← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11789

مرشد الزوار الى قبور الابرار

زين الدين ابن الموفق

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

اعمل وأنت صحيح مطلق فرح ... ما دمت ويحك يا مغرور فى مهل يرجو الحياة صحيح ربّما كمنت ... له المنيّة بين الزّبد والعسل «١»

стр. 107

فصل ورد فى الحديث المرفوع: «كسر عظم الميت بعد مماته ككسره فى حياته» «١» .. وقال زيد بن أسلم «٢» : كان يمضى فى الزمن الأول أربعمائة سنة وما يسمع بجنازة.. وعن ميمون بن مهران «٣» قال: شهدت جنازة ابن عباس بالطائف، فلما وضع ليصلّى عليه جاء طائر أبيض حتى وقع على أكفانه، ثم دخل فيها، والتمس فلم يوجد، فلما سوّى عليه التراب سمعنا من نسمع صوته ولا نرى شخصه: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي «٤» . وقال محمد بن مهران بن مخلد: كأنّى بإخوانى على حافتى قبرى ... يهيلونها فوقى وأدمعهم تجرى

стр. 108

فيا أيّها المذرى علىّ دموعه ... ستعرض فى يومين عنّى وعن ذكرى عفا الله عنّى يوم أترك ثاويا ... مزارا فلا أدرى، وأجفى فلا أدرى «١» ووجدت فى مقبرة: قال الضّحّاك بن سليمان: ما أنعم الله على عبده ... بنعمة أوفى من العافيه وكلّ من عوفى فى جسمه ... فإنّه فى عيشة راضية والمال حلو حسنه جيد ... على الفتى لكنّه عاريه وأسعد العالم بالمال من ... أدّاه للآخرة الباقية ما أحسن الدّنيا ولكنّها ... مع حسنها غدّارة فانيه وتوفى رجل من بلدة، فكتب على قبره: يا واقفين ألم تكونوا تعلموا ... أنّ الحمام بكم علينا قادم «٢» لا تستعزّوا بالحياة فإنّكم ... تبنون والموت المفرّق هادم لو تنزلون بشعبنا لعرفتم ... أنّ المفرّط فى التّزوّد نادم «٣» ساوى الرّدى ما بيننا فأحلّنا ... حيث المخدّم واحد والخادم «٤» وقال الحسن بن الحسن البصرى: حقّ لمن علم أنّ الموت مورده، ويوم القيامة مشهده، وبين يدى الله- موقفه، أن يطول فى الدنيا حزنه. وقال شرف الدين بن أسد، ﵀ ورضى عنه: يا من تملّك ملكا لا بقاء له ... حمّلت نفسك آثاما وأوزارا وما الحياة مدى الدّنيا وإن عذبت ... إلّا كطيف خيال فى الكرى زارا «٥»

стр. 109

وقال آخر- يعنى شرف الدين: عن قليل أصير مثوى ترابى ... ويقول الرّفاق هذا فلان صار تحت التّراب عظما رميما ... وجفاه الأحباب والخلّان وقال أيضا: وغاية هذى الدّار لذّة ساعة ... ويعقبها الأحزان والهمّ والنّدم وهاتيك دار العزّ والأمن والتّقى ... ورحمة ربّ الناس والجود والكرم ووجدت على قبر ما صورته: ابن آدم، أين الماضون من الأوّلين والآخرين؟! أين نوح شيخ المرسلين؟! .. أين إدريس رفيع ربّ العالمين؟! .. أين عيسى روح الله وكلمته، رأس الزاهدين، وإمام السائحين؟! .. أين محمد خاتم النبيين؟! .. أين أصحابه الأبرار؟! .. أين الأولياء الأخيار؟! .. أين الأمم الماضية؟! .. أين الملوك السالفة؟! .. أين القرون الخالية؟! .. أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان؟! .. أين الذين قهروا الأبطال والشجعان؟! .. أين الذين دانت لهم المشارق والمغارب؟! .. أين الذين تمتعوا باللّذّات والمشارب؟! .. أين الذين تاهوا على الخلائق كبرا وعتيّا؟! .. أين الذين راحوا فى الحلل بكرة وعشيّا؟! .. أين الذين اعتزّوا بالأجناد والسّلطان؟! .. أين أصحاب السطوة والأعوان؟! .. أين أصحاب الإمرة والولايات؟! .. أين الذين خفقت على رءوسهم الألوية والرّايات؟! .. أين الذين قادوا الجيوش والعساكر؟! .. أين الذين عمروا القصور والدّساكر «١» ؟! .. أين الذين أعطوا النصر فى مواطن الحروب والمواقف؟! .. أين الذين أمّنوا بسطوتهم كلّ خائف؟! .. أين الذين ملئوا ما بين الخافقين «٢» فخرا وعزّا؟! .. أين الذين تضعضعت بهم

стр. 110

الأرض هيبة وهزّا؟! .. هل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا «١» ؟! .. أفناهم- والله- مفنى الأمم، وأبادهم مبيد الرّمم، وأخرجهم من سعة القصور، وأسكنهم فى ضيق القبور، تحت الجنادل والصخور، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، لم ينفعهم ما جمعوا، ولا أغنى عنهم ما اكتسبوا.. أسلمهم الأحبّة والأولياء، وجهزّهم الإخوان والأصفياء، ونسيهم القرباء والبعداء، فأنسوا وأبعدوا، ولو نطقوا لأنشدوا «٢» : مقيم بالحجون رهين رمس ... وأهلى راحلون بكل واد «٣» كأنّى لم أكن لهم حبيبا ... ولا كانوا الأحبّة فى السّواد «٤» فعوجوا بالسّلام فإن أبيتم ... فأوموا بالسّلام على بعاد «٥» وإن طال المدى وصفا خليل ... سوانا فاذكروا صفو الوداد «٦» وقيل: لا فخر فيما يزول، ولا غنى فيما لا يبقى، وهل أهل الدنيا إلّا كما قال الأول: قدر يغلى، وكنيف «٧» يمتلى؟

