← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11789

مرشد الزوار الى قبور الابرار

زين الدين ابن الموفق

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وتوفى ابن جابار فى سنة اثنتين «١» وستين وثلاثمائة. وبجواره قبر الكندى، كان رجلا صالحا، عالما، زاهدا، من المؤرخين «٢» . *** وبالقرب من قبر الفقاعى قبر «الياسمينى» ، يقال: إنه كان من الصالحين، ولا تزال روائح الياسمين عليه، ويوجد الياسمين عند قبره فى بعض الأوقات «٣» . وتمضى وأنت مستقبل الشرق على اليمين، تجد تربة فيها قبر الأهوازىّ، يقال: إنه ملك الأهواز، فتركها عن قدرة، ورحل إلى مصر، وصار واعظا «٤» ، وكان من أهل القرآن، وقرأ عليه جماعة. وبجانب ظاهر التربة ممّا يلى القبلة تربة فيها فاطمة الموصلية الصالحة، رحمها الله تعالى، يتبرك بها. ثم تخرج منها إلى الشرق «٥» على اليسار، تجد تربة واسعة، بها قبر السيدة التّائبة مقدمة رباط الخواص. *** وتخرج مبحّر التربة تجد قبرا يقال إنه لابن تميم الدّارىّ، ثم منه إلى قبر «السّكّرىّ» ، وهو من أهل الكرم وفعل الخير، قيل: إن السّلطان فى زمانه طرح سكّرا على السّكّريين فلم يجدوا ثمنه، فأخذه ووزن ثمنه عنهم، وجعله فى مخازنه، إلى أن جاءت سنة فيها وباء عظيم، فطلب السّكّر فباعه بمال جزيل، فلما حصل المال عنده أحضر السّكّريّين الذين لم يقدروا على ثمنه وقال: اعلموا أنّ هذا المال الذي وزنته عنكم فى ثمن السكر هو قرض منّى لكم. ثم قسم

стр. 352

الربح بينهم. وقيل: كان يتصدّق فى الجمعة بطرحة سكّر، كان يقبل لنفسه ستة أيام، ويتصدّق باليوم السابع، فجاءت طرحة السّكّر الذي للصّدقة كثيرة، فقال له الصّنّاع: هى كثيرة. فقال: دعوها وتصدّقوا بها. *** وتخرج من التربة وأنت مبحّر تجد على يسارك قبر صاحب القنديل، يتبرّك بزيارته. يحكى أنه يرى فى كل وقت فى اللّيالى المظلمة على قبره قنديل يقد «١» ، يرى من بعيد، فإذا تقرّبت منه لم تجد شيئا «٢» . قبر الشيخ عبد العزيز الخوارزمى «٣» : ومنه إلى قبر الشيخ عبد العزيز الخوارزمى، يكنى أبا محمد، رحمه الله تعالى، قال الراوى: حدّثنى من أثق به قال: مرضت مرضة أشرفت منها على الموت، فرأيت فى منامى قائلا «٤» يقول لى: توسّل إلى الله تعالى عند عبد العزيز الخوارزمى، فحملت نفسى ومضيت إليه، ودعوت الله تعالى عند قبره، فكشف عنى ما كنت أجده، وعوفيت من مرضى. وقيل: إنّ الأفضل ابن أمير الجيوش كان إذا نزلت «٥» به نازلة يجيء إلى قبره ماشيا، ويدعو الله تعالى عنده، فيجد بركة الدعاء بزيارته. وله فضائل كثيرة. توفى عبد العزيز الخوارزمى «٦» ﵀ سنة إحدى وأربعمائة.

стр. 353

قبر الشيخ شرف الدين بن الخشّاب «١» : وتمشى وأنت مبحّر تجد قبر الشيخ شرف الدين بن الحسن يحيى بن علىّ المقرئ، المعروف بابن الخشّاب. كان من كبار القرّاء والفضلاء، وانتهت إليه رياسة الإقراء بمصر، وسمع الكثير [من الحديث] «٢» ، وحدّث عن جماعة من العلماء والفضلاء والمحدّثين، وله روايات كثيرة. وبجانبه إلى القبلة قبر سفيان النيدىّ، كان يعمل «النيدة» ويتصدّق بأول قدرة منها «٣» ويبيع الباقى، وكان من أهل الخير، رحمه الله تعالى. قبر القاضى المفضل بن فضالة «٤» : ثم من قبره إلى قبر القاضى المفضل بن فضالة، ﵀. حدّث عن أبيه وجدّه، وكان يجتهد فى العبادة، ويكنى أبا معاوية، وتوفى سنة إحدى وثمانين ومائة، وكان قاضيا بمصر، وكان من أهل الدين والورع، مجاب الدعاء «٥» ، مجتهدا فى العبادة، وكان صائما بطول السنة لا يفطر إلّا فى العيدين «٦» وأيام التشريق، وكان يلبس الصوف على جسده، ويلبس القطن والكتان ظاهرا «٧»

стр. 354

وقيل: إنه كان يقضى بين الجن والإنس. ونظر يوما إلى مصروع فى الطريق، فوقف عليه وقال للجنّيّة التى صرعته: ويحك، اتركيه! فقالت: يا مولاى، إنه يبغض أبا بكر وعمر. فقال لها: زيديه عذابا، خزاه الله. وابنه «١» فضاله، روى عنه، وتوفى سنة ست وعشرين ومائتين. وابن ابنه مفضل بن فضالة روى عن أبيه وجده «٢» ، وتوفى لعشر خلون من رجب سنة اثنتين وخمسين «٣» ومائتين. والعامة يظنون أنه المفضل القاضى. وقيل: إن أباه وجدّه مدفونان معه فى تربته. قبر صاحب الدّار، ﵀: قيل إنه بنى دارا حسنة وأحسن بناءها فلما فرغت جلس على بابها، فعبر عليه ذو النون المصرى، رضى الله عنه، فقال له: أيها المغرور، اللّاهى عن دار البقاء والسرور، كيف لا تعمر دارا عند مولاك فى دار الأمان؟ دار لا يضيق فيها المكان، ولا ينزع منه السّكّان، ولا تزعجها حوادث، الزمان، ولا تحتاج إلى بنّاء وطيّان، ويجمع هذه الدار حدود أربعة «٤» : الحد الأول ينتهى إلى منازل الراغبين «٥» ، والثانى «٦» ينتهى إلى منازل الخائفين المحزونين،

стр. 355

والثالث «١» ينتهى إلى منازل المحبين، والرابع «٢» ينتهى إلى منازل الصابرين، ويشرع لهذه الدار شارع إلى خيام مضروبة، وقباب منصوبة على شاطىء أنهار الجنان، فى ميادين قد أشرقت، وغرف قد رفعت، فيها سرر قد نصبت، عليها فرش قد نضّدت، فيها أنهار وكثبان مسك وزعفران، قد عاينوا «٣» خيرات حسان، وترجمة كتابها: هذا ما اشتراه العبد المحبور «٤» من الرّبّ الغفور، اشترى منه هذه الدار بالتّنقل من ذلّ المعصية إلى عزّ الطّاعة، فما على هذا المشترى فيما اشتراه من درك سوى نقض العهود، وحل العقود، والغفلة عن المعبود، وشهد على ذلك البيان، وما نطق به فى محكم القرآن «٥» ، قال الملك الدّيّان: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ «٦» . وتحتوى هذه الدار على الحور الحسان، فلو نظرت وقد برزن من قصور الدّرّ والزّبرجد والعقيان، وقد خطرن فى أرض المسك والزّعفران، فكل واحدة منهن تنادى بصوت حسن رخيم «٧» : من يخطبنى فى الظّلام من الحىّ القيوم الذي لا ينام، بجوار من لا يموت، وبقدرة من لا يفوت. ثم تقول إذا اجتمعا: سألتك بالذى جمع «٨» بينى وبينك فى غبطة وسرور، هل نقص «٩» مولاك شيئا مما ضمن لك؟ فيقول: لا.

