← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أشك أن في أهل الحرم الشريف مع الرماة رماة بسهام الأسحار، ومجاهدون وبالمحاورة ما خرجوا ولا بعدوا عن البيكاد وكلا وعد الله الحسنى) (١).

стр. 1052

الشوبك والشوبك [¬١] المنسوب إليه الكرك مدينة صغيرة أكثر في البر دخولا منها، وانحرافا إلى التغريب في القبلة عنها ذات أكواب من جداول الأنهار موضوعة وسرر من مقاعد (١) الأبراج مرفوعة [¬٢] وفاكهة كما قال الله تعالى في الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة [¬٣]. قلت: والشوبك فتح وقت فتح الكرك بعد أن دام الحصار سنتين على الكرك وأقطعها الملك الناصر لأخيه الملك العادل ولم يزالا في يده حتى أعطاهما لولده الملك المعظم عيسى، فصرف إليهما العناية حتى نزّل الكرك مدينة يعنى (٢) بنفسها وزادها تحصينا وتحسينا، وجلب إلى الشوبك غرائب الأشجار حتى تركها تضاهي دمشق في روائها وتدفق مائها وتزيد بطيب هوائها. قلت: وذكر ابن جرير كورة الجبال فقال: (وقد أحدثت بها مدينة تسمى الكرك، وقال البلاذري: في كتاب فتوح البلدان أن مدينة هذه الكورة الغرندك) (٣). وأما أعمال الكرك (فهي أربعة؛ زغر [¬٤] وهي مدينة قديمة حارة متصلة

стр. 1053

بالبادية، وبها (تل) جيد، ومعان [¬١] وكانت مدينة قديمة خربت هي وعملها (١)، ومؤته وهي باقية وواضعها معروف، وبها قبر جعفر بن أبي طالب ﵇ [¬٢]، والشوبك وهو محدث كما ذكرنا) (٢).

стр. 1054

غزة وغزة [¬١] وهي مدينة بين مصر ودمشق، بها دفن هاشم بن عبد مناف [¬٢] وبها ولد الشافعي [¬٣] ﵀، وهي مبنية بالحجر والكلس، مونقة البناء، على نشز عال، على نحو ميل عن البحر الشامي، ذات هواء صحيح، وماء مصرفها خم، لا يستلذ، وشرب أهلها من الآبار، ولها مجمع للمطر، يدوم به ماء الشتاء، لكنه يستثقل. (المخطوط ص ٢٨١) ولها فواكه كثيرة أجلها (١) العنب والتين وبها مرستان [¬٤] (٢) بناه هذا السلطان أثابه الله لحوج ما كانت المارة إليه في مكانه، وبها من المدارس والترب (ما ازدانت به) (٣)، وهي نيابة جليلة، وبها طائفة من العسكر والعرب والتركمان. وهي آخذة من البر والبحر جانبيها متصلة بتيه بني إسرائيل، من قبليها موضع زرع وماشية، وموضع (٤) مجمع حاضرة وبادية، وقرارية أهلها عشر، أن

стр. 1055

بعضهم عدو لبعض لولا مهابة الدولة لاخمدت فيها نار، ولا ألم فيها بالجفون غرار، لا يطمئن فيها ساكن، ولا يستقر ظاهر ولا باطن. ومما استجد مضافا إلى هذه المملكة فهي البلاد الجهانية، ومحل النيابة بها مدينة إياس وهي الآن عامرة آهلة، وكذلك كاوزه واستفيد كار ونصف المصيصة، لأن الذي استقر للمسلمين هو كلما هو إلى هذه (١) الجهة الشامية من جهان ونصف إذنه منه ونصفها الآخر قاطع جهان من جهة الأرض فهو لهم، وأما ما خربه المسلمون وبقى عملهم بهم الهارونية وحميص وتل حمدون (٢) والنقير وكل ذلك من دون جهان إلى الشام، وكذلك ما استجد قلعة جعفر وهي شرقي الفرات وقلعة درنده، وهي قاطع بهسني إلى الروم، فهذه جملة هذه المملكة.

