← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11789

مرشد الزوار الى قبور الابرار

زين الدين ابن الموفق

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

زيارة السيدة نفيسة، رضى الله عنها فى كل خميس، ويسأل الله عند ضريحها فى قضاء حوائج له، فتقضى له ببركتها.. وكان إذا قضيت حوائجه يوفى بنذرها، ويأتى بالمسك والزّعفران والطّيب والشمع والزيت والقناديل الفضية، وكان يحسن للخدّام كثيرا.. وكان إذا قصد زيارتها يترجّل حين ينظر الباب الأول من بعيد، ويدخل حاسر الرأس.. وبقى كذلك إلى أن توفى بمصر سنة ٣٥٧ هـ رحمة الله تعالى عليه. وفضائل السيدة [نفيسة] «١» كثيرة، ومناقبها أكثر من أن تحصر، فالله تعالى ينفع ببركاتها فى الدنيا والآخرة، بجاه سيد المرسلين محمد، صلّى الله [عليه] «٢» وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. أدعية الزيارة وآدابها «٣» : ومما ينبغى للزائر إذا دخل إلى ضريحها أن يقول: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ «٤» .. إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «٥» اللهم إنك قد ندبتنى «٦» إلى أمر قد فهمته وقلته وسمعته وأطعته واعتقدته وجعلته أجرا «٧» لنبيك، ﷺ ، إذ هديتنا به إليك، ودللتنا به عليك، وكان كما قلت: بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً «٨» .. حبيب

стр. 212

إليه ما هديتنا، عزيز عليه ما عنتنا «١» وتلك الفريضة التى سألتها له [وهى المودّة] » فى القربى، اللهمّ إنى مؤدّيها بلسانى، معتقدها بقلبى، ساع إليها بقدمى، راج للنفع بها فى دنياى وأخراى «٣» ، متوسّل إليك بها يوم انقطاع الأسباب والأنساب سببا ونسبا، وصلّ «٤» على نبيك، ﷺ . اللهم فهأنذا «٥» نازل بفنائهم، متقرب إليك بولائهم، متذرع «٦» بالطاهرين والطاهرات من نسائهم.. اللهم زدهم شرفا وتعظيما، شرّفهم شرفا حادثا وقديما، وهب لنا من زيارتهم مغفرة وأجرا عظيما.. السلام عليكم يا آل بيت المصطفى، يا بنى فاطمة الزهراء، يا بنى على المرتضى، يا بنى الحسن والحسين، أهل النبي، أنتم القوم لا يحرم من خيركم إلّا محروم، ولا يطرد عن بابكم إلّا مطرود، ولا يواليكم إلّا تقىّ، ولا يعاديكم «٧» إلّا شقى.. اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، وعلى أصحاب محمد، وعلى أزواج محمد، وعلى ذرّيّة محمد، وأنلنى ما رجوت بهم، وبلّغنى ما أمّلت فيهم، وأعد علىّ من بركات السفر إليهم، وهوّن علىّ موقفى بين يديك بالوقوف بين أيديهم.. وتدعو بحاجتك من أمر الدنيا والآخرة. وكان من دعاء بعض السلف عند ضريح السيدة نفيسة- رضوان الله عليها- عند زيارتها يقول: السلام والتحية، والإكرام والرضوان من العلىّ الأعلى الرحمن، على السيدة نفيسة، الطاهرة المطهرة، سلالة نبى الرحمة، وشفيع

стр. 213

الأمّة، خير الأنبياء البررة، وابنة علم العشيرة «١» الإمام حيدرة.. السلام عليك يا بنت الإمام الحسن المسموم، أخى الإمام الحسين الشهيد المظلوم.. السلام عليك يا بنت فاطمة الزهراء، وسلالة خديجة الكبرى، رضى الله عنك وعن أبيك وجدّك وعمّك وابنك، وحشرنا فى زمرتهم «٢» أجمعين.. اللهم بما كان بينك وبين جدّها محمد رسولك ليلة المعراج، اجعل لنا من همّنا الذي نزل بنا باب انفراج، واقض حوائجى- وإنّ كانوا جمعا يقولوا: واقض حوائجنا فى الدنيا والآخرة بمحمد وآله وصحبه أجمعين. وكان بعض السلف يقول أيضا: السلام والتحية والإكرام على أهل بيت النبوة والرسالة.. السلام عليك يا بنت حسن الأنور بن زيد الأبلج بن الحسن «٣» السبط ابن الإمام على بن أبى طالب.. السلام عليك يا بنت فاطمة الزهراء، ويا سلالة خديجة الكبرى.. أنتم يا أهل البيت غياث لكل قوم فى اليقظة والنوم، فلا يحرم من فضلكم إلّا محروم، ولا يطرد عن بابكم إلّا مطرود، ولا يواليكم إلّا مؤمن تقى، ولا يعاديكم إلّا منافق شقى.. اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله، وأعطنى خير ما رجوت بهم، وبلّغنى خير ما أملت فيهم، واحفظنى بذلك فى دينى ودنياى وآخرتى، إنك على كل شىء قدير. ثم تقول «٤» : يا بنى الزّهراء والنور الذي ... ظنّ موسى أنه نار قبس «٥» لا أوالى قطّ من عاداكمو ... إنه آخر سطر فى عبس «٦»

стр. 214

وقد مدح بعض الفضلاء، رضى الله عنهم، هذه السيدة، رضى الله عنها بأعظم الرضوان، وعن سائر أهل البيت الطاهرين بأبيات أحببنا ذكرها هاهنا، فقال رضى الله عنه «١» : يا من له فى الكون من حاجة ... عليك بالسيدة الطاهره نفيسة والمصطفى جدها ... أسرارها بين الورى ظاهره فى الشرق والغرب لها شهرة ... أنوارها ساطعة باهره «٢» كم من كرامات لها قد بدت ... وكم مقامات لها فاخره بنفسها قد حفرت قبرها ... حال جاءت يالها حافره حجّت ثلاثينا على رجلها ... صائمة عن أكلها قاصره كانت تصلى وتقوم الدّجا ... دوما على أقدامها ساهره عابدة زاهدة جامعة ... للخير فى الدنيا وفى الآخرة [تتلو كتاب الله فى لحدها ... وهى لمن قد زارها ناظره] «٣» فى كل قطر قد سما ذكرها ... عاملة فائقة ماهره «٤» يسقى بها الغيث إذا ما القرى ... قد أجدبت من سحبها الماطره «٥» والناس قد عاشوا بها فى صفا ... عيش بأيام لها زاهره والشافعى قد كان يأتى لها ... سعيا إلى دارها العامره «٦» يرجو بأن تدعو له دعوة ... فيالها من دعوة وافره صلّت عليه بعد موت وقد ... أوصى بهذا فهى له شاكره