стр. 111

وقد قال بعضهم: أيّها الشّابّ، لا تغترّ بشبابك، فإنّ أكثر من يموت الشباب.. أيها الشاب، كم حمل فى التّنّور وأبوه يرعى، وكم من طفل فى التراب وجدّه يسعى. وروى أنّ داود- ﵇ بينما هو يسيح فى الجبال إذ وافى غارا عظيما، فنظر، فإذا فيه رجل عظيم الخلقة من بنى آدم ملقى، وعند رأسه حجر مكتوب محفور، يقول فيه: أنا «دوسيم» الملك، ملّكت ألف عام، وفتحت ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، وافتضضت ألف بكر من بنات الملوك، ثم صرت إلى ما ترى، فصار التراب فراشى، والحجارة وسادى، فمن رآنى فلا تغرّه الدنيا كما غرّتنى. ولمّا مات الإسكندر قال أرسطاطاليس الحكيم «١» : أيها الملك، لقد حرّكتنا بسكونك.. وقال بعض الحكماء من أصحابه: لقد كان الملك أنطق منه اليوم، وهو اليوم أعظم منه أمس.. ونظمه أبو العتاهية فقال: كفى حزنا بدفنك ثم أنّى ... نفضت تراب قبرك من يديّا وكانت فى حياتك لى عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا «٢»

стр. 112

وقال عبد الله بن المعتز: نسير إلى الآجال فى كلّ ساعة ... وأيّامنا تطوى وهنّ مراحل «١» ولم أر مثل الموت حقّا كأنّه ... إذا ما تخطّته الأمانىّ باطل «٢» وما أقبح التفريط فى زمن الصّبا ... فكيف به والشّيب فى الرّأس شاغل «٣» ترحّل من الدّنيا بزاد من التّقى ... فعمرك أيّام تعدّ قلائل وقال عبد الله بن المعلم «٤» : خرجنا من المدينة حجّاجا نريد المدينة بغداد، التى هى مدينة المنصور، فإذا أنا برجل من بنى هاشم من بنى العبّاس ابن عبد المطلب، قد رفض الدنيا وأقبل على الآخرة، فجمعتنى وإيّاه الطّريق، فأنست به، وقلت: هل لك أن تعادل «٥» ، فإنّ معى فضلا من راحلتى؟ فجزانى خيرا وقال: لو أردت هذا لكان لى معدّا.. ثمّ أنس إلىّ، فجعل يحدثنى، فقال: أنا رجل من ولد العباس، كنت أسكن البصرة، وكنت ذا كبر شديد، وبذخ، وأنّى أمرت خادما إلى أن يحشو لى فراشا من حرير،

стр. 113

ومخدّة بورد نثير، ففعل، فبينما أنا «١» نائم إذا بقمع وردة قد نسيها الخادم، فقمت إليه، فأوجعته ضربا، ثم عدت إلى مضجعى بعد إخراج القمع من المخدة، فآتانى آت فى منامى فى صورة فظيعة، فهزّنى وقال: أفق من غشيتك «٢» ، وانتبه من رقدتك، ثم أنشأ يقول: يا خلّ إنّك إن توسّد ليّنا ... وسّدت بعد الموت صمّ الجندل «٣» فامهد لنفسك صالحا تسعد به ... فلتندمنّ غدا إذا لم تفعل «٤» فانتبهت من نومى مرعوبا، فخرجت من ساعتى هاربا إلى ربّى.. فأعجبنى قوله. وأنشد غيره يقول «٥» : من كان يعلم أنّ الموت يدركه ... والقبر مسكنه والبعث مخرجه «٦» وأنّه بين جنّات مزخرفة ... يوم القيامة أو نار ستنضجه «٧» فكلّ شىء سوى التقوى به سمج ... وما أقام عليه منه أسمجه «٨» ترى الذي اتّخذ الدّنيا له وطنا ... لم يدر أنّ المنايا سوف تزعجه «٩»

стр. 114

وقال الهيثم بن عدىّ «١» : وجدوا غارا فى جبل لبنان «٢» فى زمان الوليد ابن عبد الملك بن مروان «٣» ، وفيه رجل مسجّى على سرير من ذهب،

стр. 115

وعند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه بالرومية: أنا سبأ بن نواس، خدمت عيص بن إسحاق بن إبراهيم، خليل الرّبّ الأكبر «١» ، وعشت بعده دهرا طويلا، ورأيت عجبا كثيرا، ولم أر فيما رأيت أعجب من غافل عن الموت وهو يرى مصارع آبائه، ويقف على قبور أحبّائه، ويعلم أنه صائر إليهم ثم لا يتوب.. وقد علمت أنّ الأجلاف الجفاة سينزلوننى «٢» عن سريرى، ويتولّون ذلك حين يتغير الزمان «٣» ويترأس الصبيان «٤» ، ويكثر الهذيان، فمن أدرك هذا الزمان عاش قليلا، ومات ذليلا. وعن عمرو بن ميمون قال: افتتحنا مدينة بفاس، فدللنا على مغارة فيها بيت، فيه سرير من ذهب، عليه رجل عند رأسه لوح مكتوب فيه: أنا بهرام ابن بهرام ملك فارس، كنت أعتاهم بطشا، وأقساهم قلبا، وأطولهم أملا، وأحرصهم على الدنيا.. قد ملكت البلاد، وقتلت الملوك، وهزمت الجيوش، وأذللت الجبابرة، وجمعت فى الدنيا ما لم يجمعه أحد قبلى، ولم أستطع أن أفتدى به من الموت إذ نزل بى. وروى فى الإسرائيليات أن عيسى- ﵇ بينا هو فى سياحة إذ مرّ بجمجمة نخرة «٥» ، فأمرها أن تتكلم، فقالت: يا روح الله، أنا بلوان ابن حفص «٦» ، ملك اليمن، عشت ألف سنة، وولد لى «٧» ألف ذكر،

