Полный текст (1 089 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الكتاب، فقال رسول الله ﷺ : «مزّق الله ملكه، إن مات كسرى فلا كسرى بعده» قال الواقدى: فتسلط على كسرى شيرويه فقتله.
وروى عبد الله بن حذافة أن النبي ﷺ أمره أن ينادى فى أيام التشريق «١» أنّها أيام أكل وشرب.. وكانت فيه دعابة [فحين قال رسول الله ﷺ : من أحبّ أن يسأل عن شىء فليسأل عنه، فو الله لا تسألونى عن شىء إلّا أخبرتكم به ما دمت فى مقامى هذا. فسأله عبد الله بن حذافة فقال] «٢» :
من أبى يا رسول الله، ﷺ ؟ فقال: أبوك حذافة بن قيس.. فقالت أمّه:
ما سمعت بابن أعقّ منك، أمنت أن تكون أمك فارقت ما يفارق أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟! فقال: والله لو ألحقنى بعبد أسود للحقت به.
وهو الذي أسره الروم فى زمن عمر بن الخطاب، فأرادوه «٣» على الكفر، فأبى، فقال له ملك الروم: قبل رأسى وأطلقك.. قال: لا.. قال:
قبل رأسى وأطلقك ومن معك من أسرى المسلمين.. فقبّل رأسه، فأطلق معه ثمانين أسيرا.
روى له مسلم حديثا واحدا، وروى له النسائى، والله أعلم..
ومات «٤» فى خلافة عثمان بن عفان بمصر، ودفن بها فى سنة تسع عشرة «٥» .
стр. 177
أبو بصرة الغفارىّ «١» :
صاحب رسول الله ﷺ ، واختلف فى اسمه فقيل: حميل، وقيل:
جميل، غير مضبوط، وأصحه: حميل بالضم «٢» . وقيل: إنّ «عزّة» التى ينسب إليها «كثّير» هى بنت ابنه «٣» .
روى عن رسول الله ﷺ اثنى «٤» عشر حديثا.. وروى له مسلم حديثا واحدا.. روى عنه عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وأبو تميم الجيشانى «٥» ، وغنم بن فرع المهدى، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزنّى «٦» المصرى، نزيل مصر.. وروى له البخارى فى الأدب، ومسلم وأبو داود «٧» .
стр. 178
روى أبو بصرة قال: «صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فلما انصرف قال: إنّ هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فتراخوا «١» فيها وتركوها، فمن صلّاها منكم ضعّف له أجره ضعفين.. ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد.. وهو النجم» «٢» .
سكن أبو بصرة الحجاز، ثم تحول إلى مصر، فمات بها ودفن بالمقطم.
قال، رضى الله عنه: «أتيت «٣» رسول الله ﷺ لمّا «٤» هاجرت- وذلك قبل أن أسلم- فحلب لى شويهة «٥» كان لا يحلبها لأهله، فشربتها «٦» فلما أصبحت أسلمت» .
قال أبو بصرة: «لقيت أبا هريرة وهو يسير إلى مسجد الطّور ليصلّى فيه، قال: فقلت له: لو أدركتك قبل أن ترحل ما ارتحلت.. قال: ولم؟
قلت «٧» : إنّى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تشد الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدى هذا» .
***
стр. 179
ذكر الأشراف الذين قدموا مصر ومن دفن بها منهم
السيدة سكينة بنت الحسين*:
قال ابن زولاق «١» : أول من دخل مصر [من] «٢» ولد علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنه، سكينة بنت الحسين بن على بن أبى طالب «٣» ، حملت إلى الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان «٤» ليدخل بها، فوجدته قد نعى «٥»
стр. 180
فرجعت إلى المدينة.. وقيل إنها قالت لأخيها: والله لا يكون لى بعل، فماتت وهى بكر- رضى الله عنها «١» .
مشهد السيدة سكينة ومن به من الأشراف:*
وبهذا المشهد- أى مشهد سكينة- «٢» السيد الشريف إبراهيم بن يحيى ابن بللوه «٣» النّسّابة، والسيد الشريف حيدرة «٤» . وبه جماعة من الأشراف- وهو مشهد معروف مشهور، به قبر السيدة الشريفة زينب «٥» بنت الحسن ابن إبراهيم بن يحيى بن بللوه النسابة، رضى الله عنهم «٦» .
стр. 181
وبجوار جامع ابن طولون مشهد على يسار السّالك «١» ، مكتوب عليه «سكينة» يذكر أنها من أهل البيت..
ثم دخلها على بن محمد «٢» بن عبد الله بن الحسن بن علّى بن أبى طالب، دخل إلى مصر، ويقال إنه توفى فى ريفها، وقيل ذهب إلى الديلم، والله أعلم.
الحسن بن زيد (والد السيدة نفيسة) «٣» :
وممّن دخلها أيضا الحسن بن زيد بن الحسن «٤» بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، وابنته نفيسة، وكان إماما، شيخا، عالما، من كبار أهل البيت، معدودا «٥» من التابعين.. ولى المدينة من قبل عبد الله أبى جعفر المنصور الخليفة العباسى «٦» .. وكانت له دعوة مجابة «٧» وكان يسمّى شيخ الأشياخ، ومدح بقصائد كثيرة لكرمه وحلمه، وهو ممّن قد انتهت إليه الرياسة فى زمنه من بنى الحسن.
стр. 182
والأشراف أنواع، وأجلّ الأشراف الحسينيّون والحسنيّون «١» .
والجعافرة قد نسبوا إلى جعفر الطيّار ابن أبى طالب، وله ذرّيّة بالقرافة.
وأمّا من يسمّون بالزّينبيين «٢» فنسبوا إلى عبد الله الجواد ابن جعفر الطيّار، وذلك أنه تزوج بفاطمة بنت زينب، أو زينب بنت فاطمة بنت رسول الله ﷺ على إحدى «٣» الرّوايتين- فولدت له محمد بن عبد الله بن جعفر الطيار.
وأما الأشراف الحنفية الذين عرفوا بالمحمديين فينسبون «٤» إلى محمد المعروف بابن الحنفية ابن على بن أبى طالب.. وله عقب بالقرافة منهم.
وأمّا الذين ينسبون «٥» إلى العباسيين فهم من نسل عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وأخيه الفضل بن العباس.. وأجلّ أولاد العباس عبد الله، ومن أولاده الخلفاء.. وأولاد العباس أربعة «٦» : عبد الله، والفضل، وقثم، ومعبد «٧» .
وأمّا الأشراف الذين يعرفون «٨» بالميمونيين فينسبون «٩» إلى الميمون بن
стр. 183
حمزة بن عبد المطلب الهاشمى «١» .. ومنهم طائفة بالقرافة.
ولمّا ولى الحسن بن زيد المذكور- والد السيدة نفيسة، رضى الله عنها- المدينة كان بها رجل فقير يقال له ابن أبى ذؤيب، فقرّبه الحسن، وأحسن إليه، وكثر مال الرجل وترأس، وقرّبه المنصور «٢» ، فلما عظم عند المنصور شرع يتكلم فى حق الحسن وينمّ عليه بما ليس فيه، حتى إنه قال للمنصور عنه إنه يريد الخلافة، فأحضره المنصور وسلب نعمته، وبعد قليل «٣» ظهر للمنصور الكذب من القائل المذكور، فردّ على الحسن أمواله، وأنعم عليه إنعاما بليغا، وأرسله «٤» إلى المدينة على عادته، فلما قدم المدينة أرسل إلى ابن أبى ذؤيب هدية عظيمة، وأمر له بمال جزيل، ولم يعتبه «٥» فى ذلك، ولم يقل له فى يوم من الأيام فعلت كيت وكيت.
وحكى عنه أنه كان يصلى بالأبطح «٦» فى يوم من الأيام، وإذا بامرأة مارّة وعلى يديها طفل، فاختطفه عقاب منها، فحصل لها عليه وجد «٧» عظيم، والتهبت بالنار، وجاءت إلى الحسن وتعلقت به، وسألته الدعاء أن يردّ لها ولدها، فدعا لها، فمن ساعته نزل العقاب به إلى الأرض، وردّه الله عليها ببركته وبركة دعائه.