стр. 356

فباعها منه، واشترى هذه الدار، وكتب كتابها، فلما مات جعل على صدره فى لحده، فوجد مكتوبا فى كفنه: قد وفينا ما ضمن عبدنا ذو النون، والسلام. قبر أبى بكر القمنى «١» : ثم تخرج إلى الشرق إلى قبر أبى بكر القمنى، واسمه عبد الملك بن الحسين القمنى، ووجد أنه كان يكنى أبا القاسم «٢» وهذا بخلاف ما هو مكتوب على قبره، والله أعلم. توفى فى ذى الحجة سنة اثنتين «٣» وثلاثين وأربعمائة. قد لزم بيته فلم يخرج منه عشرين سنة، وكان قد شهد مشاهد الطالبيين «٤» . ويقال: إنه من السبعة الأبدال. وكان قد ولى القضاء، فمرّ فى البلد يوما «٥» فوجد قوما قد عملوا فرحا وهم يضحكون، ومرّ بقوم آخرين وهم يبكون على ميت مات عندهم وقد عملوا جنازة، فقال: ما أحكم بين هؤلاء، أصحاب الجنازة سخطوا من قضاء الله «٦» ، وأصحاب الفرح أمنوا مكر الله. ثم مضى وتركهم.

стр. 357

وقيل: إنّ ابن الجوهرىّ لمّا دعى إلى القتل فى أيّام الأفضل [ابن أمير الجيوش سلطان مصر، بسبب القضية المتقدم ذكرها] «١» استجار بقبر أبى بكر القمنى، ودعا الله تعالى عنده «٢» ، ففرّج الله عنه، وكفاه أمره «٣» . وقيل: إنّ القضاعى ﵀، كان يحثّ على زيارة قبور سبعة من الصلحاء بهذه الجبانة «٤» ، فيقول: من كانت له حاجة إلى الله : فعليه بقبر أبى الحسن الدينورى، وعبد الصمد البغدادى، وإسماعيل المزنى، وبكّار بن قتيبة، والمفضّل بن فضالة، وأبى بكر القمنى، وذى النون المصرى، رحمة الله عليهم أجمعين. قبر سالم العفيف «٥» : ثم منه إلى قبر سالم العفيف، رحمه الله تعالى، له كرامات، قيل: إن رجلا رآه «٦» فى المنام فقال: أنا أعجب ممن يزورنى ولا يدعو الله عندى، ويسأل الله حاجته «٧» ! وقيل: إن رجلا جاءه فى حياته وهو قلق، فقال له: مالك «٨» ؟.

стр. 358

فقال له: يا سيدى، ضاع لى دفتر حساب، وأنا كاتب عند رجل، أمير، ظالم، وهو لا يرحمنى «١» وقد دلّونى عليك أن تدعو الله ، عساه أن يجمعنى عليه «٢» . فقال له: امض إلى سوق الحلاويين وأتنى برطل من الحلاوة «٣» حتى أدعو لك. فمضى الرجل إلى دكّان رجل حلاوىّ، فاشترى منه رطلا من الحلاوة «٤» ، ثم أخذ الحلاوىّ ورقة يريد أن يضع فيها الحلاوة، فوجدها الرجل من دفتره، فقال للحلاوىّ: من أين لك هذه الورقة؟ فقال: منذ ساعة اشتريت دفترا، وما شددت فى شىء منه إلّا لك. فأخذ الرجل دفتره، ودفع للحلاوىّ ثمن الدفتر والحلاوة، ثم جاء بالحلاوة إلى الشيخ [سالم العفيف] «٥» فقال بمجرد وقوع بصره عليه: اذهب بهذه الحلاوة إلى أطفالك، ما كان قصدى إلّا أن ترى دفترك، امض راشدا «٦» !. قبر الشيخ الكحّال «٧» : وتخرج من هذه التربة وأنت مستقبل القبلة، تجد قبر الشيخ الكحّال، رحمة الله عليه، كان رجلا صالحا، ذكر من بعض كراماته أنّ من رمد وجاء إلى قبره، وقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» ومسح على عينيه «٨» عشر مرّات من تراب القبر، برىء بإذن الله ، وذلك يكون مع الإخلاص وصدق النّيّة، فإنه نافع مجرّب، ذكر جماعة أنهم جربوه فوجدوا عليه الشفاء «٩» .

стр. 359

قبر الشيخ صلة أبى الصّهباء بن أشيم العدوى «١» : أحد زهّاد الدنيا، وهو رجل عتق من النار، وتكفّل لمن يزوره أن يعتق من النار إن شاء الله تعالى ببركته، ذكر بالإسناد عن النبي ﷺ ، أنه قال: «يكون فى أمّتى رجل يقال له صلة بن أشيم يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا» . قال «٢» ثابت البنانيّ: كان صلة بن أشيم يخرج إلى الجبّانة فيتعبّد، وكان يمر على شباب يلهون ويلعبون، فيقول لهم: أخبرونى عن قوم أرادوا سفرا، فجازوا النهار عن الطريق، وباتوا الليل، متى يقطعون سفرهم؟ قال: وكان يقول ذلك «٣» كلما مرّ بهم، فمرّ بهم ذات يوم فقال لهم هذه المقالة، فقال شابّ منهم: يا قوم، ما يعنى هذا غيرنا، فنحن بالنهار نلهو، وبالليل ننام، ثم تبع صلة بن أشيم، فلم يزل يختلف معه إلى الجبّانة يتعبد معه حتى مات «٤» . ولمّا أهديت معاذة إلى صلة بن أشيم أدخله ابن أخيه الحمّام، ثم أدخله بيتا مطيّبا، فقام فصلى «٥» من أول الليل إلى آخره، حتى طلع الفجر، وكانت

стр. 360

معاذة تصلى أيضا إلى الفجر، فلمّا أتاه ابن أخيه قال: يا عم، أهديت إليك ابنة عمّك فقمت وتركتها؟! فقال: يا بن أخى، أدخلتنى أمس بيتا ذكّرتنى به الجنّة، وأدخلتنى بيتا ذكّرتنى به النار «١» ، فما زال فكرى فيهما حتى أصبحت. وقالت معاذة زوجته: ما كان صلة يجيء من مسجد بيته إلى فراشه إلّا حبوا «٢» ، لا يفتر عن الصلاة. وروى جعفر بن يزيد العبدرى «٣» عن أبيه، قال: خرجنا فى غزوة إلى «كابل» وفى الجيش صلة بن أشيم، فنزل الناس عند العتمة «٤» ، فقلت: لأنظرنّ إلى عمله الليلة وأتحقق بما يذكر الناس [عنه من عبادته، فرأيته صلى العتمة ثم أضحى والتمس غفلة الناس] «٥» حتى إذا هدأت العيون وثب فدخل غيضة قريبة «٦» منه، فدخلت فى إثره، فتوضّأ، ثم قام يصلى، فجاء أسد فدنا منه، وصعدت أنا إلى شجرة، فما التفت ولا ارتاع من الأسد، فلما سجد قلت: الآن يفترسه الأسد، ثم جلس فسلّم، ثم التفت وقال: أيها السبع، اطلب الرزق من مكان آخر. فولّى، وإنّ له زئيرا يكاد أن يتصدع الجبل منه، وما زال كذلك يصلى إلى الصبح، فجلس «٧» وحمد الله تعالى بمحامد لم أسمع بمثلها، ثم قال: «اللهم إنى أسألك أن تجيرنى من النار، فليس مثلى «٨»

