Полный текст (1 089 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ثم منه إلى قبر «العصافيرى» ﵀، قيل: إنه كان يشترى العصافير ويطلقها، وقيل: إنه رجع «١» إليه عصفور مرارا فقال له: لا تنس ذكر الله تعالى.
قبر صاحب الوديعة «٢» :
وتستقبل الغرب تجد قبر «صاحب الوديعة» ، رحمه الله تعالى، قيل:
إنه أودع عنده إنسان مالا «٣» فأرسل وراءه أمير البلدة فقال له: أودع فلان عندك ماله؟ قال: نعم. قال: لم لا أتيتنا به «٤» ؟ قال: لو أراد صاحبه أن يودعه عندك ما أودعه عندى «٥» . قال: صدقت، اذهب راشدا «٦» .
قبر الأنبارى، رحمه الله تعالى «٧» :
قيل: إنّ رجلا جاءه فى مسجده فقال له: أجرنى. فقال له: ادخل إلى هذا الموضع، فدخل، فجاء خصمه فقال له: رأيت رجلا «٨» جاء إليك؟
قال: نعم. قال: وأين مضى؟ فأشار إلى الموضع الذي دخل فيه، فدخل [الرجل] «٩» فلم يجد أحدا، فخرج فقال: ما وجدنا أحدا، ومضى، فلما
стр. 317
ذهب خرج الرجل «١» فقال: يا سيدى دللته علىّ «٢» ! فقال: من صدق نجا.
*** وبجانبه إلى القبلة قبر «المحاملى» رحمة الله عليه، صاحب التصانيف المشهورة «٣» . وبجانبه إلى البحرى قبور الخمسة الأبدال رضى الله عنهم، وبجانبهم إلى الغرب قبر السبتى رحمه الله تعالى، يقول الزوار «٤» : إنه ولد هارون الرشيد، والصحيح أنه مدفون بالعراق، فيزار هذا بحسن النية، والأعمال بالنّيّات، وهذا رجل صالح نشر الله عليه اسم ذلك الرجل ليزار بتلك النية.
قبر الفرّان «٥» :
ثم تمشى إلى الغرب تجد قبر الفران، قيل: إنه كان من أرباب الطّىّ، وكان إذا بقى للوقفة يوم يمضى ويحج، ثم يأتى «٦» ، وكان الحجّاج يأتون ويقولون: كان فلان معنا فى الحج «٧» .
ومن بعض فضائله أن امرأة عجوزا «٨» أتته ومعها رغيفان عجين تريد أن تخبزهما، فلما استويا «٩» وأخرجا من الفرن تنهّدت وبكت [ثم أرادت أن تقوم] «١٠» فقال لها: ممّ بكاؤك؟ فقالت: إنّ ولدى بالحجاز. [فقال لها:
стр. 318
ما اسمه؟ فأخبرته] باسمه ونعته، وكانت ليلة الوقفة، وقد وددت لو أكل من هذا الخبز! فقال لها: ألقيهما فى المنديل واتركيهما، فتركتهما «١» ومضت، فلما جاء الحجّاج «٢» جاء ولدها ومعه المنديل فقالت: لا إله إلّا الله، متى جاءك «٣» هذا المنديل؟ فقال لها: ليلة الوقفة، وفيه رغيفان سخنان «٤» .
فشاع ذلك واشتهر، وهذا ممّا لا ينكر، فقد اشتهر عن الشيخ أبى الخير الأقطع «٥» التيناتى، رضى الله عنه، لمّا ذكر فى مجلسه أرباب الطّىّ وغيرهم، وتذاكروا مواهب الله تعالى لهم، تبرّم «٦» الشيخ ﵀ وقال: كم تقولون «٧» فلان يمشى إلى مكة فى ليلة، وفلان وفلان، أنا أعرف عبدا لله تعالى: حبشيّا، كان جالسا فى جامع طرابلس، ورأسه فى جيب مرقّعته «٨» ، فخطر له خاطر، فقال فى سرّه: يا ليتنى كنت فى الحرم. فأخرج رأسه من مرقّعته فإذا هو فى الحرم، وذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
«٩» .
*** وتستقبل البحر تجد قبرا كبيرا فيه جماعة من أولاد أبى بكر الصّدّيق «١٠» ، رضى الله عنهم، وبجانبه البحرى «١١» [قبر ابن حليمة أخى
стр. 319
رضيع رسول الله ﷺ ] قيل: إنّ قوما شكّوا فيه، فحفروا عليه فوجدوه كأنه كما دفن، وهو ملفوف بالبردة ولم يؤثر فيها التراب. ولم تتغير جثته «١» ، فحقّقوا ذلك.
وبجانبه قبر الحبشى، وكان رجلا صالحا يتبرّك به وبزيارته. وتمشى إلى الغرب تجد قبر رجل صالح، له حكاية. وقدّامه إلى الغرب قبور «الضّرّاسين» كانو يرقون لوجع الضرس. وبجانبهم إلى الغرب قبور «الشّمّاعين» يقال إنهم كانوا إذا مشوا فى الظلام يرون قدامهم شموعا موقودة لا يعرف من يوقدها» .
فإذا وصلوا «٣» إلى مواضعهم طفيت الشّموع ولم يروا أحدا. وعلى اليسار قبر «مبشر الخير» يقال: إنه رئى فى المنام «٤» ، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال:
مت سنيّا «٥» ولا تبال.
*** ثم تمشى وأنت مبحّر تجد على يسارك قبر «النيسابورى» ﵀، كان رجلا صالحا، وله قصة عجيبة فى تعديته، وكان [يمشى] «٦» على الماء.
وبجانبه قبر «المؤذّن» ، كان يؤذّن فى جامع مصر، وكان رجلا صالحا.
قبور بنى غلبون «٧» :
وعلى يمينه تربة فيها قبور بنى غلبون، وهى أربعة قبور متلاصقة [إخوة] «٨» وأختهم العروسة فى قبر آخر رخام، أحدهم أبو الطيب بن
стр. 320
غلبون، كان من كبار المحدّثين، روى بسنده، قال: لمّا أمر الوليد ببناء مسجد دمشق وجدوا فى الحائط القبلى لوحا من حجر، فيه كتابة منقوشة «١» ، فأتى به الوليد فبعث به إلى الروم وسألهم ما فيه، فلم يعرفوا، فدلّ على وهب ابن منبّه، فبعث إليه، فلمّا قدم أحضر إليه «٢» اللّوح، فإذا هو من بناء هود النبي ﷺ ، فلمّا نظر إليه وهب حرّك رأسه وقرأه، فإذا فيه «٣» : «بسم الله الرحمن الرحيم: ابن آدم، لو رأيت ما بقى من أجلك لزهدت فى طول ما ترجو من أملك «٤» ، وإنما يلقاك ندمك لو قد زلّت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب، وودّعك «٥» القريب، وصرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت فى أهلك عائد، ولا فى عملك زائد، فاعمل لنفسك قبل القيامة، وقبل الحسرة والندامة، وقبل أن يحضر أجلك وينزع ملك الموت «٦» منك روحك، فلا ينفعك مال جمعته، ولا ولد خلّفته «٧» ، ولا أخ تركته، وتصير «٨» إلى منزل ضيّق لا تجد فيه أخا ولا صديقا «٩» ، فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن تؤخذ بالكظم، ويحال بينك وبين العمل» . وكتب فى زمن سليمان بن داود، ﵉ «١٠» .
стр. 321
وكان أبو الطيب يقول: قال بعض الصّالحين، رضى الله عنهم: «من خلا بالله أظهره الله لعيون الناس «١» ، ومن خلا له أخفاه الله عن عيون الناس» .
وروى عنه أنه قال: «بتّ ليلة من اللّيالى فى أيام أبى حريش «٢» وكان يقول بخلق القرآن، وأنا متفكّر فى ذلك مهموم لما قد نزل بالناس من الفتنة، فبينا أنا نائم على فراشى إذا بهاتف قد جاءنى فقال لى: قم، فقمت، فقال لى:
قل، قلت: ما أقول؟ قال: قل: لا والذي رفع السماء بلا دعائم للنظر، فتزيّنت بالسّاطعات اللّامعات وبالقمر، ما قال خلق فى القرآن بخلقه إلّا كفر، بل هو كلام منزّل من عند خلّاق البشر.
