Полный текст (1 089 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ثم تمشى وأنت مغرّب تجد هناك قبور جماعة من الصالحين، رحمة الله عليهم، يعرفون بإجابة الدّعاء، وهو مدفن مبارك.
قبر العيناء «١» :
وتجىء أيضا وأنت مغرب تجد قبر «العيناء» رحمها الله تعالى، وعند قبرها معلّمى الكتّاب «٢» ، رحمهما الله تعالى، على اليسار من العيناء. قيل: إنّ صغيرا عندهما فى الكتّاب قلع عين صغير، فطلبوا قوده «٣» منهما، فقال أحدهما «٤» : إنّ الصغير لم يصبه شىء، ثم أخذ العين وردّها فى مكانها، ودعا الله فعادت كما كانت.
وقيل: إنّ العيناء تعرّض لها رجل، فقالت له: ما «٥» أعجبك فىّ؟
قال: عيناك «٦» ! فاحتجبت ولم يرها «٧» بعد ذلك أحد حتى ماتت.
وعند جانبها البحرى بقليل «٨» قبر ابن حذيفة اليمانى، ويسمّى بعبد الله»
، وقيل: إنه ابن حذافة السّهمىّ، رضى الله عنهما، وعنده الدعاء مستجاب.
стр. 387
قبر شقران العابد «١» :
وعند رأسه من الغرب قبر الشيخ شقران بن عبد الله المغربى، رضى الله عنه، وهو من [كبار] «٢» مشايخ ذى النون المصرى، رحمة الله عليه.
قال القضاعىّ «٣» فى كتابه الخطط: هو شقران العابد، أستاذ ذى النون، توفى قبل ذى النون، لا أعلم فى أىّ سنة توفى، فإنى لم أقف له على تاريخ وفاة، وقبره شرقىّ التربة التى فيها قبر ذى النون، بينهما تربتان: إحداهما لأبى جعفر بن حواصل، والأخرى تلاصقها، يصعد إليها بدرج، وينزل إلى هذا القبر بدرج أيضا، وهو أحد القبرين اللّذين فى ظهر محاريب ابن حولى القرقوبى، ذات القبور التى أكثرها منكسة، وهى ملاصقة لظهر أحد المحاريب التى بالتربة المذكورة، إلى جانب القبر الذي عليه عمود كدان، يعرف بأبى الربيع الزبدى «٤» .
وأخذ ذو النون على شقران، وتأدّب بأدبه، وتوفى وهو فى صحبته.
انتهى «٥» .
***
стр. 388
قال ذو النون: [سمعت شقران يقول] «١» «إنّ لله عبادا خرجوا إليه بإخلاصهم، وشمّروا إليه بطيب أسرارهم «٢» ، فأقاموا على صفاء المعاملة فى محاريب الكدّ، فساروا فى ميادين أنوار ملكوته «٣» ، وبادروا لاستماع كلامه بحضور أفهامهم، فعند ذلك نظر إليهم بعين الملاحظة، وشاهد منهم نهدات الأسف، وفى ضمائرهم حرارات الشّغف، فعندها أسرج لهم نجائب المواهب، وحفّت بهم منه العطايا والتّأييد، وأذاقهم كأس الوداد، فطلعت فى قلوبهم كواكب مراكب «٤» القلق، وجرت بهم فى بحار الاشتياق، فوصلت إلى روح نسيم التّلاق، فكيف إذا رأيت «٥» ثريّا الإيمان قد علقت فى قلوبهم، وهلال التوحيد قد لاح بين أعينهم، وبحار الوفاء قد تدفّقت فى قلوبهم، وأنهار ماء الحياة «٦» قد تصادمت إلى جوارحهم، فتنسّموا روائح الدّنوّ من قربه، وهبّت رياح اللقاء من تحت عرشه، فوفدت «٧» هواتف الملكوت بألسنة القدرة إلى أسماعهم وأفهامهم، وشيّعها روح نسيم المصافاة إلى أذهانهم، وأوقدت فى أسرارهم «٨» مصابيح الأفكار، واشتعلت ضمائرهم «٩» ، وزّفت إلى قلوبهم أزواج القلق، وزجّ بها الشوق فى مفاصلهم، فتطايرت أرواحهم [إلى روح] «١٠» عظيم الذخائر، ثم نادت: لا براح وذلك أنها لمّا وصلت إلى
стр. 389
الحجاب الأعظم المعظم «١» أقسمت ألّا تبرح ولا تزول حتى تنعم. فكشف لها الحجاب، وناداها: أنا الرّبّ الأعظم المعظم، أنا علّام الغيوب، أنا المطّلع على الضمائر، أنا مراقب الحركات، أنا راصد اللّحظات «٢» ، أنا العالم بمجارى الفكر وما أصغت إليه الأسماع.
ثم قال لأرواحهم: أنا طالعتك ورفعتك إلى قربى، وقرنت ذكرى مع ذكرك ائتلافا، وعرّفتك نفسى وصافيتك إعطافا، وجلّلتك سترى إلحافا، فاشكرى لى أزدك أضعافا «٣» .
ثم قال: يا قلوب صفوتى التئمى، ويا أهل محبّتى حافظوا على لزوم مودّتى.
فلما وعت القلوب كلام المحبوب وردت على بحر الفهم، فاغترفت منه رىّ الشراب، فهلّ عليها عارض «٤» صدر إليها من محبوبها، فسجدت له تعظيما، وأذن لها فكلّمته تكليما «٥» ، وأفرغ عليها من نوره فزادها تهييما «٦» ، فرجعت إلى الأبدان بطرائف الفوائد «٧» ، فظمئت وعطشت ... فهل تدرى ما أعطشها؟! كشف لها عن غيوبه «٨» فطاشت، وشاهدت قربه فعاشت، فى كل يوم تطالع «٩» علما جديدا، فهو لها يزيد «١٠» ، وكيف لا يكون هذا
стр. 390
العبد كذلك وأنوار الصدق عليه متراكمة، ومراتب الحقائق فيه منتصبة، وروحه قد سارت فى مواكب «١» التوفيق؟! فلو شاهدت سرائرهم وقد وصلت إليه فروّاها من نسيم قربه، وزوّدها من طرائف علمه المكنون، وَفِي «٢» ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ.
