← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11789

مرشد الزوار الى قبور الابرار

زين الدين ابن الموفق

Полный текст (1 089 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فلما كان نصف الليل والشيخ عثمان على سطح داره نزل عليه إنسان من الجو كالطّائر، فقال له: من أنت؟ قال: أنا الرّدينّى، جئت إليك قبل أن تجىء إلىّ. فقال له: يا أخى، أنا ما أجىء إلّا لمن يمشى على قدميه، وأمّا من يأتى [طائرا] «١» فليس معه كلام! قبر القاضى يونس الورع «٢» : ثم تمشى إلى قبر القاضى يونس الورع، قاضى مصر.. كان رجلا زاهدا، أكره على القضاء، وكان يأكل من قمح يأتى به من الغرب، يزرع له فى أرض ورثها عن بعض أهله، وكان أيضا يشرب من بئر ورثها عن آبائه، وكان مجاب الدعوة. وحكى عنه أنّ السلطان قال له فى بعض الأيام: اسمع فلانا «٣» وشهادته. فقال له: قد سمعت قوله ولا أقبل شهادته. فقال له: آمرك بأمر فتأبى عن قبوله؟ فقال له: قد أمر من أمره لا يخالف، قال الله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ «٤» وهذا ليس كذلك! *** صحة قبر معاذ بن جبل» : وعلى يمين قبره قبر مكتوب عليه «معاذ بن جبل» الصحابىّ، وليس

стр. 632

كذلك، فإنه مات بعمواس «١» فى طاعون جارف «٢» . ويحتمل أن يكون هذا رجل من التابعين، ومعاذ الصّحابّى يكنى [أبا عبد الرحمن] «٣» . وروى أنّ معاذا «٤» - رضى الله عنه- استعمله عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- على جهة من الجهات، فلما انقضى عمله «٥» رجع إلى أهله، فلما دخل قالت له زوجته: أين الذي جئت به كما يجيء العمّال [به] «٦» إلى أهليهم؟ فقال لها- رضى الله عنه: إنّ عمر جعل علىّ رقيبا! فقالت: ألم يكن النّبىّ ﷺ استعملك، وأبو بكر، وما أرسل واحد منهما عليك رقيبا؟! ثم إنها أتت إلى عمر، فقال له «٧» : أنا أرسلت معك رقيبا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّها طالبتنى بما لم أقدر عليه، وأنت قلت لى لمّا استعملتنى: «جعلت الله عليك رقيبا» فكيف أعمل؟! فتعجب عمر من ذلك، ودفع له شيئا أرضاها به- رضى الله عنهما. ***

стр. 633

قبر الفقيه العالم أبى السّمراء الضرير «١» : ثم تمشى من التربة التى تعرف بمعاذ قليلا، ثم تنحرف على يدك اليمنى تجد قبرا كبيرا، هو قبر الفقيه العالم الولىّ أبى السّمراء الضرير، كان من أجلّ الفقهاء والعلماء، وكان فقيها، عالما، نحويّا، أصوليّا، لا يطاق فى علومه، وكان له قدم صدق مع الله تعالى، وكان كثير الاجتهاد فى الحفظ، قيل: إنّه لمّا عمى كان يحفظ تلقينا فى كل يوم ما يزيد على مائة سطر. وسأل الله تعالى فى ذهاب بصره، وألّا يردّه عليه إلّا بين يديه، فاستجاب الله له ذلك، فلمّا مات رئى فى النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفنى بين يديه وقال: افتح بصرك وانظر، فقد أعطيتك ما سألت. قال: ففتحت بصرى فرأيت ربى! قال ابن دحية: وكان السلطان الملك الكامل يأتى إلى قبره، ويدعو الله تعالى عنده فى قضاء حوائجه، فيستجاب له، وقد وقع له «٢» مرارا عديدة (انتهى) . وكان- رضى الله عنه- شافعىّ المذهب، يفتى الناس على مذهبهم. *** قبر المرأة الصالحة خيزرانة المكاشفة «٣» : ثم إذا فرغت من زيارته فاذهب إلى المرأة الصالحة خيزرانة المكاشفة الزاهدة.

стр. 634

حكى عنها أنها كانت تكاشف الناس فى خواطرهم، فقال رجل فى بعض الأيام: أظن أنّ هذه المرأة ساحرة، فلما كان الليل نام الرجل، فحصلت له لوقة «١» ، فلما أصبح جاء إليها، فلما نظرت إليه قالت: «والله يا أخى ما أنا ساحرة، ولكننى أتيته بنيّة لم تشنها غفلته، فتفجّرت من قلبى ينابيع الحكمة» . ثم قالت له: «اذهب عافاك الله تعالى وشفاك» فعوفى لوقته وساعته. وكانت عابدات مصر يأتين «٢» إليها لسماع الوعظ منها، وينتفعن به. وكانت «٣» - رحمة الله عليها- من أجلّ العابدات. *** قبر الفقيه الإمام أبى إسحاق إبراهيم بن محمد: ثم تأتى إلى تربة تجد بها قبر الشيخ الإمام الفقيه أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن سعد بن أبى بكر بن سيف بن يوسف بن خلف بن موسى ابن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمىّ، القرشىّ، العباسىّ، المالكىّ. كان- رضى الله عنه- إماما، عالما، شريفا، عفيفا، كريما، متواضعا، تقيّا، خاشعا، له تصانيف مشهورة، وتآليف «٤» مذكورة، وإشارات واضحة، وعبارات لائحة «٥» ، وأشعار رقيقة، ومعان دقيقة.

стр. 635

وكان إماما بمسجد الزبير بمصر، وكان مجاب الدعوة، كثير البركة. تفقّه على مذهب مالك، وسمع الحديث بمصر من أبى محمد عبد المولى بن محمد اللّخمىّ، وبدمشق من أبى أكثم على بن الحسين بن عساكر. وحدّث وصنّف كتاب «البغية والاغتباط فيمن ولى مصر الفسطاط» «١» وصنّف كتابا فى الوعظ. ومولده فى آخر شهر رمضان سنة ٢٧٥ هـ. وله كرامات عديدة. ومن كراماته «٢» العظيمة أنّ رجلا دخل عليه فى وقت صلاة الصّبح، وقال له: يا سيدى إنّ عمّى سجنه كاتب من كتّاب السلطان بسبب ضمانة «٣» ضمنها له، فعسى أن تكتب له رقعة تستعطفه فيها! فقال له: يا بنىّ، أنا لا أعرف الكاتب، ولكن أنا أدعو له بالخلاص. ثم سأل الله تعالى أن يحسن خلاص الرّجل. وذهب الرجل، ثم دخل عند صلاة المغرب ومعه رجل آخر، فقال: يا سيدى، هذا عمّى الذي سألتك فى أمره، أطلقه الكاتب! فقال له: كيف وقع «٤» ؟ قال: يا سيدى، لمّا ذهبت من عندك دعاه الكاتب إليه «٥» وقال له: أنا أعرف أنك رجل مظلوم، وكل جهة فى مصر.» .. «٦» . فقال: ليس لى أحد سوى الله تعالى، غير أن إنسانا من الفقهاء الصلحاء دعا لى. قال: فأطلقه ثم قال له: اسأل لى الرّجل «٧» الذي دعا لك أن يدعو لى بحسن الخاتمة.