стр. 116

وافتضضت ألف بكر، وهزمت ألف عسكر، وقتلت ألف جبّار، وافتتحت ألف مدينة، فمن رآنى فلا يغتر بالدنيا، فما كانت إلّا كحلم النّائم.. فبكى عيسى ﵇ بكاء شديدا. ووجد مكتوبا على قصر قد باد أهله، وأقفرت ناحيته «١» : هذى منازل أقوام عهدتهم ... يوفون بالعهد مذ كانوا وبالذّمم تبكى عليهم ديار كان يطربها ... ترنّم المجد بين الحلم والكرم وأنشد القاضى أبو العباس أحمد الجرجانى «٢» : قد شاب رأسى ورأس الحرص لم يشب ... إنّ الحريص على الدنيا لفى تعب بالله ربّك كم قصر مررت به ... قد كان يعمر باللّذّات والطّرب طارت عقاب المنايا فى جوانبه ... فصاح من بعده بالويل والحرب «٣» وله أيضا: أيّها الرّافع البناء رويدا ... لن تذود المنون عنك المبانى إنّ هذا البناء يبقى وتفنى ... كلّ شىء أبقى من الإنسان «٤»

стр. 117

وأنشد بعضهم «١» : قف بالدّيار فهذه آثارهم ... تبكى الأحبّة حسرة وتشوّقا كم قد وقفت بها أسائل أهلها ... عن حالها أو راحما أو مشفقا «٢» فأجابنى داعى الهوى فى رسمها ... فارقت من تهوى فعزّ الملتقى وأنشد آخر: أيّها الرّبع الذي قد دثرا ... كان عينا ثم أضحى خبرا «٣» أين سكّانك، ماذا فعلوا ... خبرا عنهم سقيت المطرا ولقد نادى منادى دارهم ... رحلوا واستودعونى عبرا «٤» وروى أنّ علىّ بن أبى طالب، كرّم الله وجهه، لمّا رجع من صفّين «٥» ودخل أوائل الكوفة، فإذا هو بقبر، فقال: [قبر] «٦» من هذا؟ قالوا: قبر خبّاب بن الأرت «٧» . فوقف عليه وقال: رحم الله خبّابا، أسلم راغبا،

стр. 118

وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلى فى جسمه آخرا، ألا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.. ثم مضى، فإذا قبور، فجاء حتى وقف عليها فقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحالّ المقفرة، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وبكم عمّا قليل لا حقون.. اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضى عن الله تعالى. ثم قال: يا أهل القبور، أمّا الأزواج فقد نكحت، وأمّا الديار فقد سكنت، وأمّا الأموال فقد قسّمت.. فهذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ .. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما إنهم لو تكلّموا لقالوا: وجدنا خير الزّاد التقوى. وخطب رضى الله عنه مرة فقال: أيها الناس، اعلموا أنكم ميتون، ومبعوثون من بعد الموت، وموقوفون على أعمالكم، ومجزيّون عليها، فلا تغرّنّكم الحياة الدنيا، فإنها بالبلاء محفوفة، وبالفناء معروفة، وبالغدر موصوفة، وكلّ ما فيها زوال، وهى بين أهلها دوال وسجال «١» ، لا تدوم أحوالها، ولن يسلم من شرّها نزلها، بينا أهلها منها فى رخاء وسرور إذ هم منها فى بلاء وغرور، أحوال مختلفة، العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، وتقصدهم بحمامها، وكلّ حتف فيها مقدور، وحظه فيها موفور، واعلموا عباد الله، وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى، ممّن كان أطول منكم أعمارا، وأشدّ منكم بطشا، وأعمر ديارا، وأبعد آثارا، فأصبحت أصواتهم خامدة، وأجسامهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية.. استبدلوا القصور المشيدة، والنمارق

стр. 119

الممهدة بالصخور والأحجار «١» المسندة، فكأنكم وقد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلاء والوحدة، وارتهنتم فى ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو عاينتم الأمور، وبعث القبور، وحصّل ما فى الصدور؟! جعلنا الله وإيّاكم عاملين بكتابه، متبعين لأوليائه وأحبابه حتى يحلّنا وإياكم دار المقامة من فضله، إنه حميد مجيد. وعن النبي ﷺ أنه قال لعلّى: «يا علىّ، أربع خصال من الشقاء «٢» : جمود العين، وقساوة القلب، وبعد الأمل، وحب الدنيا» . وروى عن ابن عباس، رضى الله عنهما أنه قال: «يؤتى بالدنيا يوم القيامة على صورة عجوز شمطاء، زرق أنيابها، بادية مشوّهة الخلق، لا يراها أحد إلا كرهها، فتشرف على الخلائق أجمعين، فيقال لهم: أتعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه!! فيقال: هذه الدنيا التى تفاخرتم بها وفيها، وتقاتلتم» . وكان يزيد الرقاشى «٣» يقول: «إخوانى، من كان الموت موعده، والقبر بيته، والثّرى مسكنه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، كيف تكون حالته؟ ثم يبكى حتى يغشى عليه» .

стр. 120

فعلى العاقل أن يحاسب نفسه على ما فات «١» من عمره، ويستعدّ لعاقبة أمره، ويتزوّد صالح العمل، ولا يغترّ بالأمل، فإنّ من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، نسأل الله أن يلهمنا رشدنا، ويوقظنا لاتباع أوامره واجتناب نواهيه. ولمّا مات «ذرّ الهمدانىّ» المذكور آنفا فى الوظيفة الرابعة عشرة «٢» ، لكن فى ذكره الأول اختصار، وهذا الكلام أوسع، فلا بأس بذكره، وكان موته- أى: ذرّ- فجأة [فجاء] «٣» أبوه فوجد أهل بيته يبكون حوله، فقال: مالكم؟! فو الله ما ظلمناه ولا قهرناه، ولا ذهب لنا بحقّ، ولا أصابنا فيه ما أخطأ من كان قبلنا فى مثله. فلما وضعه فى حفرته قال: رحمك الله يا بنىّ، وجعل أجرى فيك لك، والله ما بكيت عليك، وإنما بكيت لك. فو الله لقد كنت بك بارّا، وكنت لك محبّا، وما بى إليك من وحشة، وما بى إلى أحد غير الله من فاقة، وما ذهبت لنا بعزّة، وما أبقيت لنا من ذلّ، وقد شغلنى الحزن لك عن الحزن عليك.. يا «ذرّ» ، لولا هول المطلع لتمنّيت ما صرت إليه «٤» .. فليت شعرى، ماذا لقيت؟ وماذا قيل لك؟ ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إنك وعدت الصّابرين على المصيبة ثوابك ورحمتك.. اللهم وقد وهبت ما جعلت لى من أجر على «ذرّ» له، صلة منى له، فلا تعرّفه قبيحا، وتجاوز عنه، فإنك رحيم بى وبه. اللهم وقد وهبت له إساءته فهب لى إساءته إليك، فإنك أجود منّى وأكرم ... اللهم إنك جعلت لك على «ذرّ» حقّا، وجعلت لى عليه حقّا قرنته بحقّك،

