Полный текст (1 089 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
المدنىّ، المكنى أبا عمرو، صاحب الرواية، كان من أكابر القرّاء «١» .
والورش جنس من اللبن، لقّب به لشدة بياضه «٢» ، وكان كاتبا للقاضى أبى الطاهر عبد الحكم بن محمد الأنصارى، وتوفى سنة ١٩٧ هـ.
وحكى «٣» عنه أنّ لصّا جاء إلى بابه فوجده حصينا، فقال: يحتمل أن يكون فى داخل هذا الباب مال كثير، فلابد من دخولى فى داخله، فأراد فتح الباب فلم يقدر، فاستعان بنجار ودفع له درهما، ففتح له الباب، ودخل الدّار ليأخذ ما فيها، فوجد فيها إبريقا مكسورا وجرّة مكسورة، ولم يجد قليلا ولا كثيرا، فقال فى نفسه: جئت أسرق [فسرقونى] «٤» ، فبينما هو كذلك إذ جاء ورش فرآه جالسا فى الدار، فقال له: من أدخلك هنا؟ فقال: أنت نصبت على الناس ببابك الوثيق، دخلت لآخذ شيئا «٥» واستعنت على فتح الباب بدرهم كان معى، فلما دخلت لم أجد قليلا ولا كثيرا! فقال له: هل لك فى مصاحبتى؟ قال: نعم. ثم جلس معه، فجاء تلامذة الشيخ، فقص عليهم قصته، فدفعوا له شيئا كثيرا «٦» ، ثم قال له ورش: استغفر الله. فجلس واستغفر الله مائة مرّة، ولمّا فرغ قال للشيخ: يا سيدى استغفرت الله مائة مرة، فقال له: هل هى بصدق أو بغيره؟ فقال: بل بصدق يا سيدى، قال: سوف ترى أثر ذلك، فاجلس قليلا، فجلس يتحدث مع الشيخ، وإذا بالباب يطرق، فقال: انظر من بالباب. وإذا بالباب غلام الخليفة، [فسلّم
стр. 527
وقال: الخليفة] «١» أرسل لكم هذه الصّرّة، ويسلم عليكم ويقول لكم:
ادفعوها إلى مستحقها. فقال له: سلّم عليه وقل له: قد سبقها مستحقّها، فأعطى الصّرّة للرّجل، وإذا بالمطر قد نزل من السماء، فقال له: أبشر، فإنّ زوجتك تضع ذكرا. فذهب الرجل إلى منزله فوجد زوجته قد وضعت ذكرا، فاشترى لها ما يقوم بحالها، ثم عاد إلى الشيخ وقال: يا سيدى، ما تعجبت من المالية «٢» كيف حصلت، إنّما تعجبت من قولك: زوجتك تضع ذكرا، وقد وضعت!
فقال: يا بنّى، أخذت ذلك من كتاب الله تعالى، قال الله تعالى:
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً
«٣» فلما أن حصل الاستغفار والمالية والمطر، استدللت «٤» بهذه على الولد.
ثم تاب الرجل ولزم خدمة الشيخ إلى أن مات، ودفن تحت رجليه.
تربة الشيخ الزاهد شيبان الرّاعى «٥» :
ثم تمضى إلى تربة الشيخ الصالح شيبان، واسمه محمد «٦» بن عبد الله
стр. 528
المعروف بالراعى، أحد زهّاد الدنيا، سمع قارئا يقرأ «١» فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
«٢» ، فذهب فارّا على وجهه، ثم عاد بعد عام «٣» فقيل له: لم هربت؟ قال: من هذا الحساب الدقيق.
وروى زيد بن الحبّال المقرئ عن سفيان الثورى، قال: خرجت حاجّا أنا وشيبان الراعى، فلما كنا فى بعض الطريق عارضنا أسد، فقلت لشيبان:
أما ترى هذا الكلب قد عرض لنا «٤» ؟ فقال: لا تخف. فما هو إلّا أن سمع كلام شيبان فبصبص «٥» وضرب بذنبه مثل الكلب. فالتفت إليه شيبان وعرك أذنه [فولّى هاربا] «٦» فقال له سفيان: ما هذه الشهرة؟ فقال: وأى شهرة يا ثورىّ؟ لولا كراهة الشهرة ما حملت زادى إلى مكة إلّا على ظهره!
وقيل: إن رابعة العدوية مرّت به وقالت له: إنى أريد الحج «٧» إلى بيت الله الحرام. فأخرج لها من جيبه ذهبا وقال لها: اجعلى هذا فى مصلحتك للحج.
فمدّت يدها إلى [الهواء] «٨» وقالت: أنت تأخذ من الجيب، وأنا آخذ من الغيب، وإذا كفها مملوء ذهبا، فمضى معها على التوكل.
ومرّ الشافعى هو وأحمد بن حنبل- رضى الله عنهما- على شيبان، رضى الله عنه، فأراد الشافعى أن يقصد إليه للسلام عليه، فقال له أحمد «٩» : إنّ
стр. 529
الله لا يتخذ وليّا جاهلا. فقال له [الشافعى] «١» : سله. فتقدم إليه «٢» فقال له: كم يلزمك زكاة على غنمك؟ فقال: مذهبكم فى كلّ أربعين رأس «٣» .
فقال له: وهل مذهبك غير ذلك؟ قال نعم.. الكل لله «٤» . قال له: ما الدليل على ذلك؟ قال: ما قال أبو بكر رضى الله عنه حين قال له ﷺ :
ما خلّفت لعيالك؟ قال: الله ورسوله ... فقال: ما يلزمك إذا سهوت فى الصلاة؟ فقال: إن كان على مذهبكم فسجدتين، وإن كان على مذهبى فأعيد الصلاة. فقال له: ما «٥» الدليل؟ فقال: قوله تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
«٦» . فأعيدها عقوبة لما ادعيت، ويجب علىّ حدّ، وهو أن أضرب بالجريد ويقال لى: هذا جزاء قلب غفل عن الله تعالى.
فقال له: ما حقيقة المعرفة؟ فقال له: نور فى القلب. ثم ولّى «٧» ، فقال أحمد: أتيت إلى من يفتى فى الشرع والحقيقة «٨» .
ولمّا مات «المزنىّ» - رحمه الله تعالى- أوصى أن يدفن قريبا منه وقال: إنه كان عارفا بالله ﵎ «٩» .
стр. 530
وكانت الذئاب ترتع مع غنمه فى المرعى، قال ابن وهبان: جئت إلى بئر فلم أجد عليها سقاء «١» ، فوقفت فإذا شيبان قد أقبل بغنمه، فقلت: لعلّ معه السّقاء والحبل فأشرب وأنصرف. فرأيته قد بسط يديه ثم قال للغنم: اذهبى فاشربى. فأتت الغنم إلى البئر، فارتفع الماء إلى فم البئر «٢» .
وروى أنه أتى إلى برّيّة «٣» قليلة الماء، فأخذته سنة من النوم، فنام فأجنب «٤» ، فبقى حائرا فى الغسل، فهمهم «٥» ، فأتته سحابة فمطرت عليه، فاغتسل، وعرف «٦» هذا المكان بإجابة الدعاء، ولم يزل المشايخ يتذاكرون شيبان بهذا المكان، وقال بعضهم: إنه بأرض الشام. وببركته يستجاب الدعاء بهذا المكان حيث كان، والأصل فى الزيارة إخلاص النّيّة.
وفى تربته قبر سليمان اليشكرى، ويكنى أبا الربيع، توفى سنة ٣٢١ هـ.
وإلى جانبه قبر محمد المؤذن بالجامع الحاكمى. ثم تخرج إلى قبر الخياط «٧» ، وهو فيما بينه وبين المزنى. كان رجلا صالحا من أرباب الأسباب وأهل الحال.
قبر المزنّى صاحب الشافعى، رضى الله عنهما «٨» :
هو إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزنّى «٩» ،
стр. 531
صاحب الشافعى، نسبته إلى قبيلة من العرب تسمى مزينة «١» ، وهو مصرى، كان من كبار العلماء، جمع بين العلم والزهد والورع والعبادة «٢» .
