← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11789

مرشد الزوار الى قبور الابرار

زين الدين ابن الموفق

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فصل فى الأضحيّة على الميت روى أبو طلحة «١» عن النبي، ﷺ : «أنّه ضحّى بكبشين أملحين، وقال عند ذبح الأول: عن محمد وآل محمد.. وقال عند ذبح الثانى: عمّن آمن بى وصدّقنى من أمّتى» . وفى حديث آخر: «كان إذا ضحّى يشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلّى وخطب للناس أتى «٢» أحدهما فذبحه بنفسه ويقول: عن محمد وآل محمد، فيطعمهما جميعا للمساكين، ويأكل وأهله فيهما، فمكثنا سنين ليس رجل من بنى هاشم يضحّى، قد كفاه الله المؤنة برسول الله، ﷺ » . [رواه أحمد بن حنبل فى مسنده] «٣» .

стр. 142

وفى حديث آخر: «هذا عنّى وعمّن لم يضحّ من أمّتى» . وروى عن علىّ بن أبى طالب، كرّم الله وجهه، أنه كان يضحّى عنه أبدا.. وقال يحيى: فأنا أضحّى عنه إلى اليوم. [رواه] أبو داود «١» . وعن عبد الله بن بريدة «٢» عن أبيه، قال: «من ضحّى عن والديه- أو عن أبويه- ميّتين، فله أجره كاملا وأجر الميت، ويقال لروحه: إنّ فلانا ضحّى عنك- أو تصدّق عنك» . وقال أبو العباس بن السراج «٣» : سمعت علىّ بن الموفق «٤» يقول: حججت على رجلىّ ستين حجّة، ثلاثون منها عن رسول الله ﷺ . [قال أبو العباس: وأنا أقتدى بعلىّ بن الموفق، حججت عن رسول الله ﷺ ] «٥» سبع حجج، وقرأت عنه سبعمائة ختمة، وجعلت أعمالى كلها له.

стр. 143

وقال معروف الكرخى: جاءنى شابّ فقال: يا أبا محفوظ، رأيت فى النوم أبى، فقال: يا بنىّ، ما يمنعك أن تهدى إلىّ كما تهدى الأحياء إلى أمواتهم؟ فقلت له: يا أبت، ما أهدى إليك؟ قال: تقول: يا عليم، يا قدير، اغفر لى ولوالدى، إنك على كل شىء قدير. قال: فجعلت أقولها، فرأيت أبى فى النوم، فقال: يا بنىّ، وصلت إلىّ هديتك. وعن عثمان بن عفان، رضى الله عنه، قال: «كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت قال: استغفروا لأخيكم [وسلوا الله له التّثبّت] «١» فإنه الآن يسأل» . وفى حديث آخر: «إنّ الرّجل ليتبعه أمثال الجبال من الخير فيقول: إنّ هذا لم أعمله!! قيل: هذا استغفار ولدك لك «٢» من بعدك» .. وقد ورد: «من دخل المقابر واستغفر لهم [فكأنّما] «٣» شهد جنائزهم» .

стр. 144

فصل فى الصّلاة على الميت روى أبو هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : «ما من مسلم يصلّى عليه مائة إلّا أدخل الجنة» .. وعن عائشة، رضى الله عنها، أنّ النبي ﷺ قال: «ما من ميّت يموت فيصلّى عليه أمّة من المسلمين يبلغون «١» مائة يشفعون له «٢» إلّا شفّعوا فيه» رواه مسلم «٣» . وروى عن ابن عباس أنه مات ابن له بقديد أو بعسفان «٤» ، فقال لبعض أصحابه: انظر ما اجتمع «٥» من الناس.. قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا [له] «٦» فأخبرته، فقال: تقول هم أربعون؟ قلت: نعم.. قال: أخرجوه، فإنّى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلّا شفّعهم الله فيه» . رواه مسلم «٧» . وعن أبى المليح «٨» أنه فسّر الأمّة بأربعين رجلا.. وورد أيضا فى حديث: خمسون..

стр. 145

فصل فى علم الميت عن أنس بن مالك، رضى الله عنه، أنّ رسول الله، ﷺ قال: «إنّ العبد إذا وضع فى قبره وتولّى «١» عنه أصحابه يسمع «٢» قرع نعالهم إذا ولّوا عنه مدبرين» رواه البخارى ومسلم «٣» . وعن أنس بن مالك، رضى الله عنه: «أنّ رسول الله، ﷺ ، كان يرينا مصرع أهل بدر، يقول: هذا مصرع فلان غدا، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى.. قال عمر: فو الّذى نفسى بيده «٤» ما أخطئوا الحدود التى حدّها رسول الله، ﷺ ، فجعلوا فى قبر «٥» بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله ﷺ حتى انتهى إليهم، فقال: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقّا؟ .. فقال عمر: يا رسول الله، كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟! فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم «٦» لا يستطيعون الجواب» «٧» .

