن الحجر ليس من الجواهر الهشة التي تمتص البول كالفخار والورق الهش وهذه المحاظير كلها إذا كان استبراؤه في جدار يملكه وإلا فعليه مع هذه المحاظير إثم التصرف بمال الغير أو يستأذن من صاحبه فإن كان الجدار وقفا تعذر الإذن. ومنها تواجد بعض الجهلة في الأذكار ولا سيما في النوبة البدوية فتراهم بعد أن يحضروا ببرهة يهيمون ويصيحون ويضجون ثم يتغامون ويقذفون أنفسهم في حلقة الذكر ويرتجفون وتتشنج أعضاؤهم ويسيل لعابهم فيأتي إليهم قيّم النوبة ويعالجهم على صفة معروفة فيؤوب إليهم رشدهم ويستقيم جسمهم وهذا هيام لم نسمع به في كتب القوم ولا رأينا صدوره من كامل الحشمة والوقار. ومنها، وهي قبيحة جدا: ليالي الطرب التي يحييها بعض جهلة النصارى فإنهم يجتمعون

стр. 214

زمرة ويبتدئون فيها قبل غروب الشمس بالشرب والدق والغناء لا يفترون ساعة واحدة إلى ضحوة النهار من الغد. وهم في كل هذه المدة يشربون ويتواجدون فيضجون أفرادا وجملة ويصيحون وتعلو أصواتهم ويكثر تصفيقهم ورقصهم ودبدبتهم حتى يقلق أبعد من جاورهم فضلا عمن كان قريبا منهم فيحرمونه لذة الرقاد وببيت طول ليله متقلبا على جمر السهاد. وإذا نهوا عن ذلك قالوا: هي الحرية. ولم يعلموا أن للحرية حدا يجب على المرء أن يقف عنده كيلا يسلب حرية غيره. على أننا لا ننكر أن بعض جهلة المسلمين يفعلون هذه الأفعال الفظيعة في لياليهم إلا أنهم يبتدئون فيها بعد العشاء الأخيرة ويختمونها في أواسط الليل فيتركون لمن كان قلقا بفعلهم مدة طويلة تكفيه للنوم والراحة. ومنها جمع النقوط والجبوة «١» التي يستعملها بعض المسلمين في مواسم الفرح كما سبقت الإشارة إليهما في الكلام على العادات المستعملة في الأفراح والأتراح. ومنها اغتسال بعض ضعفاء العقول من النسوة في قصطل علي بك خارج باب النيرب قرب الفجر، من السبت الأول والثاني والثالث من تموز وذلك أنهن يزعمن أن خاصة هذا العمل خلاصهن من المرض في بقية عامهن. ومن العادات التي لا توازيها عادة بالقبح والإخلال بالصحة استعمال القنواتية الخرق المطروحة في الأزقة وبين القمامات سدادا لكيزان «٢» أقنية الماء إذ لا يخفى أن هذه الخرق لا يطرحها أهلها في الأزقة إلا لقذارتها ونجاستها وتلوثها بما تعافه النفس وحينما تستعمل سدادا للماء ينحل ما فيها من جراثيم الأمراض في الماء المشروب فتتفشى بواسطته الأمراض الوبائية كالسل وحمى التيفوئيد. ومنها تلاعب الأولاد في الطيارات أيام الصيف فيصعدون على الأسطحة ويشخصون بأبصارهم إليها وهي طائرة في الجو فيقع بهم خطر عظيم من سقوطهم إلى الأرض إما لغفلتهم واستغراق أفكارهم وإما بجذب الطيارة إياهم. ومنها ما يفعله جهلة النسوة في يوم عرفات إذ يجيئون بصبيانهم الصغار إلى الجامع الكبير

стр. 215

ويحنّونهم زاعمات أن هذا طلسم به يجد الولد كثيرا من اللقطات فلا تسل عما يحصل في الجامع من الأقذار ونجاسة الأولاد. ومنها تغالي أغنياء المسلمين بمهر النساء فلا يقدر أن يتزوج منهم إلا من كان غنيا مثلهم وإن لم يكن ذا نبل وفضل. ومنها تزويج كثير من المسلمين أبناءهم وبناتهم وهم في سن المراهقة فيجيء الولد بين هذين الزوجين نحيفا لأنه يخلق قبل تمام نمائهما فتتوزع القوة بين الجنين وأمه ويقع كل منهما بالضعف وقلما يعيش الولد المولود من أم صغيرة وإن عاش فيكون ظاهر الضعف صغير الجسم قصير القامة. على أن شيوع هذه العادة عند اليهود أكثر من شيوعها عند المسلمين ولهذا تشاهد فيهم النحافة وصغر الأجسام أكثر من غيرهم. صفات الحلبيين الحسيّة أما صفاتهم الحسية فالغالب عليهم درّية «١» اللون ثم البياض المشرب بالحمرة وسواد العيون وشهلتها وتقل فيهم العيون الزرق. والغالب عليهم أيضا صغر الأنف والفم والاعتدال بين الطول والقصر والسمن والهزال وصغر الأطراف وسواد الشعر ويوجد فيهم الجمال المفرط. والغالب على المسلمين صلابة الجسم وفعومة «٢» الساعد والساق وعلى النصارى الترافة ورقة البضاضة وعلى اليهود النحول ورقة الأعضاء وصغر الجسم. ونساء الملل الثلاث يضعن في وجههن البياض (المسمى بودرا) وبعض نساء المسلمين واليهود يزدن عليه شيئا من الحمرة إلا أن نساء اليهود أشد غلوا في ذلك. وكان بعضهن يزجّجن الحواجب «٣» وبعض نساء المسلمين واليهود يصبغنها بالسّخام وقد بطل ذلك. ونساء اليهود يستعملن الكحل الأسود استعمالا فاحشا يخرجه عن مشابهة الكحل المطلوبة لهن. أما المسلمات فقد هجرن هذه العادة بتاتا سوى بعض نساء الفلاحين وسكان أطراف
следующие страницы →