Полный текст (1 631 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
ومسدسة محيطها بضعة قراريط بديعة صنعة التبخير قد نزل فيها قطع رقاق من العاج والصفر الذي يلمع كأنه الذهب ومن جملة خشب هذا المنبر الأبنوس المشهور وارتفاعه عن أرض القبلية إلى كرسيه الذي هو بعد آخر درجة منه ٣ ع و ١٢ ط ثم تكون قبته وقد كتب على تاج بابه (عمل في أيام مولانا السلطان الملك الناصر أبي الفتح محمد عز نصره) وتحت هذا (عمل العبد الفقير إلى رحمة الله محمد بن علي الموصلي) وعلى مصراعيه (بتولي العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن عثمان الحداد) وعلى صدر معبره (أمر بعمله المقر العالي الأمير الشمسي قرا سنقر الجو كندار الملكي المنصوري عز نصره) وكان هذا المنبر صنع مع منبر نظيره حمل إلى بيت المقدس بعد أن فتحت القدس على يد المرحوم السلطان صلاح الدين ويوسف بن أيوب) ثم يلي المنبر المحراب الكبير الذي كان مختصا بالشافعية ويعرف الآن بمحراب الحنفية ومحله فيما بين العضادتين المذكورتين وسعة فتحته عرضا ٢ ع و ٤ ط وهو من الحجر الأصفر البعاديني مكتوب عليه (أمر بعمارته بعد حريقه مولانا السلطان الأعظم الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاون) وعلى جانبيه (بالإشارة العالية المولية الأميرية الشمسية قرا سنقر الجو كندار الملكي المنصور كافل المملكة بحلب المحروسة أدامه الله وحرسه في رجب سنة ٦٨٤) وتجاه المحراب تقريبا توجد السدة مكتوب على بابها بالإشارة العالية العلائية الطنبغا كافل المملكة الحلبية أعز الله أنصاره بإشارة المقر العالي العلائي سيدي عبد الرزاق عز نصره.
الحضرة النبوية: محلها فيما بين العضادة العاشرة والحادية عشرة من الصف الأول في حجرة مربعة تبلغ ٤ ع وفي مثلها تقريبا يصعد إليها من أرض القبلية بدرجة واحدة سقفها قبة لها على سطح الجامع كوات بشبكات من الحديد وفي قاعدة القبة شبكة كالسقف مفتوحة من النحاس بعيون مربعة تبلغ واحدتها ثلاثة قراريط في مثلها ترتفع عن أرض الحجرة نحو ثمانية أذرع وجدران الحجرة الثلاثة التي هي الغربي والشرقي والجنوبي المقابل وجه المصلى ظهارتها من أرض الحجرة إلى الشبكة المذكورة مبنية بأجمل أنواع الخزف المعروف بالقاشاني وباب هذه الحجرة وهي الجهة الرابعة منها قنطرة مشادة عالية حجارتها سود وصفر محمولة على عمودين عظيمين وارتفاعها من ختمها إلى أرض القبلية ثمانية أذرع في عرض أربعة أذرع وهذه القنطرة العظيمة مع العمودين المحمولة عليهما لها غلق يستوعبها من أرض الحجرة إلى ختم القنطرة من نحاس أصفر مشبك ببعضه على شكل مربع وهو من رأس العمودين
стр. 667
إلى أرض الحجرة ذو مصراعين يفتح ويغلق وسعة عيون شبكاته قيراطان في مثلهما ومن رأس العمودين إلى ختم القنطرة واحدة لا تفتح ولا تغلق وسعة عيون شبكاته قيراط واحد في مثله وفي جانب كل من العمودين المذكورين لمعة ظهارتها من الخزف القاشاني المذكور مكتوب على زنار شبكة الباب شعر تركي لنابي الشاعر المشهور ذكره في ديوانه آخر مصراع منه يبلغ بالجمل ١١٢٠ هو تاريخ تجديد المرقد الشريف.
أما صندوق الجرن الشريف فهو في وسط الحجرة من الخشب على صفة ضريح عليه كسوة من مخمل مزركش بالقصب الفضي فيه بعض سورة مريم وهذه الكسوة أنعم بها المرحوم السلطان عبد العزيز خان سنة ١٢٩١ وكان قبلها كسوة سرقت قديمة بالية وضعت سنة ١٢٣٢ على إثر كسوة سرقت في السنة المذكورة وهذه الكسوة التي هي قبل الكسوة الحاضرة أرسلت إلى إستانبول ووضعت هناك في محل الآثار القديمة وعلى هذه الكسوة الجديدة فوق سنام الضريح عدة شالات ثمينة عجمية وهندية ومما يوجد في الحضرة مصحف شريف مكتوب على قفا أول صفحة منه (هذا المصحف الشريف بقلم المغيرة بن شعبة الصحابي ﵁ بخط كوفي) ومكتوب تحتها (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين يقول كاتب هذه الأحرف حسين بن علي الشهير بابن البجاقجي الحلبي الحنفي بأنه وقف هذا المصحف الشريف بالجامع الكبير بحلب المحروسة ابتغاء لوجه الله تعالى وصلى الله على محمد وآله تحريرا في أواخر صفر الخير سنة ١٠٦٤) على أن خط هذا المصحف مغربي لا كوفي ولا دليل فيه يدل على أنه خط المغيرة ابن شعبة ويوجد في الحضرة عدة مصاحف بخطوط إستانبولية معتبرة وغيرها مع نسخة من صحيح البخاري خطية وعشرة قناديل فضة صغار وقنديلان كبيران من الفضة وقنديل ذهب وشمعدان فضة وقمقم ومبخرة فضة وغير ذلك من البلور والسجادات والبقج والشالات.
الدفين بهذه الحضرة: قال ابن شداد وابن الشحنة وابن الخطيب نقلا عن تاريخ ابن العظيمي أنه في سنة ٤٣٥ ظهر ببعلبك في حجر منقور رأس يحيى بن زكريا ﵉ فنقل إلى حمص ثم منها إلى مدينة حلب في هذه السنة ودفن بهذا المقام (يعنون المقام الأعلى في القلعة) في جرن من الرخام الأبيض ووضع في خزانة إلى جانب المحراب وأغلقت ووضع عليها ستر يصونها قال ابن الخطيب: وهو في هذا اليوم في التحتاني في القلعة. وقال علي بن
стр. 668
أبي بكر الهروي في كتابه الاشارات: إن في قلعة حلب في مقام إبراهيم ﵇ صندوقا فيه قطعة من رأس يحيى ظهر في سنة ٤٣٤ ثم قال ابن الشحنة نقلا عن ابن بطلان: ولما احترق المقام في حادثة التتار سنة ٦٥٩ عمد سيف الدولة أبو بكر بن إيليا الشحنة بالقلعة المذكورة والناظر على الذخائر وشرف الدين أبو حامد بن النجيب الدمشقي الأصل الحلبي المولد إلى رأس يحيى بن زكريا ﵉ فنقلاه من القلعة إلى المسجد الجامع بحلب ودفناه غربي المنبر وقيل شرقيه وعمل له مقصورة وهو يزار.
قلت: هذه الحكاية لا تنطبق على ما قاله ابن الخطيب من أن الرأس الشريف في المقام التحتاني في أيامه التي هي القرن التاسع إذ مقتضى الحكاية المذكورة التي حكاها ابن الشحنة عن ابن بطلان أن الرأس الشريف في الجامع الكبير قبل ابن الخطيب بنحو مائتي سنة والأغرب من هذا ما ذكره ابن الوردي في تاريخه حيث قال وفي سنة ٧٣٨ في صفر توفى بدر الدين محمد بن إبراهيم بن الدقاق الدمشقي ناظر الأوقاف بحلب وفي أيام نظره فتح الباب المسدود الذي بالأموي شرقي المحراب الكبير لأنه سمع أن بمكانه رأس زكريا ﵇ فارتاب في ذلك فأقدم على فتح الباب المذكور بعد أن نهى عنه فوجد باب عليه تأزير رخام أبيض ووجد فيه تابوت رخام أبيض فوقه رخامة بيضاء مربعة فرفعت الرخامة عن التابوت فإذا فيها بعض جمجمة فهرب الحاضرون هيبة لها ورد التابوت بغطائه إلى موضعه وسد عليه الباب ووضعت خزانة المصحف الشريف على الباب وقد أثرت هذه الهيبة بالناظر المذكور وابتلى بالصرع إلى أن عض على لسانه فقطع ومات. اه. كلام ابن الوردي، فهذه الحكاية تفيد صراحة بأن المدفون بالجامع هو رأس زكريا ﵇ لا يحيى مع أن كلام المتقدمين يدل على أن المدفون هو رأس يحيى وذكر المرادي في ترجمة علي بن شداد بن علي أنه في سنة ١١٢٠ ظهر في بعض جدران الجامع صندوق من مرمر مطبق ملحوم بالرصاص مكتوب عليه هذا عضو من أعضاء نبي الله زكريا ﵇ فاتخذوا له هناك في ناحية القبلية في حجرة قبرا في مكانه الآن وحمل الصندوق إليه جميع العلماء والصالحين بالاحترام والتعظيم والتكبير وجدد عليه المرقد. اه. كلام المرادي وهو يؤيد ما قاله ابن الوردي وعليه الشهرة في زماننا وعلى كل حال فليس يخلو الجامع من أثر شريف نبوي جدير أن تفتخر حلب بوجوده ويوجد بين العضادتين الحادية عشرة والثانية عشرة من الصف الثاني مقصورة تعرف من قديم الزمان بمقصورة القاضي مكتوب عليها (جددت
стр. 669
هذه المقصورة المباركة في أيام المقر العالي المولوي الملكي الشمسي قرا سنقر المنصوري كافل المملكة الحلبية شمس الدين قرا سنقر الجوكندار) وبهذه العضادة التي هي العضادة الثانية عشرة من الصفوف الأربعة تنتهي قبلية الحنفية وطولها ٧٢ ع و ١٦ ط سوى ثخانة جداري الجهتين وعرضها ٢٣ ع و ٩ ط سوى ثخانة عضادات الصف الأول وبين العضادة الثانية عشرة والثالثة عشرة من الصفوف الأربعة يكون دهليز الباب الجنوبي المتقدم ذكره وهو الباب الأول وفي شرقي هذا الدهليز وغربيه من آخره باب القبلية الحنفية وباب القبلية الشافعية.
وفي آخره يكون الباب الكبير الذي ينفذ إلى صحن الجامع وفي شرقي هذا الباب تكون قبلية الشافعية وطولها ٤٥ ع و ١٦ ط سوى ثخانة جداري الجهتين وعرضها كعرض قبلية الحنفية ومبداها من العضادة الثالثة عشرة من الصفوف الأربعة وتنتهي بالعضادة العشرين من الصفوف المذكورة ولا يوجد في هذه القبلية من الآثار سوى المحراب الأصفر المختص في زماننا بالشافعية ومحله بنيت العضادة السادسة عشرة والعضادة السابعة عشرة. ثم إنه يوجد في قبلية الحنفية ست عضادات مربعة هي من جملة الثمانين لكنها أغلظ من قبلية العضادات إذ أن محيط كل واحدة منها ٦ ع و ١٢ ط، وبعد ما بين الواحدة والتي تليها من صفها ٥ ع و ١٨ ط وهي العضادة العاشرة والحادية عشرة من الصفوف الثلاثة وقد عقد عليها في الصف الثاني والثالث قبة ويوجد فيما بين العضادة التاسعة والعاشرة من الصف الثالث سدة محمولة على أربعة أعمدة من الخشب مكتوب على بابها (بالإشارة العالية العلائية الطنبغا كافل الممالك الحلبية أعز الله أنصاره بإشارة المقر العالي العلائي سيدي عبد الرزاق عز نصره) وقد بدل شكلها بعد ذلك ورفعت الأعمدة من تحتها وحملت على أسطوانات من الحديد مغروسة في الجدار والصف الرابع من صفوف العضادات يوجد بين كل عضادتين منه في قبلية الحنفية والشافعية باب واسع له غلق ينتهي إلى قاعدة قنطرته ثم تكون شبكة جميلة الصنعة من الخشب ويوجد فيما بين التاسعة والعاشرة من هذا الصف باب صغير بالنسبة إلى بقية الأبواب مبني من ظاهره مما يلي الصحن بحجارة صفر وسود له تاج وشرافة قد كتب بأعلى جانبه على يمنة الداخل (جدد هذا الحائط في دولة السلطان مراد خان (ابن أحمد خان عز نصره) وعلى يسرة الداخل (بإشارة الصدر الأعظم خسرو باشا يسر الله له من الخيرات ما يشا) وعلى الجبهة بين هاتين الكتابتين:
стр. 670
لقد كان محمود المآثر ماجدا ... وبابا لفعل المكرمات ومعدنا
بنى جامع الشهباء لله مخلصا ... وطالب رضوان من الله موقنا
فعوضه الله الكريم بفضله ... قصورا بجناب النعيم ومسكنا
بدولة ظلّ الله سلطان عصره ... سليل بني عثمان ذي المجد والثنا
مراد سلاطين الوجود ومن غدا ... مقام حماه كعبة الجود مأمنا
فطوبى له فيما بناه مؤرخا ... بنى المسجد المشهور محمود محسنا
ومكتوب تحت الجبهة المذكورة فوق نجفة الباب:
من بنى معبدا ... فاز بظل ممدود
رحم الرحمن أرخ ... صاحب الخير محمود
وفي كل من جانبي هذا الباب شباك وراءه مصطبة يرقى إليها من أرض القبلية بدرجتين معدتين للصلاة وجلوس بعض الوعاظ وفي سنة ١٣٤٠ جعل أحد الشباكين المذكورين بابا إلى صحن الجامع يدخل منه الوالي توا ليصلي على المصطبة التي وراءه لأنها صارت مختصة بالوالي وأركان الولاية ثم إن كلا من قبلية الحنفية والشافعية قد قطعتا طولا شطرين بقاطع من الخشب المعمول شعرية ارتفاعه نحو ٣ ع وفيه عدة أبواب يدخل منها إلى الشقة الداخلة مكتوب بالدهان على الباب الكائن تحت السدة (بالإشارة العالية العلائية الطنبغا كافل الممالك الحلبية أعز الله أنصاره باشارة المقر العالي العلائي سيدي عبد الرزاق عز نصره) وعلى الباب الذي يليه غربا (الحمد لله الذي جعل أحياء هذا الجامع المعظم على أيادي الكرام من سكان حلب الشهباء ليجزيهم أحسن ما عملوا في سنة ١١١٠) .
