← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11789

مرشد الزوار الى قبور الابرار

زين الدين ابن الموفق

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال أبو العباس أحمد: سمعت الحارث بن مسكين يقول: كان ابن القاسم كثير العلم والزّهد والسخاء والشجاعة، وكان مجاب الدعوة، وأحد الأعلام القائمين بمذهب مالك. أنفق أموالا جمّة فى طلب العلم. وقال النسائى: ثقة مأمون، وأحد الفقهاء. وعن مالك أنه ذكر عنده عبد الرحمن بن القاسم، فقال: «عافاه الله، مثله كمثل جراب فيه مسك» . وصحب مالكا عشرين سنة، وانتفع به أصحابه بعد موته. وكان مالك شيخه فى العلم، وشيخه فى الورع والعبادة سليمان «١» . وقال الحارث: سمعت ابن القاسم يقول: رأيت فى المنام كأنّ قائلا يقول: إنّ الله يصلّى عليك وعلى سعيد بن زكريا، يعنى سعيد الأدم «٢» . وحكى عنه- ﵀ أنّ رجلا من التّجّار أودع عنده مائتى دينار، فأخذها الشيخ وخبّأها فى مكان عنده فى داره، فجاءت زوجته وأخذتها، وجهّزت ابنته بها وزوّجتها، فجاء صاحب المال وطلبه، فدخل الشيخ ليأتيه به فلم يجده، فقال لزوجته: أين مال الرجل؟ فقالت له: قد جهزت به ابنتك. فقال لها: كيف العمل؟ فقالت له: علىّ ردّها إن شاء الله تعالى. فقال لها: من أين؟ فقالت له: من كنز لا ينفد، فقل لصاحبها أنظرنى «٣» إلى الغد! فجاء ابن القاسم إلى الرجل وقال: أنظرنى إلى الغد، فإنّ هناك ضرورة «٤» .

стр. 457

ثمّ لمّا جنّ الليل قامت زوجته وتوضّأت وجعلت تصلى وتدعو وتسأل الله تعالى، فرأى «أشهب» رسول الله، ﷺ ، فى المنام وهو يقول له: إنّ صاحبك ابن القاسم محتاج إلى مائتى دينار، فلا تصلى الصبح إلّا وهى عنده. فانتبه من منامه وقت الفجر، ثم أخذ مائتى دينار وأتى بها إلى دار ابن القاسم، وطرق عليه الباب، فخرج إليه ابن القاسم، فسلّم عليه «أشهب» وأعطاه الذهب «١» ، فبينما هو يحدّثه فى تلك القضية إذا بصاحب المال قد أقبل وقال له: يا سيدى لا تأخذ منه شيئا، فقد اشتريت بها البارحة قصرا من ربّى فى الجنّة. فردّ ابن القاسم المال إلى «أشهب» ، فقال: والله لا رجوع لى فيما خرجت عنه. وقال ابن القاسم: وأنا لا حاجة لى بها، فتصدّق بها أشهب وابن القاسم فى وقت واحد، رضى الله عنهم. وحكى زيد بن أبى يزيد قال: سمعت أبى يقول: سمعت ابن القاسم يقول: كنت بالإسكندرية فرأيت أنّى اصطدت طيرا بازيّا فقصصته، فإذا هو مملوء جوهرا، قال: فجئت إلى ابن أبى شعيب ففسرته عليه، فقال: لعلّك حدّثت نفسك بشىء من طلب العلم. قال: فقلت هو ذاك. قال: من ذا الذي ذكرت؟ فقلت: مالك «٢» . فقال: هو بازك صدته. وقال ابن القاسم: رجلان أقتدى بهما فى دينى: سليمان فى الورع، ومالك بن أنس فى العلم. وقال محمد بن يحيى: سمعت عبد الرّحمن بن القاسم رضى الله عنه يقول: «ما أظن أحدا تعلّم من الناس كعلمى فأفلح، لقد كنت أحضر مجلس مالك وأسمع منه، فإذا لم يحضر أصحابى أخبرهم إذا سألونى عن جميع ما سمعت، وكنت إذا غبت وسألتهم لم يخبرونى ولم يلتفتوا إلىّ، فأفلحت وخابوا- أو علمت وجهلوا» .

стр. 458

قال: وكان من دعاء ابن القاسم: «اللهمّ امنعنى من الدنيا وامنعها منى ما منعت به عبادك الصالحين» . وقال أسد: قال لى ابن القاسم: كنت أختم كل يوم وليلة ختمتين، فلما جئتنى نزلت لك عن ختمة رغبة منى فى إحياء العلم. قال بعض أصحاب ابن القاسم: صليت معه صلاة عيد الفطر والأضحى، ثم دخل المسجد ودخلت معه، فصلى ثم سجد فأطال السجود حتى خفت فوت الغداء مع أهلى، فدنوت منه، فسمعته يقول: «إلهى، انقلب عيدك إلى ما أعدّوه له لهذا اليوم، وانقلب عبد الرّحمن إليك يرجو أن تغفر له فى هذا اليوم العظيم، فإن كنت فعلت فبخ بخ «١» ، وإن لم تفعل فيا خجلته، ويا معصيته، ويا حسرته!» . قال الرجل: فمضيت إلى أهلى فتغديت معهم ونمت هنيهة وجئت إلى المسجد فوجدت ابن القاسم على هيئته كما تركته. وقال يحيى بن عمر: خرج ابن القاسم فى بعض صحارى مصر، فعطش؛ وكان قد خرج أمير مصر متنزها بتلك الصحارى، فبينما هو سائر إذ وقفت دوابّه وجماله ولم تنطلق، فضربت فلم تنهض. فقال لإخوانه وخدمه: انظروا ما الذي أوجب ذلك؟ فما حبسنا إلّا الله سبحانه. فنظروا إلى شخص يلوّح، فإذا هو ابن القاسم، فجاء إليهم، فسألوه عن خبره، فأخبرهم بالعطش، فجاءوا له بالماء، فشرب إلى أن روى، فسارت دوابّهم، فعلموا أنّ تلك الوقعة كانت بسببه. وقال الحارث- يعنى ابن مسكين: قال سحنون: رأيت ابن القاسم فى النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: وجدت عنده ما أحببت.

стр. 459

وكان ابن القاسم فى الزهد شيئا عجيبا. وتوفى سنة إحدى وتسعين ومائة. ويقال: إنه دفن بالقرب من قبر أبى الحسن الدّينورىّ من جهة الباب البحرى على يسار الدّاخل فى تربة هناك، والصحيح أنه بهذه المقبرة «١» . قال سحنون: لو لم يكن من أصحاب مالك إلّا ابن القاسم لكفاه. وكان سحنون من خواص أصحابه. وهو سحنون أبو سعيد عبد السلام ابن سعيد التنوخى، يكنى أبا سعيد، وكان عالم القيروان فى مذهب الإمام مالك، خبيرا بالمذهب، عالما بالآثار، وألّف كتابه المشهور جمع فيه العلم والفقه، وهو المسمى بالمدوّنة، وكتاب السير، وهو عشرون مجلدا، وكتاب التاريخ، وهو فى ستة أجزاء، وكتاب الرّدّ على الشافعى وأهل العراق، وكتاب الزهد والأمانة. وله تصانيف كثيرة. ولد- رضى الله عنه- سنة ستين ومائة، وتوفى سنة اثنتين «٢» وأربعين ومائتين [وقيل] «٣» : توفى فى شهر رجب سنة أربعين ومائتين. وكان من أصحاب مالك، نزل مصر وأقام بها، ومات بالمغرب، وكان زاهدا ورعا. وكان يقول: العلم حجة الله على عباده، والعلماء مع الأنبياء، وخير الناس علماؤهم. وقال عبد الوهاب: ركبت مع سحنون البحر المالح فهاج علينا ريح، فخفت، فنمت من شدة خوفى، فرأيت رسول الله ﷺ ، فقال لى: أتخاف- أو يخاف أهل السفينة وفيهم سحنون؟ فاستيقظت فإذا البحر قد سكن، ووجدت سحنونا يصلى، فلما انتقل من صلاته قال لى: اسكت، لا تخبر أحدا من أصحاب السفينة. فقال: فلم أتكلم.