وروى «٣» عنه أبو جعفر الطحاوى، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأحمد بن محمد بن حسين الصابونى، وعبد الرحمن بن أبى حاتم الدّارى، وأحمد بن عبد الرحمن الجارود، وغيرهم. وكان من الثقات، وكان أنقل أصحاب الشافعى لأقواله، وكان زاهدا، ورعا، محجاجا، مجتهدا، غوّاصا على دقائق الفقه، عارفا بنكته.
قال الأنماطى: قال المزنى: أنا منذ «٤» خمسين سنة أنظر فى كتاب الرسالة للشافعى، ما نظرت فيه مرة إلّا استفدت منه ما لم أستفد قبل.
وكان كثير العبادة، ملازما للسّنّة، من أعرف الناس بإرادات الشافعى «٥» ، بحيث يقدّم نقله عنه على كل نقل، وذلك لعدالته وتحقيقه لمذهبه. وعنه انتشر مذهب الشافعى انتشارا كبيرا «٦» ، وذلك بإشارة الشافعى حيث قال: «المزنى صدرى.. المزنى ناصر مذهبى» .
وكان المزنى قبل دخول الشافعى [مصر] «٧» بليدا، لا إلمام له بالعلم، فلما دخل الشافعى رأى الناس يزدحمون عليه، فقال: ما بال الناس يزدحمون على هذا الرجل الحجازىّ؟ قالوا: لعلمه. فقال: وما لى لا أقرأ العلم.
стр. 532
قال المزنى: فجئت إليه وصحبته وقرأت عليه، وكنت أحفظ فى اليوم مائة سطر، وقرأت كتاب الرسالة له عليه غير مرة، واستفدت منه فوائد كثيرة. وكان يقول لى: عليك بالعزلة تنفقه. وكان يقول لى: يا مزنّى، إيّاك والهوى، فإنه يهوى بك إلى جهنم!!
وممّا نقل عن الشافعى أنه قال: «كان المزنّى بليدا تنقصه المواظبة» .
وصنّف المزنّى تصانيف، منها الجامعان: الكبير والصغير، ومختصر المختصر، والمنثور، والمسائل المعتبرة «١» ، والترغيب فى العلم، وكتاب الوثائق. وكان فى أثناء تصنيفه لكتابه «المختصر» كلما فرغ من مسألة قام إلى المحراب وصلّى ركعتين شكرا لله تعالى. وانتفع «٢» الناس بهذا المختصر انتفاعا لم يكن له نظير، وأقام أهل مذهب الشافعى [وهم] عليه عاكفون، وله دارسون ومطالعون، ثم كانوا بين شارح يطوّل، ومختصر يقلّل، والجمع منهم معترف أنه لم يدرك من حقائقه سوى اليسير. وقال الإمام أبو العباس أحمد بن سريج «٣» : مختصر المزنى يخرج من الدنيا بكرا لم تفتض «٤» . لأنه كان من أعرف الناس به، وكان لا يفارق حمله، وإليه أشار بقوله:
لصيق فؤادى مذ ثلاثين حجّة ... وصيقل ذهنى والمفرّج عن همّى «٥»
جموع لأنواع العلوم بأسرها ... حقيق على ألّا يفارقه كمّى
عزيز على مثلى إعارة مثله ... لما فيه من نسج بديع ومن نظم
стр. 533
وهذا المختصر أوّل مصنّف فى مذهب الشافعى صنّفه أصحابه. وروى عن المزنى أنه قال: لو أدركنى الشافعى وقت تأليف هذا الكتاب لسمعه منّى لحسنه. ومنه قولهم: دعاء مسموع، أى: مقبول.
وحكى أبو محمد أحمد بن عبد الله المزنىّ قال: سمعت يوسف بن عبد الأحد القمنى يقول: صحبت المزنى ليلة من ليالى الشتاء وبعينيه رمد، فكان يجدّد الوضوء ثم يعود فيصلّى، ثم ينعس، فيقوم ثانيا فيجدد الوضوء، ثم يعود فيصلى، ثم ينعس ثالثا فيجدد الوضوء، حتى فعل ذلك سبع عشرة مرّة، وكان لا يتوضأ من جباب «١» أحمد بن طولون، وكان يجدد الوضوء فيخرج من الجامع ويذهب إلى النيل، وبين الجامع والنيل مسافة بعيدة، فيجدد وضوءه ثم يرجع «٢» .
روى عنه أنه خرج من جامع مصر فرأى عبد الله بن عبد الحكم وقد أقبل فى موكبه، [ومعه جماعة من القضاة، والقلانس على رءوسهم] «٣» فبهره ما رأى من حسن حاله وبزّته وحسن هيبته «٤» ، فسمع قارئا يقرأ:
وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ
«٥» ؟ فقال: بلى والله، أصبر وأرضى.
وكان «٦» يشرب فى الشتاء والصيف من كوز أصفر، فقيل له فى ذلك، فقال: بلغنى أنهم يستعملون السّرجين فى هذه الكيزان، والنار لا تطهره.
стр. 534
وأخبرنا قاضى بلده نصر بن محمد بن أحمد قال: سمعت أبا علىّ الرّوذبارىّ يقول: سمعت بحرا «١» يقول: قال المزنى: خرجت [إلى] «٢» «البرلس» أطلب الميرة «٣» ، فمررت بقوم يشربون النبيذ على شاطىء البحر، والملاهى تخرج إليهم من باب دار بحذائهم، فهممت أن أعظهم وأنكر عليهم، فخشيت الضّرر بالرّكب، فلما رجعت رأيت باب الدار مسدودا! فذكرت قول الشاعر:
قد شاب رأسى ورأس الحرص لم يشب ... إنّ الحريص على الدّنيا لفى تعب
بالله ربّك كم بيت مررت به ... قد كان يعمر باللّذّات والطّرب «٤»
طارت عقاب المنايا فى جوانبه ... فصار من بعده بالويل والحرب «٥»
فقلت «٦» أنشدك ما هو أحسن من هذا؟ فقال: هات يا بحر «٧» . فقلت عند ذلك:
نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ونغفل حين تبدو ذاهبات «٨»
стр. 535
كروعة ثلّة لمغار سبع ... فلما مرّ عادت راتعات «١»
فلو أنّا ندين بفضل حزم ... لخفنا الموت أيّام الحياة
وأخبرنا أبو الفضل بن نصر قال: سمعت عبد الرحمن غلام الزّقّاق يقول: سمعت أبا سعيد السّكّرىّ «٢» يقول: رأيت المزنّى «٣» يقول: سمعت أبا بكر محمد بن ريّان المصرى يقول: رجع خالى من جنازة المزنىّ فقال:
يا بنىّ، رأيت اليوم عجبا! رأيت طيورا بيضاء «٤» جاءت ترفرف على جنازة المزنّى، فجعلت تلقى نفسها وتتمسّح به، فقال الربيع بن سليمان: لا تنفّروها، فإنا لم نرها إلّا فى جنازة ذى النون المصرى، وأنها فعلت به مثلما فعلت بذى النون.
وروى أنه كان يقول: لا مروءة لمن لا جهل له، ولا جهل لمن لا مروءة له. وأنشد يقول:
ولا خير فى حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمى صفوه أن يكدّرا «٥»
ولا خير فى جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد القوم أصدرا «٦»
وروى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: قال الشافعىّ للمزنىّ وقد أقبل يوما: أهلا بمن لو ناظر الشيطان لقطعه «٧» .
стр. 536
وروى أيضا عن الربيع بن سليمان قال: كنّا عند الشافعى فأقبل المزنّى فقال: قد جاءكم من لو ناظر الشّيطان لقطعه، فالتفتّ فإذا المزنّى.
وروى عن الحسن بن أحمد بن عبد الواحد قال: سمعت المزنّى يقول- وقد قال «١» له رجل: يا أبا إبراهيم، إنّ فلانا يبغضك، فقال: «ليس فى قربه أنس، ولا فى بعده وحشة» .
وقال يوسف بن عبد الأحد: سمعت المزنّى يقول: «المحبّ لمن أطاعه المنتقم ممّن عصاه» .
