← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11789

مرشد الزوار الى قبور الابرار

زين الدين ابن الموفق

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الطحاوى من ذلك، وانتقل إلى أبى جعفر بن أبى عمران الحنفى واشتغل عليه بمذهبه، وصار رأسا فيه. كان يقول: رحم الله خالى- يعنى أبا إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنىّ- لو كان حيّا لكفّر عن يمينه- يعنى قوله: والله لا أفلحت- قال بعض المشايخ: ما أراه كان يكفّر عنه، إذ المعتقد أنه انتقل من الصواب إلى الخطأ لمن يعتقد ذلك فيه، ولم تجب الكفّارة لمن حلف على عدم ذلك. وكان يلبس الصوف على جلده، فقال له بعض تلامذته: يا إمام، لم لا تلبس ثيابا فاخرة؟ فقال: يا بنىّ، هذا كثير فيمن يموت. وكان مجاب الدعوة. وكان كثيرا ما يقول: من طهّر قلبه من الحرام فتحت لدعوته أبواب السماء. وكان «تكين» الجبّار يحبه محبة عظيمة، فأرسل إليه فى وقت وقال له: هل لك فى أن أزوّجك ابنتى؟ قال: لا. قال له: فاسألنى أرضا أقطعكها. قال: لا. قال: فاسألنى ما شئت. قال: وتسمع؟ قال: نعم. قال: احفظ دينك كيلا ينفلت منك كما تنفلت «١» الإبل من عقالها، واعمل فى فكاك نفسك، وإيّاك ومظالم العباد، فإن الله تعالى يقول: «اشتدّ غضبى على من ظلم من لم يجد غيرى ناصرا» . فاحذر أن يشتد غضبه عليك. وكان للطحاوى نظم رائق ونثر فائق، فمنه ما كان جوابا عن سؤال وردّ صورة السؤال: أبا جعفر ماذا تقول فإنّه ... إذا نابنا خطب عليك نعوّل «٢» ولا تنكرن قولى وأبشر برحمة ... من الله فى الأمر الذي عنه تسأل أفى الحبّ من عار أم العار تركه ... وهل من لحا أهل الصّيانة يجهل «٣» ؟

стр. 492

وهل بمباح فيه قتل متيّم ... يهاجره أحبابه ويواصل؟ فرأيك فى ردّ الجواب فإنّنى ... بما فيه تقضى أيّها الشّيخ أفعل فأجابه على ظهر الرّقعة التى فيها السؤال «١» : سأقضى قضاء فى الذي عنه تسأل ... وأحكم بين العاشقين فأعدل فديتك، ما بالحبّ عار علمته ... ولا العار ترك الحبّ إن كنت تعقل ومهما لحا فى الحبّ لاح فإنّه ... لعمرك عندى من ذوى الجهل أجهل ولكنّه إن مات فى الحبّ لم يكن ... له قود عندى ولا عقل يعقل «٢» ووصلك من تهوى وإن صدّ واجب ... عليك، كذا حكم المتيّم يفعل فهذا جوابى، فيه عندى قناعة ... لما جئت عنه أيّها الشّيخ تسأل *** ولد الطحاوى سنة ثمان وثلاثين ومائتين «٣» وتوفى مستهل ذى القعدة الحرام سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. وهو منسوب إلى «طحا» وهى بلدة بصعيد مصر. *** قبور الصالحين من بنى الأشعث «٤» : وبالحوش المذكور «٥» قبر الشيخ الصالح عمر بن الحسين بن على بن

стр. 493

الأشعث بن محمد البصرى، من أعيان العلماء، وحوله جماعة من ذرّيّته، ومعه أخوه عبد الله بن الحسين. وكان على قبر عمر المذكور لوح من الرخام مكتوب فيه: هذا قبر من أكثر قراءة القرآن فى الدّياجى، وعمل عمل الأبرار فيما هو إليه صائر، ولم يزل يترقى فى ذروة الفلاح حتّى عدّ من الأكابر الأبرار. والدعاء مجاب عند هذه المقبرة، كما حكى عن بعض مشايخ الزيارة قال: كنت كثير الزيارة لهذه المقبرة، وكنت كثير القراءة لهذا اللّوح الرخام، فجئت للزيارة على جارى العادة، ففقدت اللّوح، فتألّمت لفقده، فلما كان الليل رأيت فى منامى رجلا جميلا ذا هيبة حسنة، فقلت له: من أنت؟ فقال: أنا عمر بن الأشعث، وإنّى سألت الله فى إزالة تلك الرخامة من على قبرى، ففعل، فاسأل عند قبرى ما شئت. وبهذه التربة قبر الحسين بن الأشعث، والد عمر المذكور. وعبد الله توفى فى شهر رمضان سنة ٢٩٦ هـ. وإلى جانبه قبر ولد ولده عبد الله، يقال له إبراهيم، توفى سنة ٣١٠ هـ. وإلى جانبهم قبر الفقيه العارف محمد بن محمد ابن عبد الله بن الأشعث، يكنى أبا بكر، توفى فى المحرم لإحدى عشرة ليلة خلت منه سنة ٢٩٢ هـ. وإلى جانبهم قبر الفقيه يحيى بن الحسين بن على بن الأشعث، يكنى أبا العباس، أحد شهود القاضى أبى محمد عبد الله بن أحمد ابن زين، توفى سنة ٣٣٥ هـ، وهو معروف بصاحب الدار، وهو غير صاحب الدار الذي عند المفضل بن فضالة، والذي عند «سماسرة الخير» . ولقّب بصاحب الدّار لأن داره كان ينزل فيها من ورد من القضاة على مصر «١» . وعلى باب تربتهم القبلى قبر الشيخ الصالح جمال الدين عبد الله بن يحيى ابن إسماعيل بن محمد بن الأشعث، توفى سنة ٢٦٠ هـ «٢» .

стр. 494

ولبنى الأشعث مقابر أخرى سوى هذه المقبرة. وبهذه المقبرة قبر الفقيه الإمام الأصيل أبى عبد الله محمد بن أحمد بن محمد ابن عبد الله بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشى المطّلبى، يجتمع مع الشافعى فى العباس بن عثمان. كان من أجلّاء العلماء، روى عنه أبو بكر بن أحمد. قبر الفقيه الزاهد أبى الفدا رشيد الدين الدمشقى «١» : ومن شرقى تربة الطحاوى المذكور قبر الشيخ الصالح، الفقيه المعتقد، المفتى الكبير، أبى الفضل إسماعيل بن عثمان بن محمد بن عبد الكريم بن تمّام القرشى اليمانى الدمشقى الحنفى، يلقّب برشيد الدين، ويكنى أبا الفدا، ويعرف بابن المعلم، مولده فى شهر رجب الفرد سنة ٦٢٣ هـ، وقرأ القرآن بالسبع على العالم السخاوى، شارح الشاطبية، وتفقه على الحضرى وغيره، وقرأ النحو على الشيخ جمال الدين بن مالك «٢» ، وروى الحديث عن الحسين الزبيدى «٣» ، وعن شيخه السخاوى، وابن الصلاح، وابن خليل، والعزّ النّسّابة، وبرع فى الفقه وفى العربية، ودرّس وأفتى وأفاد، وانفرد بالرواية عن الزبيدى، وسمع من جماعة من أعيان مصر. وكان عنده زهد وانقطاع عن الناس، قدم من دمشق إلى ديار مصر سنة ٦٩٩ هـ عند دخول التتار «٤» هو وولده الشيخ تقي الدين أبو المحاسن يوسف.