فلما فرغ قال لى: اكتب، فمددت يدى إلى كتاب من كتبى وكتبت، فلما أصبحت ذكرت الرّؤيا، فمددت يدى إلى طاقة كانت إلى جانبى، فوجدت خطّى فى كتاب من كتبى بما قال لى الهاتف، فجلست ولم أخرج إلى الطريق، فلما علا النهار خرجت إلى حوائجى، فمشيت قليلا، فإذا برجل قد قام وسلّم علىّ وقال لى: أخبرنى بالرؤيا التى رأيتها البارحة، فقلت: من أخبرك بها؟
قال: قد ذاعت بين الناس وتحدّثوا بها، فأخبرته بها» .
وتوفى أبو الطّيّب بن غلبون سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. وقيل: كان أبو الطيب وإخوته الثلاثة يقرءون فى كل يوم ختمة، فمات أحدهم فقرأ الثلاثة الختمة، فمات الثانى، فقرأ الأخوان الختمة، فمات الأخ الثالث، فقام الرابع بقراءة الجميع، ثم توفى الآخر وبقيت أختهم «٣» ، وإنها تزوّجت، فجاءت ليلة
стр. 322
دخولها فقالت: «اللهم لا تهتكنى على أحة» ، فماتت لساعتها، رحمة الله على الجميع.
ويقابل هذه التربة من الجهة البحرية «١» قبر، يقال إن فيه محمد بن أحمد، ابن أخت الزبير بن العوّام، وقيل: ابن بنته، وكان عاملا على مصر.
قبر الشيخ أبى الفضل بن الجوهرى الواعظ- رحمه الله تعالى «٢» :
كان من كبار مشايخ المصريين، وبيته بيت العلم والعدالة، وذرّيّته ذرّيّة مباركة، وكان يعظ الناس فى جامع مصر، وأقام على ذلك «٣» سنين، وسمع الحديث الكثير «٤» ، وكان ينشد على كرسى وعظه «٥» ويقول:
خذ كلامى مجرّبا فامتحنه ... وبميزان كنه عقلك زنه
طاعة الله خير ما لزم العبد ... فكن طائعا ولا تنأ عنه «٦»
ما هلاك النّفوس إلّا المعاصى ... فتوقّ الهلاك لا تقربنه «٧»
إنّ شيئا هلاك نفسك فيه ... ينبغى أن تصون نفسك عنه «٨»
ومن كلامه: احذر ما فيه هلاك نفسك «٩» . صن نفسك عن معاصى الله. ينبغى أن تستحى من الله. كن من الله على حذر. إيّاك أن يراك على ما نهاك فتسقط من عينه.
стр. 323
وتوفى ابن الجوهرى سنة ثمانين وأربعمائة «١» ، [ودفن] بجانب قبر والده أبى عبد الله الحسين بن بشرى.
ويقال: إنه جاءه رجل مبتلى، فقال له: ادع الله تعالى لى. فقال:
أنا أدلّك على من يدعو لك، تمضى إلى البيت المقدس وتحتال إلى أن تبيت فيه، ولا تنام، فإذا دخل عشرة يصلّون فيه فقف، حتى إذا فرغوا من الصلاة وخرجوا، أمسك العاشر منهم وقل له يدعو لك «٢» . ففعل ذلك، وأمسك [العاشر] «٣» وسأله الدعاء، فدعا له، فبرئ من ساعته، وقال له: من دلّك علىّ؟ فقال: الشيخ أبو الفضل الجوهرى. فقال: والله هو الأول، غمزة بغمزة» .
وقيل: إنه قلّ ما بيده، فجاء إلى ابن قادوس وسأله شيئا «٥» من المال على سبيل القرض، وكان كثيرا ما يأخذ منه. فقال له ابن قادوس: كم تطلبنى، انكسرت القواديس؟! فمضى وتركه وهو ضيّق الصّدر، فلمّا أتى داره قال لغلامه: قد طال شعرى، وما معنا شىء ندخل به الحمّام وننفقه علينا، فامض إلى السوق وأتنى بمزيّن يأخذ شعرى «٦» . فمضى الغلام وأحضر مزيّنا مغربيّا، فلما وصل إلى الدار قال: هذه دار من؟ قال: دار ابن الجوهرىّ، الشيخ أبى الفضل «٧» . فقال المغربى: والله إنّ هذا لعجب! معى رسالة إليه ونفقة
стр. 324
من أرض المغرب «١» . فلما دخل المزيّن قال له: إنى مرسل إليك بنفقة من المغرب. فقال هاتها، أنا أبو الفضل بن الجوهرى. فدفع إليه ثلاثمائة دينار، ثم أخذ شعره ومضى. فأخذ أبو الفضل المال «٢» ومضى إلى ابن قادوس وقال: ما تكسرت القواديس ولا أصابهم شىء.
وذكرت «٣» زوجته- وكانت من الصالحات «٤» - قالت «٥» : جرى بينى وبينه مرّة كلام «٦» ، فغضب وغضبت، وتهاجرنا ليالى «٧» ، فلما كان فى بعض الليالى «٨» رأيت رسول الله ﷺ وهو يقول: لا تشغلى قلب ولىّ الله تعالى: [ورأى هو أيضا رسول الله ﷺ وهو يقول له: لا تشغل وليّة الله تعالى] «٩» . فلما أصبح جاء إلى عندى «١٠» ، ففتحت الباب وقلت «١١» : والله جاءنى رسول الله ﷺ قبل أن يجيء إليك.
وكان يعظ الناس فى جامع مصر وينصر مذهب السّنّة، فوشى به واش إلى أمير الجيوش [بدر الجمالى] «١٢» فأمر أن يجاء «١٣» به إلى القاهرة بعنف،
стр. 325
فحضروا وقالوا: قد أمر السلطان بطلوعك إلى القاهرة بعنف، ولكن لا بأس عليك. فقال لهم: اطلعوا بى من القرافة لئلّا يقوم «١» العوام عليكم. فطلعوا به منها، فزار الصّالحين، وزار من جملتهم أبا بكر القمنى، وتحسّب «٢» ، وجاء إلى قبر والده وقال: يا أبت، جلست فى جامع مصر ونصرت السّنّة، فرفع أمرى «٣» إلى أمير الجيوش، فأمر بحضورى، وما أدرى ما يراد بى. ثم بكى ودعا وتوسّل، ثم سار معهم إلى أن وقف بين يدى أمير الجيوش، فسلّم عليه «٤» ، فردّ عليه [السلام] وأكرمه، وقال له: يا سيدى، يا أبا الفضل «٥» ، لا ترجع تعظ فى الجامع، اجلس فى الزيادة. فقال له من كان حاضرا: يا أمير الجيوش «٦» ، إنّا رأيناك على حالة من أمر الجوهرىّ، فلما حضر بين يديك زالت تلك الحالة بغيرها. فقال: إنى رأيت فى الهواء إنسانا يقول لى: إذا آذيت «٧» ولىّ الله قتلناك. قال: فترك سيدى أبو الفضل الجلوس فى الجامع وجلس فى الزيادة «٨» ، وقال: حفظ الله السلطان، نقلنا إلى الزيادة من النقصان.
ووعظ وزاد أمره، وصار يتكلم وينصر السّنّة، وينكر على من خالفه، فأخبر الخليفة به وبما ينكر على من يخالف مذهب السّنّة، فاستحضره الخليفة، فلما حضر وجده جالسا على سرير فى القصر، فلما رآه أكرمه وقرّبه وقال:
يا شيخ أبو الفضل «٩» ، أريد أن تعمل فى وقتك بيتين من الشعر، فقال له:
стр. 326
ولمّا رأيتك فوق السّرير ... ولاح لى السّتر والمسند «١»
رأيت سليمان فى ملكه ... يخاطبنى وأنا الهدهد
فضحك الخليفة وأمر أن لا يعترض «٢» عليه، وأن يبقى على عادته فى جلوسه، فأكثر القول فى نصرة مذهب السّنّة، فأحضره أمير الجيوش «٣» ، فلما دخل عليه، أنشده فى وسط داره «٤» :
حبّ آل النّبيّ خالط عظمى ... وجرى فى مفاصلى فاعذرونى «٥»
أنا والله مغرم بهواهم ... علّلونى بذكرهم علّلونى «٦»
فأمر بإطلاقه»
مكرّما.