стр. 215

سبحان من أعلى لها قدرها ... لأنها بين الورى نادره يا حبذا سيدة شرفت ... بها أراضى مصر والقاهرة ومن أحسن ما قال أبو الفضل بن الجوهرى «١» : حبّ آل النّبيّ خالط عظمى ... وجرى فى مفاصلى فاعذرونى وأنا- والله- مغرم بهواهم ... علّلونى بذكرهم علّلونى «٢» وما أحسن [قول] بن الوردى- ناظم البهجة «٣» : يا آل بيت النّبيّ من بذلت ... فى حبّكم روحه فما غبنا «٤» من جاءكم يطلب الحديث له ... قولوا له البيت والحديث لنا «٥» وقال بعض أهل الفضل، رضى الله عنهم «٦» : لآل بيت رسول الله قد ظهرا ... فضل وشاع بفضل الله واشتهرا محمد المصطفى والمرتضى بهما ... فخار كل شريف أصله ظهرا وإنّ فاطمة الزهراء أمّهم ... وهى البتول التى جلّت على النّظرا أهل العباد الكرام الخمسة النّجبا ... ما مثلهم فى جميع العالمين يرى جبريل سادسهم فى نومهم وكذا ... فى ظلّ حضرتهم بالأنس قد حضرا والبضعة الخيرة السّت المشار لها ... نفيسة القدر كم سرّ لها ظهرا لها مقام علىّ القدر مرتفع ... بالذّكر والعلم والقرآن قد عمرا لها رباط أمين ياله حرم ... يأوى المساكين والأيتام والفقرا لها رواق تروق العين رؤيته ... يا ناظرين تملّوا فاز من نظرا لها فخار وإجلال بنسبتها ... حسيبة، حسبها الفخر الذي اشتهرا

стр. 216

لها الكرامات فى الأقطار قد ظهرت ... وسرّها قد فشا بين الورى وسرى لها فزوروا، وفاها قد تحقق فى ... وفائها بالأمانى للذى نذرا «١» لها مشايخ علم يحضرون لها ... فى كل أربعة يا سعد من حضرا لها طوائف زوّار، طريقتهم ... وظائف الذّكر، والبشرى لمن فكرا لها ضريح وخدّام كأنّهم ... ملوك سادوا على السّادات والأمرا ترابها زعفران والمسوك به ... فاحت، وكم وجه حرّ فيه قد عفرا قناعها طاهر والسّتر منسبل ... فالمحتمى بجميل الستر قد سترا أضحت كراماتها كالشمس واضحة ... وليس ينكر ضوء الشّمس حين يرى كم أظهرت عجبا، كم أبرأت وصبا ... كم فرجت كربا، كم أطلقت أسرا «٢» كم بلّغت أربا، كم أذهبت نصبا ... كم زوّلت تعبا، كم سهّلت خطرا «٣» غنيّة بالذى نالته من كرم ... سلطان مصر لها ما زال مفتقرا «٤» يا أهل بيت رسول الله مادحكم ... كسير قلب، ولكن كسره جبرا لعلّ يحشر فى إقبال زمرتكم ... طوبى له فى جنان الخلد إن حشرا «٥» إنشاء المشهد النفيسى وتجديده «٦» : قيل: ولمّا أن توفيت السيدة نفيسة، رضى الله عنها- كما ذكر آنفا- ودفنت بهذا المشهد المعروف بها- كما تقدم ذكر ذلك- رغب الناس فى البناء على القبر، فشرع السّرىّ بن الحكم أمير مصر فى البناء، فبنى على قبرها حاجزا، ثم تهدّم البناء وجدّد أيضا، كما هو مكتوب على ألواح الرخام على باب ضريحها،

стр. 217

وهو الذي كان مصفّحا بالحديد، وسوره مكتوب ما مثاله- بعد البسملة الشريفة: نصر من الله وفتح قريب.. لعبد الله وولده معدّ، المكنى بأبى تميم، الإمام المستنصر «١» بالله، أمير المؤمنين وعضد الدين، وفارس المسلمين، متّع الله ببقائه، وأعلى كلمته، وشد عضده بولده الأمير الأجلّ الأفضل، جلال الدين، ناصر الإسلام، خليل، أمر بإنشاء هذا المشهد الشريف النفيسى، مولانا أمير المؤمنين المشار إليه على يد ولده المشار إليه، أجرى الله الخير على يديه، وضاعف من يد البركات عليه، فى شهر ربيع الآخر سنة ٤٨٢ هـ. وأمّا القبة التى على ضريحها فالذى جدّدها الخليفة الحافظ لدين الله عبد المجيد العلوى الفاطمى، وذلك بعض شهور سنة ٤٨٢.. وهو الذي [أمر] «٢» بعمل الرخام فى المحراب.. ثم أخذ أرباب الدولة فى العمارة بجوار ضريحها تبرّكا بها.. وكان مكتوبا على باب ضريحها ما صورته «٣» : يا آل طه وحقّ الله حبّكم ... فرض من الله فى القرآن أنزله يكفيكم من عظيم القدر أنكم ... من لم يصلّ عليكم لا صلاة له قبر يحيى بن زيد بن الحسن، رضى الله عنه «٤» : وقيل: إن يحيى بن زيد بن علىّ، وأخته نفيسة هى التى بالمراغة، عمّة السيدة نفيسة بنت الحسن، وقبرها تجاه القبر الطويل.. فليعلم ذلك.

стр. 218

وحكى عن بعضهم قال: دخلت على قبر يحيى فلم أحسن الأدب، فسمعت من القبر قائلا يقول: قل: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «١» . وحكى أنه قال «٢» : كان لى عبد إذا أذنب قلت له: غفر الله لك.. فنمت ليلة، فرأيت كأنّ القيامة قد قامت، والناس قد حشروا، وكأنى قائم بين يدى الله ، فقال لى: يا يحيى قد غفرت لك لكثرة عفوك عن عبدك. وحكى العبد لى عن محمد بن جعفر الحسينى، قال: حججنا سنة من السنين، وكان معنا سيدى يحيى المتوّج، فضللنا عن الطريق، فتعلّقنا به، فصلّى ركعتين ثم رفع يديه وقال: سيروا على بركة الله وعونه.. فسرنا خطوات يسيرة فإذا نحن على الجادّة.. فعطشنا عطشا شديدا، فشكونا له ذلك، فبسط يديه ودعا، فما أتم دعاءه حتى نزل سيل عظيم من الجبل، ففرحت الناس وشربوا منه، وحملوا معهم حتى اكتفوا، فما رأيت أسرع من دعائه. وحكى عنه الحسن الوليدى أنه قال: ما عصى الله من شرف نسبه.. وقال له رجل: ألسنا من آل محمد؟! فقال: اعمل صالحا، فإنه بلغنى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنّ من أصحابى من لم يرنى «٣» بعد أن يفارقنى، وإنه ليقال يوم القيامة: اليوم أضع الأنساب وأرفع نسبى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «٤» أين أنت من جدّك «٥» يا شريف حين كان يشد

стр. 219

مئزره ويوقظ أهله ويقوم لعبادة ربه ويقول: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك؟» . وتوفى سيدنا يحيى؛ ولم أقف له على تاريخ وفاة، ولعله توفى بعد أخيه بقليل، والله أعلم. وما أحسن قول بعضهم «١» : أنتم تراجمة الكتاب وعندكم ... يا آل بيت المصطفى تأويله العلم نور أنتم مشكاته ... والشّرع تاج أنتم إكليله «٢» مشهد القاسم الطيب «٣» : [هو السيد الشريف الإمام العالم] القاسم الطيب بن محمد المأمون «٤» ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين- سمّى بذلك «٥» لأنه ظهر له بوجهه بين عينيه سواد، وكبر حتى صار كالليمونة العظمى الكبرى، وبركبتيه كغدد البعير، كل ذلك من كثرة عبادته، وكان كالشّنّ البالى «٦» ، إذا مرّ فى طرق المدينة تميله الرياح يمينا وشمالا.. وهو أحد الأئمة الاثنى عشر، على مذهب الإمامية، ومن سادات التابعين.. وقال الزهرى: «ما رأيت قرشيّا أفضل منه» .