стр. 495

وتوفى الشيخ تقي الدين هذا بعد والده فى شهر جمادى الآخرة، فى الخامس والعشرين منه سنة ٧٢٤ هـ. ونزل بدار بجوار الجامع الأزهر قبل موته بنحو سنتين، وأقام بمصر بضع عشرة سنة. وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يحبه ويعظّمه ويثنى عليه فى علمه. وكانت وفاته يوم الأربعاء خامس شهر رجب سنة ٧١٣ هـ «١» . قبر الشيخ الزّقّاق «٢» : ثم ترجع إلى قبلى حوش الإمام أبى جعفر الطحاوى تجد تربة بها قبر الشيخ الصالح أحمد «٣» بن نصر الزّقّاق، يكنى أبا بكر، من أقران الجنيد، ذكره الإمام أبو القاسم القشيرى فى الرسالة، وأبو نعيم فى الحلية، وأبو الفرج بن الجوزى فى الصفوة. كان من أكابر مصر، قال بعضهم: سمعت الكتّانيّ يقول لمّا مات الزّقّاق: «انقطعت حجّة الفقراء فى دخولهم مصر» ، لأن الفقراء كانوا يقصدون ديار مصر لما فيها من الأرزاق، وكثرة الرخاء فى الأسعار، ويزعمون أنهم إنّما قصدوا مصر لزيارته. قال الزّقّاق: «من لم يصحبه التقى فى فقره أكل الحرام المحض» «٤» .

стр. 496

وقال أيضا: «تهت فى تيه بنى إسرائيل خمسة عشر يوما، ثم وجدت الطريق، فرأيت جنديّا فسقانى. شربة ماء، فلما سقانى أحسست بكرب عظيم، فأنا أجد قسوتها فى قلبى ثلاثين سنة» . وقال الرّفّاء: سألت الزّقّاق: من أصحب؟ قال: من أسقط بينك وبينه مؤنة التّحفّظ. وقال: لا يصلح الفقراء إلّا لأقوام كنسوا بأرواحهم المزابل. وقال الزّقّاق: كنت أبكر للجامع فى كل جمعة أجلس عند الجنيد، فمررت فى يوم جمعة على جارى العادة، فرأيت فى طريقى رجلين يقول أحدهما «١» للآخر: اذهب بنا للجنيد نسأله عن الزّقّاق، فتبعتهما حتى دخلا سقاية يتطهران «٢» ، فرأيت معهما شيئا كرهته، فقلت: لا حول ولا قوة إلّا بالله العلىّ العظيم، إنّا لله وإنا إليه راجعون. ثم جاءا وأنا معهما «٣» حتى وقفا على الجنيد، فقال: أين المغتاب؟ فقلت فى نفسى: قد علم بى وتكلّم على خاطرى. ثم قال الثانية: أين المغتاب؟ اسألنا حتى نجعلك فى حلّ. فقلت: يا سيدى، ما قلته إلّا غيرة. فقال: يا أبا بكر، لا تتّهم أقواما أتحفهم الحقّ فى سابق علمه وأزليّته، وطهّرهم بكرامة وحدانيته، حتى إذا كان وقت بدئهم استخرجهم من أنوار خاصة «٤» ، وعجن أرواحهم بأنواع أنوار قدسه، وأقامهم بين يديه، ونظر إليهم بعين رحمته،

стр. 497

وألبسهم تيجان ولايته، فإن دعوه أجابهم، وإن سألوه أعطاهم، فلا تدركهم خفيات الألحاظ، ولا تغيّرهم جمّات الأشرار «١» ، فهم ينظرون به وإليه فى جميع الأحوال، مستغنون به عمّن سواه. ثم قال: إنى نظرت فلم أرهم. وقال أبو علىّ الرّوذبارىّ: دخلت على أبى بكر الزّقّاق، فرأيته بحالة عجيبة وهو غائب، فصبرت حتى رجع ضحوة، فقلت: مالك أيها الشيخ؟ فقال: اجتزت ببعض الخرابات فإذا بشخص ينشد «٢» : أبت غلبات الشّوق إلّا تقرّبا ... إليك ويأبى العدل إلّا تجنّبا «٣» وما كان صدّى عنك صدّ ملالة ... وما كان ذاك البعد إلّا تقرّبا وما كان ذاك العذر إلّا نصيحة ... وما كان ذا الإغضاء إلّا تعقّبا «٤» علىّ رقيب منك حلّ بمهجتى ... إذا رمت تسهيلا عليه تصعّبا «٥» فما هو إلّا أن سمعت ذلك حتى صرت إلى ما ترى ممّا لحقنى، فلما أفقت قال لى: [هكذا] من تحقّق فى عبوديته «٦» ، لم يخل [محبّ] من البلاء. فقمت وتركته. والزّقاق منسوب إلى بيع الزّقّ «٧» وعمله، وكانت وفاة الزّقّاق سنة

стр. 498

٢٩٢ هـ «١» نقل ذلك من اللّوح الرّخام الذي كان على قبره. *** ومن بحرىّ قبره قبر به السيدة عائشة، عرفت بجبر الطّير «٢» ، كان الطّير كثير الإلف لها. حكى عنها أنها مرّت على رجل شوّاء قد طلع بخروف شواء من تنّور، فلما رأته بكت، فظنّ أنها بكت لمّا رأت الشواء وليس لها قدرة على شرائه، فجاء لها بشىء منه، فقالت: لم أقصد ذلك، ولكن نظرت إلى الحيوانات تدخل النار ميتة وأنّ الآدمىّ يدخل حيّا، ثم بكت حتى غشى عليها، فلما أفاقت أنشدت «٣» : كيف الرّحيل بلا زاد إلى وطن ... لا ينفع المرء فيه غير تقواه من لم يكن زاده التّقوى فليس له ... يوم القيامة عذر عند مولاه ***

стр. 499

ومن بحرىّ قبرها قبر الشيخ الصالح علىّ، يكنى أبا الحسن، ويعرف بطبّ الوحش. حكى عنه قال: حججت سنة من السّنين فى البحر المالح فهبّت» علينا ريح كسرت المركب، فصعدت على لوح، فما زالت الأمواج تلعب بى حتى ألقتنى على جزيرة من جزائر البحر، فطلعت إلى الجزيرة ومشيت فيها، فرأيت بها ما أدهش عقلى من الفواكه من غير مباشر لزرع ذلك، ثم مشيت قليلا فرأيت قردا راقدا على ذراعه، قال: فدنوت منه، فوجدت يده فى شق من الأرض مشبوكة وهو يتألم منها، فأخذت عودا وحفرت حولها حتى تخلصت وطلع بها، فوجدتها قد انسلخت وقيّحت، فمسحتها له، وقطعت شريطا «٢» من خلق عمامتى وربطت به يده، فلما رأى الإحسان منى إليه أشار إلىّ بالجلوس، فجلست، ومضى قليلا ثم عاد ومعه ورق على صورة ورق التفاح، فجعل يأكل منه ويشير إلىّ أن كل منه، فأكلت منه، فمن ثمّ لم يصبنى ألم، وعمرت عمرا طويلا. *** قبر المقرئ إسماعيل الحداد: ثم ترجع منحرفا إلى الغرب إلى قبر أبى محمد إسماعيل المقرئ المحدّث، المعروف بالحدّاد، وهو أبو محمد إسماعيل بن راشد بن يزيد بن خالد الحداد، انتهت إليه رياسة الإقراء فى زمانه بمصر، وكان قد قرأ القرآن على أبى أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد الجبّاس، وأبى الطيب أحمد بن محمد المعروف بابن بنت الشافعى.