ثم بكى طويلا وقال: يا ذا النون «٣» ، أين من أسرجت بواطنه بحبّ الله؟ أين من ظهر على جوارحه نور خدمة الله فشهد شواهد الهيبة عطاياه فحمد الله؟ أين من شهد القرب فلم يتحرك؟ أين من راقب الرّبّ فى سرائره؟ أين من دامت بمعاملته ظواهره «٤» ؟ أين من نطق بعلم القرب منه «٥» ؟ أين من شرب بكأس المحبة؟ أين من عرف الطريق؟ أين من نطق بالتحقيق؟ أين من أدنى فلم يبرح؟ أين من شوّق فلم يفرح؟ أين من سقى فباح؟ أين من بكى فناح؟ أين من ألف فشغل؟ أين من وصل فغنم؟ أين من لزم فأخبر؟ أين من صلح فأحضر؟ أين من رضى فقنع؟ أين من صبر فاقتنع «٦» ؟ أين من بكى بعويل؟ أين من صرخ بغليل»
؟ أين من رضى فطاب؟ أين من شوّق فذاب؟ أين من شفّه الوداد؟ أين من جدّ باجتهاد؟ أين من همّه الحبيب؟
أين من دهره غريب «٨» ؟ أين من طالع المكشوف؟ أين من أمر بالمعروف؟ أين
стр. 391
من تألّف الهموم؟ أين خدّامه الصّيام؟ أين عمّاله القيام «١» ؟ أين من ذاق ما أصف؟ أين من جدّ ملتهف «٢» ، أين من كان ذكره غذاه، أين من قلبه مرآه؟ أين من بان واستبان؟
يا ذا النّون، فلو رأيتهم وقد أخرجهم بعد ما أحسن تقويمهم، وأجلسهم على كراسى الأطبّاء وأهل المعرفة، وجعل تلامذتهم أهل الورع والتّقى، وضمن لهم الإجابة عند النداء، ثم قال لهم: يا أوليائى وأهل صفوتى، إن أتاكم عليل فداووه، أو فارّ منّى فردّوه، أو آيس من رحمتى وفضلى فعدوه، أو مبارز لى بالمعاصى فنادوه، أو مستوصف نحوى فدلّوه، أو خائف منّى فأمّنوه، أو مسىء بعد إحسان فرغّبوه، أو من جنا «٣» جناية وحزن فسرّوه، وإن وهبت لكم هبة فشاطروه.. ويا أهل صفوتى من خلقى لا يفزعنّكم صوت جبّار دونى، ولا مخلوق من خلقى.
إنه من أراد بكم سوءا «٤» قصمته، ومن آذاكم «٥» أهلكته، ومن عاداكم عاديته، ومن أحبّكم «٦» أحببته.
فلما نظر القوم إلى حسن لطفه بهم اجتهدوا غاية الاجتهاد «٧» ، وألفت الجوارح منهم المسارعة إلى مرضاته، والمبادرة إلى خدمته «٨» ، وأسقطت
стр. 392
الرّاحات، وأزالت الآلات «١» ، فورّثهم إخلاصهم الزّفرات، ثم تضاعفت لهم التّحف، فإذا جاء أحدهم «٢» النّهار بكى عليه الدّجا، ويستشرف به الفجر «٣» ، وتودّعه الكواكب، ويصافحه النّهار، وتساعده الأفلاك «٤» .
ثمّ يصل فكره «٥» إلى العرش، ثم تصل أنفاسه «٦» إلى الكرسى، فعند ذلك يا أخى ترحّب به السّموت، وتسلّم عليه الجبال، وتأنس به الوحوش، وتفرح به المواطن «٧» ، وتخضع له الملوك، وتلوذ به المواشى، وتتبرّك به الأشجار، وتحنّ إليه البهائم، ويأتى من أجله القطر، ويتضاعف ببركته النبات، وتهابه الفجّار، وترهبه الشياطين، وتحفّه الملائكة فى اللّيل والنهار بأجنحتها، وتسلم عليه الحيتان «٨» فى البحار إذا مرّ بها، وإذا نظر إلى الأرض تقلبت عن أنوار الزهر، إذا مرّ بيده «٩» على العليل أبرأه، وإذا وعظ سقيم الذّنوب أشفاه، وإذا نظرت إليه شهد له قلبك بالصّدق. أنس بالوحدة بعد الاجتماع، وخالط الجوع بعد الطعام، وسارع إلى الظمإ بعد الشراب، ولبس الخرق بعد الخزّ، وركن إلى الخراب بعد القصور. (انتهى) .
قال خادم شقران: دعانى شقران «١٠» ليلة فقال: أريد أن أغتسل. فلم
стр. 393
أجد ماء، فلحظ السماء بطرفه وقال: اللهم إنى قد عجزت عن الماء، وانقطع رجائى من غيرك، فاعطف على قلّة حيلتى. فقمت فسمعت وقع الماء فى الإناء، فمسّ الشيخ الماء بيده فوجده «١» باردا، فحرّك شفتيه فسخن الماء، ثم جاء إلى المغتسل، وكانت ليلة باردة مظلمة، فقال: لو كان معنا مصباح كان أمكن فى طهرى. فرأيت مصباحا قد أنفذ له فاغتسل.
وبلغ ذا النّون خبر شقران بالمغرب، فأتاه من مصر، فسأل عنه، فقيل له: السّاعة قد دخل [الخلوة] ، وهو لا يخرج من بيته إلّا [من الجمعة] إلى الجمعة، ولا يكلم أحدا إلّا بعد أربعين يوما «٢» .
[قال ذو النون] «٣» : فأقمت أربعين يوما على بابه، فلما خرج قال:
ما الذي أقدمك على بلادنا؟ قلت: طلبك! فوضع فى يدى رقعة قدر الدّينار، مكتوبا فيها: «يا دائم الثّبات، يا مخرج النّبات، يا سامع الأصوات، يا مجيب الدّعوات» . فما سألت الله بها حاجة إلّا قضاها لى. وكانت هذه الرحلة مغبوطة بهذه الدعوات.
وأتى «٤» شقران بصغير أعمى فدعا له، فأبصر.
وجاء له الناس مرة يسألونه «٥» أن يستسقى لهم، وخرج من بيته والسماء صاحية، ووقف بينهم والسماء صاحية، وجعل يقول: اسقنى اسقنى، السّاعة السّاعة، فأرعدت السماء وأبرقت، وجاء مطر عظيم كأفواه القرب «٦» .
стр. 394
وكان شقران من أجمل الناس، فنظرت إليه امرأة فشغفت به «١» ، فذكرت شأنها لعجوز، فقالت العجوز: أنا أجمع بينكما. فمرّ شقران يوما، فقالت له العجوز: لى ولد [غائب] ، وقد جاءنى كتابه «٢» ، وله أخت تحب أن تسمع كتابه، فلو جئت وقرأته على الباب لشفيت الغليل، وأطفأت النّار «٣» . فقال: نعم. ودنا من الباب، فقالت: ادخل يسيرا، فدخل، فقالت: يا سيدى، أخته تخشى أن يدخل أحد «٤» ، فهل لك أن تغلق الباب؟
فقال: نعم. فلما أغلق الباب برزت إليه «٥» امرأة جميلة قد تعطرت، فولّى بوجهه عنها، فقالت: كنت مشتاقة إليك. فقال لها: أين الماء حتى أتوضّأ؟
فأتته بالماء، فقال: اللهم إنّك خلقتنى لما «٦» شئت، وقد خشيت الفتنة، وأنا أسألك أن تصرف شرّها عنى وتغيّر خلقتى. فخرجت إليه، فوجدت خلقته اليوسفيّة أيّوبيّة «٧» ، فدفعته فى صدره وقالت: أخرج. فخرج وهو يقول:
الحمد لله رب العالمين. ثم عاد إليه حسنه.
وجاءه «٨» رجل ومعه صغيرة قد لحقها الجنون، فقرأ عليها شقران، ثم أخذها أبوها ومضى بها إلى البيت، فصرعت، وتكلّم الجنّىّ على رأسها وقال:
أمّا أنا، فو الله لا سكنت هذه البلدة ولا عدت إليها خوفا من شقران أن يحرقنى،
стр. 395
فإن مسّها غيرى فلا حرج علىّ، وعرّفوا شقران بذلك لئلّا يعود إلى الدعاء علىّ.
قبر أبى الربيع الزّبدى «١» :
وتجد إلى جانبه من القبلة قبر الزّبدى [المعروف بأبى الربيع] «٢» رحمه الله تعالى ... كان رجلا صالحا، قيل: إنه مرّ على أناس فقالوا: إنّا نشمّ عليك روائح الزّبدة. فقال: إنّى أحبّها فأظهرها الله تعالى علىّ.