стр. 184
قال الطبرى: لمّا مات أبو الحسن، رضى الله عنه، ترك عليه ما يزيد على خمسة آلاف دينار «١» دينا للناس، فحلف الحسن أنه لا يستظلّ بسقف حتى يقضى دين أبيه، فلم يزل كذلك حتى قضى دينه، رضى الله عنه.
وكانت له دعوة مجابة، وسمّى فى زمانه بصفى الأسخياء.. قال عبد الله بن يعيش: كان الحسن بن زيد يعدّ بألف من الكرام.. وإليه انتهت الرياسة فى بنى الحسن وجىء له بشابّ شارب متأدّب، فقال له: يا بن بنت رسول الله، أطلقنى وأنا لا أعود، وقال رسول الله ﷺ : «أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم» ، وأنا ابن [أبى] أمامة بن سهل بن حنيف «٢» ، وقد كان أبى مع أبيك كما علمت.. قال: صدقت، فهل أنت عائد؟ قال: لا والله.. فأقاله، وأمر له بخمسين دينارا وقال: تزوّج بها وعد إلىّ.. فتاب الشابّ، فكان الحسن بن زيد المذكور يجرى عليه النفقة. نفع الله تعالى به فى الدنيا والآخرة (آمين) .
السيدة نفيسة، رضى الله عنها، ونفع ببركاتها «٣» :
هى السيدة العابدة، الزاهدة، المجتهدة، الورعة، صاحبة الكرامات المتنوعة، نجيبة دهرها، وفريدة عصرها، المرتقية بجدّها «٤» المفتخرة بأبيها
стр. 185
وجدّها، السيدة الرئيسة، السيدة نفيسة ابنة الحسن الأنور، المذكور آنفا، ابن زيد الأبلج، ابن حسن السبط، ابن الإمام الأنزع «١» على بن أبى طالب [ابن عبد المطلب] «٢» بن هاشم بن عبد مناف، وبقية النسبة معروفة.
ولدت هذه السيدة فى سنة ١٤٥ من الهجرة النبوية فى خلافة أبى جعفر عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس، المعروف بالمنصور بالله تعالى، وذلك بعد ولادة الإمام الليث بن سعد بإحدى «٣» وخمسين سنة، تقريبا، وقبل ولادة الشافعى بخمس سنين.. [وعند] «٤» ولادتها أمر المنصور بعمارة بغداد، وكانت تحب العبادة من صغرها، ونشأت بالمدينة النبوية، وصحبت كثيرا من نساء الصحابة، وكانت تلازم حرم النّبيّ، ﷺ .
وحكى الحافظ أبو محمد عبد الله بن برغش النّسّابة فى كتابه «تحفة الأشراف» أنّ الإمام زيد الأبلج، رضى الله عنه، كان يأخذ بيد ولده الحسن الأنور، والد السيدة نفيسة، رضى الله عنها، ويدخل إلى قبر النبي ﷺ ويقول:
يا سيدى يا رسول الله، هذا ولدى الحسن، أنا راض عنه، ثم يرجع وينصرف، فلمّا كان فى بعض الليالى نام فرأى النبي ﷺ فى المنام وهو يقول: يا زيد، إنّى راض عن ولدك الحسن برضاك عنه، والحق- راض عنه برضاى عنه.. فلما نشأ الحسن وجاء بالسيدة نفيسة إلى المدينة الشريفة، كان يأخذ بيدها ويدخل بها إلى القبر الشريف ويقول: يا رسول الله، إنّى راض عن ابنتى نفيسة، ويرجع، فما زال يقول ذلك حتى رأى النبي ﷺ فى المنام وهو يقول: يا حسن، إنى راض عن ابنتك نفيسة برضاك عنها، والحق- راض عنها برضاى.
стр. 186
وما أحسن قول بعضهم «١» :
بكم المدائح تستلذّ وتعشق ... ولنا بكم يا آل أحمد رونق
وإذا نظمت مدائحا لعلاكم ... صدق الحديث، وغيره لا يصدق
وإذا كتبت حروفها ورقمتها ... قال الورى: تالله إنّك موفق
والغير إن علم الحديث لغيركم ... هو كاذب فيما نحاه وأحمق
لم يخلق الرّحمن مثل محمّد ... وقبيله، وأظنّه لا يخلق
*** قال الرّازى النّسّابة: لمّا بلغت السيدة نفيسة من العمر ستّ عشرة سنة «٢» رغب الناس فى خطبتها، لما علموا من خيرها ودينها، وما نشأت عليه من العبادة، ووالدها الحسن يأبى ذلك.. ثم جاء رجل إلى أبيها من بنى حسن فخطبها، فأبى والدها، ثم جاء السيد إسحاق المؤتمن بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن محمد بن على بن زين العابدين بن الحسين بن علىّ بن أبى طالب فخطبها من أبيها، فلم يردّ عليه جوابا، فقام من عنده ودخل إلى حجرة النبي ﷺ ، وقال عند الحجرة: يا رسول الله، إنى خطبت نفيسة ابنة الحسن منه فلم يردّ جوابا علىّ، وإنّى لم أخطبها إلا لخيرها ودينها وعبادتها، فلما كان تلك الليلة رأى أبوها الحسن الأنور النّبيّ ﷺ فى المنام يقول له: يا حسن، زوّج نفيسة لإسحاق المؤتمن.. فلما أفاق دعا بإسحاق وعقد له على ابنته، وذلك فى سنة إحدى «٣» وستين ومائة، وهى بنت عمه.
وولى إسحاق المدينة بعد والد السيدة نفيسة من قبل أبى جعفر المنصور، ورزقت منه ولدين: القاسم، وأم كلثوم.. وحجّت ثلاثين حجة، وكان الغالب
стр. 187
عليها فيهم [المشى على قدميها] «١» .. وكانت تتعلق بأستار الكعبة عند الطواف وهى تبكى وتقول: إلهى وسيدى ومولاى، متّعتنى وفرّحتنى برضاك عنى، فلا تسبّب لى سببا يحجبنى عنك.
وحكى عن السيدة زينب بنت أخيها سيدى يحيى المتوّج [قالت: خدمت عمتى السيدة نفيسة أربعين سنة فما] «٢» رأيتها نامت ليلا ولا أفطرت نهارا إلّا العيدين وأيام التشريق، فقلت لها: أما ترفقين «٣» بنفسك؟ فقالت: كيف أرفق بها وأمامى عقبات لا يقطعها إلّا الفائزون!!
وكانت كثيرة التلاوة للقرآن وتفسيره.. وكانت تبكى وتقول: إلهى سهّل علىّ زيارة قبر خليلك ونبيّك إبراهيم، ﵇، فلما حجّت هى وزوجها، آخر حجّها، قصدا «٤»
زيارة الخليل ﵇، فلما أن زارته هو وإيّاها عزما «٥» المجىء إلى «مصر» ، وتوجّها إلى أن جاءا إليها، وكان قدومهما إلى مصر [لخمس] «٦» بقين من شهر رمضان سنة ١٩٣، وقيل: سنة ١٩٦ على خلاف فى التاريخ.. ولمّا سمع أهل مصر بقدومها- وكان لها ذكر شائع عندهم- تلقّتها النساء والرجال بالهوادج من «العريش» ، ولم يزالوا معها إلى أن دخلت «مصر» ، فأنزلها عنده «٧» كبير التجار بمصر، وهو جمال الدين عبد الله بن الجصّاص- بالجيم، وقيل بالحاء، والأول أصح «٨» - وكان من
стр. 188
أصحاب المعروف والبر والمحبة والصّدقة للفقراء، والصالحين، والعلماء، والسادة الأشراف.. فنزلت عنده فى داره، وأقامت بها عدة «١» شهور، والناس يأتون إليها من سائر الآفاق يتبركون بزيارتها ودعائها.
