← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11789

مرشد الزوار الى قبور الابرار

زين الدين ابن الموفق

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن على بن خلف بن راشد بن عبد الله بن سليمان ابن زولاق الليثى المصرى. كان فاضلا فى التاريخ، وله فيه مصنف جيد، وله كتاب فى خطط مصر القديمة استقصى فيه، وكتاب «أخبار قضاة مصر» جعله دليلا «١» على كتاب أبى عمر «٢» محمد بن يوسف الكندى الذي ألفه فى أخبار قضاة مصر، وانتهى فيه إلى سنة ستّ «٣» وأربعين ومائتين، فكمّله ابن زولاق المذكور، وابتدأه «٤» بذكر القاضى بكار بن قتيبة، وختمه بذكر محمد بن النعمان، وتكلم على أحواله- رحمه الله تعالى- إلى رجب، يعنى سنة ٣٨٦ هـ. وكان جده الحسن بن على من العلماء المشاهير. وكانت وفاته- أعنى أبا محمد «٥» - يوم الثلاثاء «٦» ، الخامس والعشرين من ذى القعدة الحرام سنة ٣٨٧ هـ. ورأيت «٧» فى كتابه الذي صنفه فى أخبار قضاة مصر، فى ترجمة القاضى أبى عبيد، أنّ الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير توفى فى جمادى الأولى «٨» سنة ٣٠٦ هـ ثم قال: قبل مولدى بثلاثة أشهر، فعلى هذا التقدير تكون ولادة ابن زولاق المذكور فى شهر شعبان من السنة المذكورة.

стр. 282

وروى أبو محمد «١» المذكور عن الإمام أبى جعفر محمد بن سلامة الطحاوى. وابن زولاق الليثى- قال يونس بن عبد الأعلى الصدفى: هو اللّيثى «٢» بالولاء، والله أعلم. قبر القاضى أبى الطاهر محمد بن أحمد «٣» : وممّن قبر [بهذا المشهد] «٤» القاضى أبو الطاهر «٥» محمد بن أحمد، عرف بابن نصير، وقيل: نصر، ولى القضاء يوم السبت لثلاث عشرة بقيت أو خلت من جمادى الأولى «٦» - وقيل: ربيع الأول- سنة ستّ «٧» وأربعين وثلاثمائة. وكان إماما زاهدا عابدا، مقبلا على الله ، تحمل إليه الأموال فلا يقبلها، وكان شديدا فى الله، كثير التسليم، وقيل: إنه نافد رسولا «٨» دخل إلى مصر من قبل الفاطميين فلم يبت الرسول بمصر خشية منه.

стр. 283

وفى أيامه قدم المعز لدين الله الخليفة الفاطمى، فلما قضى «١» قيل للقاضى: اخرج إلى لقائه، فقال: ليس لى به حاجة. وكان دخول المعز فى سنة اثنتين «٢» وستين وثلاثمائة. وكان جوهر القائد الأزهرى «٣» قد أقرّه على ولايته لمّا دخل على عساكر المعز، قبل أستاذه لتسلّم الديار المصرية، ثم إن المعز لما جلس بمصر واستدعى وجوه الناس قال: أين القاضى؟ فقيل له يحضر، فجىء به إليه، فنظر عليه أثوابا خلقة «٤» ، فقال: أنت القاضى؟ قال: نعم. فقال المعزّ: القاضى يعطى ألف دينار لإصلاح حاله. فقال: ليس لى به حاجة. فغضب المعز وقال: تردّ علىّ هديتى؟! فقال: ليس لى به حاجة، وعندى قوت ثلاثة أيام. فقال له رجل من أهل الشرطة: إنّه يدّعى الورع بين يديك. فقال المعز: ما يقول هذا. وكان المعز كثير الحلم. فقال القاضى: اللهمّ إن كان ما قال حقّا «٥» فاغفر له، وإلّا فاسلبه عقله. فجنّ من وقته، فتعجب المعز لذلك، وكان يزوره بعد ذلك مستخفيا.

стр. 284

وقال أبو جعفر بن نصر: كنت عند المعز، فذكر عنده القاضى أبو الطّاهر «١» ، وأنه لا مال له، فبعث المعز إلى داره، فلم يجدوا فيها شيئا سوى ثلاثة دراهم، فقال المعز لقوم قدموا عليه من المغرب «٢» : هكذا الزّهّاد، وهكذا الزهد. ولما بلغ المعزّ موت «٣» القاضى تأسّف على موته وقال: رفع الزّهد من بعده. وكانت وفاته سنة تسع وستين وثلاثمائة، ودفن إلى جانب قبر سهل بن أحمد البرمكى. وبهذه التربة جماعة أخر، والله أعلم «٤» . *** قبر الفقيه يحيى بن بكير «٥» : ثم تخرج من التربة وأنت مستقبل القبلة، قيل: كان بين الجوسقين «٦» قبر بأربعة ألواح رخام، فوقها صندوق، مكتوب عليها «٧» : يحيى بن بكير، وهو راوى الموطأ عن مالك.

стр. 285

قبر أبى يعقوب النهرجورى «١» : فإذا جزت ثمّ تزور» بالنية، وتجىء عن يمينك قبل أن تصل إلى مقطع الحجارة، فتدخل على يمينك وأنت مستقبل القبلة تجد قبرا يقال: هو قبر أبى يعقوب «٣» النّهرجورىّ، قيل: إنه قرأ على أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب القرآن «٤» . قال الصلاح الصّفدىّ- ﵀ فى كتابه «الوافى بالوفيات» : إسحاق بن محمد «٥» أبو يعقوب النّهرجورىّ، من كبار مشايخ الصوفية وعلمائهم، جاور بمكة سنينا «٦» كثيرة، ومات بمكة ولم يمت بمصر ولم يدفن بها، مات فى سنة ٣٣٠ هـ. ومن كلامه- رضى الله عنه: «مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب» . وقال: «العابد يعبد الله تخويفا، والعارف يعبد الله تشريفا» . وقال: «احترسوا «٧» من الناس بسوء الظن بأنفسكم لا بالناس» .

стр. 286

وقال: «من كان شبعه بالطعام لم يزل جائعا، ومن كان غناه بالمال لم يزل فقيرا، ومن قصد بحاجته الخلق لم يزل محروما، ومن استعان على أمر الله بغير الله لم يزل مخذولا» . وقال: «الدنيا بحر، والآخرة ساحل، والتقوى مركب، والناس على سفر» . وقال فى تفسير قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ «١» : لو كان ثمنه الكونين لكان بخسا فى جنب مشاهدته. ولمّا كان فى النّزع «٢» قيل له: [قل] لا إله إلّا الله. فقال للقائل: إيّاى تريد؟ وعزّة من لا يذوق الموت، ما بقى بينى وبينه إلّا حجاب العزّة! ثم طفى من وقته «٣» . وصحب النّهرجورىّ هذا سهلا التّسترىّ «٤» ، والجنيد بن محمد «٥» ، رضى الله عنهم، ونفع ببركاتهم.