стр. 121

فقلت: اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ «١» .. اللهم إنّى قد غفرت لذرّ ما قصّر فيه من حقى، فاغفر له ما قصّر فيه من حقك، فإنك أولى بالجود وأكرم.. فلمّا أراد الانصراف قال: يا «ذرّ» قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك، والسلام. أوحى الله إلى داود، ﵇: يا داود، لو يعلم المدبرون كيف انتظارى إلى ترك معاصيهم لماتوا شوقا إلىّ، وتقطّعت أوصالهم من محبّتى.. يا داود، هذه إرادتى فى المدبرين عنى.. فكيف إرادتى فى المقبلين علىّ؟! وأنشد فى ذلك «٢» : أسئ فيجزى بالإساءة إفضالا ... وأعصى فيولينى إلهى إمهالا «٣» فحتّى متى أجفوه وهو يبرّنى ... وأبعد عنه وهو يبذل إيصالا «٤» وكم مرّة قد زلت عن نهج طاعة ... وما حال عن ستر القبيح وما زالا «٥» ***

стр. 122

فصل فى إكرام الله تعالى بعض أوليائه بدوام طاعته فى قبورهم، وغفرانه لآخرين بأمور لحقتهم «١» بعد وفاتهم قال ابن عباس: ضرب بعض أصحاب النبي، ﷺ ، خباء على قبر، وهو لا يدرى به، فإذا هو بإنسان يقرأ سورة تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ حتى ختمها.. فأتى النّبيّ، ﷺ ، فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : «هى المانعة المنجية، تنجيه من عذاب القبر» رواه الترمذى فى جامعه. وقال سنان بن حسين، عن أبيه: كنت فيمن أدخل ثابتا البنانيّ «٢» فى قبره، فوقعت لبنة «٣» ، فأصلحتها، فإذا هو قائم يصلى «٤» ، فأطبقت اللّبنة

стр. 123

ثم سألت أهله فقلت: أخبرونى ما كان ثابت يسأل «١» ربّه تعالى.. قالوا: «كان يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدا الصّلاة فى قبره فأعطنى ذلك» . وقال إبراهيم بن الصّمّة المهلّبى: حدّثنى الذين كانوا يمرّون بجنبات قبر ثابت البنانى بالأسحار، أنهم كانوا يسمعون منه قراءة القرآن. قال عكرمة: إذا مات المؤمن رفع له مصحف يقرأ فيه القرآن.. وقال عيسى بن محمد المكى: رأيت أبا بكر «٢» بن مجاهد فى النوم كان يقرأ القرآن، فقلت له: يا سيدى، إنك ميّت وتقرأ القرآن؟ قال: كنت أدعو الله عقب كلّ صلاة وختمة «٣» أن يجعلنى ممّن يقرأ القرآن فى قبره. وحكى عبد الله الموصلى قال: رأيت فى المنام كأنّى فى الصحراء، فرأيت بساتين وقصورا «٤» ، فقصدت إلى قصر لأدخله، فمنعنى الحاجب على باب القصر [وقال: لا تدخل حتى أستأذن لك، فدخل الحاجب ثم خرج] «٥» فأخذ بيدى وأدخلنى إليه، ثم أدخلنى دارا «٦» أخرى، فإذا مالك بن أنس، رضى الله عنه، جالس فى البستان فى وسط الدار وفى يده مصحف، فسلمت عليه وقلت: يا أبا عبد الله، بم نلت هذه الكرامة؟ قال: بعفو الله وغفرانه «٧» وسعة رحمته لا بعلمى. قال معاذ بن رفاعة: مرّ يحيى بن زكريا بقبر دانيال النبي، ﷺ ،

стр. 124

فسمع صوتا من القبر: «سبحان من تعزّز بالقدرة وقهر العباد بالموت» ... ومضى، فسمع من السماء: «أنا الذي تعزّزت بالقدرة، وقهرت العباد بالموت.. من قالها استغفرت له السّماوات السبع والأرضون السبع ومن فيهنّ» . وقال أبو هريرة: كان لى جار، وكان يؤذينى، فخرجت يوما فإذا أنا بجنازة.. فقلت: [جنازة] «١» من هذه؟ قيل «٢» : جنازة فلان.. قلت: بعيدة من رحمة الله.. قال: فرأيت فى منامى كأنه ذهب بى «٣» إلى الجنة، فلما دخلت من بابها إذا أنا بالرجل، قلت: فلان؟! قال: نعم.. قلت من أدخلك الجنة؟ قال: كلمتك يا أبا هريرة! قال مبارك السّندى- وكان أحد النّسّاك: سمعت أبا محمد الضرير- وكان جليلا فى همذان- قال: كان فى جوارى مخنث مفسد فمات، فقعدت حتى أحضر جنازته «٤» ، فمرت بى جنازته فلم أقم إليها» ، فرأيته تلك الليلة فى النوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى.. قلت: بماذا؟ قال «٦» : اعلم أننى لمّا متّ كنت من أهل النار، وغسّلت وأنا من أهل النار، وحملت «٧» وأنا من أهل النار، فمرّت بك جنازتى فأنفت «٨» أن تقوم لها، فغفر الله لى. وحكى عن أبى عثمان الغسّال قال: دخلت على ميت لأغسله، فلما وضعته

