Полный текст (1 089 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وقال: «من أسكن نفسه محبّة شىء من الدّنيا فقد قتلها بسيف الطّمع، ومن طمع فى شىء ذلّ له «١» وهلك» .
وقال: «لا يصل العبد لشىء من التّقوى وعليه بقيّة من الزّهد والورع والتّقوى مقرونة بالمراضاة «٢» . قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
» «٣» .
قيل «٤» : إنّه كان يعطى الورق احتسابا، وكان الشيخ أبو الحسن الكاتب- المقدّم ذكره- يكتب احتسابا أيضا، فغاب الورّاق يوما، فأعطى الكاتب الورق مع الكتابة، فلما عاد الورّاق لم يكتب إليه أحد، فأخذ الورق، وانفرد الكاتب بالمعلمين، فغضب منه الورّاق وقال: أخذت الأجر كلّه، ولم يكلّمه زمانا، بالمعلمين، فغضب منه الورّاق وقال: أخذت الأجر كلّه، ولم يكلّمه زمانا، وماتا متغاضبين، فرأى رجل من الصالحين أبا الحسن الدينورى وهو على نجيب «٥» من نور، وعليه من خلع الرّحمن، قال: فجئت إليه وقبّلت يديه، وقلت له: من أين يا سيدى؟ قال: من دعوة الصّلح بين الكاتب والورّاق، أصلح بينهما ربّ العالمين على موائد الفضل والرحمة «٦» !
***
стр. 597
قبر أبى الحسن علّى بن محمد بن سهل الدّينورىّ «١» :
ثم «٢» تمضى إلى قبر الشيخ الصّالح، الوليّ الكبير، والقطب الشهير، إمام وقته، والعارف بربه، أبى الحسن علّى بن محمد بن سهل الدّينورى، عرف بابن الصّائغ.
وهو فى تربة عظيمة. قال بعض المؤرّخين: الشيخ الصّالح، العابد، الزّاهد، المكاشف، أبو الحسن علّى بن محمد بن سهل الدّينورىّ، نسبة إلى «دينور» من بلاد الجبل «٣» ، يعرف بابن الصائغ، وتوفّى سنة ٣٣١ هـ «٤» .
وكان يتكلم على الخاطر والباطن، وكان حوله جماعة [لا يحصون كثرة من أهل الإرادة] «٥» قد آخى بينهم، واشترط عليهم فى مؤاخاتهم أشياء، وتكلّم عليهم فيها.
وكان كثير الذّكر، حسن الورع، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.
وكان «٦» علماء الديار المصرية يحضّون أولادهم على صحبته والتماس بركته «٧» ، ويقولون: «لا يجوز أن يتكلّم على النّاس إلا من كانت حالته كحالة أبى الحسن الدّينورىّ» .
стр. 598
وخرج يوما على أصحابه، وكان فيهم أحداث حسان، فقال: يا ملاح، يا ملاح! ثم [قال] «١» : أردت بقولى «يا ملاح» أعنى: ملاح القلوب لا ملاح الصّور.
وكان يقول لأصحابه إذا كانوا بين يديه: «اسكتوا حتى يكون سكوتكم ينبئ عنكم» . وكان كثير المؤاخاة بين أصحابه.
قال أبو عثمان المغربيّ: «ما رأيت من المشايخ [أنور] «٢» من أبى يعقوب النّهرجورىّ، ولا أكثر هيبة «٣» من أبى الحسن بن الصّائغ» .
مات سنة ٣٣٠ هـ. هكذا قال القشيرى.
وسئل- رضى الله عنه- عن الاستدلال بالشاهد على الغائب، فقال:
«كيف يستدلّ بصفات من له مثل ونظير على من لا مثل له ولا نظير؟» «٤» .
وسئل عن صفة المريد، فقال: «ضاقت عليه الأرض» «٥» .
ولمّا خرج بأمر «تكين» «٦» إلى بيت المقدس، أغلق «٧» البلد،
стр. 599
وخرج معه الجمّ الغفير، وقدّم له بغل، فلما أراد ركوبه «١» ، قال له بعض من حضر: ادع الله تعالى. فقال: «يا بنىّ، هذا ليس وقت دعاء، البلاء قد نزل، والبغل قد قدّم «٢» ، هذا وقت رضا وتسليم» !
وركب، وبكى النّاس، وودّعوه ورجعوا.
وقيل: إنّ البغل وقف يبول فى الرّمل، فوقف أصحابه يبكون وينظرون إليه، فقال لهم: «لا تيأسوا، فإنّ الذي أنفذنا على هذا البغل يموت، ويعمل له صندوق يحمل فيه إلى بيت المقدس، ويدور البغل ويبول عليه، وأركب البغل وأعود إليكم عليه، إن شاء الله تعالى» .
ففرحوا، وجرى الأمر على ما قال- رحمة الله عليه- فما زال فى بيت المقدس حتى مات «تكين» ، وحمل فى تابوت على البغل الذي حمل عليه الشيخ إلى بيت المقدس. [ثم عاد الشيخ إلى مصر] «٣» .
وكانت له كرامات ومقامات معروفة، وقد حدّث بمصر عن أهلها، وعن أهل بلده. وكان من شأنه أنّ السّلاطين تهابه، وكان الجنيد يعظّمه ويجلّه.
وقد كان للجنيد حاجة إلى السّلطان فقالوا له: نأخذ أبا الحسن معنا، فقال لهم: إن ذاك رجل ليس فيه فضلة «٤» لمثل هذا. فتركوه.
وقال «٥» بعض المؤرخين- وهو الشريف محمد بن سعد الحرّانى الحسينى، المعروف بالنّسّابة- رواية عن أبى حفص عمر بن محمد غزال، أنه
стр. 600
قال: لمّا ولد أبو الحسن الدّينورىّ أضاء المنزل بنور عظيم، ولما أن وقع على الأرض قال: لا إله إلّا الله، محمد رسول الله، بنغمة عقلها جميع من فى المنزل.
وقالت فاطمة الدّينوريّة: وضعنا لأبى الحسن قدحا من لبن حليب وخبز ليأكل، فرأينا حيّة عظيمة تأكل معه، فإذا أمعنت «١» الحيّة بالأكل ضربها بكفّه ويقول: كلى قليلا بأدب كما آكل «٢» .
وقال أبو علىّ ممشاد «٣» : أتى أبو الحسن الدّينورى- وهو ابن خمس عشرة سنة «٤» - إلى شيخنا ابن سنان، فسأله أن يسأل له والدته أن تهبه لله، فسرنا معه إليها، فسألها الشيخ، فقالت: كيف أهبه لله؟ أخشى «٥» ألّا يحصل له ولا لى. ولكن قد أبحته «٦» أن يطلع الجبل، فإذا وجد الله فقد وهبته، وإن لم يجد فكنت أنا خيرا له من أن يشقى «٧» .
فصعد الجبل، فأقام خمسين يوما ثم نزل وهو كالخلال «٨» اليابس، فقلت له: كيف كان حالك فى غيبتك؟ فقال: ما دفعت إلى فاقة «٩» ، وما بقى فىّ جارحة إلّا وهى تقتضى المزيد.
فسرنا معه إلى أمه، فسألته كما سألناه، فأخبرنا «١٠» بما أخبرنا،
стр. 601
فعتقته «١» وقالت: «اللهمّ، إنّه وديعتى عندك، فقد صلح لك، وقد وهبته لك» .