стр. 220

وكان كثير البرّ بأمّه، حتى قيل له: إنك من أبرّ الناس بأمّك ولسنا نراك تأكل معها فى صحفة.. فقال: «أخاف إن تسبق يدى إلى ما تسبق إليه عينها، فأكون قد عققتها» . وممّا روى عن زين العابدين دعاء الاستخارة: «اللهمّ إنك تنيل الرّغائب، وتعطى المواهب، وتتم «١» المطالب، وتطيّب المكاسب، وتهدى إلى أحمد العواقب، وتقى النوائب.. اللهم وقد استخرتك فيما عزم أمرى عليه، وقادنى «٢» هواى إليه، فسهّل منه ما توعّر، ويسّر منه ما تعسّر، واكفنى فيه المهم، وادفع عنى كلّ ملمّ، واجعل يا ربّ عاقبته غنما، ومحذوره سلما، وبعده قربا، وجدبه «٣» خصبا، وأنلنى لواء الظفر فيما رجوت، وعوائد الإنعام فيما دعوت، وفوائد الإكرام فيما سألت، فإنك تقدر، ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب» . وفوائده «٤» كثيرة. وكان ولادته يوم الجمعة فى بعض شهور سنة ٣٨ من الهجرة.. وتوفى سنة ٩٤.. وقيل: سنة ٩٩.. وهو ولد الحسين «٥» الشهيد المقتول ابن على بن أبى طالب، رضى الله عنهم. رجعنا إلى ذكر القاسم، رضى الله عنه: قال المؤرخون: هو والد سيدى يحيى- كما سيأتى ذكر ذلك الشّبيه الآتى ذكره- قدم من الحجاز مع ولده سيدى يحيى- كما سيأتى ذكر ذلك فى ترجمة ولده- قال بعضهم: كان من عباد الله الصالحين الأخيار، وكان له قدم صدق، وكان كثيرا ما ينشد ويقول:

стр. 221

متى أنوح بدمع واكف جارى ... متى أقضّى مع الأحباب أوطارى «١» متى أفوز مع الأحباب فى غرف ... متى أكون نقيّا بين أخيارى متى أعاتب نفسى ثم أزجرها ... وقد كستنى ثياب الذّلّ والعار يا ربّ، إنك ذو عفو وذو كرم ... جسمى ضعيف، فما يقوى على النار وكان من أحفظ الناس لحديث رسول الله، ﷺ ، ولقد كتبت عنه أربعمائة محبرة، وكان من الأشراف الأجواد.. قال الرازى «٢» فى نسبه: كان أولاده يعرفون بالطّيّارة، ويعرفون أيضا بالكثميين.. قال أبو عمر: رأيت القاسم بمكة يدعو الله وقد اقشعرّ جسده، فقلت: ما هذا يا بن بنت رسول الله، ﷺ ؟ فقال: «لأنى أستحى من الله أن أدعوه بلسان ما أدّيت به حقّ شكره» ومناقبه كثيرة، والله أعلم. ودفن بالقرب من مشهد ولده يحيى هناك.. وقد كتب على قبره من نظم [ابن] سناء الملك الوزير «٣» : يا من إذا سأل المقصّر عفوه ... فهو المجيب بفضله لسؤاله مالى سوى فقرى إليك وسيلة ... وتشفّعى بمحمّد وبآله يحيى الشبيه بن القاسم «٤» : هو يحيى الشبيه بن القاسم الطيب بن محمد المأمون الملقّب بالديباج بن جعفر

стр. 222

الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين «١» بن الحسين بن على أبى طالب، المعروف بعبد مناف بن عبد المطلب القرشى الهاشمى الحسنى، رضى الله عنه وعن والديه (آمين) . كان «٢» شبيها بالنبى ﷺ فى كثير من أوصافه، حتى إنه كان له فى موضع الخاتم «٣» شامة عظيمة، وكان إذا دخل الحمّام ورأى الناس ذلك كبّروا وصلّوا على رسول الله، ﷺ .. وكان أحمد بن طولون أحضره من أرض الحجاز فى مصادرة الرّسّيّين «٤» من بنى طباطبا، وهم عبد الله بن القاسم، وابنه القاسم ابن عبد الله، وأبو جعفر بن القاسم «٥» .. ولمّا وصل إلى مصر وسمع «٦» أهل مصر بقدومه خرجوا إلى لقائه، وخلت دور «٧» مصر ليلة قدومه، فلما قدم كان مبرقع الوجه، وخرج من جملة من خرج له مع الناس أبو إسرائيل اليهودى، وكان قد عمى، فقال لابنته: خذى بيدى، وإن رأيت هذا الرجل فأخبرينى به «٨» .. فلما رأته قالت له: هاهنا يا أبت «٩» .. فقال: اللهم إن كان هذا شبيها بنبيّك فى شىء من خلقه، وهو على الحق، فاردد علىّ بصرى، فما أتمّ «١٠» كلامه حتى ردّ الله بصره عليه، فما عاد إلى مصر إلّا وهو يمشى مع الناس بصيرا، فأسلم وحسن إسلامه.

стр. 223

وكان لسيدى يحيى الخطوة التّامّة بديار مصر، إلى أن توفى فى شهر رجب لليلتين بقيتا منه سنة ٢٦٣ هـ. وقبره بمشهد يحيى، أخى نفيسة، وسيأتى ذكره بعد ذلك فى المشاهد، وفى مشهده- أى يحيى الشبيه- كتب ابن سناء الملك من نظمه فى مدح الأشراف «١» : مالى إذا عرض الحساب وسيلة ... أنجو بها من هول يوم الموعد إلّا اعترافى بالذّنوب وإننى ... متمسّك بولاء آل محمّد أبو الحسن على بن الحسن «٢» : هو أبو الحسن على بن الحسن بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن ابن على بن أبى طالب، رضى الله عنهم- طباطبا.. كانت له النقابة «٣» والتقدم إلى أن توفى سنة ٢٨٠ هـ فردّ أمير الجيش «٤» «خمارويه» بن أحمد بن طولون أمر النقابة إلى أبى عبد الله محمد بن إسماعيل بن القاسم بن إبراهيم، أبى محمد «٥» عبد الله بن أحمد بن على بن الحسن بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم ابن الحسن بن علىّ بن أبى طالب، رضى الله عنهم أجمعين، وسنذكر فضائله عند ذكر قبره فى ترتيب الزيارة «٦» .