وفي سنة ١١٧٠ وعلى الباب الذي يليه ما معناه (إن أحياء الجامع كان على يد عثمان باشا سنة ١١٥٢ ثم في سنة ١٣٢٦ رفع هذا القاطع من القبليتين وصارت كل واحدة منهما شقة واحدة ويوجد مبنيا في أعلى الزاوية الكائنة في الجهة الغربية من جدار قبلية الحنفية الذي يلي صحن الجامع حجرتان سوداوان كل واحدة منهما في طول ٥ ط ومثلها عرضا يقال أن أصلهما من الكعبة المكرمة ويوجد في آخر قبلية الحنفية أيضا من جهتها الغربية الشمالية قسطل له مباذل معد للوضوء لكنه غير مستعمل والجهة الشرقية من هذا الجامع المتجهة إلى الغرب رواق طوله ٣٦ ع سوى ثخانة جداري الجهتين وعرضه كذلك ١٧ ع
стр. 671
وسقفه قبو محمول على عضادات تشاكل عضادات الجهة الجنوبية المتقدم ذكرها وبين كل عضادتين من الصف الأخير منها الملاصقة ظهورها جدار الجامع الكائن وراءه سوق الصياغين حجرة مبنية بالحجارة معدة لجلوس بعض المدرسين والأئمة والموظفين بالجامع وفي جداره الجنوبي محراب في يمينه باب يدخل منه إلى قبلية الشافعية وفي يسار المحراب حجرة يسكنها بعض المدرسين وفي جداره الشمالي باب صغير ينفذ منه إلى دهليز الباب الثاني المتجه إلى الشرق وفي الزاوية الموجهة إلى الغرب من هذا الرأس حجرة يسكنها الميقاتي وعرض الدهليز كعرض ما بين العضادتين وطوله كعرض هذا الرواق وترتفع أرض هذا الرواق عن أرض صحن الجامع ١٦ ط ويصعد إلى هذا الرواق من وسطه مما يلي صحن الجامع بثلاث درجات الثانية منها محزوزة من جنوبيها إلى شماليها حزا مستقيما متى بلغته الشمس أذن الظهر قيل إن الخضر ﵇ هو الذي حزها والصحيح أن الذي حزها هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الحنبلي الميقاتي وعرض الدرجة الأولى من هذه الدرجات ١ ع و ١٦ ط وطولها من الغرب إلى الشرق ١ ع و ٢٢ ط وثخانتها ٥ ط وفضلتها عن التي فوقها ١١ ط وعرض التي فوقها ٢٣ ط وطولها ذراع و ٢٢ ط وثخانتها خمسة قراريط ونصف القيراط والحجازية مصلى طوله من الشمال إلى الجنوب ٢٩ ع و ٦ ط سوى ثخانة جداري الجهتين وعرضه كذلك ١٨ ع وفيه من آخر جهته الغربية عطفة طولها من الجنوب إلى الشمال ١٤ ع و ١٧ ط وعرضها ٦ ط و ١٢ ط وهذا المصلى يشتمل في جهته الشمالية على حوض طوله من الشرق إلى الغرب ٧ ع و ٥ ط وعرضه ٥ ع و ٢٣ ط وعمقه ١٤ ط جدد من مال الجامع سنة ١٣٠٤ وجدد فيها تدفيف هذا المصلى جميعه وفي غربيه حوض آخر لخزن الماء وقد وجد تحت حفير الحوضين رمم أموات نقل منها مقدار أربعة أحمال إلى مقبرة العبارة خارج باب الفرج ووراء الحوض الصغير حجرة قديمة فيها رمم سد بابها بما فيها وصار الحوض المذكور قدامها والظاهر أن هذه الرمم هي رمم القتلى في حادثة تمرلنك كما أشرنا إليها في خبر حادثته وكان قبل هذا الحوض حوض في وسط هذا المصلى مساحته عشر بعشر بذراع اليد جدده أحد تجار حلب المعروف (بمحمد شيخ ابن عبد الوهاب السعديه) وكان في محله بركة صغيرة مدورة محيطها نحو ٨ ع كانت خاصة بالشرب ثم في سنة ١٣٢٦ أزيل هذا الحوض وجعل بدله حوض مستور يؤخذ منه الماء بواسطة مباذل وهذا المصلى يدخل إليه من بابين أحدهما في جانب دهليز الباب الثاني للجامع موجه غربا وثانيهما موجه غربا في صدر الرواق الشمالي الموجه جنوبا
стр. 672
وفي يمين الداخل من هذا الباب شباكان لعطفة المصلى المذكور مطلان على هذا الرواق.
والجهة الثالثة الشمالية المتجهة إلى الجنوب رواق طول فضائه ٧٤ ع و ٩ ط وعرضه كذلك ١٤ ع و ٢١ ط وسقفه قبو محمول على عضادات محيط واحدتها وبعد ما بينها قريب من محيط عضادات القبلية وبعد ما بينها. وبين كل عضادتين من الصف الملاصق جداره الشمالي مما يليه حجرة من الخشب يسكنها خدمة الجامع وبين العضادة العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة من هذا الصف قسطل مختص بالوضوء له مباذل وهذا القسطل حادث عمره زين الدين الذي فرش أرض الجامع بالرخام كما سيأتي بيانه وبين العضادة الثانية والثالثة من هذا الصف أيضا يكون باب دار القراءة العشائرية الآتي ذكرها وفي يمين القسطل المتقدم ذكره حجر مكتوب فيه (أمر بإنشائه مولانا المقام الأعظم السلطان الملك الظاهر أبو سعيد برقوق عز نصره في أيام المقر السيفي تغرى بردى كافل المملكة الحلبية عز نصره بتولي العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى حمزة الجعفري الحنفي في شهور سنة ٧٧٧) وتحت الحجر المذكور أثر باب مسدود كان يخرج منه إلى الميضأة ويوجد بين العضادة السادسة والعضادة السابعة من الصف الثالث الذي يلي صحن الجامع إذا عددت عضاداته من جهته الغربية حجرة لها شبكة من الخشب إلى الرواق وأخرى إلى صحن الجامع فيها صهريج يأتي إليه الماء من قناة حلب وينتفع به حين انقطاع ماء القناة لتصليحها وفي الرأس الشرقي الموجه غربا من هذا الرواق باب الحجازية المتقدم ذكرها وفي الرأس الغربي منه باب إلى دهليز الباب الشمالي الذي هو الباب الثالث وطول هذا الدهليز كعرض الرواق وعرضه كبعد ما بين عضادتين وفي زلزلة سنة ١٢٣٧ سقط الحائط القبلي مما يلي الصحن من هذا الرواق ولم يبق منه سوى قليل في جانبه الغربي فبناه متولي الجامع إذ ذاك وهو أحمد بك آل إبراهيم باشا قطار اغاسي «١» متسلم البلد وكان يتولى الجامع من كان يتسلم البلد ولما بناه لم يعد إليه شرفاته المعروفة بالسجق وكان فوق سطح حجرة الصهريج المذكور قبة تقرأ فيها الأوامر والفرامين السلطانية فلم يعدها أيضا.
ومحل منارة هذا الجامع في أواخر الصحن المتجه إلى الجنوب من جهة غربيه لها باب صغير وهي مربعة الشكل يبلغ محيطها ٢١ ع و ٢١ ط إذا ذرعت من أسفلها مما يلي سطح
стр. 673
الرواق وارتفاعها من أرض الجامع إلى موقف المؤذن ٥٢ ع و ٦ ومحيط مكبسها ١٤ ع و ٢١ ط وارتفاعها من موقف المؤذن إلى ختم القبة من الداخل ١٧ ع وموقف المؤذن مربع أيضا يبلغ ٦ ع و ٩ ط طولا في مثلها عرضا عدا الشرفات المتعلقة في حوافيه التي يبلغ عرضها نحو ٤ ط وإذا نزلت من باب المنارة وتوجهت غربا إلى الغرب دخلت في دهليز الباب الرابع من أبواب الجامع وهناك حجرة عظيمة يسكنها بعض شيوخ الجامع وكان فوق سطح هذا الدهليز حجرة يسكنها بعض المدرسين يرقى إليها بدرج بابه في جانب الحجرة الأولى المذكورة.
والجهة الرابعة من هذا الجامع متجهة إلى الشرق وهو أيضا رواق فضاءه ٥٣ ع و ١٧ ط وعرضه كذلك ٦ ع و ٢٢ ط وسقفه قبو محمول على عضادات محيط واحدتها وبعد ما بينها وبين التي تليها كمحيط وبعد عضادات القبلية تقريبا وارتفاع أرضه عن أرض صحن الجامع ١٧ ط ويوجد فيما بين كل عضادتين من عضادات الصف الملاصق الجدار الغربي منه حجرة من خشب يسكنها خدمة الجامع ومؤذنوه وفي الجدار القبلي منه باب قبلية الحنفية وفي جانب هذا الباب مما يلي الرواق على يمنة الداخل محراب وفي رأسه الشمالي باب ينفذ منه إلى دهليز الباب الرابع المتقدم ذكره وكان تجديد هذا الرواق من مال الجامع سنة ١٣٠٢ لأنه كان قد توهن وأشرف على السقوط فهدم وجدد: مكتوب في حجر مرصوف في وسط جداره مما يلي صحن الجامع (جدد هذا الإيوان بأمر وإرادة أمير المؤمنين حضرة مولانا السلطان الأعظم الغازي عبد الحميد خان الثاني عز نصره بسعي والي الولاية المشير الأفخم السيد حسين جميل باشا أدام الله إجلاله سنة ١٣٠٢) ثم إن ارتفاع جدران الأروقة وجدار القبليتين والحجازية عن أرض الجامع إلى السطح ١٠ ع و ١٨ ط ولم يدخل في هذا الذرع حافية هذه الجدران التي يبلغ ارتفاعها عن السطح ٣١ ط تقريبا.
وصحن الجامع يبلغ طوله من الغرب إلى الشرق ٩٨ ع و ٥ ط وعرضه ٦٠ ع و ١٨ ط وهذه المسافة كلها قد فرشت بالرخام الأصفر الذي يتخلله بلاط أسود على صفة جميلة من النقش إذا نظرت إليه أول وهلة تظنه كتابة كوفية مع أنها ليست كذلك والأروقة مفروشة بالبلاط الأصفر فقط وكان تبليط الصحن والأروقة على هذه الصفة سنة ١٠٤٢ تبرع به رجل من الأعيان اسمه زين الدين بك لم أظفر له بترجمة إنما رأيت في بعض المجاميع
стр. 674
أبياتا منسوبة للشيخ وفا العرضي ضمنها تاريخ التبليط سنة ١٠٤٢ عن يد المذكور فأثبتها وهي:
قد زان زين الدين ماجد عصره ... آثار خير للقيامة باقيه
أنشا لجامعنا الكبير بلاطه ... لله مولاه بنفس راضية
وبنى له الحوضين يجري منهما ... للمسلمين عيون ماء صافيه
هذا له يوم الحساب ذخيرة ... وذخائر الأعمال تبقى زاكيه
لقبولها نادى البشير مؤرخا ... صدقات زين الدين يهنا جاريه
ورأيت لبعضهم:
صاحب الخيرات زين الدين بك ... مذ تحقق أن إلى الله المصير
أسبل الخيرات في شهبائنا ... جاره الرحمن من حر السعير
زين الجامع في ترخيمه ... جاء في تاريخه خير كبير
ثم إن صحن الجامع يشتمل على حوض مدور عليه قبة من الخشب مضلع اثني عشر ضلعا محيطه ٨ ع و ١٥ ط وارتفاعه من أرض بالوعة الدائرة به إلى شفته العليا ٢ ع ووسط هذا الحوض قطعة واحدة وعلى حوض في شمالي الحوض المذكور بينهما ممر فقط مسدس الشكل يرتفع عن بالوعته الدائرة به ١ ع و ١٢ ط وثخانته ١٦ ط ومحيطه ٢٧ ع و ١٨ ط وسقفه قبة محمولة على ستة عواميد طول الظاهر من كل واحد منها ٣ ع و ١٤ ط وطول ما ظهر منها وما بطن ٥ ع و ٢ ط ومحيط كل واحد من العمودين الكائنين في الجهة القبلية من الحوض ١ ع و ١٤ ط والموجهين غربا ١ ع و ٢٣ ط والموجهين شرقا ١ ع و ٢٠ ط وفي وسط هذا الحوض جرن مرمر مضلع مدور محيطه نحو ٦ ع أظنه هو الذي كان يعرف بالفوارة التي أسسها قرعويه غلام سيف الدولة كما سبقت الإشارة إليه وفي سنة ١٣٠٢ هدمت القبة لتوهنها فعمرت من مال الجامع وطلب مني تاريخ يكتب على رفرف القبة فقلت:
قد شاد هذا الحوض بعد توهن ... ملك بما يرضى الإله خبير
عبد الحميد العادل الغازي أمير ... المؤمنين له الثنا الموفور
من آل عثمان الألى شاد العلى ... للمسلمين لواهم المنصور
стр. 675
وبسعي والينا جميل من غدا ... يحيي المحامد سعيه المشكور
هو قطب دائرة الوزارة وهو في ... رتب الفضائل والفخار مشير
لما تكامل حسنه أرخته ... حوض به للعالمين طهور
ويشتمل صحن الجامع أيضا على محراب في جانب الباب الصغير الذي هو أحد أبواب قبلية الحنفية مما يلي الصحن يقف به الإمام في الأوقات الجهرية في الصيف وتجاه هذا المحراب مصطبة طولها من الشرق إلى الغرب ٦ ع و ١ ط وعرضها ٤ ع و ١٦ ط وارتفاع أرضها عن أرض صحن الجامع ١ ع و ٥ ط ولها درابزين من الحجر وهي معدة لوقوف المؤذنين عوضا عن السدة ويشتمل أيضا على عمود من الحجر الأسود محيطه ٢ ع و ٨ ط وطول الظاهر منه ٥ ع و ١٤ ط وفي رأسه شبه قفص من أطواق حديدية تعلق بها القناديل قيل إن نور الدين زنكي كان يحرق به العود البخور في المواسم الدينية وتزعم العامة أن هذا العمود كان شجرة اختبأ فيها زكريا ﵇ حينما أراد اليهود قتله فقفلت عليه وخرج ذيله من طرفها فعلمت به اليهود وأرادوا نشرها فاستحالت حجرا ويشتمل صحن الجامع أيضا على بسيط لمعرفة وقت الظهر والعصر وضعه على نفقة البلدية (عبد الحميد دده ابن حسن بن عمر الحلبي) في حدود سنة ١٣٠٠ كما تكلمنا عليه في ترجمة المذكور وهذا البسيط الآن مغلق بغطاء من النحاس لا ينتفع به ويشتمل صحن الجامع أيضا على بئر كبيرة معطلة تعرف بالدولاب عليها طابق من الحجر ومحلها في شمالي الصحن إلى غربيه يقال إنها كانت دولابا يسقى منه الجامع حينما كان بستانا وكان البلاط في قرب هذا البئر قد توهن فقلع للتصليح فخرج تحته قطعة أرض مفروشة بالفصوص المعروفة بالفسيفساء فاستبدل منها على أن أرض الجامع كانت مفروشة بالبلاط المتقدم ذكره أو على أن القطعة المذكورة كانت مجلسا في قرب الدولاب والله أعلم ويقال إن فم المصنع الكبير المتقدم ذكره في كلام قدماء المؤرخين كائن تحت درجات الرواق الموجه غربا التي يؤذن الظهر على حز الثانية منها كما أسلفناه ويوجد في صحن الجامع أيضا صفة أولها من تجاه باب الحجازية الموجه غربا الكائن في جانب دهليز الباب الثاني.