стр. 500

وروى عنه أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعى: روى إسماعيل- المذكور- بإسناده عن سفيان قال: قال رسول الله ﷺ : «بخ بخ، خمس ما أثقلهنّ فى الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم، وفرط صالح يفرطه المسلم» «١» . وروى بسنده إلى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «اقرأ بالمعوذتين كلّما قمت وكلّما نمت» . وقال: لقى حكيم حكيما، فقال: أحدهما «٢» للآخر: لا يراك الله عندما نهاك، ولا يفقدك عندما أمرك. وقال: جاء رجل فقال: سمعت صالح بن الحسين يبكى فى طول الليل. فجئت إليه فسمعت قراءته فى ليلة وهو يردّد قوله تعالى: إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً «٣» وما زال كذلك إلى أن طلع الفجر، فسقط مغشيّا عليه فى محرابه، قال: فدخلت عليه فوجدته ميتا. وكان هذا الإمام حدّادا فى شبابه «٤» ، فمرّت به امرأة فقيرة وقالت له: إنّ لى بناتا «٥» سافر أبوهنّ وما ترك شيئا. فمضى وترك حانوته واشترى طعاما وحمله معها إلى بيتها، فخرج إليه البنات، فقالت إحداهن: «كفاك الله نار الدّنيا ونار الآخرة» . ثم مضى إلى دكّانه فحمى حديدة إلى أن صارت نارا، ومسكها بالكلبتين «٦» ، فوقعت الحديدة على رجله وهى باردة،

стр. 501

فقال: «لا إله إلّا الله» ، وقيل: بل قال: «سبحان الله! استجيبت الدّعوة، وقد رأيت بعضها، وأرجو من الله السلامة من نار الآخرة» . ثم ترك حانوته وتعبّد وصار من الصالحين، وتوفى سنة ٣٢٩ هـ «١» . *** قبر الفقيه محمد بن يحيى الأسوانى أبو الذكر «القاضى» «٢» : ثم تمشى وأنت مستقبل القبلة منحرفا تجد قبر الفقيه القاضى الصالح محمد ابن يحيى بن مهدى بن هارون بن عبد الله بن هارون بن إبراهيم الأسوانى المالكى التّمّار، يكنى أبا الذّكر. ولد بأسوان فى سنة ٢٥٥ هـ، وكان من أهل القرآن والسّنّة والتّعبّد. وتوفى فى يوم عيد الفطر سنة ٣٤٠ هـ، وكانت مدة ولايته القضاء ثلاثة أشهر وعشرة أيام من قبل الأمير محمد بن طغج «٣» . وكان أبو الذكر من كبار المحدّثين، سئل عن بيع التمر «٤» فقال: قال رسول الله ﷺ : «العجوة من الجنة وهى شفاء من السم» . ولمّا ولى القضاء كان يحكم بين الناس إلى المغرب، فإذا كان المساء أخذ قفّة التمر وخرج إلى السوق يبيع من ذلك بما يحصل منه القوت له ولعياله، فأخبر الخليفة بذلك فعزله، فحمد الله تعالى على ذلك، فلام الناس الخليفة على عزله، لدينه وعفّته، فأرسل له بالولاية مرة ثانية، فردّ التقليد ولم يقبله، فطلب إلي

стр. 502

بغداد، فحمل إلى الخليفة، فلما دخل عليه رحّب به وسأله عن القضاء أن يعود فيه، فقال له: ثمّ «١» من هو أحقّ به منّى. فأكّد الخليفة عليه فى القبول، فقال: بشرط أن أكون على حالى فى تكسّب القوت، فأمر له الخليفة بمال جزيل، فأبى أن يقبله، وخرج من عنده ولم يقبل شيئا. وحكى عنه أنه مرّ يوما فى بعض الشوارع ومعه جماعة من طلبته، فرأى جارية خلف باب تبكى، فقال لها القاضى: ما يبكيك؟ فقالت «٢» : إنّ لى عشرة أيام لم أستطعم بطعام. فلما سمع الشيخ كلامها رقّ لها قلبه وذهب إلى منزله، وأرسل لها طعاما وخبزا مع بعض الطلبة، ثم نام الشيخ، فرآها فى تلك الليلة وهى هابطة من السماء، فسلّمت عليه، فعرفها، فقال لها: من أين؟ فقالت له: من عند سيدى. فقال لها: ما الذي صنعت؟ فقالت: استوهبتك منه! فانتبه القاضى من نومه وصاح صيحة عظيمة، وظل يفكر «٣» فى هذه القضية، وقال: إن كان الأمر كما زعمت فهى تموت اليوم. قال الشيخ: فلما أصبحت جئت إلى بيتها فوجدتها قد ماتت- رحمة الله عليها. *** مقابر الصدفيين «٤» : ثم تمضى من قبره إلى قبة، وهى أول قباب الصّدفيين، بها قبر الفقيه الصالح محمد الصّيمرىّ، وبها قبر الفقيه الإمام أبو العباس أحمد بن يونس بن عبد الأعلى الصّدفى الشافعى، المصرى، الحافظ، المؤرخ، مؤرخ مصر، ولد

стр. 503

سنة إحدى وثمانين ومائتين، وتوفى سنة ٣٤٧ هـ، ولم يرحل، ولكن كان إماما فى فن التاريخ، روى عنه ابن منده، وأبو محمد النحّاس، وعبد الواحد أبو محمد البلخى، وجماعة من الرجال، ومعرفته بالعلل، وعمل تاريخين لمصر، أحدهما «١» - وهو الأكبر- يختص بالمصريين، والآخر- وهو صغير- يختص بذكر الغرباء الواردين على مصر، وقد ذيّلهما «٢» أبو القاسم يحيى بن الحضرمى، وبنى عليهما. وهذا أبو سعيد «٣» هو حفيد يونس بن عبد الأعلى، صاحب الإمام الشافعى. ولمّا مات أبو سعيد المذكور رثاه أبو عيسى عبد الرحمن بن إسماعيل ابن عبد الله الخولانى الخشّاب النحوى العروضىّ بقوله: بثثت علمك تشريقا وتغريبا ... وعدت بعد لذيذ العيش مندوبا «٤» أبا سعيد، وما نألوك أن نشرت ... عنك الدّواوين تصديقا وتصويبا ما زلت تلهج بالتّاريخ تكتبه ... حتّى رأيناك فى التّاريخ مكتوبا «٥» نشرت عن مصر من سكانها علما ... مبجّلا لجمال القوم منصوبا «٦»

стр. 504

كشفت عن فخرهم للنّاس ما سجعت ... ورق الحمام على الأغصان تطريبا أعربت عن عرب نقّبت عن نجب ... سارت مناقبهم فى النّاس تنقيبا «١» أنشرت ميّتهم حيّا بنسبته ... حتّى كأن لم يمت إذ كان منسوبا إنّ المكارم للإنسان مرحبة ... وفيك قد ركّبت يا عبد تركيبا «٢» حجبت عنّا وما الدّنيا بمظهرة ... شخصا وإن جلّ إلّا عاد محجوبا كذلك الموت لا يبقى على أحد ... مدى اللّيالي من الأحباب محبوبا قوله: «ما زلت تلهج بالتاريخ تكتبه ... » البيت. مأخوذ من خبر لعلّى ابن أبى طالب، رضى الله عنه، وهو: أنه كان رجل «٣» فى زمانه يمشى أمام الجنائز وينادى: الرحيل.. الرحيل، لا تكاد جنازة [تمرّ] «٤» منه، فمرت يوما جنازة بعلىّ بن أبى طالب فلم يره ولم يسمع نداءه، فسأل عنه، فقيل: هو هذا الميت. فقال: لا إله إلّا الله ... ما زال يصرخ بالرحيل مناديا ... حتى أناخ ببابه الجمّال «٥» وقال الأصمعى: حدّثنى أبى قال: رأيت رجلا على قصر «أو ليس» أيام الطّاعون وبيده كوز يعد الموتى فيه بالحصى، فعدّ فى أول يوم ثمانين ألفا، ثم عدّ فى اليوم الثانى مائة ألف، فمرّ قوم بميّتهم فواروه ثم رجعوا وعلى الكوز رجل غيره، فسألوا عنه، فقال: وقع فى الكوز!

стр. 505

ومثل هذا قول التّهاميّ «١» قال: حكم المنيّة فى البريّة جار ... ما هذه الدّنيا بدار قرار بينا يرى الإنسان فيها مخبرا ... حتّى يرى خبرا من الأخبار *** وعلى باب هذه القبّة [قبر] «٢» الفقيه أبى عبد الله محمد بن بشّار، إمام حرم المصطفى ﷺ . روى الحديث الكثير وسمع، ومن رواياته التى رواها عن أبى ذرّ، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «يا أبا ذرّ، جدّد السفينة فإنّ البحر عميق، وأكثر الزّاد فإنّ السّفر بعيد، وخفّف الحمل فإنّ العقبة طويلة، وأخلص العمل فإنّ الناقد بصير» «٣» . ومن شرقّى هذه القبّة قبر فى تربة، هو للشيخ زكىّ الدين عبد المنعم ابن عبد الملك، المتصدر بالجامع الأكبر. قبر شيخ الإسلام أبى العباس بن نصر الإربلىّ «٤» : ومن جهة القبلة من هذه القبة تربة أخرى تعرف بتربة بنى عقيل، بها قبر شيخ الإسلام الفقيه العالم المحدّث أبى العباس الخضر بن نصر بن عقيل بن نصر الإربلىّ الفقيه الشافعى.