وعند «٣» رأس قبره عمود من الحجر الكدان، عليه كتابة «الشيخ أبو الربيع» . ودرست هذه الكتابة.
وكان أبو الربيع مستجاب الدعاء، على غاية من سلامة الصدر، وأنّ أبا الطّيّب أحمد بن على الماذرائى «٤» ، وزير الديار المصرية، اجتهد فى الاجتماع به فلم يمكّنه، فبذل مائة دينار لإنسان من أصحاب الشيخ بشرط أن يجمع بينهما. فقال: نعم بسم الله. ثم مضى إليه وقال له فى عيادة رجل مسلم فى غد بعد صلاة الصبح، فقال: نعم، وكان يصلى الصبح فى الجامع العتيق، وكان مسكنه بالقرافة، فلما أصبح مضى به الرجل إلى دار أبى الطّيّب، ودخل معه، فقرأ ودعا، وقد كان تأمّل الدّار والآنية والفرش، فلما خرج أقبل على الرجل وقال: ما يصنع هذا؟ فقال له الرجل: إنه يبيع القلقاس! فقال: ويربح هذا كله فى القلقاس؟ قال: نعم. وعجب الشيخ من ذلك، فكان إذا اشتكى إليه إنسان الفقر والضّيق وقلّة المعيشة يقول له: عليك ببيع القلقاس!
стр. 396
ومنه بقليل إلى الغرب قبر الشيخ الصالح محمد الملقب بذى العقلين «١» .
والحومة حومة مباركة، ينبغى لمن وقف فى ذلك الموضع أن يبتهل إلى الله تعالى ويدعو، فإنه- لا يخيّب من دعاه.
قبر ابن عبد الرحمن بن عوف «٢» :
وتمشى وأنت مغرّب تجد على يسارك تربة فيها قبر ابن عبد الرّحمن بن عوف الزهرى رحمه الله تعالى. وعلى يسارك داخل التربة قبر الشريف رحمة الله عليه. قيل: من وقف بين قبر الشريف وقبر ابن عوف ودعا الله تعالى استجاب دعاءه.
وحكى عبد السّلام بن سعيد ﵀ قال: مرضت مرضا شديدا أشرفت فيه «٣» على الهلاك، وعجزت الأطبّاء عن المداواة، فيئست، فلما كان فى بعض الليالى رأيت فى النوم قائلا يقول لى: امض إلى قبر ابن عبد الرحمن بن عوف وقف بينه وبين الشريف «٤» المدفون معه فى التربة، والصق ظهرك بالحائط، وابتهل إلى الله تعالى، واسأله أن يفرّج عنك. قال: فلما أصبحت ذكرت ذلك لأهلى وقلت: لابدّ لى من المضّى إلى ذلك الموضع، فحملونى إليه، فدعوت الله عنده «٥» ، ففرّج عنّى وعافانى، وما وقعت بعد ذلك فى شدّة أو عسرت علىّ حاجة إلّا ومضيت إلى ذلك الموضع ودعوت الله فيفرّج عنى «٦» .
стр. 397
قبر صاحب الدّرّابة «١» :
وتخرج من التربة وتأتى إلى الجهة البحرية «٢» تجد على يمينك قبر صاحب «الدّرّابة» رحمه الله تعالى، قيل: إنّ ذا النّون المصرىّ، رضى الله عنه، رأى فى المنام كأنّ قائلا يقول له: يا ذا النّون، إذا كان غدا، اجلس على شفير «٣» الخندق يجيء [إليك] ولّى من أولياء الله تعالى، ميت محمول على درّابة، فجهّزه وصلّ عليه «٤» . قال: فلما أصبحت جئت وجلست «٥» على الموضع الذي وصف لى، وإذا برجلين، يحملان رجلا ميّتا على درّابة، فقلت لهما حطّاه واذهبا «٦» .
قال ذو النون: فغسّلته، وكفّنته، وصلّيت عليه، ودفنته. وأوصى ذو النون «٧» إذا مات أن يدفن تحت رجليه. ففعل ذلك به «٨» . قال ذو النون: فرأيت «٩» تلك الليلة فى منامى ذلك الرّجل الذي دفنته وعليه حلّة من السّندس، فقال: يا ذا النون، جزاك الله عنى خيرا.
стр. 398
قبر الجزرىّ «١» :
ويقابل قبر صاحب الدّرّابة «٢» قبر الجزرىّ رحمه الله تعالى، كان رجلا صالحا من جزيرة ابن عمر «٣» ، كثير التلاوة للقرآن، وقيل: إنه كان مجاورا بمدينة النبي ﷺ ، فاشتهى فى بعض الأيام هو وأصحابه طعاما، فجاءوا إلى مسجد على باب المدينة لصلاة الضّحى «٤» ، وعلى الباب مملوك تركيّ، وفى صدر المحراب رجل قائم يصلى، فصلى [الشيخ] «٥» مع أصحابه الضّحى، ثم جلس وجلسوا ساعة يذكرون الله تعالى، فأحضر لهم الرجل الذي كان يصلى «٦» الطعام الذي اشتهاه الشيخ وأصحابه «٧» ، ثم رأوا مع الرجل غلمانا وحشما «٨» ، فقال لهم: يأكل كلّ منكم ما اشتهاه. فامتنعوا وقالوا: من تكون؟ ومن الذي أخبرك بهذا؟ فقال: أمّا أنا فأمير هذه البلدة، وأمّا الذي أخبرنى فإنى رأيت رسول الله ﷺ فى ليلتى هذه، فقال لى: يا فلان، أصلح كذا وكذا من الطعام، فإنّ فى غداة غد جماعة يأتون إلى محلّتك يشتهون هذا الطعام «٩» . فقلت: يا رسول الله، ما الذي يوصلنى إليهم؟ فقال: هم يأتون إلى مسجدك عند الضّحى. واسم واحد كذا والآخر كذا. فأكلنا الطعام وبتنا عنده، فلم يزل قائما يصلى إلى بكرة، فصلينا عنده الصّبح وانصرفنا.
стр. 399
قبور الصوفية «١» :
وتدخل على يمينك تجد قبور الصّوفية رحمهم الله تعالى.
قبر أبى علىّ الرّوذبارىّ «٢» :
وتدخل على يمينك تجد تربة ذى النون المصرى ﵀، على يسار من دخلها قبر الرّوذبارىّ رحمة الله عليه، شيخ الطريقة، وإمام الحقيقة، [واسمه أحمد بن محمد بن القاسم بن منصور بن شهريار بن مهر فاذار بن فرغدة بن كسرى أنو شروان] «٣» ويكنى بأبى علّى. وكان من أولاد كسرى أنو شروان. وتوفى سنة اثنتين «٤» وعشرين وثلاثمائة، وهو «٥» من أهل بغداد، سكن مصر، وكان شيخها، ومات بها.
صحب أبا القاسم الجنيد، وأبا الحسين النّورىّ، وأبا حمزة البغدادى، وحسنا المسوحىّ، ومن فى طبقتهم من مشايخ بغداد، وصحب بالشام أبا عبد الله ابن الجلّاء.
стр. 400
وكان عالما فقيها، حافظا للأحاديث، عارفا بعلم الطريقة، وكان يفتخر بمشايخه فيقول: شيخى فى التصوف: الجنيد، وفى الفقه: أبو العباس بن سريج «١» ، وفى الأدب: ثعلب، وفى الحديث: إبراهيم الحربى «٢» .
