Полный текст (1 089 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
واستحى «١» وظنّ أن فرّط فيها، وأنه يعجز عن القيام بها، فلهذا طالبه.
ولمّا اعتقله أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهرى، ففعل، وجعله كالخليفة له والنائب عنه «٢» . وقال الحسن اللّيثى: حدّثنى بعض شيوخ مصر قال: مررت فى أول اللّيل و «بكّار» فى غرفته يبكى ويصلى ويقول:
كَلَّا إِنَّها لَظى * نَزَّاعَةً لِلشَّوى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى
«٣» يرددها ما تجاوزها.
وروى أبو حاتم ابن أخى «بكّار» قال: قدم على عمّى «بكار» رجل من البصرة، [عنده علم وزهادة وفضل ونسك، فأكرمه عمّى وقرّبه] «٤» وأدناه، وذكر أنه كان معه فى المكتب «٥» فى البصرة، ومضت به الأيام حتى جاء الرجل فى شهادة، ومعه شاهد من شهود مصر، فأدّوا الشهادة عند عمّى، فما قبل شهادة ذلك الرّجل، فلما خرج وهو منكسر القلب قلت لعمى: هذا رجل زاهد، عالم، وأنت تعرفه. فقال: يا بن أخى، مارددت شهادته، إلّا أنّا لمّا كنا صغارا فى المكتب جلست أنا وإيّاه على مائدة فيها أرز وحلوى «٦» ، فنقبت الأرز بأصبعى، فقال لى: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها
«٧» [فقلت له] :
أتهزأ «٨» بكلام الله على الطعام؟! ثم أمسكت عن كلامه مدّة، فما أقدر على قبوله وأنا أذكر ذلك منه.
стр. 247
ودخل على «بكار» قوم من أهل «الرملة» فقال قوم ممّن حوله:
كيف حال قاضيكم؟ فقالوا: عفيف! فالتفت «بكّار» إليهم وقال: لقد غممتمونى «١» يقال: قاض «٢» عفيف، فسدت الدّنيا!!
وقال محمد بن أحمد بن سلامة: ما تعرّض أحد لبكّار فأفلح «٣» .. لقد تعرض إليه غلام من بنى يزد يقال له: عامر بن محمد، وكان قد دسّ عليه وقيل له: تظلّم فيه، وكان فى حجر «بكّار» «٤» ، وكان يقرّبه ليتمه، فرآه «بكّار» فى مجلس المظالم «٥» ، فقال له: ما تصنع هاهنا؟ فقيل له: هو يرفع فيك «٦» !! فقال: على أىّ شىء يا عامر «٧» ! قال: أنفقت مالى «٨» .
قال: أنا يا عامر؟! قال: نعم «٩» . قال: إن كنت كاذبا فلا نفعك الله بعقلك ولا جسمك. قال أبو محمد: أخبرنى من رآه وهو شيخ ذاهل العقل، يسيل لعابه من فالج «١٠» ويسبّ الناس ويرميهم بالحجارة، وهم يقولون «١١» : هذه دعوة الكبير المقدار «١٢» القاضى «بكّار» .
стр. 248
وقال «١» بعض أصحاب التواريخ فى ترجمة القاضى «بكّار» : إنه رأى النّبىّ ﷺ وبين يديه طبق فيه تمر، فقال له: أطعمنى يا رسول الله، فناوله ثنتين، ثم استزاده «٢» ، فأعطاه ثنتين، فاستزاده، فأعطاه واحدة، فاستيقظ من نومه وهو يجد حلاوة التمر فى فمه، ووجد النوى فى يده، ثم إنه أتى إلى السيدة زكية ابنة الخير بن نعيم الحضرمّى، فإذا هى جالسة وبين يديها طبق فيه تمر على صورة الطبق الذي رآه بحضرة النبي، ﷺ ، فقال لها: أطعمينى، فناولته ثنتين، ثم استزادها، فأعطته ثنتين، فاستزادها، فأعطته واحدة، فطلب منها الزيادة، فقالت له: لو زادك رسول الله ﷺ شيئا مناما زدناك يقظة، ولو زادك ليلا زدناك نهارا «٣» !
وسجن أحمد بن طولون القاضى «بكّارا» «٤» مدة طويلة، يقال: إنه سجنه بضعة عام «٥» لسبب، وهو أن «الموفق» الخليفة «٦» لما حكم فى خزائن
стр. 249
الأقاليم، أمر نوّابه بالأقاليم بحمل الأموال، وأمر أحمد بن طولون، فأبى عن حمل الأموال وعصى، فأمر أبو أحمد الموفّق «١» بسبّ أحمد بن طولون على المنابر بعد الخطبة، وأمر أحمد بن طولون بسبّ «الموفق» على المنابر. وخرج أحمد بن طولون فى مائة ألف وأكثر إلى دمشق للقاء رسول [أبى] أحمد «٢» الموفق الذي ولّاه على مصر عوضا عن أحمد بن طولون، فلما نزل أحمد إلى دمشق أحضر القضاة وقال لهم: اثبتوا أن «الموفق» خارجىّ «٣» ، ففعلوا له ذلك، فأحضر «بكارا» إليه «٤» وقال له: سجّل لى أنّ «الموفّق» خارجّى.
فقال له: لم يثبت ذلك عندى. فقال له: عد إلى بلدك. فلما عاد أحمد من سفره طلب «بكارا» ووبّخه، وقال: من يشهد لك أنّ الخليفة ولّاك «٥» ؟
ثم طلب منه الجوائز التى تقدم «٦» ذكرها، فأحضرها له، ثم سجنه، فأقام مسجونا إلى قبيل موته- كما سيذكر «٧» . وكان يحدّث فى السجن من طاق «٨» ، لأنّ أصحاب الحديث اجتمعوا إلى أحمد بن طولون وشكوا «٩» إليه
стр. 250
انقطاع السّماع «١» من «بكّار» ، وسألوه أن يأذن له فى الحديث، ففعل، فكان يحدّث على ما ذكرنا من طاق فى السّجن. وحديثه مع ابن طولون مستقصى فى سيرته، فلا حاجة بنا إلى ذكره هاهنا فنخرج عن الغرض المقصود بذلك.
وكان يغتسل فى كل جمعة فى السجن ويكتحل ويلبس ثيابه ويتطيّب، ثم يصبر «٢» حتى يسمع «٣» النداء بالصلاة، فيأتى إلى السّجّان، فيقول له «٤» :
ما تريد أيها القاضى؟ فيقول: أريد أن أصلّى الجمعة وأجيب داعى الله وأعود إليك. فيقول: اعذرنى أيها القاضى، لا قدرة لى على ذلك، يعسر «٥» علىّ.
فيقول «بكّار» : اللهمّ إنّى أجبت مناديك فمنعت، اللهمّ فاشهد، ثم يرجع.
ولمّا اعتلّ أحمد بن طولون «٦» فى شهر شوال سنة سبعين ومائتين، أمر الناس بالدعاء فى مسجد «محمود» فى سفح الجبل المقطم، فخرج الناس يوم الاثنين، لستّ خلون من شوّال السّنة المذكورة، وخرج معهم محمد بن شاذان الجوهرى، الذي كان خليفة «بكّار» فى القضاء لمّا سجن، وخرج اليهود بالتوراة، والنصارى بالإنجيل، وسألوا وابتهلوا ودعوا.. فاشتدّ به الألم، [فدعا] «٧» خمارويه وقال له: «اذهب إلى القاضى «بكّار» بن قتيبة، فإنى
стр. 251
أرى أنك تجده يصلى، فإذا فرغ من صلاته فقل «١» له: إنّ والدى يقرئك السّلام ويسألك الدعاء، وإن هو عوفى أعادك «٢» إلى مرتبتك. فجاءه خمارويه فوجده قائما يصلى، فلما انتقل من صلاته «٣» نظر «بكار» إليه، فسلّم خمارويه عليه، وأقرأه السلام عن والده، فقال له: لعلّك جئت فى أمره.
