← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11789

مرشد الزوار الى قبور الابرار

زين الدين ابن الموفق

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بنائه أنه رأى فى المنام كأنّه واقف على قبر الشيخ أبى الخير التيناتى ﵀، وهو ينظر إلى الصحراء وهى مملوءة رجالا عليهم ثياب بيض، وفيهم النبي، ﷺ ، [وكأنه جاء إلى رسول الله ﷺ ] «١» فقبّل يده، فقال له: لم لا تبنى هذا المسجد؟ فقال: يا رسول الله، ما بيدى شىء. فقال: قل للمسلمين يبنونه. ثم مشيا إلى أن أتيا إلى قبر ذى النون، فوقفا على شفير القبر، فقال رسول الله، ﷺ : السلام عليك يا ذا النون، فكأنّ القبر انشق وقام منه رجل فقال: وعليك السلام يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. قال الفخر «٢» : ثم عدنا إلى قبر الشيخ أبى الخير التيناتى رحمة الله عليه، فقال: [له رسول الله ﷺ ] «٣» : يا فخر، ابن هذا المسجد «٤» ، فإنه من توضأ ثم صلّى فيه ركعتين يقرأ فى الأولى بفاتحة «٥» الكتاب وسورة تبارك، وفى الثانية بفاتحة الكتاب وسورة «هل أتى على الإنسان» ويسلم ويخرج من المعبد ووجهه إلى القبر إلى أن يأتى قبر الشيخ أبى الخير التيناتى «٦» ، وسأل الله حاجته إلّا أعطاه الله إيّاها. قال الفخر ﵀: فانتبهت «٧» ، فذكرت هذا المنام، فسمعه رجل، وكان يملك دارا، فباعها وبنى بها هذا المسجد. قبر الشيخ أبى الخير التّيناتى الأقطع- رحمة الله عليه: قبالة «٨» المعبد المذكور- كما تقدم شرحه-[قبر الشيخ أبى الخير

стр. 422

التيناتى] «١» واسمه حمّاد بن عبد الله، وكان ينسج الخوص بإحدى يديه، ولا يعلم كيف ذلك «٢» . وتأتى السّباع إليه على الدوام، وله العجائب فى أحواله، وقطعت يده مع لصوص أخذ معهم، إذ دخل مغارة وجدهم فيها، فأخذ وقطع معهم. وستأتى حكايته بعد ذلك «٣» . كان رجلا زاهدا عابدا، أصله من المغرب، وسكن «التينات» وهى من أعمال «حلب» ، وكان أسود اللّون، سيدا من السادات «٤» . وله كرامات، كانت السّباع والهوام تأنس به، فسئل عن ذلك فقال: الكلاب يأنس بعضها ببعض. مات سنة نيّف وأربعين وثلاثمائة. وقال أبو الخير المذكور: رأيت رسول الله ﷺ فى المنام، فقبّل بين عينىّ ثم قال لى: يا أبا الخير، عليك بالصلاة، فإنى استوصيت ربّى فأوصانى بالصلاة وقال: أقرب ما يكون منى العبد وهو يصلى لى «٥» . وروى عنه أنه قال: دخلت مدينة الرسول ﷺ وأنا ذو فاقة، فأقمت

стр. 423

خمسة أيام لم أذق «١» طعاما، فتقدمت إلى قبر النبي ﷺ وقلت: يا رسول الله، أنا ضيفك الليلة، وتنحّيت ناحية ونمت خلف المنبر، فرأيت النبي ﷺ وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعلىّ بن أبى طالب بين يديه، فحركنى علّى رضى الله عنه «٢» وقال: قم، قد جاء رسول الله ﷺ ، فقمت فقبّلت بين عينيه «٣» ، فدفع إلىّ رغيفا، فأكلت نصفه وانتبهت وفى يدى النصف الآخر. وقال أبو بكر الدّارانى: أنشدنى الشيخ أبو الخير الأقطع «٤» : أنحل الحبّ قلبه والحنين ... ومحاه الهوى فما يستبين «٥» ما تراه القلوب إلّا ظنونا ... وهو أخفى من أن تراه الظنون وقال لى «٦» : لن يصفو قلبك إلّا بصحيح النّيّة لله تعالى، ولن يصفو بدنك إلّا بخدمة أولياء الله تعالى، وما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلّا بملازمة الموافقة، ومتابعة الأدب، وأداء الفرائض، ومحبة الصالحين، وخدمة الفقراء الصادقين «٧» . وكان يقول: حرام على قلب مشرب بحب الدنيا أن يسبح فى روح الغيوب.

стр. 424

وروى عن أبى الخير- رحمة الله عليه- أنه دخل عليه جماعة من أهل بغداد» فأكثروا عنده الكلام، فضاق صدره من كثرة كلامهم وحديثهم فى الدعاوى، فخرج عنهم، فجاء السّبع فدخل البيت عليهم، فانضمّ بعضهم إلى بعض وسكتوا، وتغيرت ألوانهم، فدخل عليهم أبو الخير وقال: يا ساداتى، أين تلك الدعاوى؟ وطرده عنهم. وقال أبو الحسين: زرت أبا الخير التيناتى، فلمّا ودّعته خرج معى إلى باب المسجد وقال: يا أبا الحسين، أنا أعلم أنك لا تحمل معك معلوما، ولكن خذ «٢» هاتين التّفّاحتين، فأخذتهما ووضعتهما فى جيبى وسرت، فلم يفتح لى بشىء «٣» ثلاثة أيام، فأخرجت واحدة فأكلتها، ثم أردت أن أخرج الثانية فإذا بهما جميعا فى جيبى، وكنت آكل منهما ويعودان كذلك إلى [أن وصلت] «٤» إلى باب الموصل، فقلت فى نفسى: إنهما يفسدان علىّ حالى وتوكّلى على الله تعالى، إذا «٥» صارتا معلوما، فأخرجتهما من جيبى، ونظرت فإذا فقير ملفوف فى عباءة وهو يقول: أشتهى تفاحة! فناولته إيّاها، فلمّا بعدت عنه وقع لى أنّ الشيخ إنما بعث بهما إليه، فطلبت الفقير فلم أجده. وقال «٦» جمرة بن عبد الله العلوى: دخلت على أبى الخير، وكنت عقدت «٧» فى نفسى أن أسلم عليه وأخرج ولا آكل عنده شيئا، فلما خرجت من عنده إذا به خلفى يحمل طبقا عليه طعام وقال: يا فتى، كل هذا، فقد خرجت الآن من عقدك.

стр. 425

وقال إبراهيم الرقّى: قصدت أبا الخير أزوره، فصلّى المغرب ولم يقرأ الفاتحة صحيحة «١» ، فقلت فى نفسى: ضاعت سفرتى، فلمّا سلّمت خرجت إلى الطّهارة، فقصدنى السّبع، فعدت إليه وقلت: إنّ الأسد قصدنى، فخرج وصاح عليه وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لضيفانى؟ فتنحّى السبع «٢» ، ومضيت، وتطهرت، فلما رجعت قال لى: اشتغلتم بتقويم الظّاهر فخفتم الأسد، واشتغلنا بتقويم الباطن فخافنا الأسد. وقال بكر بن عبد الله «٣» : لم يكن لى علم بما كان سبب قطع يده، إلى أن هجمت عليه وسألته عن سبب قطع يده، فقال: يد جنت فقطعت. فظننت أنه كانت له صبوة فى حداثته فى قطع الطريق أو غيره، ثم اجتمعت به «٤» بعد ذلك بسنين مع جماعة من الشيوخ، فتذاكروا مواهب الله تعالى لأوليائه، وأكثروا كرامات «٥» الله لهم، إلى أن ذكروا طىّ المسافات، فتبرّم الشيخ بذلك وقال: لم تقولون فلان يمشى إلى مكة فى ليلة، وفلان فى يوم؟ أنا أعرف عبد الله تعالى حبشيّا كان جالسا فى جامع طرابلس، ورأسه فى جيب مرقّعته «٦» ، فخطر له لو كان فى الحرم «٧» فأخرج رأسه من مرقعته فإذا هو بالحرم «٨» ، ثم أمسك عن الكلام. فتغامز الجماعة وأجمعوا «٩» على أنه ذلك الرجل.