стр. 1056

فائدة جليلة تتعلق بذكر غزة (١) قالوا يجوز أن يكون اسمها مأخوذا من الغز والغز الشذق وهما غزان سميت بذلك لأنها في فم الشام مما يلي شقة البحرى، ويكون مأخوذا من قول العرب أغزت البقرة فهي مغز إذا عسر حملها سميت بذلك لعسر السير إليها على الناس والدواب للرمل المتاخم لها، وتعرف في القديم بغزة هاشم، سميت بهاشم بن عبد مناف جد رسول الله ﷺ ، وإليها كانت رحلة قريش هي إحدى الرحلتين المذكورة في القرآن، رحلة الشتاء والصيف [¬١] وهي الصفية منها، وكان عليها حصن منيع قد بقيت منه بقية إلى الآن (المخطوط ص ٢٨٢) هدمته قيس، لما جاء إليها بعض قبائل اليمن وفيها يقول أبو عامر السلمي في قصيدته المسماة بالذاهبة وهي ثلاثمائة بيت يهجو بها اليمن ويذكر مثالبهم في القرآن والأخبار، ويذكر مناقب قريش: [الوافر] ونحن الموقدون على حروري … ونحن لحصن غزة هادمونا وفي غزة قبر هاشم بن عبد مناف، وبذلك قيل لها غزة هاشم، وهاشم أول من مات من بني عبد مناف، وكانوا أربعة أخوة؛ هاشم هذا وقبره بغزة، ثم مات بعده أخوه عبد شمس وقبره بمكة بالحجوان، ثم مات بعده أخوهما نوفل بطريق العراق بموضع يقال له سلمان وقبره هناك، ثم مات بعده أخوه المطلب بأرض اليمن في موضع يقال له ردمان وقبره هناك، فهؤلاء بنو عبد مناف الأربعة. (تتمة في ذكر سبب سفرهم الموجب لموت من مات منهم غريبا) اتفقوا على أنه كان لعبد مناف خمسة بنين وهم سادة قريش كلها هاشم

стр. 1057

والمطلب ونوفل وعبد شمس، وأبو عمرو ومات صبيا ولم يكن له خبر مع إخوته، وكانت العرب وقريش كلها تسمى بني عبد مناف هؤلاء الأربعة فضاح النضار لشرفهم وجمالهم وبهائهم، وكانت قريش كثيرة التجارة إلا أنهم كانوا لا يخرجون من مكة والحجاز، وكانت الأعاجم تأتيهم بالبضائع فيشترون منهم ويبيعونهم، فأقاموا على ذلك زمانا طويلا حتى ركب هاشم بن عبد مناف فخرج إلى الشام فنزل بقيصر ملك الروم. واسم هاشم يومئذ عمر العلي، فكان يذبح كل يوم شاة، ويصنع جفنه ثريد ويجعل اللحم عليها أوصالا، ويدعو من حوله فيأكلون معه، وكان هاشم من أحسن الناس وجها، وأكرمهم أخلاقا، فقيل لقيصر ها هنا رجل قريش يهشم الخبز، ويصب عليه المرق (الخطوط ص ٢٨٣) ويجعل عليه اللحم، وإنما كانت العجم تجعل المرق في صحاف واللحم في المرق ويلتدمون بذلك، ولم يكونوا رأوا الثريد فسمى هاشما بهشيم الثريد، وفيه يقول شاعرهم بمكة: [الكامل] عمرو العلى هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف وهذا أول من فعله من العرب والعجم، فدعاه قيصر، فلما رآه وكلمه، أعجبه إعجابا عظيما، فقال له هاشم: أيها الملك إن لي قوما هم تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتابا تؤمنهم فيه على أنفسهم وما معهم من المال والبضائع وغير ذلك فإنهم يقدمون عليك بما تستظرفه من أدم الحجاز وثمره وغير ذلك مما يصير إليهم ولا يبلغك من طرف البلاد، فأمر أن يكتب له كتاب جامع للعرب، وأخذه هاشم وسار فصار كلما جاء حيا من أحياء العرب على طريق الشام أخذ من أشرافهم إيلافا، والإيلاف أن يأمنوا عندهم وفي أرضهم على أنفسهم وأموالهم، وأخذ هاشم الإيلاف من جميع القبال ممن بينه وبين الشام حتى قدم مكة، فأتاهم بشيء لم يأتهم بمثله أحد قط فسروا بذلك سرورا عظيما، وخرجوا