فقال: نعم، وقال له: إنه يلتمس منك الدعاء، فإذا هو عوفى أعادك إلى مرتبتك وزادك رفعة. قال: فأخذ القاضى بكّار لحية نفسه «٤» وقال: قل له: يقول لك «بكّار» بن قتيبة: هو شيخ فإن أشرف على حفرته «٥» ، وأنت عليل مدنف «٦» أشرفت على حفرتك، والملتقى بيننا عن قريب بين يدى الله ، والحاكم هو الله الواحد القهار!
فعاد خمارويه إلى أبيه فوجده فى النزع، وتحرّس عن الكلام «٧» ، فقضى نحبه ولحق بربه، وقام بالأمر بعده ولده الأمير أبو الجيش خمارويه، فأرسل إلى القاضى «بكار» يقول له: انصرف إلى منزلك. فقال: الدّار بأجرة، وقد اعتدت بها وصلحت لى. فأقام بها، وجاءه أصحاب الدار يطلبون أجرة الدّار فيما مضى، فقال: لا أجرة علىّ. ويقال: إنه قال لهم: أنتم عفيتم داركم ونجيت بها «٨» ، وهذه أجرة الدار فى المدّة التى أقمت بها، وإذا أقمت دفعت لكم الأجرة التى تستحقّ.
стр. 252
فأقام أربعين يوما، ثم توفى إلى رحمة الله تعالى، وصلّى عليه ولد أخيه محمد بن الحسين بن قتيبة. وعاش محمد بعد عمّه عشر سنين. وكانت جنازة [بكّار] جنازة حافلة «١» ، اجتمع فيها بشر كثير، يقال إنهم كانوا يزيدون على خمسين ألف رجل. ودفن بالقرب من مصلى بنى مسكين القديمة، وحزن لموته الحزن الذي يوازى رؤيتهم به. وكانت ولادته بالبصرة فى سنة اثنتين «٢» وثمانين ومائة- وروى فى ذى القعدة سنة سبع وثمانين [ومائة]- وقد بلغ تسعا «٣» وثمانين سنة، وهو مسجون.
ورئى أحمد بن طولون فى المنام بعد موت القاضى «بكّار» ، فقيل له:
ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى وتجاوز عنى بشفاعة القاضى «بكار» . فقيل له: ما فعل الله بك فى شأن الذين قتلوا بإذنك فى قبضتك وحروبك؟ قال:
كنت بفعلى ذلك بهم رحمة من الله تعالى لهم، كان القتل لهم تخليصا من العذاب الشديد، والشرّ المزيد «٤» .
وقيل: إنه مرّ بصبيان «٥» وهم يرجمون مجنونا، فقال لهم: لم ترجمون هذا؟ فقالوا: هذا يزعم أنه يرى «٦» ربه. فالتفت القاضى إليه وقال: صحيح ذلك «٧» ؟ فقال له المجنون: وكأنك من جملة الصبيان؟! فقال له القاضى:
إن كنت صادقا فمن أنا؟ قال: أنت «بكّار» بن قتيبة الذي علّقت قيود الناس فى عنقك. قال: صدقت.
стр. 253
والدعاء عند قبره «١» مستجاب. ويقال: إنّ رجلا جاء من بغداد فى أيام العادل ابن السلار على وصية بكتاب من الحاكم «٢» ببغداد، فاستقضى المال من الحاكم فلم يوصله إلى شىء منه، وتعسّر عليه الحال، وأخذت الرشوة عليه للحاكم «٣» وغيره، ولم يجد من ينصره، فأراد الانصراف إلى بلده بغير شىء، فقيل له: لو مضيت إلى قبر القاضى «بكّار» ودعوت الله عند قبره أن يجمع عليك ما جئت لطلبه «٤» . ففعل ذلك، ودعا الله تعالى، وتوسل بالقاضى «بكّار» ، وشكا ما يجده من بعد المكان وقلّة المال، ثم مضى من وقته «٥» ، فوجد السلطان راكبا والحاكم معه، فوقف له السلطان وسأله عن [حاله] «٦» وأمره، فأخبره، فالتفت إلى الحاكم وقال له: سلّم لهذا ماله السّاعة، واحذر أن تعيقه «٧» لحظة واحدة. فمضى الحاكم لوقته وسلّم إليه المال، وذلك ببركة الدعاء عند قبر القاضى «بكّار» ﵀.
وكان مولده سنة اثنتين «٨» وثمانين ومائة، كما تقدم، وتوفى في شهر ذى الحجة الحرام سنة سبعين ومائتين، [وكانت وفاته ووفاة أحمد بن طولون، فى سنة واحدة، كما تقدم] «٩» وبلغ عمره تسعا «١٠» وثمانين سنة، وكانت مدة
стр. 254
ولايته «١» أربعا وعشرين سنة، وستة أشهر «٢» ، وستة عشر يوما، وأقامت مصر بعده بغير قاض «٣» ثلاث سنين.
قبر الشيخ أبى رحمة «٤» :
ويلى قبره «٥» قبر الشيخ الصالح، المعروف بأبى رحمة. وكان هذا الرجل صالحا محبوبا عند الناس، يزور الصالحين ويبدى أخبارهم «٦» وفضائلهم، رآه بعض من كان يزور معه فى النوم بعد وفاته، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: والله نجوت بحبّ الله وحبّ رسوله من النار، وغفر لى بكثرة الصّلاة على المختار «٧» .
قبر القاضى الخير بن نعيم «٨» :
ومن غربّى قبر أبى رحمة- تحت الكوم- قبر «٩» القاضى الخير بن نعيم ابن عبد الوهاب بن عبد الكريم بن مرّة بن كريب «١٠» بن عمرو بن
стр. 255
خزيمة بن أوس الحضرمى ثم الأجدومى، من بنى ناهض، يكنى أبا إسماعيل، ويقال: أبا نعيم. انتهت إليه الرياسة فى زمنه، تولّى القضاء والقصص بمصر فى آخر خلافة بنى أميّة، وأول خلافة بنى العباس. وولى القضاء ببرقة فى خلافة بنى أمية، وكان من الفضلاء المحدّثين. وروى عن سهل بن معلى «١» ، وعبد الله بن هبيرة، وعن عروة بن الزبير، وغيرهم. وروى عنه «٢» يزيد بن أبى حبيب، والليث بن سعد، وعمرو بن الحارث، وغيرهم.
وكان يقضى بين الناس فى الجامع العتيق إلى العصر، فإذا كان بعد «٣» العصر خرج على باب المسجد يقضى بين اليهود والنصارى. وكان يزيد بن أبى حبيب «٤» يقول: ما أدركت من قضاة «٥» مصر أفقه من الخير بن نعيم.
ويروى عن سهل بن علىّ [ويقال: عبد الرحمن بن سهل بن علىّ] «٦» قال:
كنت كثيرا ما أجالس الخير بن نعيم، وأنا صغير «٧» السّنّ، وكان يتجر فى الزيت، فقلت له يوما: يا سيدى «٨» ، وأنت أيضا تتجر فى الزيت؟ فضرب بيده على كتفى، وقال: انتظر حتى تجوع ببطن غيرك «٩» ! فقلت فى نفسى: وكيف يجوع إنسان ببطن غيره؟ قال سهل: فلمّا بليت بالعيال إذا أنا أجوع ببطونهم.