стр. 426

وقام واحد من الجماعة فقال: يا سيدى، ما كان سبب قطع يدك؟ فقال: يد جنت فقطعت. فقالوا: سمعنا هذا منك مرارا «١» كثيرة، أخبرنا كيف كان السبب. فقال: أنتم تعلمون أنّى رجل من أهل المغرب «٢» ، فوقعت فى قلبى مطالبة السّفر «٣» ، فسرت حتى بلغت الإسكندرية، فأقمت بها اثنتى عشرة سنة «٤» ، وكان فى الناس خير. ثم سرت منها إلى أن صرت بين شطا «٥» ودمياط، لازرع ولا ضرع، فأقمت اثنتى عشرة سنة «٦» ، وكان فى الناس خير، وكان يخرج من مصر خلق كثير يرابطون بدمياط، وكنت قد بنيت كوخا على شاطىء البحر، وكنت أجىء من الليل إلى تحت السور، وإذا أفطر المرابطون ورموا باقى سفرهم «٧» أزاحم الكلاب على اللباب «٨» فآخذ كفايتى، وكان هذا قوتى «٩» فى الصيف. قالوا: فما كان قوتك فى الشتاء «١٠» ؟ قال: كنت بنيت حولى كوخا «١١» من البردى آكل أسفله وأعمل فى الكوخ أعلاه، فكان هذا قوتى «١٢» إلى أن نوديت فى سرّى: يا أبا الخير، تزعم أنك لا تشارك الخلق

стр. 427

فى أقواتهم وتشير إلى التوكل وأنت فى وسط المعلوم جالس! فقلت: إلهى وسيّدى ومولاى، وعزّتك لا مددت يدى إلى شىء تنبته الأرض حتى تكون أنت الموصل إليّ رزقى من حيث لا أكون أنا أتولاه. فأقمت اثنى عشر يوما أصلى الفرض والسّنّة، ثم عجزت، فأقمت اثنى عشر يوما أصلى جالسا، ثم عجزت عن الجلوس، فرأيت أنّى إن طرحت نفسى ذهب فرضى، فقلت فى سرّى «١» : إلهى وسيدى، فرضت علىّ فرضا تسألنى عنه «٢» ، وضمنت لى رزقا تقيمنى به «٣» . فتفضّل علىّ برزقى ولا تؤاخذنى بما عقدته معك. وإذا «٤» بين يدىّ قرصان» وبينهما شىء- ولم يذكر لنا ما كان «٦» ذلك الشيء، ولم يسأله أحد من الجماعة عنه- قال: فكنت آخذه وقت حاجتى إليه من الليل إلى الليل «٧» ، ثم طولبت بالسّفر إلى الثغر، حتى دخلت قرية، فوجدت فى صحن الجامع قاصّا يقص على الناس وحوله جماعة «٨» ، فوقفت بينهم أسمع [ما يقول] «٩» ، فذكر قصة زكريا ﵇ والمنشار، وما كان من خطاب الله تعالى له حين هرب منهم، وأنّ الشجرة دعته وقالت: إلىّ يا زكريا «١٠» ، فانفرجت ودخلها «١١» وانطبقت عليه، ولحقه العدوّ، فناداهم إبليس: إلىّ، فهذا زكريا «١٢»

стр. 428

ثم أخرج لهم حيلة المنشار، فنشرت الشجرة حتى بلغ المنشار إلى رأس زكريا، فأنّ أنّة، فأوحى الله تعالى إليه: يا زكريا، إن أنّيت ثانية لأمحونّك من ديوان النّبوّة. فصبر «١» زكريا حتى نشر نصفين. قال أبو الخير: فقلت [فى نفسى] «٢» : إلهى وسيدى، إن ابتليتنى لأصبرنّ. وسرت حتى دخلت «٣» أنطاكية، فرآنى بعض إخوانى «٤» ، وعلم أنى أريد الغزو، وكنت يومئذ أستحى «٥» من الله تعالى أن آوى إلى وراء سور، فدفع لى سيفا وترسا وحربة «٦» ، فدخلت الثغر خيفة من العدو «٧» ، فجعلت مقامى فى غابة أكون فيها بالنهار، فإذا جاء الليل خرجت إلى الساحل فأغرز الحربة وأسند الترس إليها محرابا «٨» ، وأتقلد بسيفى وأصلى إلى الغداة «٩» ، فإذا صليت الصبح عدت إلى الغابة فكنت فيها نهارى. ثم خرجت يوما فنظرت إلى شجرة كرم قد أينعت وفيها عنقود قد وقع عليه النّدى «١٠» وهو يبرق، فاستحسنته، ونسيت عهدى مع الله تعالى وقسمى ألّا أمدّ يدى إلى شىء مما تنبته الأرض، فمددت يدى إلى الشجرة فقطعت منها عنقودا، وجعلت بعضه فى.

стр. 429

فمى «١» ، فتذكرت العهد، فرميت ما كان فى يدى، ولفظت ما كان فى فمى، ولكن بعد أن جاءت المحنة «٢» ، فرميت الحربة والترس وجلست فى موضعى، ووضعت يدى على رأسى، فلما استقر بى الجلوس جاز بى رجال كثير وفرسان «٣» وقالوا لى: قم، وساقونى وخرجوا بى إلى السّاحل، فإذا أمير وحوله عسكر وجماعة، وبين يديه جماعة من السودان كانوا يقطعون الطريق فى ذلك المكان قبل ذلك اليوم، وقد أمسكهم، وتفرقت الخيل فى الغابة يطلبون من ذهب منهم، فوجدونى أسود ومعى سيف وترس وحربة «٤» ، وكان الأمير تركيّا، فقال لى: من أنت؟ قلت: عبد من عبيد الله تعالى. فقال للسودان: أتعرفون هذا؟ قالوا: لا. قال: بل هو كبيركم وأنتم تفدونه بأنفسكم. فقدّموهم فقطّعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، ولم يبق غيرى، فقدّمونى ثم قالوا «٥» : مدّ يدك، فمددتها، فقطعت، ثم قيل لى: مدّ رجلك، فرفعت طرفى فى السماء وقلت: إلهى وسيدى، يدى جنت، فما بال رجلى؟! وإذا بفارس وقف على الحلقة ونظر إلىّ «٦» ، ورمى بنفسه علىّ وصاح، وقال للأمير: هذا الشيخ أبو الخير المناجى الرجل الصالح! فصاح الأمير: لا حول ولا قوة إلّا بالله العلى العظيم. وجعل الأمير يقبل يدى ويعتذر إلىّ ويقول «٧» : بالله عليك يا سيدى اجعلنى فى حلّ. فقلت له: أنت فى حلّ قبل أن تقطع يدى «٨» . ***

стр. 430

وبجانب قبره إلى القبلة قبر العفيف العطّار، ويعرف بعبد الخالق، كان رجلا جيدا، حسن الصحبة، من فعلاء الخير، يحب الخير وأهله «١» . قبر الشيخ أبى موسى يونس بن عبد الله الصدفى، صاحب الإمام الشافعى رضى الله عنهما «٢» : وتستقبل الغرب تجد قبرا بقى عليه لوح كدان عند رأسه، ولوح عند رجليه، وهو قبر مسنم لطيف، وفى آخر قباب الصدفيين والليث، هو على يسار المارّ إليه، وهو قبر يونس بن عبد الأعلى بن ميسرة بن حفص بن جابر الصدفى، وكيل الليث بن سعد، وآخر أصحاب الشافعى، يكنى أبا موسى «٣» . كان من كبار العلماء، روى عن جماعة وروى عنه جماعة «٤» . ومن حكاياته التى رواها عن غيره «٥» أنّ إنسانا جاء إلى إنسان فقال له: أقرضنى «٦» ألف دينار إلى أجل. فقال له: من يضمنك «٧» ؟ قال: الله