وكان- ﵀ مجاهدا، مقيما بمذهب السّنّة، مؤيّدا من الله .
وقيل: إنه اشتد به الحال من قلّة النفقة وطلب العيال، فخرج وجاء إلى الإطفيحى بالشرق «٨» وشكا إليه حاله، فقال له الإطفيحى: السّاعة كان الأفضل عندى، ودفع «٩» لى هذه الصّرّة وقال: أعطها لمستحقّها، وأنت مستحقها، خذها فأنفقها. فأخذها، فوجد فيها خمسين دينارا، فأخذها فأنفقها فى مدة ولم يبق معه شىء، فطولب بالنفقة، فقال: ما عندى شىء. فقالت
стр. 327
له زوجته: اخرج «١» وتسبّب لنا. فخرج حائرا، فجاء إلى الإطفيحى، فسلّم عليه، وسأله عن حاله، فأخبره بما هو فيه من الضائقة، وسأله أن يكلّم السلطان. فقال له: يا سيدى يا أبا الفضل «٢» امض لسبيلك، أنا ما جرت «٣» عادتى أن أبتديه بالكلام، وما «٤» أكلّمه إلّا جوابا، فخجل، ومضى إلى بيته بلا شىء. فقالت له زوجته: ما عملت؟ فقال: إنّ سيدى وعدنى «٥» بكل خير. فبات تلك الليلة وقام فى السّحر، فمضى إلى قبر أبيه «بشرى» فصلّى ودعا، وجلس عند القبر متحيّرا «٦» لا يدرى ما يصنع، فأخذه النوم فنام، فلم يشعر إلّا وهو يوقظ، فقام من نومه، فوجد إنسانا راكبا ملثّما وإنسانا ماشيا، فقال له الماشى: ما اسمك؟ فقال: أبو الفضل. فقال: وما اسم صاحب هذا القبر؟ قال: «بشرى» . فقال: إى والله، فناولاه «٧» صرّة ومضيا، ففتحها، فوجد فيها خمسين دينارا، فمضى وقضى حاجته منها، وأخذ بقيتها وجاء إلى «٨» الإطفيحى، فقال له الإطفيحى: أقول كما قال يوسف ﵇ لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
«٩» ، الذي دفع لك الصّرّة هو والله «الأفضل» ، وقد جاءنى وقال: سهرت البارحة سهرا شديدا، فأخذت سيرة ابن طولون فقرأت فيها، فغلبنى النوم، فنمت، فرأيت النّبيّ ﷺ وهو يقول لى: إذا «١٠» كان غدا فى السّحر امض إلى القرافة وفتّش فى
стр. 328
القبور فإنك ترى- أو قال: تجد «١» - رجلا لله، به عناية، قاعدا عند قبر رجل له به عناية «٢» ، ادفع إليه ما ينفق، فإنه بات البارحة بلا شىء، فدفع لى خمسمائة دينار وقال: ادفعها له قليلا قليلا لئلا ينفقها مرة واحدة، وقال:
إنه دفع لك صرّة فيها خمسون دينارا، وأقسم علىّ بالله أنى أعلمك بها إذا فرغت، أعلمته بذلك.
وحكى ابن العربى فى كتاب «سراج المريدين» قال: جلس أبو الفضل ابن الجوهرى «٣» يوما على المنير، فقال القارئ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال: والله ما منعتها «٤» أبدا. وأقبلت القلوب على كلامه، فتعجبت من قوله هذا!
وروى عن محمد بن واسع أنه قال: خرجت يوما من المسجد، فلقيت الشيطان فى طريقى، فقال: يا محمد بن واسع، إنّى كلّما رمتك وجدت بينى وبينك حجابا لا أستطيع أن أبلغ إليك منه. قال: إنى أقول كل يوم إذا أصبحت:
«اللهمّ، إنّك سلّطت علّى عدوّا بصيرا بعيوبى، مطّلعا على عوراتى، اللهم فآيسه منّى كما آيسته من رحمتك، وقنّطه منّى كما قنّطّه من عفوك، وباعد بينى وبينه كما باعدت بين المشرق والمغرب، واطرده عنى كما طردته عن بابك، يا أرحم الرّاحمين» «٥» . فقال له الشيطان: بالله لا تخبر بها أحدا أبدا، فقال: والله ما منعتها من أحد أبدا.
стр. 329
والده أبو عبد الله الحسين بن بشرى الجوهرى- رحمة الله عليه «١» :
كان من الأجلّاء الفضلاء- وكان من المكاشفين، وله كلام على الخاطر، ولم يكن فى وقته مثله زهدا وعبادة وورعا، ولم يأت بعده مثله، وله حكايات عن نفسه وعمّا شاهد، وخوطب به.
قيل: إنه اجتمع مع الشيخ أبى القاسم الحسين بن الأنبارى، قال ابن الأنبارى: سمعته يقول ذات يوم، وقد ذكر عنده من يطلب الكيمياء، فقال: العجب كل العجب أن ترى هذه الطريقة بعمل الكيمياء، الله يعلم أنّ قوما تعرض عليهم مفروغة فما يأخذونها، يا سبحان الله، إذا وقف العبد بين يدى الله سبحانه يتناثر عليه البرّ، فإن وقف عند شىء منه «٢» أوقف عند ذلك، وإن لم يقف وكان ناظرا إلى المعطى كان المزيد على قدر ذلك!
وذكر عنده رجل ذات يوم كان يسير فى السّحاب فقال: إنى أعرف رجلا فى جامع مصر علا حتى رآه رجل «٣» ، وارتفع من الأرض وسار إلى السماء، فقلت له: يا سيدى، ما كان عليه؟ قال: كان عليه قباء بياض، والشفاشف «٤» بين رجليه يلعب بها الريح، فعلمت أنه هو الذي نظره.
وقال ابن الأنبارى أيضا: بتّ ليلة فى طارمة «٥» فى القرافة وحدى، فجاء فى فكرى خاطر، فقلت: فلان له ألف ركعة، وفلان له كذا وكذا، وقلت: يا نفس، ما أعظم مصيبتك، لم لا تكونى مثل هؤلاء؟! فقلت: والله
стр. 330
لأصلّينّ ما أقدر عليه من الصلاة «١» . ثم قمت فصلّيت ركعتين، وتركت «٢» حصاة عن يمينى، [وكلّما صليت ركعتين جعلت حصاة عن يمينى] «٣» .
ثم نمت، فلما صليت الصّبح مضيت إلى أبى عبد الله بن بشرى الجوهرى، فتبسّم «٤» وقال لى: ليس العمل بكثرة العدد «٥» ، وإنّما العمل فى الإتقان، قال الله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
«٦» [ولم يقل أكثر عملا] .
وخرج أبو عبد الله الحسين بن بشرى، رضى الله عنه، ذات يوم فى جنازة، فصلّى عليها، ثم جلس هو وجماعته فى قبة عند مصلّى «خولان» التى بالقرب من مشهد «طباطبا» ، وهم ينتظرون الجماعة حتى يدفن الميت «٧» ، فقعدوا ساعة «٨» ، ثم قال لمن معه: قوموا بنا من هذا الموضع، فخرجوا منه، وعند خروج آخرهم وقعت القبة، قال: فسئل الشيخ أبو عبد الله عن ذلك، فقال: حصلت «٩» فى المصلّى، فاضطرب سرّى، فقلت:
حادثة فى الجامع، فلم يسكن، فقلت: فى الصحراء، فلم يسكن، فقلت:
فى البيت، فلم يسكن، فنظرت فإذا سرّى لم يخرج من الموضع الذي أنا فيه، فقلت: حادثة١»
، فخرجت وقلت: قوموا بنا، فقمنا، فكان ما عرفتم.
قال أبو القاسم الحاكى: وقال لى الفقيه أبو عبد الله: ولم تبن «١١» القبة.
стр. 331
ودخل عليه ذات يوم رجل ومعه جام «١» زجاج صاف، فقال: أرجو أن تصفوا قلوبكم ونيّاتكم حتى تروا الأشياء قبل ورودها.