стр. 256
وحكى عنه أنّ رجلين أتيا إليه فى وقت صلاة المغرب لحكومة «١» بسبب جمل به عيب يريد المشترى ردّه على البائع، فخاف من فوات صلاة المغرب، فأخّرهما إلى الغد، فذهبا بالجمل وباتا «٢» ، فمات الجمل فى تلك اللّيلة، فلما أصبح الصباح جاء البائع والمشترى إلى القاضى، فقال المشترى: أصلح الله شأن مولانا القاضى، اشتريت من هذا الرجل جملا وقال لى: لا عيب فيه، فوجدت به عيبا، فجئنا به إليك اللّيلة الماضية لفصل الحكم بيننا، فأمرتنا أن نأتى فى الصباح، فمات الجمل فى الليل، فهل ثمنه يكون فى كيسى أو فى كيسه؟
فقال القاضى: يا ولدى، لا فى كيسك ولا فى كيسه، بل فى كيس القاضى الذي لم يخرج لفصل الحكم بينكما. فوزن لهما «٣» ثمن الجمل.
وحكى عن الشريف محمد بن أسعد النّسّابة، نقيب الطّالبيين بمصر- ﵀ أنه حضر إلى القاضى الخير بن نعيم قاضى مصر خصمان، ادّعى أحدهما على الآخر بعشرين دينارا، فسكت المطلوب ولم يجب «٤» . فقال القاضى: ما تقول؟! فسكت أيضا. فقال: ما يخلّصك السّكوت. فناول القاضى رقعة وقال: استرها سترك الله، فسترها القاضى [بكمّه] «٥» وقرأها، فإذا فيها «٦» : العشرون دينارا فى ذمّتى، وما علّى بها شاهد، لا بينى ولا بينه «٧» ، وأنا عاجز «٨» اليوم فى حقّ الرسول قبل حقه، إن اعترفت
стр. 257
اعتقلنى، وإن أنكرت استحلفنى، أفتنا يرحمك الله. فبكى القاضى وأخرج منديلا من كمّه، ووزن العشرين دينارا لربّ المال، فقال له: ما هذا يا سيدى؟
قال: خلاص هذه القضية «١» ، وقرأها عليه، فقال له: يا سيدى، أى شىء أردت بهذا؟ قال: الأجر والثّواب. فقال ربّ المال: أنا أولى بذلك وأحق، والله لا أطالبه أبدا. فهمّ المطلوب أن يقوم، فقال القاضى: هؤلاء خرجوا لله، لارجعت فيهم «٢» ، فتخلص الرجل من العشرين، وتحصّل على العشرين الأخرى. ويقال: إن المديون امتنع، فتصدّق القاضى بها.
وكان سبب عزله عن القضاء، أنّ رجلا من الجند خاصم إنسانا وقذفه «٣» ، فرفعه خصمه إلى الحاكم وادّعى عليه، وشهد عليه شاهد واحد، وذهب الخصم ليحضر له الشاهد الآخر، فأمر القاضى بحبس الجندى حتى يحضر الرجل الشاهد الآخر، ويقام على الجندى الحد، فأرسل أبو عون عبد الملك بن يزيد «٤» فأخرج الجندى من السجن، فلما بلغ الخير ذلك اعتزل فى بيته وترك الحكم، فأرسل إليه أبو عون فى ذلك، فقال: لا أرجع حتى يردّ الجندىّ إلى مكانه، فلم يردّ، وتمّ على عزمه. فقال له «٥» : فأشر علينا برجل نوليه. فقال: غوث «٦» بن سليمان الحضرمى.
стр. 258
وكانت ولاية الخير بن نعيم على القضاء والقصص ثلاث سنين. وتوفى- ﵀ سنة ستّ «١» وثلاثين ومائة.
*** وتخرج من عند الخير تستقبل القبلة تجد على يسارك ثلاثة ألواح من الرخام على قبور ثلاثة، يقال: إنهم أشراف من البصرة، وتاريخ وفاتهم «٢» على الألواح من الرخام.
وعلى يمينك تجد قبورا متباعدة «٣» ، قيل: إنهم أولاد جعفر بن محمد الصادق.
*** قبر سهل بن أحمد البرمكى «٤» :
ثم تدخل على يسارك تجد تربة كبيرة بها قبر سهل بن أحمد البرمكى، من ذرّيّة البرامكة، كان كاتبا بمصر على الخراج، وكان مغرما بحب أهل البيت، وكان كثير الزيارة لمشهد طباطبا «٥» ، قيل: إنه قال عند موته وهو يجود بنفسه لما رأى [أهل بيته] «٦» ، وقد اجتمعوا يبكون عليه ويصرخون، فأنشد يقول «٧» :
стр. 259
إذا ما بكى الباكون حولى تحرّقا ... وقالوا جميعا: مات سهل بن أحمد
فقولوا لهم: لا تندبوه فإنّه ... مع السّادة الأبرار آل محمد «١»
قبر خلف الكتّانى «٢» :
ومعه فى التربة قبر خلف الكتّانى «٣» ، المتصامم عن سماع القبيح حتى مات، كان فى بداية أمره من ذوى الأسباب «٤» ، ثم اشتغل بالعلوم وبرع فيها، وكان أحد العلماء الفضلاء، وسافر إلى العراق، وأفاد علوما شتى، وحدّث، وحدّث عنه، وروى عنه ابن حمضة الحرانى «٥» ، وقبره إلى جانب قبر سهل المذكور. قيل: لمّا كان فى بداية أمره فى السّبب «٦» باع امرأة كتّانا، فخرج من المرأة ريح، فخجلت واستحت، ففطن لذلك، فقال للمرأة: ارفعى صوتك حتى أسمع ما تقولين، فظنّت أنه أصمّ، ففرحت بذلك وزال خجلها.
ومثل هذا يحكى عن حاتم بن علوان الأصمّ، وأنه شهر بذلك. وكذلك يحكى عن أناس سوى هذين الرّجلين. وتوفى خلف المذكور فى سنة سبع وخمسين [وثلاثمائة] «٧» .
стр. 260
مشهد الشريف «طباطبا» «١» :
ثم تخرج من هذه «٢» التربة إلى مشهد «طباطبا» وهو مشهد عظيم مبارك شريف. بهذا المسجد طائفة من بنى «طباطبا» . [وطباطبا] هو:
أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر الشهيد المقتول ابن عبد الله ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن على بن أبى طالب، لقّب بذلك لرتّة «٣» كانت فى لسانه، كما حكى عن أبى بكر الخطيب، الإمام الجليل، صاحب «تاريخ بغداد» «٤» فى ترجمة إبراهيم المذكور، أنه لمّا قدم بغداد فى خلافة الرشيد سمع به، فبعث إليه، فظن أنّ أحدا وشى به، فدخل على الرشيد، فقام له وأجلسه إلى جانبه، وحادثه، فصار يظهر للرشيد من كلامه الخوف، فقال: ما بك يا أبا إسحاق؟ قال: روّعنى صاحب الطّبا «٥» ، يعنى الذي دعاه، وكان عليه قبا فبدّل القاف طاء، فلقّب بذلك الوقت «طباطبا» .