стр. 460

وقال بعض العلماء: تفقّه سحنون على ابن القاسم، وابن وهب، وأشهب، وانتهت إليه الرياسة فى العلم بالمغرب. وكان يقول: قبّح الله الفقر، أدركنا مالكا، وقرأنا على ابن القاسم. وولى القضاء بالقيروان وعوّل على قوله «١» بالمغرب، كما عوّل على قول ابن المواز بمصر. وحصل له من الأصحاب والتلامذة ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك. وكان فى طبقة يحيى بن بكير- رضى الله عنهم. وقدم سحنون من بلاد المغرب للمدينة الشريفة يقصد القراءة على مالك، فوجده- لمّا قدم المدينة- توفى، فقيل: إنّ ابن القاسم فى مصر، وهو مالك الصغير، فجاء إلى مصر وطلب من ابن القاسم أن يقربه، فوجده قد تعبّد وترك الإقراء، فجاء سحنون يوم الجمعة إلى الجامع العمرى، وصبر إلى انقضاء الصلاة، وشكى حاله إلى الناس، فأشاروا عليه برجل بزّاز، وكان يقوم بمصالح ابن القاسم، وكان ابن القاسم يقرأ عليه القرآن، فجاء سحنون إلى البزاز وكلّمه، فكلّم البزّاز ابن القاسم فى إقراء سحنون، فأنعم له «٢» لأجل البزّاز. وكانت له وظيفة فى القراءة، فاختصرها لأجل إقراء سحنون، وكان مع سحنون- ممّا فضل من نفقته- ثلاثمائة دينار، فدفعها للبزّاز وقال له: اتّجر لى فيها بما يحصل لى منه القوت، فأخذها منه وجعل له أن يأخذ منه كلّ يوم ما يحتاج إليه فى مصالحه. ومكث سحنون ثلاثة أعوام يقرأ على ابن القاسم حتى تعلّم ما علمه ابن القاسم من مالك، ثم عزم على السفر إلى بلاده، فطلب من البزّاز ماله، فحاسبه البزّاز على الرّبح المتحصل له، فإذا هو ثلاثمائة دينار، فدفع إليه ستّمائة دينار، فقال: ألم تكن تدفع لى فى كل يوم كذا وكذا من الدّراهم؟ فقال البزّاز:

стр. 461

من يحصل لى «١» مثل سحنون، يقرأ على ابن القاسم وأقوم؟ والله لا آخذ شيئا من ذلك! وحكى أنّ أمير مصر قال لعبد الرحمن بن القاسم: إنّى أريد أن أزوّجك ابنتى وأقوم عنك بجميع لوازمها. فقال: حتى أشاور معلمى سليمان- يعنى الزاهد- فشاوره، فقال له سليمان «٢» : أتحبّ أن تلبس الخزّ؟ قال: لا والله. قال: أتحبّ أن تركب الخيل؟ قال: لا والله. قال: أتحبّ أن تخدمك الصقالبة؟ قال: لا والله. قال: أفتحبّ أن يراح عليك بالجفان غدوة وعشية؟ قال: لا والله. قال: أفتحب أن يشار لك بالأصابع؟ قال: لا والله. قال: فما تريد بمصاهرة هذا؟ ارجع عن ذلك تلقى الخير إن شاء الله تعالى. وقيل لابن القاسم: متى يكون العالم عالما؟ قال: إذا لم يكن بينه وبين الله رياء. وكان يداوم الصوم حتى يرى كالشّنّ البالى. وقال الشيخ عبد الوهاب البغدادى: كان ابن القاسم قد محل من العبادة «٣» والصوم حتّى كان يرى باطن عظمه. وقال الجوهرىّ: الوعّاظ «٤» ثلاثة، كانت ترى خضرة البقل من تحت جلودهم، وهم: ابن الوردى، وعتبة الزاهد، وابن القاسم. وقال ابن القاسم لابن الماجشون «٥» - وقد قال له: أوصنى- قال:

стр. 462

حقّق عملك، واعمل لما بين يديك، وإن قدرت على عزلة فافعل، وأغضب الدنيا ترى الأخرى، واترك ما عند الناس تجد ما عند الله. قال القاضى عياض: مات والد عبد الرحمن بن القاسم وخلف عشرة آلاف دينار، فلم يأخذ منها شيئا تورّعا. قبر صاحب الإبريق «١» : يقال عنه: إنّ ركبا «٢» مرّ عليه وقد أدركهم العطش، فسقاهم جميعا من إبريق له. وقيل: بات عنده قوم فلم يجدوا ماء- سوى إبريق فيه ماء- فأرادوا الانصراف، فقال لهم: اشربوا وتوضّئوا وقولوا: بسم الله، يكفيكم إن شاء الله تعالى، ففعلوا ذلك، فلم ينقص الإبريق شيئا. وإلى جانب قبر ابن القاسم من جهة القبلة فى الركن قبر السيد الشريف بدر الدين أبى محمد حسن بن محمد بن عبد الله الحسينى، الشهير بالعريان، له كرامات وخوارق. وإلى جانبه قبر ولده محمد، وهذه التربة مشهورة به.

стр. 463

وبهذه التربة قبر محمد بن يحيى [بن] «١» الإمام مالك بن أنس، وكانت وفاته بمصر. وبها قبر أبى الأزهر عبد الصمد بن الإمام عبد الرحمن بن القاسم، كان يروى عن أبيه وعن سفيان بن عيينة، توفى سنة مائتين وواحد وثلاثين فى شهر رجب، وكان فقيها فاضلا يقرأ القرآن على الإمام ورش، ومن أجله اعتمد أهل الأندلس على قراءة ورش. وإلى جانبه قبر أخيه موسى بن عبد الرحمن، توفى سنة مائتين وواحد وأربعين. وبها قبر الفقيه أبى رجاء محمد ابن الإمام أشهب، توفى فى ذى الحجة سنة مائتين وتسع وأربعين. ثم تخرج من التربة إلى مسجد أشهب، إلى الجهة الشرقية من قبره، تجد قبرا به «التّالى لكتاب الله» شرف الدين يحيى، المكنى بأبى زكريا، والملقب بالتّلا، قبره داثر، وكان من عبّاد الله الصالحين، كثير التلاوة لكتاب الله تعالى. ثم تمضى من قبره إلى قبلة المشهد تجد قبر الفاضل أبى الحسن على التمار، كان من ذوى الأسباب، عرف بزيارة الحسين، وكان محافظا على زيارته. وإلى جانبه من الغرب تربة بها قبر أبى عبد الله محمد بن إبراهيم بن على الواسطى المحدّث، روى عن مجاهد أنه لقى فى كنز لوحا من ذهب، على إحدى وجهيه مكتوب: «لا إله إلّا الله الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد» . وعلى الوجه الآخر: «عجبا لمن رأى الدنيا وتنقّلها بأهلها كيف يطمئنّ إليها؟» . جسم على البرّ ليس يقوى ... ولا على أيسر الحراره فكيف يقوى على جحيم ... وقودها النّاس والحجارة

стр. 464

ومن غربّى هذه التربة قبر «ميمونة» المذكورة، ثم تجىء إلى قبر الفضل ابن بحر التاجر، كان له صدقة ومعروف. حكى عنه قال: بينما أنا أسير فى الجبل المقطم رأيت شابّا عليه أثر العبادة ودموعه تتحدّر على خدوده، فسلّمت عليه وقلت: من أنت؟ قال: عبد أبق من مولاه. فقلت له: يعود ويتعذّر، فقال: العود يحتاج إلى إقامة حجّة، ولا حجّة للمفرط، فقلت له: هل لك فيمن يشفع لك عند مولاك؟ فقال: مولاى ربّانى صغيرا فعصيته كبيرا، ثم صاح صيحة عظيمة وقع منها ميتا، فخرجت لى عجوز من مغارة وقالت: من ذا الذي أعان على قتل هذا البائس الحيران؟ ثم بكت، فقلت لها: هل لك فى المعاونة على دفنه؟ فقالت: دعه دليلا بين يدى مولاه، فعسى أن يراه بعين عفوه فيرحمه، فولّيت عنها وانصرفت فسمعتها تنشد وتقول: لا عدت أركب ما قد كنت أركبه ... جهدى فخذ بيدى يا خير من رحما هذا مقام ظلوم خائف وجل ... لم يظلم النّاس إلّا نفسه ظلما فاصفح بفضلك عمّا جاء معترفا ... بزلّة سبقت منه وقد ندما مالى سواك ولا علم ولا عمل ... فامنن بعفوك يا من عفوه عظما *** وبهذه الحومة قبر زينب بنت الأباجلى، كان على قبرها قبّة حسنة. حكى عنها أنه كان بجوارها رجل، وكان مسرفا «١» على نفسه، مدمنا للخمر، وكان يؤذيها فى الليل من كثرة «عياطه» «٢» ، فلما مات سألت الله تعالى أن تراه

стр. 465

فى منامها، فرأته بعد موته وهو يرفل فى حلّة خضراء، فقالت له: ما فعل الله بك؟ فقال لها: أوقفنى بين يديه وحاسبنى حسابا شديدا، وأمر بى إلى النار، فضربت بكل شريفة ألف ضربة. فقالت له: بأى وسيلة حصل لك هذا الأمر؟ فقال: كانت زوجتى- لمّا متّ- حاملا، فوضعت بعد موتى، فلما ولدت وربّته وكبر تكلّم فقال: «لا إله إلّا الله» فأعتقنى الله بها من النار، فلمّا دخل «الكتّاب» لقّنه الفقيه «بسم الله الرحمن الرحيم» فأدخلنى الله بها الجنة، وأعطانى فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. شعر: ذنوبى كثير لا أطيق احتمالها ... وعفوك يا ذا العرش أعلى وأكبر وقد وسعتنى رحمة منك هاهنا ... وإنّى لها يوم القيامة أفقر *** ثم تمشى إلى قبر، قيل: إنه عنتر النّجّار، يقال: هو نجار النبي ﷺ ، وكان عليه رخامة أنّه ابن أبى جعفر فقيه مصر وعالمها، انتهت إليه الرياسة فى العلم والفتوى، وكان عظيم الشأن، جليل القدر، كثير الصّمت، وكان يقول: لسان ابن آدم سبع ضار، إن أطلقه ندم، وإن أمسكه سلم. ذكره ابن يونس فى تاريخه. [وبالقرب من] «١» الحومة قبر المرأة الصالحة «فاطمة» من ذرّيّة العباس ابن مرداس السّلمى الصحابى. وبالقرب منها قبر الرجل الصالح أبى القاسم الفوطى، كان يصنع الفوط الحمّامية ويتصدق بأجرتها، ويتقوّت بشىء يسير.