стр. 636

وحكى عنه أنه حجّ فى سنة إلى بيت الله الحرام، ورجع إلى العراق فى قافلة، فاجتاز «١» بمكان يعرف برأس العين من بلاد «حلب» ، فصادفه أمير البلدة- وكان ظالما- يقال له: حسام الدين. فقال له: يا شيخ، انزل أنت والقافلة- وكان الشيخ مقدّما فيها- فنزل الشيخ ونزل الناس، وجاء العشّار «٢» فأخذ عادته من أعمال التجار، ثم جاء الأمير وأعوانه والعشّار لينظروا ما مع الشيخ، فقال له الأمير: ما معك أيها الشيخ؟ قال: معى هذا الحمل من الكتب لا غير. قال: فأمر الأمير بعض غلمانه وقال له: افتح هذا الحمل وآتنى بما تجده «٣» من كتب الأدب واللغة والأشعار الرّائقة، والخطوط الفائقة. فجاء الغلام لفتح العدلين «٤» ، وتوجّه الأمير، فدفع الشيخ للغلام دينارين، وقال له: سألتك بالله لا تفتح هذا الحمل واتركه. قال: فترك الغلام وذهب، ورحلت «٥» القافلة. فسأل الأمير الغلام: هل وجدت شيئا؟ قال: لا. قال: لا بدّ لى من أن أنظر فى هذا الحمل. ثم أمر برجوع القافلة، فرجعت، ثم إنّ الشيخ اعتزل ناحية وصلّى، ودعا الله ألّا يجعل عليهم سبيلا، وأن يصرف عنه كيدهم. ثم إنّ الأمير دعاه وقال له: افتح هذا الحمل. ففتحه، وتقدّم الغلام فأخرج كتاب «الموطّأ» بخطّ ردىء، ثم أخرج كتابا آخر بخط ردىء، ثم آخر.. فقال: الظّاهر أنّ جميع الكتب بهذه الخطوط الرديئة! ثم قال: يا شيخ، سر فى حفظ الله تعالى.

стр. 637

قال: فشدّ الشيخ الحمل ووضعه على ظهر الجمل وسار، وسارت القافلة قليلا فإذا بإنسان يعدو خلف القافلة وهو يقول: يا شيخ، ارجع وخذ ما دفعت للغلام. فقال الشيخ: لا رجعة «١» لى فيما خرجت عنه. فرجع الغلام، وسار الشيخ سالما، وكفاه الله شرّهم ببركته. وقيل: إنّ رجلا ادّعى على ولد أخى الشيخ أنه أودع عنده وديعة تساوى عشرة دنانير، وأنّ الشيخ يشهد على ابن أخيه بالوديعة. فأحضر الشيخ، فقال: ليس لى علم بذلك. فقال: لا، بل علمت ذلك، وقد دخل بالوديعة إلى منزلك، وهى فى دارك. فقال ولد أخيه للرّجل: هل لك فى المحاكمة؟ قال: نعم. فجاء الرجل والشيخ وولد أخيه إلى القاضى «٢» ، فأخبره المدّعى بقصته، فقال القاضى للشيخ: أحقّ ما قاله هذا الرجل يا سيدى؟ قال: لا والله. فقال المدّعى: بل والله حقّ ذلك. فقال القاضى: أنا أدفع لك شيئا من مالى ودع الشيخ. فقال: والله لا أتركه إلّا بعشرة دنانير أو يحلف أنّ الوديعة لم تدخل إلى داره، وأنه لا يعلم ذلك. فحلف الشيخ أنه لم يعلم ذلك، ولم يعلم بذلك. ثم لمّا فرغ من اليمين قال: اللهمّ إن كان هذا ظلمنى وهو يعلم أننى برىء ممّا قال، فأظهر فيه آية لخلقك. ثم توجّه كلّ منهما إلى حال سبيله، فلم تمض على الرّجل ثلاثة أيام حتى عمى «٣» وصار إلى حالة دميمة، ثم صار شحّاذا وصار يقول: ارحموا من استجيبت فيه دعوة رجل صالح. ومات بعد ذلك فى مخزن ولم يعلم به إلّا بعد ثلاثة أيام.

стр. 638

وحكى عنه أنه دفع إلى رجل ثلاثين دينارا ليعمل له فيها، فأقامت معه مدّة، ثم ادّعى أنها ضاعت منه وتلفت، فقال له الشيخ: اتّق الله يا أخى، ووعظه فلم يتعظ، فقال الشيخ لمن حضر: أقسم بالله لئن بقى هذا على هذه النّيّة لم يخرج من الدّنيا حتى يبتلى بالفقر والطلب، وكان الرجل ذا جدّة «١» وحالة حسنة، فما مرّت عليه أيّام قلائل حتى نفد جميع ما كان معه وافتقر وصار شحّاذا يسأل النّاس ويدقّ أبوابهم ويقول: تصدّقوا على من غرّه الطّمع. وحكى عنه أيضا أنّ أمير مصر أقامه على تفرقة الزكوات، فكان يفرقها فى كل شهر مرة، فاتفق فى بعض الأيام أنه جلس يفرق الزكاة ثم تذكر أنه خلط ماله بمال الصّدقة، فتصدق بالجميع، [فسئل: لم] «٢» فعلت ذلك؟ قال: لأنّ مال الزّكاة محرّم «٣» علينا، وليس لى حاجة بمال خالط مال الزكاة. فقيل له: لو انتفعت ببعضه «٤» كان أولى. فقال: لا أنتفع بمال خالطته الزكاة. وكان الشيخ بليدا فى بداية أمره، فرأى قائلا يقول له: إنّ الحاكم قد سمع قولك، فأصبح «٥» ينطق بالحكمة، ثم وضع المصنفات العجيبة. وقيل: إنه شهد عند قاضى القضاة الذي كان بزمانه فلم يقبل شهادته، فلمّا كان فى تلك الليلة نام القاضى، فرأى فى منامه رجلا دخل عليه من غير إذن، فقال له: من أنت؟ قال: أنا إنسان من خلق الله تعالى. قال: كيف دخلت إلى دارى بغير إذنى؟ قال: أذن لى ربّ الدّار. قال: ما تريد؟ قال:

стр. 639

لم لا تقبل شهادة الشيخ إبراهيم القرشيّ وهو عدل عند الله تعالى؟ قال: إنه بليد. قال: إنه فى غد «١» يأتيك وهو ينطق بالحكمة! وقيل: لمّا احتضر «٢» قيل له: كيف حالك؟ قال: كيف حال من يريد سفرا بعيدا بغير زاد؟ ويدخل قبرا موحشا بلا مؤنس؟ ويقدم على ملك عادل؟ ثم بكى بكاء شديدا، وتوفّى بعد ذلك. *** وبالقرب قبر ابنته، المرأة الصالحة، أمّ الخير. ويليها من الجهة البحرية قبر الشيخ الصالح، القدوة، القاضى برهان الدين ابن عبد العزيز بن إبراهيم الزهرى خطيب قلعة صور، توفى فى يوم الثلاثاء سابع عشر المحرم سنة ٣٠٥ هـ. *** قبر الشيخ أبى البقاء صالح بن الحسين «٣» : ثم تأتى إلى قبر الشيخ الوليّ العالم أبى البقاء صالح بن الحسين بن عبد الحميد المبتلى، الشّافعىّ المذهب. كان فقيها زاهدا، تضرب الأمثال بعبادته، وكان منقطعا فى جوسق «٤» ابن أصبغ، وكان يشمل الطلبة بالجامع العمرىّ، فجاء يوما فوجد الطّلبة جلوسا يتضاحكون، فقال: «لا إله إلّا الله! فسد الناس،