стр. 224

مشهد رأس زيد بن علىّ بن الحسن بن علّى بن أبى طالب، رضى الله عنهم أجمعين «١» : قال الكندى: قدم برأس زيد بن علّى يوم الأحد لعشر خلون من جمادى الآخرة «٢» سنة ١٢٢ هـ، وبنوا عليه هذا المشهد «٣» .. والدعاء فيه مستجاب، والأنوار ترى عليه بالليل نازلة. مشهد رأس إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن على، رضى الله عنهم «٤» : قدم به فى سنة ١٤٥ هـ، وبنوا عليه المشهد المعروف بمسجد التبن-

стр. 225

ويقال: التبر- بمسجد بحرى القاهرة بظاهر رأس الطالبية.. شرّفه «١» أهل مصر ودفنوه فى التاريخ المذكور.. والمشهد معروف بإجابة الدعاء- والله أعلم بالصواب «٢» . مشهد الإمام محمد بن الإمام الصّدّيق أبى بكر، رضى الله عنهما «٣» : بناه غلامه «زمام» ورأسه فيه «٤» تحت المنارة، وقيل فى علبة من

стр. 226

نحاس فيها رماد «١» ، وهو الصحيح.. والدعاء فيه مستجاب. انقضى ذكر قبور الصحابة والأشراف، رضى الله عنهم، ولم يبق إلّا من سنذكره «٢» فى ضمن الزيارة ممّن هو فى غير هذا الصّقع «٣» .. وبالله التوفيق. ***

стр. 227

فصل فى ذكر جامع أحمد بن طولون وذكر هاهنا لأنّه طريق للقاصد «١» إلى جبّانة مصر من القاهرة، ولأنّ منه ابتداء الزيارة. اعلم أولا أن الجبل الذي عليه جامع أحمد بن طولون يسمّى «جبل يشكر ابن جديلة» .. وقال الكندى: جديلة «٢» من لخم.. وقيل: جبل شكر، وكان شكر رجلا صالحا، وكان الصالحون يصلّون على القطعة البارزة من هذا الجبل، الخالية من البناء الذي فى الحدّ القبلى منه، المجاورة للباب، وهو مكان الدّعاء فيه مستجاب. وكان أحمد بن طولون لما رغب فى إنشاء جامع ليحسن ذكره، أشار عليه جماعة من الصالحين أن يبنى الذي قصده على هذا الجبل، وذكروا له من فضائله عدّة أشياء.. فقبل «٣» منهم، وبنى الجامع على الجبل، وأدخل بيت «يشكر» «٤» العبد الصالح فيه، فلما كمل «٥» بناؤه تقدّم أن يعمل بدائره منطقة عنبر معجون، ليفوح ريحها على المصلّين به، وأشعر الناس بالصلاة فيه «٦» ، فلم يجتمع فيه أحد من الناس، واعتقدوا أنه بناه من مال لا يعرفون

стр. 228

أصله، فعزّ ذلك على أحمد بن طولون، فطلع المنبر يوم جمعة، فخطب خطبة بحضور جماعة من أصحابه وجنده، وكان أخذ على أيديهم بالحضور إليه، وأقسم فى أثناء خطبته بالله العظيم ما بنى هذا الجامع- ويده تشير إليه- من ماله، وإنّما بناه بكنز ظفر به فى الجبل الثالث «١» - وبيّن طريق وجوده- وأن العشارىّ «٢» الذي نصبه على مئذنته وجده فى الكنز، وأن جميع ما بناه فى القرافة من المصانع والمجارى برسم الماء، وما جدّده فى السور- من الكنز المذكور.. وكمّل الخطبة.. وصلّى هو وأصحابه، فلما سمع الناس ذلك، اجتمع خلق كثير فى الجامع وصلّوا الجمعة. ثم كتب قوم منهم رقعة يسألونه أن يوسّع فى قبلة الجامع، فأمر بإحضارهم، فلما حضروا أعلمهم أنه «٣» عندما شرع فى إنشاء الجامع على هذا الموضع اختلف المهندسون فى تحديد «٤» قبلته، فرأى النّبيّ، ﷺ ، فى المنام وهو يقول له: يا أحمد، إنّ قبلة هذا الجامع على هذا الموضع، وخطّ له فى الأرض صورة ما يعمل.. فلما كان الفجر مضى مسرعا إلى الموضع الذي أمره رسول الله ﷺ بوضع القبلة فيه، فوجد صورة القبلة «٥» فى الأرض مصوّرة، وأنه بنى المحراب على ذلك، وأنه لا يسعه أن يوسّع فى المحراب لأجل

стр. 229

ذلك.. فمضوا «١» من عنده وأشاعوا ذلك عن أحمد بن طولون، فعظم شأن الجامع وضاق بالمصلّين «٢» ، وقالوا لأحمد: نريد فى الجامع زيادة، فزاد فيه. ورأى رجل فى المنام كأنّ فاطمة الزهراء» ﵍ تصلى فى مكان فى هذا الجامع «٤» ، فأصبح وأخبر الناس بالرّؤيا، فصلّوا فيه، وهو الآن [أى: المكان] «٥» يسمّى بمقام «فاطمة» ، وعليه مقصورة، والدعاء فيه مستجاب. وقيل: إن موسى ﵇ كان يناجى ربّه فى هذا المكان.. والصّخرات التى ظاهر الجامع «٦» يقال إنّ هارون تعبّد فيها، ويقال فيها قبره.. والله أعلم بالصواب «٧» . ***

стр. 230

ذكر ابتداء الزيارة لقبور الصالحين من التابعين والعلماء والزّهّاد خلا ممّن تقدم ذكرهم ممن استحقّ التقديم وهم أهل بيت رسول الله ﷺ وصحابته قبر عنبسة «١» : على ترتيب الزيارة لمن قصد «٢» خارجا من مصر من باب «الصفا» على الدرب المعروف بالشّعّارين «٣» ، فليسلك عن يمينه طالبا القبلة والشرق إلى باب السور الجديد «٤» إلى مصلى بنى مسكين القديم [يجد] «٥» قبر رجل من الصالحين التابعين، يقال إنّ اسمه «عنبسة» «٦» . الدعاء عنده مستجاب، وهو رجل من الدّفن الأول.