стр. 466

ويجاوره قبور السادة المعافرية، ويقال لهم: اللّوّاحين، قيل: إنهم كانوا يصنعون الألواح ويفرّقونها على الأيتام والأطفال فى المكاتب لتعلّم القرآن. وإلى جانبهم قبر «أعلاهم» الشامى، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عبد الحافظ، ولقّب بذلك لأنه صحب أربعمائة ولىّ ثم قال: اللهمّ إنى أعلاهم، فرأى فى منامه تلك الليلة قائلا يقول له: أنت أعلاهم، فمن ثمّ كان يدعى بذلك. وقبره معروف بإجابة الدعاء. قبر أبى يعقوب البويطى الشافعى «١» : وبالقرب من قبره قبر يقال: هو لأبى يعقوب يوسف بن يحيى البويطى الشافعى، وأبو يعقوب هذا منسوب إلى قرية من صعيد مصر التحتانى، كان من أصحاب الشافعى، وأوصى له الشافعى عند موته بأن يخلفه فى حلقة العلم، وكان أنفع أصحابه للطلبة بعده، وانتهت إليه الرياسة بمصر بعد الشافعى، رضى الله عنه. وقال له الشافعى: أنت تموت فى المحنة «٢» ، وكان كذلك، فإنه حمل إلى بغداد وسئل عن خلق القرآن، فلم يجب بشىء، وكان فى كل يوم يخرج من السجن مع الأعيان يرفل فى قيده فيسأل، فيقول: هو كلام ربّى ليس بمخلوق، فيضرب ويعاد إلى السجن. قال أبو بكر بن ثابت: بعث ابن أبى دؤاد «٣» إلى البويطى بعض أصحابه

стр. 467

إلى السجن وهو يقول له: إنه يسلم عليك- وكانت بينهما صداقة- وإذا كان الغد وأحضرت بين يدى أمير المؤمنين وسألك عن خلق القرآن فقل به، ولك علىّ أربعون «١» حملا محمّلة ممّا تريد، تعود بها إلى مصر. فقال للرسول: نعم فى غد نتكلم إن شاء الله تعالى. فلما أحضر جلس الخليفة، وجلس ابن أبى دؤاد، فقال له البويطى: والله لا أقول ذلك ولو أعطيت وزن جبل تهامة ذهبا، فضرب، فكان إذا شرب الماء خرج من بين أضلاعه. وكان يقول: من قال إنّ القرآن مخلوق فهو كافر. هكذا قال المزنىّ والربيع، وكلّ منهما يروى ذلك عن الشافعى. ولأبى يعقوب مختصر غاية فى الحسن، على مذهب الإمام الشافعى، على نظم أبواب المبسوط. وحكى عنه صاحب جمع الجوامع، مع القاضى تاج الدين السبطى، عن البويطى، عن الشافعى: أنّ الإنسان إذا مات وعليه اعتكاف واجب اعتكف عنه أولياؤه. وفى رواية: يطعم عنه أولياؤه. وفى رواية: يسقط ولا شىء عليه. ومن اختياره أنّ الجنب إذا تيمم بنيّة الطّهارة الصّغرى لم يصح تيمّمه، وبهذا قال الربيع. وهو قول مالك وأبى حنيفة. قال البويطى: رأيت مكتوبا على حائط: «الزاهد من لا يجد فيزهد» . قلت: «إنّما الزّاهد من يجد فيزهد» . قال السّاجى: كان أبو يعقوب إذا سمع المؤذّن وهو فى السجن يوم الجمعة، اغتسل ولبس ثيابه، ويمشى حتى يبلغ باب السجن، فيقول له السّجّان: إلى أين تريد؟ فيقول: أجيب داعى الله. فيقول: ارجع عافاك الله. فيقول: اللهمّ إنك تعلم أنّى قد أجبت داعيك فمنعت «٢» .

стр. 468

وقال أبو الوليد بن أبى الجارود: كان البويطى جارى، فما كنت أنتبه من الليل إلّا سمعته يقرأ ويصلى. وقال الشافعى، رضى الله عنه: ليس من أصحابى من هو أحقّ بمجلسى من يوسف بن يحيى «١» ، وليس من أصحابى من هو أعلم منه. وروى عنه أنه قال: أبو يعقوب لسانى. وقال بعض المؤرخين: كان البويطى واسطة عقد جماعته «٢» ، وأظهرهم نجابة، اختصّ به فى حياته، وقام مقامه فى الدرس والفتوى بعد وفاته. سمع الحديث من عبد الله بن وهب، ومن الشافعى، وروى عن جماعة، منهم أبو عيسى الترمذى، وإبراهيم بن إسحاق الخولى، والقاسم بن المغيرة الجوهرى، وأحمد بن منصور الرمادى، وغيرهم. وقال الربيع بن سليمان: رأيت البويطى على بغل، وفى عنقه غلّ، وفى رجليه قيد، بينهما سلسلة «٣» من حديد فيها طوبة، زنتها ما يقارب الأربعين رطلا. ومات مسجونا ببغداد يوم الجمعة، قبل الصلاة، فى شهر رجب سنة إحدى وثلاثين ومائتين. قبر فاطمة بنت جعفر الصادق «٤» : وإلى جانبه حوش لطيف به قبر السيدة الصالحة الشريفة فاطمة بنت جعفر الصادق.

стр. 469

حكى ابن عثمان- صاحب هذا الكتاب- عن المسكّى: أنها كانت متزوجة برجل من آل بيت النبوة، من ذرّيّة الحسن، رضى الله عنه، فتوفى إلى رحمة الله تعالى وترك لها مالا عظيما، فأنفقته جميعه فى وجوه الخير. وكانت كثيرة البرّ للفقراء والمساكين والأيتام والأرامل والمنقطعين. وافتقرت فقرا عظيما، وجاء غلاء عظيم، فمكثت هى وبناتها- وكنّ «١» ثلاثا من الشريف- جياعا ثلاثة أيام، وكان زوجها تاجرا جوهريّا، وكان من جملة متروكاته التى «٢» تركها حبّات من جوهر فى خيط من حرير، تركها فى جانب البيت حتى تصدّت ولم تعرف بها، فوجدتها «٣» بنت لها صغيرة من بناتها، فقالت لأمها: يا سيدتى، رأيت خرزا فى خيط. فقالت: أين هو «٤» ؟ فجاءت لها به «٥» ، فدفعته إلى جارية لها وقالت: اذهبى بهذا «٦» إلى السوق وبيعيه «٧» بما يسّره الله تعالى، وأتينا بما نأكل. فأخذت الجارية الخرز ودارت به «٨» على عوام الناس، فلم يدفع أحد فيه شيئا «٩» ، فجاءت به «١٠» إلى سوق الصّاغة، فوجدت بشرى بن سعيد

стр. 470

الجوهرى جالسا على باب الصّاغة، فدفعت الخرز إليه «١» ، فأخذه ومضى، وغاب ساعة ثم عاد إليها وقد جلى حبّة فجابت مائة دينار «٢» ، فجاء إلى الجارية وقال: لمن هذه الحبّات؟ قالت: لا مرأة شريفة من ذرّيّة جعفر الصادق. فقال لها: قد أصلحت حبّة وناديت عليها، فساوت «٣» مائة دينار، فهل تقبضين «٤» فيها ذلك؟ فقالت: أتهزأ بى وبسيدتى وهى شريفة؟ فقال لها: أعوذ بالله. فقالت له: اقبض المال وامض معى إليها. فأخذ المائة دينار وجاء إلى دارها، فدخلت الجارية وأخبرت سيدتها، فخرجت إليه، فدفع لها المال وأخذ أجرته، وشاورها فى إصلاح الباقى وبيعه» ، فقالت له: افعل ما تريد، ثم بكت، فسمع بكاءها «٦» ، فقال لها: يا سيدتى، ما الذي أبكاك؟ أكرهت ما كان منى؟ قالت «٧» : لا، ولكنّى ذكرت مخلوقا أصلح حبّة كانت مجهولة القيمة فبيعت بمائة دينار، فكيف إذا أصلح الله قلب العبد كيف يكون حاله؟! ثم توجّه بشرى وأصلح ما بقى من الحبّات، فطلبت زوجة الخليفة حبّتين، فتوجّه بهما إلى دار الخليفة فعرضهما عليها «٨» ، فعجبت من حسنهما، ودفع الخليفة ثمنهما، وأعطاه لأجلهما بغلة وخلعة، وولّاه رياسة الجوهريين، فجاء للشريفة بثمن الحبتين، وأخبرها الخبر بأمر البغلة والخلعة وولايته، فقالت له: بارك الله لك فيما رزقك.