وقيل: بل طلب يوما ثيابه، فقال الغلام: أجىء بدرّاعة «٦» ؟ فقال:
«طباطبا» ، يعنى: قباقبا. ومن عرف بابن طباطبا فإليه ينسب، وهو أول من لقّب بذلك.
وأمّا من دفن بهذا المشهد فمن ذرّيّته «٧» وفيه قبر ولد ولده على
стр. 261
ابن الحسن، وكانت «١» له مكانة وجلالة، بلغ ماله بعد موته ثلاثة «٢» قناطير ذهب ونصف، وسبعة»
قناطير فضة، وترك مائة عبد، وأربعين أمة، وأوصى أن يتصدّق بنصف ماله. وتوفى فى سنة خمس وخمسين ومائتين.
وممّن قبر بهذا المشهد ولد ولده أحمد بن محمد بن إسماعيل، ذكره طائفة من الفضلاء، منهم المؤرخ الفاضل أحمد بن خلكان فى كتابه ما صورته: السيد الشريف أبو القاسم أحمد بن محمد بن إسماعيل، عرف بابن طباطبا الرّسّى الحسينى، نقيب الطّالبيين بمصر، وكان من أكابر رؤسائها وكرمائها، وله شعر جيد مليح فى الزهد والغزل، ذكره أبو منصور الثعالبى فى كتابه «يتيمة الدهر» ، وذكر له مقاطيع، من جملتها «٤» :
خليلىّ إنّى للثريّا لحاسد ... وإنى على ريب الزّمان لواجد
أيبقى جميعا شملها وهى ستة ... وأفقد من أحببته وهو واحد
وله أيضا- ويقال: إنه «٥» من كلام وجيه الدولة ابن حمدان، المكنى أبا المطاع، عرف بابن ناصر الدولة، وبذى «٦» القرنين- شعر:
قالت لطيف [لطيف] زارنى ومضى ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد «٧»
فقال: أبصرته لو مات من ظمإ ... وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد
قالت: صدقت، وفاء الحبّ عادته ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدى
стр. 262
ومن شعره المنسوب إليه فى طول اللّيل «١» :
كأنّ نجوم اللّيل سارت نهارها ... فوافت عشاء وهى أنضاء أسفار «٢»
وقد خيّمت كى يستريح ركابها ... فلا فلك جارى ولا كوكب سارى «٣»
ومن شعره أيضا- عفا الله عنه:
بانوا وأبقوا فى الحشاء لهيبهم ... وجدا إذا ظعن الخليل أقاما «٤»
لله أيّام السّرور كأنّها ... كانت لسرعة مرّها أحلاما
يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا ... علما وردّ من الصّبا أيّاما
وكلامه كثير.. وتصدق بجميع مال أبيه المذكور آنفا ولم يترك منه شيئا، وافتقر حتى صار على أكلة فى اليوم. ثم إنّ أحمد بن طولون علم بحاله، فأعطاه قرية بمصر، فكان يحمل إليه خراجها.
وكان من شأنه- رضى الله عنه- أن يشفع للناس ويمشى فى حوائجهم، كثير الرأفة والحلم، قال ابن زولاق: لم ير فى الأشراف الذين نزلوا إلى الديار المصرية «٥» من الحجاز وغيره من البلاد أكثر شفقة وسعيا فى حاجات الناس من أحمد بن طباطبا.
стр. 263
وقال ولده السيد عبد الرّحمن: شفع أبى «١» عند صاحب مصر فى شأن مال طلبه الأمير من الناس، فأبى أن يقبل شفاعته، فرأى الأمير فى اللّيل النّبيّ ﷺ ، قال له: لم لم تقبل شفاعة أحمد بن على بن طباطبا؟ «٢» فلما أصبح الأمير رفع عن أهل مصر الطّلب.
وتوفى السيد الشريف أحمد المذكور فى سنة ٣٢٥ هـ بمصر، وقبر بهذا المشهد، وقد نيّف على التسعين «٣» .
وممّن قبر بهذا المشهد المذكور ولده عبد الله بن أحمد بن طباطبا، قال ابن خلكان فى كتابه المذكور: عبد الله بن أحمد المذكور فى الهمزة هو أبو محمد عبد الله بن السيد الشريف أبى «٤» العباس أحمد بن طباطبا الحجازى الأصل، المصرىّ المولد والدّار والوفاة والملحة «٥» ، وهو المعروف بصاحب السيادة «٦» . كان صاحب رباع وضياع، وله نعمة ظاهرة، وعبيد وحاشية، [كثير التّنعّم] «٧» ، وكان مع هذا من الصالحين، يقوم الليل ويصوم النهار، كثير الصّدقة والضّحايا والحطب من ضياعه «٨» ، وكان حسن المعاملة، كثير الإفضال على أصحابه «٩» ، يتلطف بهم، ويركب إلى أصحابه وأصدقائه للزيارة، ويقضى حوائجهم وحقوقهم، ويطيل الجلوس عندهم.
стр. 264
ذكر أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الحسن اللّيثى، المعروف بابن زولاق، قال: حدثنى عبد الله «١» بن أحمد بن طباطبا، قال: رأيت فيما يرى النائم- ولى من العمر أقل من عشرين سنة- كأنّ طاقا مفتوحا من السماء، فصعدت فيه، ومشيت حتى انتهيت إلى بيت فى صدره سرير الرسول «٢» ، عليه امرأة أعلم أنها خديجة، فقمت إليها، وسلّمت عليها، [فقالت: من تكون؟ فقلت:
عبد الله بن أحمد بن طباطبا، فصفّقت بيديها وقالت: يا فاطمة، قد جاءك من أولادك ولد. فخرجت من بيت على يسار خديجة، فقمت إليها، وقبّلت يديها، فقالت: مرحبا بالولد الصالح، وجلست] «٣» ثم خرج كهلان، أعلم أنهما الحسن والحسين، فقمت وقبّلت يد الواحد، فقال لى: عمّك، وأشار إلى أخيه الحسين «٤» ، ثم جلسوا، ثم خرج رجل عليه سكينة ووقار، فقال لى أحدهما «٥» : هذا جدك أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب، فقاموا كلهم «٦» ، وجلس، ثم رأيت خديجة محترفة «٧» تريد النزول عن السرير، ورأيت الجماعة تحركوا للقيام، وقد سرى نور، ونزلت خديجة، وخرج رسول الله ﷺ ، فقاموا كلهم، وقمت معهم، فأكببت على رجليه أقبّلهما، فمنعنى وقال:
لا تصنع هذا بأحد. وجلسوا يتحدثون، فما أنسى طيب حديثهم، إلى أن قال لى رسول الله، ﷺ : قم. فقلت: يا رسول الله، إنى أريد المقام عندكم.
فقال: قم. فأخذ بيدى وأنزلنى من الطّاق ويدى فى يده وهو يقول لى:
стр. 265
بلغت «١» ؟ فقلت: لا. فقال لى: قد بلغت، ولكن تثبّت. فلما حصلت رجلى على الأرض انتبهت كالمصروع، لا أعقل، فجاءونى بالمعزّمين «٢» ، وعلّقوا التعاويذ، فأقمت نحوا من شهر «٣» وأنا على تلك الحالة، ثم أنّى أفقت وفتحت عينّى، فاستبشر أهلى، وسألونى عن خبرى، فحدّثتهم بحديثى «٤» ، فبلغ الحديث أبا عبد الله الزّبيرى «٥» ، فجاء وسألنى عن ذلك، فأخبرته بحديثى، فبكى وقال: ليت عينى كانت معك، لقد شاهدت يا عبد الله «٦» مشهدا عظيما، وليكوننّ لك نبأ.