وفي الزاوية الغربية من هذه الصفة تجاه الباب المذكور حجرة مرصوفة في هذه الزاوية يقال إن عمر بن عبد العزيز كان يجلس عليها ويشارف عملة الجامع وقت عمارته وكان في وجه جدار قبلية الشافعية مما يلي الصحن ووجه جدار الرواق الشرقي الموجه غربا كتابات
стр. 676
كثيرة منقوشة في الحجر هي صور فرامين «١» وأوامر كفال «٢» حلب أيام الدولة الجر كسية أثبتنا جميعها في باب الحوادث ملحقة بسني تواريخها ثم في سنة ١٢٩١ أمر الوالي محمد رشدي باشا الشرواني بنحت وجه الجدران المذكورة ليعود إليها بهاؤها فنحتت وزالت تلك الكتابات وفي سنة ١٢٥٩ جدد تبليط أسطحة الجامع من غلة أوقافه والناس يمشون في صحن الجامع والأروقة حفاة يخلعون نعالهم متى دخلوا أحد أبوابه.
دار القرآن العشائرية: هي في غربي الرواق المتجه إلى الجنوب عمرها علي بن محمد بن محمد بن هاشم بن عبد الواحد الإمام علاء الدين أبو الحسن ابن الشيخ بدر الدين أبي عبد الله ابن عشائر الحلبي الشافعي المتوفي سنة ٧٨٨ وهي دار يدخل إليها من باب موجه شمالا كائن في بوابة تجاه المدرسة الشرفية قد اشتملت على إيوان في جهتها الشرقية موجه غربا وعلى غرفة في جهتها الغربية في طول ٨ ع وعرض ٤ ع مركبة فوق دهليز بوابة في الزقاق المذكور يرقى إليها بدرج في شرقي الدار مارا على سطح الإيوان المذكور وفي جهتها الشرقية قاعة عظيمة مفروشة بالبلاط الأصفر سقفها قبة عالية في وسطها بئر ولها شباك وثلاثة منافذ على صحن الدار ولها باب عظيم جميل على الرواق الشمالي من الجامع الكبير الأموي طول القاعة ١٢ ع و ١٥ ط وعرضها ١٠ ع و ١٠ ط وكانت تعرف بقاعة الحيشية نسبة إلى أبي بكر ابن محمد ابن أبي بكر الحيشي والظاهر من ترجمة المذكور أن بابها المفتوح إلى الرواق الشمالي من الجامع حادث وأنه كان في محله شباك كما أن هذه الدار لم تكن باقية على حقيقتها بل هي مأخوذ منها إلى البيوت المجاورة لها والله أعلم.
ولهذه القاعة مدرس يدرس في كل يوم له راتب شهري قدره مائة وخمسون قرشا وقد تواتر عندنا أن قريتي كرت وخيام في قضاء عينتاب موقوفتان على الدار المذكورة تصرف غلتهما على تعميرها وترميمها وعلى راتب المدرس وهما جاريتان الآن تحت تولية المتولي على وقف بيت الخطيب ولا نعلم واقفهما هل هو من بيت بني العشائر أم من بيت الخطيب أم من بيت الشيخ عبد الوهاب العرضي ويوجد في شرقي القاعة باب مسدود ينفذ منه إلى دار في جوارها يدعيها جماعة إنها وقف عليهم لأنهم من نسل الشيخ عبد الوهاب العرضي
стр. 677
الذي جعل القاعة سكنا له كما يفهم من ترجمته وبعض الناس يزعم أن الدار المذكورة وقف على القاعة والحقيقة مجهولة ورأيت في السجل كتاب وقف حافل وقفت فيه بانيها علاء الدين المتقدم ذكره شيئا كثيرا على الدار المذكورة سنة ٧٨٦.
أما مرتبات الجامع فهي: ثلاثة عشر ألفا وستمائة قرش أميرية باعتبار الذهب العثماني ١٠٠ قرش في كل شهر منها ألفان ومائة وأربعون قرشا تصرف للمدرسين وعددهم اثنا عشر وألفان وتسعون قرشا للمحدثين وعددهم ستة وعشرون وألف وسبعمائة وخمسة وسبعون قرشا للقراء والحفظة وعددهم سبعة عشر وألف وسبعمائة قرش للأئمة وعددهم أحد عشر للحنفي والشافعي ومنهم إمام قرية بنش وللخطباء وعددهم سبعة منهم خطيب جامع بنش وخطيب دارة عزة وألف وخمسة وسبعون قرشا للمؤذنين وعددهم أربعة عشر وألفان وستمائة وستون قرشا للخدمة وعددهم ثلاثون وباقي المبلغ المذكور يصرف على بقية لوازم الجامع وأقل راتب خمسة عشر قرشا وأكثره ثلاثمائة قرش سوى راتب نائب المتولي فإنه خمسمائة قرش ولشهر رمضان نفقات خصوصية قدرها ثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعون قرشا ونفقات المولد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول ألف ومائة وخمسة وعشرون قرشا تنفق على الأشربة الحلوة والحلاوي وأجرة قارىء المولد والعشر ومنشد القصيدة والنفقات المتفرقة السنوية قدرها خمسة آلاف وخمسمائة وثمانية قروش تنفق على تنوير الجامع والمكانس والحصر وغير ذلك وقيمة الشمع العسلي الذي يحرق بالجامع أيضا سنويا ثمانمائة قرش فإذا ضربت رواتب الموظفين في اثني عشر شهرا بلغت مائة وثلاثة وستين ألفا ومائتي قرش فإذا جمعت هذا المبلغ إلى بقية النفقات المذكورة بعدها بلغت مائة وأربعة وسبعين ألفا ومائة وثلاثة وسبعين قرشا.
وكانت رواتب الموظفين المذكورين سنة ١٢٧٢ شهريا سبعة ألاف وخمسمائة وثمانية وسبعين قرشا وربع القرش كما يستفاد من دفتر اطلعت عليه ولم تكن فيه مقادير رواتب الموظفين متناسبة مع بعضها فقد كان يوجد بينهم موظف بالتدريس راتبه الشهري خمسة قروش ونصف القرش وموظف آخر مثله راتبه الشهري ثلاثمائة قرش ولا يوجد في هذا الدفتر راتب شهري أكثر من ثلاثمائة قرش ولا أقل من أربعة قروش ونصف القرش وهي وظيفة أحد الخطباء ثم عدلت المرتبات في السنة المذكورة فبلغت في الشهر ثلاثة عشر ألفا وخمسمائة قرش ثم عدلت مرة أخرى فاستقرت على ما قدمناه وفي سنة ١٢٤٢ كانت
стр. 678
المرتبات الشهرية كلها ثلاثمائة وواحدا وسبعين قرشا وثلاثة أرباع القرش وزيادة شهر رمضان مائتي قرش وفي أيام ولاية عصمت باشا سنة ١٢٧٦ تقريبا كتب إلى الباب الرابع العالي بقطع الوظائف كلها إلا ما لا بد منه وذلك بقصد جعلها منتظمة لأن أكثر الموظفين لم يكن ذا براءة بل كان الموظف يأخذ مرتبه بأمر المتولي فاستمرت مقطوعة إلى آخر أيام ثريا باشا في ولايته الأولى فعادت مرتبة على ما هي عليه الآن وقد زيد في بعضها ونقص من بعض ووظف من لم يكن له حق سابق.
أوقاف الجامع: أراض ومسقفات والأراضي منها قرى من أعمال حلب ومنها أراض في نواحي مدينة حلب فالقرى تبلغ نيفا وعشرين قرية تجبى من قبل الحكومة ولسنا نعرف منها سوى القليل وهو حصة من قرية بنش من عمل إدلب وأخرى من دارة عزة من عمل جبل سمعان وأما الأراضي التي في نواحي حلب فكلها خارج باب قنسرين إلى جسر الحاج وهي عشر كدنات خارج محلة المغاير محدودة قبلة باصطاب «١» الخيل وغربا بحد المحلة المذكورة وشمالا بالتلة السوداء وشرقا بدار الشيخ أزرق وثمان كدنات محلها ظهر إصطاب الخيل محدودة قبلة وغربا بالمقبرة التابعة محلة المغاير وشمالا بدار المرأة سالمة وشرقا بجورة الفردوس وكدنتان محلهما بين الدربين تجاه الرام بالقرب من مزار أسد الدين حدهما قبلة جسر الحاج وغربا أرض العليقة وشمالا الرام وشرقا الطريق ونصف كدنة محلها أسفل مأذنة أسد الدين محدودة قبلة بدور المغاير وغربا بالطريق وشمالا دور محلة الكلاسه وشرقا بكرم الحلاق وكدنات خارج باب قنسرين تعرف بأرض الدوار محدودة قبلة بأرض الفلاحة وغربا بالطريق وشمالا بمقبرة الشيخ نمير وشرقا بخندق باب المقام.
وأما المسقفات فقد قرأت في الدفتر المتقدم ذكره أن جميع الأسواق المحيطة بالجامع وكثيرا من أسواق المدينة القريبة من الجامع وقف عليه لكن الذي يجبى في زماننا من المسقفات لجهة الجامع هو سوق الصاغة وسوق الطواقين المحيطين بالجامع من جهته الشرقية سوى بضع دكاكين منهما فإنها مملوكة للغير وأكثر سوق الطيبية الكائن في شرقي الجامع أيضا يجبى لجهة الجامع وسوق الحبالين في جنوبي الجامع سوى بضع دكاكين منه وكان يجبي هذه المسقفات متولي الجامع المعروف باسم قائمقام أي نائب المتولي الذي هو السلطان
стр. 679
ثم في سنة ١٢٨٩ قام بعض الموظفين بالجامع والتمس من الحكومة أن تأخذ هذه المسقفات من المتولي وتدخلها في قلم محاسبة الولاية لتجبى بمعرفتها لأن المتولي يضيع غلتها فأجابت الحكومة إلى ذلك وصارت المحاسبة تجبي غلاتها تارة بواسطة ضامن يعرف بالملتزم وأخرى تجبيها مباشرة دون تضمين وكانت غلتها قبل الحرب العامة لا تزيد على ألف ذهب عثماني أما بعد هذه الحرب فقد أصبحت غلتها تربو على ألفي ذهب.