стр. 640

حتى أهل العلم، لقد كنّا ندخل فى حلق «١» العلم فلا يقوم الرّجل منّا إلّا باكيا خاشعا، وإذا عاد «٢» فى اليوم الثانى وجد قد ارتقى عن الحالة الأولى فى الحزن والكآبة» . ثم إنه خرج وانقطع عن الحضور، ولازم العبادة إلى أن مات بالجوسق. وكان فى ابتداء أمره مليح الصّورة، حسن الهيئة، وكان إذا مرّ افتتن النّساء بملاحته وحسن صورته، فسأل الله تعالى أن يبتليه ببلاء يمنع من افتتان الناس به، فابتلى، رضى الله عنه، فكان إذا مرّ أعرض «٣» النساء بوجوههنّ عنه، فحمد الله تعالى على ذلك. وكان له رجل يخدمه، ويأتى إليه فى كل يوم بأوراق من مغاسل «٤» البقل، فيطبخها بشىء من الملح، ويقدمها له عند إفطاره، فجاء له الخادم يوما بغير شىء، فقال له: لم لم تأت بشىء؟ قال: رأيت فى طريقى جماعة من السودان يتحاربون، فرجعت بغير شىء. فقال له: خذ هذه العكّازة وامض، فإنّك تأمن من شرّهم. قال: فأخذ الخادم العكّازة ومضى، ومرّ بينهم فلم يتعرّض له أحد بسوء، فأخذ حاجة الشيخ ورجع سالما. وحكى عنه القاضى الفاضل عبد الرحيم بن الحسن «٥» البيسانىّ حكاية عجيبة، نقلها عنه أبو الحسن «٦» الكاتب. قال أبو الحسن: قال لى القاضى الفاضل- رحمه الله تعالى: هل لك فى زيارة القرافة؟ قلت: نعم، سمعا وطاعة.

стр. 641

وخرج، وخرجت معه، إلى أن جئنا إلى سفح الجبل المقطم إلى قبر الإمام الوليّ الصالح المبتلى. فقال لى: يا أبا الحسن، هل أحكى لك «١» حكاية من أعجب ما رأيت من كرامات هذا الرجل؟ قلت: «٢» : نعم يا مولاى. فقال لى «٣» : «لمّا دخلت إلى مصر دخلت وليس معى ما أتقوّت به فى تلك الليلة، فجئت إلى هذه المقبرة، وجلست عند هذا القبر، وقرأت شيئا من القرآن، فأخذتنى فى أثناء القراءة سنة من النوم، فرأيت فى منامى رجلا جميلا طلع من القبر وقال لى: ما بك يا عبد الرّحيم؟ فنظرت أمامى فرأيت السلطان صلاح الدين بن أيوب كأنّه جالس على سرير، فلما رآنى ووقعت عينه علىّ قام لى وأجلسنى إلى جانبه وقال لى: افتح حجرك «٤» ، ففتحت حجرى فصبّ لى فيه جملة من الدّنانير، ثم أشار لأهل دولته من الحاضرين بتقبيل يدى. قال: ثم استيقظت وذكرت الرّؤيا، وتعجبت غاية العجب، فسمعت قائلا- أسمع صوته ولا أدرى شخصه- يقول: «إنك رأيت هذا فى المنام وسيكون فى اليقظة» «٥» . قال: فمضيت إلى منزلى وأنا أفكّر «٦» فى شأن الرّؤيا، فسألنى جماعة فى طريقى أن أكتب لهم قصّة «٧» قال: فكتبت: «للمماليك الحرسيّة، بالقلعة

стр. 642

الصّلاحيّة، يقبّلون الأرض بين المواقف العليّة الأعظميّة، وينهون «١» أنهم باعوا لذّة نومهم بقوت يومهم «٢» ، وقد حرموا ذلك، أنهوا ذلك» «٣» . قال: فلما وقف السلطان عليها قال: من الذي كتب لهم هذه؟ قال: رجل يقال له: عبد الرّحيم الفاضل. قال: أسمع به، إنّه كان من رؤساء الكتبة بالديوان، وقال: علىّ به. فما جلست فى بيتى إلّا قليلا وإذا بالباب يطرق «٤» ، فنظرت من الطّارق، فإذا رجل من جهة السّلطان، فقال لى: أجب السّلطان. قال: فمضيت معه إلى حضرة السّلطان صلاح الدين، فلما دخلت عليه رأيته على سرير كالذى رأيته فى منامى، فلما رآنى قام وأجلسنى إلى جانبه، وسألنى عن أحوالى، فأخبرته بالأحوال جملة وتفصيلا، قال: فدعا بدنانير وصبّها فى حجرى، وفوّض إلىّ الوزارة، وصرت الآن بما ترى من هذه الأحوال العظيمة، كلّ هذا ببركة هذا الرّجل «٥» - رضى الله عنه. وكانت وفاة صالح هذا فى سنة ٥٤٠ هـ «٦» . ***

стр. 643

صحة قبر الصّحابىّ سارية «١» : وبجانبه «٢» قبر يقال له قبر سارية بن زنيم، الصحابىّ الذي ناداه عمر ابن الخطّاب يوم الجمعة وهو يخطب: «يا سارية، الجبل» ، وفى هذا الخبر أقوال. ولم يكن حين نودى بديار مصر، بل كان فى أرض «نهاوند» فى بلاد العجم، وقصته: أنّ عمر بن الخطّاب، رضى الله عنه، بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ قطع الخطبة ونادى: «يا سارية، الجبل، يا سارية، الجبل- ثلاثا- ثم عاد إلى خطبته، فقال الناس: إن عمر جنّ، إنّه لمجنون «٣» . فسمع ذلك عبد الرحمن بن عوف الزّهرىّ، رضى الله عنه، وكان ممّن يردّ عنه، فجاء إليه بعد أن فرغ من الصلاة وقال له: هل تحب أن تجعل لهم عليك كلاما؟

стр. 644

[فقال] «١» : ما بالهم؟ قال: إنك قلت: كذا وكذا فى أثناء الخطبة. قال له: لم أملك نفسى حين رأيت الكفّار قد أحدقوا بالمسلمين أن صحت: «يا سارية الجبل» . قال: فلما قال عمر ذلك لعبد الرحمن، جاء عبد الرحمن إلى الناس وقال لهم: اعلموا أنّ عمر، رضى الله عنه، لم يدخل فى شىء إلّا كان له منه مخرج، ولا يتكلّم إلّا بما فيه فائدة. ثم أخبرهم بخبر «سارية» . فلمّا كان بعد مدّة جاء رسول سارية وأخبر أنّ سارية ظفر وانتصر، ودفع كتابا من سارية إلى عمر، فقرأ عمر الكتاب على الناس.. أخبر سارية أنّ المسلمين قاتلهم الكفّار يوم جمعة من أول النهار إلى وقت الزوال، وأنّا سمعنا صوتا ينادى: «يا سارية، الجبل» فانزوينا إلى الجبل، ثم رجعنا على المشركين وقاتلهم، وهزمناهم» . فقال الصحابة، رضوان الله عليهم: إنّ عمر مؤيّد «٣» من الله بالبصيرة التامّة. (انتهى) . قبر القارئ أبى حفص العمروشى «٤» : ثم تجىء إلى قبر «العمروشى» ، يكنى أبا حفص، واسمه عمر، كان- رضى الله عنه- مقيما بالجامع العمرىّ، وكان يقرأ على كل عمود من عمد الجامع ختما كاملا إلى أن مات. وهو يعرف إلى الآن بالقارىء.