стр. 361

يجترئ أن يسألك الجنة» . ثم أصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحت وبى من الفترة «١» ما الله عالم به، فلما دنونا من أرض العدو قال الأمير «٢» : لا يشدّنّ أحد من العسكر. فوقف يصلى، فذهبت بغلته بثقلها، [فقلت له: إنّ الناس قد ذهبوا، فقال: ما بقى إلّا ركعتين خفيفتين. فقلت: وقد ذهبت البغلة] . فقام فصلّى ركعتين ثم قال: اللهم إنى أقسمت عليك [بحرمتك] «٣» إلّا رددت علىّ بغلتى وثقلها. قال: فلم يشعر إلّا والبغلة قد جاءت فوقفت بين يديه، فحمل هو وهشام بن عامر، فلم يزالا يضربان فى العدوّ ويقتلان، فانكسر العدوّ، وقالوا: إنّ رجلين من العرب قاتلونا قتالا عظيما- يعنيان هشاما وصلة بن أشيم- فكيف لو قاتلوا «٤» ؟ فأعطوا المسلمين حاجتهم، فسمعنا قائلا يقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ، وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ «٥» . وروى الحسن قال: مات أخ لنا، فلمّا وضع فى قبره ومدّ عليه الثّوب «٦» جاء «٧» صلة بن أشيم فأخذ بجانبى الثوب، ثم نادى يا فلان: فإن تنج منها تنج من ذى عظيمة ... وإلّا فإنّى لا أخالك ناجيا ومات صلة بن أشيم رضى الله عنه فى سنة خمس «٨» وتسعين. وقال قائل: فى أول إمرة الحجاج، وأهل مصر متفقون على أنه مات بمصر ودفن بمقبرتها «٩» ، وقبره ظاهر، معروف بالإجابة.

стр. 362

قبر أبى الحسن البلخى الواعظ «١» : تخرج من تربتة مستقبل الشرق، تجد قبر الشيخ أبى الحسن البلخى الواعظ، ﵀، كان واعظا، ديّنا، ورعا، كثير الصلاة على رسول الله، ﷺ . قيل: إنّ رجلا رأى النّبيّ، ﷺ ، وهو يزور قبره. وقيل «٢» : إنه وعظ يوما فبالغ فى الوعظ، فقال: والله، لو سمع كلامى هذا العمود حقّ سماعه لانفطر «٣» ، فانفطر العمود فى الوقف «٤» . قبر الواعظ الواسطى، ﵀ «٥» : كان رجلا واعظا، بليغا، تقيّا. قبر الشيخ أبى الحسن الصّايغ، رحمة الله عليه «٦» : كان رجلا صالحا «٧» ، وليّا، ويقال: إنه كان صايغا للنبى، ﷺ ،

стр. 363

فدفع إليه خاتمه ليصوغه له، وقال له: اكتب عليه «لا إله إلا الله» . ففعل ما أمره به، ثم جاء به إلى النبي ﷺ ، فدفعه إليه، فقال لعلّى بن أبى طالب: اقرأ ما عليه. فقرأ، فوجد عليه مكتوبا «لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» فقال له: ما هذا؟ فقال: والله يا رسول الله ما كتبت إلّا ما أمرتنى به. فسمع مناديا ينادى: يا محمد، كتبت أحبّ الأشياء إليك، وكتبنا أحبّ الأشياء إلينا «١» . ومن الناس من يقول: ما هو «الصايغ» المذكور. وهذه الأشياء تؤخذ «٢» بحسن النّيّة، فإن كان الشخص ما هو فى القبر فالزيارة تصل إليه أينما كان، وما زار الناس هذا القبر سدى «٣» ، ولا بد أن يكون فيه رجل صالح. ويحكى أنّ من وجد مرضا فى ظهره، أو فى أىّ موضع آخر «٤» ، وجاء إلى قبر هذا الرّجل وأخذ من ترابه ومسح به ذلك الموضع عوفى [من ذلك الوجع] «٥» ببركة من كان بالقبر مدفونا. قبر الشيخ ذى النون العدل- أى الفيض- الإخميمى، ﵀ «٦» : كان من التّالين لكتاب الله تعالى، وسمع الحديث، وحدّث عن الشيخ أبى إسحاق إبراهيم بن سعيد الحبّال وجماعة، وروى عنه أبو الحسن على بن يحيى المقرئ بسنده إلى إبراهيم بن أدهم، رضى الله عنه، أنه قال: حدّثت عن

стр. 364

بعض العبّاد «١» أنه قام ذات ليلة يصلى على شاطىء البحر، إذ سمع صوتا عاليا بالتسبيح ولم ير أحدا، فقال: من أنت- يرحمك الله؟ أسمع صوتك ولا أرى شخصك! فقال: أنا ملك من ملائكة الله تعالى، موكّل بهذا البحر، أسبّح الله تعالى بهذا التسبيح منذ خلقت.. فقلت «٢» : ما اسمك؟ فقال: «مهياييل» «٣» . فقلت: ما لمن يقول هذا التسبيح من الثواب؟ قال «٤» : لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له. وهذا هو التسبيح «٥» : «سبحان الله العليّ الدّيّان، سبحان الله الشديد الأركان، سبحان من يذهب باللّيل «٦» ويأتى بالنّهار، سبحان من لا يشغله شأن عن شأن، سبحان الحنّان المنّان، سبحان الله فى كل مكان» «٧» . قبر القضاعى- ﵀ «٨» : ثم تمشى من تربته إلى تربة كبيرة على شاطىء الخندق «٩» بها قبر

стр. 365

القضاعى، ﵀. وهو القاضى أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن على القضاعى، قاضى مصر، وشهرته تغنى عن الإطناب فى وصفه، له مصنفات كثيرة مفيدة، منها كتابه الكبير فى تفسير القرآن العزيز، وهو قريب من عشرين مجلدا، وكتاب الشهاب، وكتاب دستور الحكم فى كلام علىّ «١» ، رضى الله عنه، وكتاب الأعداد، وكتاب الأنباء، وكتاب الخطط، وخرّج معجما لشيوخه الذين روى عنهم، وحدّث، وجمع «٢» ، وألّف. ووصل إلى الحجاز والشام والقسطنطينيّة، وسمع الحديث بمكة، قال ذات يوم: قيل لبعض الحكماء: كيف حالك؟ فقال: كيف حال من يفنى بفنائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من منامه؟. وتوفى القضاعى سنة أربع «٣» وخمسين وأربعمائة، وقبره على ظاهر الخندق- كما ذكر- قال إبراهيم الحبّال: وإلى جانبه قبر ولده. ترجع إلى الشرق تستقبل مدفن بنى اللهيب على شاطىء الخندق «٤» . قبر الشيخ أبى إسحاق إبراهيم: الذي كان يصلى خلفه «٥» المالكية بالجامع العتيق بمصر. كان رجلا صالحا «٦» من أهل الخير، وكان يصلى فى الجامع المذكور «٧» فى أيام المصريين. ولمّا حملت «٨» جنازته جاءت طيور بيض ورفرفت على نعشه.