стр. 431

تعالى. فأقرضه ما طلب «١» . فسافر الرجل ليتجر فيها «٢» ، فباع واشترى وحصّل مالا عظيما «٣» فلما جاء الأجل «٤» أراد الخروج والسفر لوفاء دينه، فلم يجد مركبا، وحبسته «٥» الريح، والبلد الذي هو فيه بعيد عن صاحب الدّين، فأخذ الرجل خشبة ونقرها ووضع فيها الألف دينار «٦» ورماها فى البحر وقال: يا رب قد وفيت بضمانك فأوصلها إليه. ثم إنّ الرّجل صاحب المال خرج يوما إلى البحر وجلس يتوضأ على حافته، فطلعت له الخشبة بين يديه، فأخذها ومضى إلى داره، فكسرها فرأى فيها ألف دينار وورقة مكتوبا فيها: «قد وفيت ضمان الله تعالى» «٧» . ثم إنّ الرّجل جمع ألف دينار بعد ذلك «٨» . [وقال: إن لم تكن وصلت تلك، دفعت له هذه. ثم وجد مركبا] «٩» وطابت له الريح، فركب وجاء إلى بلده، ثم جاء للمقترض منه وسلّم عليه «١٠» ، فقال له: من أنت؟ قال: أنا صاحب الألف دينار، وهذه ألّفك. فقال له الرجل «١١» : لا أقبلها منك حتى تخبرنى ما صنعت فيها. وأخبره بالذى صنع، وأنه لم تطب له الريح. فقال له الرجل: لقد أدّى الله عنك الألف ووصلت.

стр. 432

وقال الشافعى عند باب الجامع العمرى «١» : ما دخل من هذا الباب «٢» أعقل من يونس بن عبد الأعلى. وكان كثير التّنسّك، فقيرا، وكان مقبولا عند القضاة والحكّام. وروى عن الشافعى أنه قال له: يا أبا موسى، إنه ليس إلى الإسلام من الناس سبيل، فخذ بما ينفعك ودع ما سوى ذلك. قال: وقال لى الشافعى: يا أبا موسى، دخلت بغداد؟ قلت: لا. قال: [لم] تر الدنيا «٣» . وقال يونس «٤» : رأيت فى المنام قائلا يقول لى إنّ اسم الله الأعظم- أو قال: الأكبر- «لا إله إلّا الله» قال يونس: وكنت أجد مرضا، فقلتها عليه ومسحت بيدى فأصبحت معافى. شكى رجل إلى يحيى بن بكر الفقر، وسأله الدعاء، فقال: هلّا ذهبت إلى يونس الصّدفى فسألته الدعاء، فو الله إنّى لأجد لدعائه بركة «٥» . وعن إبراهيم بن عثمان الفرّاء قال: كنت أختلف إلى يونس «٦» بمصر أسمع منه [الحديث فلما عزمت على السفر والرجوع إلى المغرب جئت لوداعه، فسألنى عن اسمى واسم أبى وكنيتى ولقبى وشهرتى وبلدى] «٧» فأخبرته، فأخرج قرطاسا «٨» وكتب ذلك. فقلت له: ما هذا- أصلحك الله؟ فقال لى: فى

стр. 433

باطن هذا القرطاس أسماء العلماء الذين أخذوا عنى العلم «١» ، وقد جعلت على نفسى ألّا أنام فى كل ليلة حتى أستغفر لجميعهم. وتوفى يونس بن عبد الأعلى فى [شهر صفر الخير] «٢» سنة أربع وستين ومائتين، وصلّى عليه أحمد بن طولون. قبر الفقيه الليث بن سعد «٣» : ثم تمضى وأنت مبحّر [إلى آخر وسط قباب الصّدفيين] «٤» تجد قبرا مضطبة، هو قبر العالم العلّامة الفقيه المجتهد الليث بن سعد بن عبد الرحمن الإمام أبو الحارث الفهمى المصرى، أحد الأعلام، شيخ أقاليم مصر، الأصفهانى، مولى عبد الرحمن بن خالد، وقيل: خالد بن ثابت بن ظاعن بن عبد الرحمن. قال «٥» يحيى بن بكير: كان الليث يقول: دخلت على نافع مولى ابن عمر، فقال لى: من أين أنت؟ قلت: من مصر، مولى لبنى فهم. وقد انتهت إليه الرياسة فى زمنه فى مصر، روى عن جماعة من العلماء، منهم يزيد ابن أبى حبيب، ومحمد بن أسلم الزهرى، وأبى الزبير المكى، وسعيد بن أبى

стр. 434

هلال، وعبد الله بن أبى مليكة، وروى عن جماعة يطول شرحهم، منهم محمد ابن عجلان، وهشام بن سعد، وقيس بن الربيع، وعبد الله بن الربيع، وعبد الله ابن المبارك، وعبد الله بن وهب، وجماعة يطول ذكرهم. وقيل: إن الليث بن سعد أدرك نيّفا وخمسين من التابعين، قال ذلك أبو الحسن الواسطى «١» . قال يحيى بن بكير: سمعت أبى يقول: ما رأيت أحدا أكمل من الليث بن سعد، كان فقيه «٢» النفس، عربّى اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ «٣» الشعر والحديث، حسن الذّكر «٤» . وما زال يذكر خصائله الحميدة حتى عدّ عشرا «٥» . وقال عبد الله بن وهب-[ويقال: إنّ ذلك من كلام يحيى بن بكير] «٦» : لولا مالك والليث بن سعد لضلّ الناس. وقال الحسن بن سعيد: قدمنا «٧» مع الليث من الإسكندرية ومعه ثلاث سفن: سفينة فيها مطبخه، وسفينة فيها عياله، وسفينة فيها أضيافه «٨» . وقال الشافعى رضى الله عنه. ما فاتنى أحد كان أشدّ علىّ من ابن أبى ذئب، والليث بن سعد. وقال الشافعى مرّة: الليث أفقه من مالك إلّا أنّ أصحابه لم يقوموا به. وقال مرّة: الليث أتبع للأثر من مالك «٩» .

стр. 435

وقال منصور بن عمّار: قدمت مصر، ووعظت فى الجامع العتيق يوما واحدا، وحضر الليث رضى الله عنه فى ذلك اليوم، فلما فرغت قال لى: من أين أنت؟ قلت: من بغداد. قال: وما تريد؟ قلت: ألف دينار. فقال: هى لك علّى. ثم أنزلنى فى داره، فلما عزمت على السفر دفع لى الألف دينار وقال لى: صن هذه الحكمة التى آتاك الله. ثم دفع لى بنو الليث ألف دينار أخرى «١» . وقال أبو الفتح: دخلنا «٢» على مالك بن أنس فقال: من فقيهكم؟ فقلنا «٣» : الليث بن سعد. فقال: جزاه الله خيرا، كتبنا له فى قليل عصفر «٤» نصبغ به ثياب الصغار، فأرسل إلينا ما صبغنا منه نحن وجيراننا وأصحابنا «٥» ، وبعنا الباقى بألف دينار. وقال أبو محمد بن أبى القاسم: قيل للّيث بن سعد «٦» : أمتع الله بك يا إمام، إنّا نسمع منك ما ليس «٧» فى كتبك! فقال: أو كلّ ما فى صدرى فى كتبى؟ لو كان كذلك ما وسعه هذا المركب! وقال «٨» أبو عبد الله محمد بن أحمد: قال أبو جعفر المنصور للّيث:

стр. 436

هل لك أن تلى مصر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّى أضعف عن ذلك، وأنا رجل من الموالى. فقال أبو جعفر: ما بك من ضعف، فإذا أبيت فدلّنى على رجل أقلّده أمر مصر. فقال: عثمان بن الحكم الخزامى، رجل فيه صلاح وله غيرة. قال: فولّاه ذلك. وقال ابن خلّكان: رأيت فى بعض التعاليق أنّ الليث كان حنفّى المذهب، وأنه ولى القضاء بمصر. وكان الليث فى ابتداء أمره فقيرا لم يكن بتلك السّعة العظيمة، بل كان له مال قليل لم يكن بالواسع، حتى حلف هارون الرشيد بالطلاق من زوجته زبيدة بنت القاسم أنه من أهل الجنة، ثم ندم واعتزل عنها، وجمع كلّ فقيه فى بلده، فأفتاه جميعهم بالوقوع «١» ، فأنفذ خلف الفقهاء المصريين، فدخل عليه فى جملتهم الليث بن سعد، فجلس فى آخر الناس، وضرب الرشيد ستر «الزبيدة» وقص عليهم قصتها، فأفتى الجميع بالحنث إلّا الليث، فإنه أطرق، فقال الرشيد لأستاذ: امض وادع لى ذلك الرجل، فجاء به إليه فقال: أنت فقيه؟ قال: نعم. قال: ما تقول فيما قال أصحابك؟ قال: إن أردت الجواب فأمر بإخراج الجميع. فأخرجوا، وبقى الرشيد والليث وزبيدة، فدعا الليث بالمصحف الكريم فقال: سألتك بالله العظيم، هل قدرت على معصية وتركتها قط؟ قال: نعم، هويت امرأة، وبذلت لها مالا عظيما حتى أذنت لى بالوصال، ثم جاءت إلى عندى- وكانت ليلة جمعة- فلما دخلت إليها تذكرت عظمة الله تعالى، وأنه جبّار منتقم، وقلت: هذه ليلة جمعة، فخرجت على فورى. فقال الليث: قال الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى «٢» . ثم قال: أقسمت عليك بالله العظيم لمّا خفت، هل كنت خائفا فى ذلك الوقت من الله تعالى، أو كنت بخلاف ذلك؟ فقال: والله ما كنت إلّا خائفا.

стр. 437

فقال: افتح الختمة، ففتحها، فوجد الليث سورة الرحمن، فاستدلّ على صدق الرشيد، فقال: اقرأ، فقرأ إلى أن وصل إلى قوله تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ «١» . فقال: هل لك كلام بعد الشاهد الأول والثانى؟ قد أثبت الله لك جنّتين! ففرح الرشيد ودخل على زبيدة، وفرح أهل الدار فرحا شديدا، ثم خرج الرشيد إليه فقال: تمنّ علىّ. فقال: إنّ فى مصر عمالة «٢» بكذا وكذا من الدّنانير فى كل يوم، أن تستعملنى بأجرة العمال. فقال الرشيد: هى لك بجميع غلّتها. ثم قال: هل تريد شيئا آخر؟ قال: نعم. قال: ما تريد؟ قال: أريد أن تدفع لى هذين الأستاذين- وهما على رأس الرشيد- فقال: خذهما. هل بقى لك حاجة؟ قال: نعم، تكتب لى كتابا ألّا يكون لأحد من عمّال مصر، ولا من رؤسائها فى الديار المصرية معى كلمة. فكتب له بذلك. ثم تجهّز ورجع إلى مصر- رحمة الله عليه. وكان من كرمه ما هو مشهور، وكان يقول: سقم الأبدان بالأوجاع، وسقم القلوب بالذنوب، فكما لا يجد «٣» الجسد لذّة الطعام عند السّقم «٤» ، كذلك لا يجد القلب لذّة العبادة مع الذنوب. حكى ذلك عنه يحيى بن معاذ الرازى. وقال ابن النحوى: صودر رجل فى زمنه بمصر، ونودى على داره، فبلغت أربعة آلاف درهم، فاشتراها الليث، وبعث يونس بن عبد الأعلى لأخذ المفاتيح، قال يونس: فذهبت لآخذ المفاتيح فوجدت فى الدار أطفالا وعائلة

стр. 438

وأيتاما يبكون، فقالوا لى: بالله عليك أنظرنا «١» إلى اللّيل حتى ننظر خربة «٢» نذهب إليها. قال: فتركتهم وجئت إلى الليث فأخبرته بالخبر، فبكى وقال: عد إليهم وقل لهم: الدّار لكم، ولكم ما يقوم بحالكم من أدم «٣» وكسوة فى كل يوم. وقيل: وقف الشافعى على قبره فقال: لله درّك من إمام! حزت أربع خصال لم يحزهنّ عالم: العلم، والعمل، والزّهد، والكرم. وقال عبد الله بن صالح- كاتبه: صحبت الليث عشرين سنة لا يتغدّى «٤» ولا يتعشّى إلّا مع الناس، وكان لا يأكل إلّا لحما، ويقول: إنه يزيد فى العقل، إلى أن مات. وخرج الليث راكبا، فقوّمت ثيابه ودابّته وخاتمه وما عليه بثمانية عشر ألف درهم إلى عشرين ألفا. وكان يتصدّق كلّ يوم على ثلاثمائة مسكين. وقال ابن صالح أيضا: كان الليث إذا غشى أهله [قال] «٥» : اللهمّ اشدد لى أصله، وارفع لى صدره، وسهّل لى مخرجه ومدخله، وارزقنى لذّته، وهب لى ذرّيّة صالحة تقاتل فى سبيلك. وقال أبو سعيد: كان الليث يصلى عندنا فى المسجد، فلا يسأله أحد من أهل المسجد شيئا إلّا أعطاه إيّاه. وقال ابن زولاق: أصيب اللّيث بأذى كثير بمصر، فصبر عليه «٦» .

стр. 439

وعن أبى الحسن قال «١» : مررت باللّيث بن سعد فتنحنح لى، فرجعت إليه، فدفع لى قرطاسا وقال: اكتب لى فيه أسماء «٢» من يلزم المسجد، ومن لا بضاعة له ولا غلة. فقلت له: جزاك الله خيرا يا أبا الحارث، وأخذت الورق «٣» وسرت إلى المسجد، فلما صليت قدّمت السّراج وكتبت: بسم الله الرّحمن الرحيم، فلان بن فلان، ثم إنّ نفسى لم تدعنى أكتب شيئا، وعسرت علىّ الكتابة، وضاق صدرى، فبينما أنا كذلك إذ غلبتنى عيناى «٤» فنمت، فآتانى آت فى منامى فقال لى: ها الله يا سعيد، تأتى إلى قوم عاملوا الله تعالى سرّا فتكشفهم لادمّى، مات الليث بن سعد، ومات شعيب بن الليث، أليس مرجعهم إلى الله تعالى الذي عاملوه؟ قال: فاستيقظت ولم أكتب شيئا، فلما أصبحت أتيت إلى الليث بن سعد، فلما رآنى تهلل وجهه وفرح بقدومى، فناولته [القرطاس] «٥» فنشره، فإذا فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم، فلان ابن فلان، فسألنى: لم لا تكتب؟ فأخبرته بالمنام «٦» ، فصاح صيحة عظيمة، فاجتمع علينا الناس وقالوا: ما الخبر يا أبا الحارث؟ فقال: ما تمّ إلّا الخير. ثم قال: يا سعيد، صدق القائل، مات الليث بن سعد، ومات شعيب ابن الليث، أليس مرجعهم إلى الله ؟! قال «٧» علىّ بن محمد: وكان سعيد هذا من الأبدال.

стр. 440

وعن أبى الحسن علىّ بن أحمد بن محمد البغدادى قال: سمعت شعيب ابن الليث يقول: قدمت المدينة مع أبى لزيارة الرسول ﷺ بعد انقضاء الحج، فأهدى مالك بن أنس لأبى طبقا من تمر، فأهدى إليه أبى ألف دينار، وكانت حجته سنة ١٣٣ هـ، وسمع فى تلك السنة من نافع مولى ابن عمر «١» ، وقال: كان عبد الله بن على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمى يطلب بنى أمية- لمّا آل إليه الأمر- للقتل، قال: فدخلت مصر فى حالة رثّة من جهة الملبس والحال، ومعى هميان «٢» فيه مال على وسطى، فدخلت إلى مجلس الليث وهو يحدّث، فسمعت كلامه إلى أن قام من مجلسه، فلما قام خرجت أنا، فلمحنى الليث وتبعنى خادم وقال: اجلس حتى أخرج إليك، فجلست، فلما خرج ناولنى صرّة فيها مائة دينار وقال: يقول لك مولاى: أصلح بهذه حالك ولمّ شعثك. قال: فأخرجت الهميان من حزّتى «٣» وقلت: أنا فى غنى عنها، ولكن أريد أن تستأذن لى على الشيخ. قال: فاستأذن، فأذن لى، فدخلت عليه، فأخبرته أنّى لست محتاجا إلى مال، واعتذرت إليه فى ردّها، وأخبرته بما معى من المال، فقال: هذه صلة وليست بصدقة. فقلت «٤» : أكره أن أعوّد نفسى عادة وأنا فى غنى عنها. فقال: ادفعها إلى بعض أصحاب الحديث ممّن تراه مستحقّا لها، فلم يزل بى حتى أخذتها وفرّقتها على جماعة. فانظر إلى كرمه- ﵀ فى حال الضّيق والسّعة.