روى عنه ابن الكاتب قال: «ما رأيت أحدا أجمع لعلم الشريعة والحقيقة منه» .
وسئل أبو علّى الرّوذبارىّ [رضى الله عنه] : من الصّوفىّ «٣» ؟ قال:
«من لبس الصّوف على الصّفاء» .
وروى أبو منصور معمر بن أحمد بن محمد بن زياد الأصبهانى قال: بلغنى عن أبى علىّ الرّوذبارىّ قال: «أنفقت على الفقراء كذا وكذا ألفا، ما وضعت شيئا فى يد فقير، بل كنت أضع فى يدى فيأخذ الفقير من يدى، حتى تكون يدى تحت أيديهم، ولا تكون فوق أيديهم» .
وقال أبو علىّ الرّوذبارىّ: سمعت المحاسبى يقول: [للمخلصين عقوبات، وللناس طهارات، وللطاهرين درجات] «٤» . وسمعته يقول: من أضيق السجون معاشرة الأضداد. وكان يقول: اكتساب الدّنيا مذلّة النفوس، واكتساب الآخرة عزّ النفوس، فيا عجبا لمن يختار المذلّة لما يفنى، ويترك العزّ لما يبقى!
стр. 401
قال: وأنشدنا أبو علىّ الرّوذبارىّ لنفسه:
وددت أنّ دمى يجرى فأسفحه ... من مقلتى على ما فات من زمنى
واها على أسف منّى علىّ وهل ... يجدى التّأسّف إلّا علّة السّجن «١»
لو صحّ تحقيقه أنّ التّأسّف لى ... لما أسفت لجمع النّوح فى الزّمن «٢»
وله أيضا- رضى الله عنه:
إن كان دارى نأت عن قرب داركم ... فالنّفس ليس لها من بعدكم سكن
قلبى لديك وعينى غير ناظرة ... [إلّا إليك] وسؤلى وجهك الحسن «٣»
ياليت لى أعينا فى كلّ جارحة ... تبكى عليك بدمع جارح الوسن «٤»
وقال «٥» : «من الاغترار «٦» أن تسىء فيحسن إليك، فتترك الإنابة والتّوبة توهّما أنّك «٧» تسامح فى الهفوات، وترى أنّ ذلك فى بسط الحقّ لك» .
وقال: «المشاهدات للقلوب، والمكاشفات للأسرار، والمعاينات للبصائر «٨» ، والمراعات للأبصار» .
стр. 402
وقال أيضا: «لا رضا لمن لا يصبر، ولا كمال لمن لا يشكر الله ، وبالله وصل «١» العارفون إلى محبّته، وشكروه على نعمته» .
وقال همّام بن الحارث: سمعت أبا علّى الرّوذبارىّ يقول: «إنّ المشتاقين إلى الله يجدون حلاوة الوقت عند وروده لما كشف لهم من فرح الوصال «٢» إلى قربه أحلى من الشهد» .
وقال أيضا: «من رزق ثلاثة أشياء فقد سلم من الآفات: بطن جائع معه قلب خاشع «٣» ، وفقر دائم معه زهد حاضر، وصبر كامل «٤» معه قناعة دائمة» .
وقال- رضى الله عنه: «السعيد من عمّر أوقاته بالطّاعات، وترفّع عن المعاصى المهلكات» «٥» .
قبر ذى النون المصرى «٦» :
تجد على يمينك من قبره قبر الشيخ الإمام، العابد الزاهد أبى الفيض ذى النون المصرى، ذى المناقب العظيمة، والأخلاق الكريمة، رضى الله عنه.
قال يوسف بن الحسين: سمعت ذا النون المصرىّ يقول، وقد سأله إنسان عن أصل توبته، فقال: «خرجت من مصر إلى بعض القرى، فنمت فى الطريق،
стр. 403
وانتبهت وفتحت عينى وإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من شجرة على الأرض، فانشقّت الأرض فخرج منها سكرّجتان «١» : واحدة من ذهب، والأخرى من فضة، فى إحداهما سمسم، وفى الأخرى ماء ورد، فأكلت من هذه، وشربت من هذه، فقلت: حسبى «٢» فتبت ولزمت الباب» .
وروى أبو موسى الجيزى، قال: «رأيت ذا النون، وقد تقاتل اثنان، أحدهما «٣» من أولياء السلطان [والآخر من الرّعيّة] فعدا «٤» الذي من الرعيّة عليه فكسر سنّته «٥» فتعلّق الجندىّ بالرجل وقال: بينى وبينك الأمير.
فمضوا، وجازوا فى طريقهم على ذى النون، فقال لهما: ما قصتكما؟
فقصّا «٦» عليه القصة، فأخذ السّنّ ثمّ بلّها بريقه وردّها إلى فم الرجل الذي كانت فيه، وحرّك شفته فتعلّقت السّنّ بإذن الله تعالى، وثبتت فى مكانها، فبقى الرجل يفتش فاه فلم يجد فيه شيئا من النقص» «٧» .
وحكى أبو جعفر قال: «كنت عند ذى النون فتذاكرنا طاعة الأشياء للأولياء، فقال ذو النون: من الطاعة أن أقول لهذا السرير الذي أنا جالس عليه:
در فى زوايا البيت الأربع وعد إلى مكانك «٨» [قال: فدار السرير فى أربع زوايا البيت وعاد إلى مكانه] . وكان هناك شابّ فأخذ يبكى، ومات للوقت» .
стр. 404
وقال بكر بن عبد الرحمن: «كنا مع ذى النون المصرى فى البادية، فنزلنا تحت شجرة «أم غيلان» فقلنا: ما أطيب هذا الموضع لو كان فيه رطب! فتبسّم ذو النون وقال: أتشتهون الرّطب؟ وحرّك الشجرة وقال: أقسمت عليك بالذى ابتداك وخلقك إلّا نثرت علينا رطبا. وحرّكها، فتناثر «١» الرّطب من عليها، فهززنا الشجرة فنثرت علينا شوكا» .
وقيل: إنّ ذا النون «٢» المصرىّ عند موته قيل له: ما تشتهى؟ فقال:
أعرفه قبل موتى «٣» ولو بلحظة.
وكان ذو النون المصرى يقول: «معاشرة العارف كمعاشرة الله تعالى» «٤» .
وقال أيضا: «أعرف الناس بالله أشدّهم تحيّرا فيه» .
وقال أيضا: «الزّهّاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين» .
وقال أيضا: «علامة العارف ثلاث: لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يفتقد «٥» باطنا من العلم ينقض عليه ظاهرا من الحلم؛ ولا يحمله كثرة نعم الله على هتك أستار محارم الله » .
وقال أيضا: «كنت راكبا فى سفينة فسرقت فيها درّة، فاتّهم بها شابّ، فقلت: دعونى حتى أرفق به وأقرّره، فأخرج رأسه من تحت كسائه، فتحدثت معه فى ذلك المعنى وتلطّفت به لعلّه يخرجها، فرفع رأسه إلى السماء وقال:
стр. 405
أقسمت عليك يا رب ألّا تدع أحدا من الحيتان إلّا ويأتى بجوهرة. قال: فرأيت حيتانا «١» كثيرة طافية على وجه البحر، فى فم كل حوت جوهرة. قال: ثم ألقى نفسه فى البحر ومشى على الماء وغاب عنّا» .