стр. 287

وحكى، قال: رأيت رجلا منفردا وهو يقول: «أعوذ بك منك» ، وكان معه الشيخ أبو بكر الرازى، فقال للرجل: ما هذا؟ فقال: يا أبا يعقوب، نظرت يوما إلى شخص جميل، حسن الصورة، فإذا لطمة وقعت على بصرى، فسالت عينى، فسمعت هاتفا يقول: «لطمت بنظرة، ولو زدت زدناك» . وكان من كلامه: «أصل الأحوال ما قارن العمل والمكان» . وقيل: إن المسمّى بقبره هو قبر المرأة الصالحة كلثوم، وقيل: كلثم العربية «١» ، حجّت ثلاثين حجّة راجلة، وكان لها قدم صدق «٢» . ثم تمشى قليلا تجد تربة على مقطع الحجارة، بأوّلها قبر مكتوب عليه «عبد الله بن رواحة» [رضى الله عنه، حادى رسول الله ﷺ ] [والمعروف أن] ابن رواحة قتل فى غزوة [مؤتة بالشام] «٣» . وعند عبد الله المذكور قبر بعلوة لرجل من الأشراف «٤» . ثم تخرج إلى صدر التربة تجد قبر رجل يقال له عبد الرحمن الديباج، من أولاد عثمان بن عفان، رضى الله عنه.

стр. 288

قبر خمارويه بن أحمد بن طولون «١» : وتخرج من التربة تجد قبور أشراف، وتنزل إلى مقطع الحجارة وأنت مستقبل القبلة على يسارك، وتطلع وأنت مستقبل القبلة، تجد على رأس الصيرة «٢» قبّة بها قبر أبى الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، خلف أباه «٣» فى ولاية الديار المصرية، وقتل بالشام، وجىء برأسه، فدفنه بعض خاصته بهذه القبة، وقيل: بل جىء به ودفن، والله أعلم «٤» . وكان فى أيّامه «٥» رجل ورث من أبيه مالا، فأتلفه وأنفقه، ولم يبق عنده سوى جارية، فدعته الضرورة إلى بيعها [فى السوق، ونادى عليها الدّلّال، فبلغ ثمنها قدرا معلوما] «٦» فاشتراها وكيل خمارويه، وجهّزها جهازا حسنا، وأهدى إليها دارا «٧» حسنة حتى يدخل عليها سيدها خمارويه، فلحق سيّدها البائع عليها وجد عظيم «٨» ، [فخرج هائما على وجهه إلى قبر أبيه بهذه الجبّانة، فجلس يبكى] «٩» ، واتفق أنّ خمارويه ركب للزيارة فى ذلك الوقت من ذلك اليوم، وكان كثير الزيارة للمقابر، وكانت له عقيدة صالحة فى زيارة قبور الصالحين، فمر على قبر والد الشاب، فرأى الشاب جالسا يبكى، فقال

стр. 289

له الأمير: من أنت أيها الشاب الجالس على القبر؟ ومن لك فى هذا القبر؟ فقال: صاحب هذا القبر هو والدى. فقال له الأمير: متى مات والدك؟ فقال: له سنين كثيرة. فقال: صدقت، فإنى أزور هذه الجبّانة مدة، فما رأيتك إلّا الساعة، فما الذي ذكّرك بزيارته؟ وما جاء بك إلّا أمر كبير! فقال: يا سيدى، ترك والدى هذا مالا كثيرا فأتلفته وأنفقته، ولم يبق منه سوى جارية كانت عندى من أعزّ الناس، فاحتجت إلى بيعها، فبعتها إلى وكيل الأمير «١» . فقال الأمير: لعلها فلانة. قال: نعم. وقد ذهل عقلى لفراقها. فبكى الأمير أبو الجيش و [قال] «٢» : الجارية فى دار عندى أفردتها لها، وقد وهبتك الدّار والجارية وما هو لها ابتغاء وجه الله تعالى، فإن أحببت أقم عندى، وإلّا ارتحل لموضعك بها، ولك ما يكفيك. ثم أمر الأمير وليّه بتسليم الدار والجارية وجميع ما فيها للشاب. وذكر عنه أيضا أنه ركب يوما بعساكره وجنوده، فانفرد عنهم، فوجد رجلا شيخا على رأسه قفص من جريد قد لفّه بخرق «٣» ، فقال له: يا شيخ، ما فى هذا القفص الذي على رأسك؟ فقال: سنانير «٤» ! فتعجب أبو الجيش من ذلك وقال له: ما تصنع بها؟ قال: أبيعها فى بلاد الشام. فعزّ ذلك عليه وقال: يكون فى رعيتى من يحتاج إلى ذلك؟ ثم قال له: من أى البلاد [أنت] «٥» ؟ قال: من بلد كذا وكذا، فوقّع له بالبلد التى هو قاطن «٦» بها ملكا له وأولاده من بعده. وحكاياته فى ذلك كثيرة جدّا، والله أعلم.

стр. 290

قبر الضيف «١» : ثم تخرج من القبّة إلى الشرق تجد قبّة فى وسط تربة عملها علىّ بن الماذرائى» لنفسه، فاستضاف به «٣» ضيف من أهل الفضل يقال له: نصر ابن دارم- يعنى من ولد دارم بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار بن معد ابن عدنان «٤» - ودفع للماذرائى مالا كثيرا وديعة، فمات الضيف المذكور، فدفنه الماذرائى فى القبة وآثره على نفسه، ودفن هو بجانبها. مآثر على بن أحمد الماذرائى «٥» : والماذرائى هو علّى بن أحمد بن الحسن بن عيسى بن أسلم، المعروف بالماذرائى [كان] «٦» وزيرا فى الدولة الطولونية، وزر «٧» لأبى الجيش خمارويه

стр. 291

ابن أحمد بن طولون، فلما استوزره قصده الناس من كل مكان، وأنشأ الدور والقصور، وملك النّظر فى جميع الديار المصرية والشامية، حتى كان لا يخرج شىء عن يده وأمره ونهيه «١» . وذكر ابن زولاق قال: كانت الغزاة قد خرجوا من مصر يريدون الثغر «٢» وخرج الماذرائى لوداعهم، فبينما هو قائم إذ رأى شيخا قد أقبل، عالى السّنّ، يتوكّأ على عكازه، وفى عنقه خريطة «٣» ، وهو متقلّد بسيف، فدعاه علىّ بن أحمد وقال: إلى أين يا شيخ؟ قال: إلى بلاد الروم أقاتل أعداء الله تعالى جهدى وطاقتى، وإن لحقنى أجلى على الطريق كان أجرى على الله، فإن بلغت ظفرت بالذى أريد، وإن قتلت حصلت على الشهادة. فصاح على ابن أحمد «٤» بحاجبه وقال: أحضر السّاعة بغلة وغلاما، وسيفا وعمامة، فأحضر ذلك، فقال: يا شيخ، هذا لك، وفى كل سنة مثله [إن جئت أنا وجئت أنت] «٥» . قال: فبكى الشيخ وقال: رزقك الله الشهادة- لأنها كانت أعظم ما فى قلب الشيخ- فلما كان الغد قتل على بن أحمد الماذرائى فى ذلك الموضع شهيدا، وما عرف له من قاتل، فعظم ذلك على جميع من بمصر من الصغير والكبير، ورثى بقصائد كثيرة. ولد ﵀ فى سنة ٢٢٦ هـ، وتوفى- ﵀ ﵎ شهيدا كما ذكر، فى شهر جمادى الآخرة «٦» سنة ٢٨٣ هـ.