стр. 441

وكان الليث يسكن بالحمراء، وكان له مسجد هناك بجانب داره، وقد خرب المسجد، وخربت داره، وتغيّر المكان جميعه «١» . وروى الفتح بن محمود قال: [حدثنى أبى، قال] «٢» : بنى الليث ابن سعد دارا [بقرقشندة بالريف] ، فهدمها ابن رفاعة [أمير مصر، وهو ابن عمه] «٣» فى الليل عنادا له، ثم بناها ثانيا، فهدمها أيضا، فلما كان فى الثالثة أتاه آت فى منامه فقال: قم يا ليث فاسمع: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ «٤» فلمّا أصبح إذا بابن رفاعة قد لحقه الفالج «٥» ومات بعد ذلك «٦» . وقال محمد بن وهب: سمعت الليث يقول: إنى لأعرف «٧» رجلا لم يأت لله محرّما قط. قال: فعلمنا أنه أراد نفسه، لأنّ أحدا لا يعلم هذا من أحد. وروى محمد قال «٨» : جالست اللّيث بن سعد، وشهدت جنازته مع أبى، فما رأيت جنازة قط أعظم منها ولا أكثر خلقا، ورأيت الناس وعليهم الكآبة والحزن وهم يعزّون «٩» بعضهم بعضا ويبكون، فقلت لأبى: يا أبى،

стр. 442

كأنّ كلّ واحد من الناس صاحب الجنازة «١» . فقال: يا بنىّ، كان عالما كريما، عزيز العقل «٢» ، حسن الفعل، كثير الأفضال، لا يرى مثله أبدا. ولمّا دفن سمع الناس قائلا يقول: قد مضى الليث فلا ليث لكم ... ومضى العلم جميعا وقبر «٣» ولد الليث بن سعد رضى الله عنه فى سنة ٩٤ هـ، ومات فى ليلة الجمعة منتصف شهر رمضان المكرم فى سنة ١٧٥ هـ. ويحكى أنّ امرأة جاءت بإناء صغير تطلب فيه من عسل النحل «٤» ، فأمر أن يدفع لها زقّا مملوءا «٥» ، فقيل له فى ذلك، فقال: طلبت على قدرها ودفعنا لها على قدرنا. وقيل: إنّ غلّة ضياعه وأملاكه بمصر كانت فى كل سنة ثمانين ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة قط «٦» . انظر «٧» إلى ما قال بعضهم فى معنى ذلك شعرا: ولو نلت الّذى يبغيه قلبى ... لوسّعت المعاش على العباد وما وجبت علىّ زكاة يوم ... فهل تجب الزّكاة على جواد؟

стр. 443

وعن عبد الله بن محمد قال: سمعت منصور بن عمّار يقول: لمّا مرض «١» ابن لهيعة مرضه الذي مات فيه دخل عليه الليث بن سعد فقال: ما تشتكى؟ قال: الدّين. قال: كم عليك؟ قال: ألف دينار. قال: فدعاه الليث وأعطاه إيّاها. ولى ابن لهيعة القضاء ثلاثين سنة ما غرس ريحانة يشمها، ولا بنى بناء. وعن [أحد] «٢» أتباع الليث قال: جاء سائل إلى الليث فأمر له بدينار، فأبطأ الغلام، فجاء سائل آخر فجعل يلح فى السؤال، فقال له الأول: اسكت. فسمعه الليث فقال: ما لك وله؟ دعه يرزقه الله . ثم أمر له بدينارين «٣» . *** ثم تأتى من مشهده إلى مشهد السيدة أم كلثوم ابنة القاسم بن محمد «٤» ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علّى زين العابدين «٥» بن الحسين بن علّى ابن أبى طالب، رضوان الله عليهم أجمعين. وإلى جانبها مشهد والدها القاسم بن محمد [بن جعفر الصادق بن محمد الباقر، صلوات الله على النبي محمد وعليهم أجمعين] «٦» ومشهد السيد يحيى

стр. 444

ابن زيد بن الحسين وقيل: بل هو يحيى بن الحسن بن زيد بن الحسين بن علىّ أبى طالب، المعروف بالمتوّج، ويعرف بأخى نفيسة «١» رضوان الله عليهم أجمعين. وبجواره مشهد السيد يحيى الشبيه بن القاسم الطيب الشيخ ابن محمد المأمون المذكور آنفا، وهو مشهد كبير بناه أبو الخير وأقاربه «٢» . وتمشى على يمينك «٣» - وقيل: على يسارك، وهو الصحيح- تجد تربة يقال: إن فيها أسماء بنت أبى بكر، كذا مكتوب على قبرها، ويحتمل أن تكون من ذرّيّة أسماء «٤» ، فإن أسماء لم تمت بمصر باتفاق. قال القضاعى فى كتاب الخطط: إنها أسماء بنت أبى بكر بن عبد العزيز بن مروان، بنت أخى سيدنا عمر بن عبد العزيز، الإمام العادل، وهى التى وضعت المصحف بالجامع العتيق بمصر، وهو باق على ما هو عليه «٥» . قبر الشيخ أبى الخير سلامة بن إسماعيل المقدسى «٦» : وتخرج «٧» من التربة وأنت مستقبل [القبلة] تجد حومة بها قبر

стр. 445

أبى الخير سلامة بن إسماعيل بن جمّاعة المقدسى الشافعى الضّرير، كان فقيها عالما، وله مصنفات فى الفقه، وسمع الحديث، وروى عن عبد العزيز بن محمد النصيبى الأنصارى، وأبى الفتح سلطان بن إبراهيم المقدسى. ومن مرويّاته: عن معاوية- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ وهو يخطب: «اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين» الحديث. وقال ابن الزبير: قال معاوية لأبى عامر: «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤساء جهّالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا» الحديث. وتوفى أبو الخير سنة ٣٢٨ هـ، وقبره بالقرب من قبر أبى العياش بن هاشم المقرئ «١» . *** [ثم] مشهد السيدين: الحسن والمحسن ابنى القاسم بن محمد المأمون المذكور آنفا «٢» . مشهد السيدة آمنة ابنة موسى الكاظم «٣» : ومشهدها على اليسار. قال شقيق البلخى: حججت سنة من السنين، فبينما أنا عند الكثيب الأحمر وإذا بشاب أصفر اللّون رقيق البشرة ومعه إناء يجعل فيه رملا ثم يصبّ فوق

стр. 446

الماء ويشرب منه، فعجبت من ذلك ودنوت منه وقلت: اسقنى من هذا- رحمك الله- فناولنى، فشربت، فإذا هو سويق «١» وسكّر، وسرت معه إلى أن دخلنا مكة، فسألت عنه وقلت: من يكون هذا الشاب؟ فقيل لى: هذا موسى الكاظم بن جعفر الصادق. ومات ببغداد. وهذه آمنة ابنته تعرف بأمّ المؤمنين. وحكى عنها خادمها أنه كان يسمع فى كل ليلة قراءة القرآن من قبرها. وجاءه رجل بعشرين رطلا من الزيت الطيب، وعاهده أن يقد ذلك عليها، فجعله فى القناديل جميعا، ثم أشعل النار فلم تشتعل فى شىء من القناديل، ولم يقدر على إيقاد مصباح، فتعجّب من ذلك، وأوقد قنديلا لها من غير ذلك الزيت، ونام تلك الليلة فرآها فى المنام فقالت له: ردّ على الرجل ما جاء به من الزيت، فإنّا لا نقبل إلّا طيبا. قال: فلما أصبحت أخذت الزيت، فقال لى: إنه مكّاس «٢» . *** وتخرج من التربة تجد قبر القمّاح، كان رجلا صالحا كثير الخير «٣» . * ثم [مشهد السيد على بن عبد الله بن القاسم بن محمد بن جعفر الصادق] «٤» . * ثم مشهد السيد محمد بن هاشم بن محمد الباقر بن على زين العابدين ابن الحسين ﵈.