стр. 146

وعن أبى سعيد الخدرىّ، رضى الله عنه، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الميّت يعرف من يغسله، ومن يحمله، ومن يدليه فى قبره» . رواه أحمد فى المسند. وقد حكى أن امرأة كانت تخرج لقبر زوجها ومعها أولادها، فتخليهم فى المقبرة، فيكشفون وجوههنّ.. قيل «١» : فرأته فى المنام وهو يقول لها: لا تكشفى وجوه بناتى على أهل المقابر.. أما تعرفين أنهم حولى كالأحياء؟! وروى أنّ رجلا أراد أن يقضى حاجته فى المقبرة، فكشف عورته، فصاح به إنسان: استتر.. أما تستحى أن تكشف عورتك بين أهل القبور «٢» ؟! ***

стр. 147

فصل فيمن ظهر عذاب الله له فى القبر عن عبد الله بن محمود «١» قال: كنت عند ابن عباس، رضى الله عنهما، فأتاه رجل فقال: أقبلنا حجّاجا، حتى إذا كنا بالصّفاح «٢» توفّى صاحب لنا، فحفرنا له قبرا، فإذا فيه أسود «٣» قد أخذ اللّحد كلّه، ثم حفرنا قبرا آخر، فإذا فيه أسود قد أخذ اللحد كله، فتركناه وآتيناك نسألك فيما تأمرنا به «٤» .. قال: ذلك عمله الذي كان يعمل به، فادفنوه فى بعضها، فو الله لو حفرتم الأرض كلها لوجدتم ذلك.. قال: فألقيناه فى قبر منهما «٥» ، فلما قضينا سفرنا أتينا امرأته، فسألناها عنه، فقالت: كان يبيع الطعام فيأخذ قوت أهله كل يوم، ثم ينظر مثله من الشعير والقصب فيقطّعه فيجعله فى طعامه. وقال عمرو بن دينار «٦» : كان لرجل من أهل المدينة أخت فماتت،

стр. 148

فدفنها ورجع، فذكر أنّ كيسا سقط منه فى القبر «١» ، فاستعان برجل من أصحابه ونبشا القبر، فوجد الكيس، فقال للرجل: تنحّ «٢» حتى أنظر على أى حال أختى.. فرفع بعض ما كان على اللّحد، فإذا القبر يشتعل نارا، فردّه وسوّى القبر ورجع إلى أمّه، فقال: أخبرينى ما كانت تصنع أختى «٣» - أو قال: ما كان حال أختى؟! قالت: كانت أختك تؤخر الصلاة ولا تصلى، وتأتى أبواب الجيران إذا ناموا فتجعل أذنها فى أبوابهم لتسمع حديثهم. وقال عبد المؤمن بن عبد الله القرشى: قيل لنبّاش، وقد تاب «٤» : ما أعجب ما رأيت؟! قال: نبشت قبر رجل «٥» فإذا هو مسمّر بالمسامير فى سائر جسده، ومسمار فى رأسه، وآخر فى رجليه.. وقيل: ما أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت جمجمة إنسان مصبوب فيها الرصاص. وقيل لآخر «٦» : ما كان سبب توبتك؟ فقال: عامّة من كنت أنبشه كنت أراه محوّل الوجه عن القبلة. وقال أبو المصرخّى: خرجت غازيا، فمررت ببعض حصون الشام ليلا، فوجدت باب الحصن مغلقا ومقبرة على الباب، فجئت بجنب المقبرة بالقرب من

стр. 149

بئر محفورة ونمت، وإذا بهاتف من القبر يقول: «.. عجبا! ما عجبت من ثقل الترب ومن ظلمة القبور علينا؟» «١» . وقال محمد بن خلف: حدّثنى صديق لى قال: رأيت فى منامى كأننى مجتاز بمقبرة، ورأيت صديقا لى جالسا عند قبره «٢» ، فقلت: يا فلان، ما خبرك؟ .. فأخرج يده فإذا أثر كتاف «٣» فيها، فقلت: ما هذا؟ .. فقال: كنت مكتوفا فاجتاز فلان فوقف على المقبرة وقرأ إحدى عشرة مرة «٤» قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وجعل ثوابها لأهل المقبرة، فأصابنى ما حلّ كتافى، وهذا أثره. ***

стр. 150

فصل فى مغفرة «١» الله تعالى للوالد يحفّظ ولده القرآن يروى بريدة «٢» قال: كنت عند رسول الله، ﷺ ، فسمعته يقول: «إنّ القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة كالرجل الشّاحب «٣» ، فيقول له: هل تعرفنى؟! فيقول: ما أعرفك.. فيقول: أنا صاحبك الذي أظمأتك فى الهواجر «٤» ، وأسهرت ليلك «٥» .. قال: فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع تاج الوقار على رأسه، ويكسى والداه «٦» حلّتين لا يقوّم لهما

стр. 151

أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن.. ويقال له: اقرأ وارق «١» واصعد فى درج الجنة وغرفها.. فهو فى صعود ما دام يقرأ حدرا أو ترتيلا» «٢» . وقد أثبت فى هذا الحديث أنه بمجرد تعليم ولدهما «٣» القرآن يحصل لوالديه من تعلّمه هذا الثواب الجزيل، فإذا قرأه «٤» قاصدا وصول الثواب إليهما، كان من طريق التنبيه، كقوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما «٥» . وحصول بعمومه أن يلحقهما ثواب تعلّمه القرآن، وإن كان التعليم بعد موتهما، إذ لم يخصّ «٦» حال الحياة دون الممات، بل عمومه «٧» شامل لجميع الحالات. ***

стр. 152

فصل فيمن أجيزت وصيته بعد مماته لمّا كان يوم اليمامة «١» خرج ثابت بن قيس «٢» مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة «٣» ، فلما لقوا العدوّ وانكشفوا، قال ثابت وسالم مولى أبى حذيفة:

стр. 153

ما هكذا «١» كنا نقاتل مع رسول الله، ﷺ ، فحفر كل واحد منهما حفرة وثبتا فيهما، وقاتلا حتى قتلا، وعلى ثابت يومئذ درع ثمين «٢» - أو قال: نفيس- فمر به رجل من المسلمين فأخذه، فبينما رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت فى منامه فقال: إنى موصيك بوصية، فإيّاك أن تقول إنه حلم «٣» .. إنى لمّا قتلت أمس مرّ بى رجل من المسلمين فأخذ درعى، ومنزله فى أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستنّ فى طوله «٤» ، فأت خالد بن الوليد فمره أن يبعث درعى فيأخذه منه، فإذا قدمت «٥» المدينة على خليفة رسول الله، ﷺ ، فقل «٦» له إنّى علّى من الدّين كذا وكذا، وفلان من رقيقى عتيق، وفلان.. فأتى الرّجل خالدا «٧» وأخبره، فبعث إلى الدرع وأتى به «٨» ، وحدّث أبا بكر برؤياه.. فلا يعلم أحد «٩» أجيزت وصيته بعد موته غير ثابت، واستشهد باليمامة.

стр. 154

فصل فى صلاة الأنبياء فى قبورهم وفيمن فتح قبره من الشهداء فلم ير تغيّرا فى جسمه، ووجد لم يبل ودمه يسيل روى أنس بن مالك قال، قال رسول الله ﷺ : «مررت على موسى ﵇ ليلة أسرى بى فى الكثيب الأحمر وهو قائم يصلى فى قبره..» وقد ذكرنا فيما تقدّم حديث ثابت البنانى أنه رئى فى قبره وهو يصلى.. فالحمد لله الذي جعل من أمّة محمد، ﷺ ، كنبىّ. وقال جابر بن عبد الله: كتب معاوية إلى عامله بالمدينة أن يجرى عينا إلى «أحد» «١» . وكتب إليه عامله أنها لا تجرى إلّا على قبور الشهداء، فكتب إليه أن أنفذها «٢» ، قال: فسمعت جابر بن عبد الله، رضى الله عنه، يقول: فرأيتهم يخرجون علىّ أرطاب الرجال «٣» كأنهم رجال نوّم، حتى أصابت المسحاة «٤» قدم

стр. 155

حمزة بن عبد المطلب «١» ، فانبعثت دما، وكان له مقدار أربعين سنة «٢» . وجماعة فى «٣» جبانة مصر من الصالحين حفر عليهم بعد سنين، فوجدوا لم يبلوا، وفاح من قبر أحدهم مسك أعبق الجبّانة «٤» .. وبعضهم وجدت أكفانه جديدة وحكى لنا بعض الحفّارين بمصر، قال: حفرت على فقيه بعد سبعين سنة، فوجدت جسده «٥» أبيض لم يبل.. وقيل إنه الشافعى، رضى الله عنه. وكان بعض الصالحين [يقول] «٦» : لو حفروا علىّ بعد مائة سنة لوجدت لم أبل، فاتفق أنه مات ولد ولده بعد مائة سنة، فحفر عليه فوجد لم يبل.. وحفر على ابن شمعون الواعظ بعد أربعين سنة، وكان دفن فى بيته، وحوّل إلى مقبرة أحمد بن حنبل، رضى الله عنهما، وأكفانه تقعقع «٧» .. ولمّا دفن أحمد بن حنبل- ﵀ رأى رجل «٨» فى النوم كأنّ قائلا يقول: هذا ثواب «أحمد» قد فرّق على أهل المقابر.

стр. 156

ذكر قبور الصحابة والقرابة والتابعين والعلماء والأولياء الصالحين والأقطاب العارفين بالقرافة ... وذكر ما ورد من أحوالهم، وذكر إيابهم، رضى الله عنهم أجمعين «١» عمرو بن العاص «٢» : هو أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد- بضم السين وفتح العين- بن سهم «٣» بن عمرو «٤» بن كعب بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان السّهمى القرشى، أحد أمراء رسول الله، ﷺ ، يكنى أبا عبد الله، وقيل أبا محمد، وأمّه النابغة «٥» بنت حرملة- وقيل حريملة.

стр. 157

قدم على النبي ﷺ فى سنة ثمان قبل الفتح بأشهر مع خالد بن الوليد، وسلمان بن طلحة- كما سيأتى بيانه- مسلما- وقيل: بل أسلم بين الحديبية وخيبر.. واختلف فى قبره، فذكر حرملة «١» صاحب الشافعى أنه فى قبر عقبة ابن عامر «٢» .. وذكر قوم أنه غربى الخندق وشرقى المشهد.. ولم يبلغنا فى تاريخ مصر «٣» أن عمرو بن العاص خرج من مصر بعد أن وليها لمعاوية، رضى الله عنهما.. وكان عمرو بن العاص تاجرا «٤» فى الجاهلية، وكان يختلف بتجارته إلى مصر من الأدم «٥» والعطر.. فقدم مرّة بذلك، فأتى الإسكندرية، فوافق عيدا لهم يجتمعون فيه ويلعبون، فإذا همّوا «٦» بالانصراف اجتمع أبناء الملوك وأحضروا كرة لهم» فتراموا بها بينهم، وكان من فعالها «٨» المتعارف عندهم: من وقعت فى حجره ملك الإسكندرية، أو قالوا: ملك مصر.. فجعلوا يترامون «٩» بها وعمرو فى النّظّارة «١٠» إذ طارت

стр. 158

الكرة «١» فسقطت فى حجره، فعجبوا من ذلك وقالوا: ما كذبتنا هذه الكرة قطّ إلّا هذه المرة.. وأنّى لهذا الأعرابىّ أن يملك الإسكندرية؟! هذا مالا يكون «٢» . فلما فتح المسلمون الشام، خلا «٣» عمرو بأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، رضى الله عنهما، واستأذنه فى المسير إلى مصر، وقال: إنّى عالم بها وبطرقها، وهى أقل شىء منعة، وأكبر أمرا.. فكره أمير المؤمنين عمر الإقدام على من فيها من جموع الروم، وجعل عمرو يهوّن أمرها، وقد أمر أصحابه أن يتسلّلوا «٤» فى الليل، ثم اتبعهم، فبعث إليه عمر أن كن قريبا منى «٥» حتى أستخير الله تعالى، وذلك سنة ١٨ من الهجرة النبوية «٦» .