وقال المزنّى: أخبرنا الشافعىّ عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر: «أنّ النّبيّ ﷺ فرض زكاة الفطر من شهر رمضان على الناس صاعا من برّ، أو صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على كل حرّ وعبد، ذكر أو أنثى من المسلمين» .
وعن محمد الخلاطى قال: سمعت المزنّى يقول: سمعت الشافعى يقول:
من تعلّم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر فى الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجّته، ومن نظر فى اللغة رقّ طبعه، ومن نظر فى الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم «٢» ينفعه علمه. وليس العلم ما حفظ، إنّما العلم ما نفع.
وذكر عنده حديث النبي ﷺ : «نحن أحق بالشك من إبراهيم» «٣» .
стр. 537
فقال المزنّى لم يشك النبي ﷺ ، ولا إبراهيم ﵇، فإنّ الله تعالى قادر على أن يحيى الموتى، وإنّما شكّا أن يجيبهما إلى ما سألا.
وكانت وفاة المزنى سنة ٢٦٤ هـ وهو ابن سبع وثمانين «١» ، وصلّى عليه العبّاس بن أحمد بن طولون، ورثاه أحمد بن يحيى بن داود، وكان صديقا له، رحمه الله تعالى، فقال:
لا تهجعى، فبمثله لم تفجعى ... واسترفدى غربى نجيعك واهمعى «٢»
ليس الدّموع وإن تتابع فيضها ... فيما دهاك به الحمام بمقنع «٣»
إنّ الرّزيّة يا بن يحيى أصبحت ... عمّ العشيرة والبعيد الأشسع «٤»
стр. 538
لهفى على المزنّى لهفة حائر ... عزى الحمام به بأضيع موضع «١»
ورأيت أعجب ما رأيت ولم أكن ... من قبل ذاك رأيته بمشيّع
طيرا ترفرف فوقه وتحفّه ... حتّى توارى فى حجاب المضجع «٢»
ثمّ احتجبن عن العيون ولم يحط ... أمر بكنه مسيرها فى المرجع
وأظنّها رسل الإله تنزّلت ... والله أعلم فوق ذاك الشّرجع «٣»
وتنزّل القطر الّذى كنّا نرى ... وهبوب تلك الذّاريات الوعوع «٤»
إن شئت قل: بكت السّماء لفقده ... أو قل: سقته بمهذب لم يقلع «٥»
***
تربة الشيخ أبى عمرو عثمان بن مرزوق «٦» :
ثم تمضى إلى تربة الشيخ أبى عمرو عثمان بن مرزوق بن سلامة بن حميد القرشىّ، رضى الله عنه، وهو بالقرب من تربة كافور الإخشيدى ﵀.
وهذا الشيخ من أكابر مشايخ مصر المشهورين، وصدور العارفين المذكورين،
стр. 539
وأعيان العلماء المحققين، صاحب الكرامات الظاهرة، والأحوال الفاخرة، والأفعال الخارقة، والأنفاس الصادقة، والمفاخر والمعالى، والتقدم والتّعالى. وهو أحد العلماء المتعفّفين، والفضلاء المتعيّنين، والأئمة البارعين، والسادة القائمين بالسّنّة وأحكام الدّين. أفتى بمصر على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه، ودرّس، وناظر، وأملى، وقصد إليه طلبة العلم، وروى عن غير واحد بمصر من العلماء.
وهو أحد أركان الطريق، وأعلم العلماء بأحكامها وكشف مشكلاتها وأحوالها، وفرد سادات أئمّتها، وعظماء القادة إليها علما وعملا، وحالا ومقالا، وتحقيقا وتمكينا، وزهدا ومجدا، وجلالة ومهابة، مع تدآب فى المجاهدة، وتجوال فى المشاهدة، وجبلّة «١» طبعت من الحلم والتّواضع، ومزجت بالكرم والحياء.
وهو أحد من أظهره الله تعالى للخلق، وأوقع له عندهم القبول التام، والهيبة العظيمة، وصرّفه فى الوجود، ومكّنه فى الأموال، وقلب له الأعيان، وخرق له العوائد «٢» ، وأنطقه بالمغيّبات، وأظهر «٣» على يديه العجائب، وأجرى على لسانه ما عمّر به القلوب، ونوّر به الأسرار، وأحيا به الشريعة المطهرة، وأقامه حجّة على المسلمين، وقدوة للسالكين.. انتهت إليه مرتبة «٤» المريدين الصادقين بمصر وأعمالها «٥» ، وكشف مواردهم الخافية، وانتفع بصحبته غير واحد من الأجلّاء، وتلمذ له جماعة ممّن لهم قدم راسخة «٦» فى هذا الشّأن، وقال بإرادته جمّ غفير من أصحاب الأحوال، وانتمى إليه خلق
стр. 540
كثير من الصّلحاء، وانعقد عليه إجماع المشايخ والعلماء بالتبجيل والاحترام، وحكّموه فيما اختلفوا فيه، ورجعوا إلى قوله، وأبرزوا «١» عدالته، واعترفوا بفضيلته.
وكان ظريفا جميلا، مشتملا على أطيب الأخلاق، وأكمل الآداب، وأشرف الصّفات.
وكان له كلام على لسان أهل التحقيق، منه: «الطريق إلى معرفة الله تعالى وصفاته الفكر، والاعتبار بحكمه وآياته، ولا سبيل للألباب إلى معرفة كنه ذاته، ولو تناهت «٢» الحكم الإلهيّة فى حدّ «٣» العقول وانحصرت «٤» القدرة الرّبّانية فى درك «٥» العلوم لكان ذلك تقصيرا فى الحكمة، ونقصا فى القدرة، لكن احتجبت أسرار «٦» الأزل عن العقول، كما استترت سبحات «٧»
الجلال عن الأبصار، فقد رجع معنى الوصف، [فى الوصف] «٨» ، وعمى الفهم عن الدّرك «٩» ، ودار الملك فى الملك، وانتهى المخلوق إلى مثله، واشتدّ الطلب «١٠» إلى شكله، وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
«١١» . فجميع المخلوقات- من الذّرّة إلى العرش- سبل متصلة [إلى
стр. 541
معرفته] «١» ، وحجج بالغة على أزليّته «٢» ، والكون جميعه ألسن ناطقة بوحدانيته، والعالم كله كتاب يقرأ حروف أشخاصه المتبصّرون على قدر بصائرهم» «٣» .
ومنه: «إذا هبّت ريح السعادة، وتألّق برق العناية على رياض القلوب، وأمطرت ودق «٤» الحقائق «٥» من خلال سحائب الغيوب، ظهرت فيها أزهار «٦» قرب المحبوب، وأينعت ببهجة أنوار نيل المطلوب، فوجدت ريح القرب فى لذّة المشاهدة، واستجلاء الحضور فى التغذى بالسماع، وآنست نار الهيبة حين أضرمها ضوء المحبة «٧» مع الشخوص عن الأنس إلى المقام «٨» إلى الفناء، فى خلوة الوصل على بساط المسامرة بمناجاة تشبّث الكون «٩» بصفاء اتصال تعرّف «١٠» نهايات الخير فى بدايات العيان، وتطوى حواشى الحدث فى بقاء «١١» عزّ الأزل، فهناك رسخت أرواحهم فى غيب الغيب، وغاصت أسرارهم فى سرّ السّرّ، فعرّفهم مولاهم ما عرّفهم، وأراد منهم من مقتضى الآيات ما لم يرد من غيرهم، وخاضوا بحار العلم اللّدنّى «١٢» بالفهم
стр. 542
الغيبى «١» ، لطلب [الزيادات، فانكشف لهم من مدخور الخزائن تحت كل ذرّة من ذرّات الوجود] «٢» علم مكنون، وسرّ مخزون، وسبب متّصل بحضرة القدس، يدخلون منه على سيّدهم- فأراهم من عجائب ما عنده مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» .