стр. 506

اشتغل ببغداد على الكيا الهراسى «١» ، وابن الشاشى «٢» ، ثم رجع إلى إربل، وبنى له بها الأمير سرفتكين صاحب إربل «٣» مدرسة، ودرّس الشيخ بها زمانا طويلا. وله التصانيف الحسنة فى التفسير والحديث والفقه وغير ذلك، وشرح كتاب الألفية لابن مالك، وله كتاب ذكر فيه ستّا وعشرين خطبة لرسول الله ﷺ ، وكلها مسندة إلى النبي ﷺ . واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به وبتصانيفه. ذكره الحافظ ابن عساكر فى «تاريخ دمشق» وأثنى عليه. وتخرّج عليه «٤» الفقيه ضياء الدين أبو عمرو عثمان بن عيسى بن درباس شارح «المهذب» «٥» وتخرّج عليه أيضا ابن أخيه الشيخ أبو القاسم نصر بن عقيل، وكانت ولادته سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وتوفى سنة سبع وستين وخمسمائة، ودفن بمدرسته بإربل فى قبّة منفردة، وقبره يزار. ولمّا توفى الشيخ تولى التدريس فى المدرسة التى بنيت ابن أخيه، ثم خرج إلى الموصل وسكن بظاهرها بجوار رباط المغربى، وقرر له صاحب الموصل راتبا «٦» ، ولم يزل هناك إلى أن توفى فى ثالث عشر ربيع الآخر «٧» سنة تسع عشرة وستمائة «٨» . ***

стр. 507

قبر الفقيه أبى إسحاق المروزى «١» : ثم تذهب من هذه التربة إلى الحوش المجاور لتربة الإمام محمد بن إدريس الشافعى. بهذا الحوش الجليل والمعظم، والمحل الأنور المفخّم، قبر الشيخ الإمام، العالم العلّامة الفاضل أبى إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزىّ الشافعى. كان إمام عصره فى الفتوى والتدريس، تفقّه على ابن سريج «٢» ، وبرع فى الفقه، قال ابن خلّكان فى حقه: انتهت إليه الرياسة فى الفقه بالعراق بعد ابن سريج، وصنّف كتبا كثيرة، وشرح مختصر المزنّى. وقال الشيخ أبو إسحاق فى حقه: انتهت إليه رياسة الفقه ببغداد، وصنّف فى الأصول، وعنه أخذ الأئمة، وانتشر الفقه عن أصحابه فى البلاد. ومن أحسن ما ذكر عنه من شعره قوله «٣» : لا يغلونّ عليك الحمد فى ثمن ... فليس حمد وإن أثنيت بالغالى الحمد يبقى على الأيّام ما بقيت ... ويذهب الدّهر بالأيّام والمال وخرج إلى مصر فى آخر عمره فتوفى بها لسبع «٤» خلون من رجب الفرد سنة أربعين وثلاثمائة. وقيل: ليلة الأحد الحادى والعشرين منه «٥» سنة ٣٤٠ هـ. وقبره يزار ويتبرك به- رحمه الله تعالى ورضى عنه «٦» .

стр. 508

مشهد الإمام الشافعى- رضى الله عنه «١» : ثم من قبره «٢» إلى مشهد الإمام الأعظم، والأستاذ الأفخم، إمام الأئمة، وناصر الكتاب والسّنّة أبى عبد الله محمد بن إدريس بن عباس بن عثمان ابن شافع بن السّائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشيّ الهاشمىّ، ابن عمّ النّبيّ ﷺ ، فضائله ومناقبه أشهر من أن تذكر، ولا بد من تذكرة هاهنا فنقول «٣» : روى عن المزنّى رضى الله عنه «٤» قال: سمعت الشافعى رضى الله عنه يقول: كنت ببغداد فرأيت علىّ بن أبى طالب ﵇ «٥» فى النوم، فسلّم علىّ وصافحنى، وجعل خاتمه فى أصبعى «٦» ، وكان لى عمّ ففسّرها لى فقال: أمّا مصافحته فأمان من العذاب «٧» ، وأمّا لبس خاتمه فسيبلغ اسمك ما بلغ اسم علىّ من المشرق إلى المغرب «٨» . [وإن صدقت رؤياك لم يبق بالمشرق والمغرب موضع إلّا ذكرت فيه وعمل بقولك] .

стр. 509

وروى الربيع بن سليمان قال: رأيت الشافعىّ رضى الله عنه فى النوم بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: أجلسنى على كرسّى من ذهب ونثر علىّ اللّؤلؤ الرّطب. قال الشافعى رضى الله عنه: عرض علىّ مالك أربع مرات، ولو شئت أن أكتبها كتبتها «١» . قال الربيع «٢» بن سليمان: سمعت الشافعى يقول: «قدمت على مالك ابن أنس وقد حفظت الموطّأ ظاهرا، فقلت: أريد أن أسمع منك الموطّأ. فقال: اطلب من يقرأ لك. فقلت: لا عليك أن تسمع قراءتى، فإن خفت عليك وإلّا طلبت من يقرأ لى. فقال: اقرأ. فقرأت صفحة من الكتاب ثم سكتّ. فقال لى: اقرأ- وفى رواية: فقال: هيه- فقرأته عليه، وكان ربّما قال لى: أعد حديث كذا» . وأعجبت مالك قراءته وقال: «إن يكن أحد يفلح فهذا الغلام» . ولازمه الشافعى مدّة وانتفع به. ثم توجه الشافعى ﵀ إلى بغداد سنة ١٩٥ هـ «٣» . وروى [عنه] أحمد بن محمد الحنبلى الشيبانى «٤» ، وسليمان بن داود الهاشمى، وأبو ثور إبراهيم ابن خالد، والحسين بن على [الكرابيسى] «٥» ، والحسن بن محمد بن الصباح

стр. 510

الزعفرانى، ومحمد بن سعيد العطار، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ويونس ابن عبد الأعلى الصّدفى، وإسماعيل المزنى، وأبو الحسن المقرئ، ومحمد بن أحمد بن سابق الخولانى، وحرملة بن يحيى التجيبى، وأحمد بن عبد الرحمن، وأبو بكر عبد الله «١» بن الزبير الحميدى، والحارث بن سريج، وعبد العزيز ابن يحيى المكّى وغيرهم. وأخذ عنه جملة محذوفة الأسانيد الربيع بن سليمان، وروى عنه، قال: سمعت الشافعى يقول: «طلب العلم أفضل من صلاة النافلة» ] «٢» . وعن حميد بن زنجويه «٣» قال: سمعت أحمد بن حنبل، روى عن النبي ﷺ : «أنّ الله يمنّ على أهل دينه فى رأس «٤» كل مائة سنة برجل من أهل بيتى» يبين لهم أمر دينهم» . وإنى نظرت فى رأس المائة الأولى [فإذا هو] «٦» عمر بن عبد العزيز، وفى رأس المائة الثانية الشافعى محمد بن إدريس رضى الله عنه. وعن أحمد بن حنبل رضى الله عنه قال: ما رأيت أحدا تبع الأثر مثل الشافعى. وعن الشافعى رضى الله عنه أنه قال: أشد الأعمال ثلاثة: الجود من قلّة، والورع فى خلوة، وكلمة حق عند من يرجى ويخاف. وعن أبى بكر الحميدى قال: قدم الشافعى رضى الله عنه من صنعاء ومعه عشرة آلاف دينار، فنزل قريبا من مكة، فأتاه أصحاب يسلمون عليه، فما برح ومعه منها شىء «٧» .