стр. 292

قبر أبى بكر محمد بن على الماذرائى «١» : وإلى جانبه قبر ولده أبى بكر محمد بن على بن أحمد الماذرائى، وزير تكين [الجبار الذي ولى بعد الطولونية] «٢» . وروى أبو الجعد قال: قرأت فى سير الماذرائيين «٣» أنّ أبا بكر محمد بن علّى كان الغالب عليه الملك والرياسة، وكان مكثرا من الصلاة وتلاوة القرآن، ومداومة الحج فى كل سنة، وملك من الضياع والرّياع ما لم يملكه «٤» غيره من قبله، حتى بلغ ارتفاع أملاكه فى كل سنة أربعمائة ألف دينار، فضلا عن الخراج. وأعطى وولّى، وتصرّف وأنعم، وتفضّل وأفضل «٥» ، ورفع ووضع، [كل ذلك بإذن الله ] «٦» ، وواصل الحج فى كل سنة، من سنة إحدى «٧» وثلاثمائة إلى سنة اثنتين «٨» وعشرين وثلاثمائة، وكان ينفق فى كل حجة مائة ألف دينار وخسمين ألف دينار، ويخرج معه بتسعين ناقة «٩» ، وأربعمائة عربى بجهازه، ومعه محامل فيها أحواض البقل، ومحامل فيها أحواض الريحان، ومحامل فيها كلاب الصيد. وينعم على أولاد الرسول- ﷺ وعلى أولاد الصحابة- رضى الله عنهم أجمعين- ولهم عنده ديوان- يجمع ما يحمله صررا مختومة بأسمائهم. قال ابن زولاق: حدثنى محمد أبو بكر الماذرائى، وقد

стр. 293

ذكرت له ما ينفق، فقال لى: أنفقت فى عشر حجج ألفى ألف دينار ومائتى ألف دينار. وكانت الوفود ترد إليه، وتسير معه، ويتلقونه، وكان يبرز إلى البرز «١» إذا بقى من شوال ثلاثة أيام، فإذا استهلّ ذو القعدة «٢» رفع وسار، ثم يسير إلى مكة ويقيم إلى هلال المحرم، ثم يسير إلى المدينة، فيقيم عند النبي، ﷺ ، حتى يصلى جمعتين، وكان أبو منصور «تكين» أمير مصر يشيعه إذا خرج، ويتلقاه إذا قدم. وكان يجمع إليه جميع ما معه يفرقه هناك من الدراهم والدنانير، والثياب، والحلوى، والطّيب، والحبوب، والأطعمة، ولا يترك شيئا حتى يحمله من القمح والشعير، ولا ينصرف من الحجاز إلّا وجميع من فيه أغنياء. وروى ابن زولاق قال: قيل لأبى بكر الماذرائى: يا سيدى، ما بات أحد فى هذه الليلة بمكة والمدينة وأعمالهما إلّا وهو شبعان من طعامك. فبكى وخرّ ساجدا لله . وروى عبد الله بن أحمد بن طباطبا، قال: رأيت فيما يرى [النائم] «٣» أنّ «تكين] أمير مصر يموت فى يوم كذا وكذا، وأنّ أبا بكر «٤» الماذرائى لا يصيبه شىء، فلما فقدته «٥» فى جنازة «تكين» وحضر الناس، ركبت إليه، وأشرت عليه «٦» بالحضور، فامتنع وقال: أخاف على نفسى، فأخبرته بالرؤيا، فركب وحضر مع الناس «٧» ، وكبّر تكبيرتين ولم يتم الصلاة، فلما

стр. 294

فرغت الصلاة قلت للحاضرين: ما خبر أبى بكر؟ فقيل لى: صلّى إلى جانبه أبو جعفر المنفق «١» ، فقرأ فى الصلاة: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ «٢» فسمعه، فترك الصلاة ومضى، وحمل التابوت إلى بيت المقدس، وضرب الناس بين محمد بن تكين وبين أبى بكر، حتى وقعت فتن عظيمة، فأحرقت دار الماذرائى «٣» ودور الماذرائيين. وبعد هذا وزر ورجع إلى حاله الأول كما كان ابتداء أمره، وحج خمس حجج، فكمل له بذلك سبع وعشرون «٤» حجة على ما وصفنا من السّعة والإنعام، ولم يزل فى سعادة حتى اعتلّ وتوفى- رحمه الله تعالى- سنة ٣٤٥ هـ، وقبره بجانب قبر أبيه. *** ثم ترجع إلى الغرب تجد قبّة تحتها شريفان يزاران. ثم تستقبل القبلة وتجعل الجوسق- أعنى جوسق الماذرائيين «٥» - على يسارك، وتمشى مستقبل القبلة تجد قبلا مرصوصة بالطوب، الدعاء عندها مستجاب «٦» ، ثم تستقبل القبلة تجد على يسارك قبورا فيها ما يزيد على أربعين شريفا «٧» . وعلى يمينك قبر الشريف الجارودى، وعلى يسارك مشهد لطيف فى تربة فيها نساء الشريف طباطبا. ثم تمشى وأنت مغرّب تجد قبر البكرى، وإلى جانبه قبر المقرئ- كان واعظا- وإلى جانبه قبر صغير كانت رجله على وجه الأرض [طالعة من القبر،

стр. 295

وكان كلّ من دفنها يصبح يجدها على وجه الأرض] «١» ، يقال: إنه رفس والدته فدعت عليه. قال المؤلف الذي جمع هذه الأخبار: وأنا [رأيتها، فجاء قوم] «٢» من الزوّار وجدوها على وجه الأرض، فحملوا ترابا كثيرا ودفنوها، فلما عادوا يوم الزيارة وجدوها قد طلعت وظهرت فوق ذلك التراب العظيم الذي جعلوه عليها فوق القبر، فقالوا: يا قوم، ما فيها عاص «٣» غير هذا، ادعوا الله ربنا أن يستره. فدعوا الله تعالى وتضرعوا إليه، وبكوا، وسألوا الله تعالى ستره «٤» . فاستجاب الله دعاءهم وستره، فلم تظهر رجله بعد ذلك «٥» . ويقابل تربته تربة كبيرة، فيها امرأة شريفة، وقبل أن تصل إلى القبة «٦» تجد قبرا عليه عمود رخام لرجل يقال له «العتال» ، واسمه «هبة» ، قيل إنه كان مع قوم من الزوار جاءوا من مصر للزيارة، فلما خلوا بموضع القبر، والشيخ أبو رحمة الذي تقدم ذكره قد جاء من نحو سارية، معه جماعة للزيارة، فلما اجتمعوا سلّم بعضهم على بعض، ثم التفت أبو رحمة إلى هبة العتّال، [وكان شيخا كبيرا، وقال: يا شيخ] «٧» ما بقى إلّا القليل! فقال: والله لقد صدقت. وجعل رأسه بين ركبتيه وهو ينظر إلى الأرض، فحرّكوه فوجدوه ميتا، فدفنوه مكانه، رحمه الله تعالى.

стр. 296

وعنده «١» قبر الشريفة فاطمة ابنة محمد بن عيسى بن محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم بن الحسن [بن الحسن] بن علّى بن أبى طالب «٢» رضى الله عنهم أجمعين- الدعاء عند قبرها مستجاب. قبر الشيخ أبى بكر الأدفوى- ﵀ «٣» : ثم تخرج من التربة وأنت مستقبل القبلة إلى قبر الأدفوى، قبل الوصول إليها قبر الحافى، وهو يزار، ثم تدخل إلى تربة الأدفوى، وهو الشيخ الإمام الفاضل أبو بكر الأدفوى «٤» كان من كبار العلماء، أدرك جماعة من العلماء الفضلاء «٥» وقرأ عليهم، وله المصنفات المشهورة فى علوم القرآن، وروى عنه أحمد بن عبد الجبار، وأبو الحسن الحوفى، وأحمد الكتّانى، والتككى، وغيرهم. قيل: إنه من السبعة الأبدال «٦» ، وقيل: إنه خرج إلى مكة ومعه جماعة من الصوفية والفقراء، فنزلوا على ماء، فأراد أن يجمع للفقراء شيئا، فوضع زنجلة «٧»