ومنه: «من لم يجد فى قلبه زاجرا فهو خراب، ومن عرف نفسه لم يغترّ بثناء الناس عليه، ومن لم يصبر على صحبة مولاه ابتلاه الله بصحبة العبيد، ومن انقطعت آماله- إلّا من مولاه- فهو عبد حقيقة. والدّعوى من رؤية النفس، واستلذاذه بالبلاء تحقيق بالرّضا. وحلية العارف الخشية والهيبة، وإياكم ومحاكاة أصحاب الأحوال قبل إحكام الطّريق وتمكّن الأقدام، فإنّها تقطع بكم [عن السّير] «٣» ، ودليل تخليطك صحبتك للمخلطين «٤» ، ودليل بطالتك ركونك للبطّالين، ودليل وحشتك أنسك بالمستوحشين.
وكان يتمثل بهذه الأبيات:
يا غارس الحبّ بين الجلد والكبد ... هتكت بالصّدّ ستر الصّبر والجلد
يا من يقوم مقام الموت فرقته ... ومن يحلّ محلّ الرّوح فى الجسد
قد جاوز الحبّ بى أعلى مراتبه ... فلو طلبت مزيدا منه لم أجد
إذا دعا النّاس قلبى عنك مال به ... حسن الرّجاء فلم يصدر ولم يرد «٥»
إن توفنى لم أرد ما دمت فى بلد ... وإن تغيّرت لم أسكن إلى أحد
стр. 543
وروى عن الشيخ العارف أبى إسحاق إبراهيم بن مزيبيل «١» الضرير أنه قال: كان الشيخ أبو عمرو عثمان بن مرزوق القرشىّ، رضى الله عنه، من أوتادهم، وكان سابغ الكفّ، ظاهر الكرامات.. زاد النيل فى زمانه سنة من السنين زيادة كادت مصر أن تغرق، فأقام الناس على الأرض حتى كاد وقت الزرع أن يفوت، فضج الناس وجاءوا إلى الشيخ أبى عمرو بسبب ذلك، فأتى إلى شاطىء النيل فى ذلك الوقت، وتوضّأ فيه بإبريق كان مع خادمه، فنقص النيل لوقته نحو ذراعين ونقص حتى انكشفت الأرض، وزرع الناس فى اليوم الثانى «٢» . وبلّغ الله به المنافع، وبارك فى زرع الناس تلك السنة.
قال: وحكى لى خادمه الشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن بركات السعدى المقرى، رحمه الله تعالى: أنّ الشيخ صلّى العشاء بمنزله بمصر فى ليلة مظلمة، وخرج، وخرجت خلفه والأرض تطوى تحتنا كالكرة، والأنوار تسعى بين أيدينا وعن أيماننا وشمائلنا، ولا تنتهى إلى جبل ولا نشز «٣» من الأرض إلّا اندكّ بين يديه وكأنه لم يكن، حتى أتينا فى أسرع وقت إلى مكة- شرّفها الله تعالى- فطاف، وصلّى بها أكثر الليل، حتى خرج- وأنا خلفه- يسير كذلك إلى المدينة الشريفة النبوية، صلى الله على صاحبها وسلم، فزار وصلّى ما شاء الله تعالى أن يصلى، ثم خرج- وأنا خلفه- يسير كذلك إلى بيت المقدس، فزار وصلّى ما شاء الله تعالى أن يصلى، ثم خرج- وأنا خلفه- يسير كذلك إلى أن دخلنا مصر والمؤذن ينادى بالفجر، فو الله لقد رجعت وأنا لا أقوى من أول الليل، ولم أكن وجدت تعبا ولا نصبا، وأخذ علىّ الشيخ ألّا أتكلّم بذلك فى حياته، فما تكلمت به إلّا بعد وفاته، رضى الله عنه.
стр. 544
وقال خادمه المذكور: خدمته تسع سنين، فكان لا يمر عليه وقت من الليل أو النهار إلّا وهو معمور بأنواع القربات: إمّا بقراءة قرآن، أو قراءة، أو سمع الحديث، أو تملية، أو يشتغل بالعلم، أو يؤدب مريديه، أو يتوجه إلى الله سبحانه- بإحكام أحوال قربه، ومنازلات سرّه.
وشهدته يوما وقد دخل عليه شيخ أشعث أغبر، ما رأيته من قبل ولا من بعد، فجلس بين يدى الشيخ متأدّبا خاضعا، فأطرق الشيخ ساعة ثم نظر إلى الرجل، فخرّ مغشيّا عليه، فقال الشيخ: ارفعوه. فوضعناه فى بيت، فمكث فيه أربعة أشهر لا يتحرك ولا يفيق، فحالته كحالة الميت إلّا أنه يتنفس، ثم أتاه الشيخ ومسح بيده على صدره فأفاق، فسألته عن أمره، فقال: يا أبا العباس، كبر سنّى، وتتابعت مجاهداتى، وطالت سياحاتى، وما رأيت من أحوال هذا الشأن شيئا، فاستغثت إلى الله تعالى بسرّى، فنوديت: اذهب إلى سلطان هذا الوادى، فعنده ما تريد. فقلت: ومن هو؟ فقيل لى: هو الشيخ أبو عمرو عثمان بن مرزوق «١» ، فلما جلست بين يديه ونظر إلىّ قطعت نظرته حجبى، واخترقت فّى سرادقات الوصل، وطويت لى مسافات البعد، واختطفتنى عن جسمى وعالمى، وغيّبتنى عن الوجود وما فيه، وقمت على قدم الفناء والغيبة عن الأكوان فى مقام القرب، ونلت مطلوبى، ووصلت إلى محبوبى ببركة نظرته، فمرّ بى رسول الله ﷺ وأنا على هذا الحال فى مقامى ذلك، فنظر إلىّ وقال:
مروا من حال بين هذا وبين عقله أن يضع فيه تمكينا يقهر بقوته شيطان هذا الحال ليرجع إلى تمييزه فيقوم بأحكام الشرع.
وأسرع إلىّ الشيخ أبو عمرو، فوجدت عندى قوّة ملكت بها حالى، ورجعت إلى وجودى كما ترى. ثم ذهب فما رأيته بعد.
стр. 545
وقال: صحبته مرة إلى الشام على قدم التجريد، وليس لنا ثالث، فمكثنا ثلاثة أيّام لا نأكل ولا نشرب، وكدت أسقط إلى الأرض، فلما رأى الشيخ حالى عرج على كثيب من رمل فجعل يغترف منه سويقا مشوبا «١» بسكر، فأكلت منه حتى شبعت، ثم ضرب بيده فى الكثيب فنبعت عين ماء عذب من مياه الدنيا، فشربت حتى رويت.
وقال: حضرت عنده يوما بمصر، وحضر عنده رجلان، أحدهما «٢» عربى لا يحسن «٣» بالعجمية شيئا، وعجمّى لا يعرف بالعربية شيئا، ولا كلمة واحدة، فجعل كلّ منهما يتكلم ولا يفهم الآخر ما يقول صاحبه، فقال العربى:
وددت لو أنى أعرف بالعجمية! وقال العجمى: وددت لو أنى أعرف بالعربية، وقاما وتفرقا، ثم أتيا إلى الشيخ فى الغد، وكل واحد منهما يتكلم بلسان صاحبه كأفصح ما يكون، فسئلا عن ذلك، فقال العربىّ: رأيت إبراهيم الخليل ﷺ ومعه الشيخ أبا عمرو «٤» ، فقال الخليل ﷺ لأبى عمرو: علّمه العجمية نيابة عنى، فتفل أبو عمرو «٥» فى فمى، فاستيقظت، وأنا أتكلم بالعجمية. وقال العجمى: وأنا رأيت المصطفى ﷺ [فقال] «٦» لأبى عمرو: علّمه العربية نيابة عنى، فتفل أبو عمرو فى فمى، فاستيقظت وأنا أتكلم بالعربية.
وحكى عنه ولده أبو الخير سعد، قال: سمعت والدى رضى الله عنه يقول: خرجت مرّة سائحا فى القرافة، وصعدت الجبل المقطم فمكثت فيه أياما لا أرى أحدا، فسمعت ليلة عند السّحر قائلا يقول فى مناجاته [ببكاء] «٧»
стр. 546
يزعج القلوب، وحنين يذهل العقول: «كتمت بلائى من غيرك، وبحت بسرّى إليك، واشتغلت بك عمّن سواك» . ثم انتحب بالبكاء وقال: «عجبت لمن عرفك، كيف يسلو عنك؟ ولمن ذاق حبّك، كيف يصبر عنك؟ يا مسرى العارفين، وحبيب المقربين، وأنيس المحبين، وغاية أمل الطالبين، ومعين المنقطعين» . ثم صاح: «وا شوقاه! وا كرباه!» .