стр. 231

قبر الفقيه عبد الله بن وهب- صاحب الإمام مالك «١» : ثم تمشى إلى الشرق مقدار مائة خطوة، تجد قبرين لطيفين «٢» ، أحدهما مما يلى القبلة، فيه أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشى «٣» صاحب مالك بن أنس، أحد الأئمة المشهورين، سمع من مالك بن أنس، وابن أبى ذؤيب «٤» ، وروح عبد الله الجبار، وحيوة بن شريح، ومن فى طبقتهم، وروى عنه جماعة، وله أحاديث عن رسول الله ﷺ ، تركنا ذكرها لشهرتها، وقصدنا الاختصار.. ومن أحاديثه التى رواها «٥» : «أنه- ﷺ نهى عن أكل كلّ ذى ناب من السباع» . ومن أحاديثه التى رواها عن رسول الله- ﷺ من طريق أبى هريرة: «أن الله أعدّ لعباده الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» الحديث «٦» . قال أبو داود «٧» : سمعت ابن وهب يقول: «جعلت على نفسى إن

стр. 232

اغتبت رجلا أن أصوم يوما، فما هالنى ذلك، فرأيت أن أشتدّ «١» علّى، أن أجعل على نفسى أن أتصدق بدرهم، فاشتدّ علّى ذلك» . وعن يوسف بن عدىّ قال: «أدركت الناس فقيها «٢» غير محدّث، ومحدّثا غير فقيه، خلا ابن وهب، فإنى رأيته فقيها، محدّثا، زاهدا، عابدا» «٣» . قال بشر بن قعنب: «رأيت ليلة مات ابن وهب كأنّ مائدة العلم قد ارتفعت» . قال ابن مسلم: «كانت الهدية تأتى مالكا بالنهار يهديها لابن وهب بالليل» - وعن محمد بن مسلم المرادى قال: «سمعت ابن القاسم «٤» يقول: «لو مات ابن عيينة لضربت لابن وهب أكباد الإبل، ما دوّن أحد تدوينه» «٥» . قيل لسفيان بن عيينة: مات ابن وهب.. فقال: «إنّا لله، وإنّا إليه راجعون، أصيب به المسلمون عامة، وأنا خاصة» «٦» . قال هارون الإيلى: «سمعت ابن وهب يقول: ما تمر بى ليلة إلّا وأنا أستمع لها وأذكر فيها الآخرة وهولها» . وروى أبو الحسن قال: «قال لى ابن وهب: كنت أتمنى على الله ثلاثمائة دينار أنفقها فى طلب الحديث، فبينما أنا ذات ليلة قائم أصلّى إذا برجل قد أقبل ومعه قرطاس مربوط، فوضعه على نعلى، ثم ذهب «٧» ، فصليت العشاء الآخرة

стр. 233

ثم أخذت القرطاس فوجدته ثقيلا، فظننت أنه دقّة «١» أهداها إلىّ أخ فى الله، فجئت إلى البيت ففتحته، فإذا فيه ثلاثمائة دينار لا تزيد ولا تنقص» . وروى خالد بن خداش «٢» قال: «قرئ على عبد الله بن وهب كتاب أهوال «٣» يوم القيامة، فخرّ مغشيّا عليه، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد ذلك بأيّام، وذلك بمصر سنة ١٩٧ هـ» . قال أحمد بن سعيد الهمدانى: «أراد ابن وهب دخول الحمّام، فلما دخل سمع لغط أهلها «٤» ، ورأى شدة حموّها، فخطر بقلبه وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ «٥» [فخرّ مغشيّا عليه] فلما أفاق سئل عن ذلك، فذكر هذا» «٦» . وروى أحمد «٧» عن عبد الرحمن بن وهب قال: «طلب عبّاد بن محمد «٨» عبد الله بن وهب للقضاء، فتغّيب فى منزل حرملة بن يحيى، وهدم

стр. 234

عبّاد بعض ديارنا «١» ، فقال له رجل: إنما طمع هذا لكذا وكذا أن يلى القضاء حتى تغيّب «٢» فبلغ قوله عمّى، فدعا عليه [بالعمى] «٣» ، فعمى بعد جمعة» . قال حجاج بن راشد بن محمد: «سمعته ذات ليلة يبكى ويصيح حين أكره على القضاء، وتغيّب، فأشرفت عليه من غرفتى «٤» ، فسلّمت عليه وقلت له: ما شأنك يا أبا محمد؟ فقال لى: يا أبا الحسن، إنّ القضاة يحشرون مع الملوك، وإنهم يحشرون كالذّرّ «٥» ، وإنّ العلماء يحشرون مع الأنبياء» . ثم تغيّب «٦» بعد ذلك، وطلب فلم يوجد. وقال حرملة: «رأيت كتاب مالك بن أنس إلى عبد الله بن وهب مفتى أهل مصر» . وروى زيد بن أبى الغمر قال: حدّثنى أبى قال: «سمعت ابن وهب يقول: حججت أربعا وعشرين حجّة ألقى فيها مالك بن أنس- قال أبى: وكنّا نسمّيه ديوان العلم.. وكان يقول: الذي تعلّمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه» .

стр. 235

وحدّث عبد الله بن وهب قال: «قال لى مالك بن أنس: ما خلّفك عنّا مذ «١» ليال؟! فقال له: كنت أرمد «٢» . قال: أحسب هذا من كتابة الليل.. قال: فقلت: أجل.. فصاح مالك بالجارية وقال: هاتى «٣» من ذلك الكحل لأخى وصديقى المصرىّ- يعنى ابن وهب» «٤» . وروى محمد بن عمر الأندلسى قال: «ذكر ابن وهب وابن القاسم عند مالك بن أنس «٥» فقال: ابن وهب عالم، وعبد الرحمن «٦» فقيه» . وذكر أبو الطاهر بن عمر بن السراج قال: «أخبرنى خالى.. وكان من المجتهدين من أهل العلم- قال: رأيت فى المنام قائلا يقول: لا يفتى الناس إلّا ابن وهب وابن القاسم المهذب» . قال حرملة: «سمعت ابن وهب يقول: إذا أردت الدخول على السلطان فقل: اللهمّ ربّ السماوات السبع وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الرّياح وما ذرّين، وربّ الشياطين وما أغوين، كن لى جارا «٧» من فلان أن يفرط علىّ أو أن يطغى» . قال ابن بكير: «ولد ابن وهب فى ذى القعدة سنة ١٢٥ هـ، وتوفى يوم الأحد لأربع بقيت من شعبان سنة ١٩٧ هـ» .

стр. 236

قبر الشريفة فاطمة بنت محمد بن الحسن «١» : عند رجليه «٢» بمقدار ثلاثين خطوة قبر رخام فيه الشريفة فاطمة ابنة محمد بن الحسن بن على بن أبى طالب. وقد توفيت «٣» فى سنة ٣٨٣ هـ، والدعاء عندها مستجاب. قبور جماعة من الصالحين «٤» : ثم تستقبل القبلة تجد قبر عبد الرحمن الخواص «٥» ، حدّث عن جماعة، وحدّث عنه صاحب له أنه كان يخرج معه فى الليل فيفتح له باب مصر، فيخرج منه إلى الجبانة ويزور الشيخ أبا الحسن الدينورى ويعود فى الليل. وتمشى وأنت مستقبل القبلة تحت الكوم تجد قبر مقبل الحبشى «٦» وغيره.