стр. 447

* ثم مشهد السيدة زينب ابنة يحيى المتوّج «١» المعروف بأخى نفيسة. مشهد آسية بنت مزاحم «٢» : ثم تمضى إلى مشهد آسية ابنة مزاحم بن أبى الرضا بن سهيون بن خاقان «٣» وكيل أحمد بن طولون رحمها الله تعالى، وكانت من المتعبدات. وفى هذا المشهد «محراب» ابن الجوهرى أبو الفضل الواعظ، وعظ فيه مدّة، وفيه حائط على اليسار يعرف بالمصلّى القديم، بناه بن أبى السّرح الصحابىّ سنة ٣٥ من الهجرة فى ولايته مصر من جهة أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، وصلّى فيه عمرو بن العاص، وجدّد بناءه أحمد بن طولون «٤» . قبر مالك بن سعيد الفارقى «٥» : تخرج منه على يمينك وأنت مشرّق إلى باب السّور الجديد على يسارك قبل

стр. 448

أن تخرج من الباب «١» تجد قبرا تحت السور، هو قبر مالك بن سعيد بن مالك الفارقى، يكنى أبا الحسن، ولى القضاء من قبل الحاكم [أبى على المنصور فى النصف من رجب سنة ٣٩٨ هـ قضاء جامعا، فلما كان فى اليوم الخامس من ذى القعدة سنة أربع وأربعمائة «٢» انتزعت منه المظالم وأعيدت إلى ولّى عهد المسلمين. وفى يوم السبت لأربع بقين من شهر ربيع الآخر «٣» سنة خمس وأربعمائة «٤» ضرب عنقه بأمر الحاكم] «٥» . وبقيت مصر بغير قاض ثلاثة أشهر «٦» ، وكان يتوسط فى هذه المدة بين الناس أبو يوسف يعقوب، وأبو منصور بن المحتسب. وكان مالك محمودا فى ولايته، عفيفا عن أموال المسلمين، منصفا «٧» للخاص والعام «٨» . ***

стр. 449

ثم تخرج من باب السور الجديد إلى الخارج، وتمشى وأنت مشرّق تجد قبّة بها قبر الشريفة زينب. وعلى يمينك وأنت مشرّق تجد حائطا «١» تحته قبر يقال: إنه للحسن بن الحسين ابن ولد جعفر الصادق. وبجانبه قبر «فاطمة» ابنة العبّاس. ثم تمشى وأنت مبحّر تجد قبر محمد بن الفضل، من بنى برمك. وفى تلك الناحية قبور أشراف. وتجد على الطريق قبور أولاد أبى هريرة، رضى الله عنه «٢» . قبر ميمونة العابدة «٣» : وتمشى وأنت رائح إلى قبر «أشهب» تجد قبر ميمونة العابدة، أخت رابعة فى العبادة. حكى أنّ ذا النون «٤» المصرى رضى الله عنه قال: وصفت لى جارية فى الجبل المقطم تتعبّد به يقال لها «ميمونة» العابدة، فانطلقت إليها لأزورها، فلقينى بعض العبّاد فقال لى: إلى أين يا ذا النون؟ فقلت: إلى زيارة ميمونة. فقال لى: إنها امرأة مجنونة. فأردت أن أرجع، فقلت: وما علىّ منها، لعلّى أراها، فعدت فرأيتها، فقالت لى: سلام عليك يا ذا النون! فقلت لها: من أين عرفتينى؟ فقالت: جالت روحى وروحك فى الملكوت، فعرّفنى بك الحىّ الذي لا يموت، والله ياذا «٥» النون لست مجنونة، وإنما أنا بحبّه مفتونة! فقلت

стр. 450

لها: أوصينى. فقالت: يا ذا النون، اجعل التّقوى «١» زادك، والزّهد شعارك، والورع دثارك، لا يبعد عليك المطلوب، ولا يغلق فى وجهك باب المحبوب. يا ذا النون، إنّ لله أحبابا عرّفهم [به] «٢» فعرفوه، وأطلق ألسنتهم بذكره فنزّهوه، لو احتجب عنهم طرفة عين لتقطّعوا من ألم البين. وحكى عنها أنها كانت تناجى ربها فى بعض الأيام فقالت: «يا سيدى، هل تحرق قلبى بحبك؟» . فإذا النداء: يا ميمونة، لا تظنّى «٣» بنا إلا خيرا فإنّا لا نفعل ذلك أبدا. فقالت: وا شوقى إليك، وإن قرّبتنى! واحيائى منك، وإن غفرت لى! وأنشدت تقول شعرا «٤» : ما بقا دمع فأبكى ... ها فؤادى فتّشوه «٥» إن وجدتم غير ربّى ... فدعونى ودعوه *** قبر أشهب- صاحب مالك بن أنس «٦» : وإلى جانبها من الشرق تربة بها قبر الفقيه الإمام العالم أبو عمر أشهب

стр. 451

ابن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسيّ العامرىّ الجعدىّ، من ولد جعد ابن كلاب بن ربيعة بن عامر المالكى. أحد فقهاء مصر، من أصحاب مالك بن أنس، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، وغيرهم. وروى عنه هارون ابن سعيد، وأبو عبد الله محمد بن عبد الحكم، وسليمان بن أبى طيبة، وبجبير ابن سابق الخولانى، وغيرهم. يقال: اسمه مسكين، ويقال: هو لقبه، وقيل: أشهب لقبه، والله أعلم. أثنى عليه الإمام الشافعيّ وقال: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه. ولى الشّرطة، وانتهت إليه الرياسة فى زمنه، وكان يصحب ابن القاسم «١» ومنه شىء فى نفسه، فحلف ابن القاسم بالمشى إلى مكة» ألّا يكلم أشهب. وكان أشهب إذا ناظر فى الفقه يهدر كالأسد، وكان له كلمة وجاه، قرأ على الإمام مالك بن أنس. وكانت له حلقة عظيمة بالجامع العتيق تحت الحائط البحرى. قال بعض المالكية: لما حلف ابن القاسم بالمشى إلى مكة ألّا يكلم أشهب [أرسل] «٣» يطلب رضا ابن القاسم لما يعلم فيه من الزهد والورع، قال سحنون: فلم أزل بابن القاسم وأنا أتلطف معه وأرضيه حتى رضى عن أشهب وقال: أمشى إلى مكة وأكلمه «٤» .

стр. 452

ثم تجهز ابن القاسم وخرج إلى مكة ماشيا، وخرج أشهب ماشيا، وخرج معه عبد الله بن وهب، وخرج معه سحنون. وكان أشهب يمد سماطا عظيما بطول الطريق، وكان ابن وهب يمد سماطا دونه، فيطعمون الناس، وكان ابن القاسم لا يحضر من ذلك شيئا. فقال ابن وهب لأشهب: هل لك أن تحضر ابن القاسم طعامك؟ فقال: افعل ما بدا لك من الأمر إن قدرت على ذلك، فجئت إلى ابن القاسم وقلت له: هل لك أن تحضر بنا على طعام أشهب؟ فسكت، فما زلت به حتى أنعم بالمجىء، فجاء وجلس، وجلس أشهب إلى جانبه، وجلست أنا، فلما قدّم الطعام نظر ابن القاسم إلى الملح، وجعل أصبعه فيه ثلاثا ثم قام وانصرف، ولم يجسر عليه منا أحد «١» . فلما خلوت به قلت له: لم اقتصرت على الملح وحده ولم تأكل غيره؟ فقال: إنى لا أعلم فيه شبهة. وقال ابن النحوى: كان الإمام أشهب فقيها، عالما، زاهدا، ورعا، محدّثا، خطيبا، يعدّ من الفقهاء والمحدّثين والمتصدرين للخطابة، وكان إذا خطب تصدع خطبته القلوب لفصاحته وبلاغته. وحكى عنه الجوهرى الواعظ قال: كان إنسان من طلبته، وكان من الفضلاء، وكان له والد، فمات وخلف مائة دينار، وكانت نفسه تتوق إلى النساء، فاستشار رجلا من أصحابه فى الزواج، فقال له: عليك بشراء جارية، فذهب إلى سوق الرقيق فوجد جارية كأنها البدر، وينادى عليها بمائة دينار، فاشتراها بما معه من المال وجاء بها إلى منزله، ولم يكن معه ما ينفق عليها، فأقامت عنده عشرة أيام فشاهدت ضيقا عظيما، وافتتن هو بحبها، فطلبت منه [أن يبيعها فى] السوق «٢» ، فنزل بها على كره وباعها، ورجع إلى منزله، فبات