وقال ذو النون: «سافرت إلى الشام لعلّى أجتمع بأحد «٢» من أولياء الله تعالى، فعبرت على مغارة، فوجدت رجلا جالسا على باب المغارة، فسلّم علىّ وقال لى: يا ذا النون «٣» ، رجل كان يسأل الله تعالى فى الاجتماع بك لتحضر الصلاة عليه، فقف هاهنا. ثم دخل المغارة، فإذا بعجوز قد خرجت من المغارة تبكى، فقالت: يا سيدى، الذي كلّمك هو ولدى، وكان يسأل الله تعالى أن تحضر الصلاة عليه، وقد مات. فدخلت فوجدته مستقبل القبلة، وعنده آلة الغسل والكفن، فغسلته وكفنته وصليت عليه، وكنت أكبّر وأسمع التكبير من خلفى، فلما فرغت من الصّلاة عليه إذا هو قد حمل من بين يدىّ، فخرجت وأنا متعجب، ثم استوحشت، فإذا أنا بصوت رجل يقرأ القرآن، فاتبعت الصّوت، فإذا هو يخرج من مغارة أخرى، فدخلتها، فإذا شيخ عليه وقار، وعليه قميص من ليف، فقال: يا ذا النون، صلّيت على الرّجل الصالح؟
قلت: نعم، قد صليت عليه وسمعت تكبيرا «٤» من خلفى. فقال: أقم عندى اليوم. قال: فأقمت عنده تلك الليلة، فإذا طائر يدخل المغارة وبين رجليه جوزة، وفى منقاره «٥» زبيبة فيلقيها، ثم يذهب فيعود كذلك، فسألت عن ذلك «٦» الطائر، فقال: سخّره الله تعالى لى، يأتينى فى اليوم كذا وكذا مرّة، فنظرت داخل المغارة فإذا عين تجرى وفى داخلها رجل، وهو يدعو: اللهمّ
стр. 406
اغفر لأمّة محمد، اللهم ارحم أمّة محمد. ثم أصبحت فرأيت السّباع أتته «١» تسلّم عليه وتتبرّك به. فقال: يا ذا النون، كم بقى للحج؟ قلت: مدّة يسيرة.
قال: يخطر «٢» لك نيّة الحج؟ قلت: نعم. فقال: يا ذا النون، أرافقك بواحد من هذه «٣» السباع، ثم التفت إلى واحد منها «٤» فقال: أوصيك بأبى الفيض، فكن به رفيقا «٥» . فركبت على ظهره يومين «٦» ، فإذا أنا ببطحاء مكة، فنفضنى عن ظهره. وكان الشيخ قد أوصانى وقال لى: إذا قضيت شغلك وأتيت الرّكن اليمانىّ تجد عنده شابّا أسمر، عليه أطمار رثّة «٧» ، وعليه سيما الخير، فبلغه سلامى، وسله لى الدعاء. قال «٨» : فلمّا قضيت شغلى وأتيت الركن اليمانيّ، وجدت الرّجل جالسا عند الركن، فسلمت عليه، وقلت له: فلان بالشام يسلم عليك ويسألك الدعاء- وكان قد أضحى النهار- فقال: لا إله إلّا الله، يرحمه الله، اليوم قد صلينا عليه!» .
وعن ذى النون المصرى قال: «لقيت فى بعض أسفارى امرأة تشير إلى المحبة، فسألتها عن غاية المحبة، فقالت: لا غاية لها. فقلت: ولم؟ قالت:
لأنه لا غاية للمحبوب» «٩» .
وعن أبى سعيد المالينى، عن ذى النون المصرى، يرفعه إلى النبي ﷺ ، قال: «سمعت جبريل ﵇ يقول: يا محمد، من قال من أمّتك فى كل
стр. 407
يوم مائة مرّة: «لا إله إلّا الله، الملك الحق المبين» كان له أمان من الفقر، وأنس «١» من وحشة القبر، واستجلب به الغنى، وقرع «٢» به باب الجنة» .
وسئل ذو النون: كيف الطريق إلى الله تعالى؟ فقال: «ظمأ الهواجر «٣» ، وقيام الليل، يدلّانك على الطريق إلى الله تعالى» «٤» .
وعن سعيد «٥» بن عثمان قال: سمعت ذا النون «٦» يقول: «اللهمّ متّع أبصارنا بالجولان فى حلالك بسهرها عمّا نامت عنه قلوب الغافلين، واجعل قلوبنا معقودة بسلاسل النور، وعلّقها بأطناب الفكر «٧» ، ونزّه أبصارنا عن سرّ مواقف المتحيرين، وأعطها من الأنس فى خدمتك مع الجوّالين» .
وعن ابن الجلّاء قال: لقيت ستمائة شيخ، ما رأيت فيهم مثل أربعة، أحدهم «٨» ذو النون المصرى، يقول: «ذكر الله دواء، وذكر الناس داء، فاستكثروا من الدّواء، وأقلّوا من الدّاء» .
وعن محمد بن قطن «٩» قال: رأيت مكتوبا على عصا ذى النون:
стр. 408
كيف احتيالى ودائى الأمل ... وليس لى فى صحيفتى عمل «١»
زادى قليل ورحلتى بعدت ... من عدم الزّاد كيف يرتحل؟
وروى عن أبى عثمان المغربى قال: «من صحب نفسه صحبه الكبر والعجب، ومن صحب أولياء الله تعالى وفّق للوصول إلى الله تعالى» .
وروى عن ذى النون، رضى الله عنه، أنه قال: «سافرت سفرة فجئت بعلم يعرفه العامّ والخاص، ثم سافرت الثانية فجئت بعلم يعرفه الخاص وينكره العام، ثم سافرت الثالثة فجئت بعلم ينكره الخاص والعام، وصرت به وحيدا، فريدا، شريدا، طريدا» «٢» .
وعن ذى النون، رضى الله عنه، قال: «من ذكر الله تعالى على حقيقة نسى فى جنب الله «٣» كلّ شىء، وكان له عوضا من كل شىء» .
وقال ذو النون المصرى: «إنّما دخل الفساد على الناس من ستة أمور:
أحدها «٤» : من ضعف النية بعمل الآخرة. والثانى: صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم. والثالث: غلبهم طول الأمل مع قرب الأجل «٥» . والرابع: آثروا رضا المخلوقين على رضا الخالق. والخامس: اتّبعوا أهواءهم ونبذوا سنّة نبيهم، ﷺ وراء ظهورهم. والسادس: جعلوا زلّات السّلف حجّة أنفسهم، ودفنوا أكثر مناقبهم» .
ولمّا مات ذو النون بالجيزة حمل فى قارب مخافة أن ينقطع الجسر من
стр. 409
كثرة الناس على الجنازة «١» ، قال الراوى: فلما أخرج من القارب وحمل على أكتاف الرجال جاءت طيور خضر فاكتنفت الجنازة «٢» ترفرف عليه حتى عطف به عند «حمّام الغار» وغاب عنى، فذكرت ذلك لأبى يحيى بن هلال بعد زمان، فقال لى: لقد رأيت مثل هذه الطيور ترفرف على جنازة المزنّى.