стр. 1058

بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يحوطهم ويؤمنهم ويجمع بينهم وبين رؤساء العرب في جميع طريقهم حتى ورد بهم الشام فأحلهم غزة ومات هاشم في ذلك السفر، فدفن بغزة. [¬١] ثم خرج أخوه المطلب إلى اليمن ففعل كفعل هاشم بالشام، وأخذ من ملوك اليمن عهدا لمن يجيء ويسافر إليهم من قريش، ثم أقبل يأخذ الإيلاف ممن يمر به من العرب حتى أتى مكة كما فعل هاشم، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف، وكان يسمى الفيض لكرمه وهلك عبد المطلب بردمان من أرض اليمن في سفرة سافرها. وخرج عبد شمس بن عبد مناف إلى ملك الحبشة فأخذ منه كتابا وعهدا لمن يجيء من قريش، ورجع يأخذ (المخطوط ص ٢٨٤) الإيلاف من كل من مر به من العرب من بلاد الحبشة إلى أن أتى مكة كما فعل هاشم والمطلب، فمات بمكة وقبره بالحجون، وكان أكبر من هاشم. وخرج نوفل بن عبد شمس بن عبد مناف، وكان أصغر من إخوته إلى العراق، فأخذ عهدا من كسرى، ثم عاد يأخذ الإيلاف إلى أن أتى مكة، ثم رجع تاجرا إلى العراق، فمات بسلمان في طريق العراق. تنبيه البيت المقدم ذكره اختلف فيه، وأصح الروايات أنه لابن الزبعري، والزبعري في اللغة التعبير اللازب الكثير شعر الأذنين والرأس، وفيه قصر وغلظ، وهو من قصيدة له في هاشم وإخوته على أقواء في البيت الآخر منها وهي: [الكامل] يا أيها [¬٢] الرجل المحول رحله … هلا مررت بآل عبد مناف

стр. 1059

هبلتك أمك لو مررت بدارهم … لحموك من جوع ومن إقراف المطعمون إذا الرياح تناوحت … والظاعنون لرحلة الإيلاف والآخذون العهد من أكفافها … والناهشون لمقدم الأضياف عمرو العلى هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مستنون عجاف قلت: وهذه خاتمة في ذكر الرحلة، جر الكلام إليها قربها من غزة، يقال أن الذي أحدثها سليمان بن عبد الملك بن مروان [¬١]، وإن مدينة فلسطين كانت قبلها له، وأن سليمان وليها من قبل أبيه، وهو صبي، وكان معه من قبل أبيه من يدبره، ويشير عليه، والاسم في الإمارة لسليمان، وكان إلى جانب كنيسة لد بستان، حسن العمارة مليح الموضع، كثير الفواكه، وكان سليمان كثيرا ما يستحسنه، ويجلس فيه، ويستطيبه، فقال يوما للشيخ الذي يرجع إلى رأيه، وكان يسمى رجاء بن حيوة: أحب أن تشتري لي هذا البستان حتى أبني فيه من الأبنية ما يصلح لثلثنا، فكان البستان للقسيس الذي يتولى أمر الكنيسة، وأحضره رجاء وقال (المخطوط ص ٢٨٥) له ذلك فقال: سمعا وطاعة أحضرني القاضي والشهود حتى أشهد على نفسي بذلك، وأفرغ منه الساعة، فأحضرهم وحضر القسيس فقال لهم جميعا: ألستم تعلمون أن هذا البستان لي، وفي ملكي ويدي، لا مانع لي ولا معارض لي فيه؟، فقال له القاضي والشهود: نعم؛ يريدون بذلك تصحيح الملك، ليصح البيع، فقال لهم: أشهدوا الآن أنى قد حبسته على الكنيسة حبسا تبتلا لا رجعة لي ولا مثنوية فيه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فسقط في أيديهم وتم مكره، وعظم ذلك على من حضر،