стр. 453

تلك الليلة فوجد لفراقها ألما عظيما، ولزم الوساد من ألم فراقها، فلما كان بعد أيام قلائل تفقده الإمام أشهب فى الحلقة فلم يجده، وكان الإمام محبّا له، فسأل عنه فقيل: هو مريض، فقام وجاء إلى منزله فطرق الباب، فلم يجبه أحد، فعالج الإمام الباب حتى فتحه، ثم دخل إليه فوجده قد أشرف على الموت، فسأله عن سبب مرضه، فلم يجبه بشىء، فلم يزل به حتى أخبره وقصّ عليه القصة. فقال له: ومن الذي شراها «١» ؟ فقال له. الأمير محمود بن سالم وهو صاحب الجامع «٢» الذي بسفح الجبل. فقام الإمام إلى الأمير «٣» محمود هو وجماعته من الطلبة فدخل عليه، وسلّم عليه وعظّمه، واستعرض حوائجه وسأله عن سبب حضوره عنده، فأخبره خبر الفقيه وما وجد من فراق الجارية، فقال له الأمير: إنّ جميع ما يراه الشيخ لها، وإنّ ولدى يدخل عليها فى هذه الليلة. فقام الشيخ وأراد الانصراف، وإذا بولد الأمير قد دخل، فلما رأى الشيخ أخبره أبوه خبر الجارية، وكان الولد من أهل الخير والصلاح، فقال الصّبّى للشيخ: إنّ الجارية وما جهّزت به، الجميع للفقيه كرامة لمجىء الشيخ. ثم حملت وما معها إلى بيت ذلك الفقيه، فأصبح كأنّما نشط من عقال. قال الفقيه أبو بكر بن عربى المالكى: كان أشهب فصيحا، حافظا، ذكيّا، وكان إذا خطب يسمع لصوته دوىّ. وذكره القاضى عياض فى طبقات الفقهاء وأثنى عليه. وكان أكثر الناس معرفة بأقوال مالك. وقال سليمان بن أبى طيبة: نهانا أشهب أن نتخطّى الكتب التى فيها حديث رسول الله ﷺ ، وقال: إيّاكم وأصحاب البدع. قيل له: وما أصحاب البدع؟ قال: الذين يتكلمون فى أسمائه وصفاته وقدرته وعلمه ولا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة والتابعون.

стр. 454

ولد أشهب سنة أربعين ومائة، وتوفى سنة أربع ومائتين «١» . ولم يدرك الشافعى «٢» - رحمه الله تعالى- بمصر من أصحاب مالك- رضى الله عنه- سوى أشهب وابن عبد الحكم. وقال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعى بالموت، فذكرت ذلك للشافعى، فقال متمثّلا «٣» : تمنّى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد «٤» فقل للّذى يبغى خلاف الذي مضى ... تزوّد لأخرى غيرها فكأن قد «٥» وقد علموا لو ينفع العلم عندهم ... لأن متّ ما الدّاعى علىّ بمخلد ثم توفى الشافعى عن قرب، ومات أشهب بعده بثمانية عشر يوما «٦» . *** قبر الشيخ عبد الرحمن بن القاسم «٧» : وإلى جانب قبر أشهب «٨» صاحب مالك بن أنس، رضى الله عنه،

стр. 455

قبر الشيخ الإمام العالم المفتى، ابن القاسم، وقيل: كنيته أبو عبد الله عبد الرحمن ابن القاسم بن خالد العتقيّ المالكى، صاحب المدوّنة. ويكنى أيضا أبا عبد الله مولاهم المصرى، والعتقى، والطّلقى. والعتقى قوم عتقهم رسول الله ﷺ يوم الفتح، والطّلقاء قوم أطلقهم الله، فسمّوا هؤلاء العتقاء، وهؤلاء الطّلقاء. كان ابن القاسم [رجلا صالحا، نحيف الجسم من كثرة الصيام والقيام] «١» وكان من كبار العلماء والزّهّاد، وأخذ العلم عن جماعة، منهم الإمام مالك، وسفيان بن عيينة، والزهرى. وروى عنه الحارث بن مسكين وجماعة، منهم الإمام البخارى، والنّسائى، وغيرهما، كأبى موسى عيسى بن إبراهيم الغافقى. ومن مرويّات الحارث بن مسكين عنه حديث عمر بن الخطّاب، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» . وروى عنه أبو الحسن بن سعيد، عن النّبى ﷺ : «أنه أتى إليه بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابىّ، وعن يساره أبى بكر رضى الله عنه، فشرب النّبى ﷺ ، ثم أعطى الأعرابىّ وقال: الأيمن» . وقال أبو الفتح محمود: سمعت الشيخ عبد الرحمن بن القاسم يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: «ليس العلم بكثرة الرّواية، إنّما هو نور يضعه الله تعالى فى القلوب» . وإلى تلك الإشارة يقول الشافعى رضى الله عنه: «ليس العلم ما حفظ، إنما العلم ما نفع» .

стр. 456

قال أبو العباس أحمد: سمعت الحارث بن مسكين يقول: كان ابن القاسم كثير العلم والزّهد والسخاء والشجاعة، وكان مجاب الدعوة، وأحد الأعلام القائمين بمذهب مالك. أنفق أموالا جمّة فى طلب العلم. وقال النسائى: ثقة مأمون، وأحد الفقهاء. وعن مالك أنه ذكر عنده عبد الرحمن بن القاسم، فقال: «عافاه الله، مثله كمثل جراب فيه مسك» . وصحب مالكا عشرين سنة، وانتفع به أصحابه بعد موته. وكان مالك شيخه فى العلم، وشيخه فى الورع والعبادة سليمان «١» . وقال الحارث: سمعت ابن القاسم يقول: رأيت فى المنام كأنّ قائلا يقول: إنّ الله يصلّى عليك وعلى سعيد بن زكريا، يعنى سعيد الأدم «٢» . وحكى عنه- ﵀ أنّ رجلا من التّجّار أودع عنده مائتى دينار، فأخذها الشيخ وخبّأها فى مكان عنده فى داره، فجاءت زوجته وأخذتها، وجهّزت ابنته بها وزوّجتها، فجاء صاحب المال وطلبه، فدخل الشيخ ليأتيه به فلم يجده، فقال لزوجته: أين مال الرجل؟ فقالت له: قد جهزت به ابنتك. فقال لها: كيف العمل؟ فقالت له: علىّ ردّها إن شاء الله تعالى. فقال لها: من أين؟ فقالت له: من كنز لا ينفد، فقل لصاحبها أنظرنى «٣» إلى الغد! فجاء ابن القاسم إلى الرجل وقال: أنظرنى إلى الغد، فإنّ هناك ضرورة «٤» .