стр. 645

تربة القاضى الفاضل «١» : ثم تأتى إلى تربة القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى، وهو القاضى الفاضل محيى الدّين أبو على، عبد الرحيم، ابن القاضى الأشرف أبى الحسن «٢» علىّ ابن الحسن بن أحمد بن الفرج بن أحمد بن عبد الله، اللّخمىّ الأصل، العسقلانيّ المولد، البيسانى، المصرى الدار والوفاة، الشافعىّ. كان والده قاضيا بمدينة بيسان. قال الحافظ عبد العظيم «٣» : «وبيسان هذه التى نسب إليها هى قصبة غور الأردن من أرض الشام» . وقيل: إنها المذكورة فى حديث الجسّاسة «٤» . وبيسان أيضا من نواحى «اليمامة» . وبيسان أيضا قرية من قرى «مرو» . وبيسان موضع جاء ذكره فى غزوة ذى قرد. ولأجل ولاية والده القضاء بها نسب هذا الفاضل إليها، وكان والده قاضيا بعسقلان قبل ولاية بيسان. وكانت ولادته يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة سنة ٥٢٩ هـ «٥» . ثم قدم القاهرة وخدم الموفق يوسف بن محمد بن الخلال «٦» صاحب ديوان الإنشاء فى أيام الحافظ لدين الله، وعنه أخذ صناعة الإنشاء.

стр. 646

ثم خدم بالإسكندرية مدّة عند قاضيها محمد بن حديد «١» . وكانت كتبه ترد غاية فى البلاغة «٢» . ولا يزال يتنقل فى الخدم الديوانية بها أيضا، فلما قام بوزارة مصر العادل بن رزّيك الملقّب برزّيك بن الصالح طلائع بن رزّيك [كتب] «٣» إلى والى الإسكندرية بتسييره إلى الباب، فلما حضر استخدمه بحضرته وبين يديه فى ديوان الجيش، فلما مات الموفق بن الخلال فى سنة ٥٦٦ هـ، وكان القاضى آن ذاك نائبا عنه فى ديوان الإنشاء، عيّنه الكامل بن شاور بن مجير، وهو والد الوزير، وسعى له عند أبيه، فأقرّه عوضا عن ابن الخلال، فلما ملك أسد الدين شير كوه احتاج إلى كاتب، فأحضره وأعجب بنفاذه وسمته ونصحته «٤» ، فاستكتبه، إلى أن ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، فاختفى قليلا لمّا قامت الفتنة بين العاضد الفاطمى والسلطان صلاح الدين، ونهبة «٥» أمواله، ثم أنه ذكر السلطان صلاح الدين وأثنى عليه عنده. قال: فدعاه واستخلصه وحسن اعتقاده فيه، فاستعان به على إزالة الدولة الفاطمية. فلما تم للسلطان ما أراد، اتّخذ القاضى وزيرا ومشيرا، بحيث كان لا يصدر أمرا إلّا عن مشورته، ولا ينفّذ شيئا إلّا من رأيه، ولا يحكم قضية إلّا بتدبيره. فلما مات السّلطان صلاح الدين استمرّ على ما كان عليه عند ولده الملك العزيز عثمان فى الرّفعة والمكانة، فلما مات العزيز وقام من بعده ولده الملك

стр. 647

المنصور بالملك، بتدبير «١» عمّه الأفضل [نور الدين، كان أيضا على حاله، ولم يزل كذلك إلى أن وصل] الملك العادل أبو بكر بن أيوب من الشام لأخذ ديار مصر، وخرج الأفضل لقتاله، [وعند دخوله القاهرة] مات القاضى [الفاضل] «٢» ساكنا، أحوج ما كان إلى الموت، عند تولّى الإقبال، وإقبال الإدبار، فى سحر يوم الأربعاء، سابع عشر ربيع الآخر سنة ٥٩٦ هـ، ودفن بهذه التربة «٣» . قال بعض المؤرخين فى ترجمته: وزر القاضى الفاضل للسلطان صلاح الدين، وتمكّن منه غاية التمكين، وبرز «٤» فى صناعة الإنشاء، وفاق «٥» المتقدمين، وله فيه الغرائب مع الإكثار «٦» . وأخبرنى «٧» أحد الفضلاء الثّقات المطّلعين على حقيقة أمره أنّ مسوّدات رسائله «٨» فى المجلدات والتعليقات فى الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد، وهو مجيد «٩» فى أكثرها. وقال عبد اللطيف البغدادى: دخلنا عليه فرأينا شيخا ضئيلا، كلّه رأس وقلب، وهو يكتب ويملى على اثنين، ووجهه وشفتاه تلعب بألوان الحركات، لقوّة حرصه على إخراج الكلام، وكان يكتب بجملة أعضائه، وكان له

стр. 648

غرام «١» بالكتابة وبتحصيل الكتب. وكان من الدّين والعفاف والتّقى، والمواظبة على قيام الليل، والصيام، وقراءة القرآن على جانب كبير، قيل: كان يقرأ فى اليوم والليلة ختما كاملا. وكان قليل اللّذّات، كثير الحسنات، دائم التهجد، كثير الاشتغال بعلوم الأدب وتفسير القرآن، غير أنه كان خفيف البضاعة من النحو، ولكن قوّة الدّربة توجب له قلّة اللحن. وكان لا يكاد يضيع شيئا من زمانه إلّا فى طاعة. وسمع الحديث من جماعة، كالحافظ السّلفى، والحافظ ابن عساكر، وغيرهما. وكتب فى الإنشاء ما لم يكتبه أحد، وكان متقلّلا فى مطعمه وملبسه ومنكحه، وكان يكثر «٢» من لباس البياض، لا يساوى ما عليه- إن قوّم- أكثر من خمسة «٣» دنانير صلاحيّة «٤» . وكان إذا ركب كان معه غلام، وكان لا يمكّن أحدا من صحبته، وكان يكثر زيارة القبور، وتشييع الجنائز، وعيادة المرضى، وله معروف فى السّرّ والعلانية. وكان «٥» وزيرا صالحا، مجتهدا، عالما، لم ينطق قطّ إلّا فى إيصال رزق أو معونة محتاج، أو تجديد نعمة. وأوقف أوقافا على الفقراء والمساكين بالحرمين وغيرهما. وأنشأ مدرسته [بدرب] «٦» ملوخيّا بالقاهرة، بجوار