وقيل: بل نزلت هى وبعلها بالمصاصة «٢» فى دار امرأة تعرف بأمّ هانىء فى التاريخ المذكور، وهو سنة ١٩٣، بعد وفاة الإمام الليث بثمانى عشرة سنة «٣» . وكان بجوار هذه الدار امرأة يهودية لها ابنة مقعدة، فأرادت «٤» الأم أن تتوجّه إلى الحمّام، فقالت لها: يا بنيّتى، ما أصنع فى أمرك؟ هل لك أنّ نحملك معنا إلى الحمّام؟ قالت [البنت] «٥» : يا أمّاه، اجعلينى عند هذه الشريفة التى بجوارنا حتى تعودى. فجاءت أمّها إلى السيدة نفيسة، وسألتها واستأذنتها فى ذلك «٦» ، فأذنت لها، فأتت بها إليها، ووضعتها فى جانب البيت، ومضت، فجاء وقت صلاة الظهر، فقامت السيدة نفيسة فتوضّأت إلى جانب الصبية، فجرى الماء إليها «٧» ، فألهمها الله تعالى أن أخذت من ماء الوضوء وجعلت تمرّ به على أعضائها، فشفيت «٨» بإذن الله تعالى، وقامت تمشى كأن لم يكن بها شىء، فلما جاء أهلها خرجت إليهم تمشى، فسألوها عن شأنها، فأخبرتهم، فأسلموا.
стр. 189
وفى رواية أخرى، على صفة أخرى، وهى: أنّ الصّبيّة لمّا أن تمسّحت بماء السيدة نفيسة، رضى الله عنها، قامت تمشى كأن لم يكن بها شىء من الأمراض، هذا والسيدة [نفيسة] مشغولة بالصلاة لم تعلم بما جرى، ثم أنّ البنت لمّا سمعت «١» بمجيء أمّها من الحمّام خرجت من دار السيدة نفيسة حتى أتت إلى دار أمها، فطرقت الباب، فخرجت الأم لتنظر من يطرق الباب، فبادرت البنت واعتنقت أمها، [فلم تعرفها] «٢» وقالت لها: من أنت؟! قالت: أنا بنتك.. قالت لها: وكيف قصّتك؟ فأخبرتها بما فعلت، فبكت الأم بكاء شديدا وقالت: والله هذا [هو] «٣» الدين الصحيح.. ثم دخلت إلى السيدة نفيسة، وأقبلت تقبّل قدمها وقالت: مدّى يديك، فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ جدّك محمدا «٤» رسول الله.. فشكرت السيدة [نفيسة] لها ذلك، وحمدت الحق- الذي أنقذها من الضّلال.. ثم مضت المرأة إلى منزلها، فلما حضر أبو البنت- وكان اسمه أيّوب، ولقبه صابرا، وكنيته أبا السّرايا «٥» ، وكان من أعيان قومه- ورأى ابنته على تلك الحالة، ذهل، وطار عقله من الفرح، وقال لامرأته: كيف الخبر والقصة؟! فأخبرته بقصتها مع السيدة [نفيسة] .. فرفع اليهودى طرفه إلى السماء وقال: سبحانك، هديت من شئت، وأضللت من شئت.. هذا والله هو الدّين الصحيح، ولا دين غير دين الإسلام.. ثم أتى إلى باب السيدة [نفيسة] ومرّغ خدّيه على عتبة بابها ونادى: يا سيدتى، ارحمى واشفعى فيمن هو فى ضلال الكفر «٦» قد تاه، ومن دينه قد أبعده وأقصاه.. فرفعت طرفها إلى السماء ودعت له بالهداية، فأسلم ونطق بالشهادتين.
стр. 190
ثم شاع خبر البنت، وخبر إسلام أمها وأبيها وجماعتهم، فأسلم فى هذه الواقعة ما يزيد على سبعين «١» من اليهود، وهم أهل تلك الحارة.
ثم إنّها خرجت من «المصاصة» «٢» إلى درب الكوريين فى دار أبى السرايا أيوب.. قال الحسن بن زولاق: ولمّا شاعت هذه الكرامة بين [الناس] «٣» لم يبق أحد إلّا قصد زيارة السيدة نفيسة، وعظم الأمر، وكثر الخلق على بابها، فطلبت عند ذلك الرحيل إلى بلاد الحجاز عند أهلها، فشق ذلك على أهل مصر، فسألوها فى الإقامة فأبت ذلك، فاجتمع أهل مصر ودخلوا على السّرىّ بن الحكم أمير مصر وأخبروه أنها عزمت على الرحيل، فاشتد ذلك عليه، وبعث لها كتابا ورسولا يأمرها بالرجوع عمّا عزمت عليه، فأبت، فركب بنفسه وأتى إليها، وسألها فى الإقامة، فقالت: إنى كنت نويت الإقامة عندكم، وإنى امرأة ضعيفة، والناس قد كثروا على الإتيان إلىّ وشغلونى عن عبادتى «٤» وجمع زادى لمعادى، ومكانى هذا صغير وضاق بهذا الجمع الكثيف.. فقال لها السّرىّ: إنى سأزيل عنك جميع ما شكوتيه.. وأمهّد لك الأمر على ما ترتضينه «٥» ، أمّا ضيق المكان فإن لى دارا واسعة بدرب السباع، وأشهد الله أنى قد وهبتها لك، وأسألك أن تقبليها منى ولا تخجلينى بالردّ علىّ.. قالت:
قد قبلتها منك.. ففرح السّرىّ بقبولها منه، فقالت: كيف [أصنع] «٦» بهذه الجموع الوافدين علىّ؟: قال: تقرّرين «٧» معهم أن يكون لهم يومان فى الجمعة، وباقى أيامك تتفرغين «٨» لخدمة مولاك.. اجعلى يوم السبت
стр. 191
والأربعاء.. ففعلت ذلك فى حال حياتها، واستمر الأمر على ذلك إلى أن توفيت بهذا المكان- على ما سيأتى ذكره فيه.
من كرامات السيدة نفيسة «١» :
وكراماتها كثيرة، ومن كراماتها ما حكاه سعد بن الحسن، قال: توقّف النيل فى زمانها إلى حين وقت الوفاء، فجاء الناس إليها وسألوها الدعاء، فأعطتهم قناعها، فجاءوا به إلى البحر وطرحوه فيه، فما رجعوا حتى، وفى «٢» البحر، وزاد على ذلك زيادة كثيرة ببركاتها.
وكان كلما نزل بالناس أمر جاءوا إليها وسألوها الدعاء، فيكشف الله عنهم ذلك البلاء.. وكان الناس يزدحمون عندها، فلما رأى ذلك زوجها قال لها: ارحلى بنا إلى الحجاز.. فقالت لا أستطيع، لأنى رأيت رسول الله ﷺ فى المنام، وقال لى: لا ترحلى من «مصر» ، فإن الله متوفّيك بها.. ففى ذلك دلالة أنها ما أقامت بمصر إلّا بإشارة النّبيّ ﷺ ، وعلى جميع المرسلين والأنبياء والأولياء.
قال القضاعىّ، رحمه الله تعالى: قلت لزينب «٣» بنت أخى السيدة نفيسة، رضى الله عنهم: ما كان قوت عمتك؟ قالت: كانت تأكل فى كل ثلاثة أيام أكلة. وكانت لها سلّة معلّقة أمام مصلّاها، وكانت كلما طلبت شيئا للأكل وجدته فى تلك السّلة، وكانت لا تأكل لأحد شيئا «٤» غير زوجها،
стр. 192
فالحمد لله الذي جعل لها نصيبا ممّا حصل للسيدة «مريم» ابنة عمران، فإن الله تعالى قال فى كتابه المبين حاكيا عنها: كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً، قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا، قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
«١» .. وقد فعل الله ذلك بالسيدة نفيسة كما فعل ذلك بالسيدة مريم، صلوات الله عليهما.
وما أحسن قول بعضهم «٢» :
بتقوى الإله نجا من نجا ... وصار بذاك إلى ما رجا
ومن يتّق الله يجعل له ... كما قال من أمره مخرجا
ويرزقه حيث لا يحتسب ... وإن ضاق أمر به فرّجا
وإن كان فيما مضى مذنبا ... فعفو الإله غدا يرتجى
كيف لا يكون لها ذلك وهى البضعة الشريفة المحبوبة، صلّى الله على روح جدها وعليها.