قال أبو محمد المذكور «٧» : حدّثنى عبد الله بن يحيى بن طاهر العلوى قال: غرّنى قوم فى أول ما دخلت مصر حتى تقبّلت من أبى بكر محمد بن الماذرائى «٨» ضيعة بألف دينار، فلم يحصل لى من غلتها سوى
стр. 266
أربعمائة «١» دينار، وبقى علىّ ستمائة دينار، فتحيرت، وكلّمت أبا جعفر، وكلمت إنسانا من الناس ليطلعا الماذرائى على حالى «٢» ، فلم يفعلا، فقلت:
والله لأمضينّ إلى عبد الله بن أحمد بن طباطبا، [فأتيته] «٣» فأطلعته على حالى، وعرّفته أنّ عمّى، وأبا جعفر، وغيرهما من الناس، امتنعوا «٤» من سؤاله، فقال: أنا والله أمضى معك. فقدّموا إليه دابّة، فركب معى إلى أبى بكر الماذرائى، فقال له: يا سيدى، هذا الفتى غرّه جماعة «٥» حتى أخذ ضيعة بألف دينار، فلم تغلّ له سوى أربعمائة دينار «٦» ، وقد تحملت عنه من مالى- لشرفه وقرابته من رسول الله ﷺ خمسمائة دينار. ففتح أبو بكر الدواة ووقّع [بالاحتساب «٧» خمسمائة دينار] وحصلت على الأربعمائة المختصة، وبارك الله لى فيها «٨» .
وقال أبو محمد أيضا: حدثنى صديق لى قال: وقفت بقبر عبد الله بن أحمد بن طباطبا، وذكرت أفضاله، فقلت:
وخلّفت الهموم على أناس ... وقد كانوا بعيشك فى كفاف «٩»
стр. 267
ثم مضيت، فلما نمت تلك الليلة رأيته فى النوم، فقال لى: قد سمعت ما قلت «١» وحيل بينى وبين الجواب، ولكن امض إلى مسجدى «٢» وصلّ فيه ركعتين، وادع الله بما أردت يستجاب لك.
ويقال: إن قوما حجّوا وخرجوا يريدون زيارة قبر رسول الله، ﷺ ، فمنعوا الزيارة، فعزّ ذلك على رجل منهم، وضاق صدره، وضاقت عليه الدنيا، فمن كثرة ما أصابه من الهمّ نام، فرأى فى منامه رسول الله ﷺ وهو يقول:
من فاتته زيارتى فليزر ولدى طباطبا.
ويقال إنّ رجلا طحّانا انكسر عليه لرجل جندىّ من الأكراد ثمن قمح، وكان وكيل الكردى الذي عامله فيه، وكان الطّحّان «٣» لا يعرف صاحب القمح، فألحّ الوكيل [عليه فى] «٤» الطلب، فأراد أن يتسحب «٥» منه، فقيل له: لو مضيت إلى قبر الشريف ابن طباطبا ودعوت الله عنده «٦» ، فلعل الله تعالى ببركته يسخّر لك الوكيل يرفق بك أصلح لك من التّسحّب، يختم على موضعك، ويهان أهلك، ويشمت بك العدوّ، ويحزن الصديق.
فأتى إلى باب تربة الشريف وهو يريد الدخول إليها، فوجد الوكيل خارجا من التربة، فقال له: فلان؟! قد تغيبت ممّا أطلبك «٧» ولا أقدر عليك.. أريد الساعة منك المال «٨» . فقال له: أنا أدخل قبر الشريف وأدعو الله عنده، فإنى
стр. 268
قصدت زيارته، وأخرج إليك، فافعل بى ما شئت. فدخل الطّحّان إلى قبر الشريف، فوجد عنده رجلا كرديّا يصلى، ولم يكن يعرف الطّحّان ربّ المال «١» ، فدعا الله تعالى عند القبر، وبكى وتضرع وصاح، وجعل يتلهّف.
فقال له الكردىّ: يا شيخ، ما قصّتك؟ فقال له: يا سيدى، علىّ دين والله ما أقدر على وفائه «٢» ، وقد لقيت وكيل صاحب الدّين «٣» على باب التربة، وما أدرى ما يراد منى، وما معى شىء، وإن اعتقلت «٤» هلكت وهلك صغارى، وشمت بى العدو «٥» . فقال له: وكم عليك من الدّين؟ قال:
مائتا «٦» دينار ثمن قمح ونزل «٧» السعر، وللناس أيضا مائة دينار، لعلّ حاصلى فى الطاحون من عدّة وغيرها ما يساوى مائة دينار. فقال: أبشر واسكت واخرج معى، فإن الله تعالى قد فرّج عنك.
ثم إنّ الجندى قضى صلاته ودعا طويلا، ثم زار، وأخذ بيد الطّحّان وخرج، وإذا بالوكيل [على باب التربة] «٨» قد قام لأستاذه، فقال له الكردى «٩» : مالك عند هذا؟ فقال: لنا عنده كذا وكذا، وهو متسحّب.
فقال: اتركها له فى سبيل الله تعالى. ثم التفت الكردىّ إلى الطّحّان وقال له:
بقى لك حاجة؟ قال: نعم، تعيننى «١٠» بشىء من القمح. فقال للوكيل:
стр. 269
ادفع له مائة أردب من القمح، وخذ حق القمح منه فى أربعة «١» أسابيع حتى يرفع حاله، ففعل. وهذا من بركات هذا الشريف التى أحاطت بزوّاره «٢» .
وكان فى دهليز «٣» داره رجل يكسر اللّوز كل يوم «٤» من أول النهار إلى آخره، ويرسل «٥» الحلوى التى ينفذها لأهل مصر، من الأستاذ كافور الإخشيدى إلى من دونه «٦» ويطلق للرجل المذكور دينارين فى كل شهر أجرة عمله، فمن الناس من كان يرسل له الحلوى كل يوم، ومنهم من يرسل إليه كل جمعة، ومن الناس من يرسل إليه كل شهر. وكان يرسل إلى الأستاذ كافور فى كل يوم جامين من الحلوى ورغيفا فى منديل مختوم، فحسده بعض الأعيان، وقالوا لكافور: الحلوى خير من الرغيف وأحسن، وأمّا هذا الرغيف فإنه لا يحسن أن تقابل به «٧» .
فأرسل إليه كافور وقال: يجرينى الشريف على عادته ويعفينى من الرغيف «٨» . فلما جاءه الرسول ركب من فوره وعلم أنه حسد عليه، وقصد الحاسد إبطاله «٩» ، فلما اجتمع به قال له: أيّدك الله، إنّا ما ننفذ إليك الرغيف تطاولا ولا تعاظما، وإنما عندى صبيّة «١٠» حسنة تعجنه بيدها وهى صائمة تقرأ
стр. 270
القرآن، وتخبزه على سبيل التّبرّك، فإذا كرهته قطعناه. فقال كافور: والله لا أقطعه ولا يكون قوتى بعد اليوم سواه. فعاد إلى ما كان عليه من إرسال الحلوى والرغيف.