стр. 649

داره، وأوقف جميع كتبه وأقرهم بها، ودرّس بها الشاطبى علوم القرآن، والفقهاء «١» الفرائض. وجدّد عمارة العين الزرقاء التى بمدينة النبي ﷺ ، وحصل لأهل المدينة بها نفع عظيم. وما ترك «٢» - رحمه الله تعالى- بابا من أبواب الخير إلّا وأحرز منه أوفى نصيب. [وأوقف] «٣» وقفا عظيما على فكاك الأسرى من أيدى الكفّار. وحكى أنه خرج يوما إلى صحراء القاهرة راكبا، فلقيه لصّ وراوده على أخذ ثيابه، فقال له الفاضل: هل تريد شيئا غير الثياب والبغلة؟ قال: لا. فقال له: سر معى إلى دارى، واحملنى على مروءتى. قال: نعم رضيت ذلك. ثم سار معه وهو لا يعرفه، إلى أن وصل إلى باب النصر، فلما دخل القاضى من باب النصر قام له خدمه وأعوانه، فقال لهم: احفظوا هذا الرّجل إلى الدّار. فأيقن الرجل أنه لا محالة هالك. فلما وصل القاضى إلى داره، واستقر فى مجلسه، دعا بالرجل فأدخل عليه وقد ارتاع، فقال: لا تخف يا رجل. ثم إنه دعا بطعام فأطعمه، ثم دعا بشراب وسقاه، ثم دفع له البغلة والثياب، ودفع له جائزة أخرى فوق ذلك. ونقل أيضا عنه أنّ رجلا زوّر توقيعا بخط صلاح الدين أنّه أعطاه رزقه فى مكان، ثم كشف أمره لإنسان، فوشى به إلى السلطان صلاح الدين، فدعاه

стр. 650

وقال: أين التوقيع الذي فى يدك؟ فأبرزه له، فلما «١» رآه السلطان غضب غضبا عظيما وقال: كأنّه- والله خطّى! ثم أمر بقطع يد الرّجل. فقال القاضى: يا مولانا، نريد من فضلكم أن تكتبوا لنا خطّكم بجانب خطّه حتى نرى ما بينهما من الفرق. فقال السلطان: نعم. ثم رقم اسمه، فلما رآه الفاضل قال: لا إله إلّا الله!! كان باطلا فصار حقّا، إن الله تعالى قد أذلّ قلمه وأعزّ قلمك، وما كان لك أن تكتب شيئا ولا تمضيه. فتبسّم السّلطان وعفا عن الرجل، كلّ ذا بلطف من القاضى. وقد وصفه العماد الأصفهاني فى كتاب الخريدة، وقال فى حقه: «ربّ القلم والبيان، واللّسن واللّسان، والقريحة الوقّادة، والبصيرة النّقّادة «٢» ، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرّزة، والفضل الذي ما سمع من الأوائل «٣» ، فهو كالشريعة المحمدية التى نسخت الشرائع، ورسخت بها الصّنائع، يخترع الأفكار، ويفترع «٤» الأبكار، ويطلع الأنوار، ويبدع الأزهار، وهو ضابط الملك بآرائه، ورابط السّلك بآلائه، إن شاء [أنشأ] «٥» فى اليوم الواحد، بل فى السّاعة الواحدة، مالو دوّن لكان لأهل الصّناعة خير بضاعة. أين قسّ «٦» عند فصاحته؟ وأين قيس فى مقام حصافته «٧» ، ومن

стр. 651

حاتم «١» وعمرو فى سماحته وحماسته؟ ..» . وأطال القول فى تقريظه «٢» . ومن رسائله رسالة كتبها على يد خطيب عيذاب إلى صلاح الدين يوسف ابن أيوب يشفع عنده فى الخطيب أن يكون خطيبا بجامع الكرك «٣» . صورتها بعد البسملة الشريفة: «أدام الله السلطان «٤» الملك الناصر وثبّته، وتقبّل عمله بقبول صالح وأنبته، وأرغم أنف عدوّه بسيفه وكبته «٥» ، خدمة المملوك هذه واردة «٦» على يد خطيب عيذاب، ولما نبا «٧» به المنزل عنها، وقلّ عليه المرفق «٨» فيها، وسمع بهذه الفتوحات التى طبّق الأرض ذكرها، ووجب على أهلها شكرها، هاجر من هجير عيذاب وملحها، ساريا فى ليلة أمن «٩» كلها نهار، فلا يسأل عن صبحها، وقد رغب فى خطابة الكرك وهو خطيب، وتوسّل بالمملوك فى هذا الملتمس وهو قريب، ونزع من مصر إلى الشام، ومن عيذاب إلى الكرك، وهذا عجيب، والفقر سائق عنيف «١٠» ، والمذكور عائل ضعيف، ولطف الله بالخلق بوجود مولانا لطيف «١١» ، والسلام» .

стр. 652

وقيل: إنه مرّ فى بعض الأيام فوجد العماد الكاتب، فقال له: «دام علا العماد» . فقال العماد له مجيبا: «سر «١» فلا كبا بك الفرس» . وهاتين اللّطيفتين تقرأ كلّ واحدة منهما طردا وعكسا «٢» . ومن شعره- ﵀ وقد تشوّق إلى نيل مصر [عند] «٣» وصوله إلى الفرات فى خدمة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، رضى الله عنه، يقول: بالله قل للنّيل عنّى إنّنى ... لم أشف من ماء الفرات غليلا وسل الفؤاد فإنّه لى شاهد ... إن كان جفنى بالدموع بخيلا «٤» يا قلب كم خلّفت ثمّ بثينة ... وأعيذ صبرك أن يكون جميلا «٥» وكان كثيرا ما ينشد ويقول «٦» : وإذا السّعادة لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلّهنّ أمان «٧» واصطد بها العنقاء فهى حبائل ... واقتد بها الجوزاء فهى عنان «٨» ومن شعره «٩» : بتنا على حال يسرّ الهوى ... وربّما لا يمكن الشّرح

стр. 653

بوّابنا اللّيل، وقلنا له: ... إن غبت عنّا دخل الصّبح وملحه ونوادره كثيرة، وشعره فى الذّروة الخطيرة، وكان من محاسن الدهر، وهيهات أن يخلف الزمان مثله، وما شىء كمثله. قبر القاضى الأشرف ابن القاضى الفاضل «١» : وإلى جانبه قبر ولده [القاضى] الأشرف بهاء الدين أبى العباس [أحمد] «٢» . كان كبير المنزلة عند الملوك، وكان مكبّا «٣» على سماع الحديث وتحصيل الكتب. ومولده فى المحرم سنة ٥٧٣ هـ. وسمع من القاسم ابن عساكر وابن بنان الذي يسمى الأمير، والعماد الكاتب، وجماعة، وأقبل على الحديث فى الكهولة «٤» ، واجتهد فى الطلب، وحصّل الأصول الكثيرة، وسمع أولاده «٥» ، وكان صدرا نبيلا يصلح للوزارة. وسمع ببغداد ودمشق، ودرّس بمدرسة أبيه، وكان مجموع الفضائل، كثير الأفضال على المحدّثين «٦» ، استوزره الملك العادل، فلما مات عرضت عليه الوزارة فأبى أن يقبلها، وكان الملك الكامل «٧» قد سيّره برسالة إلى بغداد، فأنشد الوزير يقول «٨» :