وللجامع أراض غير الأراضي التي تقدم ذكرها كان يؤخذ عليها أحكار معلومة محررة في الدفتر السابق ذكره فآثرت ذكرها أيضا وهي حكر أراضي أوقاف المدرسة الرضائية المعروفة بالعثمانية ثلاثة عشر قرشا وحكر بستان القبار ستة قروش ونصف وحكر أرض طاحون عريبه خمسة عشر قرشا وحكر أراضي خمس دكاكين جارية في وقف الجزماتي خمسة وثلاثون قرشا ونصف القرش وحكر مصبغة جارية في ملك ابن سويد في باب أنطاكية ستة قروش وحكر بستان الكشيفي خمسة وأربعون قرشا وحكر دكاكين في سوق الصاغة عشرة قروش ودكان في سوق العطارين ستة ودار قبالة طاحون عريبه ستة ودكان في سوق العطارين ستة وطاحون في السهلة اثنا عشر قرشا ودكان في الصاغة اثنا عشر ودكان في آخر القوافين ستة وطابونة شيخ الحارة اثنا عشر قرشا ودكان في جانبها ستة قروش ودكان في جانب جامع بانقوسا ستة ودكان خارج باب النصر عند سبيل محرم ستة وقاعة الساعاتي في خان القصابية ثلاثة قروش وجنينة الحصرم خارج باب أنطاكية ستة وجنينة العوفي وحكر سوق الذراع وحكر دكاكين في سوق الصياغ ستة قروش وثلاثة أرباع القرش ودكان أخرى فيه حكرها اثنا عشر قرشا وحكر خان العفص وهو جنينة الشيخ طه قرب الدباغة اثنا عشر قرشا والحكر المرتب على العادلية ستة قروش وثلاث بارات وبستان الشاهبندر اثنا عشر وحكر بستان الكلاب اثنا عشر وحكر التكية المولوية العتيقة اثنا عشر وسوق الجوخ القديم (الجاري الآن بتصرف بني الكتخدا) اثنا عشر قرشا وأرض اصطاب الخيل والتلة السوداء وكنز الشحادة خارج باب قنسرين خمسمائة قرش وأرض تجاه بستان حجازي إلى قبور النصارى إلى بستان القبار مع نصف التلة مائتا قرش والحكر المرتب على وقف إبراهيم خان اثنان وثلاثون قرشا وبستان اليهودية وقطعة أرض تجاهه وحكر قيصرية الحكاكين وحكر سوق القوافين وهو تسع وأربعون دكانا أربعمائة قرش تقريبا أقل ما على الدكان ستة قروش وأكثره اثنا عشر قرشا تقريبا معظم هذه الأوقاف من آثار نور الدين
стр. 680
محمود بن زنكي منها ما وقفه على الجامع ومنها ما وقفه على البيمارستان النوري الكائن تجاه مزار ومسجد الشيخ عبد الله في محلة الجلوم الكبرى بحلب ومنها ما وقفه على مشهد الحسين في سفح جبل الجوشن ومن أوقافه أيضا جميع المزارع المعروفة بمزارع أبي فضلون في جهة مقر الأنبياء خارج باب النيرب وهي ثلاثمائة وثمان عشرة كدنة كلها الآن في أيدي جماعة يطول بيان أسمائهم ويوجد في تلك الجهة أيضا نحو ثلاثة وخمسين بستان فستق في أيدي جماعة على كل حصة منها حكر سنوي معلوم وجميع ذلك من أوقاف نور الدين ﵀.
ورأيت في سجل مديرية الأوقاف صورة كتاب وقف هذا الجامع فأوردت هنا خلاصته أوله بعد البسملة: بسم الله المستوقف على سائر المستوقفين وهي خطبة طويلة ثم أن متولي الجامع إذ ذاك مصلح الدين بن مصطفى بك ابن عبد الله ادعى لدى الحاكم الشرعي وهو قاضي حلب محمد ابن المعمار إسحاق بأن الواقف سليمان بن عبد الملك بن مروان هو الذي بنى هذا الجامع ووقف عليه أوقافا عظيمة ثم بتوالي الأدهار والأعصار ضاعت تلك الأوقاف ونشأ بعدها الأوقاف الآتي بيانها ثم أثبت دعواه بشهود شهدوا تواترا يزيد عددهم على عشرين كلهم ثقاة علماء وإن وجوه البر التي تصرف عليها غلتها جار عليها التعامل القديم وحينئذ حكم القاضي بصحة الدعوى وتسجيل تلك الأوقاف بتاريخ غرة جمادى الأولى سنة ٩٢٤ والأوقاف المذكورة هي ١٨ دكانا في سوق الصياغين والخياطين والقلانسيين خياطي القلنسوة المعروفة بكوف بحلب و ٢٧ دكانا في السوق المذكور وغير ذلك من دكاكين هذا السوق التي تستوعب أكثره وبعض سوق الحرير وسوق زكريا وسوق الإسكافية وثمانية حوانيت في سوق السقطية وغير ذلك من الأسواق التي ذكرناها سابقا وبستان الأكشافي وجنينة المالح خارج باب الجنان وثلاثة أرباع قرية دارة عزة وكفرتين في جبل سمعان وعدة فدادين في قرية مجاورة لها وقرية حيلونة وأراض فسيحة من قرية كفر حمره وأخرى بعزاز وفدان في طعمع وآخر في جبرين وعدة فدادين في ناحية سرمين معروفة بوقف عبد الرحمن ومقاطعة في سوق العطارين ليشبك ومقاطعة سوق الدهشة والصابون لقيصر وجانيك ومقاطعة الحوانيت من أوقاف تمرتاش بك بسوق الأبارين ومقاطعة عرصة حوانيت سوق النحاسين لابن خطيب الناصرية ومقاطعة سوق السقطية لكمال الدين ابن بر مقسون ومقاطعة إصطبل بسوق حاتم في جنب المدرسة الرواحية وغير ذلك من المقاطعات
стр. 681
التي يطول شرحها ومقاطعة أراضي مقر الأنبياء وقد شهدوا بأن غلته تصرف لجماعة بأيديهم براءات من أهل العلم والقرآن وغيرهما وهم سبعة نفر من العلماء الشافعية ورجل فاضل حنفي ورجلان مالكي وحنبلي يدرسون في الجامع في الأوقات المعتادة وواحد وعشرون محدثا وأربعة عشر قارئا وثمانية قراء يقرون بالدور المعتاد وخمسة عشر مؤذنا وغير ذلك من الخدمة والموقتين والمبخرين وثلاثة جباة وأربعة كتاب يكتبون الدخل والخرج ومعماران ومتول وناظر وخطيب والقاضي الناظر وسبعة أئمة واحد أصيل والباقي فروعه.
أما مطاهر الجامع فهي أربع:
الأولى: محلها الصف الغربي من سوق المسامرية غربي الجامع وجنوبي الحلاوية على مقربة منها وقد ذكرها ابن شداد في الكلام على تقسيم قناة حلب كما ألمعنا إليه هناك وهي مطهرة الجامع الأصلية وكانت أشرفت على الخراب واتفق أن محمد باشا المعروف بالنيشانجي عمر بالقرب منها خانا فأدخلها في بناء الخان وعمر عوضها المطهرة الحالية: مكتوب فوق نجف بابها (جدد هذا المكان صاحب الخيرات محمد باشا نشانجي بمعرفة فرهاد جاويش سنة ١٠٠٣) والمشهور أن لها نحو ثلاث دكاكين موقوفة عليها وكانت تجبى مع وقف الجامع ثم لما وضعت الحكومة يدها على وقف الجامع بقيت الدكاكين المذكورة في يد بعض الناس يجبيها ويصرف الحكومة يدها على وقف الجامع بقيت الدكاكين المذكورة في يد بعض الناس يجبيها ويصرف غلتها عليها ويدخل إلى هذه المطهرة من دهليز ذو ثنيتين طول الأولى ١٠ ع وعرضها ١ ع و ٨ ط وطول الثانية ٨ ع و ١٢ ط وعرضها ٢ ع وصحنها مربع يبلغ أحد عشر ذراعا في مثلها ويدخل في هذه المسافة مساحة الأخلية والمغطس الكائن في شماليها ويشتمل صحنها على حوض مغطى يؤخذ ماؤه بواسطة مباذل وسقفها قبة عالية.
الثانية: هي الكائنة في الباب الشمالي للجامع وهي التي أنشأها (سيياي بن عبد الله الجركسي) كافل حلب في حدود التسعمائة وكان غرضه من إنشائها أن ينتفع بها أيضا من بات في الجامع وهي تشتمل على بضعة عشر خلاء في آخر جهتها الشرقية قسطل مستور يؤخذ منه الماء بواسطة مباذل في أسفله وبابها في الدهليز الخارجي للباب الشمالي المذكور وسقفها قبة والنفقة عليها من وقف الجامع وهي أعمر مطهراته وكان لها باب يفتح إلى الرواق الشمالي المتجه إلى الجنوب في الجامع كما أشرنا إليه في الكلام على هذا الرواق وقد سد منذ عهد قديم.
стр. 682
الثالثة: في الصف الشمالي الموجه قبلة من سوق الطيبيه وهي مطهرة عظيمة سقفها قبة متهدمة وفي وسطها حوض مغلق يؤخذ منه الماء بواسطة مباذل ينفق عليها من غلة دكان بقربها ويقال إنها من آثار أزدمر صاحب خان الصابون.
الرابعة: في أوائل سوق العطارين على يسرة الداخل إليه من جنوبيه مكتوب على بابها (جدده الفقير إليه تعالى مجد الدين الحنفي بتاريخ ربيع الأول سنة ٨٩٠ وهي مطهرة كبيرة لها حق من ماء القناة وفيها مغطس وسقفها قبو مكشوف وسطه وكانت عطلت وأغلق بابها منذ ثلاثين سنة لأنبعاث الروائح الكريهة منها ثم في سنة ١٣٢٥ أهتم رجل من التجار المحسنين بتحويلها إلى مسجد فصرف عليها مبلغا وجعلها مسجدا تصلى فيه السرية والمشهور أن لها ثلاث دكاكين في سوق الضرب وهي مربعة الشكل تبلغ عشرة أذرع في مثلها.
تنبيه: في هذه السنة وهي سنة ١٣٤١ سعى مدير الأوقاف السيد يحيى الكيالي بإحداث سبيل في جانب باب الجامع في رأس الرواق المتجه إلى الشرق يرفع إليه الماء بواسطة مضخة من قسطل وراء حائط الجامع تجاه باب المدرسة الحلوية يجري فيه ماء عين التل وهو سبيل جميل المنظر بديع الصنعة يؤخذ منه الماء بواسطة مباذل تصب في كؤوس جميلة نظيفة.
المدرسة الشرقية
الشافعية أنشأها الشيخ الإمام شرف الدين أبو طالب (عبد الرحمن العجمي) وزوجته وأقاربه وصرف على عمارتها ما ينيف عن أربع مائة ألف كذا قال ابن شداد وكان بشماليها قبل فتنة تيمور صندوق من الخشب يسع مكاكيك «١» من الحنطة، ذكر أقارب واقفها أنه أنفق ملئه دراهم برسم مؤنة الخضر لطعام الفقراء قال الذهبي في هذه المدرسة: هي حسنة مليحة غاية بالارتفاع وحسن البناء والصنعة وبوابتها لم ينسج على مثالها وإيوانها فرد في بابه ومحرابها غاية في الجودة ورخام أرضها محكم وبركتها من أعاجيب الدنيا عشرة أحجار مركبة في بعضها تركيبا غريبا وعمقها قامة وبسطة وكان يأتي إليها الماء في زمن واقفها من دولاب تجاه باب المدرسة الكبير وصنع لها واقفها سربا لأجل الخلاء من المدرسة إلى
стр. 683
خارج البلدة لا يشاركه أحد فيه وهي مبنية بالحجارة الهرقلية واسم معلم بنائها مكتوب على محرابها وهو (أبو بكر النصيفه) .
واسم النحات مكتوب على بابها واسمه أبو الثناء بن ياقوت وصنع لها طرازا على حائطها الأعظم ليكتب عليه ما أراد وكذلك على إيوانها فلم يتفق ذلك لأن واقفها اخترمته المنية ولم يكملها وكانت مدة عمارتها أربعين سنة وكان بها ثلاثة أدوار من الخلاوي المحكمة البناء والأبواب والخزاين وبها بأعلى الإيوان مع أعلى حاصلها المعروف بالمغارة قاعة مليحة للمدرس ولهذه القاعة باب للإيوان وآخر لصحن المدرسة وبصدر هذا الإيوان بادهنج «١» له ثلاثة أبواب وفيها بئران وصهريجان وعلى بئر منها قنطرة من الحديد عجيبة الصنعة كتب عليها (وقف هذه القنطرة واقف هذه المدرسة عبد الرحمن بن عبد الرحيم ابن العجمي على مصالح الجب في شهر ربيع الأول سنة ٦٤٠ واسم صانعها علي بن أبي بكر بن مسلم وعليها خط بالكوفي لم أتمكن من قراءته. وإلى جانب هذه المدرسة تربة الواقف دفن فيها بوصيته ولها وقف على حدته وإلى جانب قبلية هذه المدرسة مسجد قديم عمره الواقف وفتح له بابا آخر إلى قبلية مدرسته.
وإلى جانب هذا المسجد بيت كان إصطبلا للعجول التي كانت تجر الحجارة إلى المدرسة وكان الواقف إذا عاقه في طريق العجول بناء اشتراه من أهله وهدمه وكان تخشيب هذه المدرسة كالأبواب وغيرها من عجائب صنعة التبخير وقد وقف واقفها على مدرسته كتبا نفيسة من كل فن ووقف لها أوقافا عظيمة من جملتها القرشية في طريق مسكنة وحصة من قرية دادحين وشرط أن لا يتعرض لناظرها وإن اعترض أحد عليه يغلق بابها ويعود وقفها لأهله وقد شرط لها مؤذنين على بابها وشرط لهم حصة من قرية حريبل وكان لها باب من جنوبيها إلى بيوت الخطيب هاشم وقد درس بها العلماء ورحل إليها للأخذ عنهم الحفاظ المشهورون كشيخ الإسلام ابن حجر وشمس الدين ابن ناصر الدين. قلت هذه المدرسة الآن مشرفة على الخراب قد عمر في مكان إيوانها مكتب للأطفال من وقف أحمد موتياب باشا كما ألمعنا إلى ذلك في الكلام على معارف حلب ولم يبق بها سوى المسجد المتقدم ذكره والقبلية بجانبه وهي متشعثة البناء وأما بركتها فلم تزل موجودة إلا أنها مختلفة الوضع عديمة
стр. 684
النفع خالية من الماء والدولاب الذي كان يؤخذ منه الماء إلى هذه البركة قد جهل محله ودخل في خان تجاهها لبعض التجار ولم يزل يوجد فيها بعض خلاو يسكنها الفقراء وقنطرة الحديد على بئرها سرقت من عهد غير بعيد ومطهرتها مائلة للخراب قال ابن شداد وإذا تذكرت ما كانت عليه هذه المدرسة من كثرة الفضلاء وتردادهم إليها للعلوم والفنون وما هي عليه الآن تذكرت قول الشاعر:
هذي منازل قوم قد عهدتهم ... في ظل عيش رغيد ماله خطر
صاحت بهم نائبات الدهر فانقلبوا ... إلى القبور فلا عين ولا أثر
وقد عزم مدير الأوقاف السيد يحيى الكيالي على أن يقتطع من جهتها المتجهة إلى الغرب وجهتها الأخرى المتجهة إلى الشمال قطعة يبني عليها مخازن وحوانيت ذات أجرة وافرة.