وأنشد بعضهم فى ذلك «٣» :
ورأيت أعجب ما رأيت ولم أكن ... من قبل ذاك رأيته لمشيّع «٤»
طيرا ترفرف فوقه وتحفّه ... حتّى توارى فى حجاب المضجع
ثمّ احتجبن عن العيون ولم أحط ... علما بكنه مصيرها والمرجع «٥»
وأظنّها رسل الإله لعبده ... - والله أعلم- فوق ذاك المرجع «٦»
وتنزّل القطر الذي كنّا نرى ... وهبوب تلك الذّاريات الزّعزع «٧»
إن شئت قل: بكت السّماء لفقده ... أو قل: سقته بهيدب لم يقلع «٨»
стр. 410
وكانت وفاته سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان اسمه ثوبان بن إبراهيم، وورعه وزهده لا يخفى. وكان قد وشى به إلى «المتوكل» ، فاستحضره من مصر، [فلما دخل عليه وعظه، فبكى وردّه إلى مصر] واستعذر منه «١» .
قال يوسف «٢» بن الحسين: سمعت ذا النون «٣» وقد سئل: لم «٤» أحبّ الناس الدنيا؟ فقال: لأنّ الله تعالى جعل الدنيا «٥» خزانة أرزاقهم، فمدّوا أعينهم إليها.
وقال ابن السّرّاج: قلت لذى النون: كيف كان خلاصك من «المتوكل» وقد أمر بقتلك؟ قال: لمّا أوصلنى الغلام إلى الستر رفعه «٦» وقال لى:
ادخل. فنظرت فإذا «المتوكل» فى غلالة، مكشوف الرأس، وعبيد الله قائم على رأسه متّكئ على السّيف «٧» ، وعرفت فى وجه القوم الشّرّ، ففتح لى باب، فقلت فى نفسى: «يا الله «٨» ، يا من ليس فى السماوات خطرات «٩» ،
стр. 411
ولا فى البحر قطرات، ولا فى الرّياح روحات، ولا فى الأرض جنّات «١» ، ولا فى قلوب الخلائق خطرات، ولا فى أعضائهم حركات، ولا فى عيونهم لحظات إلّا وهى لك شاهدات، وعليك دالّات، وبربوبيّتك معترفات، وفى قدرتك متحيرات، فبقدرتك التى تحيّر بها من فى السماوات والأرض إلّا صليت على محمد، وعلى آل محمد، وأخذت قلبه عنى» . قال: فقام «المتوكل» يخطو حتى اعتنقنى، ثم قال لى «٢» : أتعبناك يا أبا الفيض، إن تشأ تقم «٣» عندنا، وإن تشأ تنصرف. فاخترت الانصراف «٤» .
وروى «٥» عنه قال: رأيت رجلا من السّائحين «٦» فقلت له: من أين أنت؟ فقال منشدا عند قولى له:
من عند من علق الفؤاد بحبّه ... فشكا إليه بخاطر مشتاق
يبكى الوصال بعبرة مسفوحة ... فيها شفاء لوامق توّاق «٧»
وقال أيضا: عبد ذليل، ولسان كليل «٨» ، وعمل قليل، وكرب طويل، ونيل جزيل «٩» ، فأين أذهب يا سيدى إلّا بالدّليل؟
стр. 412
وقال: دخل غلام لذى النون «١» إلى بغداد، فسمع قوّالا يقول [الشعر] «٢» ، فصاح غلام ذى النون صيحة وخرّ ميتا، فوصل «٣» الخبر إلى ذى النون، فرحل إلى بغداد «٤» فقال: علىّ بالقوّال، فحضر، فاستردّه الأبيات «٥» التى سمّعها للغلام، فأنشدها، فصاح ذو النون «٦» صيحة فمات القوّال، ثم رجع ذو النون «٧» وهو يقول: «النّفس بالنّفس» .
قبر الشيخ أبى عمران موسى بن محمد الأندلسى «٨» :
وتخرج من باب تربة ذى النون «٩» تجد على يمينك قبر الشيخ أبى عمران موسى بن محمد الأندلسى الواعظ الضرير، ﵀، كان من كبار المشايخ، جمع بين العلم والورع، وله مصنّفات فى عدّة فنون «١٠» ، وكان له مجلس وعظ، وقصائد فى الزهد، وغير ذلك.
وكان قد صنف قصيدة فى فضل أمّ المؤمنين «١١» عائشة رضى الله عنها، منها هذه الأبيات «١٢» :
стр. 413
ما شأن أمّ المؤمنين وشانى ... هدى المحبّ لها وضلّ الشّانى «١»
إنّى أقول مبيّنا عن فضلها ... ومترجما عن فضلها بلسانى «٢»
يا مبغضى، لا تأت قبر محمّد ... فالبيت بيتى والمكان مكانى
وكان ذلك فى زمن «٣» أمير الجيوش [شاهنشاه بن بدر الجمالى] ، فوشى إليه بذلك، فأمر بحمله مسحوبا على وجهه، فقال له بعض جلسائه:
هذا رجل ضرير البصر، ضعيف القوى، لا يستطيع النهوض مع كبر سنّه.
فقال: يحمل إلى الجيزة ولا يسكن مصر، فحمل إليها.
واتفق فى بعض الأيام أنّ أمير الجيوش ركب يوما إلى الجيزة، فدخل مسجدا فوجد فيه موسى الأندلسى الواعظ المذكور هذا جالسا «٤» فى محرابه، فصلّى ركعتين ثم التفت إليه وسأله عن حاله، فأخبره بقصته «٥» فقال له:
تقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم. [قال: اقرأ. فقرأ] «٦» فأعجبته قراءته.
فبكى بكاء شديدا لحسن صوته «٧» . فقال له: أنشدنى القصيدة التى أخرجت من مصر لأجلها. فأنشده إيّاها، فأمره بتكرارها «٨» ، فأعادها، فقال له:
يا شيخ، بالله عليك لا تدع على السّلطان، فإنه ما علم بحقيقة حالك «٩» ، وأنا أحد غلمانه «١٠» ، ولا بد من ذكرك له، فطيّب قلبك، واشرح صدرك وادع
стр. 414
له «١» . ثم خرج من عنده، فتبادر الناس إليه وقالوا: أتعرف «٢» من كان عندك؟ قال: لا. قالوا: أمير الجيوش، فإيّاك أن تكون تكلمت معه بشىء يؤذيك؟ قال: لا والله. وبقى خائفا «٣» ، فلما وصل أمير الجيوش إلى مصر أمر واليها أن يمضى إليه ويأتى به إلى مصر «٤» ويسأله الدعاء. وأرسل إليه بدنانير كثيرة وكسوة «٥» ، فحمل- رضى الله عنه- مكرما، ولم يزل يعظ الناس ويتكلم على منبره إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
قبر ابن الترجمان «٦» :
وبجانبه من القبلة إلى المشرق قبر ترجمان بن على المقرى المعروف بابن الترجمان، شيخ التصوف بديار مصر والشام.
سمع الحديث الكثير عن أبى بكر محمد بن محمد الحميدى، وأبى القاسم محمد بن الطّرطوشى، وأبى الحسن على بن عمر الدارقطنى، وعيسى بن عبد الله، وغيرهم.
ومن رواياته عن أبى هريرة، أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، ولو يعلمون «٧» ما فيها لآتوها حبوا» .
стр. 415
وعن الأزدىّ، قال عمر بن الخطاب: «لو وزن إيمان أبى بكر وإيمان أهل الأرض لرجح «١» إيمان أبى بكر» .
ويلاصقه قبر الشيخ سهل بن محمد بن الحسين بن أبى الخير الخشّاب «٢» .