стр. 125

على المغتسل «١» سمعته يقول: النار.. النار.. ففزعت وخرجت، وقلت ذلك للناس.. فدخلوا، وعدت إليه «٢» فسمعته يقول: النعيم.. النعيم.. الجنة.. فدفناه، فلما كان فى الليل رأيته فى المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى وقت فضحتنى «٣» وقال: أنا لا أجمع على عبدى فضيحتين، وأباحنى الجنة. وقال يحيى بن معين «٤» : قال لى حفّار «٥» : أعجب ما رأيت «٦» فى هذه المقابر أننى سمعت من قبر أنينا كأنين المريض.. وسمعت من قبر: والمؤذّن يؤذّن، وهو يجيبه «٧» من القبر. وقال إبراهيم بن أدهم «٨» : رفعت جنازة بالسّاحل فقلت: بارك الله

стр. 126

لى فى الموت، فقال قائل من السرير «١» : «وما بعد الموت» .. قال إبراهيم: فدخل علّى منه رعب حتى ما قدرت أحمل قائمة من السرير، فدفن الميت، وانصرف الناس، فقعدت عند القبر مفكرا فى القائل من السرير، فغلبتنى عيناى، فنمت ورأسى على ركبتى عند القبر، وإذا بشخص قد خرج من القبر أحسن الناس وجها، وأطيبهم ريحا، وأنقى ثيابا، وهو يقول: يا بن أدهم «٢» ، قلت: لبيك، من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا القائل من السرير: «وما بعد الموت» .. فقلت له: بالله الذي فلق الحبة، وبرأ «٣» النّسمة، وتردّى بالعظمة «٤» ، إلّا قلت لى من أنت؟ قال أنا السّنّة «٥» ، أكون لصاحبى فى الدنيا حافظا، وعليه رقيبا، وفى القبر نورا ومؤنسا، وفى القيامة سائقا وقائدا إلى الجنة. وحدّث إدريس الحفّار شيخ «٦» قال: لما وضع الشّيخ العارف أبو الحسن الدّينورى، المعروف بابن الصائغ «٧» فى قبره، سمعته يقول: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ «٨» .

стр. 127

وقال أحمد بن الخواص «١» : رأيت يحيى بن أكثم «٢» فى المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ وكيف وجدت ربّك؟ فقال: وجدت ربى جوادا كريما، أقامنى بين يديه مقام العبد الذليل بين يدى سيّده الجليل، ثم قال لى: يا شيخ السوء، تأتينى بتخاليط كثيرة! لولا شيبتك لأحرقتك بالنار «٣» . قال: ثم قلت: إلهى، ما هكذا بلغنى يا سيدى عنك.. قال: وما الذي بلغك عنى؟ قلت: حدّثنى عبد الرّزّاق «٤» ، عن معمر، عن الزهرى، عن أنس بن مالك، عن نبيّك، ﷺ ، عن جبريل، عنك أنك قلت: «لا يشيب عبد فى الإسلام فأحرقه بالنار» .. فقال: صدق عبد الرّزّاق، [صدق] «٥» معمر، صدق الزهرى، صدق أنس بن مالك، صدق نبيّى، صدق جبريل، انطلقوا بعبدى إلى الجنة.

стр. 128

وفى رواية أخرى «١» أنه قال: قلت: إلهى، ما هكذا بلغنى عنك.. قال: وما الذي بلغك؟ قلت: سمعت عبد الرّزّاق [يقول: سمعت] معمرا «٢» يقول: سمعت الزهرى يقول: سمعت أنسا يقول: سمعت رسول الله، ﷺ يقول: سمعت جبريل ﵇ يقول: سمعت ربّ العزّة يقول: «من شاب شيبة فى الإسلام فأنا أستحى أن أعذّبه بنار جهنم» . قال: فقال ربّ العزّة: هو كما بلغك عنى وسمعت، صدق عبد الرّزّاق، ومعمر، والزهرى، وأنس، ومحمد نبيّى، وجبريل: «من شاب شيبة فى الإسلام ولقينى وهو يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمدا رسول الله، فإنّى لا أعذبه بنار جهنم.. أبشر، فقد غفرت لك جميع معاصيك بتوسّلك إلىّ بشيبتك فى الإسلام» . وفى رواية أخرى نقلها العلّامة الغزالى فى الدّرّة الفاخرة، فقال: روى يحيى بن أكثم القاضى- وقد رئى فى النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفنى بين يديه الكريمتين وقال لى: يا شيخ السوء، فعلت وصنعت.. فقلت: يا رب، ما بهذا حدّثت عنك.. فقال: بم حدّثت عنى يا يحيى؟ فقلت: حدثنى الزهرى، عن معمر، عن عروة، عن عائشة، رضى الله عنها، عن محمد، ﷺ ، عن جبريل، عنك، أنك قلت: «إنى أستحى أن أعذّب شيبة شابت فى الإسلام» .. قال: صدقت يا يحيى، وصدق الزهرى، وصدق معمر، وصدق عروة، وصدقت عائشة، وصدق محمد، ﷺ ، وصدق جبريل، وصدقت، اذهب فقد غفرت لك.

стр. 129

وعن ابن نباتة «١» : أنه رئى فى النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفنى بين يديه الكريمتين فقال: أنت الذي تخلص كلامك «٢» ليقال ما أفصحه؟! قلت: سبحانك، إنى كنت أصفك.. فقال لى: قل كما كنت تقول فى دار الدنيا.. قال: قلت: أبادهم الذي خلقهم، وأسكتهم الذي أنطقهم، وفرّقهم الذي جمعهم، وسيعيدهم كما خلقهم، ويجمعهم كما فرّقهم.. قال لى: اذهب فقد غفرت لك. وعن منصور بن عمّار «٣» ، رضى الله عنه: أنه رئى فى النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفنى بين يديه الكريمتين وقال: بم جئتنى يا منصور؟ قال: بستّ «٤» وثلاثين حجّة.. قال: ما قبلت منها حجّة واحدة.. فبم جئتنى يا منصور؟ قال: بثلاثمائة وستين ختمة.. قال: ما قبلت منها واحدة ... فبماذا جئتنى يا منصور؟ قلت: بصيام ستين سنة.. قال: ما قبلت منها واحدة.. فبماذا جئتنى يا منصور! فقلت: جئتكك بفضلك- أو قال: جئتك بك- فقال: الآن جئتنى بشىء.. اذهب فقد غفرت لك.