فتتبعت الصوت وقد أخذ بمجامع قلبى حتى انتهيت إليه، فإذا هو شيخ نحيف الجسم، مصفر اللون، تعلوه الهيبة، ويجلّله الوقار، وعليه سيما «١» أهل المعرفة، فدنوت منه وسلّمت عليه، فقال: مرحبا بك يا أبا عمرو! فقال:
وكيف عرفت اسمى وما رأيتنى قبل هذه الساعة؟ فقال: نظرت إلى شخصك فى الأرض فعرفت مقامك فى السماء، وقرأت اسمك فى اللّوح المحفوظ! فقلت له: يا سيدى، أفدنى فائدة. فقال:
«يا أبا عمرو، أوحى الله إلى نبيّه داود، صلوات الله على نبينا وعليه وسلامه: يا داود، قل لأوليائى وأحبّائى: ليفارق كلّ منكم صاحبه، فإنى مؤنسهم بذكرى، ومحدّثهم بأنسى، وكاشف الحجاب فيما بينى وبينهم لينظروا عظمتى وجلالى وبهاء وجهى، فى كل يوم أدنيهم، وفى كل ساعة أقربهم من نور وجهى، وأذيقهم من طعم كرامتى، فإذا فعلت ذلك عميت هويّتهم عن الدنيا وأهلها، فما شىء آنس إليهم منّى، ولا أقرّ لعيونهم من النّظر إلىّ، يستعجلون القدوم علىّ، وأنا أكره أن أميتهم، لأنهم مواضع نظرى من بين خلقى، أنظر إليهم وينظرون «٢» إلىّ، فلو رأيتهم يا داود، وقد ذابت نفوسهم، ونحلت أجسامهم، وخشعت عيونهم، وتهشمت أعضاؤهم، وانخلعت قلوبهم إذا سمعوا بذكرى، فأباهى بهم ملائكتى وأهل سماواتى، ينظرون إلىّ فيزدادون
стр. 547
خوفا وعبادة، إن ناجونى أصغيت إليهم، وإن نادونى أقبلت عليهم، وإن أقبلوا إلىّ أدنيتهم، وإن دنوا منى قرّبتهم، وإن والونى واليتهم، وإن صافونى صافيتهم، وإن عملوا إلىّ جاريتهم، أنا مدبّر أمورهم، وسائس قلوبهم، ومتولّى أحوالهم، لم أجعل لقلوبهم راحة فى شىء غير ذكرى، لا يستأنسون إلّا بى، ولا يحطّون رحال قلوبهم إلّا عندى، فوعزّتى وجلالى، لأمكننّهم من رؤيتى، ولأشبعنّهم من النظر إلىّ حتى يرضوا، وفوق الرضا.
فأخبر يا داود أهل الأرض أنى حبيب لمن أحبّنى، وجليس لمن ذكرنى، وأنيس لمن أنس بى، وصاحب لمن صاحبنى، ومطيع لمن أطاعنى، ومختار لمن اختارنى، فهلمّوا إلى كرامتى ومصاحبتى، وأنا الجواد الماجد، أقول للشىء: كن فيكون» .
ثم خنقته العبرة وغشى «١» عليه، فلمّا أفاق قلت له: يا سيدى، أوصنى! قال: «يا أبا عمرو، اقطع «٢» عن قلبك كل علاقة، ولا تقنع بشىء دونه» .
فقلت: يا سيدى، ادع لى. فقال: «خفّف الله عنك مؤن نصب السير إليه، ولا يجعل بينك وبينه حجابا» .
ثم ولّى كالهارب من الأسد. وأنشد يقول:
ذكرتك لا أنّى نسيتك لحظة ... وأيسر ما فى الذّكر ذكر لسان
وكدت بلا وجد أموت من الهوى ... وهام علىّ القلب بالخفقان «٣»
فلمّا أراني الوجد أنّك حاضرى ... شهدتك موجودا بكلّ مكان
فخاطبت موجودا بغير تكلّم ... ولاحقت معلوما بغير عيان
стр. 548
سكن أبو عمرو المذكور «مصر» واستوطنها، وتوفى بها سنة ٥٦٤ هـ «١» .
*** قبر كافور الإخشيدى «٢» :
ثم تمضى قليلا إلى قبة بها قبر «كافور الإخشيدى» «٣» الخادم الأسود، مولى الإخشيدى أبى بكر محمد بن الإخشيدى، جلب فى سنة ٣١٢ هـ «٤» رحمة الله عليه. ووزر له أبو بكر محمد بن على الماذرائى «٥» .
قال أبو بكر الماذرائى: قلت لكافور وهو يعدّد نعم الله عليه، كيف كان فى بلاد السودان؟ وكيف جلب؟ وكم كان سنّه «٦» ؟
قال: أربع عشرة «٧» سنة، جلبنى «٨» إبراهيم اليلوفى، فأدخلنى إلى مصر، وباعنى من محمد بن هاشم من بنى ماجد بن عياش، فوهبنى لجارية له، ثم وهب أبو أحمد بن عياش الجارية بعد مدة لمولاى الإخشيدى، وهو
стр. 549
يومئذ من جملة أتباع «تكين» ، فقالت له الجارية: لى عندهم عبد كان لى، فأرسل الإخشيدى فطلبنى، فأرسلنى إليه، فلم أزل عنده حتى جاءته ولاية دمشق، وترقيت إلى أن صرت إلى هذه الحالة «١» .
وقال إسحاق بن إبراهيم: كان لكافور أفضال فى كل سنة لحاجّ البرّ، يبعث معهم مالا وكسوة وطعاما، ويبعث معهم صندوقين من كسوة بدنه يفرّق ذلك على أولاد رسول الله ﷺ . وكان له من غلمان التّرك ألف وسبعون «٢» تركيّا يغلق عليهم باب داره»
، وتمام الألفى غلام.
[وهم مقيمون معه «٤» ، سوى المولّدين والسودان، كان الجميع أربعة آلاف غلام] «٥» .
وكان له راتب فى مطبخه، فى كل يوم ألف وسبعمائة رطل لحم «٦» ، ومن الدجاج الفائق مائة طائر [سوى غيره من الدجاج والفراريج] «٧» ، ومن الخراف المشوية ما يزيد على الخمسين، سوى النفقة على ذلك والحلوى. وكان يخرج فى كل يوم من خزانة الشراب ما يزيد على خمسين قربة من سائر الأشربة تفرّق على سائر الحاشية.
وكان يهدى إليه قاضى أسيوط محمد بن عبد الله فى كل سنة خمسين ألف سفرجلة «٨» تعمل شراب سفرجل.
стр. 550
وقال الحسن بن إبراهيم: أرسل عبد الرحمن صاحب الأندلس إلى مصر مالا يفرقه على المالكيين، فبلغ أبا بكر الحدّاد، فقال: لعلّه لسائر أهل العلم.
فقال: بل للمالكيين «١» خاصة. فقال لكافور: «أرضيت من ملكك أن ترسل الأموال إلى المالكيين، والشافعيون معك [بلا شىء] «٢» ؟ إن لم تقابل هذا الفعل «٣» فى الشافعيين بأكثر منه لأكتبنّ فى ذلك ولأكتبنّ» .
فأرسل كافور عشرة آلاف درهم، فجلس أبو بكر وفرّقها على الشافعيين.
ولما مات كافور- ﵀ وجد فى خزانته عينا، وجواهر، وثيابا وسلاحا، وغير ذلك، ما مبلغه ألف ألف دينار.
وكان متواضعا حليما، ويحكى عنه أنه «٤» لحقه جرب كثير وهو صغير، حتى كان لا يظهر ولا يقابل، فطرده سيده، فكان يمشى فى سوق بنى حباسة، وفيه طباخ يبيع الطبيخ، فعبر به كافور يوما وطلب منه «٥» ، فضربه بالمغرفة «٦» على يده وهى حارّة، فوقع مغشيّا عليه، فأخذه رجل من المصريين ورشّ عليه الماء حتى أفاق وجعله عنده «٧» وداواه حتى وجد العافية، فأتى سيّده، فأخذه سيّده وقال للذى داواه: خذ أجرة ما فعلت.