стр. 297

ثم قال لأهل القافلة: من كان «١» يملك شيئا يرجو فيه الثواب فليأت به. فنزّل كل واحد منهم شيئا، وإذا بغبرة من البرّيّة «٢» وقد أقبل ثعبان عظيم وفى فمه دينار، فوضعه فى الزنجلة، وأنطقه الله تعالى فقال: نحن من جنّ نصيبين «٣» أتينا لحج بيت الله الحرام. وقيل [للشيخ أبى بكر] «٤» : لو زرت الشيخ أبا الفضل [بن] الجوهرى، فجاء لزيارته، فنظر عليه ثيابا حسنة، وبزّة، وبغلة «٥» ، فرجعت همّته عن زيارته، وانصرف وتركه. وكان أبو بكر يكلم الجن، فرأى امرأة مصروعة، فجاء فوقف عليها وقال فى أذنها للجنّىّ: ويلك خلّها. فقال الجنّى: ما أخلّيها، لأننى قد جئت من نصيبين أنا وسبعة من أصحابى حتى نصلى خلف الشيخ أبى الفضل «٦» ابن الجوهرى، فحبستنى هذه [المرأة ونجّستنى] «٧» ومنعتنى الصلاة دون أصحابى، وما أخليها. فأقسم عليه أن يتركها، فلم يفعل، فقال له «٨» : بحرمة الشيخ أبى الفضل اتركها، فتركها، فقال: والله لأزورنّ الشيخ أبا الفضل «٩» . فجاء إليه مسرعا، وكان أبو الفضل له مجلس يعظ الناس فيه «١٠» ،

стр. 298

فوجده على المنبر وهو يعظ، فلما رآه ضحك وصفق بأكمامه وقال: لولا الجنّى ما عرفتنا «١» . *** ثم تخرج من التربة «٢» وتمضى إلى مسجد زهرون تجد [قبر] «٣» صحابىّ وشهيد، وتحت مسجد زهرون قبور الخولانيين [رحمهم الله تعالى- وكتبوا عليها ألواح الرخام، ومكتوب على لوح الذي بنى] «٤» المسجد منهم: يقول محمد أبو الحسن بن محمد بن عثمان بن عمران بن زكريا الخولانى: إنّى عبد الله، مقرّ بوحدانيته، معترف بربوبيّته، وإنى أشهد أن لا إله إلّا الله سبحانه، وأنّ محمدا عبده ورسوله «٥» ، صلّى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنّ الله تعالى خلقنى وأحيانى، ويميتنى ويحيينى، ويحاسبنى. اللهم اغفر «٦» لى ذنوبى وتجاوز عن سيّئاتى، وارحم ضعفى، واعف عنى، وقنى عذاب النار. اللهم إنى متوكل على إحسانك وفضلك يا مالك الدنيا والآخرة. بنيت هذا القبر فى شوال لتسع وخمسين وثلاثمائة، وقد مضى من عمرى خمس وأربعون «٧» سنة. اللهم، وأنت أعلم بعمرى، فاجعل ما بقى منه فى طاعتك وابتغاء مرضاتك. وأوصيكم إخوانى أنى إذا متّ أن تجعلونى فيه، وتحلونى، وتستغفروا «٨» لى ربى، إنه كان غفّارا. اللهم «٩» وتب علىّ، وتوفّنى مسلما، وأنت أرحم الراحمين.

стр. 299

قبر الشيخ أبى القاسم ابن الشيخ أبى بكر الأدفوى- رحمه الله تعالى «١» : وبجواره قبر أبى حمزة الخولانى، واسمه زيادة بن نعيم، وأبو هان الخولانى، وأبو زيد الخولانى، ثم ترجع إلى تربة الأدفوى لزيارة ولده، وهو الإمام أبو القاسم عبد الرحمن ابن الإمام أبى بكر بن على بن أحمد الأدفوى «٢» ، كان من كبار العلماء الصالحين المحدّثين، حدّث عن أبيه [وعن غيره] «٣» ، وروى عنه أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعى، وأبو الحسن الخلعى وغيرهما. قال القضاعيّ: أخبرنى الفقيه «٤» أبو القاسم عبد الرحمن [بن أبى بكر الأدفوى] «٥» - ورفع الإسناد إلى أبىّ بن كعب، رضى الله عنه- أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: «إنّ لكل شىء قلبا، وإنّ قلب القرآن يس، [من قرأ يس] «٦» وهو يريد بها وجه الله غفر الله له «٧» ، وأعطى من الأجر مثل من قرأ القرآن اثنتى عشرة مرّة، وأيّما مسلم قرئت «٨» عنده إذا نزل به الموت نزل عليه بكل حرف عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا، ويصلّون عليه، ويستغفرون له، ويشهدون غسله، ويشيعون جنازته، ويشهدون دفنه، وأيّما مسلم قرأ يس وهو فى سكرات الموت يقيم «٩» ملك الموت وروحه حتى يأتيه رضوان خازن الجنة [بشراب من شراب الجنة يشربه] «١٠» وهو على

стр. 300

فراشه، فيقدم ملك الموت روحه وهو ريّان، ويبعث يوم القيامة وهو ريّان، ويدخل الجنة وهو ريّان» «١» . وتوفى أبو القاسم عبد الرحمن الأدفوى فى سلخ «٢» ذى القعدة سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وهو مع والده فى القبر عند الخولانيين «٣» . وحكى «٤» عن أبى القاسم المذكور قال: اجتمعت بابن الإمام فتحادثنا، فقال لى: رأيت فى النوم ريحان الجنة. قال: فقلت له: فكيف هو؟ قال: رأيت كلّ عود كالقناة الطويلة، وهو حمحم «٥» من فوقه إلى أسفله بغير ورق. قال الشيخ أبو القاسم: ومضيت إلى وراء فرأيت كأنّ الجنة أمامى، فجئت إليها لأدخلها، فرأيت من داخلها نهرا يجرى بلا حدود، فقيل لى: هذه أنهار الجنة. ثم «٦» انتبهت من نومى، فلما أصبحت جئت إلى أبى الإمام، فقال لى أبى: هنّاك الله بما رأيت، الأنهار خير من الريحان. وكان أبو القاسم المذكور كثير العلم، له حلقة بجامع مصر يحضرها سادات العلماء. وكان أكثر لباسه الصوف. ودخل رجل من علماء العراق إلى مصر، وجاء إلى الجامع العتيق، ووقف على حلقة العلماء، ثم جاء إلى حلقة أبى القاسم الأدفوى، فسمعه يتكلم بعلوم كثيرة، فعاب عليه العراقىّ قياسه، وأنكر ذلك قلبه، فقال الادفوى: أفيكم من يحفظ أبيات الشافعى، محمد بن إدريس، رضى الله عنه، التى كان يقول فيها:

стр. 301

علىّ ثياب لو تباع جميعها ... بفلس لكان الفلس منهنّ أكثرا وفيهنّ نفس لو تقاس بجودها ... نفوس الورى كانت أجلّ وأوفرا «١» فتقدم إليه العراقىّ وعلم أنه تكلم فى خاطره، فقال: يا سيدى، أنا تائب إلى الله ، وأريد منك المؤاخاة، وقد جئت من العراق بأحمال، وهى هبة منى إليك. قال: لو قبلت من غيرك لقبلت منك، ولكنى أخاف أن أقبل ذلك منك فتطمع الملوك منى فى قبول هداياهم، فتصدّق بمالك على من شئت، واقنع منى بثلاث. قال: وما هى؟ فقال: أكبر نفسك بالطاعة، وأعرض عن الدنيا، واجعل افتقارك إلى الله . وقد نصحتك، والسلام. قال: فخرج العراقى وهو يبكى. وبعث إليه ملك مصر بجائزة، وقال له مع الرسول: إنّ أصحابك قبلوا الجوائز، فاقبل أنت كذلك. فردّها وقال: لا حاجة لى بشىء. ثم كتب إليه يقول: أرى أناسا بأدنى الدّين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا فى العيش بالدّون «٢» فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما ... استغنى الملوك بدنياهم عن الدّين فلما وقف الملك على ذلك اغتاظ غيظا عظيما، فقال له وزيره: إيّاك أن تتعرض إليه بشىء، فإنّ خزائنك وأموالك وعساكرك لا تقيك من دعائه. والكلام «٣» على فضله كثير، والله أعلم بالصواب. ثم تخرج من تربة الأدفوى إلى مصلّى «عنبسة» ، وهو المصلّى القديم، ذكره القضاعىّ فى الخطط، وقد خربت ودثرت، ومنها مسجد زهرون،

стр. 302

وزهرون كان قيما لهذا المسجد فعرف به. وصاحب هذا المسجد أبو محمد الحسن ابن عمر الخولانى، الذي «١» تقدم ذكره، وقبره مسنّم على صورة الهرم خارج المسجد. قبر إبراهيم بن سعيد الحبّال «٢» : وبإزاء المسجد «٣» قبر الشيخ الإمام أبى إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبّال الحافظ، ﵀. كان من كبار العلماء الحفّاظ «٤» ، وكان مشتهرا بذلك بمصر، وشدّت إليه الرّحال لطلب الحديث، ولم يكن فى زمانه أعلى سندا منه، وله مصنّفات فى علم الحديث «٥» . وحدّث عن جماعة من كبار شيوخ مصر، ما يزيد على مائة شيخ. [وروى عنه أحمد بن عبد العزيز، ومما «٦» رواه عنه: قرأ عليه سنة ٤٧٠: «عن ابن عمر، رضى الله عنهما، أنّ نفرا قدموا على رسول الله ﷺ ، فأسلموا، وحسن إسلامهم، فسألوا رسول الله ﷺ عن أشياء من أمورهم، وخرجوا، فقالوا: نسينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن أشياء من أمورنا، وهو شراب من بلادنا لا يصلح لنا غيره، قال: فرجع رجل منهم إلى رسول الله، ﷺ فقال: إنّ أصحابى رحلوا عن أن يسألوك «٧» عن شراب لهم ببلادهم لا يصلح لهم غيره، وإنّ أرضنا أرض باردة، وإنّا قوم نحرث.

стр. 303

فقال رسول الله ﷺ : أيسكر هو؟ قال: نعم. قال: «كل مسكر حرام» . فاكتفى الرجل بما قال، فقال «١» قوم حين أخبرهم: إنّا لا نراك أخبرته. فرجعوا جميعهم، حين انتهوا إليه، فقالوا: يا رسول الله، ليس يصلح لنا غيره. فقال: كل مسكر حرام، إنّ على الله قسما، لا يشربها «٢» أحد فى الدنيا إلّا سقاه الله، ، من طينة الخبال يوم القيامة. وهل تدرى ما طينة الخبال يوم القيامة؟ هو عرق أهل النار» الحديث «٣» . صدق رسول الله ﷺ ] «٤» . *** وتستقبل القبلة [ثم تنزل إلى البقعة] «٥» تجد قبر الشيخ أبى الحسن بن الوفا المصلّى، رحمه الله تعالى «٦» كان [مقيما] بالجامع العتيق بمصر، وكان رجلا صالحا، ناسكا، وولداه عند قبره. قبر شكر الأبله «٧» : وتستقبل الشرق «٨» تجد قبر شكر الأبله رحمه الله تعالى «٩» . كان من

стр. 304

عقلاء المجاذيب «١» ، وله إشارات وحكايات، وله كرامة «٢» مشهورة فى تعديته للجيزة «٣» وذلك أن مصر لمّا احترقت خرج الناس يريدون التعدية إلى الجيزة، فخرج مع الناس، فركب فى مركب، فغرقت فى وسط النيل، فطلع من سلم من الغرق فوجدوه قائما على البر الثانى ولم يلحقه بلل، ومقطفه معه. وقدّام قبره قبر ابن ريحان، ﵀ «٤» . قبر الإمام أبى الحسن الحوفى «٥» : وقدّامه بقليل قبر الإمام الفاضل أبى الحسن على بن إبراهيم بن يوسف ابن سعيد الحوفى الحافظ، رحمه الله تعالى. كان من كبار العلماء المحدّثين، والفقهاء المبرّزين، وله التصانيف المشهورة فى علم القرآن، [وكان عالما «٦» بالعربية وتفسير القرآن الكريم. وله تفسير جيد، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، ورأيت خطّه على كثير من كتب الأدب، قد قرئت عليه، وكتب لأربابها بالقرآن «٧» كما جرت عادة المشايخ. وتوفى بكرة يوم السبت، مستهل ذى الحجة الحرام سنة ٤٣٠ هـ ﵀. ثم قال: وعنده من تصانيف ابن النّحّاس قطعة كبيرة، وصنف فى النحو

стр. 305

مصنفا كبيرا، وله تصانيف كثيرة] «١» ، وهو تلميذ أبى بكر الأدفوى، والدعاء عند قبره مستجاب، وشهرته تغنى عن ذكر مناقبه «٢» . قبر القاضى أبى الحسن بن الخلعى «٣» : وتستقبل القبلة تجد قبر القاضى أبى الحسن على بن الحسن بن الحسين، المعروف بابن الخلعى «٤» صاحب الخلعيّات «٥» الموصلى الأصل، المصرى الدار والوفاة، كان محدّثا مكثرا، سمع [أبا الحسن الحوفى، وأبا محمد بن النحّاس، وأبا الفتح العدّاس، وغيرهم] «٦» وحدّث عنه الكبار، وجمع له أبو نصر بن الحسن الشيرازى أجزاء [من مسموعاته] «٧» أخرجها عنه وسمّاها «الخلعيّات» ، وهى المنسوبة إليه، ونقلت منها عن الأصمعى، قال: كان نقش خاتم أبى عمرو بن العلاء «٨» : وإنّ امرءا دنياه أكبر همّه ... لمستمسك منها بحبل غرور «٩» فسألته عن ذلك فقال: كنت فى ضيعتى نصف النهار أدور فيها، فسمعت قائلا يقول هذا البيت، ونظرت فلم أجد أحدا فكتبته على خاتمى «١٠» .

стр. 306

وكانت ولادته- أى الخلعى- فى شهر المحرم الحرام سنة ٤٠٥ هـ. [والخلعى] : بكسر الخاء، [وهذه النسبة] «١» لأنه كان يبيع الخلع فى مصر لملوكها. والله أعلم «٢» . وولده مدفون إلى جانبه [رحمهما الله تعالى] «٣» . قبر الشيخ أبى عبد الله بن المسبح «٤» : وإلى جانبه من القبلة «٥» قبر الشيخ أبى عبد الله محمد بن الشيخ محمد ابن المسبح الفضى «٦» المقرئ، انتهت إليه رياسة الإقراء «٧» بمصر فى زمانه بعد الشيخ أبى الحسين يحيى «٨» بن الفرج الخشاب. قرأ على عدّة مشايخ «٩» ، وسمع الحديث على جماعة من الفضلاء. توفى- ﵀ سنة أربع وعشرين وخمسمائة. قبور سماسرة الخير «١٠» : ويقابله من الشرق على اليسار تربة فيها قبور سماسرة الخير الأنماطيين.