стр. 654

يا أيّها المولى الوزير ومن له ... منن حللن من الزّمان وثاقى «١» من شاكر عنّى نداك فإنّنى ... من عظم ما أوليت ضاق نطاقى «٢» منن تخفّ على يديك وإنّما ... ثقلت مئونتها على الأعناق «٣» ولمّا دخل بغداد أظهر من الحشمة والصّدقات والصلاة أمرا عظيما، وما أعطاه الخليفة من جوائز فرّقه، وحسب ما أنفقه فى تلك المدّة ستة عشر ألف دينار. وصلّى عليه لمّا مات ولده ضياء الدّين «٤» ومن شعره، يقول: قد وفد الصّبح فقم نصطبح ... من الّذى لا صبر لى عنه «٥» فنهرنا قد مزحته الصّبا ... فصار شاذ رواته منه «٦» وله أيضا: من شرف العفّة لا كان لى ... فى غيرها قسم ولا رزق «٧» [إنّك إن رحت] بها موسرا ... أحبّك الخالق والخلق «٨»

стр. 655

وله أيضا: أستودع الله الّذين فقدتهم ... فقد العيون السّاهرات كراها «١» وحمدت ربى حيث كان لقاؤهم ... يوما على الحالين حين يراها *** قبر الإمام الشّاطبى- القاسم بن فيّره الرّعينى «٢» : وبالتربة المذكورة «٣» قبر الشيخ الإمام الفاضل، العمدة القاسم- ويقال: أبو القاسم، على أنّ كنيته اسمه، والمشهور الأول- ابن فيّره «٤» بن أبى القاسم خلف بن أحمر الرّعينى «٥» الشاطبى، صاحب القصيدة الموسومة بحرز الأمانى ووجه التهانى فى القراءات السّبع «٦» ولقد أبدع فيها إبداعا عظيما، وهى عمدة قرّاء العصر. وله قصيدة دالية أحاط فيها بمقاصد التمهيد لابن عبد البر، والقصيدة الرّائية فى موسوم الخط، وغير ذلك. وسمع من جماعة، منهم أبو الطّاهر «٧» السّلفى، وأبو الحسن على بن محمد بن هذيل، وغيرهما. وروى عنه ابن الجمّيزى، والكمال الضرير، والعلم

стр. 656

السخاوى «١» ، وغيرهم. ذكره النووى فى طبقاته، وغيره، وقال ابن خلّكان فى تاريخه: «كان عالما بكتاب الله قراءة وتفسيرا، وبحديث رسول الله ﷺ ، مبرزا فيه، وكان إذا قرىء عليه صحيح البخارى ومسلم والموطّأ تصحّح «٢» النّسخ من حفظه. وكان أوحد «٣» أهل عصره فى علم النحو واللغة، عارفا بعلم الرّؤيا، حسن المقاصد، مخلصا فيما يقول ويفعل» . ومولده فى آخر سنة ٥٣٨ هـ. ودخل مصر سنة ٥٧٢ هـ، وكان يقول عند دخوله إليها: إنه يحفظ وقر بعير [من العلوم] «٤» . ورتّبه القاضى الفاضل بمدرسته للإقراء. وتوفى سنة ٥٩٠ هـ فى يوم الأحد بعد صلاة العصر، الثامن والعشرين من جمادى الآخرة. وفيّره: بكسر الفاء وسكون الياء المثنّاة من تحت، وتشديد «٥» الراء المهملة المضمومة، وهو بلغة اللطينى «٦» من أعاجم الأندلس، ومعناه بالعربى: الحديد. والرّعينى: بضمّ الراء، وفتح العين المهملة، نسبة إلى «ذى رعين» من أقيال اليمن «٧» . والشّاطبى: نسبة إلى «شاطبة» ، مدينة بشرق الأندلس.

стр. 657

وكان كثيرا ما يقول هذا اللّغز.. يقول: أتعرف شيئا فى السّماء يطير ... إذا سار صاح النّاس حيث يسير «١» فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا ... وكلّ أمير يعتليه أسير يحضّ على التّقوى ويكره قربه ... وتنفر منه النّفس وهو نذير ولم يستزر عن رغبة فى زيارة ... ولكن على رغم المزور يزور «٢» وحكى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ فى منامى عشر ليال متوالية بالرّوضة، وقرأت عليه فيها القرآن، فلما ختمت عليه، قال لى: حماك الله من الشّبه. وإلى جانبه قبر ولده أبى عبد الله محمد بن القاسم الشاطبى، حدّث عن أبيه، وتوفى بالقاهرة (انتهى) . *** قبر الفقيه العالم الشيخ أبى المعالى مجلّى «٣» : ثم تخرج من التربة إلى تربة بها محراب بالحجر «٤» ، وهو على يسارك، بها قبر الفقيه الإمام العالم مجلّى «٥» بن جميع بن نجا القرشى المخزومى،

стр. 658

الأرسوفيّ «١» الأصل، المصرى الدار، المكنى أبا المعالى، الفقيه الشافعى. كان من أعيان الفقهاء، [تفقه] «٢» المذكور على الفقيه سلطان، تلميذ الشيخ نصر المقدسى. قال بعضهم، والكمال القليوبى «٣» ، قال عنه: إنه تفقّه من غير شيخ، وسمع من أبى الحجّاج علىّ بن يوسف القضاعى، والإمام أبى الحسن الخلعى «٤» ، وجماعة أخر، وسواهما، وأخذ عنه «العراقى» شارح المهذّب، ومحفوظ بن على، وأبى القاسم عبد الرحمن بن محمد الصّدفى، ومحمد ابن ثابت بن فرج الجيزانى، وغيرهم. وكان رجلا صالحا، عالما، وكان يسكن «قليوب» . وولّاه العادل ابن السّلار القضاء بالديار المصرية «٥» سنة ٥٤٧ هـ، ثم صرف عن القضاء «٦» سنة ٥٤٩ هـ. وقال: ما دخلت القضاء إلّا لضرورة، [ولقد] بعد عهد أهلى باللّحم، فأخذت لهم منه، فما هو إلّا أن وضعوا أيديهم فيه [مرّة] «٧» ثم لم يضعوها ثانية «٨» . وصنّف كتابا فى الفقه سمّاه «الذخائر» ، وهو كتاب جليل مشهور، مبسوط، كثير الفروع والغرائب، عزيز الوجود، كامل «٩» ، وقفت على

стр. 659

معظمه، إلّا أنّ ترتيبه عجيب، صعب لمن يريد استخراج المسائل منه، وفيه أوهام «١» . وقد صنّف بعض الحمويّين الواردين إلى مصر عقب موت مجلّى كتابا لطيفا ذكر فيه أوهامه، ولم يذكر فيه شيئا طائلا، وأبان عن مجمل وعرض. ومنها «٢» كتاب «أدب القضاء» ، وكتاب «جوائز بعض المخالفين فى الفروع ببعض» ، صنّفه فى توجّهه إلى الحجاز الشريف. وله تصنيف فى المسألة السريحية. وكان جيّدا، حسن الخطّ «٣» ، حسن التعليق. وتوفى فى شهر ذى القعدة الحرام سنة ٥٥٠ هـ. وقيل: سنة ٥٥٥ هـ. وقيل سنة ٥٦٥ هـ «٤» . ومن مرويّاته التى رواها بسنده إلى أبى الدّرداء، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «المسجد بيت كلّ تقىّ، وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم الرّوح والرّاحة، والجواز على الصّراط إلى رضوان الله » (انتهى) . تربة الشيخ أبى عبد الرحمن رسلان «٥» : ثم تجىء إلى تربة الشيخ الصالح الفقيه أبى عبد الرحمن رسلان بن عبد الله المقرى الشافعى، يكنى أيضا أبا محمد، كان فى حال حياته مقيما بزاويته.