وما أحسن ما قال بعضهم:
إليكم كلّ مكرمة تئول ... إذا ما قيل جدّكم الرّسول «٣»
أبوكم خير من ركب المطايا ... وأمّكم المعظّمة البتول «٤»
إذا افتخر الأنام بمدح قوم ... بخدمتكم تشرّف جبرئيل «٥»
ومن كراماتها أنّ امرأة عجوزا «٦» كان لها أربع بنات أيتام كنّ يتقوّتن
стр. 193
من غزلهنّ «١» من الجمعة إلى الجمعة، وفى آخرها تأخذ العجوز الغزل وتمضى به إلى السوق وتبيعه، وتشترى منه «٢» كتّانا، وممّا فضل تشترى ما يتقوّتن «٣» به من الجمعة إلى مثلها.. فأخذت العجوز الغزل فى خرقة حمراء وذهبت به إلى السّوق على عادتها، فبينما هى فى أثناء الطريق إذا بطائر انقضّ على الخرقة الحمراء التى فيها الغزل واختطفها من العجوز، فسقطت العجوز إلى الأرض مغشيا عليها «٤» ، فلما أفاقت قالت: كيف أصنع بأيتام ضعفاء قد أجهدهم الجوع والفقر «٥» ؟! وشكت، فاجتمع عليها الناس وسألوها عن خبرها، فأخبرتهم بالقصة، وكانت قريبة من منزل السيدة نفيسة فدلّها الناس «٦» عليها وقالوا لها: امضى إليها واسأليها الدعاء، فإن الله يزيل عنك ما تجدينه من الهمّ.. فلما جاءت إلى السيدة [نفيسة] «٧» أخبرتها بما جرى لها مع الطير، وبكت، وسألتها الدعاء، فرحمتها السيدة [نفيسة] رضى الله عنها، ورفعت رأسها إلى السماء وقالت: اللهمّ يا من علا «٨» فاقتدر، وملك فقهر، اجبر «٩» من أمتك هذه ما انكسر، فإنها هى وأطفالها عيالك.. ثم قالت: اقعدى على الباب، فإن الله على كل شىء قدير.. فقعدت المرأة عند الباب وفى قلبها لهيب النار على الأطفال، فما كان إلّا أن جلست ساعة يسيرة، وإذا بجماعة
стр. 194
قد أقبلوا واستأذنوا عليها «١» ، فأذنت لهم، فدخلوا وسلّموا عليها، وقالوا لها:
قد جئناك لنخبرك بأمر عجيب، نحن قوم تجّار، لنا مدة فى السفر فى البحر، ونحن بحمد الله سالمون «٢» آمنون، فلما وصلنا إلى هذه البلدة انفتحت المركب ودخلها الماء وأشرفنا على الغرق، وجعلنا نسدّ المكان المنفتح، وبقيت قطعة صغيرة لم نجد لها ما نسدها به، فاستغثنا بك، فجاء طائر كأنه حدأة، وألقى علينا خرقة حمراء فيها غزل، فأخذناه ووضعناه فى المكان المفتوح، فسدّه بإذن الله تعالى، وقد جئناك بخمسمائة درهم شكرا لله تعالى على السلامة.. فلما سمعت السيدة [نفيسة] «٣» كلامهم بكت وقالت: إلهى، ما أرأفك وما ألطفك بعبادك!! ثم دعت «٤» العجوز وقالت لها: بكم تبيعين «٥» غزلك فى كل جمعة؟ قالت: بعشرين درهما.. فقالت لها:
أبشرى، فإنّ الله تعالى ضاعف لك الثمن أضعافا.. ثم أخبرتها بالقصة وأعطتها الدراهم، فأخذتها «٦» المرأة وجاءت إلى بناتها وأخبرتهن «٧» بما جرى لها، وكيف ردّ الله لهفتها ببركة هذه السيدة، رضى الله عنها، ونفع ببركاتها.
ومن كراماتها أنّ رجلا من أهل المعافر تزوّج بامرأة ذمّيّة فجاء منها بولد، فأسر فى بلاد العدوّ، فأخذت المرأة تكد فى البحث عنه، حتى أعياها الأمر «٨» ، فقالت لزوجها: بلغنى أنّ بين أظهرنا امرأة يقال لها نفيسة بنت الحسن، اذهب إليها لعلّها تدعو لولدى، فإذا جاء آمنت بدينها.. فجاء «٩»
стр. 195
الرجل إلى السيدة نفيسة وقص عليها القصة.. فدعت له أن يردّه الله تعالى عليه «١» .. فلما كان الليل إذا بالباب يطرق، فخرجت المرأة فوجدت ولدها واقفا بالباب [فصاحت من فرحتها واحتضت ولدها ودموع الفرح تسيل على وجنتيها.. وبعد أن فرح الجميع بهذا الجمع سألته أمّه عن أمره] «٢» فقالت له: يا بنىّ، أخبرنى بأمرك كيف كان؟ فقال: يا أمّاه، كنت واقفا [على باب المعتقل] «٣» فى الوقت الفلانى- وهو الوقت الذي دعت فيه السيدة نفيسة له- فى خدمتى، فلم أشعر إلّا ويد وقعت على القيد، وسمعت من يقول: أطلقوه، فقد شفعت فيه السيدة نفيسة بنت الحسن. فأطلقت من الغل والقيد، ثم لم أشعر بنفسى إلّا وأنا داخل من رأس محلتنا إلى أن وقفت على الباب.. ففرحت الأمّ، وشاعت هذه الكرامة، فأسلم فى تلك الليلة أهل سبعين دارا ببركتها، وأسلمت أمه ووهبت نفسها لخدمة السيدة نفيسة- رضى الله عنها «٤» .
وحكى بعض المشايخ أنه كان فى زمنها أمير، وكان الغالب على أحواله الظلم، وأنه طلب إنسانا ليعذبه ظلما، فقبض على الرّجل أعوان الأمير، فبينما هو سائر معهم إذ مرّ على السيدة [نفيسة] «٥» فاستجار بها، فدعت له بالخلاص، وقالت له: حجب الله عنك أبصار الظالمين.. فمضى ذلك الرجل حتى وقف بين يدى الأمير، فلم يره الأمير، فقال لأعوانه: أين فلان «٦» ؟
стр. 196
قالوا: إنه واقف بين يديك.. فقال الأمير: والله ما أراه!! فقالوا له: إنه مرّ بالسيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد، رضى الله عنها، وسألها الدعاء، فقالت:
حجب الله عنك أبصار الظالمين!! فقال: أو بلغ «١» من ظلمى هذا يا رب، إنى تائب إليك.. ثم بكى «٢» واستغفر.. فلما تاب ونصح فى توبته وأخلص فى نيته إذا به يرى الرجل «٣» وهو واقف بين يديه، فدعاه، وقبّل رأسه، وألبسه أثوابا سنية، وصرفه من عنده شاكرا، ثم إنه جمع ماله وتصدّق ببعضه على الفقراء والمساكين.. وذهب إلى السيدة [نفيسة] «٤» رضى الله عنها ومعه مائة ألف درهم وقال: خذى هذا المال «٥» شكرا لله تعالى بتوبتى.. فأخذته وصرّته صررا بين يديها، وفرّقته عن آخره «٦» .. وكان عندها بعض النساء «٧» ، فقالت لها: يا سيدتى، لو تركت لنا شيئا «٨» من هذه الدراهم لنشترى به شيئا نفطر عليه!! فقالت لها: خذى غزل يدى بيعيه بشىء نفطر عليه.. فذهبت المرأة وباعت الغزل، وجاءت لها بما أفطرت به هى وإيّاها، ولم تأخذ من المال شيئا «٨» .
الإمام الشافعى والسيدة نفيسة وصحة تاريخ رابعة العدوية «٩» :
وحكى صاحب كتاب المشرق فى تاريخ المشرق أنّ «الشافعى» سمع منها الحديث.. وقيل إنه كان مع جلالة قدره كان يأتى إليها ويسألها الدعاء..