قال: لا، ولكن أجرى على الله تعالى.. فكان كافور كلما عزّت عليه نفسه يذكّرها بضربة الطّبّاخ بالمغرفة. وربما يركب ويأتى ذلك الزقاق وينزل ويسجد شكرا لله تعالى، ويقول لنفسه: اذكرى ضربة المغرفة.
стр. 551
وحديثه مع ابن جابار مشهور، وهو من عزيز مناقبه، وقد ذكر فى أخبار ابن جابار فيما تقدم.
وحكى أبو جعفر المنطقى «١» قال: دعانى كافور يوما وقال لى: أتعرف منجّما كان يجلس عند دار فلان؟ فقلت: نعم. فقال: ما حاله «٢» ؟ قلت:
مات منذ سنين كثيرة. فقال: اعلم أنّى كنت «٣» مررت عليه يوما فدعانى وقال لى: أنظر لك؟ قلت: افعل. فنظر ثم قال: ستملك هذه المدينة وتأمر فيها وتنهى. وكان معى درهمان «٤» فدفعتهما إليه، فقال: ما هذا «٥» ؟ فقلت:
ما معى غيرهما «٦» . فقال: وإنّ يدك «٧» ستملك هذه المدينة وغيرها، وتبلغ مبلغا عظيما، فاذكرنى. وانصرفت [بعد أن عاهدته على الوفاء والإحسان] «٨» ، فلما نمت البارحة رأيته فى منامى وهو يقول لى: ما على هذا فارقتنى! فأريد أن تمضى «٩» وتسأل عن حاله، وهل له ورثة «١٠» ؟.
فمضيت إلى داره التى كان يسكنها، فسألت عنه، فقيل لى: له ابنتان «١١» ، إحداهما متزوجة والأخرى لم تتزوج، وهى بكر، فعدت إليه
стр. 552
فأخبرته، فأرسل لهما أربعمائة دينار، واشترى لهما دارا بأربعة آلاف درهم، وجهز البكر أيضا بمائتى دينار «١» .
وقيل: لقى الإخشيدى ابن سعيد المكفوف المفسّر، فقال له:
رأيت «٢» فى المنام كأنّ أمّ الفتيان رفعت إلىّ درجا «٣» فيه خواتيم، فسلمت الدّرج إلى أخى «٤» المظفر، ثم عدت فأخذته منه وسلمته لهذا الغلام- يعنى كافور- فقال: يبلغ بك مبلغا عظيما. فلما انصرف الإخشيدى قام ابن سعيد فقال: اطلبوا لى كافور «٥» ، فطلبوه، فلما جاء قال: اتّق الله فى المسلمين، فإنك ستبلغ درجة مولاك. فاذكرنى ولا تنسنى!
فلما بلغ كافور ما بلغ أرسل إليه إلى دمشق وأحضره، وأجرى عليه [رزقا كثيرا] «٦» إلى أن توفى كافور.
ودخل على كافور غلام، فقال له: ما اسمك؟ قال: كافور. قال:
نعم، ما كلّ من اسمه محمد نبّى!
وقيل: كثرت الزلازل بمصر فى زمنه، وأقامت ستة أشهر «٧» ليلا ونهارا، فأنشده محمد بن القاسم قصيدة يقول فيها:
ما زلزلت مصر من سوء يراد بها ... لكنّها رقصت من عدله فرحا
وتوفى كافور- رحمه الله تعالى.. سنة سبع وخمسين وثلاثمائة «٨» .
стр. 553
تربة أبى الفضل جعفر بن الفرات:
ثم تمضى من قبته إلى الشرق»
تجد قبة لطيفة، يقال إن تحتها سيده مدفون فيها «٢» . [وبجانبها من الشرق سبعة قبور على صفّة، يقال إنهم وزراء، رحمهم الله تعالى] «٣» وبجانبها من الشرق تربة تعرف بالوزير «٤» أبى الفضل جعفر بن الفرات ﵀، نزل مصر «٥» وتقلّد الوزارة لكافور، وكان أبوه وزير المقتدر بالله، وله «٦» رحلة فى [طلب] الحديث. وحدّث «٧» عن أبى طالب عبد الله السابورى، وأبى الحسن، ومحمد بن فرج الحضرمى «٨» ، وغيرهم. وروى عنه جمع غفير.
قال أبو الفضل المذكور: حدثنى سعيد قال: أخبرنى أيوب عن وهب:
«مكتوب فى مزامير داود: أتدرى لمن أغفر من عبادى؟ قال: لا يا رب.
قال: للذى أذنب ذنبا فارتعدت فرائصه من ذلك. آمر الملائكة ألّا يكتبوا «٩» عليه ذلك.
ومن كلامه- رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته فى الدنيا والآخرة- شعر:
стр. 554
من أخمل النّفس أحياها وروّحها ... ولم يبت طاويا منها على ضجر «١»
إنّ الرّياح إذا اشتدّت عواصفها ... فليس ترمى سوى العالى من الشّجر
وله أيضا- رضى الله عنه:
من لى بصحبة من إذا أغضبته ... وسخطت كان الحلم ردّ جوابه
وإذا طربت إلى المدام سكرت من ... أخلاقه وطربت من آدابه
وتراه يصغى للحديث بسمعه ... وبقلبه ولعلّه أدرى به
وكانت وفاة الوزير فى سنة ٣٩١ هـ «٢» .
وتخرج من باب التربة تجد على يمينك قبرين، بهما سيدتان شريفتان «٣» قيل: هما من أولاد جعفر بن محمد الصادق، وفى ذلك نظر، والله أعلم «٤» .
قبر أبى الحسن الطرائفى «٥» :
وهناك قبر الطرائفى «٦» ﵀ كان يقرى الضيفان «٧» . واسمه علىّ، وكنيته أبو الحسن، كان مكرما للفقراء، كثير الضيافة لهم.
стр. 555
ويحكى عنه أنّ رجلا جاء إلى حانوته وهو فى قوة بيعه واجتماع الناس عليه، فقال له: ما حاجتك أيها الشيخ؟ فسكت ومشى، فقام إليه الطرائفى وترك بيعه وقال له: ما حاجتك؟ فقال له: أحتاج إلى ثوب وعمامة وسراويل.
فقال: بسم الله، ثم أمر الطرائفى غلامه فاشترى ذلك، وأخذ الطرائفى الرجل وجاء به إلى البيت، ثم قال له: هل بقيت حاجة؟ قال: نعم، نحن عشرة وأنا واحد منهم، ما ينبغى لى أن أتخصّص. فقال له: امض وأتنى بهم. فذهب وجاء بهم. فلما حضروا قال لهم: ما تشتهون؟ فاشتهى كل واحد منهم لونا، فطبخ لهم جميع ما طلبوه، وقدّم لهم الطعام، فأكل كلّ واحد ما اشتهاه، ولمّا فرغوا «١» سألهم: هل تشتهون؟ هل بقيت لكم حاجة؟ قالوا: نعم، أن يوقفك بين يديه، وأن يدلّلك كما دلّلتنا! فبكى.
ثم إنه كسا الجميع، وقال لصاحبه الأول: هل بقيت لك حاجة؟ قال:
نعم، تزوّجنى بابنتك. قال: بسم الله. ثم زوّجه ابنته وأسكنه عنده، وقام له بما يحتاج إليه فى ليلة عرسه، وأدخل زوجته عليه.
ثم إن الطرائفى نام تلك الليلة، فرأى أنّ القيامة قد قامت، وقد تجلّى الله ، وجاء به وأوقفه بين يديه وقال له: تدلّل كما تدلّلت الفقراء عليك.. ثم أعطى قصرا عظيما، ووجد طعاما كثيرا، ووجد داخل القصر حورا لم ير مثل صفتها. فلما [استيقظ] «٢» من منامه جاء إلى زوج ابنته فقال له: كيف كانت ليلتك مع زوجتك؟ قال: كليلتك مع ربّك! فقال له: كيف وجدت البيت؟ قال: كيف وجدت القصر؟ قال: أعجبتك الحور؟
والطرائفى منسوب إلى بيع الطرائف، وهى الأشياء الحسنة «٣» .