стр. 159

وروى راشد، مولى حبيب بن أوس الثقفى «١» قال: حدثنى عمرو بن العاص «٢» قال: لمّا انصرفنا يوم الأحزاب نحو الخندق، جمعت رجالا من قريش كانوا يرون برأيى، ويسمعون منى، فقلت لهم: تعلمون والله أنّى أرى أمر محمد يعلو الأمور علوّا كبيرا «٣» . وأنّى قد رأيت أمرا، فما تأمرون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أنّ ألحق بالنّجاشىّ «٤» - أو قال: نلحق بالنجاشى- فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشى، فإن نكون تحت يده أحبّ إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا بأن يأتينا منهم خير «٥» . قالوا: إنّ هذا [هو] «٦» الرأى.. قلت: فاجمعوا له أدما «٧» كثيرا، فجمعوه، فخرجنا حتى قدمنا عليه، فو الله إنّا لعنده إذ جاء عمرو بن أميّة الضّمرىّ «٨» وكان رسول الله ﷺ قد بعثه «٩» إليه فى شأن جعفر والصحابة، فدخل عليه ومعه كتابان «١٠» ، يدعوه فى أحدهما

стр. 160

إلى الإسلام ويتلو عليه القرآن، فأخذ النجاشى كتاب رسول الله ﷺ فوضعه على عينيه، ونزل عن سريره فجلس على الأرض، ثم أسلم وحسن إسلامه، وشهد شهادة الحق وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لآتيته.. وكتب إلى رسول الله ﷺ بإجابته وتصديقه، وإسلامه لله ربّ العالمين على يد جعفر بن أبى طالب. وكان جعفر ممّن هاجر إلى الحبشة.. وفى الكتاب الثانى يأمره أن يزوّجه بأمّ حبيبة، بنت أبى سفيان، وكانت قد هاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش الأسدىّ، فتنصّر هناك، وأمره رسول الله ﷺ أن يبعث إليه من قبله من أصحابه الذين هاجروا إلى الحبشة، وأن يحملهم، ففعل، وزوّج رسول الله ﷺ أمّ حبيبة، وأصدقها أربعمائة دينار، وأمر بجهازها وما يصلحهم، وحملهم فى سفينة مع عمرو بن أميّة، وجعل كتابى رسول الله ﷺ فى حقّ من عاج وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها. فلما دخل عمرو بن أمية عند النجاشى لم نكن عنده، ولم ندر ما وقع كما ذكر، ثم خرج من عنده لمحل الضيافة كعادة الرّسل «١» ، فقلت لأصحابى: هذا عمرو بن أمية قد خرج من عند النجاشى «٢» ، فلو دخلت على النجاشى فسألته إيّاه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت «٣» قريش أنّى قد أجزأت عنها حين قتلت «٤» رسول محمد ﷺ .. قال: فدخلت على النجاشى فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقى.. أهديت «٥» لى من بلادك شيئا؟ قال: قلت: نعم أيها الملك، أهديت لك أدما كثيرا.. قال: ثم قربته إليه، فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك، إنى قد رأيت رجلا

стр. 161

خرج من عندك، وهو رسول رجل عدوّ لنا «١» ، فأعطنيه لأقتله!! فغضب.. ثم مدّ يده وضرب بها أنفه ضربة «٢» ظننت أنه كسره «٣» ، فلو انشقت «٤» الأرض لدخلت فيها خوفا منه «٥» .. فقلت: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتك عنه «٦» .. قال: أتسألنى أن أعطيك رسول رجل يأتيه النّاموس الأكبر الذي كان يأتى «٧» موسى لتقتله؟! فقلت: كذلك هو؟! قال: ويحك يا عمروا! أطعنى واتّبعه «٨» ، فإنه.. والله- لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى ﵇ على فرعون وجنوده.. قال: فقلت: أفتبايعنى على الإسلام؟ قال: نعم.. فبسط يده- أو قال: يديه- فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابى. وقد حال رأيى عمّا «٩» كنت عليه، وكتمت إسلامى عن أصحابى «١٠» ، وخرجت عامدا إلى رسول الله، ﷺ ، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة، فقلت: إلى أين يا أبا سليمان؟ فقال: والله لقد استقام القسم «١١» ، وإنّ الرجل لنبّى، اذهب والله فأسلم، فحتى متى «١٢» ؟ قال: قلت: والله ما جئت إلّا لأسلم.