стр. 197
وسماع الشافعى منها الحديث وهو «١» الصحيح، خلافا لمن قال إنه قرأ عليها- وهو صاحب التحفة الأنيسة. وكان إذا أتى لزيارتها هو أو صحابه تأدّبوا معها غاية التّأدّب، وكذلك كان الشيخ الإمام العالم سفيان الثورى مع السيدة رابعة «٢» العدوية، رضى الله عنها، لمّا كان يتردد إليها لسماع كلامها.. وقد ادّعى قوم أنّ رابعة العدوية والسيدة نفيسة، رضى الله عنهما [كانتا] «٣» متعاصرتين، وليس الأمر كذلك، فإن السيدة رابعة، رضى الله عنها، أم الخير ابنة إسماعيل المصرى، وقيل البصرى، توفيت سنة ١٣٥ هـ فى خلافة السّفّاح، وكان مولد «٤» السيدة نفيسة رضى الله عنها فى سنة ١٤٥ هـ، فبين مولد السيدة نفيسة «٥» رضى الله عنها، ووفاة رابعة عشر «٦» سنين، فبطل قول المدّعى ذلك.
واسم «رابعة» كثير، غير أنّ الأعيان منهن ثلاثة «٧» : رابعة العدوية هذه، والثانية رابعة ابنة إسماعيل الدمشقية القدسية، وقد شاركت الأولى فى اسمها واسم أبيها، والثالثة رابعة بنت إبراهيم بن عبد الله «٨» البغدادية، وتسمى رابعة بغداد.. وقبر رابعة العدوية رضى الله عنها فى البصرة معروف هناك مشهور.. ورابعة الدمشقية توفيت بالقدس، ودفنت على رأس جبل هناك بالطور «٩» ، وإنما عرفت بالقدسية لدفنها هناك، وأكثر العامة يظنون أنه قبر رابعة العدوية، فليعلم ذلك.. ورابعة البغدادية دفنت فى بغداد، وكانت وفاتها يوم الأحد، حادى عشر شهر ذى القعدة سنة ٥١٨ هـ.
стр. 198
انعطاف «١» :
وكان الشافعى رضى الله عنه إذا مرض يرسل لها- أى السيدة نفيسة رضى الله عنها- إنسانا من تلاميذه «٢» كالربيع الجيزى، والربيع المرادى، وغيرهما، فيسلم المرسل عليها ويقول لها: إنّ ابن عمك الشافعى مريض ويسألك الدعاء.. فتدعو له، فلا يرجع له القاصد إلّا وقد عوفى من مرضه.. فلما مرض «٣» مرضه الذي مات فيه أرسل لها على جارى العادة يلتمس منها الدعاء.. فقالت للقاصد: «متّعه الله بالنظر إلى وجهه الكريم» .. فجاء القاصد له، فرآه الشافعى فقال: ما قالت لك؟ قال: قالت لى كيت وكيت: فعلم أنه ميت، فأوصى- وسيأتى ذكر وصيته عند ذكر قبره، رضى الله عنه- وأوصى أن تصلّى على جسده، فلما مات فى سنة ٢٠٤ هـ كما هو مشهور، مرّوا به على بيتها، فصلّت عليه مأمومة، وكان الذي صلّى عليه بها إماما أبا يعقوب «٤» البويطى، أحد أصحاب الشافعى، رضى الله عنه.. وكان جواز نعش الشافعى رضى الله عنه على بيتها بأمر السّرى الأمير، والله أعلم ذكر ذلك، لأنها سألته فى ذلك إنفاذا لوصية الشافعى، لأنها كانت لا تستطيع الخروج إلى جنازته لضعفها عن الحركة من كثرة العبادة.
وقد قال بعض الصالحين ممّن حضر جنازة الإمام الشافعى: سمعت بعد انقضاء الصّلاتين أن الله غفر لكل من صلّى على الشّافعى بالشّافعى.. وغفر للشافعى بصلاة السيدة نفيسة عليه، رضى الله تعالى عنها، ونفع ببركاتها (آمين) .
стр. 199
ذكر وفاتها- رضى الله عنها- وما وقع من الكرامات بعد وفاتها، ومن رأى قبرها من الأولياء والصلحاء والعلماء والفقهاء والأعيان- رضى الله عنهم ونفع ببركاتهم فى الدنيا والآخرة:
قال القضاعى، رضى الله عنه، ولما ذكر آنفا: إنّ السيدة [نفيسة] «١» انتقلت عن المنزل الذي كانت تنزل به إلى دار أبى جعفر خالد ابن هارون السلمى، وهى الدار التى «٢» وهبها لها أمير مصر السّرىّ بن الحكم فى خلافة المأمون، وأقامت بهذه الدار إلى حين وفاتها، بعد أن حفرت قبرها بيدها، وقرأت فيه ألفى ختمة، وقيل: ألفا «٣» وتسعمائة ختمة.
قالت زينب بنت أخيها: تألّمت عمّتى فى أول يوم من رجب، وكتبت إلى زوجها إسحاق المؤتمن كتابا، وكان غائبا بالمدينة، تأمره بالمجىء إليها، وما زالت «٤» كذلك إلى أن كان أول جمعة من شهر رمضان زاد بها الألم وهى صائمة، فدخل عليها الأطباء الحذّاق وأشاروا بأسرهم «٥» عليها أن تفطر لحفظ القوة، لما رأوا من الضعف الذي أصابها، فقالت: وا عجبا! لى ثلاثون «٦» سنة أسأل «٧» الله أن يتوفّانى وأنا صائمة وأفطر؟! معاذ الله تعالى- ثم أنشدت عند ذلك «٨» :
стр. 200
اصرفوا عنّى طبيبى ... ودعونى وحبيبى
زاد بى شوقى إليه ... وغرامى فى لهيب «١»
طاب هتكى فى هواه ... بين واش ورقيب «٢»
لا أبالى بفوات ... حيث قد صار نصيبى «٣»
ليس من لام بعذل ... عنه فيه بمصيب
جسدى راض بسقمى ... وجفونى بنحيبى
قلت: ومن الناس من يروى هذه الأبيات لمحمد بن إبراهيم بن ثابت بن فرج الكيزانى الشيعى، الذي دفن بقبّة الشافعى قبل بنائها، ونقل فى زمن البناء إلى مشهد بالقرب من «تربة» أبى الفضل بن الفرات الوزير.. والله أعلم.
انعطاف:
ثم إنها بقيت كذلك إلى العشر الأواسط «٤» من شهر رمضان، فاشتدّ بها المرض واحتضرت «٥» ، فاستفتحت بقراءة سورة الأنعام، فما زالت «٦» تقرأ إلى أن وصلت إلى قوله تعالى:.. قُلْ لِلَّهِ، كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
«٧» ففاضت روحها الكريمة.. وقيل: إنها قرأت: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
«٨» فغشى عليها.. قالت زينب: «فضممتها إلى
стр. 201
صدرى، فشهدت شهادة الحق، وقبضت- رضى الله عنها- سنة ٢٠٨ هـ وذلك بعد موت الشافعى بأربع سنين» .. حكى ذلك عن البويطى.
وما أحسن ما قال بعضهم فى خروج روحها- رضى الله تعالى عنها:
روح دعاها للوصال حبيبها ... فأتت إليه مطيعة ومجيبة
يا مدّعى صدق المحبّة هكذا ... فعل المحبّ إذا دعاه حبيبه «١»
وأوصت السيدة [نفيسة] «٢» رضى الله عنها ألّا يتولى أمرها غير بعلها- وكان مسافرا كما قدمنا- فلما ماتت قدم فى ذلك اليوم، فلما قدم اجتمعت الناس من البلدان والقرى، وأوقدت الشموع فى تلك الليلة، وسمع البكاء من كل دار بمصر، وهيّأ لها بعلها تابوتا وقال: لا أدفنها إلّا بالبقيع عند جدها..
فتعلّق به أهل مصر وسألوه بالله أن يدفنها عندهم، فأبى، فاجتمعوا وجاءوا إلى أمير البلد وتوسّلوا به إليه ليدفنها عندهم وليرجع عمّا أراده.. فسأله الأمير «٣» فى ذلك وقال له: بالله لا تحرمنا مشاهدة قبرها، فإنّا كنّا إذا نزل بنا أمر «٤» أتينا إلى دارها وهى حيّة فنسألها الدعاء، فإذا دعت لنا رفع عنا ما نزل بنا، فدعها تكون فى أرضنا، إذا نزل بنا أمر أتينا إلى قبرها، فنسأل الله عنده. فلم يرض «٥» ، فجمعوا له مالا كثيرا، وسق «٦» بعيره الذي أتى
стр. 202
عليه، وسألوه، فأبى، فباتوا منه فى ألم عظيم، وتركوا المال عنده، فلمّا أصبحوا جاءوا إليه فوجدوا منه ما لم يروه من قبل، فإنهم لمّا قدموا أنعم عليهم «١» بدفنها وردّ عليهم المال، فسألوه عن ذلك، فقال لهم: رأيت رسول الله ﷺ فى المنام وقال لى: «ردّ على الناس أموالهم وادفنها عندهم» .. ففرحوا بذلك، وصلّوا على رسول الله ﷺ كثيرا.