стр. 130

حكاية من إبراهيم بن أدهم، رضى الله عنه، فيما شاهد فى نجاة صاحب الشعر الأبيض إذا مات على الإسلام حكى عن إبراهيم بن أدهم، ﵀، أنه مرّ برجل سكران وهو ملقى والخمر يطفح من فيه «١» وهو يقول: الله الله، فرفع إبراهيم طرفه إلى السماء وقال: إلهى، لسان يذكرك لا يكون هكذا.. ثم دعا بماء فغسل به فاه، وتركه ومضى.. فلما أفاق من سكره أخبر «٢» بما فعله إبراهيم بن أدهم، فخجل واستحيا، ولام نفسه ووبّخها، وقال: يا نفس، إن لم تستحى من الله ومن أوليائه، فممّن تستحين «٣» ؟! ثم لحقه الندم والأسف على ما مضى من عمره فى الذنوب وسلف.. فلما كان تلك الليلة رأى إبراهيم بن أدهم قائلا «٤» يقول: يا إبراهيم، ربك يقول لك: أنت طهّرت فاه لأجلنا، ونحن طهّرنا قلبه لأجلك! فلما أصبح إبراهيم قال: لأمرّنّ بالرجل وأنظر حاله، وأعلمه بما رأيت، لعل الله أن يشرح صدره بقبول التوبة.. فلم يزل إبراهيم يطلبه حتى وجده فى مسجد خرب خارج المدينة، وهو معتكف فى عبادة ربه.. فقال إبراهيم: يا أخى، اليوم كله وأنا فى طلبك.. ما حالك؟ فقال: هذا عجب منك يا إبراهيم.. تسأل عنى كيف حالى وقد أخبرك الكريم سبحانه أنه طهّر قلبى لأجلك!. ثم قال: أرنى هذا الكف الذي طهّرت فمى به.. فأخذه وقبّله، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: بحرمة هذا الكف، وبقدر صاحبه عندك، وبالجود الذي غمرت به عبادك، جد على عبدك الفقير بفضلك وإحسانك، وإن لم يكن يستحق ذلك..

стр. 131

قال له إبراهيم: يا أخى، ما أعلمك؟ قال: أعلمنى من طهّر قلبى من حبّ سواه، فلا أريد الآن من الدّارين إلّا إيّاه.. يا إبراهيم، إنّ لله عبادا نظر إليهم بعين لطفه فرفع عنهم خبالهم «١» ، وأظهر لهم ما خبّأ لهم، ورفع عنهم أغلالهم «٢» ، ورفع لهم ما هو أعلى لهم.. ثم بعد ذلك قال: يا إبراهيم، امض «٣» إلى حال سبيلك لئلّا تشغلنى عن عبادة العلّام، فقد قدمت «٤» منى ذنوب وسيئات عظام، ودعنى أقبل عليه عساه أن يقبل علّى، فما مرادى بعد رضاه شىء.. قال إبراهيم: فقلت: يا أخى أقبل عليه فإنه كريم، وكن ذا ثقة بعفوه، فإنه غفور رحيم.. ثم ودّعنى وانصرف وهو ينشد ويقول: قد أقبل المولى الذي أعرضا ... وجاد لى منه بعين الرّضا وقال لى لمّا رأى زلّتى ... أبشر فقد سامحت ما قد مضى يا أيّها الخائف من ذنبه ... سلّم لنا وارض بمرّ القضا «٥» فى طاعة شئت إذا كيف لا ... أرحم هذا الشّعر الأبيضا وقد نقل فى بستان الواعظين «٦» لابن الجوزى: قال أحمد بن الشيخ: رأيت بشرا فى المنام وهو قاعد فى بستان، وبين يده مائدة وهو يأكل منها، فقلت له: يا أبا نصر، ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى ورحمنى وأباحنى الجنة

стр. 132

بأسرها وقال: كل من جميع ثمارها، وتمتع بجميع ما فيها، كما كنت تحرم نفسك الشهوات فى دار الدنيا «١» . وقال على بن محمد النيسابورى النزيل بمكة: رأيت أيوب السّرّاج فى النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: وقفت بين يدى الله تعالى فقال: يا شيخ السوء، تحمل العلم إلى هؤلاء السلاطين وتنال من دنياهم؟! فقلت: يا رب، كانت الدنيا علىّ مكدّرة «٢» ، وكنت مثقلا بالعيال.. فأمر بى إلى النار.. فقلت: يا رب، ما كان هذا ظنى! قال: وما كان ظنك؟ قلت: حدثنى يحيى ابن سعيد «٣» ، عن شعبة، عن قتادة «٤» ، عن أنس، عن نبيّك، ﷺ ، عن جبريل ﵇، عنك، يا ذا الجلال والإكرام أنك قلت: «أنا عند ظن عبدى بى، فليظنّ بى ما شاء» «٥» . فقال: صدقت عبدى، صدق يحيى ابن سعيد، صدق شعبة، صدق قتادة، صدق أنس، صدق نبيّى، صدق جبريل، أنا قلت ذلك «٦» . فطيّبت، وألبست سبعين حلّة، ووضع على رأسى تاج، ومشى بين يدىّ الولدان المخلّدون إلى الجنة.