فخرج من يومه وغاب عنها سنين كثيرة «٢» . قال أبو بكر: فلقيته بعد ذلك، فذكرت له الحكاية، فبكى بكاء شديدا وقال بالفارسية: واخراب قلباه!! وقال: حججت أنا وأبى من دينور فى ثلاثة أيام.
وقال أبو الحسين بن علىّ: اجتمعت مع جماعة من الصالحين بمكة، فتذاكرنا «٣» أخبار الصالحين، إلى أن ذكرنا أبا الحسن «٤» علّى بن سهل الدينورى، وبقربنا «٥» امرأة عجوز عليها آثار العبادة تسمع كلامنا، فقالت:
بأبى أنت، هل «٦» رأيت ابن الصّائغ؟ قلت لها: نعم! فأكبّت «٧» على رجلىّ ويدىّ تقبّلها «٨» وقالت: يا بنّى، شهدت أبا الحسن وهو ابن خمس عشرة سنة «٩» وقد خرج إلى الصحراء، وحضر حضيرا «١٠» وجلس فيه، فأقبلت الأمطار «١١» حول الحضير، وليس فى الحضير نقطة ماء، فلما اجتمعت به قلت له: تأذن لى أن أسألك عن حكاية؟ قال: نعم. فحكيتها له، فشخص ببصره إلى السماء، ثم أقبلت الدموع «١٢» تريد أن تسيل من عينيه وهو يمنعها، ثم قال: دعنا من هذا وهات ما ننتفع به!
стр. 602
قال: ولقد رأيته يوما وقد خنقته «١» العبرة، فغمض عينيه يمنعها وقال:
ما أشدّ الزكام! ثم غلبته أيضا، فالتفت لمّا بكى وقال لعينيه: يا «٢» مرائيتان!
وقال أيوب: كان أبو الحسن يجيء إلى النهر وقد جمد من الثلج، والدّوابّ تمرّ عليه، فإذا وصل إليه يريد أن يتطهّر نظر «٣» إلى نقرة صغيرة، وكلّما «٤» مال إليها ذهب البرد منها وثار الحرّ «٥» ، وليس عليه من ذلك أثر. ولقد جئت من ورائه يوما- من حيث لا يعلم- لأنظر ما يكون من أمره، فلما وصل إلى النهر هدأ جريانه، ولم أسمع له صوتا «٦» ، فتقدّمت، فلما سمع حسّى التفت إليّ وقال: مالك ولهذا؟!
وقال فارس الجمّال: أصابنى فى وجهى ورم شديد فأتيت إليه، فتفل فى وجهى «٧» ، فأصبحت وليس فى وجهى منه شىء.
وقال أيضا: كنت معه يوما فى سفر، فلحقنا عطش شديد، وأتى وقت صلاة الفرض، فجاءت سحابة وأمطرت حتى ملأت بركة، فقال لى: اشرب يا عطشان، فشربت حتى رويت، وتوضّأت للصلاة.
وقال بعض أصحابه: نزلت مع أبى الحسن إلى البحر ومعى فتى من المتعبّدين، فجاز أبو الحسن البحر، فلما رآه الفتى صعق وخرّ مغشيّا عليه، فملأ أبو الحسن «فياشة» «٨» ولم يكن فيها إلّا ماء البحر «٩» ، ورشّ على الفتى
стр. 603
ماء ورد طيب «١» ، فقلت: مالى لا ترشّ «٢» علىّ؟! فقال: إنك لست من هناك!
وقال «٣» بعضهم: كان- رضى الله عنه- يخرج إلى خارج «دينور» إلى «٤» نهر هناك شديد الحرارة، لا يقدر إنسان «٥» على الوضوء منه لحرارته، فلما وضع رجله عليه صار كالزّيت، فإذا توضأ منه وفرغ رجع إلى حاله.
وقال إبراهيم بن أحمد: كان فى المسجد جماعة يتعرّضون لى «٦» بالأذى، وزاد علىّ أذاهم، وأنا حدث، فشكوت ذلك إلى شيخ من شيوخنا، فقال: امض بنا إلى أبى الحسن الدينورى واذكر له ما وقع لك من الأذى، فلعلّه يدعو «٧» لك.
قال: فصعدنا إليه، فلما نظر إلىّ قال: يا بنىّ، لا بأس عليك، لا تغتمّ.. ارجوا الله من فضله يكفيكم، فكان كذلك- رضى الله عنه وأرضاه.
وحدّث بعض الثقات، قال: كان للشيخ أبى الحسن الدينورى حضير «٨» فى الجبل بغير سقف يأوى إليه، وفيه محاريب «٩» قد عملها، فجاء مطر عظيم وثلج كثير، فأصبح الناس وعلى أثوابهم الثلج، وكل إنسان يستعين بمن يزيل الثلج عن بابه، ثم قالوا: نذهب إلى أبى الحسن الدينورى فربّما مات من الثلج والمطر. فخرج جماعة من الناس إلى الجبل فوجدوه جالسا فى وسط الحضير وليس عليه شىء من الثلج، فرجعوا متعجبين «١٠» .
стр. 604
وكان- رضى الله عنه- يقول: من لم تظهر كراماته بعد مماته كما كانت «١» فى حياته فليس بصادق.
وكان يقول: دلائل الصّدق لا تخفى، لا فى الحياة ولا فى الممات.
وقال يحيى بن الربيع: رأيت أبى فى المنام وهو يقول لى: إن أردت أن تتقرب إلى الله تعالى فعليك بأبى الحسن!
وجاءه شابّ فقبّل رأسه، فقال له: امض إلى أمّك وسلها أن تهبك «٢» الدّفعة «٣» التى دفعتها، فهو أولى بك من هذا.
وكان يتكلم يوما «٤» فى مجلسه فدخل عليه رجل متعبد من أهل الصعيد، فلما وقعت عين الشيخ عليه قال: «ما هذا السّوء الأدب؟ قوم يشتهون «٥» أن ينظروا إلينا فإذا رأونا طلبوا على ذلك برهانا!» فصعق الرجل المتعبد مكانه.
وذهب الشيخ أبو الحسن إلى منزله «٦» ، فسئل الرجل عن سبب قول الشيخ وعن صعقته، فقال «٧» : «كنت فى الصعيد كثيرا ما أقول: وددت لو رأيت الشيخ أبا الحسن، لما يبلغنى عنه، وكنت أسأل عنه شيخا من المتعبدين، فقال لى: أليس كنت تحب أن ترى الشيخ؟ قلت: نعم. قال:
هو ذا قد جاءنا الليلة زائرا من مصر! فنظرت إلى هذا الشيخ بعينه وصفته،
стр. 605
ولم أكن رأيته قط، فوقع فى نفسى «١» أنّ الشّيخ يجيء من مصر إلى الصعيد فى ليلة واحدة «٢» ... وأمسكت عن هذا، ثم عزمت على الخروج إلى مصر، فجئت فى يومى هذا وسألت عنه، فأرشدت إليه، فلما وقعت عينى عليه إذا هو الذي رأيته بعينه» .
وقال جعفر: «كنت بالصحراء فى متعبّد لى «٣» وكان الشيخ قريبا منّى، فقمت لأفتقده «٤» ، وإنّى لأنظر «٥» قنديلا يقف فى الجو على رأسه يقد إلى الصباح، فإذا أصبحت لم أجد شيئا» «٦» .
وقال بعض أصحابه: «كنت يوما جالسا فى حلقته، والناس قيام وقعود «٧» ، فالتفت «٨» - رضى الله عنه- إلى رجل منهم وعليه ثوب «٩» دنس، فقال: اذهب- ويلك- فاغتسل! فخرج من الحلقة وفتّش ثوبه، فإذا فيه أثر احتلام.