ثم إنه دفنها بمنزلها المذكور آنفا بدرب السباع بين مصر والقاهرة، وكان يوما مشهودا، وازدحمت الناس فيه ازدحاما عظيما، وجعل الناس يأتون إلى قبرها من البلاد البعيدة، ويصلّون عليه، وصلّى عليه جماعة من علماء مصر وعوامها ورؤسائها.. وخرج زوجها رضى الله عند بعد أيّام قلائل ومعه ولداه «٢» منها- القاسم وأم كلثوم- إلى المدينة، وماتوا بها، وفيهم خلاف- أعنى الثلاثة- فى دفنهم بالبقيع، وليس فى قبر السيدة [نفيسة] «٣» رضى الله عنها خلاف.. ذكر ذلك الشريف أبو إسحاق إبراهيم بن بللوه النّسّابة، والشريف محمد بن الأسعد بن على الحسينى النسابة.
قال القضاعى- رحمه الله تعالى: أقامت السيدة نفيسة بمصر سبع سنين «٤» ، وحفرت قبرها بيدها فى البيت الذي كانت قاطنة به، وهو المشهد، ولعلها لم تفعل ذلك- يعنى حفر القبر- إلا بأمر النبي، ﷺ ، ولولا ذلك
стр. 203
لما رأى زوجها «١» ، وربما يفهم ذلك من قوله «٢» : «إنّ الله متوفّيك بمصر» كما قدّمناه آنفا، ولم يخالف ذلك «٣» أحد من المؤرخين إلّا من ليس له معرفة بالتاريخ، وجاهل لا يحسن ذلك.. ومن قال إنها «٤» بالمسجد الذي بالمراغة فهو جهل من قائله.. فالمدفونة بذلك المكان هى «٥» السيدة نفيسة بنت زيد الأبلج ابن حسن السبط «٦» ، عمّة السيدة نفيسة أخت أبيها الحسن، فإنها دخلت إلى مصر قبلها، وكانت تحت الوليد بن عبد الملك بن مروان «٧» ، ودخولها إلى مصر مشهور، ولكن مختلف فى دفنها: هل هى هاهنا أو بالشام؟ ولعلّها «٨» هاهنا، فلم يرد فى كتاب خروجها من مصر بعد دخولها.. فلعلّها توفيت «٩» بمصر ودفنت بهذا المشهد الذي بالمراغة.. وكانت من الصالحات، وتوفيت قبل وفاة «١٠» بنت أخيها- رحمهم الله تعالى.
انعطاف:
قال بعض المؤرخين: لمّا حفرت السيدة نفيسة- المذكورة آنفا- قبرها بعد عمتها، كانت تنزل إليه ليلا ونهارا وتصلّى فيه، وقيل «١١» إنها قرأت فيه ستة آلاف ختمة، والصحيح ما ذكر سابقا.
стр. 204
وقال بعض العلماء الأكابر من المتأخرين- وهو الشيخ كمال الدين الدميرى، وكان عالما بفنون كثيرة عديدة، منها فن التاريخ، وأسماء الصحابة، وأهل البيت، وكان عالما بالأنساب: إنّ السيدة نفيسة كانت أمّيّة لا تقرأ شيئا، إلّا أنها كانت سمعت الحديث كثيرا. وكانت من أهل الخير والصلاح، وكانت فى آخر عمرها إذا عجزت عن الصلاة قائمة صلّت قاعدة، وذلك من كثرة القيام والصيام وضعف قواها.
بعض من زار قبرها من الأولياء والعلماء والفقهاء والصالحين «١» :
وزار قبرها جماعة من الأولياء والصّلحاء والعلماء، ومشايخ الرسالة، ولم يذكر أحدهم هذا القبر.
وممّن زارها بهذا المشهد فى حياتها وبعد وفاتها الأستاذ الأكبر أبو الفيض ثوبان ذو النون بن إبراهيم المصرى الإخميمى، أحد رجال الطريقة المعتبرين، وأبو الحسن الدّينورى، وأبو على الرّوذبارى، وأبو بكر أحمد بن نصر الزّقّاق، وبنان بن محمد بن أحمد بن سعيد الحمال الواسطى، وشقران بن عبد الله المغربى، وإدريس بن يحيى الخولانى، والمفضل بن فضالة، وبكّار بن قتيبة، والإمام إسماعيل المزنى، وعبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع المصرى، وولداه الإمام محمد، صاحب تاريخ مصر، وأخوه عبد الرحمن، والإمام أبو يعقوب البويطى، والربيع بن سليمان المرادى، وحرملة بن يحيى التجيبى الشافعى، ويونس بن عبد الأعلى الصدفى، والفقيه عبد الله بن وهب ابن أبى مسلم «٢» القرشى المالكى، وأبو جعفر بن محمد بن عبد الملك بن
стр. 205
سلامة الطحاوى، والإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقى المالكى الزاهد، والحسين ابن بشرى بن سعيد الجوهرى، المتكلم على الخاطر، وأبو جعفر النحوى المعروف بالنحاس المقرئ، وأبو بكر المعروف بالأدفوى، وأبو نصر سراج الدين الزاهد المعافرى، وأبو بكر الحداد، الفقيه الشافعى، صاحب الفروع فى الفقه، وأبو الحسن على الفقاعى «١» ، وابن هاشم المقرئ، وسحنون المالكى، وأبو القاسم حمزة بن محمد الكنانى، والإمام أبو الحجاج الأشبيلى، وأبو عبد الله ابن الوشاء، والإمام يوسف بن يعقوب اللغوى، وأبو الحسن على الكعكى «٢» ، وأبو سهل الهروى، والإمام اليمنى، والإمام الحافظ عبد الغنى بن سعيد الأزدى، وأبو عبد الله بن سلامة القضاعى، وأبو زكريا السخاوى «٣» ، وأبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبّال «٤» ، والإمام أبو الحسن بن الحسن الخلعى، وأبو الحسن الشيرازى، وأبو الحسين الخشاب، وأبو الحسن الفرّاء، وأبو صادق ابن مرشد المدنى، وسلطان بن رشا «٥» الشافعى، وأبو بكر محمد ابن داود الدّقّى القنالى، والفقيه بن مرزوق المالكى، والإمام ورش المقرئ، والفقيه الجليل عبد الله، وقيل عبد الرحمن بن عمر التجيبى، والفقيه أبو الحسن على بن إبراهيم الحوفى، صاحب التفسير، والفقيه طاهر بن بابشاذ النحوى «٦» ، والشيخ
стр. 206
أبو زكريا البخارى، والفقيه ابن الوردى، والفقيه أبو عبد الله التميمى، وابن نظيف المحدّث العالم الكبير، والفقيه العالم عبد القوى، وعبد الباقى بن فارس «١» المحدث، والفقيه عبد الله أبو محمد عبد الله بن داود الفارسى، والفقيه أبو الحسن الشيرازى، والشيخ المحدّث أبو القاسم اليحمودى «٢» ، والفقيه أبو المعالى الشافعى، والفقيه أبو عبد الله محمد المحدث، وأبو الحسن الكعكى «٣» ، وأبو القاسم بن الحباب، وأبو الطيب بن غلبون، وابن بنت أبى سعيد الأنصارى، وأبو المعالى على، وأبو محمد عبد الله بن رفاعة، وأبو الفضائل، ويونس بن محمد المقدسى، وأبو عبد الله الحموى النحوى، وأبو الحسن على الحضرى، وأبو طاهر «٤» السلفى الحافظ، وأبو العباس أحمد ابن الحظية اللخمى المالكى، وأبو الفوارس الجيزى الذي كان يختم القرآن فى ركعتى الفجر.