وحكى عنه، رضى الله عنه، قال: كنت يوما مع والدتى فى القرافة عند قبر والدى- رحمه الله تعالى- فقالت: يا بنىّ، سمعت صاحبى هذين القبرين يتحادثان «٢» ، ثم مشينا فجزنا «٣» على قبرين، فقالت: يا بنىّ، سمعت من قبر هاهنا وصاحبه يقول: أوّاه، أوّاه، أوّاه! فقلت: أىّ قبر تشيرين إليه؟ فقالت: يا بنىّ ما أريك إيّاه، أن يقلّدك الله هذا الأمر «٤» ، فاستر ما قدرت.
وحكى أيضا قال: دخلت ذات يوم إلى منزلنا وأنا صغير، [مقدار عمرى نحو سبع سنين] «٥» ، فرأيت فيه شيئا «٦» من الفاكهة، فجعلت أنظر إليها، فقالت لى أمّى: يا حسين، بقى للعشاء قليل، ما تسوى الدنيا كلها هذه النظرة! وقال: جئت يوما من جنازة ومعى جماعة من الناس، فصعدت إلى والدتى، وكانت فى غرفة لنا، وكانت رأتنى من الطاق «٧» والناس معى، فقالت لى: ما هذه الشهرة، تمشى والناس خلفك؟ ثم شالت طرف الحصير، وأخذت بأصابعها شيئا من التراب ثم ذرّته «٨» فى وجهى وقالت: من هذا خلقت، فلا تكبّر نفسك!
стр. 332
وجاءه ذات يوم رجل يقال له ابن خريطة، فقال: جئتك من عند أبى محمد الخطيب. فقال: اذهب احفر له! فمضى، فوجده قد مات، فلما أخبر الشيخ بذلك قال: إنى رأيت عند وجه الصبح «١» كأن خادما دخل علىّ وعزّانى فى أبى محمد الخطيب، فأوّلته ملك الموت.
قيل: ومات ابن أخيه بمصر، وكان هو بمكة، وابنته على المائدة- وهى بنت ستّ سنين- فقالت: مات ابن عمى عبد الرحمن، نعم نعم نعم نعم نعم «٢» . فقالت أم عبد الرحمن: ما الذي قلت؟ قالت الصبيّة: ما قلت شيئا. فقال الشيخ رضى الله عنه: اكتبوا هذا الوقت. فكتبوه. وجاء الحاجّ من مصر، فقالوا: مات فى الوقت الذي قالت الصبيّة. فقال له رجل: قبل مجىء الحاج. قالت: يا سيدى، أنا أعرف من غسّله، وأين غسّل «٣» ، غسّل فى الموضع الفلانى، وغسّله فلان.
وروى أنه قلّ ما بيده يوما، فخرج يتسبّب فى شىء، فوجد ورقة من مصحف مقطعة، لم يبق فيها سوى قوله [تعالى] : ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ
«٤» فرجع إلى بيته، فجاء شخص ومعه ثلاثمائة دينار.
قال «٥» : وكنت معه ليلة بمكة فى شهر رمضان، فقال: هل رأيتم ما أرى؟ فقال له بعض أصحابه: لعلّك تريد أنك رأيت ضوءا صعد من الأرض إلى السماء؟ فقال: نعم.
وكان بمكة رجل يقال له أبو بشير الحلاوى، سمع بذكره، فجاء فجلس إليه، فتكلم الشيخ على خاطر أبى بشير، ثم على خواطر الحاضرين، فصعق
стр. 333
أبو بشير، فلما أفاق قال: أيها الشيخ، إنّا كنّا نسمع هذا حديثا، والآن نراه مشاهدة «١» .
قال الشيخ أبو القاسم: قال لى «على الحمّال» وكان ثقة، وحلف لى بطلاق زوجته التى أعرفها، أنه رأى الشيخ أبا عبد الرحمن بن الجوهرى فى جنازة «عبد الرحمن» «٢» بمصر، فأسرع فى طلبه فلم يدركه.
وقال لأصحابه ذات يوم: إنى لأعرف من كلّمه: الكرام الكاتبون.
قال: وقال بعض أصحابنا: خرجت يوما إلى القرافة ومعى جارية لا تعرف الطريق، وكنت راكبا وهى ماشية، فشغلنى إنسان بالحديث، ومشت الجارية فتاهت عن الطريق فلم أجدها، فدخلت على الشيخ وعرّفته ذلك، فقال:
ما اسمها؟ فقلت: فلانة. فقال: وما جنسها؟ فعرّفته. فقال: «اللهمّ إن كان عدا عليها عاد فحل بينها وبينه، وإن كانت قد ضلّت فضيّق عليها السبيل حتى ترجع «٣» إلى مخرجها، يا قيوم» . ومضيت من عنده وقد بئست من الجارية بسبب ما كان عليها، وجئت إلى بيتى مغموما، فلما جلست إذا بالباب يدق، فخرجت، فوجدت الجارية، فقلت: ما بالك؟ قالت: إنك غبت عن عينى فلم أرك، فبقيت حائرة، فمشيت، فرأيت زقاقا «٤» من جديد، فمشيت فيه إلى أن وصلت إلى هاهنا.
وذكر- ﵀ أنه رأى والدته فى النوم بعد موتها، وعليها ثياب من حرير أبيض وأخضر وأصفر، وهى فيها تخطر، وحولها شماريخ «٥» ، وهى
стр. 334
على شاطىء نهر، فقيل لى: انظر إلى وجه لم يعص الله قط، ما أحسنه وأزهره وأنضره!
وقال أبو الحسن «١» الشيرازى: خرجت مع أبى عبد الله إلى مكة، فركبنا البحر «٢» ، فلما وصلنا إلى البر لم يكن عندنا من الزيارة للمدينة خبر «٣» بفساد الطريق، فخطر فى سرّ الشيخ أبى عبد الله الزيارة، وكان مقدّما ومؤخّرا «٤» ، فرأى فى المنام قائلا يقول له: «إن زرت حفظت، وإن سرت سلمت، زر تسلم، أو سر تغنم، لا تعترض تندم» .
قال: فلما استيقظت فكرت فى نزولى وكثرة من ينزل معى، وخوف الناس فى الطريق، فتحولت إلى جنبى الآخر، وإذا بقائل يقول لى: «إنما هو قذف من الحق بالحق، فى قلوب أهل الحقّ من الخلق، تصديقا للخلق بالحق من الحق «٥» ، تفضّلا من الحقّ على الخلق» . قال أبو الحسن: فاكتريت له «٦» فى تلك العشية، ونزل معنا جماعة كثيرة، وسرنا سالمين إلى أن وصلنا إلى المدينة «٧» فى السّحر، فقال لى الشيخ: رأيت رسول الله، ﷺ ، مفتوحة «٨» يداه كالمستقبل لى، قال أبو الحسن «٩» : فشممت فى الوقت رائحة «١٠» طيبة، ما شممت قطّ مثلها. ودخلنا إلى المدينة، وجلس هو فى
стр. 335
المسجد يتكلم، واجتمع إليه جماعة، وكان بعض الأشراف تكلّم، فلما كان من الغد قال: رأيت البارحة فى المنام إبراهيم الخليل، ﵇، وقد ناولنى سيفا وقال لى: تكلّم فى أمان الرحمن. واستشاره بعض أصحابه فى الخروج مع بعض الأمراء إلى مكة، فقال: ما أقول شيئا، من شاء أن يخرج فليخرج، ومن شاء أن يقعد فليقعد «١» . فخرج معه قوم وتخلّف آخرون، فلما وصلوا إلى بدر مضى ذلك الأمير وتركهم، فخرج عليهم العرب فأخذوهم وجميع ما كان معهم، فلما بلغ الشيخ ذلك قال: كذا من ركن إلى المخلوقين ونسى الخالق.
قال: ومن كلام الشيخ أبى عبد الله: «هذه الأمّة رجلان، أحدهما تقيّ والآخر مذنب، فالتّقّى فى مقعد صدق عند مليك مقتدر، والمذنب شفيعه رسول الله ﷺ ، فأىّ الرجلين يخاصم غدا؟» .
ومن مواعظه: «اتّق الله أيها الرجل، وخف من يوم لا بد من حضوره، قال الله تعالى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
«٢» . أنت [تريد] »
عبدك إذا دعوته يقول: لبّيك، وإذا لم يجبك قلت: عبد سوء، تريده يطيعك ولا يعصيك، متى أطعت الله بما تريده من عبدك، أما تستحى من سوء رأيك «٤» ؟ ستقدم غدا، وينكشف الغطاء، أما سمعت قول الله تعالى: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
» «٥» .