стр. 1060

وهم سليمان بقتله، فمنعه من ذلك رجاء، ورفق به وشاغله، وقال له: سربنا نتفرج ونبرم أمرا يكون فيه هلاك الكنيسة وغيرها، فركبا، وأمر سليمان أن لا يتبعهما أحد، فلما فصلا من لد رأيا بيتا من الشعر مضروبا على ربوة من الأرض هي الآن موضع المصلى، وكان الحر قد اشتد، فقال له رجاء أعدل بنا إلى هذا البيت لتنظر من به، ونريح فيه إلى أن يبرد النهار، فقربا من البيت، وسلما على من فيه وهما لا يريان أحدا، فبرزت لهما منه امرأة ذات برقع ردت ﵉ بأحسن رد ولفظ، وسألتهما النزول عندها بلسان فصيح وعزم صحيح، فنزلا، وسألتهما أن يتخففا ويستريحا عندها، وأعجبهما فعلها، ونسى سليمان أمر البستان إعجابا بكرمها وعقلها، وسألاها عن اسمها فقالت: رملة وعرفتهما أن لها بعلا في ماشية اسمه لدّ، وعرضت عليهما الغداء واللبن، وقالت عندي اللبن الحلو واللبن الحامض والخبز الحار والخبز البارد، لأن إيثاري يخالف إيثار بعلى في الطعام، وأنا أعد له ما يؤثر، وأعد لنفسي ما أشتهيه، وقدمت لهما في كل شيء من ذلك، وثردت لهما، وقد ذهلا من حسنها وجمالها وأدبها وحسن فعلها في جميع ما تحاوله، وأقسمت عليهما ليأكلان، وقالت: لو جاز لي أن آكل معكما لفعلت، والطعام يدعو الكرام (المخطوط ص ٢٨٦) إلى نفسه، فأكلا ونظرا إلى ما حول البيت من الشجر والضياع وغير ذلك، فاستحسنا الموضع، وإشرافه على ما حوله من العمارة. فقال رجاء لسليمان: لو أمرت ببناء دير ها هنا للنصارى ومسجد للمسلمين، وأمرت في النداء بالناس من أحب أن يكون في حمى من المسلمين والنصارى، فليبن دارا إلى جنب مسجده وديره، لصارت مدينة، ولتعطلت الكنيسة بالدير، وهذا الموضع أحسن من موضع لد، وأعلى، ففعل ذلك، وتبادر الناس من كل أدب من المسلمين والنصارى يحيطون المنازل والقصور على قدر

стр. 1061

هممهم ونعمهم. وكان سليمان خط مسجدا صغيرا ودارا للإمارة لطيفة، فقال له رجاء: غيّر هذا فإنها ستكون مدينة عظيمة فخط مسجدا عظيما كبيرا ودارا واسعة، وهو هذا الجامع، وهذه الدار المعروفة بدار الإمارة. ثم أن سليمان أراد هدم الكنيسة وأخذ رخامها وعمدها للجامع فراجعه رجاء عند ذلك، وبعث إلى عبد الملك يخبره بما فعل القسيس من غدره ومكره وما فعلاه من بناء المدينة والجامع، وكتب عبد الملك إلى ملك الروم وكان الإسلام في ذلك الوقت ظاهرا على الروم، فأنقذ ملك الروم إلى عبد الملك من دله على موضع أخرج منه عمدا لم ير مثلها في الاعتدال والحسن، وأخرج معهما رخاما منشورا، وغير منشور ما كفى الجامع وفضل عنه. يقال أنه كان في ضيعة من الداروم [¬١]، داروم وغزة، يقال لها عمودا، وكان أكثر ما نال النصارى من ذلك أن ملك الروم ألزمهم نقل العمد والرخام من عمود إلى الجامع وسميت المدينة الرملة باسم المرأة المقدم ذكرها، وأحسن سليمان إليها وإلى بعلها.

стр. 1062

السفر الرابع: ممالك اليمن والغرب الإسلامي وقبائل العرب المحقق: د. حمزة أحمد عباس

стр. 1063

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

стр. 1064

هذا الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فهذا هو السفر الرابع من "مسالك الأبصار في ممالك الأمصار" لشهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل اللّه العمريّ الدمشقيّ المتوفى بها سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٩ م، وفيه من الباب السابع إلى الباب الخامس عشر، وقد اختصّ به صاحبه ممالك الإسلام في اليمن، والغرب الإسلاميّ في امتداده الإفريقيّ (شمال ووسط إفريقية)، والأوروبيّ (الأندلسي)، إضافة إلى باب خاصّ عقده في ذكر العرب الموجودين في زمانه "لمناسبة بينه وبين الأبواب السابقة، إذ مساكن العربان متخللة لأكثر الممالك (المذكورة)، أو مجاورة لها" (١) على حدّ تعبيره. وقد بدأ العمريّ كتابه هذا في سنة ٧٣٨ هـ/ ١٣٣٧ م، واستمرّ به حتى سنة وفاته، ومات ولم يكمله، واعتمد في تصنيفه على طائفة من المصادر الخطية والشفهية تبدو أهميتها في الجانب الأول في الاحتفاظ بنصوص باتت مفقودة في وقتنا الحاضر كتلك النصوص التي نقلها من كتاب "المغرب في حلى المغرب" لابن سعيد المغربي (٢) (ت ٦٨٥ هـ/ ١٢٨٦ م)، وفي الجانب الثاني في التوفر على معلومات وأخبار تتعلق بالممالك - موضوع الكتاب - نقلها عن رجال زاروا تلك الممالك، أو أقاموا فيها، أو خدموا لدى سلاطينها. _________ (١) انظر ما يلي، ص ٢٣٩. (٢) المراد هنا القسم الخاص بإفريقية والمغرب من الكتاب المذكور، ويتألف من ثلاثة أسفار، وهو مفقود، وقد استخدمه العمري بصورة واسعة.