стр. 457

ثمّ لمّا جنّ الليل قامت زوجته وتوضّأت وجعلت تصلى وتدعو وتسأل الله تعالى، فرأى «أشهب» رسول الله، ﷺ ، فى المنام وهو يقول له: إنّ صاحبك ابن القاسم محتاج إلى مائتى دينار، فلا تصلى الصبح إلّا وهى عنده. فانتبه من منامه وقت الفجر، ثم أخذ مائتى دينار وأتى بها إلى دار ابن القاسم، وطرق عليه الباب، فخرج إليه ابن القاسم، فسلّم عليه «أشهب» وأعطاه الذهب «١» ، فبينما هو يحدّثه فى تلك القضية إذا بصاحب المال قد أقبل وقال له: يا سيدى لا تأخذ منه شيئا، فقد اشتريت بها البارحة قصرا من ربّى فى الجنّة. فردّ ابن القاسم المال إلى «أشهب» ، فقال: والله لا رجوع لى فيما خرجت عنه. وقال ابن القاسم: وأنا لا حاجة لى بها، فتصدّق بها أشهب وابن القاسم فى وقت واحد، رضى الله عنهم. وحكى زيد بن أبى يزيد قال: سمعت أبى يقول: سمعت ابن القاسم يقول: كنت بالإسكندرية فرأيت أنّى اصطدت طيرا بازيّا فقصصته، فإذا هو مملوء جوهرا، قال: فجئت إلى ابن أبى شعيب ففسرته عليه، فقال: لعلّك حدّثت نفسك بشىء من طلب العلم. قال: فقلت هو ذاك. قال: من ذا الذي ذكرت؟ فقلت: مالك «٢» . فقال: هو بازك صدته. وقال ابن القاسم: رجلان أقتدى بهما فى دينى: سليمان فى الورع، ومالك بن أنس فى العلم. وقال محمد بن يحيى: سمعت عبد الرّحمن بن القاسم رضى الله عنه يقول: «ما أظن أحدا تعلّم من الناس كعلمى فأفلح، لقد كنت أحضر مجلس مالك وأسمع منه، فإذا لم يحضر أصحابى أخبرهم إذا سألونى عن جميع ما سمعت، وكنت إذا غبت وسألتهم لم يخبرونى ولم يلتفتوا إلىّ، فأفلحت وخابوا- أو علمت وجهلوا» .

стр. 458

قال: وكان من دعاء ابن القاسم: «اللهمّ امنعنى من الدنيا وامنعها منى ما منعت به عبادك الصالحين» . وقال أسد: قال لى ابن القاسم: كنت أختم كل يوم وليلة ختمتين، فلما جئتنى نزلت لك عن ختمة رغبة منى فى إحياء العلم. قال بعض أصحاب ابن القاسم: صليت معه صلاة عيد الفطر والأضحى، ثم دخل المسجد ودخلت معه، فصلى ثم سجد فأطال السجود حتى خفت فوت الغداء مع أهلى، فدنوت منه، فسمعته يقول: «إلهى، انقلب عيدك إلى ما أعدّوه له لهذا اليوم، وانقلب عبد الرّحمن إليك يرجو أن تغفر له فى هذا اليوم العظيم، فإن كنت فعلت فبخ بخ «١» ، وإن لم تفعل فيا خجلته، ويا معصيته، ويا حسرته!» . قال الرجل: فمضيت إلى أهلى فتغديت معهم ونمت هنيهة وجئت إلى المسجد فوجدت ابن القاسم على هيئته كما تركته. وقال يحيى بن عمر: خرج ابن القاسم فى بعض صحارى مصر، فعطش؛ وكان قد خرج أمير مصر متنزها بتلك الصحارى، فبينما هو سائر إذ وقفت دوابّه وجماله ولم تنطلق، فضربت فلم تنهض. فقال لإخوانه وخدمه: انظروا ما الذي أوجب ذلك؟ فما حبسنا إلّا الله سبحانه. فنظروا إلى شخص يلوّح، فإذا هو ابن القاسم، فجاء إليهم، فسألوه عن خبره، فأخبرهم بالعطش، فجاءوا له بالماء، فشرب إلى أن روى، فسارت دوابّهم، فعلموا أنّ تلك الوقعة كانت بسببه. وقال الحارث- يعنى ابن مسكين: قال سحنون: رأيت ابن القاسم فى النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: وجدت عنده ما أحببت.

стр. 459

وكان ابن القاسم فى الزهد شيئا عجيبا. وتوفى سنة إحدى وتسعين ومائة. ويقال: إنه دفن بالقرب من قبر أبى الحسن الدّينورىّ من جهة الباب البحرى على يسار الدّاخل فى تربة هناك، والصحيح أنه بهذه المقبرة «١» . قال سحنون: لو لم يكن من أصحاب مالك إلّا ابن القاسم لكفاه. وكان سحنون من خواص أصحابه. وهو سحنون أبو سعيد عبد السلام ابن سعيد التنوخى، يكنى أبا سعيد، وكان عالم القيروان فى مذهب الإمام مالك، خبيرا بالمذهب، عالما بالآثار، وألّف كتابه المشهور جمع فيه العلم والفقه، وهو المسمى بالمدوّنة، وكتاب السير، وهو عشرون مجلدا، وكتاب التاريخ، وهو فى ستة أجزاء، وكتاب الرّدّ على الشافعى وأهل العراق، وكتاب الزهد والأمانة. وله تصانيف كثيرة. ولد- رضى الله عنه- سنة ستين ومائة، وتوفى سنة اثنتين «٢» وأربعين ومائتين [وقيل] «٣» : توفى فى شهر رجب سنة أربعين ومائتين. وكان من أصحاب مالك، نزل مصر وأقام بها، ومات بالمغرب، وكان زاهدا ورعا. وكان يقول: العلم حجة الله على عباده، والعلماء مع الأنبياء، وخير الناس علماؤهم. وقال عبد الوهاب: ركبت مع سحنون البحر المالح فهاج علينا ريح، فخفت، فنمت من شدة خوفى، فرأيت رسول الله ﷺ ، فقال لى: أتخاف- أو يخاف أهل السفينة وفيهم سحنون؟ فاستيقظت فإذا البحر قد سكن، ووجدت سحنونا يصلى، فلما انتقل من صلاته قال لى: اسكت، لا تخبر أحدا من أصحاب السفينة. فقال: فلم أتكلم.

стр. 460

وقال بعض العلماء: تفقّه سحنون على ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وانتهت إليه الرياسة فى العلم بالمغرب. وكان يقول: قبّح الله الفقر، أدركنا مالكا، وقرأنا على ابن القاسم. وولى القضاء بالقيروان وعوّل على قوله «١» بالمغرب، كما عوّل على قول ابن المواز بمصر. وحصل له من الأصحاب والتلامذة ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك. وكان فى طبقة يحيى بن بكير- رضى الله عنهم. وقدم سحنون من بلاد المغرب للمدينة الشريفة يقصد القراءة على مالك، فوجده- لمّا قدم المدينة- توفى، فقيل: إنّ ابن القاسم فى مصر، وهو مالك الصغير، فجاء إلى مصر وطلب من ابن القاسم أن يقربه، فوجده قد تعبّد وترك الإقراء، فجاء سحنون يوم الجمعة إلى الجامع العمرى، وصبر إلى انقضاء الصلاة، وشكى حاله إلى الناس، فأشاروا عليه برجل بزّاز، وكان يقوم بمصالح ابن القاسم، وكان ابن القاسم يقرأ عليه القرآن، فجاء سحنون إلى البزاز وكلّمه، فكلّم البزّاز ابن القاسم فى إقراء سحنون، فأنعم له «٢» لأجل البزّاز. وكانت له وظيفة فى القراءة، فاختصرها لأجل إقراء سحنون، وكان مع سحنون- ممّا فضل من نفقته- ثلاثمائة دينار، فدفعها للبزّاز وقال له: اتّجر لى فيها بما يحصل لى منه القوت، فأخذها منه وجعل له أن يأخذ منه كلّ يوم ما يحتاج إليه فى مصالحه. ومكث سحنون ثلاثة أعوام يقرأ على ابن القاسم حتى تعلّم ما علمه ابن القاسم من مالك، ثم عزم على السفر إلى بلاده، فطلب من البزّاز ماله، فحاسبه البزّاز على الرّبح المتحصل له، فإذا هو ثلاثمائة دينار، فدفع إليه ستّمائة دينار، فقال: ألم تكن تدفع لى فى كل يوم كذا وكذا من الدّراهم؟ فقال البزّاز:
следующие страницы →