وقال بعض أصحابه: رأيته بالجحفة «٦» مرارا يختلف إلى حاجة
стр. 336
الإنسان، فقلت: يا سيدى، أراك تختلف «١» ، فقال لى: يا جعفر، لم أحلّ سراويلى من «القلزم» «٢» إلى هاهنا.
قال: وسمعته يقول: لو تجوّع كافر لتقدّح «٣» من خاطره الحكمة.
وتوفى عبد الله بأيلة «٤» عند منصرفه من الحج فى صفر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة «٥» ، وحمل إلى مصر، وقبره مشهور، وهو الذي عند رأسه لوح رخام، وحجر كدان، مكتوب فيه منام رآه بعض المتقدمين «٦» ، وحكاه عن رسول الله ﷺ ، يتضمن زيارته. والدعاء عند قبره مستجاب، وقد درست «٧» هذه الكتابة إلّا أقلّها.
*** قبر أبى العباس الدّيبلىّ «٨» :
وعند رجليه قبر به أبو العباس «٩» أحمد بن محمد الدّيبلىّ الخياط، الشافعى، الزاهد، رحمه الله تعالى، كان مقيما بمصر، ظلّ «١٠» معتكفا بمسجد
стр. 337
ثلاثين سنة، وكان قوته وكسوته من خياطته، وكان يخيط قميصا فى جمعة بدرهم ودانقين، طعامه وشرابه وكسوته منها فى غلاء السعر ورخصه، ما طلب من أحد شربة ماء قطّ «١» ، وكان يرجع إلى أحوال حسنة من الزهد والتقشف، ولبس الخشن، وحفظ اللسان، ولم ينقل عنه أنه اغتاب أحدا قط، وكان سليم القلب، كثير الاجتهاد فى الطّاعة، مع ملازمة الصوم، وكان لا يفتر لسانه من تلاوة القرآن، وكان فقيها جيدا على مذهب الشافعى رضى الله عنه، وكان مكاشفا، وربّما أخبر بأشياء فتوجد كما قال. وكان صادقا مقبولا عند المخالف والمؤالف، يستسقى به الغيث، ويتبرّك بدعائه، قال خادمه: توليت خدمته فى مرضه، فقال لى: حضرت الملائكة عندى وقالوا لى: تموت ليلة الأحد، فكان كما قال، فلما كان ليلة الأحد قعدت عنده، وما كان يصلّى إلّا جماعة، فصليت به المغرب، فقال لى: تنحّ، فإنى أريد أن أجمع بين صلاتين، ما أدرى ما يكون منّى، فجمع بين صلاتين، وشفع وأوتر «٢» ، ثم أخذ فى السّياق وهو حاضر معنا إلى نصف الليل، فقمت فأرحت نفسى ساعة ثم جئت، فقال:
أىّ وقت هو؟ قلت: قريبا من الصّبح، فقال: حوّلونى «٣» إلى القبلة، فحوّلناه، فأخذ يقرأ مقدار خمسين آية، فخرجت نفسه ونحن ننظر إليه، وذلك فى سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، وقيل سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وهو الصحيح. وكانت له جنازة «٤» عظيمة جدّا، مشهورة، لم يتأخر عن حضورها أحد من الناس.
وفى بحرى قبر الدّيبلىّ قبر الشيخ الإمام العالم فخر الدين المدرس بمدرسة
стр. 338
«ياز كوج» الكائنة بسوق أمير الجيوش بدر الجمالى بالقاهرة. كان من أهل العلم والعفاف والديانة، مع حداثة السن «١» .
قبر المباحى «٢» :
وبجانب قبره من حيث القبلة «قبر المباحى» رحمه الله تعالى، كان رجلا صالحا، يحتطب فى كل يوم حزمة حطب يبيعها ويتقوّت «٣» بثمنها، وكان له حال عظيم «٤» ، يقال إنه رآه إنسان يمشى وبين يديه صرّة فيها نفقة، فقال له:
يا شيخ، خذ هذه الصرّة من تحت رجليك، فقال: يا ولدى، إنّ لى مدّة أجوز عليها ما مسكتها قطّ، ولا أعرف ما فيها «٥» ، وإنّ لله تعالى عبادا إذا قالوا لهذه الحزمة الحطب التى على رأسى: صيرى ذهبا بإذن الله تعالى صارت، فصارت الحزمة ذهبا، فصعق الرجل، فلمّا أفاق قال له الشيخ: يا أخى لعلّك رأيت ما لم تره قط «٦» . فنظر فإذا الحزمة عادت حطبا كما كانت.
قبر أبى الفضل السايح «٧» :
وبجانبه قبر الشيخ أبى الفضل «٨» السايح ﵀، وهو على يسارك وأنت خارج «٩» من تربة «المباحى» . قيل: إنه لقيه رجل قاطع طريق على
стр. 339
فرس، فقال له: انزع «١» القماش، فخلع ثيابه وأبقى السّراويل، فقال له:
انزع السراويل «٢» ، قال: فخلعه ورمى به وقال: خذه وامض فى اليم، فأخذه فهرب به الفرس حتى أدخله اليمّ، وخاف على نفسه الهلاك، فقال فى نفسه: ما أوتيت إلّا من قبل الذي أخذت ثيابه «٣» ، فعقد مع الله توبة خالصة، فرجعت الفرس وطلع سالما، فجاء إلى القرافة وطلب الشيخ «٤» ، فوجده، فلما رآه الشيخ أبو الفضل تبسّم وقال له: اترك القماش وامض.
قبر أبى الطيب الهاشمى «٥» :
وبجانبه إلى البحرى قبر الشيخ أبى الطيب الهاشمى «٦» ، المعروف بابن بنت الشافعى، رضى الله عنه. كان من الزهاد العلماء، صحب أبا بكر أحمد ابن نصر الزّقّاق وغيره من مشايخ القوم «٧» ، وكان من السالكين للطريق «٨» ، فسمع الحديث الكثير «٩» ، وروى عن المشايخ، وكان يقول: «الصلاة تبلغك نصف الطريق، والصوم يبلغك باب الملك، والصّدقة تدلك عليه» .
стр. 340
وله- رضى الله عنه- شعر «١» :
أتدرى يا بن آدم ما أبحت ... وما أعطاك ربّك إن شكرت
إذا ما شئت قمت إلى الصّلاة ... فناجيت الإله بما أردت
وقيل: إنه سأل الله تعالى أن تصيبه الحمّى لما فيها من الأجر لمن صبر عليها «٢» ، فكانت الحمّى تأتيه ساعة من النهار فى كل يوم، فيحمى لها جسمه، ويتغير لها لونه، فإذا غربت الشمس زالت عنه، فلم تزل كذلك حتى توفى- رحمه الله تعالى- فى سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة، وصلّى عليه صاحبه الحدّاد.
قبر البزاز، رحمه الله تعالى «٣» :
تجده على مصطبة، كان من خيار الناس «٤» ، وكان إذا باع واستفتح وجاءه زبون آخر قال له: امض إلى جارى، فإنى قد استفتحت.
قال الرّاوى: قال لى رجل أعرفه «٥» ، ونحن عند قبره نزوره:
يا سيدى، أخبرك بأعجوبة؟ قلت: ما هى؟ قال: كنت يوما ليس لى شىء «٦» ، وقد دخل الشتاء، فجئت إلى قبر هذا الرجل فزرته ثم قلت:
يا صاحب هذا القبر، أنت ما سمّيت بزّازا سدى، وأنا أشتهى عليك ما ألبسه، فإننى فقير ولا شىء لى «٧» ، وقد تعرّيت. ثم عدت إلى بيتى، فلما كان الغد
стр. 341
جاءتنى والدتى بقميص وسراويل وقالت: مضيت إلى أصحاب لى فقالوا: ألك ولد؟ فقلت: نعم. قالوا: فادفعى هذا له «١» . ثم قلت فى نفسى: بقى كساء أرقد فيه، فلما أصبحت مضيت إلى قبره وزرته «٢» ، وحدّثته حديث والدتى، وقلت: يا شيخ، جزاك الله عنى خيرا «٣» ، بقيت أشتهى كساء أرقد فيه، ثم دعوت الله عنده ورجعت، فبينما أنا فى الطريق إذا إنسان ناولنى كساء، فأخذته وحمدت الله تعالى وشكرته، وما انقطعت عن زيارته.