وقال: إنّى لأعرف رجلا وقف على نهر، فعرض فى نفسه شىء، فقال:
إن كنت صادقة فقولى لهذا النهر: قف. فوقف النهر.
стр. 606
وقال بعض أصحابه: كنت أراه سائرا فى الشتاء «١» وهو على رءوس الجبال يرفضّ «٢» عرقا.
وقال ممشاد الدّينورىّ: كان أبو الحسن يصعد الجبل الذي هو معدن السّباع «٣» ، ولا يجسر أحد أن يصعد إليه، فيبقى أربعين يوما ثم يرجع، فلا يبقى أحد «٤» إلّا ترك البيع والشّراء وخرج ينظر إلى الدّينورىّ «٥» تبرّكا به، وتعظيما له.
وكان أحد مريديه مارّا فى بعض الأسواق، فرأى الرّمّان فى أول طلوعه، فاشتهاه «٦» فاشترى منه شيئا وخبّأه فى ركوته «٧» خوفا من الشيخ أن يراه، ثم جاء فجلس فى مجلس الشيخ «٨» ، فقال الشيخ- رضى الله عنه «٩» :
«أدركنا قوما [من أهل الإرادة] «١٠» لا يشتهون الملح، ونرى الآن قوما «١١» يشتهون الرّمّان ويخبّئونه فى الرّكا إذا اشتروه!» «١٢» . فسمع المريد ذلك فوقع «١٣» مغشيّا عليه، ولمّا أفاق أخرج الرّمّان من ركوته ووضعه لمن يأكله، ونزع الله شهوة الرّمّان من قلبه.
стр. 607
وقيل: إنه «١» ختم الميعاد يوما عند اصفرار الشمس، ثم مضى إلى بيته ليصلّى المغرب، فوقع فى نفس بعض الحاضرين: لو صلّى الشيخ مع الجماعة كان أفضل «٢» من صلاته وحده «٣» . فقال الشيخ: «إنّ الباعة يخرجون نيرانهم «٤» فى طرق المسلمين، وما أحبّ أن أستضىء «٥» بنور ظالم» .
وقال بعض الصوفية: «كنت أعملت فكرى فى مسألة «٦» فى الجامع، وقمت إلى حلقة الدّينورىّ لأسأله عنها، ونويت أن أمتحنه فيها، فجئت فوقفت عليه والمجلس حفل «٧» ، فنظر إلىّ من قبل أن أسأله عنها، وقال:
«يا فلان «٨» ، بأىّ مسألة عملتها وجئت تسألنى عنها؟ عليك بالتوبة» ، فوقع علىّ البكاء، وبكى أكثر من كان فى مجلسه، فرجعت من المجلس «٩» وأنا أبكى!
وقال ابن الحسن الحضرمى «١٠» : مررت بقبر أبى الحسن الدّينورىّ- رحمة الله عليه- فقرأت «يس» و «تبارك» «١١» وغيرهما، وقلت: اللهم اجعل ثوابها «١٢» - يعنى القراءة- لأبى الحسن الدينورى، وانصرفت.
стр. 608
ومررت على أبى بكر بن المهلب، فقال لى: كنت اليوم عند قبر الشيخ [أبى الحسن الدينورى] «١» ؟ فقلت: نعم، ما الخبر «٢» ؟ فقال: رأيته الساعة فى المنام وهو يقول: جاءنا الساعة ابن الحسن وقرأ عند القبر وقال: اللهم إنى جعلت «٣» ثواب ما قرأت لأبى الحسن الدينورى. فقلت: آه، والله هو أحوج إلى ذلك «٤» منا، نحن فى غنى، وهذا ما كان! فقلت: سبحان الله، هذا رجل مكاشف فى الحياة وفى الممات «٥» .
وقدم عليه «٦» رجل مغربى برسالة له من المغرب «٧» [وصار يسأل الناس عن منزل الشيخ، فسأله إنسان: ما معك للشيخ؟ فقال: معى رسالة له من المغرب. فأخذه وجاء به إلى منزل الشيخ، فطرق الرجل الباب] «٨» فقال الشيخ «٩» : من بالباب؟ فقال الرجل: أنا يا سيدى فلان ومعى رجل مغربى معه رسالة لكم من المغرب «١٠» . فقال: قل للمغربى: الشيخ لا حاجة له بالرسالة، ولا يقبلها، فإنّك رجل خائن فتحت الكتاب فى الطريق، ونظرت إلى ما تضمّنه. فقلت ذلك للمغربى، فأطرق خجلا وقال: كيف أنتم مع هذا الشيخ؟ ثم مضى «١١» .
стр. 609
وقال أبو الحسن بن اللّيث بن سعد: أصابنى مرّة وجع الأرواح، فاشتدّ بى ذات ليلة «١» ، فذكرت الشيخ أبا الحسن الدّينورىّ، [فتوضأت للصلاة وصليت ركعتين، وقلت فى سجودى: «اللهمّ ببركة الشيخ أبى الحسن الدّينورى] «٢» خفّف عنى ما أجد من هذا البلاء» فحصلت لى العافية من وقتى «٣» ، ونمت من ليلتى، فلما كان وقت الصبح جاءتنى جارية الشيخ أبى الحسن فطرقت علىّ الباب «٤» ، فقلت: من بالباب؟ فقالت: أنا جارية الشيخ أبى الحسن، أريد أن أصعد إليك. قال: فنزلت وفتحت الباب «٥» ، فقالت: إنّ الشيخ يقرئك السّلام ويقول لك: كيف وجدت استشفاعك بنا اللّيلة؟ قد شفّعنا فيك وشفعنا!
فقلت لها: قبّلى عنى يد الشيخ وأبلغيه مزيد السّلام، وقولى له: جزاك الله عنه خيرا «٦» .
وحكى أنّ الشّيخ وقعت بينه وبين ابن يونس مقاولة «٧» ، قال ابن يونس: فما أفلحت فى جسمى منذ خاطبت الشيخ. وماتا فى «٨» سنة ٣٣١ هـ. فرئى ابن يونس فى المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى وأصلح بينى وبين الدّينورىّ، وأباح لنا الجنّة «٩» .
стр. 610
وحكى «١» عن بعضهم، قال: حصلت لى ضائقة شديدة، فتوسّلت إلى الله بأبى الحسن الدّينورىّ، ففرّج عنّى.
وحصلت لزوجتى شدّة فى بعض الأوقات من الطّلق، فأخذت إناء وجئت به إلى الشيخ، وقلت: يا سيدى، أريد أن تكتب لزوجتى شيئا لتسهيل الولادة، فأخذ الإناء وكتب فيه: «بسم الله الرّحمن الرحيم» ، فانفلق الإناء. فمضيت وجئت بإناء آخر، فكتب فيه، فانفلق أيضا، فعل ذلك ثلاث مرّات، فقال:
«يا بنّى، لا تتعب نفسك، لو جئتنى بكلّ إناء لم يكن إلّا كما ترى، فإنّى عبد إذا ذكرت الله تعالى ذكرته بهيبة وحضور!» .