стр. 471

ثم باع الباقى وجاء بالثّمن إليها، فقالت له. هوّن الله عليك سكرات الموت، وجعل من نسلك الصالحين، فرزق بشرى بحسين، الذي هو والد أبى الفضل الجوهرى، الواعظ المصرى. وحصل الغناء لبشرى، وللشريفة، وسيأتى ذكر بشرى عند قبره. قبر الشيخ أبى الحسن نور الدين «١» : وعند رجليها قبر به الشيخ الصالح نور الدين على، المذكور بالصلاة، يكنى أبا الحسن. حكى عنه أنه كان لا ينام الليل من كثرة بكائه وذكره، وكان يدور فى الليل وينادى: الصّلاة.. الصلاة قبل الرحيل. ومن كلامه: إذا أحبّ الله العبد أيقظه لخدمته. وكان إذا أوى إلى فراشه يتقلّب كالفرخ إذا ذبح، ويقول: اللهمّ إنّ جهنّم لا تدعنى أنام. وكان يقول: أخشى من إتيان أمره وأنا نائم. وفى معنى ذلك روى أنّ أمّ سليمان قالت: يا نبّى الله، لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيرا يوم القيامة. وقال سعيد بن المسيّب: «ما من عبد قام فى الليل فتوضّأ إلّا تبسّم الجبّار فى وجهه ويقول: يا ملائكتى، انظروا إلى عبدى، أشهدكم علىّ أنّى قد غفرت له، فإن صلّى أفاض عليه الرحمة» . حكاية: قال منصور بن عمّار: بينما أنا نائم ذات ليلة إذ رأيت كأنّ القيامة قد قامت، والصراط نصب، والميزان قد علّق، والجنة قد أزلفت، والنار قد

стр. 472

سعّرت، والنداء من العليّ: أين منصور بن عمّار؟ فلما سمعت ذلك اصفرّ لونى، وتلجلج لسانى، ثم جئت فوقفت فى الموقف وأنا خائف وجل، فسمعت ذلك النداء: يا منصور بن عمّار، بماذا جئتنى؟ قلت: جئتك بثلاث «١» وثلاثين حجّة، وثلاث وثلاثين غزوة، وثلاث وثلاثين سنة أقوم الليل وأصوم النهار! فقال: يا منصور، وعزّتى وجلالى ما قبلت شيئا من ذلك! فقلت: يا ربّ، شقّى أنا أم سعيد؟ فقال: سعيد! فقلت: يا ربّ بم «٢» استوجبت عندك هذه السعادة ولم تقبل من أعمالى شيئا؟ فقال: يا منصور، إنك جلست يوما مجلسا فشوّقت عبادى إلى الجنّة وحذّرتهم من النار، فجال اسمى فى سرك، فقلت فى دعائك: اللهمّ اغفر لأقسانا قلبا، ولأجمدنا عينا «٣» ، وكان هناك ولّى من أوليائى فأمّن علىّ وعليك، فاستجبت ذلك لأجله، فغفرت لك ولمن حضر مجلسك! *** وقيل: هذا القبر تاريخه قديم، فيه ابن شماسة المهدى، ويعدّ من أكابر العلماء والتابعين، روى عن جماعة، منهم عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهنيّ، وروى عن جماعة من رجال الصحيح، وكان من الأئمة الفضلاء الحفّاظ- وجد هذا على القبر: يا أيها الغافل جدّ الرحيل ... وأنت فى اللهو وزادك قليل لو كنت تدرى ما تلاقى غدا ... لذبت من فطر البكا والعويل فأخلص التّوبة تحظى بها ... فما بقى فى العمر إلّا القليل ولا تنم إن كنت ذا فطنة ... فإنّ قدّامك نوم طويل «٤»

стр. 473

قبر أبى القاسم الفريد- المعروف بصاحب الخيار «١» : ثم تمضى إلى قبر السيد الشريف أبى القاسم الفريد المعروف بصاحب الخيار. حكى عنه أنّ إنسانا ورث «٢» من أبيه مالا فأذهبه «٣» ، ثم تداين دينا وذهب منه، فطولب به، فقال: لم يكن عندى ما أدفعه، فلزمه «٤» صاحب الدّين إلى القاضى وطالبه بالمال، فأقرّ به، فأمره بدفعه، فاعترف بالعجز، فأمر باعتقاله. ثم أنظره صاحب الدّين مع القاصد الشّرعّى ثلاثة أيام، فإن جاء بالمال.. وإلّا اعتقل. فلما كان فى اليوم الثالث قال فى نفسه: من أين لى ما أعطى هذا الرجل؟ ثم ذهب إلى القرافة، ورأى كثرة المقابر، حتى انتهى إلى هذا القبر، وكان عليه حاجز بالطوب اللّبن، فجلس عنده وابتهل إلى الله تعالى، فأخذه النوم، فرأى فى منامه كأنّ هذا الشريف صاحب القبر [ناوله] «٥» خيارا، وكان فى أيام عدمه، فاستيقظ فوجد فى حجره الخيار، فتعجّب من ذلك، فبينما هو متعجب من ذلك إذا بالأمير أحمد بن طولون [واقف] على رأسه، فقال له: من أنت «٦» ؟ وما الذي أجلسك هنا؟ فذكر له قصته، وما وقع له فى منامه، فأعطاه الأمير أحمد مالا وقال له: اقض به دينك. وكان الأمير أحمد كثير الزيارة لقبور الصالحين والأولياء.

стр. 474

شعر: أخلق الذّنب والخطيئة وجهى ... بعدما كنت فى الصّلاح نبيلا «١» طردتنى الذّنوب عن باب ربّى ... أورثتنى الذّنوب حزنا طويلا أسرتنى الذنوب فاسترهنتنى ... طوّقتنى الذنوب طوقا ثقيلا «٢» ما أرى لى من العصاة نظيرا ... لا، ولا لى فى الذّنوب عديلا «٣» نكّست رأسى الخطايا خفيضا ... صيّرتنى فى العالمين عبدا ذليلا *** قبر أبى عبد الله بن هامان المقرئ «٤» : ومنه إلى قبر الفقيه المقرئ أبى عبد الله محمد بن هامان المعافرى المقرئ. وكان على هذا القبر بخط قديم «أحمد بن زين العابدين» ، وليس بصحيح. وكان ابن هامان من مشايخ مصر المشهورين المتبحرين فى القرآن «٥» ، قرأ على ابن غلبون، وكان له صوت حسن إذا قرأ يكاد الإنسان أن يموت من لغة قرآنه «٦» . ونقل عنه أن إنسانا سمعه يقرأ: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ... «٧» . فما زال يكررها إلى أن فارق الدنيا.

стр. 475

قبر حمدونة العابدة «١» : وإلى جانبه قبر المرأة الصالحة العابدة «حمدونة» ابنة الحسين، أخت ميمونة العابدة فى العبادة. قال الهروىّ: هى معدودة عند طائفة من الأولياء بأربعين من زهّاد الرجال. حكى عنها ابن الطوير فى أخبار الدولة الطولونية: أنّ رجلا خرج هاربا من دين لزمه لعمّال أحمد بن طولون، وقد طولب بالمال، فأتى إلى قبر هذه السيدة رضى الله عنها، فقرأ عندها شيئا من القرآن، وبكى وتوسّل إلى الله تعالى، فأخذته سنة من النوم، فنام، فأيقظه وقع حافر دابّة أو جواد يضرب الأرض برجله، فأفاق من نومه، فرأى فارسا واقفا على رأسه، فسلّم عليه، ثم قال له: من أنت؟ وما الذي أجلسك هنا؟ فقال: هارب من رجل ظالم من عمّال الظّالم أحمد بن طولون، وقصّ عليه قصته. فقال له: قم وامض معى إلى هذا الرجل أشفع لك عنده. ثم أردفه خلفه، وسار حتى لحق بالعسكر، وكان فارقهم فى محلّ، فلمّا وصل ترجّلوا عن خيولهم إجلالا له، ونزل ذلك الرجل من خلفه، وأمره بالركوب خلف غلام، وأوصى الغلام بحفظه. فقال الرجل للغلام: من هذا؟ فقال له: أحمد بن طولون! فخاف الرجل خوفا عظيما من قوله، وظنّ أنّه مقتول لا محالة. ثم وصل أحمد إلى قصره، فلما وصل طلب الرّجل وقد تغيّر لونه، فلمّا رآه قال له: طمئن قلبك، لا تخف، فو الله ما جاء بى عندك إلّا بركة هذه المرأة الصالحة التى كنت عند قبرها، فإنى كنت نائما فرأيتها فى منامى وهى تقول: أدرك هذا المظلوم الجالس عند قبرى!