стр. 162

قال: فقدمنا على رسول الله، ﷺ ، المدينة، فتقدّم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله، إنى أبايعك أن يغفر لى ما تقدّم من ذنبى ولا أذكر ما تأخر.. فقال رسول الله ﷺ : «يا عمرو، بايع، فإن الإسلام يجبّ ما قبله «١» - وفى رواية محمد بن إسحاق: يهدم ما كان قبله- وإنّ الهجرة تجبّ ما كان قبلها» . قال: فبايعته ثم انصرفت. وروى عن عمرو بن العاص، رضى الله عنه، أنه قال: بعث إلىّ رسول الله ﷺ فقال: «خذ عليك ثيابك وسلاحك» .. قال: فأخذت علىّ ثيابى وسلاحى، ثم أقبلت إلى رسول الله، ﷺ ، فوجدته يتوضّأ، فصوّب النظر ثم طأطأه، ثم قال: «يا عمرو، إنى أريد أن أبعثك على جيش يغنمك الله ويسلمك «٢» ، وأرغب إليك رغبة من المال صالحة» . فقلت: والله يا رسول الله ما أسلمت للمال، ولكن أسلمت رغبة فى الإسلام، وأن أكون معك.. فقال: «يا عمرو «٣» ، نعم المال الصّالح مع الرجل الصالح» «٤» . فوجّهه رسول الله ﷺ إلى السلاسل «٥» من بلاد قضاعة فى ثلاثمائة، فكتب إلى رسول الله ﷺ يستمدّه، فأمدّه بجيش فيه مائتا فارس من المهاجرين والأنصار من أهل الشرف، منهم أبو بكر وعمر، رضى الله عنهم.

стр. 163

وروى عن عمرو بن العاص، رضى الله عنه، أنه كان يقول: يا أيها الناس، ما أبعد هديكم من هدى رسول الله ﷺ !! كان نبيكم ﷺ أزهد الناس فى الدنيا، وأنتم أرغب الناس فى الدنيا.. وكان يقول: من عاتب رجلا بأكثر من عقله فقد ظلمه. وروى عقبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص» .. وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه إذا رأى الرّجل يتلجلج فى كلامه قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد. وفاة عمرو بن العاص- وقبره: ولمّا حضرت عمرو بن العاص الوفاة دمعت عيناه، فقال له ولده عبد الله: يا أبت، أجزع من الموت يحملك على هذا؟! قال: لا، ولكن ممّا بعد الموت.. وذكر له عبد الله مواطنه التى كانت مع رسول الله، ﷺ ، والفتوح التى كانت بالشام، فلما فرغ عبد الله من ذلك، قال: قد كنت على طباق «١» ثلاثة، لو متّ على بعضها علمت ما تقول.. بعث الله محمدا ﷺ وكنت أكره الناس لما جاء به، أتمنّى لو أنى قتلته «٢» ، فلو متّ على ذلك لقال النّاس مات عمرو مشركا «٣» ، عدوّا لله ورسوله، من أهل النار، ثم قذف الله الإسلام فى قلبى، فأتيت رسول الله، ﷺ ، فبسط إليّ يده يبايعنى، فقبضت يدى «٤» ثم قلت: أبايعك على أن يغفر لى ما تقدم من ذنبى، وأنا أظن حينئذ أنّى لا أحدث حدثا فى الإسلام. [فقال رسول الله ﷺ : إنّ الإسلام] «٥»

стр. 164

يجبّ ما قبله من خطيئة، وإنّ الهجرة تحبط [ما] «١» بينها وبين الإسلام، فلو متّ على هذا الطريق لقال الناس: أسلم عمرو وجاهد مع رسول الله ﷺ ، نرجو لعمرو عند الله كثيرا، ثم أصبت إمارات، وكانت فتن، وأنا مشفق من هذا الطّبق «٢» ، راج لرحمة الله، فإذا أخرجتمونى فأسرعوا بى، ولا تتبعنى نائحة، ولا ناد، وشدّوا علىّ إزارى فإنى مخاصم، وسنّوا علىّ التراب سنّا «٣» ، فإن يمينى ليست بأحق بالتراب من شمالى، ولا يدخلن القبر خشبة ولا طوب، ثم إذا دفنتمونى «٤» فامكثوا عندى قدر نحر جزور وتقطيعها [فإنّى] «٥» أستأنس بكم. وكان عمرو بن العاص أول أمير على مصر فى الإسلام من حين افتتحها سنة عشرين إلى مقتل عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، وولى أيضا لعثمان حين فتحت الإسكندرية، وولى أيضا لمعاوية بن أبى سفيان من ذى القعدة الحرام سنة ثمان وثلاثين إلى أن توفى بمصر ليلة الفطر، سنة ثلاث وأربعين [وقيل سنة إحدى وخمسين] «٦» ، ذكره ابن يونس فى تاريخه، وصلّى عليه ولده عبد الله [صبيحة الفطر قبل أن يصلى صلاة العيد، وكان أبوه استخلفه على الصلاة، وروى له النّسائى، والتّرمذىّ، وابن ماجه، وأبو داود] «٧» .. ودفن بالمقطم من ناحية الفج «٨» وكان طريق الناس يومئذ إلى الحجاز، فأحب أن يدعو له