стр. 366

وتمشى تجد قبر أبى إسحاق إبراهيم العراقى، الخطيب بجامع عمرو، وهو شارح المذهب، والفقيه نصر بن أبى المنصور ظافر المالكى. ثم تمشى إلى قبر الشيخ أبى الفضائل عتيق بن رشيق بجامع الفيلة «١» . قبر الشيخ أبى الربيع سليمان، ﵀ «٢» : ثم تشرّق تجد «٣» قبر الشيخ أبى الربيع سليمان، ﵀. كان كبير الشأن، كثير الكرامات والسياحات، وهو شيخ العارف بالله أبى عبد الله محمد القرشيّ، رحمة الله عليه. له حكايات وفضائل مشهورة مذكورة. ولقى جماعة من الأولياء بالمغرب، وأخذ عنهم أحوالهم وأعمالهم. [وحكى عنه القرشى «٤» قال: دخلت عليه يوما، فسلّمت عليه، فلم يجب، فغبت ساعة ثم أتيته، فسلمت عليه، فردّ السّلام ثم قال: يا أخى، لمّا دخلت علىّ كان الإفرنج قد ضايقوا المسلمين، وكنت مستغرقا فى حالى بسببهم، وقد نصرهم الله على العدوّ اليوم] فله الحمد والشكر، وقتل المسلمون من الكفّار خلقا كثيرا. قال: فأرّخت تلك الحادثة فى الوقت الذي أخبر به، فكان كما قال. وذكر عنده رجل- وقد سافر إلى الحجاز- فقال: اليوم ركب جلبة فلان وسافر، وأرّخ الوقت، فلما قدم الرّجل قال: ركبت فى جلبة «٥» فلان وسافرت فى الوقت الفلانى- كما قال الشيخ.

стр. 367

وقيل: إنه لمّا جاء من المغرب «١» وهو فى المركب، جذبه حبل فألقاه فى البحر المالح، وكان المركب مقدّما، فلما بعدوا وظنّوا أنه فقد، وإذا به فى ناحية المركب من الجهة الأخرى. وروى من حديثه عن النبي، ﷺ . وتجىء إلى اليمين تجد قبر الشيخ أبى بكر محمد القسطلانى، قيل: قدم مصر بخمسة عشر ألف دينار، ومات وما له شىء يورث. وتبحّر تجد قبر الفقيه يعقوب المالكى، وولده. وتشرّق تجد قبر الشيخ أبى القاسم عبد الغنى بن أبى الطّيّب الإمام «٢» ، وبجانبه إلى القبلة قبر عبد الغالب، وابن رحّال السكندرىّ «٣» . قبر الشيخ أبى الحسن ابن بنت أبى سعد، رحمه الله تعالى «٤» : ثم تأتى إلى تربة بنى اللهيب، بها «٥» قبر الشيخ أبى الحسن، ابن بنت أبى سعد، رحمه الله تعالى. كان قد لزم بيته، وكان الناس يزورونه، وكان سبب انقطاعه فى بيته أنه كان بزّازا، وكان إلى جانب حانوته بزّاز آخر «٦» ، فتجاذبا ذات يوم فيما هما بصدده «٧» من البيع والشراء، [ومضايقات الناس لبعضهم] «٨»

стр. 368

ومقاساة الخلق، وسألا الله تعالى أن يقيلهما من ذلك، ويغنيهما «١» من سعة فضله بما هو أصلح منه، فلمّا كان فى تلك الليلة رأى الشيخ أبو الحسن فى المنام، كأنه قد صلّى الصّبح فى منزله، فلما فرغ من الصلاة أخذ مفاتيح دكانه ليمضى إليه «٢» ، فعند وصوله إلى قيسارية البزّازين التى جانوته بها، وجد رجلا نصرانيّا يعرف ببطرس القس من بعض البزازين بها «٣» ، وهو واقف على أحد الأبواب بها، وعلى يده قدر مملوءة سخاما «٤» ، وفى يده الأخرى عود، وكل من دخل من البزّازين يلوّث وجهه من القدر بذلك «٥» السّخام، فلما أراد الشيخ أبو الحسن الدخول إليها رأى ذلك النصرانى قد تقدم إليه يريد أن يجعل على وجهه من ذلك السخام، فبكى بكاء شديدا، ومن شدة بكائه استيقظ من منامه وهو باك من هول ما رآه، فللوقت أنفذ خلف أخيه وقصّ عليه منامه، وحلف بالله العظيم وعاهده ألّا يكون بزّازا أبدا، وأذن له فى بيع ما فى دكّانه من البزّ، فباعه وتصدّق بثمنه، ولزم بيته، واجتهد فى عبادة الله تعالى، وتوفى فى شهر رجب سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وقيل سنة تسع وستين وخمسمائة «٦» . [وحكى عنه «٧» من أثق به قال: أردت السّفر إلى الحجاز، وكنت

стр. 369

أتردّد إلى الشيخ «١» أبى الحسن لبركة شورته «٢» ، فجئت إليه فى أول الجمعة، فقال لى: عد إلىّ فى الجمعة الأخرى، فجئت إليه كما قال، فقال: عد إلىّ فى الجمعة الأخرى، فجئت إليه، فقال: عد إلىّ في مرّة أخرى، فلما جئت إليه المرّة الرابعة- وكان يسألنى فى كل مرة عن حالى وتزايد خاطرى- قال: ما رددتك إلّا لسبب، والسّبب أنّى أسألك عن طلب نفسك الحج، والخواطر على قسمين، أحدهما من الحق، والثانى من الشيطان، فخاطر الرّحمن يتأكد ويتزايد، وخاطر الشيطان يتلاشى ويذهب.. اذهب فترى خيرا كثيرا إن شاء الله . فخرج الرجل، وكانت وقفة الجمعة، ولقى من الله خيرا كثيرا ببركة إشارات الشيخ «٣» . وحكى عنه الشيخ عبد الله رئيس المؤذنين قال: دخلت على الشيخ فوجدت ثعبانا يسقى «٤» فى كفّه، فقلت: ما هذا؟! فقال: بالله عليك اكتمه عنى حتى أموت «٥» . ولما مات رأى الناس على نعشه «٦» أربعة أطيار يرفرفون، وشاهدهم الناس. قبر الفقيه محمد المرابط «٧» : وبجانبه إلى القبلة «٨» ممّا يلى الغرب قبر الفقيه محمد المرابط رحمه الله