стр. 476

ثم أمر بإحضار العمّال، فلما حضروا أمرهم بإسقاط ما على الرجل، ثم أعطاه خمسمائة دينار. وحكى عنها أنها لقيت عثمان الزنجانى فى طريق بيت المقدس وعلى بدنها جبّة من صوف وهى تقول: «إلهى وسيدى، ما أبعد الطريق على من لم تكن أنت دليله. ووا وحشتاه على من لم تكن أنيسه!» . قال: فدنوت منها وسلمت عليها، فردّت علّى السّلام وقالت لى: من أنت- يرحمك الله؟ فقلت لها: أنا عثمان الزنجانى. فقالت: حيّاك الله يا عثمان، إلى أين تريد؟ فقلت: أريد بيت المقدس. فقالت لى: وما تصنع؟ قلت: لحاجة. فقالت لى: يا عثمان، أفلا أعلمت «١» صاحب الحاجة حتى يوجّه إليك بها ولا يتعبك فيها؟ فقلت: ليس بينى وبينه معرفة. فقالت: يا عثمان، ما الذي قطعك عن معرفته؟ قلت: كثرة الذنوب. فقالت لى: والله بئس ما صنعت، أما والله لو وصلت حبلك بحبل سيّدك لأوقفك بالباب وقضى حوائجك، وأمر الخزنة ألّا يعصوا لك أمرا. قبر الشيخ الزاهد يعلى بن عمران «٢» : ومن الشرق من قبرها قبر به الشيخ الزاهد يعلى بن عمران، عرف بحلاوة الغيب، حكى عنه أنه كان يطعم الناس حلاوة سخنة من الهواء، فاشتهر بذلك. وحكى عنه أنه قال: كانت لى حجرة آوى إليها، وكنت إذا خرجت منها أغلقتها وأخذت مفتاحها معى، فقفلتها يوما على جارى العادة، وتوجهت لحاجة، ثم جئت وفتحت الباب، فوجدت شخصا قائما يصلى، فانتظرته حتى

стр. 477

انفتل من صلاته «١» . فسلّم علّى وقال: يا يعلى، أنا الخضر. فقلت: يا سيدى، بالذى جمع بينى وبينك، علّمنى شيئا أقوله ينفعنى، أو إذا قلته نفعنى. فقال لى: «استغفر الله من كلّ ذنب أذنبته ثم تبت منه ثم عدت إليه، واسأله التّوبة، واستغفر الله من عهد عهدته لله على نفسك فلم توف «٢» به، واسأله التوبة، واستغفر الله تعالى من كلّ نعمة أنعمها عليك فى طول عمرك «٣» فاستعنت بها على معاصيه، واسأله الحميّة والعصمة من ذلك كله، واسأله التوبة والمغفرة، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم» . شعر: يا ساهيا غافلا عمّا يراد به ... حان الرّحيل، فما أعددت من زاد؟ تظنّ أنّك تبقى سرمدا أبدا ... هيهات أنت غدا مع من غدا غاد *** قبر بشرى بن سعيد الجوهرى «٤» : وشرقيه قبر الشيخ الصالح بشرى بن سعيد الجوهرى، جدّ سيدى أبى الفضل الواعظ المذكور. قال القضاعى: ملك بشرى ألف دينار، فتصدق بها كلها، وكان إذا جاءه بعد ذلك فقير يقترض على ذمّته ويعطيه خشية أن يردّه خائبا، فاجتمع

стр. 478

عليه جملة ديون، فجاء إليه أصحاب الديون وطالبوه بدينهم، فواعدهم يوم السبت، وكان الطلب له فى يوم الجمعة، فدخل إلى زوجته وأعلمها أنّ أصحاب الديون طلبوا ما عليه لهم، فقالت له زوجته: لو كنت إذا جاء إليك رجل فقير يطلب شيئا اختفيت منه، كان أولى بك، ولم تحتج إلى الاستدانة، واسترحت من طلب الناس. فقالت ابنة له صغيرة: بالله يا أبت لا تسمع كلام أمّى، ومن له الأمر كله يوفّى عنك. فقعد وفكّر فى الوفاء، وحان وقت صلاة الجمعة، فتوضّأ وذهب إلى الجامع لصلاة الجمعة، فلما ولّى إذا بشخص يطرق الباب، فقالت ابنته: من هذا؟ فقال: أنا، افتحى، ففتحت الباب، فرمى لها كيسا من داخل الباب، فوجدت فيه ألف دينار، ثم قال: قولى للشيخ: اقترض ولا تخف، فعلى الله الوفاء! فلما عاد الشيخ من صلاته أخبرته ابنته بذلك، فأخذ الكيس، وأوفى ما كان عليه من الدّين، وفضلت فضلة «١» فتصدق بها. وكان- ﵀ من أهل الخير، وقد تقدمت حكايته مع ابنة جعفر الصادق. وحكى عن رجل كان فى جواره، وكان منصرفا على نفسه، فلما مات سأل الله تعالى أن يريه إياه فى منامه، فرآه بعد موته، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: لقيت من الأهوال شيئا كثيرا، وذلك أنى لمّا سئلت فى قبرى تلجلج لسانى فلم أدر ما أقول، فقلت فى نفسى: ألم أمت على التوحيد؟ فماذا أتى علىّ؟ فقيل لى: إنّ هذه عقوبة فى حقّك لكثرة معاصيك فى الدنيا، فلمّا همّ الملكان بعقوبتى حال بينى وبينهم رجل جميل الوجه «٢» ، طيب

стр. 479

الرائحة، فلما نظرت إليه وإلى فعله معى قلت له: من أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا رجل خلقنى الله من كثرة صلاتك على النبي ﷺ ، وأمرت أن أنصرك فى الشدائد، وهأنذا أنصرك فى الشدائد فى كل موضع، ومعينك فى كل شدّة. قبر الفقيه أبى الحسن على بن كبيش «١» : ومن بحريّه قبر الفقيه المقرئ أبى الحسن على بن كبيش، كان من القرّاء السادة، العالمين بكتاب الله، الملازمين لتلاوته. ومن كلامه: «لو صدق قارىء القرآن لم تحرقه النار فى الدنيا. وإذا زنى قارىء القرآن اعتزله القرآن، ولم تبق آية من كتاب الله تعالى إلّا لعنته» . وكان يقول: «أكبر الكبائر فساد العلماء، وأشدّ المصائب زنى القرّاء» . وقال: «إنّ القرآن يأتى يوم القيامة ويأتى حوله المخلصون وهم كالنجوم، ويدور حوله قوم آخرون، فيقول لهم القرآن: بعدا بعدا، سحقا سحقا، ضيّعتمونى فى الدنيا فلا تصحبونى فى الآخرة» . وأبو الحسن هذا ليس هو شيخ الشيخ أبى الربيع المالقى الذي ذكره أبو العباس نعمة بن القسطلانى. قبر الشيخ الصالح أبى الحسن الصّفّار» : وبحريّه قبر مسنّم بالطوب الأحمر، به الشيخ الصالح أبو الحسن على بن عمار بن طالب الصّفّار.

стр. 480

حكى عنه المسكى وابن بصيلة: أنّ جنديّا أتى إليه وقاوله على عمل طبق من النحاس الأصفر، فجلس، وجلس الجندى عنده حتى فرغ، وكان لا يفتر لسانه عن ذكر الله ، فلما فرغ من الطبق دفعه للجندى، فأعطاه الجندى دينارا، فنظر إليه ورماه وقال: ادفع إلىّ ما شارطتك عليه. فألحّ الجندى عليه فى قبوله، فقال: إنّ لله عبادا لو قالوا لهذا النحاس الذي بين يدىّ كن ذهبا صار ذهبا! فدفع الجندىّ إليه ما شارطه عليه، وأخذ الطبق وسار به إلى منزله فوجده ذهبا، فجاء إليه فوجده قد مات. وكانت وفاته فى سنة ٤٣٨ هـ. *** وبالقرب من تربته أشهب «١» ، وقبر به إنسان يقال له الشيخ أبو بكر المصفّر، وهو على مسامته قبر الصّفّار «٢» ، لكن على بعد من جهته البحرية، ولقّب بالمصفّر لكثرة نحوله واصفراره، وكان مقيما برباط الفقيه نصر، وأوصى بأن يدفن بهذا المكان، وأنه إذا وضع فى قبره يؤخذ الكفن من عليه. وقال: أحبّ أن أخرج من الدنيا عريانا. حكى عنه قال: حججت سنة من السنين وإذا بأعرابىّ فى الطواف يقول: «إلهى، من أولى الناس بالتقصير منى وقد خلقتنى ضعيفا؟ ومن أولى منك بالكرم وقد تسمّيت رءوفا؟ أطعتك بمنّك ولك المنّة علىّ، وقد عصيتك بحلمك فلك الحجّة علىّ، فبانقطاع حجّتى ووجوب حجّتك، وفقرى إليك وغناك عنى إلّا ما غفرت لى» .