قبر أبى العباس أحمد بن عبد الله الفقيه المالكى «٣» :
ثم تستقبل الجوسق المعروف بالكنز، تجد تحته على يسارك تربة فيها [قبر أبى العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام بن الحطيئة اللخمى] «٤» . وهو مشهور، كان من فقهاء المالكية، وكان مسكنه بالشرق، أقام فيه عدة سنين يقرئ «٥» الحديث ويأكل من نسخه، وكان له بنت يعلّمها النّسخ فتعلمت حتى صارت تنسخ «٦» وضربت على خطّه.
وكان يعرض عليه المال فلا يقبل منه شيئا، وتجىء «٧» سلاطين المصريين إليه فلا يقبل [من أحد] «٨» منهم شيئا. ويقف به التجار والأمراء ويبذلون له المال فيأبى قبوله منهم «٩» .
стр. 416
وجاءه رجل من إخوانه، فقال له: يا سيدى، اشتريت هذا الثوب «١» على اسمك وأسألك «٢» أن تقبله منى. فقال: عاهدت الله ألّا أقبل من أحد شيئا. فحلف بالطلاق الثلاث لابد من قبوله، فقال: قد قبلت، فاجعله على الحبل- وكان فى مسجده- فجعله عليه، فأقام ثلاثين سنة والثوب معلّق عليه!
ولم يزل مقيما بالشرق «٣» إلى نوبة مصر المشهورة، وحريقها، فأدخل إلى القاهرة، ونزل فى دويرة بها، وتوفى فيها «٤» .
قبر شحّاذ الفقراء «٥» :
وبجانبه على الطريق «٦» بقرب- تحت المسجد- قبر الشيخ الصالح
стр. 417
المعروف بشحّاذ الفقراء، كان إذا رأى فقيرا يمضى إلى الأغنياء ويطلب منهم، ويأتى بما يتحصّل إلى الفقير، [ولا يترك لنفسه شيئا] «١» ، فقيل: إنه أخذ للفقراء «٢» أشياء كثيرة، وفرّق فيهم على قدر حاجاتهم «٣» ، فبقى معه فضلة، فلم يجد فقيرا «٤» يدفعها إليه، فبنى المسجد المذكور بها.
المسجد المعروف بالكنز*: وتحته الكنز، وكان هذا المسجد صغيرا جدّا، فهدمه رجل يعرف بأبى الحسن القرقوبى «٥» وبناه.
أخبرنا «٦» أبو الحسن أحمد بن جمرة بن على بن الحسين بن الحسن المعروف بالهورينى قال: كتب إلىّ القاضى أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن على القضاعى، من مصر، قال: وجدت فى الصحراء ثلاثة مساجد، منهم مسجد هو غربىّ الخندق وبحرى قبر ذى النون، وهو الذي بناه أبو الطّاهر، وأبو الحسن محمد بن على المعروف بابن القرقوبى- المذكور آنفا- هدمه بعد أن كان صغيرا ووسّعه «٧» .
روى عن القاضى أبى جعفر محمد بن سلامة القضاعى عنه أنه قال «٨» :
لمّا هدمت هذا المسجد وأمرت بعمارته، رأيت فى النوم قائلا يقول: على أذرع من هذا كنز «٩» . فاستيقظت وقلت: هذا من الشيطان «١٠» . ورأيت ذلك
стр. 418
مرارا «١» ، فلمّا أصبحت غدوت «٢» إلى المسجد، وأمرت بعض الفعلة بحفر الموضع «٣» الذي قيل لى عنه، فحفروه «٤» ، فإذا قبر عليه لوح كبير وتحته ميت فى لحد كأعظم ما يكون من الناس جثّة، وأكفانه طريّة لم تبل، ولم يبل منها شىء إلّا رأسه «٥» ، فإنى رأيت شعره قد خرج من الكفن. فقلت: هذا هو «الكنز» بلا شك، فأمرت بإعادة اللّوح فى التراب، وأحرفت القبر حتى أساس الحائط «٦» ، وأبرزته للناس.
تربة سماسرة الخير «٧» :
وبجانب التربة تربة فيها قبور سماسرة الخير «٨» رحمهم الله تعالى. يقال:
إنّ رجلا جاء إلى السوق- بعد موتهم- يطلب شيئا لله تعالى، فقال لرجل:
عسى أن تدلّنى على من يأخذ لى من المسلمين شيئا. فقال: أنا أفعل ذلك «٩» . [ثم أخذه ودار به على الناس، فلم يفتح عليه بشىء] ، فأخذه
стр. 419
وجاء به إلى قبورهم، ثم قال له «١» : هؤلاء سماسرة الخير. فقال له الرجل:
أتيت بى إلى قبور؟! فجلس الرجل محزونا جائعا، فنام ممّا لحقه من الهمّ، فرأى فى منامه واحدا منهم، فقصّ عليه قصته، فقال له: امض إلى ولدى فى دارى الفلانية بالمكان الفلانى، واسمه فلان، وقل له احفر فى مكان كذا وكذا من الدار «٢» ، وادفع لى ما أنفق «٣» . فاستيقظ الرجل، وجاء إلى الدار التى وصفها له الميت، واجتمع بولده، وذكر له المنام، وعيّن له الموضع، فحفر فيه فوجد «برنيّة» «٤» فيها ثلاثمائة دينار، فأخذها الرجل واستغنى بها.
*** قبر أبى شعرة صاحب الدار «٥» :
وبجانبه إلى الشرق قبر أبى شعرة، يقال له: «صاحب الدار» رحمه الله تعالى، كان له دار يسكنها لله تعالى، ويجعل لمن يسكنها ما يأكل وما يشرب، والكسوة له ولعياله «٦» لمدّة ستة أشهر. ويشترط ذلك مع كلّ ساكن «٧» .
стр. 420
قبر الشيخ أبى الحسن الفرّار «١» :
وبجانبه إلى الشرق قبر الشيخ أبى الحسن على بن الحسن بن عمر المعروف بالفرّار، ﵀، وهو أحد المشايخ المجيدين «٢» المحدّثين، والثقات المأمونين، سمع الحديث كثيرا «٣» ، وحدّث عن أبى زكريا عبد الرحيم «٤» بن أحمد البخارى، [وأبى علىّ بن صالح الرّوذبارى، وأبى عبد الله الحسين بن محمد العيسى، وأبى القاسم سعد بن على الريحانى، وأبى الحسن عبد الباقى بن فارس المقرئ، وأبى القاسم خلف بن أحمد الحوفى] «٥» وغيرهم. ولم ينتشر الحديث بديار مصر إلّا منه، وأخذوا عنه كثيرا.
*** ثم تستقبل الجهة البحرية على يمينك «٦» تجد على شاطىء الخندق معبد ذى النون- ﵀ وقبالته قبر الشيخ أبى الخير الأقطع التيناتى رحمه الله تعالى- وسيأتى ذكره [إن شاء الله تعالى] «٧» ، فأمّا المسجد الذي فيه معبد ذى النون هذا فهو الذي بناه الفخر الفارسى الآن ودفن به «٨» ، وكان سبب
стр. 421
بنائه أنه رأى فى المنام كأنّه واقف على قبر الشيخ أبى الخير التيناتى ﵀، وهو ينظر إلى الصحراء وهى مملوءة رجالا عليهم ثياب بيض، وفيهم النبي، ﷺ ، [وكأنه جاء إلى رسول الله ﷺ ] «١» فقبّل يده، فقال له: لم لا تبنى هذا المسجد؟ فقال: يا رسول الله، ما بيدى شىء. فقال: قل للمسلمين يبنونه. ثم مشيا إلى أن أتيا إلى قبر ذى النون، فوقفا على شفير القبر، فقال رسول الله، ﷺ : السلام عليك يا ذا النون، فكأنّ القبر انشق وقام منه رجل فقال: وعليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. قال الفخر «٢» : ثم عدنا إلى قبر الشيخ أبى الخير التيناتى رحمة الله عليه، فقال: [له رسول الله ﷺ ] «٣» : يا فخر، ابن هذا المسجد «٤» ، فإنه من توضأ ثم صلّى فيه ركعتين يقرأ فى الأولى بفاتحة «٥» الكتاب وسورة تبارك، وفى الثانية بفاتحة الكتاب وسورة «هل أتى على الإنسان» ويسلم ويخرج من المعبد ووجهه إلى القبر إلى أن يأتى قبر الشيخ أبى الخير التيناتى «٦» ، وسأل الله حاجته إلّا أعطاه الله إيّاها.