стр. 237

ثم تأتى إلى حومة فيها قبر يعرف بالقاضى بكّار «١» ، تدخل وأنت مستقبل القبلة تجد قبرا تحت رجليه وقبرا «٢» عند رأسه، فالذى عند رأسه يقال لهم أصحاب قضبان الذهب «٣» وهم ثلاثة: إبراهيم، وهو أكبرهم، وعبيد الله، ومحمد.. قيل: إن إبراهيم رئى فى المنام وهو يقول: من زارنا فكأنما تصدّق بقضبان الذهب، وكانت فى يده.. والذي عند رجليه يقال له قبر أبى العباس أحمد بن المشجرة «٤» كان من أحسن الناس قراءة، وكان من قرّاء الأفضل بن أمير الجيوش «٥» ، وكان ذات يوم عند قبر الشيخ أبى الحسن الدينورى يزوره، فاختاره أحد الفقراء «٦» أن يقرأ له آية من كتاب الله تعالى، فامتنع ولم يقرأ، فمنع القراءة.. فلما حضر مجلس الأفضل بن أمير الجيوش طلب منه القراءة، فلم يستطع، فقال له الأفضل: ما يمنعك من القراءة؟ فقال له: لن أستطيع. فأمر أن يأخذ «٧» له من خزانة الشراب ما يصلح موضع القرآن.. فقصّ عليه قصّته «٨» مع الفقير، فقال:

стр. 238

اخرج واطلبه «١» يدعو لك، فليس لك خلاص إلّا بدعائه «٢» [فلما عاد إليه وجده قد تغير من مكانه، فسأله الدعاء وتمرّغ بوجهه على أقدامه.. فقال له: اقرأ فتح الله عليك] «٣» . ففعل، فانطلق فى القراءة. وإلى جانبه من القبلة قبر الرجل الصالح أبو العباس أحمد بن على بن إسماعيل الجميزى «٤» صاحب الدرب المشهور بمصر.. كان رجلا صالحا يبيع الجميز فى مبدأ أمره بباب الجامع، فدخل رجل من العلويين إلى مصر.. فاشتد به الجوع، ومنعه الحياء من السؤال، فدخل الجامع لصلاة الظهر، فرآه الجميزى فأعجبه سمته «٥» ، ثم دخل خلفه، وأحرم فى الصف الذي فيه العلوى بالصّلاة «٦» ، فإذا بالعلوى قد سقط فى الصف من شدة جوعه، فلما فرغ الجميزى من صلاته حقّق النّظر فى وجهه فعرف مابه، فذهب وجاءه بطعام إلى منزله، فلما كان من الغد خرج العلوى فرآه رجل فعرفه، فذهب إلى السلطان فأخبره، فأرسل إليه بما يركب، وأمر الغلمان أن يمشوا بين يديه إلى حضرة السلطان، فلما حضر إلى حضرته أخبره بفعل الجميزى معه، فأمر السلطان بإحضاره، فلما حضر إليه «٧» أمر له بألف دينار، فأخذها وانصرف، ثم إنه اتّجر حتى صار ذا مال كثير، ثم نفد منه المال مدة حتى لم يبق له شىء.

стр. 239

وسافر إنسان أودع عنده ألفا من الذهب «١» ، فلما جاء من سفره رآه على تلك الحالة، بعد العزّ والغنى، فظن أن الجميزى فرّط فى ماله، فسلّم على الجميزى وقال: أين «٢» مالى؟ قال: موجود.. فأخذه وجاء به إلى منزله، وحفر مكانا فى داره، وطلع بالكيس مختوما بختم صاحبه.. فقال له صاحب المال: خذ منه ما تريد.. فقال: لا آخذ أجرا على أمانتى، سر مع السلامة.. ثم عاد الجميزى إلى بيع الجميز على جارى العادة السابقة.. ثم إنّ الرجل الذي أودع عنده المال مرض بعد مدّة، فأرسل إلى الجميزى، فلما حضر إليه «٣» قال له: يا سيدى قد حضر من أمر الله ما ترى «٤» ، فخذ هذا المال عندك، وهذا الولد ولد صغير، علّمه واصرف عليه من هذا المال الباقى، وإلّا فأنفقه عليه بالمعروف.. ثم مات.. فكان ينظر فى وجه الطفل كل يوم نظرة إلى أن كبر وآنس رشده «٥» ضمّ إليه ماله، والجميزى فقير لا مال له، يقيم اليوم والليلة لا يجد ما يتقوّت به، ولم يأخذ من مال الطفل شيئا. مشهد القاضى بكار بن قتيبة «٦» : وفى مقابل قبره من جهة القبلة قبر القاضى الإمام، الوليّ الهمام بكّار «٧» بن قتيبة بن أسد بن أبى برذعة بن عبيد الله بن بشير بن عبيد الله بن

стр. 240

أبى بكرة نفيع بن الحارث، مولى رسول الله، ﷺ ، «١» ابن كلدة بن عمرو ابن علاج بن أبى سلمة وهو عبد العزّى «٢» بن غيرة، بكسر الغين المعجمة وفتح الياء، ابن عوف بن قسىّ بن هبنة الثقفى.. وقيل: نفيع بن مسروح، وكان عبد الحارث بن كلدة «٣» ، فاستلحقه، وأمّه سميّة، جارية الحارث بن كلدة «٤» ، وهى أم زياد بن أبيه.. وإنّما كنى أبا بكرة لأنه تدلّى إلى رسول الله ﷺ ببكرة من حصن «٥» الطائف، وكان قد أسلم وعجز عن الخروج فكنى بذلك، وأعتقه رسول الله ﷺ . وروى عن رسول الله ﷺ مائة حديث واثنين وثلاثين «٦» حديثا، اتفق على ثمانية أحاديث، وانفرد البخارى بخمسة، ومسلم بحديث واحد.. روى عنه ابناه عبد الرحمن، ومسلم «٧» ، وربعى بن حراش «٨» ، والحسن

стр. 241

البصرى، والأحنف بن قيس، وكان من الفضلاء الصالحين، كثير العبادة، وكان ممّن اعتزل يوم الجمل ولم يقاتل مع واحد من الفرقتين، ومات- رضى الله عنه- بالبصرة فى سنة إحدى «١» وخمسين من الهجرة، وقال «٢» خليفة بن خياط: مات فى سنة اثنتين «٣» وخمسين، وصلّى عليه أبو برزة الأسلمىّ.. وكان أولاده أشرافا فى البصرة بكثرة المال والعلم والولايات «٤» .. قال الحسن: لم يكن بالبصرة من الصحابة «٥» أفضل من عمران بن الحصين «٦» وأبى بكرة «٧» .. روى له جماعة «٨» . والحارث هو مولى رسول الله، ﷺ . وولد «٩» بكّار هذا بالبصرة سنة ١٨٢ هـ. وتفقه على ابن يحيى بن مسلم، المعروف بهلال الرازى، أحد أصحاب أبى يوسف، وزفر بن الهذيل «١٠» ، وأخذ عنه علم الشروط أيضا «١١» .. وحدّث بمصر عن أبى داود الطيالسىّ، ويزيد بن هارون «١٢» ، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وصفوان