стр. 511

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه: يا أبت، أىّ رجل كان الشافعىّ، فإنّى رأيتك تكثر الدعاء له «١» ؟ فقال: يا بنىّ، كان الشافعى كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل تجد لهذين من خلف أو عنهما من عوض «٢» ؟. وعن الربيع بن سليمان قال: كان الشافعى يفتى وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان يحيى الليل إلى أن مات «٣» . وعن الحميدى «٤» قال: سمعت الشافعىّ رضى الله عنه يقول: قال لى خالد الزنجى: «أفت يا أبا عبد الله، فقد آن لك أن تفتى» . والشافعى إذ ذاك سنّه ما ذكر «٥» . نفعنا الله بعلومه وبركاته. وقال حسين بن علّى الكرابيسى «٦» : بتّ مع الشافعى ليلة، فكان يصلى عامّة الليل، فما رأيته يزيد على خمسين آية فى التلاوة، وإذا أكثر فمائة، وكان لا تمر به آية رحمة إلّا سأل الله لنفسه وللمؤمنين أجمعين، ولا تمرّ به آية عذاب إلّا تعوّذ منها وسأل الله تعالى النجاة لنفسه وللمؤمنين أجمعين.

стр. 512

وعن صالح بن أحمد بن حنبل قال: مشى أبى مع بغلة الشافعى، فرآه يحيى بن معين فقال: يا أبا عبد الله، تمشى مع بغلته؟ قال: يا أبا زكريا، اسكت لو لزمت البغلة لا نتفعت «١» . وقال الشافعى: ما شبعت مدة ست عشرة سنة إلّا شبعة واحدة طرحتها، لأن الشبع يثقل البدن، ويقسّى القلب، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة «٢» . وعن الربيع قال: كان الشافعى يختم فى كل شهر ثلاثين ختمة «٣» ، وفى شهر رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ فى الصلاة «٤» . وقال «٥» : ما رأيت أورع من الشافعىّ، ما كلّمته قطّ إلّا وأنا مقشعر من هيبته على لينه وتواضعه. وقال أحمد بن صالح: قال الشافعى: يا أحمد، تعبّد قبل أن ترأس، فإنّك إن ترأست لم تقدر أن تتعبد. وعن ابن أخى المزنى، عن المزنى، أنّ هارون الرشيد أمر للشافعى بعشرة آلاف دينار، فما بلغ الباب حتى فرّقها فى بنى هاشم. وفى رواية الزبير بن أحمد الزهرى قال: أمر هارون الرشيد للشافعى بألف دينار، فدعا بالحجّام فأصلح له من شعره فأعطاه خمسين دينارا، ثم صرف الباقى صررا وفرّقها على من حضر من القرشيين.

стр. 513

وقال الربيع: سمعت الشافعى يقول: عليك بالزّهد، فالزّهد على الزّاهد أحسن من الحلى على الناهد. وقال الربيع: سمعت الشافعى يقول: ما نظرت أحدا إلّا تمنيت أن يكون الحق معه، وفى رواية: تمنيت أن يظهر الحقّ على يديه، ومعناه- كما قال البيهقيّ ﵀: لن يستنكف «١» عن الأخذ به، بخلاف خصمه، فإنه قد يستنكف، فلا يأخذ به. وكان جهورىّ «٢» الصوت، وبلغ فى الكرم والشجاعة [ودقة] «٣» الرمى، وصحة الفراسة، وحسن الأخلاق إلى الغاية. وقوله حجّة فى اللغة. وقال عبد الرحمن بن مهدى: سمعت مالكا يقول: ما أتى على قريش أفهم من الشافعى. وسمعت الربيع يقول: لو وزن عقل الشافعى بنصف أهل الأرض لرجحهم، ولو كان فى بنى إسرائيل لاحتاجوا إليه. وقال أحمد بن حنبل: ما من أحد مسّ بيده محبرة إلّا وللشافعى فى عنقه منّة «٤» . وذكر القاضى عياض فى المدارك عن الربيع أنه قال: كنا فى حلقة الشافعى جلوسا «٥» بعد موته بيسير، فوقف أعرابىّ عليها وسلّم ثم قال: أين قمر هذه الحلقة وشمسها؟ فقلنا: مات! فقال: ﵀ وغفر له، كان يفتح ببيانه مغلق الحجّة، ويسدّ فى خصمه واضح المحجّة، ويغسل من العار وجوها مسودّة، ويوسع بالرأى أبوابا منسدّة. ثم انصرف.

стр. 514

وعن أحمد بن خلاد قال: قال لى رجل من أولاد الفضل بن الربيع «١» : بعث إلىّ هارون الرشيد فى ساعة لم تكن العادة أن آتى فى مثلها ولا أدعى، فأسرعت إلى أن وقفت بين يديه، فقال لى وهو فى غاية الحنق: يا فضل، قلت لبيك يا أمير المؤمنين. قال: ما فعل الحجازىّ «٢» ؟ قلت: هو بالباب يا أمير المؤمنين. قال: أدخله. فانطلقت وقلت له: ادخل. فقام وهو يحرك شفتيه، فلما دخلنا عليه قام له الرشيد، وأقبل إليه يمشى، ثم قال له: لم تر من حقنا على نفسك أن تزورنا حتى بعثنا إليك، وقد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم. فقال: لا أرب لى فيها «٣» يا أمير المؤمنين. فقال له بالقرابة التى بينى وبينك إلّا ما أخذتها، احملها معه يا فضل. فلما خرجنا وسكن عنه الرعب قلت له: رأيتك تحرك شفتيك بشىء، فما الذي قلت؟ قال: حدّثنى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله ﷺ دعا يوم الأحزاب على قريش فقال: «اللهم إنّى أعوذ بنور قدسك، وعظمة طهارتك، وبركة جلالك، من كل آفة وعاهة، ومن طارق الليل والنهار، إلّا طارقا يطرق بخير، يا رحمن. اللهم أنت ملاذى فبك ألوذ، وأنت عياذى فبك أعوذ، وأنت غياثى فبك أغوث. يا من ذلّت له رقاب الجبابرة، وخضعت له مقاليد الفراعنة، أعوذ بك من خزيك، ومن كشف سترك، ومن نسيان ذكرك، والانصراف عن شكرك، أنا فى كنفك ليلى ونهارى، ونومى وقرارى، وظعنى وأسفارى، ذكرك شعارى، وثناؤك دثارى، لا إله إلّا أنت، تعظيما لاسمك، تكريما لسبحات وجهك، أجرنى من خزيك ومن شرّ عقابك، واضرب علىّ سرادقات حفظك، وأدخلنى فى حفظ عنايتك، وعد علىّ بخير منك يا أرحم الراحمين» .

стр. 515

قال الفضل بن الربيع: فكتبت هذا الدعاء وحفظته، فما دخلت على أحد كنت أخاف سطوته إلّا كشف الله تعالى عنى سطوته. فهذا من أول بركات الشافعى رضى الله عنه. وقال عبد المحسن العدوى رحمه الله تعالى: ما نالنى شىء كرهته إلّا صليت الصبح فى جماعة بالجامع العتيق بمصر، ثم صعدت الكهف فصليت ركعتى الضّحى، ثم نزلت إلى قبر الشافعى فترحّمت عليه، وسألت الله تعالى هناك فى كشف كربى إلّا وجدت الإجابة. فعليكم بملازمة ذلك. وحدّث هشام بن عمّار، مؤدب المتوكل على الله تعالى قال: سمعت المتوكل يقول: وا حسرتى على محمد بن إدريس الشافعى، كنت أحب أن أكون فى أيّامه فأراه وأشاهده وأتعلم منه، فإنى رأيت رسول الله ﷺ يقول فى المنام ثلاث ليال متواليات: يا أيها الناس، إنّ محمد بن إدريس المطّلبى قد سار إلى الله وخلف فيكم علما حسنا فاتّبعوه تهتدوا، فإنّ كلامه من سنّتى. يا أيها الناس، من ترحّم على محمد بن إدريس الشافعى غفر الله تعالى له ما أسرّ وما أعلن. ثم قال المتوكل: محمد بن إدريس الشافعى بين العلماء كالشمس بين الكواكب- رحمة الله عليه. وقال نفطويه فى أبيات له*: مثل الشّافعىّ فى العلماء ... مثل البدر فى نجوم السّماء قل لمن قاسه بغير نظير ... أيقاس الضّياء بالظّلماء؟ كان والله معدنا لعلوم ... سيّد الناس أفقه الفقهاء اقتدى بالنّبيّ فى حسن قول ... وأقام البدار للسّفهاء