стр. 556
ثم تخرج إلى الخندق وتنزل منه وتطلع تجد تربة فيها الياسمينى والنسرينى وجماعة من الصالحين- رحمة الله عليهم.
قبر الفقيه نجم الدين عمارة بن على اليمنى «١» :
ثم تمضى إلى تربة تعرف بتربة بنى المنتجب، بها قبة فيها قبر الفقيه الفاضل نجم الدين عمارة بن على بن زيدان «٢» ، المكنى أبا محمد الحكمى المذحجىّ اليمنى الشّافعىّ الفرضى، الشاعر المشهور.
تفقّه بزبيد مدة أربع سنين «٣» ، وهو من قحطان، ثم الحكم بن سعد العشيرة المذحجيّ. ولد بتهامة من أرض اليمن فى مدينة يقال لها «مرطان» من وادى «وساع» «٤» ، وبعدها من مكة فى مهب «٥» الجنوب أحد عشر يوما «٦» ، سنة ٥١٥ هـ، وبلغ بها الحلم سنة ٥٢٩ هـ، ورحل «٧» إلى زبيد سنة ٥٣١ هـ، وحج سنة ٥٤٩ هـ، فسيّره صاحب مكّة قاسم بن هاشم بن فليتة رسولا إلى الفائز «٨» خليفة مصر، فمدحه بقصيدة ميمية، فوصله «٩» ، ومدح ابن رزّيك فأحسن صلته.
стр. 557
ثم عاد إلى مكة، وذهب إلى زبيد، ثم حج، وأعاده صاحب مكة فى رسالة إلى مصر ثانية، فدخل مصر واستوطنها إلى أن صلب.
وكان شافعيّا شديد التعصب للسّنّة، وأديبا ماهرا، وشاعرا مجيدا، ولم يزل فى علوّ فى دولة المصريين إلى أن ملك السلطان صلاح الدين، فمدحه كثيرا، ومدح الفاضل «١» كثيرا، ثم إنه شرع فى أمور، وأخذ فى اتفاق مع رؤساء البلد فى التعصب للعبيديين وإعادة أمرهم، فنقل أمرهم، وكانوا ثمانية من الأعيان، فأمر صلاح الدين بشنقهم فى رمضان سنة ٥٦٩ هـ.
ويقال: إن صلاح الدين لمّا استشار الفاضل فى أمره فقال: نسجنه.
فقال: يرجى خلاصه.. فقال: نضربه عقوبة.. فقال: الكلب يضرب فيسكت ثم ينبح. فقال: نشنقه. فقال: الملوك إذا أرادوا شيئا فعلوه، ونهض قائما، فعلم السلطان أنّ هذا هو الرأى.
وقيل: أحضر عمارة، فأخذ الفاضل فى تلطيف أمره مع السلطان- بينه وبينه- فقال عمارة: بالله يا مولانا لا تسمع منه ما يقول فىّ. فقال السلطان:
نعم، والله أعلم بأمر الفاضل وأمر عمارة، ثم إنه رسم فيه بما رسم، فقال عمارة للموكّلين به: بالله مرّوا بى على باب القاضى الفاضل لعلّه يرق لى..
فمرّوا به، وكان الفاضل جالسا على باب داره، فلما رآه مقبلا دخل داره وأغلق بابه، فقال عمارة:
عبد الرّحيم قد احتجب ... إنّ الخلاص من العجب
ويقال: إنه مرّ قبل كائنته «٢» بيومين أو ثلاثة، فرأى بين القصرين مصلوبا فقال:
стр. 558
ومدّ على صليب الصّلب منه ... يمينا لا تطول إلى الشّمال
ونكّس رأسه لعتاب قلب ... دعاه إلى الغواية والضّلال
وقال بعضهم: عبرت بين القصرين وأنا عائد على دار السلطان صلاح الدين عشيّة النهار الذي شنق فيه عمارة اليمنى، فشاهدته هناك مشنوقا، فذكرت أبياتا له عملها فى الصّالح «١» ، وهى هذه، قال:
إذا قدرت على العلياء بالغلب ... فلا تعرّج على سعى ولا طلب
ولا ترقّنّ لى إن كربة عرضت ... فإنّ قلبى مخلوق من الكرب
واستخبر الهول كم آنست وحشته ... وكم وهبت له روحى ولم أهب
ومن نظمه- رضى الله عنه:
بات يرعى السّها بطرف مؤرّق ... وفؤاد من الغرام محرّق «٢»
ليت أيّامه السّوالف يرجعن ... ويجمعن طيب عيش تفرّق
دمن أنبت الجمال ثراها ... ورعى الشّوق غضّها حين أورق «٣»
فتح الطّلّ زهرها وتولّى ... نشره راحة النّسيم الذي رق
وله أيضا:
يا أيّها النّاس والخطاب إلى من ... هو من حيث فضله إنسان
هذه خطبة إلى غير شخص ... نظمة عقد نثرها الأوزان
لم أخصّص بها فلان لأنّى ... فى زمان ما فى بنيه فلان
من يكن عنده مزيّة فهم ... فليكن سامعا فعندى لسان «٤»
стр. 559
لم يميّز بين البريّة إلّا ... حسنات يزينها الإحسان «١»
والخطايا بالعطايا [تولّت] ... كم جميل بها المساوى تصان «٢»
لا يغرّنّكم زيادة حال ... فالزّيادات بعدها نقصان
وإذا الدّوم لم يظلّ من الشّمس ... فلا أورقت له أغصان «٣»
وأحقّ الأنام بالذّمّ جيل ... بين أبنائه كريم يهان
طرق الجود غير ما نحن فيه ... قد سمعنا الدّعوى فأين البيان؟
أصيّر الجود قصّة عند قوم ... مستحيلا فى حقّها الإمكان
وعدمنا نشرا يدل عليه ... إنّما النّار حيث ثمّ الدّخان
كذّبونى بواحد يهب الألف ... وأنّى من السّماع العيان؟
وقال أيضا- عفا الله عنه:
إذا لم يسالمك الزّمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كيدا ضعيفا فربّما ... تموت الأفاعى من سموم العقارب «٤»
فقد هدّ قدما عرش بلقيس هدهد ... وخرّب فأر قبل ذا سدّ مأرب «٥»
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من الإنفاق فى غير واجب
فبين اختلاف اللّيل والصّبح معرك ... يكرّ علينا جيشه بالعجائب
وما راعنى غدر الشّباب لأنّنى ... أنست بهذا الخلق من كلّ صاحب «٦»
وغدر الفتى فى عهده ووفائه ... وغدر المواضى فى نبوّ المضارب «٧»
стр. 560
إذا كان هذا الدّرّ معدنه فمى ... فصونوه عن تقبيل راحة واهب
رأيت رجالا أصبحت فى مآدب ... لديكم، وحالى وحدها فى نوادب
تأخّرت لمّا قدّمتهم علاكم ... علىّ، وتأبى الأسد سبق الثّعالب
ترى أين كانوا فى مواطنى التى ... غدوت لكم فيهنّ أكرم نائب «١»
ليالى أتلو ذكركم فى مجالس ... حديث الورى فيها بغمز الحواجب
***
قبر كمال الدين ابن العديم «٢» :
ثم تمضى من تربة «عمارة» إلى حوش كبير يعرف بحوش بنى يعمر، به القاضى الأجلّ الصّاحب كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبى الفضل هبة الله بن أبى غانم محمد بن هبة الله بن قاضى حلب أبى الحسن أحمد بن يحيى ابن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبى جرادة عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل، رئيس الشام العقيلى الحلبى المعروف بابن العديم، ولد- ﵀ سنة ٥٨٦ هـ، وتوفى سنة ٦٦٠ هـ وقيل: بل سنة ٦٦٦ هـ. وقيل ٦٦٨ هـ «٣» .