стр. 242

ابن عيسى الزهرىّ، وأبى عامر بن إسماعيل، وإبراهيم بن الوزير، وسعيد بن عامر، وأبى أحمد الزبيرىّ، وأبى عاصم الضّحّاك، وجماعة من طبقتهم. وقدم مصر «١» قاضيا عليها، وكان ذلك من قبل المتوكل «٢» : سنة ستّ وأربعين ومائتين، قبل ولاية «٣» ابن طولون لثمان خلون من جمادى الآخرة «٤» . وكان محدّثا جليلا من أفاضل المحدّثين.. ومن جملة ما روى بإسناده إلى أبى هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذّ بخمس «٥» وعشرين درجة» ، وفى رواية: بسبع وعشرين «٦» .. قال أبو جعفر الطحاوى: سمعت أبا العلىّ «٧» الكوفيّ يقول: «حضرت يوما عند بكّار بن قتيبة، فدخل عليه رجلان يتخاصمان، أحدهما أبو الآخر، فنظر إليهما وأنشد «٨» : تعاطيتما ثوب العقوق كلاكما ... أب غير برّ وابنه غير واصل «٩» ويقال: إنّ المتوكل لمّا بلغه ما هو عليه من العلم والزهد والفضل والورع، أرسل إليه كتابا بتقليد القضاء مع نجاب «١٠» إلى البصرة، فجاء النجاب

стр. 243

وسأل عنه، فدلّ على داره، فلما طلبه قيل له: قد مضى إلى الفرن يخبز خبزه، فتعجب النجاب من ذلك، واستحقره للقضاء، ولم يكن بدّ «١» من انتظاره، فجلس عند داره إلى أن جاء من الفرن ومعه الخبز، فلمّا رآه النجاب قيل له: هذا «بكّار» ، فقام إليه، وسلّم عليه، وقال: أنا رسول الخليفة إليك، فقف حتى أبلغك رسالته.. فقال له «بكار» : ما أقدر على الوقوف معك.. قال: ولم ذلك؟ قال: لأنّ الرّداء الذي علىّ استعرته من والدتى لأمضى حتى أخبز الخبز وأعود، فقف حتى أستأذنها فى الوقوف معك فيه «٢» ، فدخل داره وأعلم والدته بالقصة، فأذنت له فى الوقوف معه واستماع ما جاء به.. فخرج إليه ووقف، فقال له النجاب: الخليفة يسلم عليك، وقد قلّدك قضاء مصر، ولا بدّ «٣» من امتثال أمر الخليفة. ثم دفع إليه تقليد القضاء، فدخل إلى داره وأخرج رغيفين من خبزه فدفعهما إليه وقال: امض فى حفظ الله تعالى.. فتعجب النجاب من ذلك، ولم يمكنه أن يقول شيئا، واستحقر الرغيفين من خبزه، ولم يمكن ردّهما، ورماهما فى مخلاة معه، وتهاون بهما «٤» وقال: واخيبة طريقى! ثم مضى حتى أتى الخليفة، فأعلمه بتسليم التقليد إليه «٥» وقبوله، وحكى له الخبر من أوّله إلى آخره، فقال: وما إليه «٥» وقبوله، وحكى له الخبر من أوّله إلى آخره، فقال: وما أجازك؟ فضحك وقال: أجازنى رغيفين من خبزه الذي خبزه «٦» . فقال له: ائتنى بهما- وكان قد فرّط «٧» فى أحدهما- فقال: فرّطت فى واحد منهما.

стр. 244

فقال: ائتنى بالآخر- فلما جاء به دفع له مائة دينار «١» ويقال: ألف دينار، وقال: لو جئتنى بالرّغيفين أعطيتك ألفين، ويقال: مائتين «٢» فبعد مدة رمد النجاب رمدا عظيما أشرف فيه على العمى، ثم أراد الخليفة أن يرسله برسالة «٣» أخرى، فاعتذر برمده، فأمر الخليفة بإحضار مكحلة فيها كحل، فكحله منها، فبرئ من ساعته، ومضى فى رسالة الخليفة «٤» ، فلما عاد قال: يا أمير المؤمنين، أريد ذلك الكحل تعلمنى «٥» إيّاه، فقد وجدت فيه شفاء عظيما «٦» . فقال الخليفة: هو الرغيف الذي أتيت به من عند القاضى «بكّار» ، جعلنا منه فى أكحالنا وأدويتنا، فنحن نعافى ببركته! فندم النجاب على ما فرّط. وكانت ولايته القضاء يوم الجمعة، فى جمادى الآخرة سنة ٢٤٦ هـ. وكان أحد الفقهاء على مذهب الإمام أبى حنيفة رحمة الله عليه «٧» . أخذ الفقه عن هلال بن يحيى بالبصرة. وكان من البكّائين والتّالين لكتاب الله تعالى. وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وعرض عليها جميع ما حكم به، ثم يبكى ويقول: يا «بكّار» تقدم إليك رجلان فى كذا وكذا، وحكمت بكذا وكذا، فما جوابك غدا إذا وقفت بين يدى الله ؟

стр. 245

وكان يكثر الوعظ للخصوم، ويتلو عليهم قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «١» . وكان يفعل هذا مع كلّ حالف، فمنهم من يخاف «٢» ويرجع عن اليمين، ومنهم من يحلف. وحكى أيضا عنه أنه كان إذا أراد أن يحلّف شخصا أمره «٣» أن يقرأ: وَالطُّورِ* وَكِتابٍ مَسْطُورٍ* فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ إلى قوله تعالى: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ «٤» . ثم يقول له احلف بعد ذلك «٥» . وحكى عنه أنّ رجلا قال له ذلك، فقرأ وحلف، وكان كاذبا «٦» فى يمينه، فبرزت عيناه من وجهه، فامتنع- بعد ذلك- الفاجر أن يحلف. وكان يحاسب أمناءه فى كل وقت، ويسأل عن الشهود. وكان أحمد بن طولون يجيزه «٧» فى كل سنة بألف دينار [زيادة على القدر المقرر له] «٨» ، فلما جرى بينه وبينه ما جرى، قال له ابن طولون: أين جوائزى؟ يجاء بها.. فأرسل إليه ابن طولون، فوجد فى منزله ستة عشر كيسا «٩» ما مسّها «بكّار» ، فحملها إليه، فلما نظر أحمد خجل