стр. 481

ثم أنشد يقول: يا ربّ، أنت أمرتنى ونهيتنى ... وسلكت بى طرق الضّلالة والهدى وعلمت أنّى لا أمرّ من الّذى ... قدّرت لى، إن كان خيرا أو ردى وسلكت بى ما شئت للشّىء الذي ... فى الخلق ما أخفيته عنهم سدى ودخلت من غير اختيار تحته ... والعبد محكوم عليه وإن غدا فاقبل بفضلك توبتى لك مخلصا ... وارحم فإنّى قد بسطت لك اليدا واغفر بفضلك ما مضى حتى أرى ... برضاك مسرورا على رغم العدا واصفح عن العبد المسىء يا سيّدى ... قد جاء معترفا وعاش موحّدا *** وفيما بين قبر المصفر والصفّار قبر مصطبة، به الرجل الصالح الأمير «خيثمة» ، من كبار الزّهّاد بمصر، وكان أميرا معتبرا، مات فى سجن أحمد ابن طولون. وكان له بنت من الصالحات بسفح المقطم، دفنت إلى جانب خيزرانة، من المكاشفات. قبر القاضى الزاهد أبى محمد عبد الوهاب الفقيه المالكى «١» : ومن بحرى قبر القاضى العالم الفقيه الإمام العلامّة أبو محمد عبد الوهاب ابن على بن نصر بن أحمد بن الحسن بن هارون بن مالك بن طوق الثعلبى،

стр. 482

الفقيه المالكى البغدادى، من ذرّيّة مالك بن طوق صاحب الرّحبة، ذكر هذا النّسب ابن ميسّر فى تاريخه، وأثنى عليه جماعة من علماء المالكية، ولم يكن فى زمانه أشهر منه فى مذهب مالك، ولا أحفظ لفقه مالك «١» ، وكانت ترد إليه الأسئلة من بلاد المغرب. وسمع الحديث كثيرا، وحدّث عن أبى القاسم عبد الواحد بن محمد بن عثمان بن إبراهيم البلخى، وأبى حفص عمر بن أحمد ابن شاهين، وأبى القاسم عبد الله بن الحسين بن الجلاب الفقيه ومن فى طبقتهم. وروى عنه جماعة من العلماء يطول شرحهم. وكان جليل القدر، عظيم المنزلة فى العلم، وله من المصنّفات كتاب «المعونة» «٢» وكتاب فروض الصلاة، وكتاب التلقين، وهو مع صغره من خيار الكتب، وشرح المدوّنة شرحا فائقا، وشرح الرسالة أيضا شرحا فائقا، قال القاضى عياض فى المدارك: مارئى كحفظ القاضى عبد الوهاب فى زمانه. وفيه قال أبو العلاء المعرّى لمّا اجتاز الشيخ عبد الوهاب بمعرّة النّعمان وأضافه أبو العلاء المذكور، وذلك عند توجّهه إلى مصر: والمالكىّ ابن نصر زار بلدتنا ... لمّا نأى، فحمدنا النّأى والسّفرا «٣» إذا تكلّم أحيا مالكا جدلا ... وينشر الملك الضّلّيل إن شعرا «٤» والملك الضّلّيل «٥» هو امرؤ القيس بن حجر كما زعموا.

стр. 483

وقيل له: لو وقفت للخليفة ورفعت قصّتك وعرّفته حالك أعطاك ما يحصل لك به الغنى. فقال: والله تلك العلامة على شقاوة العالم إذا وقف بباب السلطان، لا يرانى الله تعالى واقفا أبدا «١» بباب أحد من أبناء الدنيا. وكان- رضى الله عنه- يحب المصافحة، لحديث أنس بن مالك، رضى الله عنه، عن النبي ﷺ ، أنه قال: «ما من مسلمين التقيا فأخذ أحدهما بيد صاحبه إلّا كان حقّا على الله تعالى أن يحضر دعاءهما، ولا يفرّق بين أيديهما حتى يغفر لهما. وما من قوم يذكرون الله تعالى لا يريدون بذلك إلّا وجهه، إلّا ناداهم مناد من السّماء أن قوموا مغفورا لكم، قد بدّلت سيّئاتكم حسنات» أخرجه أحمد. وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله تعالى واستغفراه غفر لهما» . وعن قتادة قال: «قلت لأنس بن مالك: أكانت المصافحة فى أصحاب رسول الله، ﷺ ؟ قال: نعم» . أخرجه البخارى. وحكى أنّ بعض الفاطميين جلس مع بعض أصحابه فتحدث معهم، فقال لهم: هل فيكم من يعرف سبب قول القائل: «لا يفتى ومالك بالمدينة» ؟ فسكتوا كلهم وقالوا: إن كان ولا بد فعلم هذا يوجد عند عبد الوهاب البغدادى. فقال الخليفة: هل هذا يوجد عنده؟ قالوا: نعم. قال: قوموا بنا إليه ولا تعرّفونى إليه. فقالوا: حبّا وكرامة. فقام الخليفة ومن معه حتى جاءوا إلى منزل القاضى عبد الوهاب، فطرق الخليفة الباب، فخرج إليه الشيخ عبد الوهاب، وأذن له ولمن معه بالدخول، فدخلوا، فقال له الخليفة بعد أن سلّم عليه: يا مولاى، هل فى ذكركم لأىّ سبب قيل: لا يفتى ومالك بالمدينة؟ فقال الشيخ: نعم، بلغنى أنّ مالكا-

стр. 484

رضى الله عنه- كان شابّا، وكان يقرأ على ربيعة، وكانت فى زمانه غاسلة تغسّل الموتى، فأدخلت على امرأة جميلة ماتت لتغسلها، فعندما جرّدتها من أثوابها على دكّة المغتسل وضعت يدها على فخذها وقالت: ما كان أزناه من فخذ! فالتصقت يدها على فخذ المرأة، ولم يقدر أحد على خلاصها، فاستفتت الفقهاء فى ذلك، فاختلف علماء المدينة اختلافا عظيما، فقال بعضهم: نقطع يد الغاسلة. وقال بعضهم: يقطع من فخذ الميّتة بقدر الحاجة، واشتد الخلاف فى ذلك ولم يبق إلّا مالك، فأتوه فأخبروه بهذه المسألة، فقال: تضرب الغاسلة حدّ القذف. فجاءوا إليها، وفعلوا ذلك بها، فخلصت يد الغاسلة عند آخر ضربة، فتعجبوا من ذلك، فضرب الناس المثل بقولهم: «لا يفتى ومالك بالمدينة» . ويروى أنه رئى فى المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أثابنى بكل كتاب وضعته، إلّا كتاب «التلقين» ، فإنّى كنت صنعته لمضاهاة كتاب إنسان على مذهب مالك «١» ، ولم أرد به وجه الله تعالى، وانتفعت كثيرا بكتاب «المعونة» ، فإنى أردت به وجه الله سبحانه. قيل: وله كتاب يسمى «النصرة» ، قال بعض المالكية: لو وجد هذا الكتاب لم يحتج إلى كتاب فى مذهب مالك. وسئل عن سبب خروجه من بغداد- وهى دار العلم- فقال: لم أجد بها ما أقتأت به، ولو وجدت ما خرجت، ثم أنشد: فو الله ما فارقتها عن قلى لها ... وإنّى بشطّى جانبيها لعارف «٢»