стр. 516

وروى عن أبى إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنّى ﵀، قال: رأيت النّبيّ ﷺ فى المنام، فسألته عن الشافعى، فقال ﵇: من أراد محبّتى وسنّتى فعليه بمحمد بن إدريس الشافعى المطّلبى، فإنه منّى وأنا منه. وقال أبو جعفر الترمذى: كنت أكتب الحديث فخطر بقلبى الفقه، وكنت بالمدينة النبوية، فنمت تلك الليلة فرأيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله ﷺ ، أنظر فى رأى الشافعى؟ فقال: لا تقل «رأى» تلك «سنّتى» . وقال بلال الخواص: كنت فى التّيه فى طريق الحجاز فإذا برجل يكانعنى «١» ، فتعجبت، ثم ألهمت أنّه الخضر، فقلت: بحق الحق، من أنت؟ فقال: أخوك الخضر. فقلت: أريد أن أسألك. قال: سل. قلت: ما تقول فى الشافعى؟ قال: هو من الأوتاد. قلت: فبأى شىء رأيتك؟ قال: ببرّك لوالدتك. قلت: فما تقول فى أحمد بن حنبل؟ قال: رجل صدّيق. ثم استتر عنى. وحكى عن محمد بن نصر المروزىّ المحدّث، ولم يكن يحسن الرأى فى الشافعى، قال: أغفيت فى المسجد النبوى وأنا قاعد، فرأيت النّبىّ ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أكتب رأى فلان؟ قال: لا. قلت: أكتب رأى الشافعى؟ فطأطأ رأسه كالغضبان وقال: لا تقل «رأى» ، ليس بالرأى، هو ردّ على من خالف سنّتى. قال: فخرجت فى إثر هذه الرّؤيا إلى مصر، وكتبت كتب الشافعى، وصرت من أتباع مذهبه. وهذا محمد بن نصر، من أصحاب الوجوه المشهورة. ودخل رجل على الربيع بن سليمان المرادى «٢» خادم الشافعى وصاحبه

стр. 517

يعوده فى مرضه، فقال للربيع: رأيت النبي ﷺ قائما بحذاء الكعبة عند المقام، فقلت: يا رسول الله اختلف الناس بعدك، إلى أن قلت: فما تقول فى محمد ابن إدريس الشافعى؟ فقال ﷺ : ابن عمّى اتّبع سنّتى، اتبعه ترشد. وقال أبو الحسن على بن أحمد الدينورى الزاهد: رأيت النّبيّ ﷺ فى المنام فقلت: يا رسول الله، بقول من آخذ؟ فأشار إلى علّى بن أبى طالب فقال: خذ بيد هذا فأت به ابن عمنا الشافعى ليعمل بمذهبه فيرشد، ويبلغ باب الجنة. ثم قال: الشافعى بين العلماء كالبدر بين الكواكب. ويكفيه هذا الثناء. ويحكى عن الشافعى ﵀ قال: رأيت النّبيّ ﷺ فى المنام فقال لى: يا غلام، فقلت: لبيك يا رسول الله، فقال: ممّن أنت؟ فقلت: من رهطك يا رسول الله، فقال: أدن منى. فدنوت منه، فمرّ من ريقه على لسانى وشفتى وقال: امض بارك الله فيك. فما أذكر أن لحنت فى حديث بعد ذلك. وأفتى الشيخ محيى الدين النواوى فيما لو حلف الحالف بالطلاق أنّ الشافعى أفضل الأئمة فى عصره، ومذهبه خير المذاهب، أنه لا يقع عليه الطلاق «١» . وبالجملة فالكلام كثير على فضله. ولما مرض مرضه الذي مات فيه، وذلك فى سنة ٢٠٤ هـ «٢» ، أملى وصية منه على إنسان صورتها: «هذا كتاب كتبه محمد ابن إدريس الشافعى فى شهر كذا، فى سنة كذا، وأشهد الله عالم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وكفى به- جلّ ثناؤه- شهيدا، ثم من سمعه، أنه يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله،

стр. 518

صلّى الله عليه وسلم، لم يزل يدين الله بذلك، وبه يدين حتى توفّاه الله ويبعثه عليه لو شاء الله، وأنه يوصى نفسه وجماعته ومن سمع وصيته بإحلال ما أحلّ الله تعالى فى كتابه، ثم على لسان نبيّه ﷺ ، وتحريم ما حرّم الله فى الكتاب ثم فى السّنّة، ولا يجاوزنّ من ذلك إلى غيره، وإنّ مجاوزته ترك فرض الله، وترك الكتاب والسّنّة «١» وهما من المحدثات، والمحافظة على أداء فرائض الله تعالى فى القول والعمل، والكفّ عن محارمه خوفا لله تعالى، وكثرة ذكر الوقوف بين يدى الله تعالى يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدا بعيدا، وأن يترك الدنيا حيث أذلّها الله ولم يجعلها دار مقام، إلّا مقام مدة عاجلة الانقطاع، وإنما جعلها دار عمل، وجعل الآخرة دار قرار وجزاء بما عمل فى الدنيا من خير أو شر- إن لم يعنه جل ثناؤه.. «٢» . وأن يعرف المرء زمانه، ويرغب إلى الله فى الخلاص من شر نفسه، ويمسك عن الإسراف بقول أو فعل فى أمر لا يلزمه، وأن يخلص النّيّة لله فيما قال وعمل، فإن الله يكفى ممّا سواه ولا يكفى منه شىء» . ثم أكمل بعد هذا إقران «٣» الوصية بذكر ما أوصى من عتق وصدقة وغير ذلك. ثم قضى بعد ذلك «٤» . قال يونس بن عبد الأعلى: دخلت عليه «٥» ، فقال لى: «يا أبا موسى، اقرأ علىّ ما بعد العشرين والمائة من آل عمران وأخفّ القراءة ولا تثقل» . فقرأت عليه، فلما أردت القيام قال: «لا تغفل عنى فإنّى مكروب» .

стр. 519

ودخل عليه المزنّى فى صبيحة يومه فقال: كيف أصبحت يا أستاذ؟ قال: «أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخوانى مفارقا، ولكأس المنيّة شاربا، وعلى الكريم واردا، ولسوء أعمالى ملاقيا» ، ثم رمق بطرفه إلى السماء واستعبر وأنشأ يقول: إليك إله الخلق أرفع رغبتى ... وإن كنت يا ذا المنّ والجود مجرما «١» ولمّا قسا قلبى وضاقت مذاهبى ... جعلت رجائى نحو عفوك سلّما «٢» تعاظمنى ذنبى فلمّا قرنته ... بعفوك ربّى، كان عفوك أعظما «٣» فمازلت ذا عفو عن الذّنب لم تزل ... تجود وتعفو منّة وتكرّما ولولاك ما يغوى بإبليس عابد ... فكيف وقد أغوى صفيّك آدما «٤» فإن تعف عنّى تعف عن متمرّد ... ظلوم غشوم لا يزايل مأثما «٥» وإن تنتقم منّى فلست بآيس ... وإن دخلت نفسى بجرمى جهنّما «٦» فذنبى عظيم من قديم وحادث ... وعفوك يا ذا المنّ أعلى وأجسما «٧» وتوفى- رضى الله عنه- فى ليلة الجمعة بعد المغرب، كما قال الربيع، قال: وكنت عنده، ودفن يوم الجمعة بعد العصر آخر يوم من شهر رجب، وانصرفنا من جنازته فرأينا هلال شعبان سنة ٢٠٤ هـ.