стр. 133

وقال محمد بن يحيى الحرّانى: رأيت فى النوم كأنّ القيامة قد قامت، فبينما أدور فى عرصاتها رأيت منبرا منصوبا وفوقه رجل يثنى على الله أحسن الثّناء، فقلت: من هذا؟ فقيل لى منصور بن عمار «١» ، أمر الله أن يثنى عليه بين أهل الجنة كما أثنى عليه بين أهل الدنيا. ثم جزت، فرأيت رجلا بين يديه مائدة، فقلت: من هذا؟ فقيل لى: هذا بشر بن الحارث «٢» ، جوّعه الله فى الدنيا وأباح له الأكل فى الجنة «٣» . ورأيت رجلا شاخصا بعينيه إلى السماء، فقلت: من هذا؟ قيل: معروف الكرخىّ «٤» ، مات اشتياقا إلى الله تعالى، قد أبيح له النظر. ورأيت رجلا بيده مفاتيح، فقلت: من هذا؟ فقيل: أحمد بن حنبل، الساعة بايع الله على أن يقف على باب الجنة فيدخل أهل السّنّة، ويمنع أهل البدع.

стр. 134

ورأى ابن محمد المنقرىّ يزيد بن هارون «١» فى المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: تقبّل منى الحسنات وتجاوز عن السيئات، ووهب لى التّبعات «٢» .. قلت: وما كان بعد ذلك؟ قال: وهل يكون من الكريم إلّا الكرم؟! غفر لى ذنبى وأدخلنى الجنة.. قلت: بم نلت هذه المنزلة؟ قال: بمجالس الذّكر، وقول «٣» الحق، وصدقى فى الحديث، وطول قيامى فى الصلاة، وصبرى «٤» .. قلت: ومنكر ونكير.. حق؟ قال: والله الذي لا إله إلّا هو، لقد أقعدانى وسألنانى وقالا «٥» لى: ما دينك؟ ومن نبيّك؟ فجعلت أنفض التراب عن لحيتى «٦» وقلت: لمثلى يقال هذا؟ أنا يزيد بن هارون الواسطى، كنت فى دار الدنيا سبعين سنة أملى أحاديث رسول الله، ﷺ .. قال أحدهما «٧» : صدق، وهو يزيد بن هارون، [وقال له] «٨» : نم نومة العروس، فلا روعة بعدها عليك.

стр. 135

فصل فى الثناء على الميت عن أبى الأسود الدّيلىّ «١» قال: «قدمت المدينة، وقد وقع بها مرض، فجلست إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فمرّت بى جنازة، فأثنى على صاحبها خيرا، فقال عمر: وجبت.. ثم مرّت أخرى، فأثنى عليها شرّا.. فقال: وجبت.. قال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﷺ : «أيّما مسلم شهد له أربعون- وفى رواية أربعة- بخير أدخله الله الجنّة.. قلنا: وثلاثة؟ قال وثلاثة.. قلنا: واثنان؟ قال: واثنان.. قال: ثم لم نسأله عن الواحد» «٢» . أخرجه البخارى ومسلم والنسائى.

стр. 136

وفى خبر آخر: فقال له عمر: يا رسول الله، ما وجبت؟ فقال ﵇: «أنتم شهداء الله فى الأرض، فمن أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم» عليه شرّا وجبت له النار» . وعن أبى هريرة، رضى الله عنه، عن النبي، ﷺ ، فيما يرويه عن ربّه ، أنه قال: «ما من عبد مسلم يشهد له ثلاثة أو اثنان «٢» بخير إلّا قال الله تعالى: قد قبلت شهادة عبادى على عبدى ما علموا «٣» ، وغفرت له ما أعلم» . [وفى رواية «.. يشهد له ثلاثة بيوت من جيرانه الأدنين بخير إلّا قال: قد قبلت شهادة عبادى..» ] «٤» . رواه أحمد، رضى الله عنه، فى مسنده. وفى حديث «٥» : «إنّ المسلمين شهداء الله فى الأرض، والملائكة شهداء الله فى السماء» . وعن روح بن عبادة القيسى «٦» قال: حدّثنى ابن عون «٧» قال: كان

стр. 137

عندنا داعر فمات، فتحاماه الناس «١» ورموا به على ظهر الطريق، قال: فجلست أفكر فيه، فنمت، فإذا أنا بطائرين أبيضين، فقال أحدهما لصاحبه: ادخل فانظر هل ترى خيرا؟ قال: فدخل من يافوخه ثم خرج وهو يقول: ما رأيت خيرا.. قال: فلا تعجل.. فدخل الثانى فى يافوخه ثم خرج من أخمص «٢» قدميه وهو يقول: الله أكبر، كلمة لاصقة بطحاله، وهو يشهد أن لا إله إلّا الله.. فقلت للناس: هلمّوا، فإنى رأيت كيت وكيت «٣» .

стр. 138

فصل فى حياة الشهداء قال الأعمش «١» : قال عبد الله بن مرّة «٢» : أما إنّا قد سألنا عن أرواح الشهداء، فقال: «جعلت فى أجواف [طيور] «٣» خضر تأوى إلى قناديل تحت العرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، فاطّلع عليهم ربهم «٤» اطّلاعة فقال: هل تشتهون شيئا فأزيدكم؟ قالوا: وما نشتهى ونحن فى الجنة نسرح منها حيث نشاء؟ [ثم اطّلع إليهم الثانية فقال: هل تستزيدون شيئا فأزيدكم؟ فلما رأوا أنهم لن يتركوا، قالوا: تعيد أرواحنا فى أجسادنا حتى نرجع إلى الدنيا فنقتل فى سبيلك مرة أخرى] «٥» وتقرىء نبيّنا منّا السّلام، وتخبر قومنا أن قد رضينا، وترضى عنا» «٦» . رواه الترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 139

وقال جابر: «لمّا قتل أبى عبد الله بن عمرو بن حرام «١» يوم أحد، لقينى رسول الله، ﷺ فقال: يا جابر، أراك منكسرا «٢» !! فقلت: يا رسول الله، ﷺ ، استشهد أبى وترك عيالا «٣» ودينا.. قال: ألا أبشّرك بما لقى «٤» الله به أباك؟ قلت: بلى يا رسول الله.. قال: ما كلّم الله أحدا إلّا من وراء حجاب، وكلّم أباك كفاحا «٥» فقال: يا عبدى، تمنّ «٦» علىّ أعطك.. قال: تحيينى فأقتل فى سبيلك «٧» ثانية.. فقال الرّبّ تعالى: إنه قد سبق منى أنّهم إليها لا يرجعون. قال: يا ربّ، فأبلغ من ورائى «٨» فأنزل الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «٩» . رواه ابن ماجه فى السنن كذلك.