قبر الشيخ أبى الحسن القرافى «٤» :
وبجانبه قبر الشيخ أبى الحسن على بن قيصر بن عمر القرافى، رحمه الله تعالى. كان شيخ وقته فى زمانه فى التصوف، يرجع إلى أنواع من العلم، وكان مذهبه الزهد فى الدنيا، وأدرك جماعة من العلماء والمحدّثين وحدّث عنهم.
قال- ﵀: «كنت مع أبى الحسن علىّ بن حيّان الدينورىّ فى مركب، فوجد البرد، فغطّاه إنسان جندى بكسائه، فقلت: يا سيدى، تتغطّى بكساء جندى!؟ فقال: أترى أن أبخل عليه أن يغفر الله- له!؟» .
وتجىء «٥» وأنت مشرّق تجد على يمينك قبرا، كتب عليه «السيد الشريف الزفتاوى سمسار السكر، كان يفعل الخير» .
стр. 342
قبر دينار العابد «١» :
وإلى جانبه من البحرى قبر الشيخ دينار العابد، بجانب ضريح «الفقاعى» رحمه الله تعالى.
كان من كبار الزهاد الصالحين، وله كرامات كثيرة، من جملتها أنه اشتهر عنه أنه كان إذا قدّم إليه طعام فيه حرام يرى فيه ثعبانا «٢» يريد أن ينهش يده فيتركه.
وحكى «٣» عنه أنه قال: اجتمعت أنا و «عتبة الغلام» و «صالح المرّى» ومعنا جماعة من الصّالحين، ومضينا إلى بيت «أبى جهير» الضرير، فطرقنا عليه الباب، فكلّمتهم ابنته وقالت: ما تريدون «٤» ؟ فقالوا: نريد زيارة الشيخ، فقالت: ادخلوا. قال: فدخلنا فسلّمنا عليه، فتقدم عتبة فسلّم عليه، فقال: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا «عتبة الغلام» . قال: أنت الذي جئت آخرا فصرت أولا. ثم تقدّمت، فقال: من أنت؟ فقال «عتبة» :
هذا «دينار» العابد، فقال: أنت دينار؟ قلت: نعم، قال: «إيّاك أن يراك على ما نهاك فتسقط من عينه» . ثم تقدّم «المرّى» فسلّم عليه، فقال:
من أنت؟ قال: أنا «صالح المرّى» ، قال: أنت الذي تقتل المحبّين بقراءتك؟! أما كان فى كتاب الله آية تقتلك وتريح المحبّين منك؟ اقرأ علىّ من كتاب الله تعالى. قال: فخفت أن أقرأ عليه آية فى ذكر النّار فيتخوّف ويموت، أو فى ذكر الجنّة فيشتاق إليها. قال: فقرأت عليه وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
«٥» . فزعق ووقع وقال:
стр. 343
يا صالح، زدنى. قال: فقرأتها عليه ثانيا، فقال: يا صالح، إذا كان دابّة فهمت على الله خطابه، اقرأ علىّ! فقرأت عليه، وإذا به شهق شهقة مات فيها، فقلنا: يا صغيرة، مات أبوك! فقالت: هل فيكم «صالح المرّى» ؟ فإنى سمعته يقول: إنى سمعت صالحا المرّى يقرأ من أربعين سنة، وسألت الله ألّا يقبضنى حتى يسمعنيه مرة ثانية، فتولّوه، ما عندى من يتولّاه- رضى الله عنه «١» .
وبجواره قبر أبى عبد الله بن الوشاء، يزار أيضا، رحمه الله تعالى.
قبر الشيخ العالم الزاهد المعروف بابن الفقاعى:
وهو أبو الحسن على بن أبى الحسن، ﵀ «٢» . وكان من كبار مشايخ مصر، صحب الشيخ أبا الحسن «٣» الدّينورىّ، وغيره. وكان يقول:
«والله ما أدّبنى أبواى قطّ، ولا احتجت إلى تأديبهم، وإنّما أنا مؤدّب من الله تعالى» .
وقال ﵀: قال لى الشيخ أبو الحسن الدّينورى: امض «٤» معى إلى الحمّام. فقلت: حتى أستأذن والدتى «٥» . فمضى إليها واستأذنها، فقالت: امض مع الشيخ وقم فى خدمته. فدخل الشيخ الحمّام، فلم يزل ابن الفقاعى قائما «٦» ، فقال الشيخ له: اجلس. فقال: إنّ أمّى لم تأمرنى بالجلوس «٧» . فما جلس حتى خرج من الحمّام.
стр. 344
وقال: رأيت ليلة من الليالى كأنّ القبور مفتّحة ورجل موكّل بها، فقلت:
كيف حال هؤلاء فى قبورهم؟ فقال: نادمين، أيديهم على خدودهم، وجعل يده تحت خدّه.
وقال أيضا: كنّا «١» بكهف السودان عشيّة عرفة وقد اجتمعنا للدعاء، وطابت النفوس، وخشعت القلوب «٢» ، وإذا بشابّ حسن الشّباب والوجه، على فرس حسن «٣» ، فجعل يلعب تحت المكان، فلما رآه الجماعة شغلوا به عن الدعاء والذّكر، فقلت: يا أصحابنا، إنّى أخاف أن يكون هذا الشاب «إبليس» فقد جاءكم يقطعكم عن الله تعالى. فو الله ما أتممت كلامى «٤» حتى غاص فى الأرض هو والدّابّة.
وروى عنه أيضا أنّ بعض أصحابه أصابه وجع فى ركبته، فجاء إليه وقال:
يا شيخ، أنا أسألك الدعاء لى، وشكا إليه ما يجد من الألم، فقال له: امض إلى الجبل تجد اثنى عشر رجلا، من وجدت منهم اسأله أن يدعو لك. قال:
ففعلت، فوجدت رجلا وهو قائم يصلى، فوجدت عليه هيبة عظيمة «٥» ، فجلست خلفه حتى فرغ، فسلّمت عليه وشكوت إليه ما أجد من ألم الوجع «٦» ، وسألته الدعاء، قال: فوضع يده على ركبتى، فوجدت العافية من ساعتى. ثم قال: من دلّك علىّ؟ فقلت: الشيخ أبو الحسن الفقاعى.
فقال «٧» : إذا وصلت إليه فسلّم عليه وقل له: أنت باق على شهوتك. فجئت
стр. 345
إليه فأخبرته بذلك، فبكى بكاء شديدا ثم قال: والله لو علمت أنه يقول لك ذلك ما دللتك عليه. فقلت له: يا سيدى [عرّفنى] «١» ما السبب؟ فقال لى: قم إلى شغلك. فقلت: والله ما أقوم حتى تحدّثنى. فقال لى: هؤلاء كانوا اثنى عشر رجلا يعبدون الله تعالى فى ذلك الموضع، وكانوا كلّ ليلة ينزوى كل واحد منهم فى مكان ويجيء بطبق فيه اثنا عشر «٢»
رغيفا وحوت سمك، فجلست معهم حتى جاءت نوبتى، فقالوا لى: قم، فلعلّ الله تعالى أن يأتيك بالرزق. فقمت وجلست فى زاوية، ورفعت طرفى إلى السماء وقلت: اللهم لا تخجلنى بينهم، فلم أشعر إلّا وإلى جانبى طبق فيه ثلاثة عشر رغيفا وحوت سمك. فقلت فى نفسى: لقد اشتهيت، لو كان معه قليل ملح تذهب به حلاوة السمك! وإذا بالملح قد وضع على الطبق، فجئت بالطبق إليهم وعليه ملح زائد.
فقالوا لى: من أين هذا الملح؟ فسكتّ، فقالوا لى: قل لنا ما سبب هذا الملح؟
إن كنت اشتهيته فليس بجيّد، وإن كان بغير الشهوة «٣» فجيد. فقلت:
[إنما] اشتهيته. فقالوا: نحن «٤» فى هذا المكان لا نشتهى شيئا، وأنت متعرّض فلا تصحبنا، فمضيت وتركتهم.