стр. 165

كلّ من يمر «١» به. قال أبو عبد الله محمد بن جعفر القضاعى، قاضى مصر، فى كتابه: لا يعرف لواحد منهم «٢» قبر، يعنى الخمسة الذين ماتوا بمصر، غير قبرين، أحدهما «٣» : قبر عمرو بن العاص، رضى الله عنه، ذكر قوم أنه غربى الخندق، وشرقى المشهد، والآخر عقبة بن عامر الجهنى، ذكر أنّ أبا حفص ابن غزال الحضرمى «٤» دلّ عليه الناس، وذكر أنه قبل «٥» قبر ذى النون المصرى مما يلى الشرق، وهو أشهر من قبر عمرو بن العاص، رضى الله عنهما، ولم يبلغنا فى تاريخ من تواريخ مصر أن عمرو بن العاص خرج من مصر بعد أن وليها لمعاوية بن أبى سفيان، رضى الله عنهما. وذكر أنّ ثلاثة «٦» فى قبر واحد. وقد روى أنه لمّا ذكر «٧» «المقوقس» جبل المقطم وقال ليدفن تحته ما هو خير من الشجر.. ليقبرنّ قوم يبعثهم الله يوم القيامة لا حساب عليهم، فقال عمرو: «اللهمّ اجعلنى منهم» قال حرملة: فرأيت أنا قبر عمرو بن العاص،

стр. 166

وقبر فيه أبو بصرة الغفارىّ» ، وعقبة بن عامر الجهنى «٢» ، رضى الله عنهم «٣» أجمعين.. [ولأهل مصر [عن] عمرو بن العاص عشرون حديثا. ***

стр. 167

عقبة بن نافع «١» : ولعمرو هذا أخ لأمّه «٢» ، وهو: عقبة بن نافع بن فهر بن مالك، ولّاه إفريقية- ذكره عبد البر- وهو من أعيان الصحابة، رضى الله عنهم «٣» ، دخل مصر واختط بها، ثم خرج منها غازيا، فقتله البربر سنة ٦٣ من الهجرة. ومما روى فى الصحيح أنّ النبي، ﷺ ، رأى كأنه فى دار عقبة بن نافع، فجىء إليه برطب يسمّى «طابا» «٤» وهو نوع معروف بالمدينة، فأوّلتها «الوقعة» ، وأنّ ديننا قد طاب لنا «٥» . وحكى صاحب تاريخ إفريقية أن عقبة بن نافع لمّا دخل إلى إفريقية، وهو مقدّم على الجيش، قيل: إنّ الوادى [كان] «٦» مملوءا بالسّباع

стр. 168

والحيّات، فصلّى ثم دعا، فرأينا السّباع تحمل أشبالها، ورأيت الحيّات تخرج من تحت الشجر.. وكان مجاب الدعوة.. وكان ينزل إلى الوادى وما فيه ماء، فيدعو الله ، فيسقيهم ببركة دعائه.. وفى بعض الآثار أن رسول الله، ﷺ دعا له فقال: اللهم أجب دعوته، فكان لا يدعو الله إلّا استجاب له.. وكان الناس يسألونه الدعاء لما يرون من بركة دعائه.. ولأهل مصر عنه أحاديث، وله عقب بالقرافة. صفة عمرو بن العاص «١» : وكان من صفته- يعنى عمرو بن العاص- أنه أسمر، نحيف «٢» ، كبير الرأس، أدعج، أبلج «٣» ، وقد تقدم طرف يسير من أخباره.. وترك عمرو بن العاص لولده بعد موته مائة قنطار ذهب، وسبعة «٤» قناطير فضة، فتورّع عنها عبد الله بن عمرو، ولم يلتمس «٥» منها شيئا. وكان عبد الله بن عمرو المذكور- رضى الله عنهما- إماما زاهدا، عالما، ورعا، وهو أحد العبادلة الذين «٦» يدور عليهم العلم.. والعبادلة أربع: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوى، وعبد الله بن عباس الهاشمى، عمّ النبي «٧» ، وعبد الله بن الزبير بن العوّام الأسدى، وعبد الله بن عمرو ابن العاص بن وائل السّهميّ، ومناقبه غير محصورة، والله تعالى أعلم] «٨» .

стр. 169

قبر عقبة بن عامر الجهنى «١» : [هو عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو «٢» بن عدى بن رفاعة بن مودوعة- وقيل مودعة- ابن عدىّ بن غنم بن الرّبعة بن رشدان [بن] «٣» قيس بن جهينة] صاحب رسول الله، ﷺ .. [يكنى] «٤» أبا حمّاد، وقيل أبا أسيد «٥» ، وقيل أبا عمرو «٦» ، وقيل أبا سعاد، وقيل أبا الأسود، وقيل أبا عمّار، وقيل أبا عامر.. شهد فتح مصر واختطّ بها، وولى الجند بمصر لمعاوية بن أبى «٧» سفيان بن عتبة بن أبى سفيان «٨» سنة أربعين.. ثم أغزاه «٩» معاوية البحر سنة سبع وأربعين، وكتب إلى مسلمة بن مخلّد الزّرقى «١٠»

стр. 170

بولايته على مصر، فلم يظهر مسلمة «١» ولايته [حتى دفع عقبة غازيا فى البحر، فأظهر مسلمة ولايته] «٢» ، فبلغ ذلك عقبة فقال: ما أنصفنا معاوية، عزلنا وغزّانا «٣» . ولأهل مصر عنه نحو مائة حديث، اتفق البخارى ومسلم منها على سبعة أحاديث، وانفرد البخارى عنه بحديث واحد «٤» ، وانفرد مسلم عنه بتسعة «٥» أحاديث، وروى عنه من أهل مصر جماعة.. قال عقبة: «سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصّدقة، والمسرّ بالقرآن كالمسرّ بالصّدقة» . وقال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل الجنّة صاحب مكس» «٦» يعنى العشّار.. وقال عقبة: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنّى راكب غدا إلى يهود، فلا تبدءوهم بالسّلام، فإذا سلّموا عليكم فقولوا: وعليكم» .. وروى عقبة عنه- ﵇: «من توضّأ فأحسن «٧» وضوءه ثم صلّى غير ساه ولا لاه «٨» كفّر عنه ما كان قبلها من سيئاته» .. وروى عنه- ﵇ قال: «تعجّب ربّك من شابّ ليست له صبوة» «٩» .