وقال بعض أصحابه: اغتسلت يوم جمعة، ولبست ثيابا حسنة، وتطيّبت، فعرضت لى زوجتى عند باب البيت، وكنت حديث عهد بعرس، فرجعت إلى البيت فغشيتها، ثم اغتسلت ومضيت إلى الجامع، فوقفت عند عمود خلف ظهر الشيخ بالجامع وقرأت ختما فى ركعة واحدة، وكنت أفعل ذلك كثيرا فى يوم الجمعة، وكنت إذا انصرفت لا يكلّمنى الشيخ، فلما كان ذلك اليوم دعانى فقال لى: أما أنت حافظ القرآن؟ قلت: نعم. قال: وقرأت ختما فى هذه الرّكعة؟ قلت: نعم. قال: يا بنّى، كيف تكون حافظا لكتاب الله تعالى وتغتسل للجمعة ثم تكون منك حالة تنقض طهارتك؟ أما استحييت من فساد الطّهارة؟ وما هذه الثياب الرفيعة؟ «إيش تعمل بهذه؟» .
قال: فأطرقت حياء من هيبته، ورجعت إلى منزلى، فنزعت تلك الثّياب ولبست دونها.
ومن كراماته أنّ إنسانا كان ساكنا فى قيساريّة هشام بن عبد الملك، فسأل بعض العلماء عن الصلاة فيها، فقال: أحسبك ألّا تصلّى فيها ولا فى شىء من
стр. 611
الصّوافّ «١» . وقال له بعضهم: صلّ فيها. قال: فأتيت إلى الشيخ أبى الحسن الدّينورىّ، فلما وقفت على مجلسه ووقعت عينه علىّ قال: يا بنىّ، الصّلاة فى الجامع خير من الصّلاة فى القيساريّة والصّواف. قال: فمن ثمّ لزمت الصّلاة فى الجامع.
ومن كراماته أيضا، ما ذكره صاحب الحكاية السابقة، قال: خرجت فى ليلة مقمرة فى الشّتاء إلى صحن الجامع، [وكان الشيخ جالسا مع أصحابه، فجاء فتى فجلس معى، ونظر إلى السماء وقال] «٢» : ألا ترى هذا الغيم وهذا الضياء؟! هذا نور ربّ العزّة! فقلت: «هذا نور مخلوق، ونور الله ليس بمخلوق» .
فخالفتى الفتى فى ذلك، وقمنا على ذلك. فوجّه إلىّ الدّينورىّ رجلا من أصحابه فقال له: قل له: «أثبت على ما أنت عليه ولا تبال ممّن خالفك، فإنّ الحقّ معك، ولا تكلّم من خالفك إلى أن يتوب» !
فعجبت من الرّجل وقلت: من أبلغه ما كان بيننا؟! لا أعلم أنّ أحدا علم ذلك إلّا الله ، وهجرت الفتى مدّة اثنى عشر يوما إلى أن رجع عمّا كان عليه.
ومن ذلك أنّى كنت ألزم الصّفّ الأوّل فى المقصورة، فإذا خلوت جاءنى إبليس بوسواس يلقيه فى قلبى فأغتّمّ لذلك، فقلت: ليس لى إلّا الدّينورىّ، فجئت إليه وهو فى مجلسه يتكلم على الناس، فهبت أن أسأله، فأجابنى عن سؤالى قبل أن أسأله، وأحسن فى جوابه، ثم ختم بأن قال: ابتهل إلى الله بالدعاء.
стр. 612
وقال أبو كثير المؤذن: تنزهت مع جماعة من الأصحاب، فجئت، فنهانى الشيخ عن النّزهة وصاح علّى وطردنى، فقمت من الجمعة إلى الجمعة أدبّر حججا «١» أقولها له، ثم جئت يوم الجمعة لأقول له: «روّحوا القلوب «٢» ساعة فساعة» أو «روّحوا القلوب مع الذّكر» . فلما جئت قال لى: أين الذي تعبت عليه «٣» ؟!.
وقال أيضا: كنا فى مجلسه بداره، وكان هناك إنسان صالح معنا يسمّى عمر، فسمعنا ضرب آلات وغناء، فقال: يا عمر، عندك همّة «٤» تسكت بها هذا المنكر؟ قال: فأطرقت أنا وقلت: لا. فقال الشيخ: أمر عجيب! إنسان يخبر بأحوال غيره من غير اطّلاع؟! ثم انجمع «٥» الشيخ وأطرق، فما سمعت من المنكر شيئا.
وقال أحد الصّوفيّة «٦» : كنت فى الصحراء مع جماعة ومعنا قوّال «٧» ، فدخلنا بعض الحجز «٨» ، فقال القوّال شيئا، فقمنا، فطربنا ورقصنا وصفّقنا، ثم جئت إلى الشيخ بعد مدّة، فسألته عن مسألة، فقال لى: «ليس لك جواب عندى، لأنك لم تخلق «٩» للرّقص والتصفيق!» .
стр. 613
وربّما كان ينظر إلى السماء إذا سئل عن مسألة، ويجيب كأنّه مشاهد لشىء.
وقال أزهر بن عمّار: رأيت الشيخ وهو قائم يصلّى فى حلقته، فقلت فى نفسى: «لو صلّى ناحية «١» وجاء إلى الحلقة كان أولى» . فلما فرغ من صلاته التفت إليّ وقال: «يا هذا، مالك وللاعتراض علّى؟!» فكبر فى عينى ولزمته.
وقال ممشاد الدّينورىّ: كان أبو الحسن بن الصّائغ قد انفرد فى الجبل للعبادة، فخرجت يوما إليه لأفتقده، وكان يوما حارّا، فإذا نسر قد نشر جناحيه وهو قريب من مكانه، فذهبت أنظر تحت النّسر، فرأيت أبا الحسن قائما يصلى والنّسر يظلّه من الحرّ «٢» :
وقال أبو حفص الأسوانى: آخى أبو الحسن بينى وبين أخ لى، فخرجت أنا وهو إلى السّفر، فوقع بينى وبينه كلام، فتهاجرنا، فلما قدمت قال لى الشيخ: «أتظّنّ أنك فى سفرك خارج عنى؟ أما علمت أنّى أهتمّ بأصحابى فى أسفارهم كاهتمامى «٣» بهم فى حال حضورهم؟ تكلّمت مع صاحبك حتى تهاجرتما.. أتظنّان أنّ أعمالكما ليست تعرض علىّ؟!» .
وقال أيضا: خرج لى صاحب بسفر للحجاز، فذهبت معه لتوديعه «٤» ، وكنت صائما فى ذلك اليوم تطوّعا «٥» ، فأحضر المسافر رغيفا
стр. 614
حواريّا وقدحا «١» فيه ماء بارد «٢» ، وقال لى: هيّا يا أخى فكل معى، فإنى لا أعلم هل نجتمع ونأكل معا أنا وأنت أو لا «٣» !
فقلت فى نفسى: إدخال السّرور على أخى أفضل من صيامى تطوعا.
فأكلت، ثم ودّعته ورجعت، فمررت بدار الشّيخ، فقلت: أصعد حتّى أسلّم عليه، فلما صعدت إليه وسلّمت عليه قال لى: يا فلان، قلت: لبّيك سيّدى.
قال لى: أفطرت اليوم وأكلت رغيفا حوّاريّا «٤» وشربت الماء البارد؟ قلت:
نعم. فنظر إلىّ وقال: ليس هذا عجبا «٥» ، إنما العجب فتياك «٦» لنفسك أنّ إدخالك السّرور على أخيك أفضل من صيامك التوع!
فقلت: هذا علم الغيب. فقال الشيخ: «الويل لك، ثم الويل لك إن قلت واعتقدت أنّ هذا علم الغيب! أما علمت أنّ أعمال أصحابى تعرض علىّ؟» فوقع الفتى مغشيّا عليه.