وفقه الله لذلك وجزاه خيرا.
الخانقاه الزينية
محلها في رأس زقاق الفرن وكان يعرف هذا الزقاق بدرب السيد حمزة أنشأها (مظفر الدين كوكبوري) المتوفي سنة ٦٣٠ وفي سنة ٧٩٦ وقف عليها الزيني عمر عدة مزارع وكانت هذه الخانقاه معمورة مشهورة جدا أما الآن فقد استولى الجيران عليها وركبوا ظهرها وأغلق بابها وكادت تكون مجهولة العين.
زاوية بيت الكيالي
هي الآن زاوية عامرة وللناس اعتقاد حسن بمن دفن فيها فيقصدونها للاستشفاء من الأدواء وينذرون لها النذور. وهي سماوي يبلغ خمسة عشر ذراعا في مثلها تقريبا في غربيه قبور أساتذة الطريق من هذا البيت وفي جنوبيه إيوان بجانبه حجرتان وفي شرقي شماليه قبلية معدة للصلاة وإقامة الذكر. وفي جنوبي القبلية حجرة فيها ضريح (عبد الجواد بن أحمد الكيالي) واقف القبلية. ثم جاء ولده الشيخ علي فضم إليها بقية الزاوية سنة ١٢٠٢: مكتوب على بابها بعد البسملة:
ضريح أبي الجود الرفاعيّ نسبة ... عبيد الجواد القطب فرد زمانه
стр. 685
هو السيد الكيال دونك رمسه ... أضاء على الشهباء وقت بيانه
وليّ كبير نسل آل محمد ... ينال به ذو الخوف كل أمانه
لقد أظهر القبر المقدس نجله ... على له المقدار أكرم بشأنه
يدوم له الاقدام والسعد والهنا ... عطاء من المولى بجود امتنانه
فبشراه إذ تم البناء مؤرخا ... يطيب لذكر الله حال مكانه
ومكتوب على شباك خلوة الضريح مما يلي صحن الزاوية:
جدث عليه مهابة ووقار ... وجلالة تغشى لها الأبصار
إذ كان روضة سيد لجماله ... بمقامه تتلألأ الأنوار
كم من كرامات له قد شوهدت ... للناظرين وكم بدت أنوار
سبيل الجزماتي
محله في رأس البوابة المنسوبة إليه أنشأه (أحمد بن خليل الخباز التونسي) المعروف بالجزماتي سنة ١١٨٦ وقد وقف عليه خمس دكاكين بسوق البوادقجية قرب الجامع الكبير وواحدة قرب دار الوكالة داخل باب الجنان وواحدة بزابوق سوق البالستان و ٢ في سوق الصياغ قرب الجامع الكبير و ٢ في سوق العقادين قرب الجامع الكبير و ٤ بسوق القوافين و ٢ بالسوق المذكور و ٢ بسوق داخل باب النصر و ١ بسوق المراياتية داخل باب الحديد و ١ بسوق بحسيتا و ١ بسوق البياضة و ٢ بسوق زقاق المنزول في البياضة و ٢ بسوق السويقة قرب قهوة نور العين و ١ بسوق داخل باب النصر قرب الخندق و ٢ بسوق خارج باب بانقوسا قرب قسطل الجاويش فالجملة ٢٩ دكانا.
شروطه
شرط أن يصرف كل يوم من الأقجيات «١» ٣٠ لعشرة قراء كل واحد منهم يقرأ جزءا في سبيله المذكور و ٤٠ تدفع عن أحكار الدكاكين المذكورة و ٣ إلى نقطجي على القراء وعليه أن يقرأ كل يوم جمعة سورة الكهف في سبيله و ٣ لرجل يقرأ فيه الدلائل في يوم
стр. 686
الجمعة و ١٢ لخادمه ومحافظ أدواته و ٥ للجابي و ٣٠ لشعال قناديل السبيل و ٣ قيمة زيت له و ٣ لتصليح الطاسات والزناجير «١» والسطل و ٣ لبقية لوازمه و ٨ للمتولي وما فضل بعد ذلك فإلى أولاده ومن بعدهم فإلى عتقائه الذكور ثم الاناث ثم الحرمين.
بقية آثار هذه المحلة
زاوية في زقاق فرن جقجوقة في شمالي صفة يقال لها الجعفرية نسبة إلى حمزة الجعفري أنشأها سنة ٧٩٦ كما يفهم من الحجر الكائن فوق شباكها مما يلي الجادة وكان هذا الشباك هو الباب وهي الآن عبارة عن صحن يبلغ عشرة أذرع في مثلها في جنوبيه إيوان في صدره محراب ليس إلا، مدرسة تعرف بالأرغونية على يمين السالك بعد أن يجتاز سبيل الجزماتي في الجادة الآخذة إلى سوق هذه المحلة الكائن في شمالي الجامع الكبير ولهذه المدرسة باب عظيم إلا أنها ليست بذات بال قد اشتملت على مخدعين يسكنهما بعض الفقراء وعلى قبلية في غربيها متهدمة وفي هذه السنة وهي سنة ١٣٤١ هدما هذه المدرسة عن آخرها وبني في محلها حوانيت عظيمة وبني فوقها شبه مدرسة وذلك بسعي مدير الأوقاف السيد يحيى الكيالي، مدرسة تجاه زاوية بيت الكيال متهدمة مغلقة الباب لم يشتهر لها في أيامنا اسم يسكنها بعض الفقراء، مسجد في رأس زقاق الزهراوي الجنوبي، مسجد في زقاق الزهراوي من آثار بني زهير تعلم فيه الأطفال، دار الحديث تجاه مسجد البكفالوني بميلة إلى الغرب أنشأها المتولي على وقف (أحمد موتياب باشا) الجندي سنة ١٣١١ بدل دار الحديث التي شرطها في كتاب وقفه وقد كتب على بابها:
أعد لأحمد الجندي أجرا ... عطاء الله مولانا المغيث
فقد رفعت بشرط منه دار ... مشيدة بإنشاء حديث
فبادر إن ترم فوزا وأرخ ... مقاما طيبه نشر الحديث
سبيل قسطل محله في الصف الشمالي شرقي القهوة الكائنة في السوق الكائن في شمالي الجامع الكبير، وسبيل قسطل في زقاق الفرن، وسبيل قسطل تجاه سبيل الجزماتي من غربيه داخل في وقفه، وسبيل قسطل في فم زقاق الزهراوي.
стр. 687
تنبيه: لفقراء هذه المحلة وقف وقفه كور وزير المتوفى سنة ١١٥٥ وهو فرن جقجوقة ودار في شماليه ودار في بوابة النقلى ودكان في أواخر سوق الصابون ودكان تجاه الواساني شرقي فندق خان الصابون المعروف بالأوتيل وأخرى في شرقيها على جادة السوق وفي المحلة غير ذلك من الآثار الدينية والعلمية المعطلة التي استولى الناس عليها ودخلت في دورهم.
مكتب للأيتام من إنشاء الشيخ شرف الدين (عبد الرحمن العجمي) صاحب المدرسة الشرفية المتقدم ذكرها وكان محل هذا المكتب تجاه باب المدرسة والآن صار في محله دار مملوكة، وفيها بيمارستان على باب الجامع الكبير الشمالي وينسب لابن خرخاز ولما تعطل صار يجلس فيه الكحالون فعرف بدار الكحالة وهو من آثار دولة الأتراك وهو الآن محل يسكنه إمام الأحناف في الأموي ولم يبق فيه سوى ثلاث مخادع صغيرة لا يعبأ بها ومنها المدرسة الرواحية كانت مدرسة مشهورة شافعية أنشأها زكي الدين أبو القاسم هبة الله ابن عبد الواحد بن رواحة الحموي سنة ٦٢٢ وشرط أن لا يتولاها حاكم ولا متصرف وأن يكون مدرسها عالما بالخلاف العالي والنازل وقد تولاها فحول العلماء والأفاضل إلى أن انهدمت في حادثة تمرلنك ثم رممت ثم استولى عليها الناس وأدخلوها في دورهم وهي قرب المدرسة الشرفية من شماليها بينهما الطريق وكان وقفها حصة من تل عرن من عمل الجبول قدرها ١٤ فدانا وأخرى من قرية تفيحين وأخرى من قرية مشقانين وكان في قرب المدرسة الرواحية خانقاه تعرف بالشمسية جهل الآن محلها: والأسر الشهيرة في هذه المحلة أسرة آل الجمالي وأسرة الخانجي وكانتا من الأسر العلمية التجارية وأسرة آل الميسر وأسرة آل السباعي وأسرة آل الجزماتي من التجار وأسرة آل الكيالي وفيها العلماء والأدباء وأولو الوجاهة وسنتكلم على بعض هذه الأسر في مقدمة باب التراجم. اه. الكلام على هذه المحلة.
стр. 688
محلة الكلاسة (خ) عدد بيوتها ٣٥٣
يحدها قبلة وغربا الفلاة وشرقا مقبرة الكليماتي المعروفة بالكليباتي وهو كليب العابد وشمالا بالبساتين وحارة جسر السلاحف المعروفة بالوراقة. عدد سكانها:
الذكور/ الإناث/ المجموع/ الأقوام ١٥٨٢/١٨٣٩/٣٤٢١/كلهم/ مسلمون وقد تجدد في جنوبيها منازل كثيرة لم تدخل في عدد بيوتها وهي محلة جيدة الهواء ماء آبارها قليل الملوحة يستعمل ويشرب حين فقد الماء العذب عمقها أربعة أبواع وماؤها العذب الجاري يأتي إليها في قناة رأسها تجاه الكتاب وبستان إبراهيم آغا. وقد تقدم الكلام عليها في الكلام على قناة حلب. وسميت هذه المحلة بالكلاسة لأن فيها أتانين الكلس وهي تبلغ اثني عشر أتونا وأكثر سكانها يعانون حرفة الكلس وقطع الحجارة من مقاطعها ونحتها وبناءها وكانت أتانين الكلس قبل القرن السابع في شمالي حلب قرب مقابر اليهود وكان اسم هذه المحلة قبل القرن المذكور الحاضر السليماني وكان فيها قصر بناه سليمان بن عبد الملك في أيام ولايته وقد تأنق في بنايته وزخرفه وإليه صار ينسب هذا الحاضر وكان قبل ذلك يعرف بحاضر كلب يجمع أصنافا من العرب من تنوخ وغيرهم وكان فيه بعد أن فتح المسلمون حلب مائة وعشرة مساجد. ذكر ذلك ابن العديم قال: وكان لها وال مستقل وفيها عدة أسواق.
آثارها
جامع الشيخ عبد الرحيم المصري أنشأه الحاج أبو بكر المصري سنة ٨٥٩ وجدد فيه حفيدة عبد الرحيم بعض جهات فنسب إليه وهو جامع معمور بالشعائر وله من الأوقاف
стр. 689
ما يقوم بلوازمه وفي سنة ١٢٧٤ اشترى الشيخ محمد خير الدين ابن الشيخ (أحمد الهبراوي) دارا وسع ببعضها صحن الجامع وأنشأ ببقيتها تكية غربي جنوبيه باتصال قبليته وأعدها لإقامة أذكار خلفاء الأسرة الهبراوية المتصدين للإرشاد في هذا الجامع الجاري تحت توليتهم وقد وقف الحاج خليفة بن محمد ابن الحاج محمود المعروف بابن الجربان من أهل محلة الكلاسة بستانا وكرما في أرض الأنصاري سنة ١١٣١ ويعرف بوقف بيت صهريج شرطه بعد انقراض ذريته للجامع المذكور وللقسطل الآتي ذكره في آخر الكلام على هذه المحلة.
بقية آثارها
مسجد الشيخ حسن الراعي مستعمل زاوية لأحد خلفاء الأسرة الهبراوية وجدد فيه أحدهم سنة ١٣١١ إيوانا جميلا، ومسجد الشيخ شهاب الدين تجاه البوابة الصغيرة على الجادة الكبرى أنشئ في القرن التاسع وفيه مزار لبعض أهل الله، ومسجد الزقاق العالي أنشئ جديدا وتربة الشيخ صانط، ومسجد أبي الرجاء في المقبرة جنوبي المحلة وهو صحن صغير في جنوبيه قبلية وفي شرقيها حجرة فيها مدفن الشيخ أبي الرجاء مكتوب على باب حجرة الضريح إنها عمرت سنة ٦٩٤ وعلى باب المسجد (أمر بعمارة هذا المسجد المبارك في أيام مولانا السلطان الملك العزيز غياث الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أبي المظفر محمد ابن الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب خلد الله ملكه العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى علي ابن أبي الرجاء في مستهل رمضان سنة ٦٦٦) .