стр. 307

قيل إنّ امرأة جاءت إلى أحدهم. وهو جالس فى حانوته، وهى تبكى، ومعها خمسة دنانير قد أخذتها صداق ابنتها، فقال لها: ما هذا البكاء؟ هذا يوم فرح ما هو يوم بكاء. فقالت: والله يا شيخ لقد تحيرت فى أمرى. فقال لها: والله وأنا كذلك، وبكى، فقالت له: أنا حائرة فى بقية جهازها «١» ، فدفع إليها ما تحتاج إليه من الجهاز، وردّ عليها الخمسة دنانير وقال: أنفقيها عليها. فلما أرادت القيام قال لها: بالله عليك إذا فرحت ابنتك قولى لها تدعو للشيخ الحائر فى أمره أن يدلّ الله حيرته. فلما مات رآه جماعة فى المنام، فقالوا «٢» له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفنى بين يديه وقال: يا شيخ، قد دللت حيرتك كما دللت حيرة اليتيمة. وتستقبل الغرب خارجا عن التربة، قاصدا إلى تربة الوزير الجرجانى، قبل وصولك إليها تجد قبر أبى نصر سراج المعافرى الزاهد، رحمه الله تعالى، توفى سنة أربعة عشرة وثلاثمائة، وكان رجلا صالحا مجاب الدعوة، ومسجده مشهور بعقبة سراج [عند دويرة بكار، على يمين الخارج من درب سالم، وقبره قبلى مصلى التجار، بعد مجاوزة تربة الوزير أبى القاسم على بن أحمد، ملاصق لقبر أبى سعد المالينى، وهما قبران مبنيان، مسنمان، ومعهما فى الحجرة قبر أبى الفتح الفرغانى الصوفى، عنده محراب مبلط بكدان، وكان رجلا زاهدا، عليه ثياب خلقة، واجتهدوا أن يخلع ذلك الذي عليه من الثياب ويلبس ثيابا ترضى، فأبى، إلى أن مات على ما كان عليه] «٣» . ومقابل قبر سراج الدين على اليسار قبر الشاب التائب ﵀، وقدّامه

стр. 308

قبلة، الدعاء فيها مستجاب «١» ذكر بعض الصالحين أنه رأى رسول الله ﷺ فى المنام وهو يصلى فيها ويدعو. وإلى جانبه جوسق ابن ميسّر حاج الدين محمد بن على المصرى، وولده عز الدين أحمد، من المؤرّخين المصريّين. قبر ابن بابشاذ النحوى «٢» : وعنده قبر الشيخ أبى الحسن طاهر بن بابشاذ «٣» النحوى، صاحب المقدمة المشهورة فى النحو، وشرحها له فى مجلّدين. سمع الحديث، وأدرك المشايخ الفضلاء، روى بسنده عن ابن عمر، رضى الله عنهما، أن رسول الله، ﷺ ، كان يدعو ويقول: «اللهم إنى أعوذ بك [من علم لا ينفع، ودعاء لا يسمع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، اللهم إنى أعوذ بك] «٤» من هؤلاء الأربع» وفى رواية: أعوذ بك من شر هؤلاء الأربع «٥» . توفى طاهر بن بابشاذ سنة تسع وستين وأربعمائة «٦» ، وكان قد وقع من سطح الجامع العتيق بمصر، فمات لوقته، وسبب وقوعه فيما ذكر عنه أنه أخذ يقرأ ختمة ويتدبر معانيها وأحكامها، فأقام على ذلك سبع عشرة سنة «٧» ، وبلغ فى القراءة إلى سورة «ألهاكم التكاثر» فأخذ يقرؤها حرفا حرفا ويتدبرها، وهو طالع من سلم السطح الذي للجامع العمرى، فوقع من السلم فمات لوقته، رحمه الله تعالى.

стр. 309

قبور شيوخ المعافر «١» : وجانبه إلى القبلة «٢» قبور شيوخ المعافر، رحمة الله عليهم، وما يخفى على الناس بلههم فيما يختص بأمور الدنيا، وحذقهم فيما يختص بأمور الآخرة، قيل: إن خليفة من الخلفاء «٣» أخبر عنهم بشدة بلههم فى أمر الدنيا، فأرسل إليهم فقال: أريد قرضا «٤» ألف دينار. فلما جاء الرسول إليهم قالوا: لا نقدر على ألف دينار، ونحن ندفع ما نقدر عليه. فجمعوا ألوفا «٥» كثيرة وقالوا للرسول: قل له: والله ما قدرنا «٦» إلّا على هذا، وما وصلت «٧» قدرتنا إلى ألف دينار. فلما جاءه الرسول ومعه المال وأخبره بقصتهم وما جرى له معهم تعجّب، وردّ عليهم المال وشكرهم وأثنى عليهم، وتعجّب منهم ومن بلههم وقال: والله ما قصدت إلّا الاطلاع على بلههم وقلّة خبرتهم بالدنيا. قبر الوزير أبى القاسم الجرجانى «٨» : وفى حومتهم أبو نصر الزاهد، وبجانبه إلى الغرب تربة فيها قبر أبى القاسم الوزير، وبجانبه أبو سعيد المالينى وأبو الفتح الصوفى، وقدّامهم جوسق تحته قبر البسطامى، وبجانبه قبور بنى تاشفين ملك المغرب «٩» ، وقدامهم قبر الجرجانى «١٠»

стр. 310

أبى القاسم على بن أحمد الوزير، قيل إنه أقام وزيرا ستين سنة على ثلاث خلفاء، وكان يتولى بعض الدواوين بمصر «١» ، وإن قافلة فى أيامه جازت على «منوف» «٢» من الإسكندرية فقطع عليهم الطريق، فوقف الإسكندرانيون لوالى «المحلة» ، فقال لهم: ليس لى حكم على «منوف» لأنها جهة الخليفة، ولكن امضوا إلى الخليفة بالقاهرة. وكان الخليفة يومئذ «٣» الحاكم بأمر الله ابن العزيز، فقدموا للديار المصرية، فوجدوا الحاكم- فى يوم دخولهم المدينة- راكبا على حمار، فوقفوا له، فقال: ما تريدون «٤» ؟ فأخبروه، فقال: لم لا وقفتم لوالى «المحلة» ؟ فقالوا: قد وقفنا له «٥» وقال إنه لا حكم له على الناحية لأنها لجهة الخليفة. فقال لهم: ومن دفع «منوف» إلى الجهة؟ امضوا إلى غد حتى أكشف عن هذه القضية «٦» . فمضى إلى قصره وقال للجهة: من الذي حكّمك على «منوف» ؟ فقالت له: توقيعك. فقال: وأين توقيعى؟ فأحضرته إليه، فنظر إلى علامته فشك «٧» فيها وقال: ما هذا خطّى. ونظر إلى خط الوزير علىّ بن أحمد الجرجانى تحتها، فأحضره وقال: هذا خطّك؟ قال: نعم. فحنق عليه للوقت وقال: اقطعوا يده التى كتب بها. فأخرج يده اليسرى من كمّه الأيمن، فقطعت. فقال «٨» الواسطة السّرّ أنه لم يخرج يده اليمنى، وإنما أخرج يده اليسرى، فنظرها الحاكم وقال: تقطع يده اليمنى الساعة! فقطعت.