قال الفخر ﵀: فانتبهت «٧» ، فذكرت هذا المنام، فسمعه رجل، وكان يملك دارا، فباعها وبنى بها هذا المسجد.
قبر الشيخ أبى الخير التّيناتى الأقطع- رحمة الله عليه:
قبالة «٨» المعبد المذكور- كما تقدم شرحه-[قبر الشيخ أبى الخير
стр. 422
التيناتى] «١» واسمه حمّاد بن عبد الله، وكان ينسج الخوص بإحدى يديه، ولا يعلم كيف ذلك «٢» . وتأتى السّباع إليه على الدوام، وله العجائب فى أحواله، وقطعت يده مع لصوص أخذ معهم، إذ دخل مغارة وجدهم فيها، فأخذ وقطع معهم. وستأتى حكايته بعد ذلك «٣» .
كان رجلا زاهدا عابدا، أصله من المغرب، وسكن «التينات» وهى من أعمال «حلب» ، وكان أسود اللّون، سيدا من السادات «٤» . وله كرامات، كانت السّباع والهوام تأنس به، فسئل عن ذلك فقال: الكلاب يأنس بعضها ببعض. مات سنة نيّف وأربعين وثلاثمائة.
وقال أبو الخير المذكور: رأيت رسول الله ﷺ فى المنام، فقبّل بين عينىّ ثم قال لى: يا أبا الخير، عليك بالصلاة، فإنى استوصيت ربّى فأوصانى بالصلاة وقال: أقرب ما يكون منى العبد وهو يصلى لى «٥» .
وروى عنه أنه قال: دخلت مدينة الرسول ﷺ وأنا ذو فاقة، فأقمت
стр. 423
خمسة أيام لم أذق «١» طعاما، فتقدمت إلى قبر النبي ﷺ وقلت: يا رسول الله، أنا ضيفك الليلة، وتنحّيت ناحية ونمت خلف المنبر، فرأيت النبي ﷺ وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعلىّ بن أبى طالب بين يديه، فحركنى علّى رضى الله عنه «٢» وقال: قم، قد جاء رسول الله ﷺ ، فقمت فقبّلت بين عينيه «٣» ، فدفع إلىّ رغيفا، فأكلت نصفه وانتبهت وفى يدى النصف الآخر.
وقال أبو بكر الدّارانى: أنشدنى الشيخ أبو الخير الأقطع «٤» :
أنحل الحبّ قلبه والحنين ... ومحاه الهوى فما يستبين «٥»
ما تراه القلوب إلّا ظنونا ... وهو أخفى من أن تراه الظنون
وقال لى «٦» : لن يصفو قلبك إلّا بصحيح النّيّة لله تعالى، ولن يصفو بدنك إلّا بخدمة أولياء الله تعالى، وما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلّا بملازمة الموافقة، ومتابعة الأدب، وأداء الفرائض، ومحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين «٧» .
وكان يقول: حرام على قلب مشرب بحب الدنيا أن يسبح فى روح الغيوب.
стр. 424
وروى عن أبى الخير- رحمة الله عليه- أنه دخل عليه جماعة من أهل بغداد»
فأكثروا عنده الكلام، فضاق صدره من كثرة كلامهم وحديثهم فى الدعاوى، فخرج عنهم، فجاء السّبع فدخل البيت عليهم، فانضمّ بعضهم إلى بعض وسكتوا، وتغيرت ألوانهم، فدخل عليهم أبو الخير وقال: يا ساداتى، أين تلك الدعاوى؟ وطرده عنهم.
وقال أبو الحسين: زرت أبا الخير التيناتى، فلمّا ودّعته خرج معى إلى باب المسجد وقال: يا أبا الحسين، أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوما، ولكن خذ «٢» هاتين التّفّاحتين، فأخذتهما ووضعتهما فى جيبى وسرت، فلم يفتح لى بشىء «٣» ثلاثة أيام، فأخرجت واحدة فأكلتها، ثم أردت أن أخرج الثانية فإذا بهما جميعا فى جيبى، وكنت آكل منهما ويعودان كذلك إلى [أن وصلت] «٤» إلى باب الموصل، فقلت فى نفسى: إنهما يفسدان علىّ حالى وتوكّلى على الله تعالى، إذا «٥» صارتا معلوما، فأخرجتهما من جيبى، ونظرت فإذا فقير ملفوف فى عباءة وهو يقول: أشتهى تفاحة! فناولته إيّاها، فلمّا بعدت عنه وقع لى أنّ الشيخ إنما بعث بهما إليه، فطلبت الفقير فلم أجده.
وقال «٦» جمرة بن عبد الله العلوى: دخلت على أبى الخير، وكنت عقدت «٧» فى نفسى أن أسلم عليه وأخرج ولا آكل عنده شيئا، فلما خرجت من عنده إذا به خلفى يحمل طبقا عليه طعام وقال: يا فتى، كل هذا، فقد خرجت الآن من عقدك.
стр. 425
وقال إبراهيم الرقّى: قصدت أبا الخير أزوره، فصلّى المغرب ولم يقرأ الفاتحة صحيحة «١» ، فقلت فى نفسى: ضاعت سفرتى، فلمّا سلّمت خرجت إلى الطّهارة، فقصدنى السّبع، فعدت إليه وقلت: إنّ الأسد قصدنى، فخرج وصاح عليه وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لضيفانى؟ فتنحّى السبع «٢» ، ومضيت، وتطهرت، فلما رجعت قال لى: اشتغلتم بتقويم الظّاهر فخفتم الأسد، واشتغلنا بتقويم الباطن فخافنا الأسد.
وقال بكر بن عبد الله «٣» : لم يكن لى علم بما كان سبب قطع يده، إلى أن هجمت عليه وسألته عن سبب قطع يده، فقال: يد جنت فقطعت.
فظننت أنه كانت له صبوة فى حداثته فى قطع الطريق أو غيره، ثم اجتمعت به «٤» بعد ذلك بسنين مع جماعة من الشيوخ، فتذاكروا مواهب الله تعالى لأوليائه، وأكثروا كرامات «٥» الله لهم، إلى أن ذكروا طىّ المسافات، فتبرّم الشيخ بذلك وقال: لم تقولون فلان يمشى إلى مكة فى ليلة، وفلان فى يوم؟
أنا أعرف عبد الله تعالى حبشيّا كان جالسا فى جامع طرابلس، ورأسه فى جيب مرقّعته «٦» ، فخطر له لو كان فى الحرم «٧» فأخرج رأسه من مرقعته فإذا هو بالحرم «٨» ، ثم أمسك عن الكلام. فتغامز الجماعة وأجمعوا «٩» على أنه ذلك الرجل.
следующие страницы →