ومن كرامات الدّينورىّ أيضا، قال أبو علىّ الحسين بن عبد الله الأسوانى الزاهد: آخى الشيخ أبو الحسن الدينورى بينى وبين أبى حفص الأسوانى، فوجدت فى نفسى شيئا، فشكوته إلى الشيخ، فقال لى: «لا تفطر معه، ولا تشرب معه فى كوز واحد، ولا ترقد فى موضع واحد» .
стр. 615
فأقمنا على ذلك زمانا، حتى أنّنا إذا كنّا فى مسجد نام أحدنا فى أسفل «١» المسجد والآخر فى أعلى «٢» المسجد، ويفطر كلّ واحد منا على حدته «٣» ، فعطشت ليلة وليس فى كوزى ماء، فوجدت كوزه، فقلت:
أشرب ولا أعود، ترى هل يدرى الدّينورى ويرانا «٤» ؟ فشربت، ووقع فى نفسى الإنكار، فلما أصبحت غدوت إليه أنا وعمر، ولم يكن عمر علم بشربى، لأنه كان نائما، فلمّا سلّمنا عليه وسألناه عن مسألة، فقال: «لا تأتيانى، أنتما لا تصلحان لى، أنتما لم يكن لى عليكما حكم فى شربة ماء، ليس بينى وبينكما قرب!» .
فهالنا ذلك منه، فنظر إلينا وقال: «الويل لكما إن قلتما «٥» : إنّ ذا علم غيب» .
وقال علىّ بن الخوارزمىّ الفقير «٦» : دخلت حمّام عمرو بن العاص، رضى الله عنه، يوم جمعة لغسل الجمعة مع جماعة من الفقراء، فلما خرجنا رأينا الرّمّان أخضر فى أول مجيئه، فاشتهاه رجل منّا وقال: اشتروه، فقال له بعض أصحابنا: «أيش «٧» عزمك، اليوم الجمعة، يوم مجلس «٨» ، عزمك أن يتكلّم علينا؟!» .
стр. 616
قال: اشتروه فإنى أشتهيه، فاشتريناه وجعلناه فى ركوة، وحشيناها بمئزر، وذهبنا «١» فصلّينا وجلسنا عند الشيخ فى الحلقة، فالتفت إلينا وقال:
«قوم يشتهون الرّمّان لوقت الإفطار! لقد كنت أرى بعض المريدين إذا بدا الرّمّان من قشره لا يستطيع أن ينظر إليه صونا، [وعشنا] «٢» فى زمان يشتهيه المبتدئون فيشترونه ويخبّئونه لوقت الإفطار» . فصعق الرجل ورمى بالرّكوة فخرج الرّمّان.
ومن كراماته العظيمة أنّ صاحب الشّرطة اجتمع ببعض مريديه وقال له:
قل للشيخ يأخذ أسبابه «٣» ويمضى من بلدنا إلى غيره «٤» من البلاد.
فجاء المريد وجلس فى حلقة الشيخ. فقال له الشيخ: ما الذي قال لك فلان؟ - يعنى صاحب الشرطة. قال: يا سيدى قال لى كيت وكيت «٥» .
قال: لا عليك يا بنىّ، فإنّه يموت بريقه!
وكان كذلك، فقد طلع الأمير «٦» إلى داره، ودفع له غلامه كأسا فشربها «٧» فشرق بها فى الحال «٨» ومات.
ومن كراماته أنّ رجلا يسمّى أحمد بن النعمان التّرّاس، كان من أصحاب المذكور [فمات] «٩» فصلى عليه الشيخ إماما بمصلى خولان،
стр. 617
وأنزل فى القبر، فجلس الشيخ على شفير القبر وصاح: «يا أحمد، اذكر العهد الذي خرجت به من الدّنيا وقدمت به على الله.. يا أحمد، لا تخف من ملائكة ربّك» . فناداه من جوف القبر: يا سيّدى، فزت، والله فزت!
وقال بعض أصحابه: كان الشيخ جالسا بمسجد يعرف بمسجد «دعلان» فى يوم الاثنين الثانى عشر من شهر رجب الفرد الحرام سنة ٣٣١ هـ، وكنت جالسا معه ذلك اليوم، فقال: أحبّ أن أسمع قراءة رجل صالح. فجىء إليه بابن بكلور الأعمى، فقرأ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
«١» فصاح الشيخ وخرّ مغشيّا عليه، فحمل إلى منزله، ومات ليلة الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة «٢» خلت من شهر رجب الفرد، سنة ٣٣١ هـ- كما ذكر فى أول الترجمة إجمالا- فغسّله أبو بكر بن المهلّب، وصلّى عليه ودفنه، ونزل فى حفرته، وسمعه يقول وهو نازل فى لحده: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
«٣» . وكان ابن المهلب يريد أن يبيت الشيخ عنده وهو يأبى، إلى أن كانت الليلة التى توفّى فيها، جاء إلى منزله، وتوفّى عنده «٤» .
وحكى [عنه] «٥» أنّ رجلا طحّانا كان لبعض الأكراد عنده ستة دنانير من ثمن قمح، فزار [الطّحّان] قبر الشيخ، وجاء الكردىّ فوجده عند قبر الشيخ «٦» ،
стр. 618
فطالبه وألحّ عليه، فتوسّل إليه بالشّيخ فى المهلة «١» ، فأبى [الكردىّ] ، وأخذه ومضى، فلم يتقدّم الكردىّ سوى عشرين خطوة، وهمزت به دابّته، فانخسف به قبر، فوقع واندقّت رأسه «٢» .
وقال أبو حفص بن غزال بن عمر «٣» الحضرمى الإمام: «من أراد الحجّ إلى بيت الله الحرام فليغتسل «٤» فى يوم الأربعاء آخر الشهر، من أىّ شهر كان «٥» ، ويلبس ثوبا نظيفا، ويتطيّب بطيب إن كان عنده، ويمضى إلى قبر الشيخ أبى الحسن الدّينورىّ ويصلى عنده أربع ركعات، يقرأ فى الأولى: فاتحة الكتاب وآية الكرسىّ «٦» . وفى الثانية: الفاتحة وسورة القدر «٧» . وفى الثالثة:
الفاتحة وسورة ألهاكم التكاثر «٨» . وفى الرابعة: الفاتحة وسورة الإخلاص «٩» .
ثم يسلّم ويقول: «يا فرد لا يزدوج، يا مالك الأشباح والمهج، يا ودود، يا ودود «١٠» ، يا ذا العرش المجيد، يا مبدئ، يا معيد، يا فعّال لما يريد، أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وبقدرتك التى قدرت بها على خلقك «١١» ، وبرحمتك التى وسعت كلّ شىء، يا مغيث أغثنى، يا مغيث أغثنى» «١٢» .
стр. 619
وتشير بإصبعك إلى القبر، ويكون ذلك قبل طلوع الشمس. ثم تقول: «اللهمّ اجعل ثواب القراءة والصّلاة للشيخ أبى الحسن الدينورى صاحب هذا القبر» .
ثم تنزع ثيابك، وتجعل فى وسطك سراويل، وتتمرّغ «١» على القبر، وتجعل رجليك خارج القبر «٢» ، فإنك تحج إن شاء الله تعالى. وإيّاك أن تكذب أو تجعله على سبيل التجربة، فإنّك لا تنتفع به «٣» .