стр. 311

ونفى، فبقى «١» ما شاء الله تعالى إلى أن افتكره الحاكم ذات يوم، فأمر بإحضاره، فحضر، فقال: من دفع لك التوقيع ذلك اليوم؟ فقال: أستاذك، وقال لى: هذه علامة الحاكم، فما اتهمته» لما أعلم من قربه منك، فعلّمت تحتها. فقال: هل تعرف «٣» الأستاذ؟ قال نعم. فأحضر بين يديه جميع الأستاذين «٤» ، فأخرجه من بينهم وقال: هذا هو. فقال للأستاذ: أنت دفعت التوقيع للوزير؟ قال: نعم. قال: من دفعه لك؟ قال: كاتب الجهة، وسيّرنى على رسالتك إلى الوزير. فأمر بقتلهم، وأمر بردّ الوزير إلى وزارته، واعتذر إليه، فأقام بعد ذلك عشرين سنة فى الوزارة، وكان إذا أراد أن يكتب يربط القلم فى يده ويكتب «٥» . وفى بعض التعاليق أنه لمّا قطعت يداه جاء إلى باب الديوان فرفسه «٦» برجله وقال: إنّ أمير المؤمنين أدّبنى وما صرفنى. فقيل لأمير المؤمنين ذلك، فقال: يعاد إلى منصبه. ولم يصرفه، والله أعلم. *** ثم ترجع إلى مسجد الفتح، يقال: إنه أول مسجد أسّس عند فتوح مصر، والدعاء فيه مستجاب. [ومسجد الفتح بناه سيف الإسلام يانس الرومى، وزير مصر، وسمّى بالفتح. فى موضعه انهزم الروم بقصر الشمع. قدّ «٧» للزّبير بن العوام،

стр. 312

والمقداد بن الأسود، ومن معهم، من أمير المؤمنين عمر، لأمير مصر عمرو ابن العاص، رضى الله عنهم أجمعين] «١» . وهو محراب لطيف مكين، قد ترى على هيئته، وبنى عليه جامع، وجعل «٢» هو منفردا بذاته فى جانبه الشرقى، وكان معبدا للشيخ الصامت «٣» العسقلانى، وهو مدفون قبالة هذا المسجد إلى القبلة. وكان- ﵀ قليل الكلام، كثير قراءة القرآن، يتعبّد فى هذا المسجد إلى أن مات- رحمه الله تعالى. *** وتمشى وأنت مشرّق تجد قبر الناطق، وعند رأسه قبر الحفّار- ﵀. قيل: لمّا أراد هذا الحفّار أن ينزل الناطق فى قبره، سمعه الحفّار وهو يقول: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ «٤» ، فلما سمع الحفّار ذلك لزم العبادة والصلاة والصيام والزهد، والتقنّع بالقليل، ولم يزل على ذلك إلى أن مات- ﵀ ودفن «٥» فى هذا الموضع. وبجانبهما «٦» تربة فيها قبر الفقيه عمر المقدسى- ﵀ كان متصدّرا لقراءة القرآن بمصر بالجامع العتيق، وهو فى مسجد الهيثم، سئل أن يكون شاهدا أو شارفا «٧» ، فأبى. وقدّام التربة من القبلة قبر عبود العابد- وقيل: عتود العابد- وأخوة على العابد، ﵀.

стр. 313

وتمشى وأنت مستقبل الشرق تجد قبرين، أحدهما بجانب الآخر الذي يلى القبلة، قيل: إنه ابن البرادعى، وكان رجلا عابدا. قبر صاحب الكرمة «١» : والذي يلى البحر «٢» قبر صاحب الكرمة، قيل: إن رجلا رأى فى النوم كأن تلك البقعة كلها أشجار وأنهار وكروم، فوقف يتعجب، وإذا بصاحب هذا القبر قد قام من قبره وقال: مثل ما عندكم من فوق هكذا، عندنا من أسفل، أما سمعت قوله، ﷺ : «قبر المؤمن روضة من رياض الجنة» ؟ فلما أصبح كتب على القبر «صاحب الكرمة» . قبر القفصى- ﵀ «٣» : وبجانبه قبر القفصى، والقفصى- رحمه الله تعالى- كان يصلى بمسجد الزبير بمصر، وكان رجلا متزهّدا، أرسل إليه ابن ميسّر خمسين «٤» دينارا فأبى أن يقبلها وقال: القليل يكفينا ومالنا بالكثير حاجة «٥» . وجاء من المغرب «٦» إلى الحج، ورجع من الحج إلى مصر، فأقام بمسجد الزبير عشرين سنة، فقيل له: ألا ترجع إلى المغرب؟ فقال: إن والدى كان قاضيا فأخاف أن يقال لى: كن موضع أبيك.

стр. 314

وكان جملة ما عليه من الثياب لا يزيد ثمنه على تسعة عشر درهما. وقيل: جاءه رجل فقبّل ركبته وقال له: حبس أخى على قطن رضى عليه، ولم يكن معى ثمنه، ودلّونى عليك، وأريد أن تكتب رقعة إلى الموفق القاضى. فقال: قاضى السماوات أقرب إلينا من قاضى الأرض، جعل الله لأخيك من كل همّ فرجا ومخرجا. فقنع الرجل منه بهذا، ومضى، فلما كان فى وقت المغرب جاء الرجل إلى المسجد وهو يضحك، فقال له: ما وراءك؟ فقال: تخلّص أخى، وهو فى البيت. فقال: كيف كان خلاصه؟ قال: لمّا خرجت من بين يديك سيّر الموفق خلفى، وقال: ظهر لى أنّ أخاك «١» ما بيده شىء، خذ معك رسولا إلى الحبس وأخرج المحبوس، ولا تدفع للرسول شيئا. فقلت: بدعاء الفقيه جعل الله لأخى فرجا ومخرجا. وسيّر «٢» رجل إليه شابّا من الأجناد كان يفعل فى جواره مالا يحب، فقال له: من هتك عورات المسلمين هتكه الله وعجّل أخذه. فلما كان مثل ذلك اليوم خرجت جنازة الشاب. وجاءه رجل مغربى بزّاز فقال: لى فى جوارى شريف تكلمت أنا وإيّاه بشىء، فقال لى: أنت تسبّ علّى بن أبى طالب، واستعان علّى بأشراف معه، وما لى بهم طاقة. فقال له: «الله يقلّب القلوب والأبصار» ، فلما كان الصباح من اليوم الثانى جاءه الشريف وصالحه وقال: «عوتبت من أجلك!» «٣» . قبر الزعفرانى: يقابله «٤» على شاطىء الخندق قبر «محمد» ، كان من عقلاء

стр. 315

المجاذيب «١» ، رحمه الله تعالى. وبجانبه قبر «الزعفرانى» - رحمة الله عليه- يقال: إنه كان من الصالحين. وقف على قصّاب يشترى «٢» لحما، فاستهزأ به القصّاب بعد أن ولّى، فانقبضت يده «٣» ولم يقدر أن يقطع بها شيئا، فسعى خلفه حتى لحقه وقبّل يده وقال: يا سيدى، أدع الله لى «٤» ولا تؤاخذنى. فدعا له، ففرّج الله عنه. قبر المهمهم «٥» : وقدّامه من الغرب قبر «المهمهم» رحمة الله عليه، كان يمشى يهمهم «٦» ، فتبعه إنسان باللّيل، فرآه وقد انفتح له الباب المغلق من الجامع «٧» ، فدخل وصلّى فيه، ثم خرج، فانغلق الباب، فقال له الذي كان يمشى معه: ما تقول! فقال: ما يكفيك سكوت الكلاب وفتح الأبواب!. قبر القصّار والعصافيرى «٩» : ثم تستقبل البحر «٨» تجد على يسارك قبر «القصّار» رحمه الله تعالى، كان إذا أذّن المؤذّن للصلاة والمرزبّة١» على كتفه رماها من وراء ظهره ويصلّى.