стр. 370

تعالى، كان خياطا يأكل من أجرة خياطته، ولم يكن يأكل لأحد طعاما. قال لى «١» من أثق به: إنه كان يقيم ثلاثة أيام بغير زاد، ولا يأكل إلّا من الوجه الذي يعلم أنه حلال. وخرج إلى «منية ابن خصيب» «٢» وكان يحرس «الجرون» «٣» ، فحصّل فى طول المدة التى كان بها ثلاثة دنانير، فأقامت معه فى مصر ثلاث سنين، ينفق فى كل سنة دينارا واحدا. وقيل: إنه خاط لرجل ثوبا، فانقلب عليه فى الخياطة، فترك أجرة الخياطة، فقال صاحب الثوب: انقض «٤» الوصل وأصلحه. فقال: هذه شبهة حصلت فيه، لا آخذ له أجرة، فأخذ صاحب الثوب الأجرة واشترى بها فوطة وأرسلها إلى رجل مجاور بمكة. ومن كراماته أنه كان له صديق بمكة، وكان صديقه وطائفة يجتمعون عنده بمكة، ويجتمعون عند فقيه آخر مذكور بالخير والفضل، فقال الفقيه لصديق الشيخ: اعزم لنا على المرابط فى هذه الليلة المشاركة لليلة الجمعة، فجاء إليه وقال له: هذه ليلة مباركة، ونحن فى ضيافة رجل صالح، وأراد أن يجتمع معنا عنده على الطعام، فقال: لا سبيل إلى ذلك. فقال له: استخر «٥» الله وأنا أتركك فى مهماتك إلى الغروب وأعود إليك. فقال: لا سبيل إلى ذلك. قال: فانصرفت من عنده وأنا مكسور القلب، فقال لى رفيقى: ما كان من قسمنا أن يأتينا بالمرابط نربح بركته. وكان هذا الأمر بعد الموسم،

стр. 371

فاجتمعنا فى جدة، فقال لنا: أين قماشكم؟ فقلنا: ها هو. فقال: أنا رفيقكم. قال: ووصلنا سالمين ونحن بخير إلى «عيذاب» «١» وإلى «قوص» فاجتمعنا فى بيت، قال: فقلنا له: سبحان الله، دعوناك فى مكة فى ليلة فأبيت، وها أنت رفيقنا الآن! فقال: والله لمّا طلبت فى مكة مرّ «٢» علىّ يومان ما أكلت فيهما طعاما، ولقد فارقنى بهذا أخى الداعى لى، وكنت أطوف بالبيت، فما أقدر على إكمال الشوط «٣» من الجوع، وجئت إلى بيتى، فما أخذنى نوم، فلما أصبحت نمت مكانى «٤» قال: فقلنا له: كيف كان مقامك؟ قال: كنت أنقل التراب من الحرم إلى خارجه، وأحتطب الحطب، وأدخل الليل بعمرة، وأصبح آخذ الحطب أبيعه وأتقوّت منه «٥» . قبر الفقيه أبى البركات «٦» : وعند رجلى الشيخ أبى الحسن قبر الفقيه أبى البركات، [ويقال: إنه يكنى أبا السرايا، رضى الله عنه] «٧» . كان يقول: «قلوب تعرف، وألسنة تصف، وأعمال تخالف» . وكان الناس يأتون إليه بالصّدقات فيفرقها، وكان يجعلها تحت مصلّاه، فكل من أراد

стр. 372

منه شيئا يقول له: ارفع طرف السّجّادة وخذ ما تحتاج إليه. وكان الوزير ابن الولحشى «١» يزوره ويدفع له المال يتصدق به. قبر الشيخ عبد الحميد القرافى: وبجانبه إلى القبلة قبر الشيخ عبد الحميد القرافى «٢» ﵀، كان فاضلا ورعا، مشهورا بذلك بين الناس «٣» ، وكانّ يتحدّث عنده «٤» فيقال: خلع اليوم على فلان، أطلق اليوم فلان، عزل اليوم فلان، جرى اليوم كذا وكذا لفلان ... فيقول: لا إله إلّا الله، يصبح الناس فى الزيادة والنقص وعبد الحميد عبد الحميد «٥» . وحكى أنّ خليفة مصر «٦» المعروف بالآمر كان قد خرج إلى بركة الحبش «٧» فى الربيع، فنصب حزكات «٨» ، وأحضر جميع المغانى «٩» ، وأمر العساكر أن ينزلوا حوله، وأقام مدّة يشرب ويلهو، وخرج أهل الفساد من

стр. 373

أهل مصر والقاهرة من الرجال والنساء، وكثر الفساد منهم وفيهم «١» ، فقيل للخليفة ذات يوم: فى القرافة رجل صالح يقال له عبد الحميد، فالتمس منه الدعاء «٢» ، فأرسل إليه الخليفة رسولا «٣» ومعه نفقة، فجاءه الرسول فقال له: الخليفة يسلم عليك ويسألك الدعاء، وهذه نفقة قد سيّرها «٤» إليك. فقال للرسول: سلّم عليه وقل له: أمّا الدعاء فأنا أدعو له، وأمّا النفقة فلا حاجة لى بها. فقال له الرسول: وهو يسألك أن تشرفه بحاجة. فقال له: قل له حاجتى أن يطلع إلى قصره «٥» ويترك ما هو فيه. فرجع الرسول إلى الخليفة وقال له ما قال الفقيه، فردّه إليه وقال: قل له أنا أطلع، ولكن أشتهى أن أزوره، فيتهيأ حتى أزوره. فقال الفقيه: قل له يطلع إلى القاهرة ولا يزورنى «٦» فأنا أدعو له. فرجع الرسول إلى الآمر «٧» وأخبره، فقال له: ارجع إليه وقل له: لا بد.

стр. 374

من رؤيته «١» ، فيجلس فى طاقة من داره وأنا أقف من تحتها حتى «٢» أتبرك برؤيته. فجاءه الرسول وأخبره، فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، لا أفعل. فقال له أصحابه «٣» : وما يضرك «٤» من ذلك؟ ومن يصل إلى الخليفة؟ ولم يزالوا عليه إلى أن قال: نعم، أنا أجلس فى طاقة منزلى. فرجع الرسول وأخبر الخليفة، فلما أصبح ركب وجاء إلى مكان الشيخ، حتى وقف تحت داره، وتطلّع «٥» فرأى الشيخ، فسلّم عليه بأصبعه، ووقف ساعة ينظر إليه، ثم سار وطلع القاهرة، فنزل الشيخ عبد الحميد وهو منكسر القلب، باكى العين، نادم على ما جرى منه. فقيل له: يا شيخ عبد الحميد، ما الذي جرى منك؟ غيرك يتمنى أقلّ غلام للخليفة «٦» يزوره ويتعرّف به، فكيف بمن يأتيه الخليفة؟ فبكى وقال: يا قوم، ما تدرون ما أصابنى، كنت أجد فى قلبى نورا عظيما ونشاطا فى طاعة الله تعالى، فو الله منذ وقع نظرى عليه زال ذلك النور، وذهب ذلك النشاط! ثم لم يزل كذلك إلى أن مات. ولمّا حضرته الوفاة قلق قلقا عظيما «٧» فقيل له: ما هذا القلق؟ كنت ورعا، زاهدا، قائما على قدميك فى طاعة الله، والقدوم على كريم «٨» . فقال: والله ما جزعت [من الموت] «٩» ولا أتحسّر على شىء فاتنى

стр. 375

من الدنيا، إنّما أتحسّر على أننى منذ وقعت «١» عينى على ذلك الرجل «٢» ، ذهب عنى ما كنت أجده من الأنس بالله، والنور الذي كان فى قلبى! ثم توفى- رحمة الله عليه. *** وعند رجليه قبر الفقيه أبى محمد «٣» بن اللهيب، رحمه الله تعالى، كان فقيها فى علم الكلام على مذهب أبى الحسن الأشعرى، ﵀. قبر أبى العباس أحمد بن اللهيب «٤» : وبجانبه إلى القبلة «٥» قبر أبى العباس أحمد بن اللهيب، ﵀، كان رجلا خيّرا، يطعم الفقراء ويتصدق عليهم، ويمشى إلى بيوتهم من الأرامل والمنقطعين «٦» . وكان يخرج راكبا حمارا والخريطة فى كمّه مملوءة دراهم، فلا يزال يتصدق منها «٧» إلى أن يرجع إلى منزله وهى فارغة، حتى كان من كثرة ما يتصدق به يقول الناس عنه: إنه يفرق المطالب بالجبل. وكان يقال: إنه يطلع إلى الجبل فى أوقات الغفلات. وهو مشهور. وكان الفقراء يجدون عنده راحة كبيرة «٨» .