وحكى أنّ العادل بن السّلّار «٤» - قبل وزارته- استدعاه الأمير حسن بن الحافظ [الخليفة الفاطمى] «٥» للقتل، وكان فى تلك الليلة قد قتل أربعين أميرا فى القصر الغربّى، وكان العادل إذ ذاك ساكنا بمصر القديمة «٦» ، فقال للموكّلين به:
أريد منكم الإنعام علىّ بزيارة القرافة، قبل أن أطلع إلى القرافة «٧» ، فإن حضر
стр. 620
أجلى كان آخر العهد بتلك الأماكن، وإلّا فأكون قد حصلت على خير بزيارتى لقبور الصّالحين.
قال: ففعلوا ما أمرهم به، وزار قبور المشهورين فى الجبّانة إلى أن جاء إلى قبر أبى الحسن الدّينورىّ، فقرأ شيئا من القرآن، وتوسّل إلى الله فى خلاصه وبكى، ثم خرج مع القوم، فرأى فى دهليز التربة رجلا يبكى ويستغيث، فسأله عن سبب بكائه، فقال:
اجتمع علىّ دين، وقال أهلى: امض إلى قبر الشيخ أبى الحسن فتوسّل إلى الله فى وفاء دينك. قال: فدفع له دنانير وذهب إلى القاهرة، ودخل إلى القصر، فأخبر الأمير بمجيئه، فقال: يمضى، فقد ولّيته «مصر» وعفوت عنه «١» .
***
стр. 621
قبر أبى بكر محمد بن داود الدّقّىّ «١» :
بجانبه «٢» قبر الشيخ أبى بكر محمد بن داود الدّينورىّ المعروف بالدّقّىّ، ويقال القابلىّ «٣» . صحب ابن الجلّاء والزّقاق «٤» ، وعاش مائة عام، وتوفى سنة ٣٥٧ هـ «٥» .
وكان يقول: «المعدة موضع يجمع [فيه] «٦» الأطعمة، فإذا «٧» طرحت فيها الحلال صدرت الأعضاء بالأعمال الصالحة، وإذا طرحت فيها «٨»
стр. 622
الشّبهة اشتبه عليك الطريق إلى الله ، وإذا طرحت فيها الحرام كان حجابا بينك وبين الله تعالى» «١» .
وكان يقول «٢» : «لا يكون المريد مريدا حتى لا يكتب عليه صاحب الشمال عشرين سنة» .
وقيل له: «ما علامة الصّوفىّ؟ قال: أن يكون مشغولا بكل ما هو أولى به من غيره، ويكون معصوما من المذمومات» .
وقال: «علامة القرب الارتفاع عن كل شىء سوى الله تعالى، ومن انقطع إلى الله لجأ إليه، ومن انقطع إلى المخلوقين لجأ إليهم» .
وسئل عن سوء أدب الفقراء مع الله فى أحوالهم، فقال: «انحطاط همومهم من حقيقة العلم إلى ظاهره» .
وقال: «كم من مسرور سروره بلاؤه، وكم من مغموم غمّه نجاته» .
وقال: «الإخلاص أن يكون ظاهر الإنسان وباطنه، وسكونه وحركته خالصا لله » «٣» .
وقال: «الفقير [هو] «٤» الذي عدم الأسباب من ظاهره، وعدم طلبها من باطنه» .
وقال: «خلق الله الخلق متحرّكين فى أسبابهم، وجعل الحياة «٥» فيهم
стр. 623
لأهل المعرفة، فالخلق يتحركون فى أسبابهم، وأهل المعرفة أحياء بحياة معروفهم، فلا حياة حقيقية إلّا لأهل المعرفة لا غير» .
وقال: «كنت فى البادية، فوافيت قبيلة من العرب، فأضافنى رجل منهم، فرأيت غلاما أسود مقيدا هناك، ورأيت جمالا ميّتة بفناء البيت، فقال لى الغلام: أنت ضيف، وأنت كريم على مولاى، فاشفع لى عنده، فإنّه لا يردّك «١» .
فقلت لصاحب البيت: لا آكل لك طعاما حتى تطلق هذا الغلام «٢» .
فقال: قد أفقرنى وأتلف مالى. فقلت له: ما الذي «٣» فعل؟ قال: كانت لى جمال، وكنت أعيش من ظهورها «٤» ، فحمّلها أحمالا ثقالا «٥» ، وحدا عليها «٦» ، فأخذت مسيرة ثلاثة أيام فى يوم واحد، فلما حطّ عنها أحمالها ماتت لوقتها «٧» . ولكن وهبته لك.
وحلّ عنه القيد، فلما أصبح أحببت أن أسمع صوته، فقلت ذلك لسيّده، فقال: لا نقدر، قلت: لا بدّ من ذلك، فأمره «٨» أن يشدّ جملا بحمل وثيق، ثم حدا «٩» بصوت عظيم ما سمعت قطّ أندى منه ولا أطيب، فقطع
стр. 624
الجمل الحبل وهام على وجهه، ووقعت أنا على وجهى، فلم أسمع، فأشار سيّده له بأن يسكت، فأفقت وقلت «١» :
إن كنت تنكر أنّ للا ... صوات فائدة ونفعا
فانظر إلى الإبل اللّوا ... تى هنّ أقوى منك طبعا «٢»
تصغى إلى قول الحدا ... ة فتقطع الفلوات قطعا «٣»
وروى عنه أنه قام ليلة إلى الصّباح يقوم ويقعد ويسقط على هذا البيت «٤» :
يا رب فاردد فؤاد مكتئب ... ليس له من حبيبه خلف «٥»
والناس حوله يبكون.
وحكى «٦» عنه أنه قال: «صلّيت فى ليلة شاتية فقلت: ليتنى أدرى من وافقنى فى هذه الليلة! قال: فسمعت من يقول: وافقك فيها غلام من أهل دينور يقال له: أبو الحسن بن الصائغ، دعاه الله إليه فأجابه.
стр. 625
قال: فخرجت مسافرا حتى جئت إلى دينور، فسألت عنه، فقيل لى إنه بدكّان أبيه، فجئت إليه، فإذا أنا بغلام عليه هيبة ووقار، وهو فى خدمة أبيه بين يديه فى الدّكّان، وهو يعمل الصنعة، قال: فوقفت قليلا، فدفع له والده لحما وقال: امض بهذا إلى أمّك. قال: فأخذ اللّحم وذهب، وقد أخذ بمجامع قلبى، فذهبت معه، فمرّ برجل يوقد نارا وهو يؤرّثها «١» بالحطب الصّغار، ثم بعد ذلك أوقدها بالحطب الكبار، فوقف أبو الحسن طويلا ونظر إليه، وبكى بكاء شديدا، فجئت إليه وقلت له: ممّ تبكى يا بنىّ؟ فقال:
«يا عم، أما تنظر إلى ما فعل هذا الرجل وهو يوقد النار بالحطب الصّغار قبل الكبار؟! فربما يكون ذلك فى نار الآخرة، وأكون أنا منهم! فأبكانى ذلك» ، فقلت: لله درّك، ما أخوفك من ربّك!
وسار، وسرت خلفه، [وحين سمع] أذان المؤذّن «٢» بالظّهر وهو يقول: «حىّ على الفلاح» قال «٣» : لبيك داعى الله، ثم ترك اللّحم، فقلت فى نفسى: أما خاف من كلب يأتى فيأخذ اللحم؟
ثم وقفت أنظر إلى ما يقع فى اللحم، فإذا أنا بكلب قد جاء مسرعا إلى أن وقف يحرس اللّحم، فلما انقضت الصّلاة خرج وأخذ اللّحم وانصرف، فتبعته إلى منزله، فدخل منزلا عظيما وغاب ساعة، ثم خرج ووجهه مشرق، فقلت له: ما اسمك يا حبيبى؟ فقال لى: أما تعرفنى؟ أنا أبو الحسن الذي رأيته فى منامك. فقلت له: حبيبى، مثلك من يصلح للعبادة. ثم ودّعته «٤» وتوجهت.