هذا من عرف من الأماثل الأعيان، وأمّا من لم يعرف فكثير.. قال «٥» السيد الشريف محمد بن أسعد الأنصارى: وأبو طاهر السلفى، والفقيه أبو عبد الله بن رفاعة السعدى، والفقيه والإمام ابن أبى الطيب، والشيخ أبو الحسن الحضرى، والفقيه أبو الفضل يونس بن محمد المقدسى إمام جامع عمرو، والفقيه أبو الحسن على بن الحسين الموصلى، والفقيه الحافظ أبو الحسن الشيرازى..
وقد تقدم ذكر هؤلاء الجماعة، غير أنّا قد أحببنا ذكر لفظ الشريف النّسّابة بتمامه وكماله.
стр. 207
وقد عرف هذا المكان «١» بإجابة الدعاء، كل ذلك مع الإخلاص، من غير رياء ولا سمعة، والله تعالى أعلم بالصواب.
ذكر كرامات ظهرت بعد وفاتها:
قال بعض المؤرخين: كان رجل بمصر يسمّى عفان بن سليمان المصرى، قد وجد فى داره مالا مدفونا، فصار عفّان هذا يتصدّق من المال على الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام- كما سيأتى فى ترجمة المذكور فى آخر الكتاب- وأمعن فى الصدقة حتى كان لا ينام كل ليلة حتى يطعم خمسمائة بيت من أهل مصر «٢» ، وكان يلقى الحاج «٣» فى كل عام من العقبة، ويحمل المنقطع [منهم] «٤» ، واشترى أحمد بن سهل بن أحمد أمير مصر ألف حمل برّ، فاشتراها عفّان منه، فلما كان بعد أيام قلائل وقع غلاء «٥» بمصر، فزاد ثمن البرّ أضعافا، فقال البائع الأول: تبيعنى هذا الذي اشتريته بهذا السعر الآن «٦» . فقال له عفّان: لا أفعل ذلك.. ثم خرج عفان من داره وجلس على الباب، فجاء إليه الناس وقالوا: انظر ما الناس فيه «٧» ومهما طلبت فى البرّ الذي عندك من ثمن «٨» أعطيناك.. فقال لهم: لا والله، إنما أدّخر الثمن عند الله تعالى.. وفرّق ذلك على الفقراء والأرامل، فبلغ ذلك «تكين» «٩»
стр. 208
أمير مصر- وكان قد صال على أهل مصر حتى لقبوه بالجبّار، وشكاه أهل مصر إلى العارف بالله تعالى بنان بن محمد الحمّال الواسطى الواعظ، فدخل عليه ووعظه وقال: ارجع عن أهل مصر.. فلم يسمع، وأمر بإخراج بنان «١» إلى بلاد المغرب «٢» .. وشكاه أهل مصر إلى الشيخ العارف بالله تعالى أبى الحسن الدينورى، فدخل عليه ووعظه، فلم يرجع، وأمر بإخراجه من مصر إلى بيت المقدس.. وأمر «تكين» الجبار بأخذ أموال عفّان «٣» .. فلما بلغ ذلك عفان ذهب إلى السيد الشريف على بن عبد الله «٤» وقال له: يا سيدى أريد أن أخرج من مصر وأسكن غيرها من البلاد «٥» .. فقال له الشريف: «قم بنا إلى ضريح السيدة نفيسة وندعو الله عندها أن يشغل هذا الجبار عنك» .. فجاء عفّان والشريف «علىّ» إلى ضريح السيدة نفيسة، رضى الله عنها، وجلس عفّان من جانب، والشريف من جانب آخر، وقرأا شيئا من القرآن، وسألا الله تعالى أن يجعل ذلك واصلا إلى السيدة نفيسة، وأن يفرّج عن عفّان ما هو فيه من ضيق وكرب «٦» .. فأخذتهما سنة من النوم، فناما، فرأى السيد الشريف السيدة [نفيسة] وهى تقول له: «خذ عفان معك واذهب إلى تكين فقد قضيت حاجته» «٧» .. فلما استيقظ الشريف أخذ عفان معه، ودخلا على «تكين» .. فقام «تكين» إلى الشريف وهو يرعد «٨» ، وقد حمّ لوقته، وقال: رأيت
стр. 209
السيدة نفيسة وهى تقول لى: «يا تكين» أكرم الشريف «على» وارجع عن «عفان» فإنه استجار بنا.. فقال له الشريف: هذا «١» عفان بين يديك..
فقال «تكين» : «والله ما رأيته.. يا رب إنّى تائب» فتاب «تكين» من الظلم، وأخلص فى توبته.. فرأى عفان «٢» ، وقال: أنت عتيق السيدة نفيسة.. وتصدق «تكين» على الفقراء بمال كثير، وصار يحسن إلى أهل مصر ويقول: كل أهل مصر يخافوننى «٣» ، وأنا أخاف من دعوة عفان عند ضريح السيدة نفيسة- وقد أحسن «تكين» شأنه مع أهل مصر، ولازم زيارة مشهد السيدة نفيسة، رضى الله عنها، إلى أن توفى بمصر يوم السبت المبارك، لستة عشر خلون من شهر ربيع الأول سنة ٣٢١ وهو متولّ «٤» عليها، وأوصى أن يدفن ببيت المقدس، فحمل ودفن هناك، وترك ولده محمدا، فأقام على طريقة أبيه فى الإحسان.. وتوفى سيدى «عفّان» فى زمن ولايته فى سنة ٣٢٢ هـ ودفن فى طريق مصر بمكان معروف- رحمة الله عليه، ونفع ببركاته.
وحكى عن رجل اسمه أبو العز اليمانى قال: كنت فى قومى عزيزا، وكنت «٥» أكثرهم مالا وعملا وحسبا، فطالت علىّ النفس حتى صرت لها مطيعا، ونظرت إلى الخلق بعين الاحتقار، وأنستنى النفس القدوم على الملك الجبار، وشغلتنى عن عذاب النار، فذهب منى المال، ونقص منى العمل بالطاعة، التى هى أشرف بضاعة، وانخفض قدرى، واشتد كربى، وعزّانى الصديق، وفرح فّى الحسود، فقلت لصديق كان مشفقا علّى: يا أخى،
стр. 210
ما ترى فيما «١» نزل بى؟! فقال لى: عليك يا أخى أن تسأل الله بأوليائه الصالحين المقرّبين، عسى الله أن يذهب عنك هذا الأمر الذي قد نزل بك..
قال: فاعتزلت عن الناس «٢» فى مكان، فلما كنت فى بعض الليالى نائما متفكرا فى أمرى، وإذا بى «٣» أرى كأنى فى فضاء واسع «٤» ، ونور ساطع، تارة يظهر وتارة يختفى «٥» ، فأخذنى العجب من هذا النور الذي يظهر ويختفى «٦» ؟ فإذا أنا أسمع قائلا يقول لى: هذا نور السيدة نفيسة.. فقلت:
عسى الله أن يجمع بينى وبينها فأسألها «٧» الدعاء بزوال هذه الكربة.. فقيل لى: إنها ميتة.. فقلت: أغتنم بركة زيارتها.. فما أتممت القول حتى سمعت «٨» من يقول: أنا السيدة نفيسة يا فلان.. فارق نفسك.. فقلت: أنا فارقتها فرقة لا عودة لى إليها «٩» ، وإنى تائب إلى الله تعالى.. فقالت لى:
«قبلت التوبة إن شاء الله تعالى، وزالت الحوبة» .. فأصبحت فرحا بما رأيت فى منامى، وانصلح حالى بعد قليل، وزادنى الله أضعاف ما كنت فيه، كل ذلك ببركتها، رضى الله عنها.
وكان الأستاذ المكنى بأبى المسك بن عبد الله الإخشيدى «١٠» لا يدع
стр. 211
زيارة السيدة نفيسة، رضى الله عنها فى كل خميس، ويسأل الله عند ضريحها فى قضاء حوائج له، فتقضى له ببركتها.. وكان إذا قضيت حوائجه يوفى بنذرها، ويأتى بالمسك والزّعفران والطّيب والشمع والزيت والقناديل الفضية، وكان يحسن للخدّام كثيرا.. وكان إذا قصد زيارتها يترجّل حين ينظر الباب الأول من بعيد، ويدخل حاسر الرأس.. وبقى كذلك إلى أن توفى بمصر سنة ٣٥٧ هـ رحمة الله تعالى عليه.