وله فضائل كثيرة وسياحات وعبادات. [وتوفى- رحمه الله تعالى- لثمان خلون من صفر سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، كما على قبره مكتوب، وقبره مشهور] «٥» ، وهو فى فناء مسجده «٦» المعروف به فى الجبّانة، وبنى مساجد فى غير هذا الموضع «٧» من البلد وعمّرها، وله كرامات يطول شرحها، وكان
стр. 346
«كافور» أمير مصر [﵀] «١» يجتهد فى أن يأذن له فى زيارته، فيأبى، فهجم عليه مرّة وهو متنكّر، فلما عرفه عرض عليه قبول ألف دينار، فأبى، فسأله أن يفرقها على المستحقين، فلم يفعل، فقال له: ألك حاجة؟ فقال له: حاجتى ألّا تأتينى بعد اليوم. فخرج من عنده باكيا ولم يعد إليه.
*** وبجواره «٢» قبر أبى بكر محمد بن الإمام، توفى سنة تسع وأربعين «٣» ، وهو بالقرب من قبر ابن الوشاء.
وبجانبه قبر هبة الله بن مسافر، توفى سنة أربع «٤» وثمانين وأربعمائة، وهو ملاصق لقبر أبيه.
وهناك قبر مسنّم به رجل من علماء المالكية الفضلاء النبلاء، المتبحرين فى مذهب مالك، رضى الله عنهم.
وبالقرب منه قبر بكّار بن محمد بن أحمد المعافرى، توفى- رحمه الله تعالى- سنة ستّ «٥» وثلاثين، وقبره غربّى قبر الفقاعى، وكان رجلا صالحا متعبدا، سمع وحدّث، وإليه ينسب المسجد المعروف بدويرة بكار، على يمين الخارج من درب سالم بالقرافة «٦» .
قبر الشيخ عتبة الزاهد الواعظ «٧» :
[هو] أبو عبد الله [محمد بن عبد الله] بن سعد «٨» ، رحمة الله
стр. 347
عليه، كان يتكلم على الناس، وله مجلس يجلس فيه للوعظ بجامع مصر. وذكر أبو عبد الله محمد بن عبد الله المالكى أنه كان يجلس فى جامع مصر قبل دخول المعزّ إلى الديار المصرية. قال أبو عبد الله: حدّثنى من أثق به قال: كنت فى مجلسه فوعظ الناس، فأبكى العيون، وطابت القلوب، قثم قال: «يا أهل مصر، تظهرون المناكر، وتعمل «١» نساؤكم الخبائث، هذا عتبة راحل عنكم، ويستعمل عليكم بعده ثلاث: جوع، وطاعون، وسيف الرّوافض» «٢» . قال الذي حدثنى: والله ما حضر الميعاد الآخر «٣» إلّا وقد مات [الشيخ] «٤» وحلّ بهم من بعده كلّ ما قاله، وعاينت «٥» جميع ذلك.
ومات عتبة الزاهد رحمه الله تعالى سنة ثلاث «٦» وخمسين وثلاثمائة، وهو الذي غسّل الفقاعى «٧» .
*** وهناك «٨» أيضا حجرة تعرف بابن شاس، وتربة اللّوّان بجوار تربة القابسى، فيها الرجل الصالح النصراباذى، وأبو العباس أحمد الطرطوشى، وأبو القاسم «٩» عبد الرحمن بن الحسن اللواز العدل، توفى سنة سبعة عشر وثلاثمائة «١٠» .
стр. 348
قبر الشيخ أبى عبد الله محمد بن جابار الصوفى الزاهد:
هو من مشايخ أبى الحسن بن الفقاعى، رحمة الله عليه «١» . كان من كبار مشايخ الصوفية، قرأت فى كتاب المسبّحى: حدّثنى ابن الدّاية كاتب القمنى «٢» قال: حدثنى أبو الحسن البغدادى، قال: وردت إلى مصر مع والدى وأنا صبّى دون البلوغ، فى أيام «كافور» ، وكان أبو بكر المحلى يتولى نفقات مصالحه وخواص خدمه، وقد استبيحت «٣» بينه وبين أبى مودّة، وكان يزوره ويصله، قال: فجاءه ذات يوم فأطال عنده المكث، وتحدّثا، وتذكّرا أخبار «كافور» وطريقته وما هو عليه من الخشوع، فقال أبو بكر «٤» لأبى- وأنا أسمع هذا: الأستاذ «كافور» له فى كل عيد أضحى عادة، وهى «٥» أن يسلّم إلى أبى بغلة محمّلة ذهبا وورقا «٦» ، وجريدة تتضمّن أسماء قوم من حدّ القرافة إلى «المنامة» وما بينهما، ويمضى مع صاحب الشّرطة، ونقيب يعرف المنازل، فأطوف من بعد العشاء الآخرة إلى آخر الليل، حتى أسلّم ذلك إلى من جعل له «٧» وذكر اسمه فى الجريدة، فأطرق المنازل والزوايا على الرجال والنساء «٨» ، فإذا خرج إنسان أقول له: الأستاذ أبو المسك «كافور» يهنّيك «٩» بعيدك ويقول لك: اصرف هذا فى منفعتك «١٠» ، ثم أدفع إليه
стр. 349
ما جعل له، فلما كان فى هذا العيد «١» فعل كما جرت عليه العادة «٢» ، وزاد فى الجريدة الشيخ أبا عبد الله بن جابار مائة دينار، فأنفقت المال فى أربابه، حتى لم يبق إلّا الصّرّة، فجعلتها فى كمّى وسرت مع النقيب حتى أتينا إلى منزل الشيخ «٣» بظاهر القرافة، فقال لى النقيب: هذه «٤» داره، فطرقت الباب، فنزل إلينا شيخ عليه أثر السّهر لم ينم، فسلّمت عليه، فلم يردّ علىّ السلام وقال: ما حاجتك؟ فقلت: الأستاذ أبو المسك «كافور» «٥» يخص الشيخ بالسّلام. فقال: والى بلدنا؟ قلت: نعم. قال: [عليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته] «٦» حفظه الله، يعلم أننى أدعو له فى الخلوات، وإدبار الصلوات وللمسلمين بما الله سامعه ويستجيبه [إن شاء الله تعالى] .. قلت: وقد أنفد معى هذه الصّرّة، وهو يسألك قبولها فى مؤنة هذا العيد المبارك. فقال: نحن رعيته، ونحن نحبّه فى الله تعالى، [وما نفعل هذا بعلّة] «٧» فراجعته القول، فتبيّن لى الضّجر فى وجهه، والقلق والتلهف، فاستحييت من الله تعالى أن أقطعه عمّا هو فيه، فتركته وانصرفت، فجئت إلى دار الأمير، فوجدته «٨» قد تهيأ للركوب وهو ينتظرنى، فلمّا رآنى «٩» تهلّل وجهه وقال: هيه يا أبا بكر! فقلت له: أرجو أن يستجيب الله فيك كلّ دعوة صالحة دعيت لك فى هذه الليلة، وفى هذا اليوم الشريف. فقال: الحمد لله الذي جعلنى سببا لإيصال
стр. 350
الرّاحة إلى عياله. ثم قال: يا أبا بكر، أنت مبارك. فأخبرته بامتناع ابن جابار، فقال: نعم، هو جديد لم تجر بيننا وبينه معاملة قبل هذا الوقت، ثم قال لى:
عد إليه، واركب دابّة من دوابّ النّوبة، فلست أشك ما لقيت دابتك فى هذه الليلة من التعب، ثم امض إليه واطرق بابه، فإذا نزل إليك فإنّه سيقول لك:
ألم تكن عندنا؟ فلا تردّ عليه جوابا، ثم استفتح واقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى * الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى * لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى
«١» .
يا بن جابار، يقولك «كافور» العبد الأسود: ومن كافور؟ ومن مولاه؟
وهل من الخلق بقى لأحد مع الله تعالى ملك أو شركة؟ تلاشى الناس كلهم، هاهنا تدرى من معطيك، وعلى من رددت، أنت ما سألت، هو أرسل إليك، يا بن جابار، ما تفرّق بين السّبب والمسبّب؟
قال أبو بكر: فركبت وسرت، وطرقت منزله، فنزل إلىّ فقال: ألم تكن السّاعة عندنا «٢» ؟ فأضربت عن الجواب، ثم قرأت «٣» «طه» إلى قوله تعالى: وَما تَحْتَ الثَّرى
، وقلت له ما قال كافور. فبكى ابن جابار وقال:
أين ما حملت؟ فأخرجت له الصّرّة فأخذها، وقال: «علّمنا الأستاذ كيف التّصوّف، قل له: أحسن الله جزاءك» . قال: ثم سلّمت عليه وعدت إلى كافور «٤» فأخبرته بذلك، فسرّ، ثم سجد شكرا لله تعالى وقال: الحمد لله الذي جعلنى سببا لإيصال الراحة إلى عباده. ثم ركب حينئذ.