стр. 485

ولكنها ضاقت علىّ بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف وكانت كخلّ كنت أرجو دنوّه ... وأخلاقه من سوء قسمى تخالف «١» وكان له أخ بزّاز بمصر، فبلغه قدوم الشيخ من بغداد إلى أرض مصر، فنذر: أنّ أوّل من يبشّره بقدوم أخيه يدفع له مائة دينار، ثم إنّه وزنها وصرّها فى صرّة، وجعلها فى رفّ فى حانوته، وبلغ ذلك الشيخ عبد الوهاب، فجاء إلى القرافة ودخل إلى سوقها فوجد رجلا يضفّر الخوص «٢» ، فجلس عنده وتحدث معه، ثم قال له: بكم تعمل كلّ يوم؟ قال: بنصف درهم. فقال: ألك عيال؟ قال: نعم. فقال له: هل أدلّك على شىء يغنيك عن هذا؟ قال: يا سيدى افعل ما أنت أهله. فقال له: قم واذهب إلى سوق البزّازين بمصر، واسأل عن أخى عبد الوهاب البغدادى، فإذا اجتمعت عليه سلّم عليه وقل له: إنّ أخاك وصل إلى هنا وهو يقرئك السلام وهو عندى. فقام الرجل من وقته وساعته وتوجّه إلى مصر، ودخل سوق البزازين، وسأل عن أخى عبد الوهاب، فدلّه الناس عليه، فلما اجتمع به سلّم عليه وأخبره، ففرح بذلك فرحا شديدا، وأعطاه المائة دينار، وقام معه إلى الشيخ، واجتمع كلّ واحد منهما بصاحبه. وأقام الشيخ عبد الوهاب بمصر، ورزق بها حظّا عظيما. وكان مولده فى سابع شوال سنة ٣٦٢ هـ. وتوفى فى رابع صفر الخير سنة ٤٢٢ هـ، وقيل بل فى شهر شعبان. وحكى عنه أنه لمّا مات أضاء البيت نورا، وسمع أهل المنزل قائلا يقول: هذه أنوار الأعمال الصادرة عن الأبرار. وقال العلّامة شمس الدين محمد بن أحمد بن خلّكان فى كتابه المسمّى بوفيات الأعيان فى ترجمته بعد ذكر نسبه المذكور: ذكره الخطيب فى تاريخ بغداد

стр. 486

فقال: سمع أبا عبد الله بن العسكرى، وعمر بن محمد بن سنبك «١» ، ولم تلق فى المالكية أفقه منه. وكان حسن النّظر، جيد العبارة، وتولى القضاء بباذرايا وباكسايا. وخرج فى آخر عمره إلى مصر فمات بها. وذكره ابن بسّام فى كتاب الذخيرة فقال: كان ثقة، وكان بقية الناس، ولسان أصحاب القياس، وقد وجدت له شعرا معانيه أجلى من الصّبح، وألفاظه أحلى من الظّفر بالنجح «٢» ، ونبت به بغداد كعادة البلاد بذوى فضلها، وعلى حكم الأيام فى محسنى أهلها، فخلع أهلها، وودّع ماءها وظلّها، وحدّثت أنه شيّعه- يوم فصل عنها- من أكابرها، وأصحاب محابرها جملة موفورة، وطوائف كثيرة، وأنه قال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كلّ غداة وعشيّة ما عدلت عن بلدكم بلوغ أمنية، وفى ذلك يقول: سلام على بغداد منى تحية ... وحقّ لها منّى السّلام مضاعف «٣» فو الله ما فارقتها عن قلى لها ... وإنّى بشطّى جانبيها لعارف ولكنها ضاقت علىّ بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف وكانت كخلّ كنت أهوى دنوّه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف «٤» ثم توجّه إلى مصر فحمل لواءها، وملأ أرضها علوما، واستتبع ساداتها وكبراءها، وتناهت عليه الغرائب، وانثالت «٥» فى يديه الرغائب، فمات لأوّل

стр. 487

وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها، وزعموا أنه قال وهو يتقلّب ونفسه تتصعّد وتتصوّب: «لا إله إلّا الله، إذا عشنا متنا» . وله أشعار رائقة، فمن ذلك قوله: ونائمة قبّلتها فتنبّهت ... وقالت: تعالوا فاطلبوا اللّصّ بالحدّ فقلت لها: إنّى فديتك غاصب ... وما حكموا فى غاصب بسوى الرّدّ خذيها وكفّى عن أثيم ظلامة ... وإن أنت لم ترضى فألفا على العدّ فقالت: قصاص يشهد العقل أنّه ... على كبد الجانى ألذّ من الشّهد فباتت يمينى وهى هميان خصرها ... وباتت يسارى وهى واسطة العقد فقالت: ألم أخبر بأنّك زاهد ... فقلت لها: ما زلت أزهد فى الزّهد وله أيضا شعر: متى تصل العطاش إلى ارتواء ... إذا استقت البحار من الرّكايا ومن يثنى الأصاغر عن مراد ... وقد جلس الأكابر فى الزّوايا وإنّ ترفّع الوضعاء يوما ... على الرّفعاء من إحدى الرّزايا «١» إذا استوت الأسافل والأعالى ... فقد طابت منادمة المنايا «٢» وله أيضا: بغداد دار لأهل المال طيّبة ... وللمفاليس دار الضّنك والضّيق ظللت حيران أمشى فى أزقّتها ... كأنّنى مصحف فى بيت زنديق

стр. 488

وله أيضا: أيا من قوله نعم ... وكلّ فعاله نعم تقول لقد سعى الواشو ... ن بالتّحريش لا سلموا وقد راموا قطيعتنا ... فقلت: بلى أنا لهم وله أيضا: أتذكر إذ نهاية ما تمنّى ... ملاحظة بما منه تثور فحين نسجت بينكما التّصافى ... دخلت، وصرت منبوذا أجور وذكر صاحب الذّخيرة أنه ولى القضاء بمدينة «اسعرد» ، وسئل عن مولده فقال: يوم الخميس السابع من شوال سنة ٣٦٢ هـ ببغداد، وتوفى ليلة الاثنين فى الرابع عشر من صفر سنة ٤٢٢ هـ بمصر. وقيل إنه توفى فى شعبان من السنة المذكورة- رحمه الله تعالى- ودفن بالقرافة الصّغرى، وزرت قبره ما بين قبة الإمام [الشافعى] «١» ، ﵀ ورضى عنه، وباب القرافة بالقرب من ابن القاسم وأشهب- رحمهما الله تعالى. وكان أبوه من أعيان الشهود المعدّلين ببغداد، وكان أخوه أبو الحسن محمد بن علىّ بن نصر أديبا فائقا فاضلا، صنّف كتاب «المفاوضة» «٢» للملك العزيز جلال الدولة «٣» أبى منصور بن أبى طاهر بهاء «٤» الدولة بن عضد الدولة ابن بويه، جمع فيه جميع ما شاهده، وهو من الكتب العظيمة، فى ثلاثين كرّاسة. وله رسائل ضمن ديوان. ومولده فى بغداد فى إحدى الجمادين سنة ٣٧٢ هـ،

стр. 489

وتوفى يوم الأحد لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر سنة ٤٣٧ هـ بواسط، وكان قد صعد إليها من البصرة فمات بها. وتوفى أبوهما أبو الحسن يوم السبت ثانى شهر رمضان سنة ٣٩١ هـ. انتهى كلام العلّامة ابن خلكان- رحمه الله تعالى. *** قبر القاضى سرىّ الدين أبى الوليد المالكى «١» : ومعه فى الحوش من جهة قبره البحرية قبر الشيخ الصالح سرى الدين المالكى، وهو: سرىّ الدّين أبو الوليد إسماعيل ابن الفقيه بدر الدين بن عبد الله محمد اللّخمى الأندلسى الغرناطى المالكى النحوى، نزيل حماة. كان فاضلا، حجّة نبيلا، يوازى الشيخ عبد الوهاب فى المذهب، توفى سنة ٧٧١ هـ. ولى القضاء بحماة مدّة، وكان متصديا بالإقراء لإيضاح علم البيان والبديع، وولى القضاء بدمشق مدة، ثم عاد إلى حماة متوليا أمر النقض والإبرام، ثم عزل وقدم مصر لشغل عرض له، فأدركه الموت وحال بينه وبين حاجته التى قدم بسببها. قبر الفقيه عتيق بن بكار «٢» : وإلى جانبه قبر الشيخ الإمام العالم الفقيه، عتيق بن بكّار «٣» يكنى أبا القاسم، كان من أكابر العلماء، وكان يقول: ما أذّن المؤذّنون قطّ إلّا وأنا على وضوء. وتوفى ليلة الاثنين الثانى والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ٤٢٠ هـ.