стр. 660

وحكى عنه أنه مرّ على رجل يبيع الحنطة، فسلّم عليه، وسأله أن يضع يده فى حنطته، فوضع الشيخ يده فى الحنطة، فأقام الرجل ثلاثة أيّام يبيع بيعا كثيرا، والقمح بحاله، فمرّ عليه فى اليوم الرابع رجل يهودىّ فوضع يده فى الحنطة ثم مضى، فنفد القمح فى الحال. وحكى عنه، رضى الله عنه، أنّ رجلا من أقاربه جاءه زائرا من بلاد الريف وأهدى له جرّة من اللّبن، فأخذها الشيخ منه، وأضافه فى تلك الليلة، فلمّا أصبح الصباح من اليوم الثانى قال الرجل: إنى أريد التّوجّه «١» ، فقال له الشيخ: اصبر. ثم عمد الشيخ «٢» إلى جرّته التى جاء بها، فملأها ماء، ودفع الجرّة له، وقال له: لا تفتحها إلّا فى بلدك. فأخذ الرجل الجرّة وسافر إلى بلده، فلما وصل إلى داره «٣» قال لامرأته: افتحى هذه الجرّة، ففتحتها، فوجدت عسلا صافيا من عسل النحل «٤» الجيد. وهذا من بعض كراماته. وكانت وفاته سنة ٥٧١ هـ فى ثانى عشر شوال. وممّا نقل أيضا من كراماته- وهو ما حكاه عبد الرّحمن السّلمىّ «٥» - أنه قال: كانت لنا بئر فى دارنا، وكانت مالحة لا يقدر أحد على الانتفاع بشىء من مائها لشدّة ملوحته، وكنت أتألم ألما شديدا لذلك «٦» . قال: فنمت فى بعض الليالى فرأيت قائلا يقول لى فى المنام: إذا أصبحت فاذهب إلى

стр. 661

الشيخ رسلان وأمره أن يتفل فيها «١» . قال: فلما أصبحت جئت إليه وأخبرته بالرّؤيا التى رأيتها، فضحك وقال: أفعل ما علىّ «٢» . ثم إنه قام معى إلى منزلى وتفل فى البئر، فعادت للوقت «٣» حلوة. (انتهى) . *** قبر الفقيه أبى القاسم عبد الرحمن بن رسلان «٤» : وإلى جانبه قبر ولده أبى القاسم عبد الرّحمن بن رسلان، كان إماما فقيها محدّثا، وهو الذي جدّد بناء المسجد المعروف، بوالده، الذي هو برأس اليانسية، ولمّا فرغ من بنائه قال لأصحابه: بقى المسجد محتاجا إلى بئر، وليس معنا ما نصرفه على عمارتها. ثم إنه نام تلك الليلة، فلما أصبح وصلّى الصّبح وجد صرّة تحت السّجّادة، ففتحها، فوجد فيها خمسة «٥» وعشرين دينارا، ووجد فيها رقعة، مكتوب «٦» فيها برسم عمارة البئر. ولم يعلم من أين جاءت. ***

стр. 662

قبر الفقيه أبى عبد الله محمد بن رسلان «١» : وإلى جانبه قبر أخيه أبى عبد الله «٢» محمد، كان ملازما لتلاوة القرآن، وكان خيّاطا. ذكر عنه أنه كان إذا خاط لأحد شيئا وجاءه بالأجرة، فإن كان ما دفعه حلالا وجد الطّوق مفتوحا، وإن كان حراما وجد الطّوق مسدودا إلى أن يأتى بأجود منه «٣» . وكان أبناء الدّنيا يدعون له الأموال فيأبى أن يقبلها «٤» . وكانت وفاته فى سنة ٥٩١ هـ. قبر الإمام أبى محمد بن أبى الفتح الكتامى الشارعى «٥» : وبجانبهم قبر الإمام أبى «٦» محمد بن أبى الفتح الكتامى الشارعى، المقرئ المحدّث الفاضل، سمع من البوصيرى، والقاسم بن علىّ الدمشقى، وعثمان ابن فرج العبدرى، وغيرهم. وأجاز له السّهيلى وغيره. ومولده- ظنّا- فى سنة ٥٥٨ هـ. وتوفى بالشارع، ظاهر القاهرة، فى ليلة الأربعاء الثانى عشر من جمادى الآخرة سنة ٦٣٩ هـ.

стр. 663

قبر أبى المنيع رافع بن دغش الأنصارى «١» : ثم تمشى إلى [الغرب] «٢» وأنت طالب تربة الشّافعىّ، [رضى الله عنه] تجد قبر أبى المنيع رافع بن دغش «٣» الأنصارى [﵀] . سمع الحديث «٤» ، وحدّث عن أبى القاسم مكى بن عبد السلام الرّميلى «٥» وغيره من العلماء. وروى عنه محمد بن إبراهيم بن ثابت بن فرج الكيزانى المقرئ الشافعى، وممّا رواه عنه أن عائشة أمّ المؤمنين قالت: قال رسول الله «٦» ﷺ : «العلم علمان، علم ثابت فى القلب، وعلم فى اللّسان، فذلك حجّة الله على خلقه» . ومات أبو المنيع شهيدا «٧» ، دخل عليه إنسان فى مسجده وهو جالس

стр. 664

فيه وحده، فذبحه فى المحراب «١» ، وذلك بعد صلاة الصبح، فاجتمع الناس، ولم يعلم قاتله. ثم غسّل وكفّن وصلّى عليه، وكانت له جنازة عظيمة، فلما كان فى الجمعة التالية «٢» ذبح رجل يهودىّ إلى جانب داره «٣» ولم يعلم قاتله، فرآه بعض أصحابه «٤» فى النوم، فقال له: من قتلك يا فلان؟ قال: قتلنى فلان، وهو الذي قتل الفقيه رافعا «٥» وهو فى المحل الفلانى. فجاء الرجل الرائى «٦» إلى الحاكم وأخبره، فأرسل خلف الرّجل، فجىء به، فلما وقف بين يديه سأله: أنت قتلت الفقيه رافعا «٧» وقتلت اليهودىّ؟ قال: فضرب ضربا شديدا، فأقرّ بالقتل، فقتل وطرحت جثّته، فجاء كلب «٨» وولغ فى دمه، فقال بعض العلماء: إنّى أعلم أنّ الكلب لا يلغ فى دم مسلم قطّ «٩» . وقتل رافع هذا فى يوم الأحد، سلخ «١٠» ذى الحجة سنة ٥٣٣ هـ.

стр. 665

قبر الشيخ أبى غلبون رجاء «١» : ثم تجد قبر الشيخ أبى غلبون رجاء- وقيل: أبى الزاهد- كان من عباد الله الصالحين، ويذكر عنه حكايات عجيبة وكرامات. وسمع الكثير، وحدّث عن أبى القاسم مكى بن عبد السلام الرّميلىّ وغيره. وروى بإسناده، أنّ النّبىّ، ﷺ قال: «من تطهّر فى بيته ثمّ أتى المسجد فسبّح الله فيه تسبيحة فى الضّحى، كتب الله له كأجر المعتمر المحرم، وإذا صلّى صلاة فى إثرها لا لغو فيها كانت فى علّيّين «٢» . ومن تطهّر فى بيته ثم [أتى] «٣» المسجد فصلّى فيه صلاة مكتوبة فى جماعة، كتب الله له كأجر الحاجّ المحرم» . وروى بسنده إلى أبى هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من أحد يغدو أو يروح إلى المسجد، ويؤثره على ما سواه إلّا وله عند الله نزل يعدّه له فى الجنّة كلما غدا وراح» «٤» . كما أن أحدكم إذا زار من يحب اجتهد فى كرامته. وقد جاء «٥» أبو غلبون هذا من الشام إلى ديار مصر واستوطنها، ومات بها، وكان يشار إليه بالزّهد والعبادة، وأفعال البرّ.