قلت: هذه العمارة كانت مدرسة تدعى بالمدرسة العلائية نسبة لمنشئها علاء الدين علي ابن أبي الرجاء شادّ ديوان الملكة ضيفة خاتون ابنة الملك العادل صاحبة الفردوس، وجامع حسان يعرف بجامع السلطان خارج المحلة في جنوبيها بميلة إلى الشرق قديم أنشأه سنة ٦٠٦ علي بن سليمان بن حيدر وجدده أهل المحلة سنة ١٢٩٩ وهو جامع فسيح نير، وفي هذه المحلة سبيل عليه عمارة أنشأه (محمد راجي بن محمد علي بيازيد) سنة ١٢٥٩، وفيها قسطل ينزل إليه بدركات قديم عمر سنة ٤٢٠ وله دكان في المحلة وحصة من طاحون الحاج.
ومما يلحق بهذه المحلة مشهد محسن ومشهد الحسين. فأما مشهد محسن فيعرف بمشهد الدكة ومشهد الطرح وهو غربي حلب سمي بهذا الاسم لأن سيف الدولة بن حمدان كان
стр. 690
له دكة على الجبل المطل على موضع المشهد يجلس عليها لينظر إلى حلبة السباق فإنها كانت تقام بين يديه هناك وعن تاريخ ابن أبي طي أن مشهد الدكة ظهر في سنة ٣٥١ وأن سبب ظهوره هو أن سيف الدولة كان في إحدى مناظره التي بداره خارج المدينة فرأى نورا ينزل على مكان المشهد وتكرر ذلك فركب بنفسه إلى ذلك المكان وحفره فوجد حجرا عليه كتابة «هذا قبر المحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب» فجمع سيف الدولة العلويين وسألهم هل كان للحسين ولد اسمه المحسن فقال بعضهم ما بلغنا ذلك وإنما بلغنا أن فاطمة كانت حاملا فقال لها النبي ﷺ في بطنك محسن فلما كان يوم البيعة هجموا على بيتها لإخراج علي إلى البيعة فأحدجت وفي صحة هذا نظر. وقال بعضهم إن سبي نساء الحسين لما مروا بهن على هذا المكان طرحت بعض نسائه هذا الولد فإنا نروي عن آبائنا أن هذا المكان سمى بجوشن لأن شمر ابن ذي جوشن نزل عليه بالسبي والرءوس وكان معدنا يستخرج منه الصفر وإن أهل المعدن فرحوا بالسبي فدعت عليهم زينب بنت الحسين ففسد ذلك المعدن فقال سيف الدولة «هذا الموضع قد أذن الله بإعماره فأنا أعمره على اسم أهل البيت» .
قال ابن أبي طي: ولحقت هذا المشهد وهو عليه باب صغير وحجر أسود تحت قنطرته مكتوب عليها بخط أهل الكوفة كتابة عريضة «عمر هذا المكان المشهد المبارك ابتغاء لوجه الله وقربة إليه على اسم مولانا المحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب» الأمير الأجل سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان وذكر التاريخ المتقدم. ثم قال: وفي أيام بني مرداس بنى المصنع الشمالي من المشهد ثم بنى قسيم الدولة آق سنقر سنة ٥٨٢ في ظاهره قبلي المشهد مصنعا للماء وكتب عليه اسمه وبنى الحائط القبلي وكان قد وقع ووقف عليه رحا جندبات وعمل للضريح طوقا وعرائش من فضة وجعل عليه غشاء ثم بنى نور الدين في صحنه صهريجا وميضأة فيها بيوت كثيرة ينتفع بها المقيمون فيه وهدم الرئيس صفي الدين طارو بن علي النابلسي رئيس حلب المعروف بابن الطريرة بابه الذي بناه سيف الدولة ورفعه وحسنه ولما مات ولي الدين أبو القاسم علي رئيس حلب وهو ابن أخي صفي الدين المتقدم ذكره دفن إلى جانب المصنع ونقض أيضا باب المصنع الذي عليه اسم قسيم الدولة وبناه وكتب عليه اسمه وذلك في سنة ٦١٣ وكان في المكان المذكور بين الجبل والمشهد ضريح كبير ذكر أنه ضريح إبراهيم الممدوح المنتقل من العراق إلى حلب والله أعلم.
стр. 691
ثم في أيام الملك الظاهر غياث الدين غازي بن صلاح الدين يوسف وقع الحائط الشمالي فأمر ببنائه. وفي أيام الناصر يوسف بن عبد العزيز محمد ابن الظاهر وقع الحائط القبلي فأمر ببنائه وعمل الروشن الدائر بقاعة الصحن. ولما ملك التتار حلب قصدوا هذا المشهد ونهبوا ما كان فيه من الأواني والبسط وخربوا الضريح والجدار ونقضوا الأبواب فلما ملك السلطان الملك الظاهر حلب أمر بإصلاح المشهد ورمه وجعل فيه إماما وقيما ومؤذنا.
وأما مشهد الحسين فهو في سفح جبل الجوشن وعن يحيى ابن أبي طي في تاريخه أن راعيا يسمى عبد الله يسكن في درب المغاربة كان يخرج كل يوم يرعى غنمه فأتفق أنه نام يوما بعد صلاة الظهر في المكان الذي بني فيه المشهد فرأى كأن رجلا أخرج نصفه من شقيق الجبل المطل على المكان ومد يده إلى أسفل الوادي وأخذ عنزا فقال له يا مولاي لأي شيء أخذت العنز وليست لك فقال قل لأهل حلب يعمروا في هذا المكان مشهدا ويسموه مشهد الحسين فقال إنهم لا يرجعون إلى قولي فقال قل لهم يحفروا هناك ورمى بالعنز من يده إلى المكان الذي أشار إليه فاستيقظ الراعي فرأى العنز قد غاصت قوائمها في المكان فجذبها فظهر الماء من المكان فدخل حلب ووقف على باب الجامع القبلي وحدّث بما رأى فخرج جماعة من أهل البلد إلى المكان الذي ظهرت فيه العين وهو في غاية الصلابة بحيث لا تعمل فيه المعاول وكان فيه معدن النحاس قديما فخطوا المشهد المذكور.
قال ابن أبي طي: ومقتضى هذه الحكاية أن هذا المكان هو المشهد المعروف بمشهد النقطة وهو قبلي المشهد المعروف بمشهد الحسين وهو إلى الخراب أقرب وأما مشهد الحسين فهو عامر آهل مسكون قال وتولى عمارته الحاج أبو النصر ابن الطباخ وكان ذلك في أيام الملك الصالح ابن الملك العادل نور الدين وكان الأمير محمود بن الختلو إذ ذاك شحنة حلب فساعدهم في بنائه ولما شرعوا في البناء جاء الحائط قصيرا فلم يرض بذلك الشيخ إبراهيم بن شداد وعلاه من ماله وتعاضد الناس في البناء فكان كل أهل حرفة يفرض على نفسه عمل يوم وفرض أهل الأسواق عليهم دراهم تصرف في المؤن والكلف وبنى الإيوان الذي في صدره الحاج أبو غانم ابن سويق من ماله فجاء قصيرا فهدمه الرئيس صفي الدين طارو ابن علي النابلسي ورفع بناءه وانتهت عمارته في سنة ٥٨٥.
ولما ملك الظاهر غازي حلب اهتم به ووقف عليه رحى تعرف بالكاملية وفوض النظر فيه إلى نقيب الأشراف الإمام شمس الدين ابن أبي علي الحسين والقاضي بهاء الدين بن
стр. 692
أبي محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب. ولما ملك ولده العزيز استأذنه القاضي بهاء الدين في ابتناء حرم إلى جانبه وبيوت يأوى إليها من انقطع إلى هذا المشهد فأذن له فشرع في بنائه واستولى التتار على حلب قبل أن يتم ودخلوا إلى هذا المشهد ونهبوا ما كان الناس قد وضعوا عليه من الستور والبسط والفرش والأواني النحاس والقناديل الذهب والفضة والشمع وكان شيئا كثيرا وشعثوا بناءه ونقضوا أبوابه. ولما ملك الظاهر جدد ذلك ورمه. اه.
قلت: الذي فهمته من عبارة ابن أبي طي على ما فيها من الاضطراب أن المشهد الذي نسميه الآن بالشيخ محسن بتشديد السين هو مشهد الدكة وأن الذي نسميه هو مشهد الحسين يؤيد هذا الكتابة الموجودة في صدر إيوان المشهد وهي (بسم الله الرحمن الرحيم أمر بعمل هذا الإيوان المبارك العبد الفقير إلى رحمة الله أبو غانم بن أبي الفضل عيسى البزاز الحلبي ﵀ وذلك في شهور سنة ٥٧٩) فهذه الكتابة ربما تعضد قول ابن أبي طي (وبنى الإيوان الذي في صدره الحاج أبو غانم سويق) على أن مشهد الشيخ محسن لا إيوان فيه. ومعلوم أن كلا من المشهدين قائم على سفح جبل الجوشن بينهما مسافة غلوة بالقبلي منهما الشيخ محسن والشمالي المشهد ويؤخذ من كلام ابن أبي طي أنه كان يوجد بينهما مشهد آخر يعرف بمشهد النقطة وهو مما لا أثر له قلت ذكر أن سبب بناء مشهد النقطة هو أن رأس الحسين لما وصلوا به إلى هذا الجبل وضعوه على الأرض فقطرت منه قطرة دم فوق صخرة بني الحلبيون عليها هذا المشهد وسمي مشهد النقطة. ولعل هذه الصخرة نقلت من هذا المشهد بعد خرابه إلى محراب مشهد الحسين فبنى عليها.
وكان هذا المشهد مهملا ثم منذ نصف قرن أخذت تقام فيه يوم عاشوراء حفلة دينية تتلى فيها قصة المولد النبوي ويطبخ فيه طعام الحبوب وغيره من الأطعمة الفاخرة ويجلس على موائدها المدعوون من رجال الحكومة والعلماء والأعيان والوجهاء وفي اليوم السابع والعشرين من رجب تتلى قصة المعراج ويفرق على الحاضرين المذكورين الملبس وغيره من أنواع الحلوى اليابسة وفي سنة ١٣٠٢ جددت فيه الجهة الشمالية من القبلية وبعد بضع سنين أهدى السلطان عبد الحميد ستارا حريريا مزركشا بآيات قرآنية وضع على المحراب وفرشت أرض قبلته بالطنافس الجميلة وجدد ترخيم أرض الصحن ورتب له إمام ومؤذن وخادم وموظفون يقرءون كل يوم أجزاء شريفة والنفقات على ذلك كله من صندوق أملاك
стр. 693
السلطان عبد الحميد في حلب. وبعد الانقلاب الدستوري العثماني أهملت هذه الحفلات وأبطلت الشعائر وفي أيام الحرب العامة استعمل مستودعا للذخائر الحربية النارية واستمر على ذلك إلى أواخر سنة ١٣٣٧ وذلك حين خروج الانكليز من حلب ودخول الفرنسيس إليها وكان الحرس الذين يحرسونه من قبل الانكليز قد انصرفوا عنه فهجم عليه جماعة من رعاع الناس وغوغائهم ونهبوا ما فيه من الذخائر والسلاح وبينما كان بعض أولئك الغوغاء يعالج قنبلة لإستخراج ما فيها من البارود إذ أورت نارا فلم يشعر إلّا وقد انفجرت وسرت منها النار بأسرع من لمح البصر إلى غيرها من الأعتاد النارية المتفرقعة فانفجرت جميعها انفجار بركان عظيم سمع له دوي من بعد ساعات وشعرنا ونحن في منازلنا بحلب كأن الأرض قد تزلزلت مصحوبة بدوي كهزيم الرعد القاصف وقد تهدم بنيان هذا المشهد كله سوى قليل منه وتطايرت أنقاضه في الهواء وسقط بعضها على ما فيه من الذعار والشطار فهلكوا عن آخرهم ويقدر عددهم بثلاثين انسانا على أقل تقدير أخرج بعضهم من تحت الردم أمواتا وترك الباقون فيه خشية أن يفاجئ الباحثين عنهم انفجار ما بقي من الذخائر النارية.
هذا وإن أوقاف هذا المسجد أراض عشرية تكلمنا عليها في مقدمة الكتاب في فصل تكلمنا فيه عادات الحلبين المسلمين التابعة الأشهر القمرية والأشهر الشمسية فراجعها ولأحمد أفندي وبهاء الدين أفندي الزهراوي وقف عظيم جعلا نهايته إلى هذا المشهد تاريخه ١٠٦٤: كان مكتوبا في جبهة إيوان هذا المشهد: بسم الله الرحمن الرحيم: اللهم صل على محمد المصطفى وعلى المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن المجتبى والحسين الشهيد وعلى زين العادين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعلى الرضى ولد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري ومولانا محمد بن الحسن القائم بأمر الله تعالى. وعلى رأس المحراب صنعه أبو عبد الله وأبو الرجاء ابنا يحيى الكناني. وعلى نجفة الباب الداخلي المؤدي إلى الصحن: (بسم الله الرحمن الرحيم عمر مشهد مولانا الحسين بن على ابن أبي طالب ﵉ في أيام دولة مولانا الملك الظاهر العالم العادل سلطان الإسلام والمسلمين سيد الملوك والسلاطين أبي المظفر الغازي ابن الملك الناصر يوسف بن أيوب ناصر أمير المؤمنين سنة ٥٧٢) . وعلى دهليز الباب بعد البسملة: (اللهم صل على محمد النبي وعلى الوصي والحسن المسموم والحسين الشهيد المظلوم وعلى زين العابدين ومحمد الباقر علم الدين وجعفر الصادق الأمين وموسى الكاظم الوفي وعلى الطاهر الرضى ومحمد
стр. 694
البر التقي وعلى الهادي النقي والحسن العسكري وصاحب الزمان الحجة المهدي واغفر لمن سعى في هذا المشهد بنفسه ورأيه وماله) . وعلى نجفة الباب في ثلاث أنصاف دوائر:
(اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم. وارض اللهم عن سيدنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وارض اللهم عن أصحاب رسول الله أجمعين) .