ولما مات كافور، وملك أبو تميم معدّ بن المنصور العبيدلى المعز «١» ديار مصر على يد عبده القائد جوهر، وجاء المعزّ بعد ذلك من إفريقية، وكان يطعن فى نسبه، فلما قرب من البلد وخرج الناس للقائه، اجتمع به جماعة من الأشراف، فقال له من بينهم ابن «٢» طباطبا هذا: إلى من ينسب مولانا؟ فقال له المعزّ: سنعقد لكم مجلسا نجمعكم ونسرد عليكم نسبنا. فلما استقر المعزّ بالقصر جمع الناس مجلسا، وجلس لهم وقال: هل بقى من رؤسائكم أحد؟
فقالوا: لم يبق أحد. فسلّ عند ذلك نصف سيفه وقال: هذا نسبى. ونثر عليهم ذهبا كثيرا وقال: هذا حسبى. فقالوا جميعا: سمعنا وأطعنا.
وحكت عنه زوجته السيدة خديجة بنت محمد بن إسماعيل بن القاسم الرّسّى ابن إبراهيم طباطبا «٣» ، والآتى ذكرها فيه، قالت: كانت لنا دار على سيف
стр. 271
البحر «١» بحافة النيل، فتوجهت إليها وهو معى، وكان لنا فى الدار أمتعة وأسباب «٢» ، فوجدت رجلا سارقا قد فتح الأبواب وجعلها كارة «٣» عظيمة، وحملها على رأسه، فلما طلعنا من السلم عارضنا فى الطريق، فأردت أن أتكلم، فأشار إلىّ بالسكوت، فجعل اللص يزاحمنا فى السّلّم، وبعلى يلقى عنه الحائط «٤» ، فلما نزل قلت له: هذا سارق أخذ متاعنا، لأى سبب تركته؟
قال: وما يدريك أنّ ذلك يكون سببا لتوبته. قالت: فلم تمض أيام «٥» قلائل حتى جاءه رجل ومعه عبيد وحشم، فقال: يا سيدى، أريد أن أخلو بك، فجاء معه، فقال له: هل تذكر «٦» الرّجل الذي كنت تلقى عنه الحائط بيدك؟ قال: نعم. قال: يا سيدى أنا هو، ولقد بورك لى فى متاعك حتّى أنّ جميع ما تراه منه، ومعى آلاف، وقد جئت إليك بألف درهم وعبدين وجاريتين. فتبسم ثم قال له: منذ رأيتك دعوت لك بالبركة، والله لا أقبل منك شيئا. ثم دعا له بدعوات عظيمة، وقال له: اذهب فى حفظ الله وسلامته.
قالت: ثم صار الرجل فى كل قليل يأتى إليه يصلى، ويسلم عليه.
وكان الشريف- ﵀ حسن المذهب، كثير الأفضال كما ذكر فى أول ترجمته. وكانت ولادته فى سنة ستّ وثمانين ومائتين، وتوفى- رضى الله عنه- بمصر فى الرابع من شهر رجب، سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة بعلّة يقال لها «التوثة» «٧» عرضت له فى حنكه وحلقه، وعولج بضروب العلاجات ولم
стр. 272
تفد شيئا، وكانت علّته غريبة لم يسمع بمثلها. وصلّى عليه فى مصلى العيد، وحضر جنازته من الخلق ما لا يحصى عددهم إلّا الله . ودفن بقرافة مصر بهذا المشهد، وقبره معروف يزار، وهو مشهور بإجابة الدعاء.
وهذه الحالة التى وقعت له مع المعزّ عند قدومه مصر جاء ذكرها فى كتاب الدول المنقطعة، لكنها تناقض تاريخ الوفاة، فإن المعزّ دخل مصر فى شهر رمضان سنة ٣٦٢ هـ، وابن طباطبا توفى- رضى الله تعالى عنه- فى سنة ٣٤٨ هـ كما هو مذكور، فكيف يمكن الجمع بينهما؟ قال ابن خلّكان: وأفادنى تاريخ وفاته الحافظ زكّى الدين عبد العظيم المنذرى الشافعى، وراجعته فى هذا التناقض، فقال: أمّا الوفاة فهى محقّقة، ولعلّ صاحب الواقعة ولده، والله أعلم «١» .
قبر على بن الحسن، صاحب الحورية «٢» :
وممّن قبر بهذا المشهد أبو الحسن على بن الحسن بن على بن محمد بن أحمد بن على بن الحسن، المعروف بصاحب الحورية «٣» ، يقال: إنه رأى فى المنام أنّ جارية نزلت من السماء من أحسن خلق الله تعالى، أضاءت الدنيا لنور وجهها، فقال لها: من أنت؟ قالت: لمن يعطى ثمنى. فقال لها: وما ثمنك؟
قالت: مائة ختمة. فقرأها، وفرغ منها، فرأى فى المنام الحورية «٤» فقال لها:
قد فعلت ما أمرتنى «٥» به. فقالت له: يا شريف، إنك ليلة غد «٦» عندنا.
стр. 273
فأصبح الشريف وجهّز نفسه ودعا الناس لجنازته، وأعلم أهله، فمات فى ذلك اليوم، رضى الله عنه.
ويقال إنه لقّب بذلك لأنه كان فى أول عمره ينام الليل، فرأى الجنة وما فيها من الحور العين، فأعجبته حورية «١» ، فقال لها: هلمّى إلىّ، فقالت:
لا سبيل إلى ذلك إلّا أن تعطينى أمنيتى. فقال لها: ما أمنيتك؟ فقالت: قيام اللّيل. فقال: والله لا نمت بعدها. فأدركته سنة من النوم فى بعض الليالى، فقالت له: إيّاك والنوم فينفسخ العقد. فكان لا ينام ليلا ولا نهارا حتى مات، رضى الله عنه.
قبر يحيى بن على العلوى «٢» :
وممن قبر بهذا المشهد أبو القاسم يحيى بن على بن محمد بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن أبى طالب، وكان يحيى بن على من أكابر العلويين، انتهت إليه الرئاسة فى زمنه، ومعه ولده أحمد، ورأسه تحت رجليه. وكان جليل القدر، عظيم المنزلة، يأتيه السائل فيعطيه ثوبه، وجاءه رجل فسأله: هل من شىء لله؟ فقال له: لم يكن عندى سوى نفسى فخذنى فبعنى، فأخذه وجاء به إلى الوزير الماذرائى، فقال له: يا وزير اشترنى «٣» من هذا! فقال: من يقدر على ثمنك؟ ثم دفع للرجل مائة دينار، ويقال: ألف دينار.
ومن كلامه- رضى الله عنه: أشدّ الخجل خجل السؤال، وأشدّ الندم ندم العاصى.
стр. 274
قبر أبى الحسن بن على (ولد صاحب الحورية) «١» :
وممن قبر بهذا المشهد أبو الحسن بن على بن محمد بن أحمد بن على بن الحسن بن طباطبا، وهو ولد صاحب الحورية، وكان من الزّهّاد العبّاد، توفى- رضى الله عنه- فى سنة ٣٥٢ هـ.
قال- رضى الله تعالى عنه: رأيت رسول الله ﷺ فى المنام، فقلت:
يا رسول الله، من أقرب إليك من أهلك؟ قال: من ترك الدنيا وراء ظهره، وجعل الآخرة نصب عينيه، ولقينى وكتابه مطهّر من الذنوب. ومعه فى قبره والدته، ووالده المذكور آنفا.
بعض من دفن بمشهد «طباطبا» من نسله غير ما تقدم «٢» :
وممن قبر بهذا المشهد الحسن بن محمد بن أحمد بن القاسم الرّسّى ابن إبراهيم طباطبا، والرّسّ قرية من قرى المدينة، سكنها القاسم المذكور فعرف بها. ولمّا دخل القاسم المذكور إلى مصر جلس بالجامع العمرى، واجتمع عليه الناس لسماع الحديث، وجمعوا له المال، فأبى أن يقبل منه شيئا، فزاد أهل مصر محبّة فيه لزهده فى المال. وكانت له دعوة مجابة.