стр. 171

وذكر ابن يونس فى تاريخه أن عقبة بن عامر توفى سنة ٥٨ بمصر، وقبر بمقبرتها بالمقطم [وكانت داره بدمشق بناحية قنطرة سنان من باب «توما» ] «١» . وكان قارئا، عالما بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، شاعرا، وكانت له السابقة والهجرة، وكان كاتبا، وكان أحد من جمع القرآن، ومصحفه بمصر بخطّه، على غير التأليف الذي فى مصحف عثمان «٢» ، وفى آخره: كتبه «٣» عقبة بيده.. قال ابن يونس: ورأيت له خطّا جيدا، ولم أزل أسمع شيوخنا يقولون «مصحف عقبة» لا يشكّون فيه.. وكانت ولايته على مصر سنتين وثلاثة أشهر «٤» . وقبره ظاهر يتبرّك به ويعرف بالإجابة.. كان يأخذ بزمام بغلة رسول الله ﷺ ، قال- رحمة الله عليه: «بينا كنت آخذ «٥» بزمام بغلة رسول الله- ﷺ فى نقب «٦» من تلك النقاب، إذ قال لى: يا عقبة «٧» ، ألا تركب؟ فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله، ﷺ ، وركبت هنيهة «٨» ، ثم ركب، ثم قال لى: يا عقبة، ألا أعلّمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس «٩» ؟ قلت: بلى يا رسول الله.. قال: فأقرأنى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ .. ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما «١٠» ، ثم مرّ بى فقال: كيف رأيت

стр. 172

يا عقبة؟ اقرأهما «١» كلما نمت وقمت» رواه أحمد فى مسنده. وقبره «٢» القبر المسنّم الكبير عند تربة بنى العوام، وعند رأسه بلاطة كدان فيها اسمه، وضعها أبو حفص عمر بن محمد بن غزال بن محمد المقرئ شيخ مصر، تلميذ الإمام ابن رشيق العسكرى «٣» شيخ مصر، يتداوله السلف والخلف، والدعاء عنده مجاب، وليس فيه اختلاف، ولم يكن فى الجبانة قبر أثبت منه، رضى الله عنه، ونفع ببركاته.. (آمين) «٤» . ***

стр. 173

عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى «١» : صاحب رسول الله، ﷺ .. سكن مصر بعد أن عمّر عمرا طويلا، وبقى بها، وكانت وفاته سنة ثمان وثمانين، وقيل سبع وثمانين، وقيل خمس وثمانين «٢» .. وروى عنه جماعة من المصريين، منهم يزيد «٣» بن أبى حبيب.. قدم على رسول الله ﷺ فى فداء أسارى من بنى المصطلق، وغيّب فى بعض الطريق ذودا «٤» كنّ معه وجارية سوداء، فكلّم رسول الله ﷺ فى فكّ الأسارى، فقال رسول الله، ﷺ : «نعم.. ما جئت به؟ قال: ما جئت بشىء!! قال: فأين الزّود والجارية السوداء «٥» الذي غيّبت بموضع كذا وكذا؟! قال: أشهد أنك رسول الله، والله ما كان معى من أحد، ولا سبقنى أحد إليك.. فقال رسول الله ﷺ : «لك الهجرة» . قال عبد الله بن الحارث: «ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله، ﷺ » . وقال: «أنا أول من سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يبل أحدكم مستقبل القبلة» ، وأنا أول من حدّث الناس بذلك» . وقال: «أكلنا مع رسول الله ﷺ ، ثم صلّينا ولم نتوضّأ» .

стр. 174

وعبد الله «١» آخر من دخل مصر من الصحابة، وآخر من مات بها.. وعمر عمرا طويلا.. قال الإمام أبو حنيفة، رضى الله عنه: حججت مع أبى سنة من السنين، فرأيت الناس يزدحمون، فسألت عن ذلك، فقيل لى: هذا من أصحاب النبي ﷺ ، فأخذ أبى بيدى ثم أجلسنى أمامه وقال: يا بنىّ، سله أن يمرّ بيده على رأسك.. فمر بها، ودعا لى، فأنا أجد بركة دعائه. وقال القضاعىّ فى خططه: قال الكندى: مات عبد الله بن الحارث بقرية يقال لها «قرنفيل» «٢» ، ذكر ذلك الجند العربى، فلعلّه حمل ودفن فى مقبرة الفسطاط.. وقيل: بل «٣» مات بمصر، ولا يعرف قبره. عبد الله بن حذافة السّهميّ «٤» : صاحب رسول الله، ﷺ ، يكنى أبا حذافة- أسلم قديما، وكان من المهاجرين الأولين.. دفن بمصر.. هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية مع أخيه قيس بن حذافة.. وهو أخو أبى الأخنس بن حذافة، وخنيس بن حذافة زوج حفصة بنت عمر قبل النبي، ﷺ .. وهو من أصحاب بدر.. روى ذلك عمر بن الحكم عن [أبى] سعيد الخدرى «٥» . وكان رسول الله ﷺ بعثه