стр. 1065

أما حضوره الشخصيّ في سياق الكتاب فيبدو محدودا لا يتعدى مواضع معدودة، قيّد فيها ما شاهده أو لمسه بنفسه في مصر، (١) والشام، (٢) والحجاز (٣) مما يتصل بموضوع الكتاب، إضافة إلى بعض المداخلات والتعليقات التي عبر عنها بقوله: "قلت"، ولعلّ العمريّ قد وجد في مصدريه السالفين (الخطيّ والشفهيّ) ما يحقق الغرض الذي من أجله شرع في تأليف موسوعته وهو معرفة ممالك الأرض، وأحوال كلّ مملكة في عصره، ومن بينها ممالك الإسلام في هذا الكتاب، خاصة وأنّ الأدوار الرفيعة التي شغلها في سلطنة الناصر محمد بن قلاوون (ت ٧٤١ هـ/ ١٣٤١ م) ومن بينها رئاسة ديوان الإنشاء، والدوادارية (ومنها قراءة البريد على السلطان) قد أتاحت له تكوين صورة وافية عن العالم الخارجيّ، كما هيأت له الاتصال بمصادر وقنوات إخبارية متعددة ومتنوعة. ولقد سبق لكتابنا هذا أن ظهر في أجزاء متفرقة، وفي أزمان متباعدة، وعلى أيدي ناشرين مختلفين: * فقد نشر أيمن فؤاد سيد الباب السابع الخاصّ بمملكة اليمن عن دار الاعتصام في القاهرة سنة ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م. وأعاد نشره مع الباب السادس (مملكة مصر والشام والحجاز) عن المعهد الفرنسيّ للآثار الشرقية في القاهرة سنة ١٩٨٥ م. * ونشر مصطفى أبو ضيف أحمد الأبواب من (٨ - ١٤) الخاصة بممالك المسلمين في _________ (١) ص ٣٨، ٤٢، ٥١، ١١٦، ١١٨ - ١١٩، ١٥٤. (٢) ص ١٥٤. (٣) ص ٤٥.

стр. 1066

إفريقية سنة ١٩٨٨ م. * ونشر حسن حسني عبد الوهاب منه وصف المغرب والأندلس في تونس سنة ١٣٤١ هـ. * ونشرت الألمانية دوروتيا كرافولسكي (D.Krawulsky) الباب الخامس عشر الخاصّ بالقبائل العربية عن المركز الإسلاميّ للبحوث في بيروت سنة ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٥ م. وها نحن نقوم بلمّ شتات هذه الأجزاء، وضمّ عناصرها بعضها إلى بعض في خطوة تعيد لهذه الموسوعة وحدتها التي أرادها لها المؤلف، دون أن يعني ذلك الانتقاص من جهود من سبقونا في مصافحة الكتاب، والتعرف عليه، وكما يقول سعيد بن المسيّب فيما نقل عنه: "إنه ليس من شريف ولا عالم ذي فضل، يعني من غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه، وهب نقصه لفضله".