стр. 316

ثم منه إلى قبر «العصافيرى» ﵀، قيل: إنه كان يشترى العصافير ويطلقها، وقيل: إنه رجع «١» إليه عصفور مرارا فقال له: لا تنس ذكر الله تعالى. قبر صاحب الوديعة «٢» : وتستقبل الغرب تجد قبر «صاحب الوديعة» ، رحمه الله تعالى، قيل: إنه أودع عنده إنسان مالا «٣» فأرسل وراءه أمير البلدة فقال له: أودع فلان عندك ماله؟ قال: نعم. قال: لم لا أتيتنا به «٤» ؟ قال: لو أراد صاحبه أن يودعه عندك ما أودعه عندى «٥» . قال: صدقت، اذهب راشدا «٦» . قبر الأنبارى، رحمه الله تعالى «٧» : قيل: إنّ رجلا جاءه فى مسجده فقال له: أجرنى. فقال له: ادخل إلى هذا الموضع، فدخل، فجاء خصمه فقال له: رأيت رجلا «٨» جاء إليك؟ قال: نعم. قال: وأين مضى؟ فأشار إلى الموضع الذي دخل فيه، فدخل [الرجل] «٩» فلم يجد أحدا، فخرج فقال: ما وجدنا أحدا، ومضى، فلما

стр. 317

ذهب خرج الرجل «١» فقال: يا سيدى دللته علىّ «٢» ! فقال: من صدق نجا. *** وبجانبه إلى القبلة قبر «المحاملى» رحمة الله عليه، صاحب التصانيف المشهورة «٣» . وبجانبه إلى البحرى قبور الخمسة الأبدال رضى الله عنهم، وبجانبهم إلى الغرب قبر السبتى رحمه الله تعالى، يقول الزوار «٤» : إنه ولد هارون الرشيد، والصحيح أنه مدفون بالعراق، فيزار هذا بحسن النية، والأعمال بالنّيّات، وهذا رجل صالح نشر الله عليه اسم ذلك الرجل ليزار بتلك النية. قبر الفرّان «٥» : ثم تمشى إلى الغرب تجد قبر الفران، قيل: إنه كان من أرباب الطّىّ، وكان إذا بقى للوقفة يوم يمضى ويحج، ثم يأتى «٦» ، وكان الحجّاج يأتون ويقولون: كان فلان معنا فى الحج «٧» . ومن بعض فضائله أن امرأة عجوزا «٨» أتته ومعها رغيفان عجين تريد أن تخبزهما، فلما استويا «٩» وأخرجا من الفرن تنهّدت وبكت [ثم أرادت أن تقوم] «١٠» فقال لها: ممّ بكاؤك؟ فقالت: إنّ ولدى بالحجاز. [فقال لها:

стр. 318

ما اسمه؟ فأخبرته] باسمه ونعته، وكانت ليلة الوقفة، وقد وددت لو أكل من هذا الخبز! فقال لها: ألقيهما فى المنديل واتركيهما، فتركتهما «١» ومضت، فلما جاء الحجّاج «٢» جاء ولدها ومعه المنديل فقالت: لا إله إلّا الله، متى جاءك «٣» هذا المنديل؟ فقال لها: ليلة الوقفة، وفيه رغيفان سخنان «٤» . فشاع ذلك واشتهر، وهذا ممّا لا ينكر، فقد اشتهر عن الشيخ أبى الخير الأقطع «٥» التيناتى، رضى الله عنه، لمّا ذكر فى مجلسه أرباب الطّىّ وغيرهم، وتذاكروا مواهب الله تعالى لهم، تبرّم «٦» الشيخ ﵀ وقال: كم تقولون «٧» فلان يمشى إلى مكة فى ليلة، وفلان وفلان، أنا أعرف عبدا لله تعالى: حبشيّا، كان جالسا فى جامع طرابلس، ورأسه فى جيب مرقّعته «٨» ، فخطر له خاطر، فقال فى سرّه: يا ليتنى كنت فى الحرم. فأخرج رأسه من مرقّعته فإذا هو فى الحرم، وذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ «٩» . *** وتستقبل البحر تجد قبرا كبيرا فيه جماعة من أولاد أبى بكر الصّدّيق «١٠» ، رضى الله عنهم، وبجانبه البحرى «١١» [قبر ابن حليمة أخى

стр. 319

رضيع رسول الله ﷺ ] قيل: إنّ قوما شكّوا فيه، فحفروا عليه فوجدوه كأنه كما دفن، وهو ملفوف بالبردة ولم يؤثر فيها التراب. ولم تتغير جثته «١» ، فحقّقوا ذلك. وبجانبه قبر الحبشى، وكان رجلا صالحا يتبرّك به وبزيارته. وتمشى إلى الغرب تجد قبر رجل صالح، له حكاية. وقدّامه إلى الغرب قبور «الضّرّاسين» كانو يرقون لوجع الضرس. وبجانبهم إلى الغرب قبور «الشّمّاعين» يقال إنهم كانوا إذا مشوا فى الظلام يرون قدامهم شموعا موقودة لا يعرف من يوقدها» . فإذا وصلوا «٣» إلى مواضعهم طفيت الشّموع ولم يروا أحدا. وعلى اليسار قبر «مبشر الخير» يقال: إنه رئى فى المنام «٤» ، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: مت سنيّا «٥» ولا تبال. *** ثم تمشى وأنت مبحّر تجد على يسارك قبر «النيسابورى» ﵀، كان رجلا صالحا، وله قصة عجيبة فى تعديته، وكان [يمشى] «٦» على الماء. وبجانبه قبر «المؤذّن» ، كان يؤذّن فى جامع مصر، وكان رجلا صالحا. قبور بنى غلبون «٧» : وعلى يمينه تربة فيها قبور بنى غلبون، وهى أربعة قبور متلاصقة [إخوة] «٨» وأختهم العروسة فى قبر آخر رخام، أحدهم أبو الطيب بن

стр. 320

غلبون، كان من كبار المحدّثين، روى بسنده، قال: لمّا أمر الوليد ببناء مسجد دمشق وجدوا فى الحائط القبلى لوحا من حجر، فيه كتابة منقوشة «١» ، فأتى به الوليد فبعث به إلى الروم وسألهم ما فيه، فلم يعرفوا، فدلّ على وهب ابن منبّه، فبعث إليه، فلمّا قدم أحضر إليه «٢» اللّوح، فإذا هو من بناء هود النبي ﷺ ، فلمّا نظر إليه وهب حرّك رأسه وقرأه، فإذا فيه «٣» : «بسم الله الرحمن الرحيم: ابن آدم، لو رأيت ما بقى من أجلك لزهدت فى طول ما ترجو من أملك «٤» ، وإنما يلقاك ندمك لو قد زلّت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب، وودّعك «٥» القريب، وصرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت فى أهلك عائد، ولا فى عملك زائد، فاعمل لنفسك قبل القيامة، وقبل الحسرة والندامة، وقبل أن يحضر أجلك وينزع ملك الموت «٦» منك روحك، فلا ينفعك مال جمعته، ولا ولد خلّفته «٧» ، ولا أخ تركته، وتصير «٨» إلى منزل ضيّق لا تجد فيه أخا ولا صديقا «٩» ، فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن تؤخذ بالكظم، ويحال بينك وبين العمل» . وكتب فى زمن سليمان بن داود، ﵉ «١٠» .
следующие страницы →