стр. 376

قبر الفقيه يوسف- إمام مسجد العدّاسين «١» : وعلى مقربة منه «٢» قبر الفقيه يوسف، إمام مسجد العدّاسين، رحمه الله تعالى، كان فقيها «٣» جيدا، سكّيتا، قليل التعصب، يلقى كل أحد بما «٤» يليق به. وكان من دعاه يمضى معه، ما يتكبّر عن أحد. وكان إذا قيل له: أدع لنا، فأكثر ما يقول لمن قال ذلك: قضى الله حوائجك ورزقك الجنة. قبر الدّرعى- ﵀ «٥» : وفى آخر التربة من الشرق قبر الدّرعى ﵀، كان قليل الكلام، يأخذ خبزه فى طبق ويمضى «٦» به للفرن، فيلقاه أصحابه، فيريدون حمله عنه، فيقول: لا، أنا أخدم نفسى. وكان إذا ذكر عنده المذاهب والتّعصّبات يقول: يا قوم، ما هذه التعصبات؟ القرآن كلام الله، والرسول الذي أتى به رسول الله، فنتبع ما فيه وندع ما سواه «٧» . وحكى عن رجل «٨» من أهل الخير قال: بعثت جمالا لأسد الدين شير كوه فى أول أمره، فطلبنى شير كوه صاحب مصر، فاستخفيت وجئت إلى هذا الشيخ الدّرعى، فقلت له: يا سيدى، أنا فى شدة من أمر كذا وكذا،

стр. 377

فأدار «١» وجهه للقبلة ودعا، ثم قال: سلطان السماء يكفيك سلطان الأرض! فعدت إليه فى اليوم الثانى فقلت: يا سيدى، قد اشتد الأمر والطلب علىّ. فقال لى مثل القول الأول. فرجعت وقد كفانى شر شيركوه، وكان منه ما كان. وحكى عنه أنه كان مسافرا إلى مكة فى مركب، فوقع منه ذهب فى المركب، فلقيه رجل بدوىّ، فرأى فى المنام قائلا يقول له: ردّ الذّهب إلى صاحبه الدّرعيّ. فاستيقظ وقال: لا أدفع له شيئا. ثم نام، فرأى أيضا فى المنام القائل وبيده حربة من حديد وهو يقول: ادفع للدّرعّى ذهبه وإلّا قتلتك! فقال: أين أجده؟ قال: هو معك فى المركب. فلمّا أفاق سأل عنه وردّ عليه المال «٢» . قبر الذهبى- ﵀ «٣» : ثم تخرج من التربة على يسارك «٤» تجد قبر الذهبى ﵀، يكنى أبا حفص، ويسمى عمر، ويشتهر بالمقدسى، كان ﵀ من طلبة الطّرطوشى «٥» ، وكان متعصبا لمذهب الأشعرى، وكان كثير الضحك، حضر

стр. 378

إليه ذات يوم رئيس من اليهود «١» ، فتناظرا، فقال له رئيس اليهود: فى كتابكم وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ «٢» هذه يدى أحرّكها، ليست مغلولة، فأخرج يده، وصنع «٣» اليهودى صفقته فى رأسه «٤» ، وكشف الفقيه رأسه وقال: يا يهودى، خذ عوضها. فقال: كنت أصلب «٥» على ذلك، قال: فحينئذ يدك مغلولة «٦» . وقيل «٧» : إنّ سلطان مصر دعاه ليداوى امرأة مريضة عنده، فقال الفقيه: أداويها بنظرها أو بخبرها «٨» ؟ فقال السلطان: بل بخبرها. فصار السلطان يخبرها بما قال الشيخ، وتخبر بما تجده، وهو يجيب، فأعجب به السلطان. وكان فى مجلسه رجل من الشيعة «٩» ، فأراد أن يترجّح على الشيخ بسؤال «١٠» ، فحضّر صورة سؤال ما يأتى ذكره «١١» ، فقال لإنسان: قل

стр. 379

للشيخ مسألة: فقال: لا نقدر على جوابه. فقال «١» : لابد من ذلك. ففطن الفقيه، فقال للشيعى: سل أنت عمّا بدا لك، لا حاجة إلى واسطة. فقال له: من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال الفقيه: أول من آمن به وصّدّقه. فقال [الشيعى] «٢» : هو علّى بن أبى طالب. فقال الفقيه ما كفر علىّ قط. فخجل الشيعىّ من كلامه واستحيا وسكت، فقال له السلطان: غلبك الفقيه. وكان من فضائله أنه كان ذا علوم جمّة، وكان يحفظها كما يحفظ أحدنا «بسم الله الرحمن الرحيم» ولما أراد السفر إلى مصر قال له الطّرطوشى: يا عمر، إذا ذهبت «٣» إلى مصر فإنك تجد فيها اختلاف المذاهب والرأى، فلا تناظر ولا تجادل من سألك على ما تعلم وأنت تعلم، فأخبره بما تعلم، قال النّبيّ، ﷺ : «من قرأ العلم ليباهى به العلماء، ويقاوى به السّفهاء «٤» ، فليتبوّأ مقعده من النار» . فإن لله علما يقال له «المكنون» ، لا يعلمه إلّا أهل الخبرة بالله، ولا ينكره إلّا أهل الغرّة «٥» بالله، فإذا كان يوم القيامة جمع الله العلماء فى صعيد واحد، فيوضع لهم كراس «٦» من نور، فيحاسبون والناس قيام، فيقول الله لهم: «ما أودعتكم العلم وأنا أريد أن أعذّبكم، انطلقوا فقد غفرت لكم» . وفى رواية أخرى: «اشفعوا فيمن شئتم» الحديث «٧» . وعند رجليه قبر الفقيه ابن ثعلب المالكى.

стр. 380

قبر الشيخ أبى الطيب «خروف» «١» : وتمشى وأنت مبحّر على يسارك تجد قبر الرجل الصالح الشيخ «خروف» رحمه الله تعالى، وكان يسمّى أبا الطيب «٢» ، لطيب أعماله، وليس فى تربته سواه، والسّبب فى ذلك أنه سأل الله ألّا يدفن عنده أحد. وقيل «٣» : إن قوما سمعوا هذا الخبر [عنده] «٤» فقالوا: هذا هذيان. فدفنوا عنده ميتا، فلما أصبحوا وجدوه ملقى «٥» على وجه الأرض فامتنع الناس «٦» حينئذ من الدفن عنده. قبر القاضى أبى زرارة «٧» : وعلى يمينك قبر القاضى أبى زرارة «٨» ﵀، كان فقيرا زاهدا، صالحا، متوكّلا، عاملا «٩» له إشارات، وكان من وكلاء أحمد بن طولون.