стр. 490

قبر العابدة الناسكة أم الفضل «١» : وهناك قبور أصحاب الحانوت، وقبلى هذا الحوش تربة بها قبر المرأة الصالحة أم الفضل فاطمة بنت الحسين بن على بن الأشعث بن محمد البصرى، من ذرّيّة الأشعث بن قيس الكندى. كانت من العابدات الصّالحات النّاسكات، ملازمة لزيارة قبور الغرباء، وقبرها عرف بإجابة الدعاء. وشرقيّها فى حد باب التربة قبر الشيخ الصالح شرف الدين الأخفافى، من أرباب الأسباب، ومن فعلاء الخير، يعرف «بغطّى يدك» . قبر الفقيه أبى جعفر الطحاوى «٢» : ومن قبليّه بخطوات حوش داثر، به قبر الشيخ الفقيه، الإمام المحدّث أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدى الطحاوى الحنفى الحافظ، أحد الأعلام، سمع جماعة، وخرج إلى الشام سنة ٢٦٧ هـ «٣» ، ولقى قاضيها أبا حازم، فتفقّه به وبغيره. وكان ثقة نبيلا، تقيّا، فقيها، عاقلا، لم يخلق بعده مثله، يكنى أبا جعفر، اشتغل فى أول عمره على خاله أبى إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنى الشافعى، ثم غضب منه فقال له: والله لا أفلحت ولا جاء منك. فغضب

стр. 491

الطحاوى من ذلك، وانتقل إلى أبى جعفر بن أبى عمران الحنفى واشتغل عليه بمذهبه، وصار رأسا فيه. كان يقول: رحم الله خالى- يعنى أبا إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنىّ- لو كان حيّا لكفّر عن يمينه- يعنى قوله: والله لا أفلحت- قال بعض المشايخ: ما أراه كان يكفّر عنه، إذ المعتقد أنه انتقل من الصواب إلى الخطأ لمن يعتقد ذلك فيه، ولم تجب الكفّارة لمن حلف على عدم ذلك. وكان يلبس الصوف على جلده، فقال له بعض تلامذته: يا إمام، لم لا تلبس ثيابا فاخرة؟ فقال: يا بنىّ، هذا كثير فيمن يموت. وكان مجاب الدعوة. وكان كثيرا ما يقول: من طهّر قلبه من الحرام فتحت لدعوته أبواب السماء. وكان «تكين» الجبّار يحبه محبة عظيمة، فأرسل إليه فى وقت وقال له: هل لك فى أن أزوّجك ابنتى؟ قال: لا. قال له: فاسألنى أرضا أقطعكها. قال: لا. قال: فاسألنى ما شئت. قال: وتسمع؟ قال: نعم. قال: احفظ دينك كيلا ينفلت منك كما تنفلت «١» الإبل من عقالها، واعمل فى فكاك نفسك، وإيّاك ومظالم العباد، فإن الله تعالى يقول: «اشتدّ غضبى على من ظلم من لم يجد غيرى ناصرا» . فاحذر أن يشتد غضبه عليك. وكان للطحاوى نظم رائق ونثر فائق، فمنه ما كان جوابا عن سؤال وردّ صورة السؤال: أبا جعفر ماذا تقول فإنّه ... إذا نابنا خطب عليك نعوّل «٢» ولا تنكرن قولى وأبشر برحمة ... من الله فى الأمر الذي عنه تسأل أفى الحبّ من عار أم العار تركه ... وهل من لحا أهل الصّيانة يجهل «٣» ؟

стр. 492

وهل بمباح فيه قتل متيّم ... يهاجره أحبابه ويواصل؟ فرأيك فى ردّ الجواب فإنّنى ... بما فيه تقضى أيّها الشّيخ أفعل فأجابه على ظهر الرّقعة التى فيها السؤال «١» : سأقضى قضاء فى الذي عنه تسأل ... وأحكم بين العاشقين فأعدل فديتك، ما بالحبّ عار علمته ... ولا العار ترك الحبّ إن كنت تعقل ومهما لحا فى الحبّ لاح فإنّه ... لعمرك عندى من ذوى الجهل أجهل ولكنّه إن مات فى الحبّ لم يكن ... له قود عندى ولا عقل يعقل «٢» ووصلك من تهوى وإن صدّ واجب ... عليك، كذا حكم المتيّم يفعل فهذا جوابى، فيه عندى قناعة ... لما جئت عنه أيّها الشّيخ تسأل *** ولد الطحاوى سنة ثمان وثلاثين ومائتين «٣» وتوفى مستهل ذى القعدة الحرام سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. وهو منسوب إلى «طحا» وهى بلدة بصعيد مصر. *** قبور الصالحين من بنى الأشعث «٤» : وبالحوش المذكور «٥» قبر الشيخ الصالح عمر بن الحسين بن على بن

стр. 493

الأشعث بن محمد البصرى، من أعيان العلماء، وحوله جماعة من ذرّيّته، ومعه أخوه عبد الله بن الحسين. وكان على قبر عمر المذكور لوح من الرخام مكتوب فيه: هذا قبر من أكثر قراءة القرآن فى الدّياجى، وعمل عمل الأبرار فيما هو إليه صائر، ولم يزل يترقى فى ذروة الفلاح حتّى عدّ من الأكابر الأبرار. والدعاء مجاب عند هذه المقبرة، كما حكى عن بعض مشايخ الزيارة قال: كنت كثير الزيارة لهذه المقبرة، وكنت كثير القراءة لهذا اللّوح الرخام، فجئت للزيارة على جارى العادة، ففقدت اللّوح، فتألّمت لفقده، فلما كان الليل رأيت فى منامى رجلا جميلا ذا هيبة حسنة، فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا عمر بن الأشعث، وإنّى سألت الله فى إزالة تلك الرخامة من على قبرى، ففعل، فاسأل عند قبرى ما شئت. وبهذه التربة قبر الحسين بن الأشعث، والد عمر المذكور. وعبد الله توفى فى شهر رمضان سنة ٢٩٦ هـ. وإلى جانبه قبر ولد ولده عبد الله، يقال له إبراهيم، توفى سنة ٣١٠ هـ. وإلى جانبهم قبر الفقيه العارف محمد بن محمد ابن عبد الله بن الأشعث، يكنى أبا بكر، توفى فى المحرم لإحدى عشرة ليلة خلت منه سنة ٢٩٢ هـ. وإلى جانبهم قبر الفقيه يحيى بن الحسين بن على بن الأشعث، يكنى أبا العباس، أحد شهود القاضى أبى محمد عبد الله بن أحمد ابن زين، توفى سنة ٣٣٥ هـ، وهو معروف بصاحب الدار، وهو غير صاحب الدار الذي عند المفضل بن فضالة، والذي عند «سماسرة الخير» . ولقّب بصاحب الدّار لأن داره كان ينزل فيها من ورد من القضاة على مصر «١» . وعلى باب تربتهم القبلى قبر الشيخ الصالح جمال الدين عبد الله بن يحيى ابن إسماعيل بن محمد بن الأشعث، توفى سنة ٢٦٠ هـ «٢» .

стр. 494

ولبنى الأشعث مقابر أخرى سوى هذه المقبرة. وبهذه المقبرة قبر الفقيه الإمام الأصيل أبى عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن عبد الله بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشى المطّلبى، يجتمع مع الشافعى فى العباس بن عثمان. كان من أجلّاء العلماء، روى عنه أبو بكر بن أحمد. قبر الفقيه الزاهد أبى الفدا رشيد الدين الدمشقى «١» : ومن شرقى تربة الطحاوى المذكور قبر الشيخ الصالح، الفقيه المعتقد، المفتى الكبير، أبى الفضل إسماعيل بن عثمان بن محمد بن عبد الكريم بن تمّام القرشى اليمانى الدمشقى الحنفى، يلقّب برشيد الدين، ويكنى أبا الفدا، ويعرف بابن المعلم، مولده فى شهر رجب الفرد سنة ٦٢٣ هـ، وقرأ القرآن بالسبع على العالم السخاوى، شارح الشاطبية، وتفقه على الحضرى وغيره، وقرأ النحو على الشيخ جمال الدين بن مالك «٢» ، وروى الحديث عن الحسين الزبيدى «٣» ، وعن شيخه السخاوى، وابن الصلاح، وابن خليل، والعزّ النّسّابة، وبرع فى الفقه وفى العربية، ودرّس وأفتى وأفاد، وانفرد بالرواية عن الزبيدى، وسمع من جماعة من أعيان مصر. وكان عنده زهد وانقطاع عن الناس، قدم من دمشق إلى ديار مصر سنة ٦٩٩ هـ عند دخول التتار «٤» هو وولده الشيخ تقي الدين أبو المحاسن يوسف.

стр. 495

وتوفى الشيخ تقي الدين هذا بعد والده فى شهر جمادى الآخرة، فى الخامس والعشرين منه سنة ٧٢٤ هـ. ونزل بدار بجوار الجامع الأزهر قبل موته بنحو سنتين، وأقام بمصر بضع عشرة سنة. وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يحبه ويعظّمه ويثنى عليه فى علمه. وكانت وفاته يوم الأربعاء خامس شهر رجب سنة ٧١٣ هـ «١» . قبر الشيخ الزّقّاق «٢» : ثم ترجع إلى قبلى حوش الإمام أبى جعفر الطحاوى تجد تربة بها قبر الشيخ الصالح أحمد «٣» بن نصر الزّقّاق، يكنى أبا بكر، من أقران الجنيد، ذكره الإمام أبو القاسم القشيرى فى الرسالة، وأبو نعيم فى الحلية، وأبو الفرج بن الجوزى فى الصفوة. كان من أكابر مصر، قال بعضهم: سمعت الكتّانيّ يقول لمّا مات الزّقّاق: «انقطعت حجّة الفقراء فى دخولهم مصر» ، لأن الفقراء كانوا يقصدون ديار مصر لما فيها من الأرزاق، وكثرة الرخاء فى الأسعار، ويزعمون أنهم إنّما قصدوا مصر لزيارته. قال الزّقّاق: «من لم يصحبه التقى فى فقره أكل الحرام المحض» «٤» .
следующие страницы →