стр. 140

فصل فى تلقين الميت بعد موته قال سعد بن عبد الله: شهدت أبا أمامة وهو فى النزع فقال: إذا متّ فاصنعوا كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا.. قال: «إذا مات أحدكم فسوّيتم على قبره، فليقف أحدكم على رأس قبره وليقل: يا فلان ابن فلانة، فإنه يسمع «١» ولا يجيب.. ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا- يرحمك الله «٢» . ولكن لا تشعرون «٣» ، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدّنيا: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمدا رسول الله، ﷺ أو قال: عبده ورسوله- وأنّك رضيت بالله ربّا وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيّا، وبالقرآن إماما.. فإنّ منكرا ونكيرا يأخذ «٤» كلّ واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق، ما نصنع عند من لقّن حجّته» .. رواه الطبرانى فى كتاب الدعاء. ***

стр. 141

فصل فى الأضحيّة على الميت روى أبو طلحة «١» عن النبي، ﷺ : «أنّه ضحّى بكبشين أملحين، وقال عند ذبح الأول: عن محمد وآل محمد.. وقال عند ذبح الثانى: عمّن آمن بى وصدّقنى من أمّتى» . وفى حديث آخر: «كان إذا ضحّى يشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلّى وخطب للناس أتى «٢» أحدهما فذبحه بنفسه ويقول: عن محمد وآل محمد، فيطعمهما جميعا للمساكين، ويأكل وأهله فيهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بنى هاشم يضحّى، قد كفاه الله المؤنة برسول الله، ﷺ » . [رواه أحمد بن حنبل فى مسنده] «٣» .

стр. 142

وفى حديث آخر: «هذا عنّى وعمّن لم يضحّ من أمّتى» . وروى عن علىّ بن أبى طالب، كرّم الله وجهه، أنه كان يضحّى عنه أبدا.. وقال يحيى: فأنا أضحّى عنه إلى اليوم. [رواه] أبو داود «١» . وعن عبد الله بن بريدة «٢» عن أبيه، قال: «من ضحّى عن والديه- أو عن أبويه- ميّتين، فله أجره كاملا وأجر الميت، ويقال لروحه: إنّ فلانا ضحّى عنك- أو تصدّق عنك» . وقال أبو العباس بن السراج «٣» : سمعت علىّ بن الموفق «٤» يقول: حججت على رجلىّ ستين حجّة، ثلاثون منها عن رسول الله ﷺ . [قال أبو العباس: وأنا أقتدى بعلىّ بن الموفق، حججت عن رسول الله ﷺ ] «٥» سبع حجج، وقرأت عنه سبعمائة ختمة، وجعلت أعمالى كلها له.

стр. 143

وقال معروف الكرخى: جاءنى شابّ فقال: يا أبا محفوظ، رأيت فى النوم أبى، فقال: يا بنىّ، ما يمنعك أن تهدى إلىّ كما تهدى الأحياء إلى أمواتهم؟ فقلت له: يا أبت، ما أهدى إليك؟ قال: تقول: يا عليم، يا قدير، اغفر لى ولوالدى، إنك على كل شىء قدير. قال: فجعلت أقولها، فرأيت أبى فى النوم، فقال: يا بنىّ، وصلت إلىّ هديتك. وعن عثمان بن عفان، رضى الله عنه، قال: «كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت قال: استغفروا لأخيكم [وسلوا الله له التّثبّت] «١» فإنه الآن يسأل» . وفى حديث آخر: «إنّ الرّجل ليتبعه أمثال الجبال من الخير فيقول: إنّ هذا لم أعمله!! قيل: هذا استغفار ولدك لك «٢» من بعدك» .. وقد ورد: «من دخل المقابر واستغفر لهم [فكأنّما] «٣» شهد جنائزهم» .

стр. 144

فصل فى الصّلاة على الميت روى أبو هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : «ما من مسلم يصلّى عليه مائة إلّا أدخل الجنة» .. وعن عائشة، رضى الله عنها، أنّ النبي ﷺ قال: «ما من ميّت يموت فيصلّى عليه أمّة من المسلمين يبلغون «١» مائة يشفعون له «٢» إلّا شفّعوا فيه» رواه مسلم «٣» . وروى عن ابن عباس أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان «٤» ، فقال لبعض أصحابه: انظر ما اجتمع «٥» من الناس.. قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا [له] «٦» فأخبرته، فقال: تقول هم أربعون؟ قلت: نعم.. قال: أخرجوه، فإنّى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلّا شفّعهم الله فيه» . رواه مسلم «٧» . وعن أبى المليح «٨» أنه فسّر الأمّة بأربعين رجلا.. وورد أيضا فى حديث: خمسون..

стр. 145

فصل فى علم الميت عن أنس بن مالك، رضى الله عنه، أنّ رسول الله، ﷺ قال: «إنّ العبد إذا وضع فى قبره وتولّى «١» عنه أصحابه يسمع «٢» قرع نعالهم إذا ولّوا عنه مدبرين» رواه البخارى ومسلم «٣» . وعن أنس بن مالك، رضى الله عنه: «أنّ رسول الله، ﷺ ، كان يرينا مصرع أهل بدر، يقول: هذا مصرع فلان غدا، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى.. قال عمر: فو الّذى نفسى بيده «٤» ما أخطئوا الحدود التى حدّها رسول الله، ﷺ ، فجعلوا فى قبر «٥» بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقّا؟ .. فقال عمر: يا رسول الله، كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟! فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم «٦» لا يستطيعون الجواب» «٧» .
следующие страницы →