стр. 351
وتوفى ابن جابار فى سنة اثنتين «١» وستين وثلاثمائة.
وبجواره قبر الكندى، كان رجلا صالحا، عالما، زاهدا، من المؤرخين «٢» .
*** وبالقرب من قبر الفقاعى قبر «الياسمينى» ، يقال: إنه كان من الصالحين، ولا تزال روائح الياسمين عليه، ويوجد الياسمين عند قبره فى بعض الأوقات «٣» .
وتمضى وأنت مستقبل الشرق على اليمين، تجد تربة فيها قبر الأهوازىّ، يقال: إنه ملك الأهواز، فتركها عن قدرة، ورحل إلى مصر، وصار واعظا «٤» ، وكان من أهل القرآن، وقرأ عليه جماعة.
وبجانب ظاهر التربة ممّا يلى القبلة تربة فيها فاطمة الموصلية الصالحة، رحمها الله تعالى، يتبرك بها.
ثم تخرج منها إلى الشرق «٥» على اليسار، تجد تربة واسعة، بها قبر السيدة التّائبة مقدمة رباط الخواص.
*** وتخرج مبحّر التربة تجد قبرا يقال إنه لابن تميم الدّارىّ، ثم منه إلى قبر «السّكّرىّ» ، وهو من أهل الكرم وفعل الخير، قيل: إن السّلطان فى زمانه طرح سكّرا على السّكّريين فلم يجدوا ثمنه، فأخذه ووزن ثمنه عنهم، وجعله فى مخازنه، إلى أن جاءت سنة فيها وباء عظيم، فطلب السّكّر فباعه بمال جزيل، فلما حصل المال عنده أحضر السّكّريّين الذين لم يقدروا على ثمنه وقال: اعلموا أنّ هذا المال الذي وزنته عنكم فى ثمن السكر هو قرض منّى لكم. ثم قسم
стр. 352
الربح بينهم. وقيل: كان يتصدّق فى الجمعة بطرحة سكّر، كان يقبل لنفسه ستة أيام، ويتصدّق باليوم السابع، فجاءت طرحة السّكّر الذي للصّدقة كثيرة، فقال له الصّنّاع: هى كثيرة. فقال: دعوها وتصدّقوا بها.
*** وتخرج من التربة وأنت مبحّر تجد على يسارك قبر صاحب القنديل، يتبرّك بزيارته. يحكى أنه يرى فى كل وقت فى اللّيالى المظلمة على قبره قنديل يقد «١» ، يرى من بعيد، فإذا تقرّبت منه لم تجد شيئا «٢» .
قبر الشيخ عبد العزيز الخوارزمى «٣» :
ومنه إلى قبر الشيخ عبد العزيز الخوارزمى، يكنى أبا محمد، رحمه الله تعالى، قال الراوى: حدّثنى من أثق به قال: مرضت مرضة أشرفت منها على الموت، فرأيت فى منامى قائلا «٤» يقول لى: توسّل إلى الله تعالى عند عبد العزيز الخوارزمى، فحملت نفسى ومضيت إليه، ودعوت الله تعالى عند قبره، فكشف عنى ما كنت أجده، وعوفيت من مرضى.
وقيل: إنّ الأفضل ابن أمير الجيوش كان إذا نزلت «٥» به نازلة يجيء إلى قبره ماشيا، ويدعو الله تعالى عنده، فيجد بركة الدعاء بزيارته. وله فضائل كثيرة.
توفى عبد العزيز الخوارزمى «٦» ﵀ سنة إحدى وأربعمائة.
стр. 353
قبر الشيخ شرف الدين بن الخشّاب «١» :
وتمشى وأنت مبحّر تجد قبر الشيخ شرف الدين بن الحسن يحيى بن علىّ المقرئ، المعروف بابن الخشّاب. كان من كبار القرّاء والفضلاء، وانتهت إليه رياسة الإقراء بمصر، وسمع الكثير [من الحديث] «٢» ، وحدّث عن جماعة من العلماء والفضلاء والمحدّثين، وله روايات كثيرة.
وبجانبه إلى القبلة قبر سفيان النيدىّ، كان يعمل «النيدة» ويتصدّق بأول قدرة منها «٣» ويبيع الباقى، وكان من أهل الخير، رحمه الله تعالى.
قبر القاضى المفضل بن فضالة «٤» :
ثم من قبره إلى قبر القاضى المفضل بن فضالة، ﵀. حدّث عن أبيه وجدّه، وكان يجتهد فى العبادة، ويكنى أبا معاوية، وتوفى سنة إحدى وثمانين ومائة، وكان قاضيا بمصر، وكان من أهل الدين والورع، مجاب الدعاء «٥» ، مجتهدا فى العبادة، وكان صائما بطول السنة لا يفطر إلّا فى العيدين «٦» وأيام التشريق، وكان يلبس الصوف على جسده، ويلبس القطن والكتان ظاهرا «٧»
стр. 354
وقيل: إنه كان يقضى بين الجن والإنس. ونظر يوما إلى مصروع فى الطريق، فوقف عليه وقال للجنّيّة التى صرعته: ويحك، اتركيه! فقالت: يا مولاى، إنه يبغض أبا بكر وعمر. فقال لها: زيديه عذابا، خزاه الله. وابنه «١» فضاله، روى عنه، وتوفى سنة ست وعشرين ومائتين. وابن ابنه مفضل بن فضالة روى عن أبيه وجده «٢» ، وتوفى لعشر خلون من رجب سنة اثنتين وخمسين «٣» ومائتين. والعامة يظنون أنه المفضل القاضى. وقيل: إن أباه وجدّه مدفونان معه فى تربته.
قبر صاحب الدّار، ﵀:
قيل إنه بنى دارا حسنة وأحسن بناءها فلما فرغت جلس على بابها، فعبر عليه ذو النون المصرى، رضى الله عنه، فقال له: أيها المغرور، اللّاهى عن دار البقاء والسرور، كيف لا تعمر دارا عند مولاك فى دار الأمان؟ دار لا يضيق فيها المكان، ولا ينزع منه السّكّان، ولا تزعجها حوادث، الزمان، ولا تحتاج إلى بنّاء وطيّان، ويجمع هذه الدار حدود أربعة «٤» : الحد الأول ينتهى إلى منازل الراغبين «٥» ، والثانى «٦» ينتهى إلى منازل الخائفين المحزونين،
стр. 355
والثالث «١» ينتهى إلى منازل المحبين، والرابع «٢» ينتهى إلى منازل الصابرين، ويشرع لهذه الدار شارع إلى خيام مضروبة، وقباب منصوبة على شاطىء أنهار الجنان، فى ميادين قد أشرقت، وغرف قد رفعت، فيها سرر قد نصبت، عليها فرش قد نضّدت، فيها أنهار وكثبان مسك وزعفران، قد عاينوا «٣» خيرات حسان، وترجمة كتابها: هذا ما اشتراه العبد المحبور «٤» من الرّبّ الغفور، اشترى منه هذه الدار بالتّنقل من ذلّ المعصية إلى عزّ الطّاعة، فما على هذا المشترى فيما اشتراه من درك سوى نقض العهود، وحل العقود، والغفلة عن المعبود، وشهد على ذلك البيان، وما نطق به فى محكم القرآن «٥» ، قال الملك الدّيّان: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
«٦» .
وتحتوى هذه الدار على الحور الحسان، فلو نظرت وقد برزن من قصور الدّرّ والزّبرجد والعقيان، وقد خطرن فى أرض المسك والزّعفران، فكل واحدة منهن تنادى بصوت حسن رخيم «٧» : من يخطبنى فى الظّلام من الحىّ القيوم الذي لا ينام، بجوار من لا يموت، وبقدرة من لا يفوت.
ثم تقول إذا اجتمعا: سألتك بالذى جمع «٨» بينى وبينك فى غبطة وسرور، هل نقص «٩» مولاك شيئا مما ضمن لك؟ فيقول: لا.
следующие страницы →