стр. 666

قبر الشيخ أبى الغنائم كليب بن شريف «١» : ثم تجىء إلى قبر الشيخ الوليّ كليب بن شريف «٢» الشامى، يكنى أبا الغنائم، كان من خيار مشايخ الشام وصلحائهم «٣» . وله كرامات نقلت عنه واشتهرت. حكى عن أبى محمد عبد الله بن شيبان «٤» - عرف بالرّدينى- أنه قال: «حججت سنة من السنين فى صحبة الفقيه «مجلى» وكان معنا الشيخ كليب، فخرج على القافلة جماعة من «العربان» «٥» قال: فأشرفنا على الهلكة، فصاح الفقيه «مجلى» : يا شيخ كليب أدركنا، أما ترى ما نحن فيه؟ فقال: لا تخف «٦» ، فإنّ أمام القافلة من يحرسها «٧» . فما برح كليب حتى جاءت جماعة إلى «مجلى» وقالوا: إن «العربان» لم يتعرضوا لأحد من الحجاج، وهنّئوه بالسلامة. فشكرنا الله تعالى على ذلك. فلما كان فى آخر الليل قلّ المأمن من القافلة، واشتد الحر، فقال الشيخ «مجلى» لإنسان: ائتنى بالشيخ كليب، فأتاه به، فقال له: انظر ما وقع

стр. 667

بالناس من العطش! فقال: السّاعة يسقون. فما استتمّ كلامه «١» حتى أشرفوا على عين ماء، فنزلوا وملئوا أسقيتهم، ثم طلبوا العين فلم يجدوها «٢» . وتوفى كليب فى سنة ٥٢٢ هـ. *** قبر الشيخ عبد الله بن برّى «٣» : ثم تجىء إلى قبر الشيخ عبد الله بن برّى بن عبد الجبّار بن برّى، يكنى أبا محمد، المقدسى الأصل، المصرى الدّار «٤» ، كان نحويّا لغويّا شائع الذّكر، مشهورا «٥» بالعلم، لم يكن فى المصريين مثله. مات سنة ٥٨٢ هـ «٦» . قرأ كتاب سيبويه على أبى بكر بن عبد الملك الشّنترينى «٧» المقرئ النحوى. وتصدّر للإقراء بجامع عمرو بن العاص، وكانت عنايته تامّة فى تصحيح

стр. 668

الكتب، وكتب الحواشى عليها بالأحمر، وله على صحاح الجوهرى حواش أخذ فيها عليه، وشرح بعضه فيها، وزيادات أخلّ بها، ولو تمّت لكانت «١» عجيبة. وكان مع علمه وغزارة فهمه ذا غفلة «٢» ، وسلامة صدر، وكان لا يهتم بهيئته «٣» . يحكى المصريون عنه حكايات عجيبة، منها: أنه اشترى لحما وخبزا وبيضا وحطبا وحمل الجميع فى كمّه، فلما جاء «٤» إلى منزله وجد أهله قد ذهبوا لبعض شأنهم والباب مغلقا، فتقدم إلى كوّة «٥» هناك تنفذ إلى داره، فجعل يلقى منها الشيء بعد الشيء، ولم يفكر فى تكسير البيض وأكل اللّحم والخبز إذا خلت به الدار. وحكى أحدهم عنه أنه اشترى عنبا وجعله فى كمّه «٦» ، وجعل عليه المحفضة «٧» حتى جرى ماء العنب على رجليه، فقال لى: أتحسّ المطر؟! فقلت: لا! فقال: فما الذي ينقط على رجلى؟ فتأمّلته فإذا هو من العنب، فأخبرته فخجل واستحى. ويحكون عنه من الحذق «٨» وحسن الجواب عمّا يسأل عنه، ومواضع المسائل من كتب العلماء ممّا يتعجّب منه، فسبحان الجامع بين الأضداد!

стр. 669

وكان إليه التصفح «١» فى ديوان الإنشاء، لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملك من ملوك النواحى إلّا بعد أن يتصفحه ويصلح ما فيه من خلل خفّى، كما كان يفعل ابن بابشاذ «٢» . وكان مقيما بمعرفة كتاب «سيبويه» «٣» وعلله، قيّما باللغة والشواهد. وقرأ عليه جماعة، منهم: أبو العباس أحمد بن الحطيئة، وكان ثقة، وأبو موسى الجزولى «٤» من تلامذته، وأجاز جماعة ممّن أدرك «٥» عصره من المسلمين. قال الشيخ شمس الدين محمد بن خلّكان: قرأت ذلك بخطّ أحمد ابن الجوهرى عن خطّ حسن بن عبد الباقى الصّقلّى، عنه. وله مقدمة سمّاها «اللباب» «٦» ، وحواشيه على الصّحاح فى مجلّدين، وصل فيه إلى «قوش» من باب الشين المعجمة، وهو ربع الكتاب، وكمّل عليه الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأنصارى البسطى إلى آخر الكتاب، فجاءت التكملة فى ستة «٧» مجلدات، فصار جملة المصنّف ثمانية «٨» مجلدات، واسم هذا الكتاب: «التنبيه والإيضاح عمّا وقع فى كتاب الصّحاح» «٩» . وهو جيّد للغاية.

стр. 670

وقال ابن برّى: كان سبب تعلّمى للنحو بيت من الشّعر «١» : تكاد يدى تندى إذا ما لمستها ... وينبت فى أطرافها الورق الخضر «٢» فقيل له: وكيف ذلك؟ فذكر «٣» أنه رأى فيما يراه النائم أنّه ولد له [ولد] «٤» كأنّ فى يده رمحا طويلا فى رأسه قنديل، وقد علّقه فى صخرة بيت «٥» المقدس، فلمّا أصبح أخبر برؤياه المعبّر «٦» ، فقيل له: إنك ترزق ابنا يرفع ذكره بعلم يتعلّمه. فلما رزقنى وبلغ خمس عشرة سنة «٧» حضر إلى دكّانه رجل يعرف بظافر الحدّاد، ورجل يعرف بابن أبى حصينة، وكلاهما مشهور بالأدب، [وكان يقرأ فى قصيدة فلما وصل] «٨» إلى البيت المذكور كسر الرّاء من «ورق» فضحك الرجلان عليه للحنه. فتذكرت تفسير منامى «٩» ، لعلّ الله يرفع به ذكرى، فقلت له: أىّ العلوم تريد أن تقرأ؟ فقال لى: أقرأ فى النحو حتى أتعلّم «١٠» . قال: فكنت أقرأ على الشيخ أبى بكر محمد بن عبد الملك بن السراج- ﵀ ثم أجىء فأعلّمه «١١» (انتهى) .
следующие страницы →