стр. 520

كما ذكر بعضهم حاكيا عن المزنّى: ناحت الجنّ ليلة مات الشافعىّ. ودفن- رضى الله عنه- بمقبرة بنى عبد الحكم. قال الفضل بن أبى نصر: قرأت على قبر الشافعى- رضى الله عنه- بمصر، فى مقابر بنى عبد الحكم. وعلى جانب القبر: هذا ما شهد محمد بن إدريس: أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ويشهد أنّ الجنّة حق، والنار حق، والموت حق، وأنّ الله يبعث من فى القبور. على هذه الشهادة حيى محمد بن إدريس، وعليها مات، وعليها يبعث إن شاء الله من الآمنين. اللهمّ اغفر ذنبه، ونوّر قبره «١» ، واحشره مع نبيّه ﷺ ، واجعله من رفقائه، آمين يا ربّ العالمين. وقال أبو عبد الله الحسن بن جعفر الورّاق ببغداد: قرأت على حجر عند قبر الشافعى من جهة رأسه بيتين، وهما فى نفس الحجر: قد وفينا بنذرنا يا بن إدريس (م) ... وزرناك من بلاد العراق وقرأنا عليك ما قد حفظنا ... من كلام المهيمن الخلّاق وحدّثونا أنّ إنسانا من أهل العراق، من أجلّة الفقهاء، نذر بالعراق أن يخرج إلى مصر، ويختم عند قبر الشافعى أربعين ختمة ثم يرجع، فخرج مسافرا، وختم أربعين ختمة، وحفر هذين البيتين فى الحجر المنصوب على رأس القبر. وقيل: لمّا دفن الشافعى وقف المزنى على قبره وقال: سقى الله هذا القبر من أجل من به ... من العفو ما يغنيه عن طلل المزن فقد كان كفوا للعداة ومعقلا ... وركنا لهذا الدّين، بل أيّما ركن

стр. 521

وقال غيرة: لله درّ الثّرى ما ضمّ من كرم ... بالشّافعيّ خليف السّقيم والسّهر يا جوهر الجوهر المكنون من مضر ... ومن قريش ومن ساداتها الأخر لمّا توفّيت ولّى العلم مكتئبا ... وضرّ موتك أهل البدو والحضر وبلغ سنّ الشافعى- رحمه الله تعالى- يوم مات أربعا «١» وخمسين سنة، فإنه ولد- رضى الله عنه- بغزة- وقيل بعسقلان- وقيل بل بغزة وحملته أمه إلى عسقلان كما نقل ذلك ابن عبد الحكم فى سنة خمسين ومائة، وهى السنة التى توفى فيها أبو حنيفة. وكان يخضّب لحيته بالحنّاء. وخلّف من الأولاد ولده محمدا المكنى أبا عبد الله، وقيل أبا عثمان، وقيل: بل إنّ أبا عثمان ولد آخر. وولده المكنى أبا الحسن، وابنته فاطمة وزينب. ودفن حول قبره جماعة من بنى عبد الرحمن بن عوف الزهرى وغيرهم «٢» . قبر عبد الله «٣» بن عبد الحكم: وإلى جانب قبره من القبلة عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث بن رافع القرشى ثم المصرى. قدم أعين إلى الإسكندرية «٤» وولد له بها عبد الحكم. وكان عبد الله فقيها كاتبا عزيز المنزلة «٥» عند السلطان. وقد توفى سنة ٢١٢ هـ وكانت ولادته فى سنة ١٥٤ هـ.

стр. 522

وبجانبه قبر ولديه عبد الرحمن ومحمد، أمّا محمد فكان عالما ورعا، وكان أحد الأئمة المشهورين، حدّث عن محمد بن إدريس الشافعى وغيره «١» ، كابن وهب، وابن عياض، وإسماعيل بن مرزوق، والحسن بن الفرات. وكان ثقة، وولى القضاء بمصر، وهو الذي استقبل الشافعى لمّا قدم بألف دينار. وتوفى سنة ٢٦٨ هـ. وبجانبه «٢» فى قبره عبد الرحمن، وهو صاحب كتاب «فتوح مصر» ، وله من المؤلفات غيره. وكان عالما فاضلا ذكيّا، وتوفى يوم الخميس الرابع عشر من المحرم الحرام سنة ٢٥٧ هـ. وبجانبهم قبر أبى الحسن المقرئ المعروف بالحبّال «٣» . كان من خيار خلق الله تعالى، وسمع الكثير، وحدّث عن أبى الفتح، وأبى الحسن على بن الحسين ابن عز الدين الموصلى، وأبى عيسى بن خليل بن غلبون، وغيرهم. ومن مروياته من طريق مروان بن الحكم: قال مروان: قلت لعائشة: هل كان النبي ﷺ يقول: «لو أنّ لابن آدم جبلين من ذهب لابتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب، ويتوب الله على من تاب» «٤» ؟ قبر العلّامة نجم الدين بن الموفق الخبوشانّي «٥» : ويلى قبر الإمام محمد بن إدريس الشافعى من الشرق قبر العلّامة الفاضل نجم الدين محمد بن الموفق بن سعيد بن على بن الحسين الخبوشانى، الفقيه الصوفى

стр. 523

الشافعى «١» . يكنى أبا البركات، مولده بأستوى خبوشان فى سنة ٥١٠ هـ، وهى بلدة بنواحى نيسابور، وأستوى ناحية كثيرة القرى من أعمال نيسابور، قال ذلك بعض «٢» المؤرخين. وتفقّه المذكور على محمد بن يحيى «٣» تلميذ الغزالى، وحدّث عن أبى الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد القشيرى. وقدم مصر سنة ٥٦٥ هـ واستوطنها، وأقام ببعض المساجد، وذلك فى دولة العبيديين ... والمسجد قيل: هو بباب الجوانية، ثم انتقل إلى القرافة، وجاور بتربة الإمام الشافعى. ولمّا ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، أفتاه بقتل «العاضد» «٤» ، وأشار عليه ببناء المدرسة الصلاحية «٥» المجاورة لضريح الإمام محمد بن إدريس الشافعى، فقبل ذلك منه وبناها «٦» .

стр. 524

وسمعت من بعض الفقهاء أن المنقوش فى الرخام الذي «١» بباب المدرسة المذكورة ما شرطه الواقف، وصورة الشرط: «هذه المدرسة موقوفة على الشيخ نجم الدين الخبوشانى، والفقهاء الشافعية الأصولية الأشعرية» إلى آخره.. واستمر المذكور يدرّس بها، ولم يأكل شيئا «٢» من وقفها، ولم يأكل من مال الملوك درهما، وكان علّامة قليل النظير فى وقته فى الزهد، وكان يستحضر «المحيط» «٣» لمحمد بن يحيى- على ما قيل- حتى أنه عدم الكتاب فأملاه من خاطره.. ورأيت له كتاب «تحقيق المحيط» وهو فى ستة عشر مجلدا. وصنف أيضا فى الخلاف. وتوفى يوم الأربعاء ثانى عشر «٤» ذى القعدة سنة ٥٨٧ هـ. وكان السلطان صلاح الدين يقربه ويكرمه ويعتقد فيه، وقيل: حضر إليه الملك العزيز وصافحه، فدعا بماء وغسل يده وقال: يا ولدى، إنك تمسك العنان [ولا يتوقّى الغلمان عليه] «٥» فقال له: نعم، واغسل «٦» وجهك فإنك بعد المصافحة لمست وجهك. فقال: نعم. وغسل وجهه. وكان إذا رأى ذمّيّا راكبا قصد قتله. وكان أهل الذّمّة يتحامونه.. ولما مات دفن فى الكساء الذي حضر فيه من خبوشان. ويقال: إنّ «العاضد» خليفة مصر رأى فى منامه- آخر دولته- أن عقربا «٧» خرجت إليه من مسجد [معروف] فى مصر ولسعته «٨» ، فلما قصّه

стр. 525

على المعبّر قال: ينالك مكروه من شخص مقيم فى المسجد الفلانى [فأرسل جماعة فى صبيحة ليلته إلى ذلك المسجد، فما رأوا فيه إلّا شخصا أعجميّا فقيرا، فردّوه إليه] «١» فلما رآه سأله: من أين حضر «٢» ؟ ومتى قدم؟ فكلما يسأله عن شىء يجيبه. فلما ظهر له حاله وضعفه وعجزه عن إيصال مكروه منه «٣» أعطاه شيئا وقال: يا شيخ، ادع لنا، وأطلقه. فلما استولى السلطان صلاح الدين وعزم على القبض على «العاضد» استفتى الفقهاء فى خلعه «٤» ، فكان أكثرهم مبالغة فى الحطّ على العاضد وأشدهم قياما فى أمره ذلك الشيخ المقيم فى المسجد، الذي أحضره «٥» . *** ثم تأتى إلى [قبر] «٦» القاضى عبد الوهاب، وتنحرف إلى الخندق، ثم تشرّق قليلا تجد قبرا «٧» كان عليه رخام مكتوب عليه: الحسين بن كثير «٨» . قبر الإمام ورش المدنى «٩» : ثم تمرّ مستقبلا «١٠» ، تجد قبر الإمام الفاضل عثمان، الملقّب بورش