стр. 175

إلى كسرى عظيم الفرس يدعوه إلى الإسلام، وكتب معه الكتاب، قال عبد الله: فرفعت إليه كتاب رسول الله، ﷺ ، فقرىء عليه، ثم أخذه فمزّقه، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: «اللهمّ مزّق ملكه» . وكتب «كسرى» إلى «باذان» عامله باليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرّجل الذي بالحجاز فليأتيانى «١» بخبره. فبعث «باذان» قهرمانه «٢» ورجلا آخر، وكتب معهما كتابا، فقدما المدينة، فدفعا إليه كتاب «باذان» ، فتبسّم رسول الله ﷺ ، ودعاهما إلى الإسلام وفرائصهما ترعد «٣» ، وقال: ارجعا عنى يومكما هذا فأتيانى الغد فأخبركما «٤» بما أريد.. فجاء الغد، فقال لهما: أبلغا صاحبكما أنّ الله قتل كسرى «٥» فى هذه الليلة، لسبع ساعات «٦» مضت منها، وهى ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى «٧» ، سنة سبع من الهجرة النبوية، وأنّ الله تعالى سلّط عليه ابنه «شيرويه» .. فرجعا إلى «باذان» بذلك، فأسلم هو والأبناء الذين باليمن «٨» . وفى رواية أنّ النبي ﷺ بعثه «٩» بكتاب إلى كسرى، فمزّق كسرى

стр. 176

الكتاب، فقال رسول الله ﷺ : «مزّق الله ملكه، إن مات كسرى فلا كسرى بعده» قال الواقدى: فتسلط على كسرى شيرويه فقتله. وروى عبد الله بن حذافة أن النبي ﷺ أمره أن ينادى فى أيام التشريق «١» أنّها أيام أكل وشرب.. وكانت فيه دعابة [فحين قال رسول الله ﷺ : من أحبّ أن يسأل عن شىء فليسأل عنه، فو الله لا تسألونى عن شىء إلّا أخبرتكم به ما دمت فى مقامى هذا. فسأله عبد الله بن حذافة فقال] «٢» : من أبى يا رسول الله، ﷺ ؟ فقال: أبوك حذافة بن قيس.. فقالت أمّه: ما سمعت بابن أعقّ منك، أمنت أن تكون أمك فارقت ما يفارق أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟! فقال: والله لو ألحقنى بعبد أسود للحقت به. وهو الذي أسره الروم فى زمن عمر بن الخطاب، فأرادوه «٣» على الكفر، فأبى، فقال له ملك الروم: قبل رأسى وأطلقك.. قال: لا.. قال: قبل رأسى وأطلقك ومن معك من أسرى المسلمين.. فقبّل رأسه، فأطلق معه ثمانين أسيرا. روى له مسلم حديثا واحدا، وروى له النسائى، والله أعلم.. ومات «٤» فى خلافة عثمان بن عفان بمصر، ودفن بها فى سنة تسع عشرة «٥» .

стр. 177

أبو بصرة الغفارىّ «١» : صاحب رسول الله ﷺ ، واختلف فى اسمه فقيل: حميل، وقيل: جميل، غير مضبوط، وأصحه: حميل بالضم «٢» . وقيل: إنّ «عزّة» التى ينسب إليها «كثّير» هى بنت ابنه «٣» . روى عن رسول الله ﷺ اثنى «٤» عشر حديثا.. وروى له مسلم حديثا واحدا.. روى عنه عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وأبو تميم الجيشانى «٥» ، وغنم بن فرع المهدى، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزنّى «٦» المصرى، نزيل مصر.. وروى له البخارى فى الأدب، ومسلم وأبو داود «٧» .

стр. 178

روى أبو بصرة قال: «صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فلما انصرف قال: إنّ هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فتراخوا «١» فيها وتركوها، فمن صلّاها منكم ضعّف له أجره ضعفين.. ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد.. وهو النجم» «٢» . سكن أبو بصرة الحجاز، ثم تحول إلى مصر، فمات بها ودفن بالمقطم. قال، رضى الله عنه: «أتيت «٣» رسول الله ﷺ لمّا «٤» هاجرت- وذلك قبل أن أسلم- فحلب لى شويهة «٥» كان لا يحلبها لأهله، فشربتها «٦» فلما أصبحت أسلمت» . قال أبو بصرة: «لقيت أبا هريرة وهو يسير إلى مسجد الطّور ليصلّى فيه، قال: فقلت له: لو أدركتك قبل أن ترحل ما ارتحلت.. قال: ولم؟ قلت «٧» : إنّى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تشد الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدى هذا» . ***

стр. 179

ذكر الأشراف الذين قدموا مصر ومن دفن بها منهم السيدة سكينة بنت الحسين*: قال ابن زولاق «١» : أول من دخل مصر [من] «٢» ولد علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، سكينة بنت الحسين بن على بن أبى طالب «٣» ، حملت إلى الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان «٤» ليدخل بها، فوجدته قد نعى «٥»

стр. 180

فرجعت إلى المدينة.. وقيل إنها قالت لأخيها: والله لا يكون لى بعل، فماتت وهى بكر- رضى الله عنها «١» . مشهد السيدة سكينة ومن به من الأشراف:* وبهذا المشهد- أى مشهد سكينة- «٢» السيد الشريف إبراهيم بن يحيى ابن بللوه «٣» النّسّابة، والسيد الشريف حيدرة «٤» . وبه جماعة من الأشراف- وهو مشهد معروف مشهور، به قبر السيدة الشريفة زينب «٥» بنت الحسن ابن إبراهيم بن يحيى بن بللوه النسابة، رضى الله عنهم «٦» .
следующие страницы →