وقال العبيدلى «٣» : كان القاسم أبيض، مقرون الحاجبين، كثير الخشوع، يتكلم بالحديث غالبا والقرآن، وكان كثيرا ما يقول: حدثنى أبى عن جدى عن أمير المؤمنين علّى بن أبى طالب، رضى الله عنه، أنه كان يقول:
من أراد البقاء، ولا بقاء «٤» ، فليباكر الغداء، ولا يتمسى بالعشاء،
стр. 275
وليخفّف فى الصيف الرّداء، ويثقل فى الشتاء، وليقلّل من مجامعة النساء، وخير نسائكم طيبة الرّائحة.
وكان القاسم أكثر أهل زمانه فقها وحديثا وعلما، ومات بالرّسّ بعد أن رجع من مصر إليها فى سنة عشرين ومائتين.
*** وممّن قبر بهذا المشهد علىّ بن الحسن بن طباطبا، توفى- ﵀ فى سنة ٣٤٨ هـ.
*** وممّن قبر بهذا المشهد الحسن بن محمد بن أحمد بن على بن الحسن بن إبراهيم طباطبا.
*** وممّن قبر بهذا المشهد بغا «١» الكبير أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أحمد ابن على بن الحسن بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن الحسن بن الحسن بن علىّ «٢» بن أبى طالب.
***
стр. 276
وممّن قبر بهذا المشهد بغا الصغير، وهو المسمى أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن على بن الحسن بن إبراهيم طباطبا. قتل المذكور بالإسكندرية فى جمادى الأولى «١» سنة ٣٥٥ هـ، وجىء به حتى دفن بهذا المشهد.
*** وممّن قبر بهذا المشهد أخو عبد الله بن طباطبا، صغير، توفى قبل وفاة أخيه فى جمادى الأولى سنة ٣٣٣ هـ، وقبره تحت رجلى أخيه.
*** وممّن قبر بهذا المشهد الحسن بن على بن أحمد بن على بن الحسن بن محمد ابن إبراهيم طباطبا، المعروف بالأزرق الكبير. وبالمشهد ولده على بن الحسن الأزرق، وبالمشهد ولده أبو «٢» محمد الحسن بن على بن الحسن الأزرق.
*** وممّن قبر بهذا المشهد الأزرق الصغير محمد بن عبد الله بن أحمد بن على ابن الحسن بن إبراهيم طباطبا، توفى- ﵀ بدم أصابه فى لسانه بدعاء أبيه.
*** وممّن قبر بهذا المشهد الحسين بن محمد بن محمد بن أحمد بن على بن الحسين بن إبراهيم طباطبا، وقد دفن هو ووالده فى قبر واحد.
وقد انتهى الكلام بفضل الله على من دفن بهذا المشهد من ذكور بنى طباطبا. ثم يأتى الكلام «٣» على من دفن بهذا المشهد من إناثهم.
стр. 277
من دفن بمشهد «طباطبا» من إناثهم «١» :
فمن المقبورات «٢» بهذا المشهد- عند باب القبة- السيدة خديجة ابنة محمد بن إسماعيل بن القاسم الرّسّى ابن إبراهيم طباطبا، وكانت هذه السيدة زاهدة عابدة، كثيرة العبادة والزهد، وكانت تحت «٣» عبد الله بن أحمد بن طباطبا، وكان يقول: إنها تسابقه لصلاة اللّيل، قال: وما رأيتها ضحكت قط.
وحكى عنها إنسان جلس على قبرها، وكان به ورم فى رجله، فأخذ من تراب القبر وقال: بسم الله، ومسّ بالتراب فى رجله، فوجد الشفاء ببركة هذه السيدة العظيمة، وتوفيت، رضى الله عنها، فى سنة عشرين وثلاثمائة.
*** ومن المقبورات فى هذه التربة نفيسة ابنة على بن الحسن بن إبراهيم، وهى عمة عبد الله بن أحمد بن على بن طباطبا. وبهذا المشهد قبر السيدة آمنة ابنة الحسن بن محمد بن أحمد بن السيد على بن الحسن بن إبراهيم طباطبا، وهى أخت على بن الأزرق. وبهذا المشهد أيضا نفيسة بنت على بن الأزرق بن الحسن المذكور.
من دفن بمشهد «طباطبا» من الصالحين «٤» :
وقد انتهى الكلام- حسب الطاقة- على من قبر بهذا المشهد من إناث بنى طباطبا، وبقى الكلام على من دفن بهذا المشهد من غير بنى طباطبا، ولكن
стр. 278
نقول: كان بعض الصالحين المحبين لأهل البيت الطاهرين، إذا قصد زيارة هذا المشهد ودخل من بابه، كشف رأسه إجلالا لأهل البيت، ثم يأتى إلى وجه الضريح ويستدبر القبلة ويقول: السلام عليكم أهل البيت المكرّم، السلام عليكم نسل النبي المعظّم، السلام عليكم أهل بيت رسول الله، ﷺ ، السلام عليكم يا من سفرت لوامع مجدهم، السلام عليكم يا من همرت هوامع وفدهم «١» ، السلام عليكم يا من ظهرت أنوار علائهم، السلام عليكم يا من بهرت آثار نسائهم «٢» ، السلام عليكم يا تحية الشرف الباذخ «٣» ، السلام عليكم يا سلالة المجد الراسخ، السلام عليكم يا جواهر العلا، السلام عليكم يا أسياد الملا «٤» ، السلام عليكم ينابيع المكارم، السلام عليكم سلائل الأكارم، السلام عليكم ورحمة الله العلىّ، وتبائع إنعامه وفضله الجلّى، صلّى الله على جدكم أفضل وأزكى وأنمى وأعلى صلاة صلّاها على أحد من أنبيائه ورسله. ثم يقول: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«٥» ثم ينشد بصوت رقيق:
يا بنى الزهراء يا من قدركم ... قد سما فى الأرض يا من سدتم «٦»
يا بنى السّبطين من هم بغيتى ... وملوك الأرض أنّى يمّموا «٧»
من يضاهيكم وطه جدّكم ... أهل بيت المصطفى هم أنتم «٨»
стр. 279
جدّكم أزكى نبىّ مرسل ... من أتانا بالهدى جدّكم
جدّكم ربّ البرايا اختاره ... فلهذا خيرنا قد كنتم «١»
جدّكم ربّنا شرّفه ... مهبط الوحى نبىّ أعظم «٢»
جدّكم ليس على مولى الورى ... أحد فى الخلق من هو أكرم
وعلىّ المرتضى أصلكم ... فلهذا كلّ فخر حزتم
أنتم الأشراف سادات الورى ... من سواكم يا أجلّا فقدتم «٣»
كيف لا يامن هم سؤلى وقد ... أذهب الرحمن رجسا عنكم «٤»
نال كلّ الخير مع ما رامه ... من دعا الله تعالى بكم
حزتم جودا وفضلا وتقى ... جودكم عمّ البرايا منكم
كم كسير ذى احتياج جاءكم ... نال ما يرجوه من خيركم
كم فقير يا كرام بكم ... ذا غناء صار من بذلكم «٥»
قل لمن يعذلنى فى حبّهم ... يا جهول، ما بعدل تحكم «٦»
لست أسلو حبّهم لا والذي ... منّ، ما السّلوى بشأنى عنهم «٧»
حبّهم وسط فؤادى ساكن ... وبه نار فؤادى تضرم «٨»
يا كرام مهجتى قد ملكوا ... بل وكلّى وجميعى لهم «٩»
هل لراجى وصلكم يا سادتى ... عطفة منكم لصبّ يرحم «١٠»
стр. 280
يا إله العرش أدعوك بهم ... وبطه جدّهم يا منعم
جد على عبد ضعيف بالرّضا ... وامح يا ربى ذنوبا تعظم
وعلى الهادى إلهى صلّ ما ... قد حدا حاد بركب يقدم «١»
وعلى آل وصحب منهم ... بين خلق الله نور أنجم
ثم يدعو بعد القراءة بما تيسّر «٢» ، وكان ملازما لذلك على الدوام، رحمه الله تعالى وعفا عنه.