стр. 381

قبر الشيخ أبى القاسم هبة الله بن أحمد اليحمودى «١» : وعند رجليه قبر الشيخ أبى القاسم هبة الله بن أحمد بن عطاء اليحمودى، شيخ التصوف، وأحد الأئمة المشهورين «٢» بالعلم والزهد والورع، وله تصانيف فى ذلك، سمع الحديث من جماعة من المشايخ، روى عن بعض مشايخه بسنده أنّ ابن عمر «٣» ، رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله، ﷺ : «يأتى على الناس زمان لو سمعت باسم رجل خير لك من أن تلقاه، ولو لقيته خير لك من أن تجرّبه، ولو جرّبته لأبغضته أو بغّضت إليه» «٤» . وقال اسماعيل المفسّر: كان نقش فص خاتم علىّ بن أبى طالب ﵇: «جرّب النّاس تعرف ... ليس فى النّاس منصف» وبسنده عن الاستراباذى «٥» قال: سمعت الحافظ إسماعيل قال: «الصديق فى هذا الوقت إذا حضر أكرم ومدح، وإذا غاب عاب وقدح، ظاهره موافق، وباطنه منافق» . وأنشد بعضهم فى هذا المعنى «٦» : ذهب الذين من الثّقات عددتهم ... لم يبق إلّا شامت أو حاسد وإذا صفا لك من زمانك واحد ... فهو المراد، وأين ذاك الواحد؟

стр. 382

وكان اليحمودى، ﵀ «١» من كبار مشايخ أهل الحقائق. قبر الشيخ أبى موسى عيسى الخراط «٢» : وبجانب قبره قبر الشيخ أبى موسى عيسى الخراط، رحمه الله تعالى، رأى بعض مشايخ المصريين له قبل موته قائلا يقول: عيسى من الذين قال الله فيهم: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا: سَلاماً «٣» . وبجانبهم إلى الجهة البحرية حومة فيها قبور جماعة من الصالحين «٤» ، منهم قبر «الملّاح» رحمه الله تعالى، وكان رجلا صالحا زاهدا. قبر الشيخ أبى القاسم الأقطع «٥» : وبالقرب منه قبر الشيخ أبى القاسم الأقطع، كان من العلماء الفضلاء المقربين بجامع مصر، وأحد الأئمة المشهورين فى زمانه بالعلم والورع والزهد، سمع الحديث، وأدرك جماعة من العلماء وأخذ عنهم. حدّث الشيخ الصالح عبد الغنى الغاسل المصرىّ، قال: غسّلت أبا القاسم الأقطع، فوقع القطن عن سوأته، فرفع «٦» يده اليسرى فوضعها على سوأته

стр. 383

فقلت: «والله يا أبا القاسم ما هتكتك، ولكنى سترتك» . وكنت كلّما قرأت: وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ » يتقلب معى يمينا وشمالا على المغتسل، ولم يصل إلى الأرض من ماء غسله شىء، إنّما كان يؤخذ، حتى قيل إنّ أهل مصر اقتسموه فى المكاحل، فكان كلّ من رمد أو لحقه «طلوع» «٢» أو غيره يكتحل منه، أو يضعه على المحل الذي يشتكيه، فيبرأ «٣» للوقت. ولمّا حمل على السّرير «٤» جاء الطير فظلّل السّرير إلى أن دفن الشيخ «٥» والناس ينظرون إليه. توفى سنة ثمان «٦» وعشرين وخمسمائة. ومعه فى الحومة منصور الزيات، وعبد السلام السّكّرى- رحمهما الله تعالى-[وحومته حومة مباركة كثيرة الصالحين] «٧» . وبحرى قبره قبر فاطمة السوداء، رحمها الله تعالى، كانت من الصالحات العابدات القانتات «٨» . *** وتمشى وأنت مبحّر تحت جوسق «عبد على» من الجهة البحرية [تجد] «٩» قبرا عليه عمود، فوق رأسه وجه أبيض، قيل: إنه كان «١٠» له

стр. 384

صديق، فلمّا توفى قال صديقه: ياليت شعرى، كيف وجه صديقى فى قبره؟ فجاءه ثانى يوم فرأى على عموده وجها أبيض- رحمهما الله تعالى- «١» . وتجىء إلى الغرب قليلا تجد قبر جمّال عائشة، رضى «٢» الله عنها. وبجانبه من البحر تربة فيها قبر ابن هشام صاحب الرواية. وتستقبل الغرب تجد قبر عقبة بن عامر الجهنى، رحمه الله تعالى، وقد تقدم ذكره مع الصحابة رضوان الله عليهم. قبر إدريس الخولانى «٣» : وبجانبه من الغرب قبر إدريس الخولانى، قال بعضهم «٤» : هو إدريس ابن يحيى مولى محمد بن ريّان. ويقال: هو «٥» أبو مسلم الخولانى، وليس كذلك «٦» . حدّث [إدريس] «٧» عن جماعة من العلماء، منهم حيوة بن شريح، ورجاء بن أبى عطاء، وبكر بن مضر، وغيرهم. قال إدريس الخولانى ﵀: كان رجل فى زمان أبى جعفر المنصور يقرأ القرآن قراءة «٨» لم يسمع السامعون أحسن منها، ثم يقول: يا إخوتاه،

стр. 385

تسمعونه من قراءة الخطّائين، فكيف لو سمعتموه من قراءة الصّدّيقين؟! وقال: والله ما أمرهم إلّا بالزهد فى الدنيا، وإنّ أحدهم ليأكل الأكلة عند الأخ فيرى منه ما يكره، فتمنعه تلك الأكلة أن يأمره أو ينهاه. قال الرّبيع: سمعت إدريس الخولانى يقول لرجل «١» : عليك بعمل الأبطال. فقال له: وما عمل الأبطال؟ قال: الكسب الحلال «٢» والكدّ على العيال، الحلال هو العبادة. وقال «٣» القضاعى فى كتابه خطط مصر: إدريس بن يحيى الخولانى يكنى أبا عمرو، توفى سنة إحدى عشرة ومائتين «٤» ، ونسب إلى «خولان» لأنه سكن فيهم، وهو مولى ريان بن عبد العزيز بن مروان، وكان أفضل أهل زمانه، وأعظمهم قدرا وعلما. ولإدريس هذا ابن يقال له يحيى، وليحيى ولد يقال له إدريس، توفى سنة تسع «٥» وأربعين ومائتين، ولعله صاحب هذا القبر المنكسر، غربّى قبر عقبة بن عامر، والعامّة يقولون: هو قبر أبى إدريس الخولانى، وليس كذلك، لأنّ أبا إدريس من كبار تابعى صحابة الشام، لقى معاذ بن جبل وغيره من كبار الصحابة، ولم يعلم دخوله إلى مصر، وكان قاضى معاوية، ومات بالشام، وإدريس المذكور آنفا مصرىّ، أدرك تابع التابعين، مثل الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، ومات بمصر فى التاريخ المذكور. انتهى «٦» . ***

стр. 386

ثم تمشى وأنت مغرّب تجد هناك قبور جماعة من الصالحين، رحمة الله عليهم، يعرفون بإجابة الدّعاء، وهو مدفن مبارك. قبر العيناء «١» : وتجىء أيضا وأنت مغرب تجد قبر «العيناء» رحمها الله تعالى، وعند قبرها معلّمى الكتّاب «٢» ، رحمهما الله تعالى، على اليسار من العيناء. قيل: إنّ صغيرا عندهما فى الكتّاب قلع عين صغير، فطلبوا قوده «٣» منهما، فقال أحدهما «٤» : إنّ الصغير لم يصبه شىء، ثم أخذ العين وردّها فى مكانها، ودعا الله فعادت كما كانت. وقيل: إنّ العيناء تعرّض لها رجل، فقالت له: ما «٥» أعجبك فىّ؟ قال: عيناك «٦» ! فاحتجبت ولم يرها «٧» بعد ذلك أحد حتى ماتت. وعند جانبها البحرى بقليل «٨» قبر ابن حذيفة اليمانى، ويسمّى بعبد الله» ، وقيل: إنه ابن حذافة السّهمىّ، رضى الله عنهما، وعنده الدعاء مستجاب.