قلت: المفهوم مما كتب على جبهة الإيوان وعلى دهليز الباب أن الساعين في بناء هذا المشهد شيعة إمامية اثنا عشرية مع أن الذي أمر ببنائه وهو الملك الظاهر غازي سنّي ابن سني. فلعل الذي حمله على بنائه مجرد مواساة للشيعة واسترضاء لهم ليكونوا من نصرائه أو ليكفي شرهم فقد كان الشيعة في حلب تلك الأثناء مرهوبي الجانب. والمفهوم من قصة مشهد النقطة أنه كان بين مشهد الحسين ومشهد الشيخ محسن عين ماء بني في مكانها مشهد النقطة المذكور وهي الآن مما لا أثر له ولعلها كانت فنضبت والله أعلم. أما مشهد الشيخ محسن فهو ما زال معمورا ولكن شعائره مهملة وقبل بضع سنين رخمت أرضه وأجريت فيه بعض المرمات. مكتوب على بابه بعد البسملة (جدد عمارته في دولة مولانا الملك الظاهر غياث الدنيا والدين ابن الملك الناصر يوسف بن أيوب الفقير إلى رحمة الله تعالى..) وعلى حائط القبلية (بسم الله أمر بعمارة هذا الموضع المبارك مولانا السلطان الملك الظاهر غياث الدنيا والدين أبو المظفر الغازي ابن يوسف خلد الله ملكه سنة ٦٠٩) ولحسن أفندي ابن أحمد أفندي الكواكبي وقف كبير شرط فيه لهذا المشهد في كل سنة ١٨٦ قرشا لأربعة قراء و ١٢ لخادمه و ١٥ لطبخ طعام الحبوب يوم عاشوراء تاريخ هذا الوقف سنة ١٢٢٠.
ومما يلحق بهذه المحلة أيضا مشهد في قرية الأنصاري التي كانت تسمى ياروقية قال الهروي في كتاب الاشارات: في هذا المشهد قبر عبد الله الأنصاري كما ذكروا. وقال ابن العديم نقلا عن والده: إن امرأة من نساء أمراء الياروقية «١» رأت في المنام قائلا يقول ههنا قبر الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ فنبشوا فوجدوا قبرا فبنوا عليه مشهدا ثم دثر فجددته نيلوفر عتيقة الأمير سيف الدين علي بن علم الدين سليمان بن حيدر ولما تولى معتقها سنة ٦٢٢ انقطعت إليه ولما استولى التتار على حلب دخل هذا المشهد في جملة
стр. 695
ما تشعث من أبنية حلب ولما ولى نيابة حلب الأمير سيف الدين قصروه سنة ٨٣٠ شرع بتوسيع هذا المشهد وبناه بالحجارة الكبار وعقد على الضريح قبة ووسع الصحن وبنى له بابا حسنا بالحجارة الكبار وجعل شماليه إيوانا بشبابيك مطلة إلى جهة الشمال ولما توفيت ابنته دفنها هناك على يمنة الداخل بالقرب من الباب وعقد عليه قبة ووقف عليه وقفا وسبب اعتنائه بهذا المشهد أنه كان قدم إلى حلب قبل ذلك وهو خاصكي بتقليد نائبها فاعتراه قبل دخوله البلد وجع شديد وكانت عادة من يرد من الخاصكية إلى حلب أن يبيت هناك ليدخل البلد بكرة النهار فبات تلك الليلة وهو في غاية الألم فرأى في منامه إن صاحب الضريح وهو شيخ حسن الشكل مسح عليه ودعا له وبشره بأنه يصير نائب هذه البلدة فأصبح معافى وعاهد الله أنه إن ولي حلب أن يجدد بناء هذا المكان ففعل وقف له وقفا.
وهذا المشهد الآن يعرف بسعد الأنصاري في قرية الأنصاري. قال ابن الشحنة: ولا أعرف المستند في ذلك إلا أن يكون الاشتباه فإن الجبل الذي هو تجاه هذا الجبل من جهة الشرق والقبلة عليه مشهد يقال له مشهد سعد الأنصاري (في قرية الشيخ سعيد) . وكان هذا المشهد صغيرا جدا وبه صريح صغير فلما ولى نيابة حلب الأمير خيري بك الطويل وسع هذا المشهد وبنى به دارا وقبلية وإيوانا وقبة فيها شبابيك مطلة غربا وقبلة وشمالا ووسع الصحن وبنى له بابا حسنا ومنارة ووقف عليه وصار يخرج إليه في كل سنة ويقرئ به قصة المولد الشريف ويحضر معه الأمراء والأكابر وأعيان البلد.
ومن المشاهد أيضا المشهد الأحمر وهو في رأس جبل الجوشن يقصده أهل البلد في مهماتهم ويدعون فيه فيستجاب لهم وهو قبلي المشهد المتقدم ذكره بينهما رمية حجر وقد بنى فيه بعض أهل البلد قبة جليلة عالية البناء وبنى فيها صهريجا. قلت: مشهد الأنصاري ومشهد الشيخ سعيد ما زالا باقيين معروفين أحدهما في قرية الأنصاري والآخر في قرية الشيخ سعيد أما المشهد الأحمر فلا أثر له ولا يعرفه أحد منا ولا حدثنا به أحد شيوخنا.
تنبيه: كان يوجد قرب مشهد محسن مدرسة تعرف بمدرسة النقيب متاخمة دار المعز وهي غاية في العمارة يقال لها تاج حلب وكانت كثيرة المساكن والمنافع وهي منتزه حلب وفيها بئر ماء يستقي منه من صحنها ومن درجها ومن أعلاها ولها صف خلاوي في أعلاها وتجاهها رواق وبه قناطر مطلة على قويق وحلب وبساتينها وكانت غاية في السعة والإتقان والزخرفة
стр. 696
وهي الآن مما لا يعرف مكانها والنقيب المنسوبة إليه هو (النقيب الإمام الشريف المرتضى) . ومما كان يوجد في شمالي الفيض مدرسة تعرف بالمدرسة الدقاقية أنشأها مهذب الدين أبو الحسن علي بن عبد الله ابن الدقاق في حدود سنة ٦٠٠ وهي الآن غير معروفة.
وفي المشهد وخارجه عدة قبور لبني الزهراء نقباء حلب وأشرافها منها قبر أبي المكارم حمزة الذي تكلمنا عليه في ترجمة أحمد بن عبد الله بن حمزة فراجعه. وفي هذه المحلة أعني محلة الكلاسة أسرة آل الهبراوي وهم وجهاء المحلة ومرشدوها وفيهم العالم والأديب والتاجر وقد ترجمنا عدة رجال منهم في باب التراجم. اه. الكلام على محلة الكلاسة.
стр. 697
حارة المغاير (خ) عدد بيوتها ١٠٠
هذه المحلة في جنوبي البلدة إلى الغرب يحيط بها الفلاة من كل جهة وهي قريبة من مغاير الحوار خارج باب قنسرين في غربيها وأكثر سكانها يعانون صنعة حبال القنب وعمل المكانس عددهم.
الذكور/ الإناث/ المجموع/ الأقوام ٤٠٣/٣٣٢/٧٣٥/كلهم/ مسلمون لا آثار فيها سوى جامع ومسجد لا يستحقان الذكر وقسطل يهبط إليه ببضع وعشرين درجة مكتوب على حجر في صدره بعد البسملة (إن الأبرار يشربون إلى قوله تعالى تفجيرا.
أنشأ هذا السبيل المبارك العبد الفقير إليه تعالى الحاج عبد الله ابن الحاج حسن بن العاجي غفر الله له ولوالديه في أيام السلطان الأمجد أبي المكارم السلطان سليمان خان ابن السلطان سليم خان خلد الله ملكه) . ماء هذه المحلة من آبار عميقة ماء بعضها نبع وماء بعضها الآخر من قناة الكلاسة المتقدم ذكرها وهي جيدة الهواء جميلة المناظر والمغاير التي في شرقيها واسعة يقال إنها متصلة بمغاير حارة المعادي التي سنتكلم عليها.
стр. 698
حارة الفردوس (خ) عدد بيوتها ١٥
محلها خارج باب المقام عدد سكانها:
الذكور/ الإناث/ المجموع/ الأقوام ٤٢/٥٠/٩٢/كلهم/ مسلمون محل هذه الحارة في جنوبي المعادي منقطعة عنها وكانت بعد القرن السادس من أعمر محلات حلب وأعظمها آثارا دينية كالمساجد والمدارس والربط والزوايا والترب.
آثارها
تربة بني الشحنة: شمالي الفردوس وهي قبة عامرة لها باب موجه شمالا مكتوب عليه البيتان المشهوران اللذان أولهما إذا أمسى فراشي من تراب إلخ وفي جهتها الجنوبية محراب حسن من النحيت وفي وسطها قبور لبني الشحنة.
عمارة ضيفة خاتون بنت الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد زوجة الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب والدة الملك العزيز ابن الملك الظاهر بنتها جامعا ومدرسة وتربة ورباطا سنة ٦٣٣ ووقفت عليها أوقافا عظيمة جميعها أراض من جملتها قرية كفر زيتا وثلث طاحون من النهريات وجامعها حافل عظيم متقن البناء واسع الأرجاء معدود في حلب من الآثار القديمة العظيمة يقصده السواح لما اشتمل عليه من عظمة البناء وضخامة الحجارة والأعمدة وبداعة الطراز صحنه يبلغ ستين ذراعا في مثلها تقريبا وفيه حوض واسع جميل الصنعة على شاكلة حوض السلطانية وفي شماليه إيوان كسروي وعلى جانبيه المدرسة والمطبخ وفي شرقي الصحن وغربيه الرباط والتربة كلاهما الآن مملوءان من قبور جماعة لا تعرف تراجمهم وفي جنوبي الصحن قبلية واسعة على طول الصحن في عرض نحو ثلاثين
стр. 699
ذراعا ومنبر هذا الجامع حادث جدد بعد واقفته ومن أجمل ما فيه المحراب فإنه عديم النظير لما اشتمل عليه من حسن الصنعة والنقوش والإتقان والإحكام فيه عدة ألواح من حجر اليشم النادر الوجود وهذه اللفظة فارسية أصلها أشباد جشم قال ابن العديم وهو من أعاجيب الدنيا يرى الناظر إليه وجهه فيه من صفاء معدنه وفي شرقي القبلية حجرة مقتطعة منها فيها قبران يزعمون أن الشمالي منهما مدفون فيه سيدنا علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه حتى إنه مكتوب على رقعة في ثوب الضريح هذا قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نقل صندوقه سيف الدولة أيام دولته من النجف سنة ٣١٧.
وهذا كذب ظاهر فقد نص المؤرخون على أن قبر علي ﵁ خفي لا يعرف موضعه. ومنهم من قال إنه دفن في دار الإمارة في الكوفة وأخفي قبره كي لا ينبشه الخوارج.