стр. 626
قبر الشيخ سليمان بن عبد السميع القوصى «١» :
وبالقرب قبر الشيخ الصّالح المحدّث سليمان بن عبد السميع القوصى، المحدّث عن رسول الله ﷺ ، كان فقيها، حافظا، صوفيّا.
من كلامه: «كتمان المصيبة من الإيمان» . أخذ ذلك من قوله ﷺ :
«من كنوز البرّ كتمان المصائب» .
ومن كلامه- رضى الله عنه وأرضاه فى الدنيا والآخرة «٢» :.
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد «٣»
أو ما ترى أنّ المصائب رحمة ... وترى المنيّة للعباد بمرصد «٤» ؟
من لا يصاب بمن ترى بمصيبة ... هذا طريق ليس فيه بأوحد «٥»
وإذا أتتك مصيبة فاصبر لها ... واذكر مصابك بالنّبىّ محمّد «٦»
وتوفى- رحمه الله تعالى- فى سنة ٣٨٠ هـ.
***
стр. 627
ثم تمضى إلى تربة بها الإمام الفاضل أبى القاسم وأبى إسحاق بن شعبان القرطبى المالكى، كان إماما فاضلا جليلا، وكانت وفاته سنة ٣٥٥ هـ.
قبر إبراهيم بن اليسع بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وقبر روبيل ابن يعقوب ﵇ «١» :
ثم تمضى من قبره إلى مشهد به قبر إبراهيم بن اليسع بن إسحاق بن إبراهيم، خليل الرحمن. وبظاهر القبّة التى بالمشهد قبر ولد من أولاد يعقوب. وهذا المشهد من مشاهد الرّؤيا.
حكى أنّ رجلا بات عند القبر فى هذا المكان قديما، فقرأ سورة يوسف وصلّى على النبي ﷺ ، ونام، فرأى قائلا يقول: هذه والله قصّتنا، من أعلمك بها؟ فقال: هذه القصة مذكورة فى كتاب الله الذي أنزله على نبيّه ﷺ ، فمن أنت؟ قال: أنا روبيل بن يعقوب إسرائيل الله، أحد إخوة يوسف. فلما أصبح الرجل أخبر الناس بهذه الرّؤيا، فبنوا هذا المسجد لما علموا من صدق الرّائى.
قبر الشيخ العفيف عبد الجبّار الفرّاش «٢» :
ثم تذهب إلى قبر الشيخ العفيف عبد الجبار الفراش، وهو تربة يرقى إليها بسلالم، وهو على يمين الخارج من المشهد. كان رجلا صالحا، جيدا، متعبدا، وكان صائم الدّهر.
стр. 628
حكى عنه أنه شفع فى إنسان عند الوالى، فأبى أن يقبل شفاعته، فأرسل يقول: «إنّك تقتل «١» فى نصف الليل» . فلما بلغه ذلك قال: والله لئن لم يتمّ هذا الأمر لأهدمنّ داره عليه.
فلما كان فى نصف الليل جاء رجل من بغداد من قضاء الخليفة [أمر] «٢» بمسكه وقتله. فمسك فى وقته وقتل، كما أشار الشيخ، فارتدع الناس عن مخالفته وصاروا يبتدرون أمره.
قبر الشيخ أبى بكر الإصطبلى «٣» :
كان من أكابر الصّالحين «٤» ، جلست على قبره امرأة عليها دم حيض، فسمعت قائلا يقول من جوف «٥» القبر: أتجلسين على قبر رجل أحبّ الله فأحبّه «٦» ؟
قبر الشيخ محمود بن سالم بن مالك الطويل «٧» :
وبجانبه قبر الشيخ الصالح الحامى «٨» محمود بن سالم بن مالك، الأمير، المعروف بالطويل، صاحب المسجد بسفح الجبل.
стр. 629
ذكر أبو جعفر الطحاوى عنه أنه كان جنديّا من جند السّرىّ بن الحكم أمير مصر، فركب السّرىّ يوما من بعض الأيام، وكان محمود معه، فعارض السّرىّ رجل فى طريقه ووعظه بشىء أغاظه، فالتفت إلى محمود وقال له اضرب عنق هذا. فانتضى «١» محمود سيفه ورمى برأس الرّجل فى الطريق، فلما رجع محمود إلى منزله خلا بنفسه، وتفكّر وندم، وقال: تكلّم الرّجل بكلمة حقّ فقتله، على ماذا؟! لم لم أمتنع؟! «٢» .
وكثر أسفه وبكاؤه، وآلى على نفسه ألّا يرجع إلى «٣» خدمة الأمير أبدا.
ثم أقبل على العبادة، وتقرّب إلى الله تعالى، فيقال إنه رأى المقتول فى منامه وهو يتبختر «٤» فى الجنة، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى وأدخلنى الجنّة. وقال له: يا محمود، قل لأستاذك: يا ظالم، قد سبقك غريمك إلى أحكم الحاكمين!
ثم إنّ محمودا «٥» عمّر المسجد المذكور «٦» ، المجاور لمشهد إبراهيم بن اليسع، وأقام به شرائع الإسلام، وأول من خطب به السيد الشريف شهاب الدين أحمد بن السيد الشريف شمس الدين بن عبد الله محمد، قاضى العساكر المنصورة، والمدرس بمدرسة السلطان الناصر صلاح الدين بن أيوب، المجاورة لجامع عمرو، به عرفت المدرسة إلى الآن، وكان أيضا نقيب الأشراف.
стр. 630
قبر الفقيه المحدّث أبى الحسن علىّ بن مرزوق الرّدينىّ «١» :
ثم تمضى إلى قبر الفقيه الفاضل، المحدّث، المفسّر، أبى الحسن علىّ ابن مرزوق «٢» بن عبد الله الردينى.
كان كثير الإنكار على أبى عمرو عثمان بن مرزوق الحوفى وعلى أصحابه، وكان مقبول الكلمة عند الملوك، وكان يأوى بمسجد سعد الدولة، ثم تحوّل إلى مسجد عرف به، وهو الموجود بقلعة الجبل، وعليه وقف بالإسكندرية.
وفى المسجد قبر يزعمون أنه قبره، والصحيح أنه بالقرافة، وأنه توفى سنة ٥٤٠ هـ، وهو بخط «سارية» شرقىّ تربة أمّ مودود «٣» ، وتربة بنى درباس. واشتهر قبره بإجابة الدعاء بوفاء الدّين.
وحكى عنه بعض المؤرخين، قال معن بن زيد بن سليمان: إنه كان عليه عشرة آلاف درهم، وإنه قصد الرّدينىّ بالزيارة، ونام عنده بجوار قبره، فرأى الشيخ فى المنام، فقال له: يا فلان، فقال: لبّيك. قال: ما تريد؟ قال:
أشكو إليك من دين لزمنى. فقال: قل: «اللهمّ بما كان بينك وبين عبدك الرّدينى إلّا قضيت عنى دينى» .
قال: فاستيقظت وأنا أقولها، وإذا بشيخ أعمى جاء إلى عندى وقال لى: أنت الذي توسّلت إلى الله ببركة الشيخ؟! قلت: نعم. قال: خذ هذه العشرة آلاف درهم أوف بها دينك.