стр. 246

واستحى «١» وظنّ أن فرّط فيها، وأنه يعجز عن القيام بها، فلهذا طالبه. ولمّا اعتقله أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهرى، ففعل، وجعله كالخليفة له والنائب عنه «٢» . وقال الحسن اللّيثى: حدّثنى بعض شيوخ مصر قال: مررت فى أول اللّيل و «بكّار» فى غرفته يبكى ويصلى ويقول: كَلَّا إِنَّها لَظى * نَزَّاعَةً لِلشَّوى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى «٣» يرددها ما تجاوزها. وروى أبو حاتم ابن أخى «بكّار» قال: قدم على عمّى «بكار» رجل من البصرة، [عنده علم وزهادة وفضل ونسك، فأكرمه عمّى وقرّبه] «٤» وأدناه، وذكر أنه كان معه فى المكتب «٥» فى البصرة، ومضت به الأيام حتى جاء الرجل فى شهادة، ومعه شاهد من شهود مصر، فأدّوا الشهادة عند عمّى، فما قبل شهادة ذلك الرّجل، فلما خرج وهو منكسر القلب قلت لعمى: هذا رجل زاهد، عالم، وأنت تعرفه. فقال: يا بن أخى، مارددت شهادته، إلّا أنّا لمّا كنا صغارا فى المكتب جلست أنا وإيّاه على مائدة فيها أرز وحلوى «٦» ، فنقبت الأرز بأصبعى، فقال لى: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها «٧» [فقلت له] : أتهزأ «٨» بكلام الله على الطعام؟! ثم أمسكت عن كلامه مدّة، فما أقدر على قبوله وأنا أذكر ذلك منه.

стр. 247

ودخل على «بكار» قوم من أهل «الرملة» فقال قوم ممّن حوله: كيف حال قاضيكم؟ فقالوا: عفيف! فالتفت «بكّار» إليهم وقال: لقد غممتمونى «١» يقال: قاض «٢» عفيف، فسدت الدّنيا!! وقال محمد بن أحمد بن سلامة: ما تعرّض أحد لبكّار فأفلح «٣» .. لقد تعرض إليه غلام من بنى يزد يقال له: عامر بن محمد، وكان قد دسّ عليه وقيل له: تظلّم فيه، وكان فى حجر «بكّار» «٤» ، وكان يقرّبه ليتمه، فرآه «بكّار» فى مجلس المظالم «٥» ، فقال له: ما تصنع هاهنا؟ فقيل له: هو يرفع فيك «٦» !! فقال: على أىّ شىء يا عامر «٧» ! قال: أنفقت مالى «٨» . قال: أنا يا عامر؟! قال: نعم «٩» . قال: إن كنت كاذبا فلا نفعك الله بعقلك ولا جسمك. قال أبو محمد: أخبرنى من رآه وهو شيخ ذاهل العقل، يسيل لعابه من فالج «١٠» ويسبّ الناس ويرميهم بالحجارة، وهم يقولون «١١» : هذه دعوة الكبير المقدار «١٢» القاضى «بكّار» .

стр. 248

وقال «١» بعض أصحاب التواريخ فى ترجمة القاضى «بكّار» : إنه رأى النّبىّ ﷺ وبين يديه طبق فيه تمر، فقال له: أطعمنى يا رسول الله، فناوله ثنتين، ثم استزاده «٢» ، فأعطاه ثنتين، فاستزاده، فأعطاه واحدة، فاستيقظ من نومه وهو يجد حلاوة التمر فى فمه، ووجد النوى فى يده، ثم إنه أتى إلى السيدة زكية ابنة الخير بن نعيم الحضرمّى، فإذا هى جالسة وبين يديها طبق فيه تمر على صورة الطبق الذي رآه بحضرة النبي، ﷺ ، فقال لها: أطعمينى، فناولته ثنتين، ثم استزادها، فأعطته ثنتين، فاستزادها، فأعطته واحدة، فطلب منها الزيادة، فقالت له: لو زادك رسول الله ﷺ شيئا مناما زدناك يقظة، ولو زادك ليلا زدناك نهارا «٣» ! وسجن أحمد بن طولون القاضى «بكّارا» «٤» مدة طويلة، يقال: إنه سجنه بضعة عام «٥» لسبب، وهو أن «الموفق» الخليفة «٦» لما حكم فى خزائن

стр. 249

الأقاليم، أمر نوّابه بالأقاليم بحمل الأموال، وأمر أحمد بن طولون، فأبى عن حمل الأموال وعصى، فأمر أبو أحمد الموفّق «١» بسبّ أحمد بن طولون على المنابر بعد الخطبة، وأمر أحمد بن طولون بسبّ «الموفق» على المنابر. وخرج أحمد بن طولون فى مائة ألف وأكثر إلى دمشق للقاء رسول [أبى] أحمد «٢» الموفق الذي ولّاه على مصر عوضا عن أحمد بن طولون، فلما نزل أحمد إلى دمشق أحضر القضاة وقال لهم: اثبتوا أن «الموفق» خارجىّ «٣» ، ففعلوا له ذلك، فأحضر «بكارا» إليه «٤» وقال له: سجّل لى أنّ «الموفّق» خارجّى. فقال له: لم يثبت ذلك عندى. فقال له: عد إلى بلدك. فلما عاد أحمد من سفره طلب «بكارا» ووبّخه، وقال: من يشهد لك أنّ الخليفة ولّاك «٥» ؟ ثم طلب منه الجوائز التى تقدم «٦» ذكرها، فأحضرها له، ثم سجنه، فأقام مسجونا إلى قبيل موته- كما سيذكر «٧» . وكان يحدّث فى السجن من طاق «٨» ، لأنّ أصحاب الحديث اجتمعوا إلى أحمد بن طولون وشكوا «٩» إليه

стр. 250

انقطاع السّماع «١» من «بكّار» ، وسألوه أن يأذن له فى الحديث، ففعل، فكان يحدّث على ما ذكرنا من طاق فى السّجن. وحديثه مع ابن طولون مستقصى فى سيرته، فلا حاجة بنا إلى ذكره هاهنا فنخرج عن الغرض المقصود بذلك. وكان يغتسل فى كل جمعة فى السجن ويكتحل ويلبس ثيابه ويتطيّب، ثم يصبر «٢» حتى يسمع «٣» النداء بالصلاة، فيأتى إلى السّجّان، فيقول له «٤» : ما تريد أيها القاضى؟ فيقول: أريد أن أصلّى الجمعة وأجيب داعى الله وأعود إليك. فيقول: اعذرنى أيها القاضى، لا قدرة لى على ذلك، يعسر «٥» علىّ. فيقول «بكّار» : اللهمّ إنّى أجبت مناديك فمنعت، اللهمّ فاشهد، ثم يرجع. ولمّا اعتلّ أحمد بن طولون «٦» فى شهر شوال سنة سبعين ومائتين، أمر الناس بالدعاء فى مسجد «محمود» فى سفح الجبل المقطم، فخرج الناس يوم الاثنين، لستّ خلون من شوّال السّنة المذكورة، وخرج معهم محمد بن شاذان الجوهرى، الذي كان خليفة «بكّار» فى القضاء لمّا سجن، وخرج اليهود بالتوراة، والنصارى بالإنجيل، وسألوا وابتهلوا ودعوا.. فاشتدّ به الألم، [فدعا] «٧» خمارويه وقال له: «اذهب إلى القاضى «بكّار» بن قتيبة، فإنى
следующие страницы →