وفضائل السيدة [نفيسة] «١» كثيرة، ومناقبها أكثر من أن تحصر، فالله تعالى ينفع ببركاتها فى الدنيا والآخرة، بجاه سيد المرسلين محمد، صلّى الله [عليه] «٢» وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أدعية الزيارة وآدابها «٣» :
ومما ينبغى للزائر إذا دخل إلى ضريحها أن يقول: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ
«٤» .. إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«٥» اللهم إنك قد ندبتنى «٦» إلى أمر قد فهمته وقلته وسمعته وأطعته واعتقدته وجعلته أجرا «٧» لنبيك، ﷺ ، إذ هديتنا به إليك، ودللتنا به عليك، وكان كما قلت: بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً
«٨» .. حبيب
стр. 212
إليه ما هديتنا، عزيز عليه ما عنتنا «١» وتلك الفريضة التى سألتها له [وهى المودّة] »
فى القربى، اللهمّ إنى مؤدّيها بلسانى، معتقدها بقلبى، ساع إليها بقدمى، راج للنفع بها فى دنياى وأخراى «٣» ، متوسّل إليك بها يوم انقطاع الأسباب والأنساب سببا ونسبا، وصلّ «٤» على نبيك، ﷺ .
اللهم فهأنذا «٥» نازل بفنائهم، متقرب إليك بولائهم، متذرع «٦» بالطاهرين والطاهرات من نسائهم.. اللهم زدهم شرفا وتعظيما، شرّفهم شرفا حادثا وقديما، وهب لنا من زيارتهم مغفرة وأجرا عظيما.. السلام عليكم يا آل بيت المصطفى، يا بنى فاطمة الزهراء، يا بنى على المرتضى، يا بنى الحسن والحسين، أهل النبي، أنتم القوم لا يحرم من خيركم إلّا محروم، ولا يطرد عن بابكم إلّا مطرود، ولا يواليكم إلّا تقىّ، ولا يعاديكم «٧» إلّا شقى.. اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، وعلى أصحاب محمد، وعلى أزواج محمد، وعلى ذرّيّة محمد، وأنلنى ما رجوت بهم، وبلّغنى ما أمّلت فيهم، وأعد علىّ من بركات السفر إليهم، وهوّن علىّ موقفى بين يديك بالوقوف بين أيديهم..
وتدعو بحاجتك من أمر الدنيا والآخرة.
وكان من دعاء بعض السلف عند ضريح السيدة نفيسة- رضوان الله عليها- عند زيارتها يقول: السلام والتحية، والإكرام والرضوان من العلىّ الأعلى الرحمن، على السيدة نفيسة، الطاهرة المطهرة، سلالة نبى الرحمة، وشفيع
стр. 213
الأمّة، خير الأنبياء البررة، وابنة علم العشيرة «١» الإمام حيدرة.. السلام عليك يا بنت الإمام الحسن المسموم، أخى الإمام الحسين الشهيد المظلوم.. السلام عليك يا بنت فاطمة الزهراء، وسلالة خديجة الكبرى، رضى الله عنك وعن أبيك وجدّك وعمّك وابنك، وحشرنا فى زمرتهم «٢» أجمعين.. اللهم بما كان بينك وبين جدّها محمد رسولك ليلة المعراج، اجعل لنا من همّنا الذي نزل بنا باب انفراج، واقض حوائجى- وإنّ كانوا جمعا يقولوا: واقض حوائجنا فى الدنيا والآخرة بمحمد وآله وصحبه أجمعين.
وكان بعض السلف يقول أيضا: السلام والتحية والإكرام على أهل بيت النبوة والرسالة.. السلام عليك يا بنت حسن الأنور بن زيد الأبلج بن الحسن «٣» السبط ابن الإمام على بن أبى طالب.. السلام عليك يا بنت فاطمة الزهراء، ويا سلالة خديجة الكبرى.. أنتم يا أهل البيت غياث لكل قوم فى اليقظة والنوم، فلا يحرم من فضلكم إلّا محروم، ولا يطرد عن بابكم إلّا مطرود، ولا يواليكم إلّا مؤمن تقى، ولا يعاديكم إلّا منافق شقى.. اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله، وأعطنى خير ما رجوت بهم، وبلّغنى خير ما أملت فيهم، واحفظنى بذلك فى دينى ودنياى وآخرتى، إنك على كل شىء قدير.
ثم تقول «٤» :
يا بنى الزّهراء والنور الذي ... ظنّ موسى أنه نار قبس «٥»
لا أوالى قطّ من عاداكمو ... إنه آخر سطر فى عبس «٦»
стр. 214
وقد مدح بعض الفضلاء، رضى الله عنهم، هذه السيدة، رضى الله عنها بأعظم الرضوان، وعن سائر أهل البيت الطاهرين بأبيات أحببنا ذكرها هاهنا، فقال رضى الله عنه «١» :
يا من له فى الكون من حاجة ... عليك بالسيدة الطاهره
نفيسة والمصطفى جدها ... أسرارها بين الورى ظاهره
فى الشرق والغرب لها شهرة ... أنوارها ساطعة باهره «٢»
كم من كرامات لها قد بدت ... وكم مقامات لها فاخره
بنفسها قد حفرت قبرها ... حال جاءت يالها حافره
حجّت ثلاثينا على رجلها ... صائمة عن أكلها قاصره
كانت تصلى وتقوم الدّجا ... دوما على أقدامها ساهره
عابدة زاهدة جامعة ... للخير فى الدنيا وفى الآخرة
[تتلو كتاب الله فى لحدها ... وهى لمن قد زارها ناظره] «٣»
فى كل قطر قد سما ذكرها ... عاملة فائقة ماهره «٤»
يسقى بها الغيث إذا ما القرى ... قد أجدبت من سحبها الماطره «٥»
والناس قد عاشوا بها فى صفا ... عيش بأيام لها زاهره
والشافعى قد كان يأتى لها ... سعيا إلى دارها العامره «٦»
يرجو بأن تدعو له دعوة ... فيالها من دعوة وافره
صلّت عليه بعد موت وقد ... أوصى بهذا فهى له شاكره
стр. 215
سبحان من أعلى لها قدرها ... لأنها بين الورى نادره
يا حبذا سيدة شرفت ... بها أراضى مصر والقاهرة
ومن أحسن ما قال أبو الفضل بن الجوهرى «١» :
حبّ آل النّبيّ خالط عظمى ... وجرى فى مفاصلى فاعذرونى
وأنا- والله- مغرم بهواهم ... علّلونى بذكرهم علّلونى «٢»
وما أحسن [قول] بن الوردى- ناظم البهجة «٣» :
يا آل بيت النّبيّ من بذلت ... فى حبّكم روحه فما غبنا «٤»
من جاءكم يطلب الحديث له ... قولوا له البيت والحديث لنا «٥»
وقال بعض أهل الفضل، رضى الله عنهم «٦» :
لآل بيت رسول الله قد ظهرا ... فضل وشاع بفضل الله واشتهرا
محمد المصطفى والمرتضى بهما ... فخار كل شريف أصله ظهرا
وإنّ فاطمة الزهراء أمّهم ... وهى البتول التى جلّت على النّظرا
أهل العباد الكرام الخمسة النّجبا ... ما مثلهم فى جميع العالمين يرى
جبريل سادسهم فى نومهم وكذا ... فى ظلّ حضرتهم بالأنس قد حضرا
والبضعة الخيرة السّت المشار لها ... نفيسة القدر كم سرّ لها ظهرا
لها مقام علىّ القدر مرتفع ... بالذّكر والعلم والقرآن قد عمرا
لها رباط أمين ياله حرم ... يأوى المساكين والأيتام والفقرا
لها رواق تروق العين رؤيته ... يا ناظرين تملّوا فاز من نظرا
لها فخار وإجلال بنسبتها ... حسيبة، حسبها الفخر الذي اشتهرا
следующие страницы →