وسمع من أبيه، ومن عمه أبى غانم، وابن طبرزد، والافتخار، والكندى، والحرستانى «٤» . وسمع جماعة كثيرة بدمشق وحلب والقدس
стр. 561
والحجاز والعراق. وكان محدّثا حافظا، مؤرخا صادقا، فقيها مفتيا، منشئا بليغا، كاتبا مجوّدا. درّس، وأفتى، وصنّف، وترسل «١» عن الملوك، وكان رأسا فى الخط المنسوب، لا سيما النسخ والحواشى.
ورئى فى النوم بعد وفاته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: نفعنى ما كتبته بيدى من العلم. فقيل له: هل تعلم بنا إذا زرناك؟ قال: نعم، ويقال لى: هذا فلان ابن فلان.
أطنب الحافظ شرف الدين الدمياطى فى وصفه وقال: ولى قضاء حلب خمسة من آبائه متوالية «٢» ، وله الخط البديع والخط الرفيع، والتصانيف الرائقة، منها: «تاريخ حلب» ، أدركته المنيّة قبل كمال تبييضه، وكتاب «الدّرارى فى ذكر الذّرارى» جمعه للملك الظاهر، وقدمه إليه يوم ولد ولده العزيز.
وكتاب «ضوء الصباح فى الحثّ على السّماح» «٣» ، صنّفه للملك الأشرف.
وكتاب «الأخبار المستفادة فى ذكر بنى [أبى] «٤» جرادة» . وكتاب فى الخطّ وعلومه، ووصف آدابه، وطروسه وأقلامه. وكتاب «دفع الظلم والتجرى عن «٥» أبى العلاء المعرّى» . وكتاب «الإشعار بما للملوك من النوادر والأشعار» .
وممّن كتب إليه يسترفده شيئا من خطّه «٦» سعد الدين منوجهر
стр. 562
الموصليّ، وأمين الدين ياقوت المعروف بالعالم «١» ، صهر ياقوت الكاتب الذي يضرب به المثل [فى جودة الخط] «٢» .
وكان فى بعض سفراته يركب فى محفّة تشدّ له بين بغلين ويجلس فيها ويكتب.
قال ياقوت: سألته لم سمّيتم ببنى العديم؟ فقال: سألت جماعة من أهلى عن ذلك فلم يعرفوه، وقالوا: هو اسم محدث لم يكن آبائى القدماء يعرفون [بهذا] «٣» ولم يكن فى نساء أهلى من يعرف به، ولا أحسب إلّا أنّ جدّ جدّى القاضى أبا الفضل هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبى جرادة- مع ثروة واسعة ونعمة شاملة- كان يكثر فى شعره من ذكر العدم «٤» وشكوى الزمان، فسمّى بذلك، فإن لم يكن هذا سببه فلا أدرى ما سببه؟
وقال: ختمت القرآن ولى تسع سنين، وقرأت بالعشر ولى عشر سنين، ولم أكتب على أحد مشهور إلّا تاج الدّين محمد بن أحمد بن البرفطىّ «٥» البغدادىّ، ورد إلينا حلب، فكتبت عليه أياما «٦» قلائل لم يحصل منه فيها طائل.
وروى عنه الدوادارىّ، وغيره، ومن شعره «٧» :
стр. 563
وأهيف معسول المراشف خلته ... وفى وجنتيه للمدامة عاصر «١»
يسيل إلى فيه اللّذيذ مدامة ... رحيقا وقد مرّت عليه الأعاصر «٢»
فيسكر منه عند ذاك قوامه ... فيهتزّ تيها والعيون فواتر «٣»
كأنّ أمير النّوم يهوى جفونه ... إذا همّ رفعا خالفته المحاجر «٤»
خلوت به من بعد ما نام أهله ... وقد غابت الجوزاء واللّيل ساتر «٥»
فوسّدته كفّى وبات معانقى ... إلى أن بدا ضوء من الصّبح سافر «٦»
فقام يجرّ البرد منه على تقى ... وقمت ولم تحلل لإثم مآزر «٧»
كذلك أحلى الحبّ ما كان فرجه ... عفيفا ووصل لم تشنه الجرائر «٨»
*** وبالحوش المذكور قبر يوسف بن يوسف، المكنى أبا سهل القصيرى، الأديب، تولى تدريس الحديث بالمدرسة الكاملية، وكان قليل الرواية، وتوفى بالمدرسة الكاملية المذكورة.
стр. 564
قبر الإمام عمر بن دحية الكلبى «١» :
ثم تخرج من الحوش وتأتى إلى حوش يلاصقه من الجهة البحرية، بالحوش المذكور، قبر الإمام الحافظ الحجّة عمر بن حسن بن على بن محمد الجميّل بن بدر بن أحمد بن دحية- بكسر الدال وفتحها، والفتح أفصح، صاحب رسول الله، ﷺ ، الذي كان يهبط الأمين جبريل على صورته وهيئته- ابن خليفة ابن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزج «٢» - بغير راء- ابن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف «٣» ، واسمه زيد اللّات بن رفيدة ابن ثور بن كليب «٤» بن وبرة بن ثعلب. وقيل: تغلب بن حلوان بن عمران ابن الحافى بن قضاعة الكلبى الدّانّى السّبتى الأندلسى البلنسى الأنصارى الخزرجى، المعروف بذى النسبين، والمكنى أبا الفضل وأبا الخطّاب، كما ذكر ذلك يحيى الكلبى، وأنه سبط ابن البسام الحسنى الفاطمى.
وكان المذكور من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متقنا لعلم الحديث النبوى، وكل ما يتعلق به، عارفا بالنحو واللغة وأيام العرب «٥» ، وأشعارها..
اشتغل بطلب الحديث فى أكثر بلاد الأندلس الإسلامية «٦» ، ولقى بها العلماء والمشايخ، ثم رحل واجتمع بفضلاء مراكش، ثم رحل إلى إفريقية، ومنها إلى الديار المصرية، ثم رحل إلى الشام والشرق والعراق، ودخل إلى عراق العجم وخراسان، وما وراء كل ذلك فى طلب الحديث والاجتماع بأئمته، والأخذ عنهم، وهو فى تلك الحالة يؤخذ عنه، ويستفاد منه.
стр. 565
وقدم مدينة إربل سنة ٦٠٤ هـ، وهو متوجّه إلى خراسان، فرأى صاحبها الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين- رحمه الله تعالى- محبّا لعمل مولد النّبىّ ﷺ ، والاحتفال به، فعمل له كتابا سمّاه «التنوير فى عمل مولد البشير النذير» «١» وقرأه عليه بنفسه، وأجازه المعظم بألف دينار، وله عدة تصانيف.
وولى القضاء بدانية مرتين وصرف عنها، وحج، ولمّا عاد إلى مصر بعد طوافه البلاد استأدبه «٢» العادل لولده «٣» الكامل، وأسكنه القاهرة، فنال بذلك دنيا عريضة، وصنّف كتابا سمّاه «النص المبين فى المفاضلة بين أهل صفّين» .
وكان يقول: إنه حفظ صحيح مسلم. وقيل عنه: إنه كان ظاهرىّ المذهب [وكان كثير] «٤» الوقيعة فى أئمة الجمهور من العلماء والسلف الماضيين.. قال محب الدين بن النجار: وكان خبيث اللسان، أحمق، شديد الكبر، قليل النظر فى الأمور الدينية «٥» ، منها فتاوى دينه، وقال: قيل ذلك.
وذكر أنه سمع كتاب «الصّلة» لتاريخ الأندلس من ابن بشكوال، وأنه سمع من جماعة، وادّعى «٦» لقاء من لم يلقه، وسماع من لم يسمعه، وكانت أمارات ذلك لائحة عليه «٧» . وكأنّ القلب يأبى سماع كلامه، ويشهد ببطلان قوله، وكان صادف قبولا عند السلطان الملك الكامل، وأقبل عليه إقبالا عظيما، وكان يعظّمه ويحترمه، ويعتقد فيه، ويتبرك به تبركا تامّا، وسمعت من يذكره أنه كان يسوى له المداس إذا قام، قال الشيخ شمس الدين: ولأجله
следующие страницы →