стр. 526

المدنىّ، المكنى أبا عمرو، صاحب الرواية، كان من أكابر القرّاء «١» . والورش جنس من اللبن، لقّب به لشدة بياضه «٢» ، وكان كاتبا للقاضى أبى الطاهر عبد الحكم بن محمد الأنصارى، وتوفى سنة ١٩٧ هـ. وحكى «٣» عنه أنّ لصّا جاء إلى بابه فوجده حصينا، فقال: يحتمل أن يكون فى داخل هذا الباب مال كثير، فلابد من دخولى فى داخله، فأراد فتح الباب فلم يقدر، فاستعان بنجار ودفع له درهما، ففتح له الباب، ودخل الدّار ليأخذ ما فيها، فوجد فيها إبريقا مكسورا وجرّة مكسورة، ولم يجد قليلا ولا كثيرا، فقال فى نفسه: جئت أسرق [فسرقونى] «٤» ، فبينما هو كذلك إذ جاء ورش فرآه جالسا فى الدار، فقال له: من أدخلك هنا؟ فقال: أنت نصبت على الناس ببابك الوثيق، دخلت لآخذ شيئا «٥» واستعنت على فتح الباب بدرهم كان معى، فلما دخلت لم أجد قليلا ولا كثيرا! فقال له: هل لك فى مصاحبتى؟ قال: نعم. ثم جلس معه، فجاء تلامذة الشيخ، فقص عليهم قصته، فدفعوا له شيئا كثيرا «٦» ، ثم قال له ورش: استغفر الله. فجلس واستغفر الله مائة مرّة، ولمّا فرغ قال للشيخ: يا سيدى استغفرت الله مائة مرة، فقال له: هل هى بصدق أو بغيره؟ فقال: بل بصدق يا سيدى، قال: سوف ترى أثر ذلك، فاجلس قليلا، فجلس يتحدث مع الشيخ، وإذا بالباب يطرق، فقال: انظر من بالباب. وإذا بالباب غلام الخليفة، [فسلّم

стр. 527

وقال: الخليفة] «١» أرسل لكم هذه الصّرّة، ويسلم عليكم ويقول لكم: ادفعوها إلى مستحقها. فقال له: سلّم عليه وقل له: قد سبقها مستحقّها، فأعطى الصّرّة للرّجل، وإذا بالمطر قد نزل من السماء، فقال له: أبشر، فإنّ زوجتك تضع ذكرا. فذهب الرجل إلى منزله فوجد زوجته قد وضعت ذكرا، فاشترى لها ما يقوم بحالها، ثم عاد إلى الشيخ وقال: يا سيدى، ما تعجبت من المالية «٢» كيف حصلت، إنّما تعجبت من قولك: زوجتك تضع ذكرا، وقد وضعت! فقال: يا بنّى، أخذت ذلك من كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً «٣» فلما أن حصل الاستغفار والمالية والمطر، استدللت «٤» بهذه على الولد. ثم تاب الرجل ولزم خدمة الشيخ إلى أن مات، ودفن تحت رجليه. تربة الشيخ الزاهد شيبان الرّاعى «٥» : ثم تمضى إلى تربة الشيخ الصالح شيبان، واسمه محمد «٦» بن عبد الله

стр. 528

المعروف بالراعى، أحد زهّاد الدنيا، سمع قارئا يقرأ «١» فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «٢» ، فذهب فارّا على وجهه، ثم عاد بعد عام «٣» فقيل له: لم هربت؟ قال: من هذا الحساب الدقيق. وروى زيد بن الحبّال المقرئ عن سفيان الثورى، قال: خرجت حاجّا أنا وشيبان الراعى، فلما كنا فى بعض الطريق عارضنا أسد، فقلت لشيبان: أما ترى هذا الكلب قد عرض لنا «٤» ؟ فقال: لا تخف. فما هو إلّا أن سمع كلام شيبان فبصبص «٥» وضرب بذنبه مثل الكلب. فالتفت إليه شيبان وعرك أذنه [فولّى هاربا] «٦» فقال له سفيان: ما هذه الشهرة؟ فقال: وأى شهرة يا ثورىّ؟ لولا كراهة الشهرة ما حملت زادى إلى مكة إلّا على ظهره! وقيل: إن رابعة العدوية مرّت به وقالت له: إنى أريد الحج «٧» إلى بيت الله الحرام. فأخرج لها من جيبه ذهبا وقال لها: اجعلى هذا فى مصلحتك للحج. فمدّت يدها إلى [الهواء] «٨» وقالت: أنت تأخذ من الجيب، وأنا آخذ من الغيب، وإذا كفها مملوء ذهبا، فمضى معها على التوكل. ومرّ الشافعى هو وأحمد بن حنبل- رضى الله عنهما- على شيبان، رضى الله عنه، فأراد الشافعى أن يقصد إليه للسلام عليه، فقال له أحمد «٩» : إنّ

стр. 529

الله لا يتخذ وليّا جاهلا. فقال له [الشافعى] «١» : سله. فتقدم إليه «٢» فقال له: كم يلزمك زكاة على غنمك؟ فقال: مذهبكم فى كلّ أربعين رأس «٣» . فقال له: وهل مذهبك غير ذلك؟ قال نعم.. الكل لله «٤» . قال له: ما الدليل على ذلك؟ قال: ما قال أبو بكر رضى الله عنه حين قال له ﷺ : ما خلّفت لعيالك؟ قال: الله ورسوله ... فقال: ما يلزمك إذا سهوت فى الصلاة؟ فقال: إن كان على مذهبكم فسجدتين، وإن كان على مذهبى فأعيد الصلاة. فقال له: ما «٥» الدليل؟ فقال: قوله تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ «٦» . فأعيدها عقوبة لما ادعيت، ويجب علىّ حدّ، وهو أن أضرب بالجريد ويقال لى: هذا جزاء قلب غفل عن الله تعالى. فقال له: ما حقيقة المعرفة؟ فقال له: نور فى القلب. ثم ولّى «٧» ، فقال أحمد: أتيت إلى من يفتى فى الشرع والحقيقة «٨» . ولمّا مات «المزنىّ» - رحمه الله تعالى- أوصى أن يدفن قريبا منه وقال: إنه كان عارفا بالله ﵎ «٩» .

стр. 530

وكانت الذئاب ترتع مع غنمه فى المرعى، قال ابن وهبان: جئت إلى بئر فلم أجد عليها سقاء «١» ، فوقفت فإذا شيبان قد أقبل بغنمه، فقلت: لعلّ معه السّقاء والحبل فأشرب وأنصرف. فرأيته قد بسط يديه ثم قال للغنم: اذهبى فاشربى. فأتت الغنم إلى البئر، فارتفع الماء إلى فم البئر «٢» . وروى أنه أتى إلى برّيّة «٣» قليلة الماء، فأخذته سنة من النوم، فنام فأجنب «٤» ، فبقى حائرا فى الغسل، فهمهم «٥» ، فأتته سحابة فمطرت عليه، فاغتسل، وعرف «٦» هذا المكان بإجابة الدعاء، ولم يزل المشايخ يتذاكرون شيبان بهذا المكان، وقال بعضهم: إنه بأرض الشام. وببركته يستجاب الدعاء بهذا المكان حيث كان، والأصل فى الزيارة إخلاص النّيّة. وفى تربته قبر سليمان اليشكرى، ويكنى أبا الربيع، توفى سنة ٣٢١ هـ. وإلى جانبه قبر محمد المؤذن بالجامع الحاكمى. ثم تخرج إلى قبر الخياط «٧» ، وهو فيما بينه وبين المزنى. كان رجلا صالحا من أرباب الأسباب وأهل الحال. قبر المزنّى صاحب الشافعى، رضى الله عنهما «٨» : هو إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزنّى «٩» ،
следующие страницы →