وقيل حملوه على جمل ليدفنوه مع رسول الله ﷺ فبينما هم في السير ليلا إذ ندّ الجمل الذي هو عليه فلم يدروا أين ذهب ولم يقدر على رده أحد فلذلك، يقول غلاة الشيعة إنه في السحاب وقيل وقع في بلاد طيىء فأخذوه ودفنوه. وقيل: كان أوصى أن يخفى قبره كيلا يمثل به بنو أمية لعلمه أن الأمر لهم على أن مجيء سيف الدولة إلى حلب كان سنة ٣٣٣ فكيف يأتي بالصندوق من النجف إلى حلب قبل مجيئه إليها. ثم إن عمارة الفردوس كما قال ابن شداد بناؤها عظيم مرتفع بالحجارة الهرقلية وهي كثيرة الأماكن وبها خشخاشة للموتى وبركة ماء تشبه بركة الظاهرية يأتي إليها الماء من بستانها من دولاب خارجها وفي جانب هذا البستان إيوان عظيم بالحجارة العظيمة وفي هذه المدرسة أعمدة ضخمة من الرخام الأصفر ملقاة في صحنها وفيها قاعة عظيمة لمدرسها وللمدرسة من جهاتها الأربع مناظر وشبابيك إلى بستانها وفيها إيوان مكتوب عليه في طرازه وطرازها (لله در أقوام إذا جن عليهم الليل سمعت لهم أنين الخائف وإذا أصبحوا رأيت عليهم تغير ألوان:
إذا ما الليل أقبل كابدوه ... ويسفر عنهم وهم ركوع
أطار الشوق نومهمو فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا خشوع
أجسادهم تصبر على التعبد وأقدامهم ليلها مقيمة على التهجد لا يرد لهم صوت ولا دعا تراهم في ليلهم سجدا ركعا قد ناداهم المنادي وأطربهم الشادي:
يا رجال الليل جدوا ... رب صوت لا يرد
стр. 700
ما يقوم الليل إلا ... من له حزم وجد
لو أرادوا في ليلتهم ساعة أن يناموا أقلقهم الشوق إليه فقاموا وجذبهم الوجد والغرام فهاموا وأنشدهم مريد الحضرة وبثهم وحملهم على المناجاة وحثهم:
حثوا مطاياكم وجدوا ... إن كان لي في القلوب وجد
قد آن أن تظهر الخبايا ... وتنشر الصحف فاستعدوا
الفرش مشتاقة إليهم والوسائد متأسفة عليهم النوم قرم إلى عيونهم والراحة مرتاحة إلى جنوبهم الليل عندهم أجل الأوقات في المراتب ومسامرهم عند تهجدهم يرعى الكواكب:
وزارني طيفك حتى إذا ... أراد أن يمضي علقت به
فليت ليلي لم يزل سرمدا ... والصبح لم أنظر إلى كوكبه
هجروا المنام في الظلام وقلدوا بطول المقام وناجوا ربهم بأطيب كلام وأنسوا بقرب الملك العلام لو احتجبوا عنه في ليلهم لذابوا ولو تغيبوا عنه لحظة لما طابوا يديمون التهجد إلى السحر ويتوقعون ثمر اليقظة والسهر. بلغنا أن الله ﵎ يتجلى للمحبين فيقول لهم: من أنا. فيقولون: أنت مالك رقابنا فيقول: أنتم أحبتي أنتم أهل ولايتي وعنايتي ها وجهي فشاهدوه ها كلامي فاسمعوه ها كأسي فاشربوه وسقاهم ربهم شرابا طهورا إذا شربوا طابوا ثم طربوا إذا طربوا قاموا إذا قاموا هاموا إذا هاموا طاشوا إذا طاشوا عاشوا لما حملت ريح الصبا قميص يوسف لم يفضض ختامه إلا يعقوب ما عرفه أهل كنعان ومن عندهم خرج ولا يهودا وهو الحامل. اه. ومكتوب على الباب سطر جيد جدا مدحه الشعراء وهو (أمرت بإنشائه ضيفة خاتون في أيام السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد ابن السلطان الملك الظاهري غازي بتولي عبد المحسن العزيزي الناصري في سنة ٦٣٣) ومن جملته:
يطاف عليهم بصحاف من ذهب
ومما قاله فيه الشعراء:
في باب فردوس حلب ... سطر من الدر عجب
فيه صحاف من ذهب ... هن صحاف من ذهب
стр. 701
ومما يلحق بهذه المحلة عمارة الهروي: محلها في جنوبي الفردوس بميلة إلى الشرق على بعد غلوة منه أنشأها الشيخ أبو الحسن (علي بن أبي بكر الهروي) السائح ثم في فتنة التتار خرب بعضها ولم يبق بها ساكن وخرب وقفها لأنه كان سوقا بالحاضر وهي الآن خراب لم يبق فيها سوى حجرة الضريح التي على مثال الكعبة وجميع حجارتها مكتوبة حكما ومواعظ وغير ذلك وقد رأيت في كتاب الإشارات في معرفة الزيارات لصاحب هذا القبر صورة ما كتبه على تربته فأحببت نقله. قال رحمه [الله] : نسخة ما على تربة العبد الفقير إلى الله تعالى مؤلف هذا الكتاب (كتاب الاشارات) وهي التي أنشأها لنفسه ظاهر محروسة حلب على الجادة الآخذة إلى محروسة دمشق على نهر غربي هذه التربة منقورة في الصخرة ما هذه صورته (بسم الله الرحمن الرحيم سبحان مشتت العباد في البلاد وقاسم الأرزاق سير قوما إلى الآجال وقوما إلى الأرزاق هذه تربة العبد الفقير الغريب الوحيد علي بن أبي بكر الهروي عاش غريبا ومات وحيدا لا صديق يرثيه ولا خليل يبكيه ولا أهل يزورونه ولا إخوان يقصدونه ولا ولد يطلبه ولا زوجة تندبه آنس الله وحدته ورحم غربته وهو القائل سلكت القفار وطفت الديار وركبت البحار ورأيت الآثار وسافرت البلاد وعاشرت العباد فلم أر صديقا ولا رفيقا موافقا فمن قرأ هذا الخط فلا يغتر بأحد قط:
طفت البلاد مشارقا ومغاربا ... ولكم صحبت لسائح وحبيس
ورأيت كل عجيبة وغريبة ... ولقيت هولا في رخاء وبؤسي
أصبحت من تحت الثرى في وحدة ... أرجو إلهي أن يكون أنيسي
(وعليه) بنوا وعلوا ومضوا وخلوا (وعليه) لا ذاك دام ولا ذا يدوم (وعليه) كن من الفراق على حذر (وعليه) هذا الوداع فمتى الاجتماع (وعليه) السلامة في الوحدة والراحة في العزلة (وعلى الجانب الشمالي) لا مفر مما قضاه ولا مهرب مما أمضاه فالسعيد من سلم إليه وتوكل عليه، (وعلى الجانب الشرقي) ما هذه صورته: بسم الله الرحمن الرحيم هذه تربة العبد الفقير إلى رحمة ربه علي بن أبي بكر الهروي وهو القائل ابن آدم دع الاحتيال فما يدوم حال ولا تغالب التقدير فلن يفيد التدبير ولا تحرص على جمع مال يتنقل إلى غيرك من لا ينفعك شكره ويبقى عليك وزره (وعلى عضادة الباب) ما هذه صورته بسم الله الرحمن الرحيم ما مر الزمان على شيء إلا غيره ولا على حي إلّا قبره ولا رفيع إلّا وضعه ولا على قوي إلّا وضعضعه (وعلى الباب) بسم الله الرحمن الرحيم عمر هذه التربة لنفسه
стр. 702
العبد الفقير إلى رحمة ربه علي بن أبي بكر الهروي تقبل الله منه ورحمه ورحم المسلمين وذلك في سنة اثنتين وستمائة (وداخل الباب) الطمع يذل الأنفس العزيزة ويستخدم العقول الشريفة (وعلى القبر) بسم الله الرحمن الرحيم إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم هذا قبر الشيخ علي بن أبي بكر الهروي ﵁ ورحمه ورحم جميع المسلمين. (وعلى فرشة اللحد) بسم الله الرحمن الرحيم إلهي ليس لي عمل أتقرب به إليك ولا حسنة أدل بها عليك غير فقري وفاقتي وذلي ووحدتي فأرحم غربتي وكن أنيسي في حفرتي فقد التجأت إليك وتوكلت عليك وأنت أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
(وعلى القبة) الآيتان آخر سورة لقمان وآخر سورة البقرة (وعلى القبر بعد البسملة) يا باقي ارحم الفاني يا حي ارحم الميت يا عزيز ارحم الذليل يا قادر ارحم العاجز (وعليه) اللهم إني ضيفك ونزيلك وفي جوارك وفي حرمك وأنت أولى من أكرم ضيفه ورحم جاره وأجار نزيله فمن غير تربتي أو بدل حفرتي فأنت خصمه يا رب استعنت بك عليه يا رب يا مغيث أنت الله (وعلى أبواب حرم التربة) ما صورته منقورا في الصخر على باب منها داو أمراضك ودع اعتراضك (وعلى آخر) كم ذا العنا ومصيرك إلى الفنا (وعلى آخر) الدنيا مزبلة (وعلى آخر) لو أراد الله بخيرك ما تعبت لغيرك (وعلى آخر) الحذر لا ينفع القدر (وعلى آخر) لو رأيت ما اقتنيت (وعلى آخر) في الموت كفاية (وعلى آخر) الأجل أصدق من الأمل (وعلى آخر) دع الارتياب فمصيرك إلى التراب (وعلى آخر) اتق الله يكفك الله (وعلى آخر) انظر في عيب نفسك ودع أبناء جنسك (وعلى الطهارة) لو تفكرت ما افتخرت (وعلى الحمام) طهارة الجسد إزالة الحسد (وعلى آخر) يا أشعب لمن تتعب (وعلى آخر) ما انتظارك والقبر دارك (وعلى أبواب الرباط وهي المدرسة التي أنشأها لصيق هذه التربة) (وعلى باب منها) استعد للرحيل فقد بقي القليل (وعلى آخر) الحسد يضر بصاحبه (وعلى آخر) الاحتمال موت حاضر (وعلى آخر) اللذة في الخمول (وعلى آخر) العزلة مركب السلامة (وعلى آخر) دعهم واحذرهم (وعلى آخر) من زهد في الدنيا قل تعبه (وعلى آخر) عز القانع وذل الطامع (وعلى آخر) الورع زمام العمل (وعلى آخر) زينة العلم العمل (وعلى آخر) الراحة في الوحدة (وعلى آخر) فرّ من الخلق فرارك من الأسد (وعلى آخر) انتفع بالناس انتفاعك بالنار تنج منهم (وعلى آخر) دع الترهات واستعد للممات (وعلى الطهارة) بيت المال في بيت الماء (وعلى باب التربة) عمر هذه التربة لنفسه العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى علي بن أبي بكر الهروي
стр. 703
وذلك في سنة اثنتين وستمائة (وعلى البئر التي ظهرت في هذه التربة ونسبت إلى إبراهيم الخليل) أظهر الله هذه البئر المباركة سنة اثنتين وستمائة.
بقية آثار هذه المحلة
في جنوبي هذه المحلة خان منقور في الحوار ينزل إليه بدرجات يقال له خان النقر «١» وهو صحن مربع يبلغ أربعين ع في مثلها تقريبا في جهاته الأربع أروقة نافذة إلى بعضها شبيهة بالأروقة المقبوة بالحجارة وكان يضرب المثل في حلب بكثرة دخل هذا الخان وأما الآن فهو معطل وصحنه بستان يشتمل على شجر التين والفستق وكان على مقربة من هذا الخان مدرسة يقال لها الجمالية محلها الآن تل من تراب وهي تنسب لمنشئها جمال الدولة إقبال الظاهري عتيق ضيقة خاتون وفي تلك الجهات أيضا عمارة يسمونها الدرويشية أظنها تربة وهي مشرفة على الخراب أنشأها الملك الناصر سنة ٦٢١.
стр. 704
محلة المقامات (خ) عدد بيوتها ٨٦
الذكور/ الإناث/ المجموع/ الأقوام ٣٣٧/٣٣٦/٦٧٣/كلهم مسلمون وهي بين حارة المعادي والفردوس الأولى في شماليها والثانية في جنوبيها سميت مقامات لكثرة ما اشتملت عليه من الترب والمدافن ومقامات الصالحين كما سنبينه.
آثارها
التربة الكمالية محلها في كرم الحشاش شرقي هذه المحلة بينها وبين تربة السفيري الكرم المذكور وجادة الصالحين وهي صحن واسع وقبلية في غربيها قبر كمال الدين الدمنهوري وهو الذي بناها بعد حادثة تيمور وفيها إيوان مدفون فيه خديجة بنت الباني المذكور وهي مشرفة على الخراب يسكنها بعض الفقراء، جامع قراسنقر هو جامع المحلة الكبير كان في الأصل رباطا بناه (قراسنقر الجو كندار المنصوري) وهو صحن متسع مشتمل على أروقة وله بابان واحد من شماليه وآخر من غربيه وقبلية مبنية بالحجارة العظيمة كأنها حصن في غربيها قبر مكتوب عليه (هذه تربة العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه الأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار المنصوري توفى في الليلة المسفرة عن الخميس سلخ جمادى الأخيرة سنة ٧٠٩ غفر الله له ولوالديه) هذه التربة كانت تعرف بالمهمازية في شرقيها قبر آخر مكتوب عليه (هذا قبر المقر المرحوم السيفي قتمر المنصوري مولانا الملك الآمر بحلب المحروسة كان توفى إلى رحمة الله تعالى في يوم الجمعة سابع عشر ذي الحجة الحرام سنة ٧٧٠) وفي الجانب الشرقي من باب الجامع الشمالي جرنان عظيمان مدفون بعضهما في الأرض أحدهما أسود والآخر أصفر مكتوب على الجدار فوقهما بعد
стр. 705
البسملة (أمر بإنشاء هذا السبيل المبارك المولى الأمير الكبير المجاهد المرابط الخاضع لربه المنان المفتقر إلى عفو الله والرضوان شمس الدنيا والدين (قرا سنقر الجو كندار المنصوري الناصري نائب السلطنة الشريفة بحلب المحروسة أثابه الله تعالى وضاعت له الحسنات وجعل زخره الباقيات الصالحات كتب في المحرم سنة ٧٠٣ من الهجرة النبوية) .
تربة شهاب الدين الأدرعي وهي غربي الجادة إيوان كسروي في جانبه الشرقي قبة معتبرة قائمة على جدران جميلة البناء وراء هذه القبة من شرقيها قبر «أحمد بن حمدان شهاب الدين الأدرعي» صاحب التربة مكتوب على نصبة قبره:
تعاهد قبور الصالحين مسلّما ... بحسن اعتقاد وانقياد مع الأدب
وصاحب هذا القبر أتحفه دائما ... بخير دعاء فهو مما له وجب
فهذا الإمام الأدرعي أحمد الذي ... سما وإلى حمدان حقا قد انتسب
وهذا أبو العباس يعرف كنية ... وهذا شهاب الدين يشهر باللقب
لقد ساد أهل العصر علما وعفة ... وزان بلاد الشام لا سيما حلب
فمولده قد كان في عام وارث ... ومدرجه لله صحبته قرب
وتجديد هذا القبر في السنة التي ... بخمسين بعد الألف فيما يلي رجب
وفيها من الأمراء «عبد الله بن إبراهيم بن أحمد» وراء هذه التربة من غربيها تربة أخرى جميلة فيها قبلية في شرقيها بعض قبور وفي شرقي الجادة تربة حافلة لها شبابيك مطلة على الجادة مبنية بحجارة جميلة بديعة التركيب والنقش وفي تربة «عثمان بن أحمد بن أحمد بن أغلبك» لا أثر لقبره في داخلها مع أنه مدفون فيها كما ستراه في ترجمته وهي الآن مشرفة على الخراب يسكنها بعض الفقراء وفي غربي الجادة قسطل سعى بعمارته الحاج صديق أفندي ابن عبد الحميد الجابري سنة ١٢٨٥.
وفي غربيه سبيل صهريج يجري إليه الماء من هذا القسطل، وفي الجهة الجنوبية الشرقية من المحلة مدرسة تعرف بالظاهرية ذكرها ابن شداد في باب المدارس الشافعية في ظاهر حلب وقال أنشأها السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي صاحب حلب وانتهت عمارتها سنة ٦١٦ وشرطها للشافعية ووقف عليها نصف سوق الظاهرية شركة جقمق ولها غالب
следующие страницы →