قبر العبد الصالح «فرج» «٣» :
انتهى ذلك. رجعنا إلى ذكر المقبورين بهذا المشهد من غير بنى طباطبا، فنقول: بجانب قبر الإمام أبى الحسن بن على بن الحسن المعروف بصاحب الحورية «٤» ، قبر به العبد الصالح فرج «٥» ، كان عبدا لهم، توفى قبل وفاتهم، وكان إذا اشتد عليهم الأمر فى شىء قالوا: «اللهمّ ببركة فرج فرّج عنا» ، فيفرج الله عنهم ببركته.
قبر ابن زولاق- المؤرخ المصرى «٦» :
وممّن قبر بهذا المشهد العالم الفاضل، المؤرخ أبو محمد «٧» الحسن بن
стр. 281
إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن على بن خلف بن راشد بن عبد الله بن سليمان ابن زولاق الليثى المصرى. كان فاضلا فى التاريخ، وله فيه مصنف جيد، وله كتاب فى خطط مصر القديمة استقصى فيه، وكتاب «أخبار قضاة مصر» جعله دليلا «١» على كتاب أبى عمر «٢» محمد بن يوسف الكندى الذي ألفه فى أخبار قضاة مصر، وانتهى فيه إلى سنة ستّ «٣» وأربعين ومائتين، فكمّله ابن زولاق المذكور، وابتدأه «٤» بذكر القاضى بكار بن قتيبة، وختمه بذكر محمد بن النعمان، وتكلم على أحواله- رحمه الله تعالى- إلى رجب، يعنى سنة ٣٨٦ هـ. وكان جده الحسن بن على من العلماء المشاهير.
وكانت وفاته- أعنى أبا محمد «٥» - يوم الثلاثاء «٦» ، الخامس والعشرين من ذى القعدة الحرام سنة ٣٨٧ هـ.
ورأيت «٧» فى كتابه الذي صنفه فى أخبار قضاة مصر، فى ترجمة القاضى أبى عبيد، أنّ الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير توفى فى جمادى الأولى «٨» سنة ٣٠٦ هـ ثم قال: قبل مولدى بثلاثة أشهر، فعلى هذا التقدير تكون ولادة ابن زولاق المذكور فى شهر شعبان من السنة المذكورة.
стр. 282
وروى أبو محمد «١» المذكور عن الإمام أبى جعفر محمد بن سلامة الطحاوى. وابن زولاق الليثى- قال يونس بن عبد الأعلى الصدفى: هو اللّيثى «٢» بالولاء، والله أعلم.
قبر القاضى أبى الطاهر محمد بن أحمد «٣» :
وممّن قبر [بهذا المشهد] «٤» القاضى أبو الطاهر «٥» محمد بن أحمد، عرف بابن نصير، وقيل: نصر، ولى القضاء يوم السبت لثلاث عشرة بقيت أو خلت من جمادى الأولى «٦» - وقيل: ربيع الأول- سنة ستّ «٧» وأربعين وثلاثمائة.
وكان إماما زاهدا عابدا، مقبلا على الله ، تحمل إليه الأموال فلا يقبلها، وكان شديدا فى الله، كثير التسليم، وقيل: إنه نافد رسولا «٨»
دخل إلى مصر من قبل الفاطميين فلم يبت الرسول بمصر خشية منه.
стр. 283
وفى أيامه قدم المعز لدين الله الخليفة الفاطمى، فلما قضى «١» قيل للقاضى: اخرج إلى لقائه، فقال: ليس لى به حاجة.
وكان دخول المعز فى سنة اثنتين «٢» وستين وثلاثمائة. وكان جوهر القائد الأزهرى «٣» قد أقرّه على ولايته لمّا دخل على عساكر المعز، قبل أستاذه لتسلّم الديار المصرية، ثم إن المعز لما جلس بمصر واستدعى وجوه الناس قال:
أين القاضى؟ فقيل له يحضر، فجىء به إليه، فنظر عليه أثوابا خلقة «٤» ، فقال:
أنت القاضى؟ قال: نعم. فقال المعزّ: القاضى يعطى ألف دينار لإصلاح حاله. فقال: ليس لى به حاجة. فغضب المعز وقال: تردّ علىّ هديتى؟! فقال: ليس لى به حاجة، وعندى قوت ثلاثة أيام. فقال له رجل من أهل الشرطة: إنّه يدّعى الورع بين يديك. فقال المعز: ما يقول هذا. وكان المعز كثير الحلم. فقال القاضى: اللهمّ إن كان ما قال حقّا «٥» فاغفر له، وإلّا فاسلبه عقله. فجنّ من وقته، فتعجب المعز لذلك، وكان يزوره بعد ذلك مستخفيا.
стр. 284
وقال أبو جعفر بن نصر: كنت عند المعز، فذكر عنده القاضى أبو الطّاهر «١» ، وأنه لا مال له، فبعث المعز إلى داره، فلم يجدوا فيها شيئا سوى ثلاثة دراهم، فقال المعز لقوم قدموا عليه من المغرب «٢» : هكذا الزّهّاد، وهكذا الزهد.
ولما بلغ المعزّ موت «٣» القاضى تأسّف على موته وقال: رفع الزّهد من بعده. وكانت وفاته سنة تسع وستين وثلاثمائة، ودفن إلى جانب قبر سهل بن أحمد البرمكى. وبهذه التربة جماعة أخر، والله أعلم «٤» .
*** قبر الفقيه يحيى بن بكير «٥» :
ثم تخرج من التربة وأنت مستقبل القبلة، قيل: كان بين الجوسقين «٦» قبر بأربعة ألواح رخام، فوقها صندوق، مكتوب عليها «٧» : يحيى بن بكير، وهو راوى الموطأ عن مالك.
стр. 285
قبر أبى يعقوب النهرجورى «١» :
فإذا جزت ثمّ تزور»
بالنية، وتجىء عن يمينك قبل أن تصل إلى مقطع الحجارة، فتدخل على يمينك وأنت مستقبل القبلة تجد قبرا يقال: هو قبر أبى يعقوب «٣» النّهرجورىّ، قيل: إنه قرأ على أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب القرآن «٤» . قال الصلاح الصّفدىّ- ﵀ فى كتابه «الوافى بالوفيات» : إسحاق بن محمد «٥» أبو يعقوب النّهرجورىّ، من كبار مشايخ الصوفية وعلمائهم، جاور بمكة سنينا «٦» كثيرة، ومات بمكة ولم يمت بمصر ولم يدفن بها، مات فى سنة ٣٣٠ هـ.
ومن كلامه- رضى الله عنه: «مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب» . وقال: «العابد يعبد الله تخويفا، والعارف يعبد الله تشريفا» . وقال: «احترسوا «٧» من الناس بسوء الظن بأنفسكم لا بالناس» .
следующие страницы →