стр. 387

قبر شقران العابد «١» : وعند رأسه من الغرب قبر الشيخ شقران بن عبد الله المغربى، رضى الله عنه، وهو من [كبار] «٢» مشايخ ذى النون المصرى، رحمة الله عليه. قال القضاعىّ «٣» فى كتابه الخطط: هو شقران العابد، أستاذ ذى النون، توفى قبل ذى النون، لا أعلم فى أىّ سنة توفى، فإنى لم أقف له على تاريخ وفاة، وقبره شرقىّ التربة التى فيها قبر ذى النون، بينهما تربتان: إحداهما لأبى جعفر بن حواصل، والأخرى تلاصقها، يصعد إليها بدرج، وينزل إلى هذا القبر بدرج أيضا، وهو أحد القبرين اللّذين فى ظهر محاريب ابن حولى القرقوبى، ذات القبور التى أكثرها منكسة، وهى ملاصقة لظهر أحد المحاريب التى بالتربة المذكورة، إلى جانب القبر الذي عليه عمود كدان، يعرف بأبى الربيع الزبدى «٤» . وأخذ ذو النون على شقران، وتأدّب بأدبه، وتوفى وهو فى صحبته. انتهى «٥» . ***

стр. 388

قال ذو النون: [سمعت شقران يقول] «١» «إنّ لله عبادا خرجوا إليه بإخلاصهم، وشمّروا إليه بطيب أسرارهم «٢» ، فأقاموا على صفاء المعاملة فى محاريب الكدّ، فساروا فى ميادين أنوار ملكوته «٣» ، وبادروا لاستماع كلامه بحضور أفهامهم، فعند ذلك نظر إليهم بعين الملاحظة، وشاهد منهم نهدات الأسف، وفى ضمائرهم حرارات الشّغف، فعندها أسرج لهم نجائب المواهب، وحفّت بهم منه العطايا والتّأييد، وأذاقهم كأس الوداد، فطلعت فى قلوبهم كواكب مراكب «٤» القلق، وجرت بهم فى بحار الاشتياق، فوصلت إلى روح نسيم التّلاق، فكيف إذا رأيت «٥» ثريّا الإيمان قد علقت فى قلوبهم، وهلال التوحيد قد لاح بين أعينهم، وبحار الوفاء قد تدفّقت فى قلوبهم، وأنهار ماء الحياة «٦» قد تصادمت إلى جوارحهم، فتنسّموا روائح الدّنوّ من قربه، وهبّت رياح اللقاء من تحت عرشه، فوفدت «٧» هواتف الملكوت بألسنة القدرة إلى أسماعهم وأفهامهم، وشيّعها روح نسيم المصافاة إلى أذهانهم، وأوقدت فى أسرارهم «٨» مصابيح الأفكار، واشتعلت ضمائرهم «٩» ، وزّفت إلى قلوبهم أزواج القلق، وزجّ بها الشوق فى مفاصلهم، فتطايرت أرواحهم [إلى روح] «١٠» عظيم الذخائر، ثم نادت: لا براح وذلك أنها لمّا وصلت إلى

стр. 389

الحجاب الأعظم المعظم «١» أقسمت ألّا تبرح ولا تزول حتى تنعم. فكشف لها الحجاب، وناداها: أنا الرّبّ الأعظم المعظم، أنا علّام الغيوب، أنا المطّلع على الضمائر، أنا مراقب الحركات، أنا راصد اللّحظات «٢» ، أنا العالم بمجارى الفكر وما أصغت إليه الأسماع. ثم قال لأرواحهم: أنا طالعتك ورفعتك إلى قربى، وقرنت ذكرى مع ذكرك ائتلافا، وعرّفتك نفسى وصافيتك إعطافا، وجلّلتك سترى إلحافا، فاشكرى لى أزدك أضعافا «٣» . ثم قال: يا قلوب صفوتى التئمى، ويا أهل محبّتى حافظوا على لزوم مودّتى. فلما وعت القلوب كلام المحبوب وردت على بحر الفهم، فاغترفت منه رىّ الشراب، فهلّ عليها عارض «٤» صدر إليها من محبوبها، فسجدت له تعظيما، وأذن لها فكلّمته تكليما «٥» ، وأفرغ عليها من نوره فزادها تهييما «٦» ، فرجعت إلى الأبدان بطرائف الفوائد «٧» ، فظمئت وعطشت ... فهل تدرى ما أعطشها؟! كشف لها عن غيوبه «٨» فطاشت، وشاهدت قربه فعاشت، فى كل يوم تطالع «٩» علما جديدا، فهو لها يزيد «١٠» ، وكيف لا يكون هذا

стр. 390

العبد كذلك وأنوار الصدق عليه متراكمة، ومراتب الحقائق فيه منتصبة، وروحه قد سارت فى مواكب «١» التوفيق؟! فلو شاهدت سرائرهم وقد وصلت إليه فروّاها من نسيم قربه، وزوّدها من طرائف علمه المكنون، وَفِي «٢» ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ. ثم بكى طويلا وقال: يا ذا النون «٣» ، أين من أسرجت بواطنه بحبّ الله؟ أين من ظهر على جوارحه نور خدمة الله فشهد شواهد الهيبة عطاياه فحمد الله؟ أين من شهد القرب فلم يتحرك؟ أين من راقب الرّبّ فى سرائره؟ أين من دامت بمعاملته ظواهره «٤» ؟ أين من نطق بعلم القرب منه «٥» ؟ أين من شرب بكأس المحبة؟ أين من عرف الطريق؟ أين من نطق بالتحقيق؟ أين من أدنى فلم يبرح؟ أين من شوّق فلم يفرح؟ أين من سقى فباح؟ أين من بكى فناح؟ أين من ألف فشغل؟ أين من وصل فغنم؟ أين من لزم فأخبر؟ أين من صلح فأحضر؟ أين من رضى فقنع؟ أين من صبر فاقتنع «٦» ؟ أين من بكى بعويل؟ أين من صرخ بغليل» ؟ أين من رضى فطاب؟ أين من شوّق فذاب؟ أين من شفّه الوداد؟ أين من جدّ باجتهاد؟ أين من همّه الحبيب؟ أين من دهره غريب «٨» ؟ أين من طالع المكشوف؟ أين من أمر بالمعروف؟ أين
следующие страницы →