وحكى عنه أنّ إنسانا جاء إلى أبى عمرو الحوفى وقال له: إنّ الرّدينىّ كثير الإنكار [عليك] «٤» وعلى أتباعك. فقال: إذا كان الصباح جمعت له جمعا وجئت إليه.
стр. 631
فلما كان نصف الليل والشيخ عثمان على سطح داره نزل عليه إنسان من الجو كالطّائر، فقال له: من أنت؟ قال: أنا الرّدينّى، جئت إليك قبل أن تجىء إلىّ. فقال له: يا أخى، أنا ما أجىء إلّا لمن يمشى على قدميه، وأمّا من يأتى [طائرا] «١» فليس معه كلام!
قبر القاضى يونس الورع «٢» :
ثم تمشى إلى قبر القاضى يونس الورع، قاضى مصر.. كان رجلا زاهدا، أكره على القضاء، وكان يأكل من قمح يأتى به من الغرب، يزرع له فى أرض ورثها عن بعض أهله، وكان أيضا يشرب من بئر ورثها عن آبائه، وكان مجاب الدعوة.
وحكى عنه أنّ السلطان قال له فى بعض الأيام: اسمع فلانا «٣» وشهادته.
فقال له: قد سمعت قوله ولا أقبل شهادته. فقال له: آمرك بأمر فتأبى عن قبوله؟
فقال له: قد أمر من أمره لا يخالف، قال الله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ
«٤» وهذا ليس كذلك!
*** صحة قبر معاذ بن جبل» :
وعلى يمين قبره قبر مكتوب عليه «معاذ بن جبل» الصحابىّ، وليس
стр. 632
كذلك، فإنه مات بعمواس «١» فى طاعون جارف «٢» . ويحتمل أن يكون هذا رجل من التابعين، ومعاذ الصّحابّى يكنى [أبا عبد الرحمن] «٣» .
وروى أنّ معاذا «٤» - رضى الله عنه- استعمله عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- على جهة من الجهات، فلما انقضى عمله «٥» رجع إلى أهله، فلما دخل قالت له زوجته: أين الذي جئت به كما يجيء العمّال [به] «٦» إلى أهليهم؟ فقال لها- رضى الله عنه: إنّ عمر جعل علىّ رقيبا! فقالت: ألم يكن النّبىّ ﷺ استعملك، وأبو بكر، وما أرسل واحد منهما عليك رقيبا؟!
ثم إنها أتت إلى عمر، فقال له «٧» : أنا أرسلت معك رقيبا؟ فقال:
يا أمير المؤمنين، إنّها طالبتنى بما لم أقدر عليه، وأنت قلت لى لمّا استعملتنى:
«جعلت الله عليك رقيبا» فكيف أعمل؟!
فتعجب عمر من ذلك، ودفع له شيئا أرضاها به- رضى الله عنهما.
***
стр. 633
قبر الفقيه العالم أبى السّمراء الضرير «١» :
ثم تمشى من التربة التى تعرف بمعاذ قليلا، ثم تنحرف على يدك اليمنى تجد قبرا كبيرا، هو قبر الفقيه العالم الولىّ أبى السّمراء الضرير، كان من أجلّ الفقهاء والعلماء، وكان فقيها، عالما، نحويّا، أصوليّا، لا يطاق فى علومه، وكان له قدم صدق مع الله تعالى، وكان كثير الاجتهاد فى الحفظ، قيل: إنّه لمّا عمى كان يحفظ تلقينا فى كل يوم ما يزيد على مائة سطر.
وسأل الله تعالى فى ذهاب بصره، وألّا يردّه عليه إلّا بين يديه، فاستجاب الله له ذلك، فلمّا مات رئى فى النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال:
أوقفنى بين يديه وقال: افتح بصرك وانظر، فقد أعطيتك ما سألت. قال:
ففتحت بصرى فرأيت ربى!
قال ابن دحية: وكان السلطان الملك الكامل يأتى إلى قبره، ويدعو الله تعالى عنده فى قضاء حوائجه، فيستجاب له، وقد وقع له «٢» مرارا عديدة (انتهى) .
وكان- رضى الله عنه- شافعىّ المذهب، يفتى الناس على مذهبهم.
*** قبر المرأة الصالحة خيزرانة المكاشفة «٣» :
ثم إذا فرغت من زيارته فاذهب إلى المرأة الصالحة خيزرانة المكاشفة الزاهدة.
стр. 634
حكى عنها أنها كانت تكاشف الناس فى خواطرهم، فقال رجل فى بعض الأيام: أظن أنّ هذه المرأة ساحرة، فلما كان الليل نام الرجل، فحصلت له لوقة «١» ، فلما أصبح جاء إليها، فلما نظرت إليه قالت: «والله يا أخى ما أنا ساحرة، ولكننى أتيته بنيّة لم تشنها غفلته، فتفجّرت من قلبى ينابيع الحكمة» .
ثم قالت له: «اذهب عافاك الله تعالى وشفاك» فعوفى لوقته وساعته.
وكانت عابدات مصر يأتين «٢» إليها لسماع الوعظ منها، وينتفعن به.
وكانت «٣» - رحمة الله عليها- من أجلّ العابدات.
*** قبر الفقيه الإمام أبى إسحاق إبراهيم بن محمد:
ثم تأتى إلى تربة تجد بها قبر الشيخ الإمام الفقيه أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن سعد بن أبى بكر بن سيف بن يوسف بن خلف بن موسى ابن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمىّ، القرشىّ، العباسىّ، المالكىّ.
كان- رضى الله عنه- إماما، عالما، شريفا، عفيفا، كريما، متواضعا، تقيّا، خاشعا، له تصانيف مشهورة، وتآليف «٤» مذكورة، وإشارات واضحة، وعبارات لائحة «٥» ، وأشعار رقيقة، ومعان دقيقة.
стр. 635
وكان إماما بمسجد الزبير بمصر، وكان مجاب الدعوة، كثير البركة. تفقّه على مذهب مالك، وسمع الحديث بمصر من أبى محمد عبد المولى بن محمد اللّخمىّ، وبدمشق من أبى أكثم على بن الحسين بن عساكر. وحدّث وصنّف كتاب «البغية والاغتباط فيمن ولى مصر الفسطاط» «١» وصنّف كتابا فى الوعظ. ومولده فى آخر شهر رمضان سنة ٢٧٥ هـ. وله كرامات عديدة.
ومن كراماته «٢» العظيمة أنّ رجلا دخل عليه فى وقت صلاة الصّبح، وقال له: يا سيدى إنّ عمّى سجنه كاتب من كتّاب السلطان بسبب ضمانة «٣» ضمنها له، فعسى أن تكتب له رقعة تستعطفه فيها!
فقال له: يا بنىّ، أنا لا أعرف الكاتب، ولكن أنا أدعو له بالخلاص.
ثم سأل الله تعالى أن يحسن خلاص الرّجل. وذهب الرجل، ثم دخل عند صلاة المغرب ومعه رجل آخر، فقال: يا سيدى، هذا عمّى الذي سألتك فى أمره، أطلقه الكاتب!
فقال له: كيف وقع «٤» ؟ قال: يا سيدى، لمّا ذهبت من عندك دعاه الكاتب إليه «٥» وقال له: أنا أعرف أنك رجل مظلوم، وكل جهة فى مصر.» .. «٦» .
فقال: ليس لى أحد سوى الله تعالى، غير أن إنسانا من الفقهاء الصلحاء دعا لى. قال: فأطلقه ثم قال له: اسأل لى الرّجل «٧» الذي دعا لك أن يدعو لى بحسن الخاتمة.
следующие страницы →