стр. 1067

منهج التحقيق ١ - وصف النسخ المعتمدة اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على مصورة الأستاذ العلامة الدكتور فؤاد سزكين عن تتمة الجزء الثاني وتمام الجزء الثالث لنسخة مكتبة أحمد الثالث (Top Kapi Saray) رقم: ٢٧٩٧ (١)، وهي نسخة كتبت في الأصل برسم خزانة السلطان المملوكيّ الملك المؤيّد شيخ ابن عبد الله المحمودي (ت ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ م)، وأوقفها صاحبها المؤيّد على طلبة العلم بجامعه (المؤيدي) في القاهرة. يقع القسم الأول (التتمة) في (١٠٩) صفحات، من الصفحة (٤٦٢ - ٥٧٠)، ويغطي الأبواب (٧ - ١٤). أما القسم الثاني (الجزء الثالث) فيقع في (٧٥) صفحة بما فيها العنوان من الصفحة (١ - ٧٥)، وهو خاصّ بالباب الخامس عشر فقط. وبالرغم من أنّ القسمين ينتميان إلى "نسخة"، أو "سلسلة" واحدة إلا أنّه لا يوجد ما يدعو إلى الاعتقاد بنسبتهما إلى ناسخ واحد (قارن بالنموذجات المصورة) وإن كانا يشتركان في صفة واحدة تكاد تكون ملازمة لكلّ منهما، وهي كثرة التصحيفات والتحريفات والأخطاء الواردة فيهما، وبصورة تضيق عن الحصر والاستيعاب. أما الرسم الذي اتبع في كتابة هذه النسخة فيصعب حصره تحت قاعدة ثابتة حتى داخل الصفحة الواحدة، وخاصة فيما يتعلق بكتابة الهمز، والألف المتوسطة في الأسماء، وألف ابن، فقد تظهر في مواطن، وتختفي في مواطن أخرى، وقد يتصل العدد بالمعدود في _________ (١) صدرت هذه المصورة عن منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في فرانكفورت بألمانيا سنة ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨ م.

стр. 1068

الأعداد من (٣٠٠ - ٩٠٠) وقد يفصل ما بينهما. أما في مجال التنقيط، فقد توضع نقطتان تحت الكلمات المنتهية بألف مقصورة، في حين تترك الياء في الكلمات المنتهية بياء بغير إعجام، وبالعكس. وفيما يخصّ الشكل، فإن النسخة بقسميها تبدو شبه مشكولة، وإن كان القسم الثاني (الباب الخامس عشر) يتميز بجدية أكثر في هذا المجال. كما اعتمدت في تحقيق الباب الخامس عشر - إلى جانب نسختنا السالفة - على مطبوعة كرافولسكي لهذا الباب، واعتبرتها نسخة ثانية، ورمزت لها على مدار التحقيق بالحرف (ك). وقد أمكن لي عن طريق هذه المطبوعة ضبط بعض الكلمات أو العبارات غير الواضحة أو الساقطة في نسختنا، خاصة وأن كرافولسكي حشدت في تحقيقها إلى جانب نسختنا نسختين أخريين هما: نسخة آيا صوفيا، رقم: ٣٤١٧، ونسخة بودليانا (أكسفورد)، رقم: ٢٨٨، فضلا عما تميزت به كرافولسكي من معرفة واسعة بالتاريخ والتراث الإسلاميين، الأمر الذي أتاح لها تقديم قراءة راقية للنص، وأتاح لنا في الوقت نفسه الانتفاع بهذه القراءة. واعتمدت أيضا على "صبح الأعشى في صناعة الإنشاء" للقلقشنديّ (ت ٨٢١ هـ/ ١٤١٨ م)، واعتبرته نسخة ثالثة، إذ لا يخفى حجم النصوص التي استمدّها القلقشنديّ حرفيا من "المسالك"، وأودعها في "صبحه"، غير أنّ العود إلى "الصبح" لم يكن كلّه أحمد، فقد أدى التباين في رسوم بعض الأسماء (أسماء الأشخاص، والقبائل، والأمكنة،

стр. 1069

والحيوان، والنبات) ما بين نسختنا من "المسالك" ونسخة القلقشنديّ إلى ضياع الصورة الحقيقية لهذه الأسماء، وزاد الأمر تعقيدا أنّ النسخة التي استخدمها الناشرون من دار الكتب المصرية في معارضة "الصبح"، قد خالفت في العديد من المواضع النسختين السالفتين معا، بحيث يمكن القول: إنّ فائدتنا من "الصبح" في المواطن التي تطلب فيها الفائدة، ويصبح الظفر بها ضرورة ملحة كانت معدومة، أو شبه معدومة. ولقد كان يمكن ل "قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان"، و"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" أن يسدّا جانبا من الثّلمة ما بيننا وبين "الصبح" في موضوع القبائل لولا أنّ يد التحريف قد طالتهما أيضا حتى إنك لتجد أحيانا للاسم الواحد في المصادر الثلاثة عدة رسوم وصور مختلفة، وكلّها لمؤلف واحد! (١). _________ (١) وهذا ما يستوجب التحقيق العلمي لهذه المصادر لما تتمتع به من مرجعية عالية في مجال الدراسات التاريخية.

стр. 1070

٢ - خطة العمل ما من شك، فإنّ نشر المادة التاريخية بالصورة التي وصلت فيها إلينا بدعوى الحفاظ على الأصل أو النصّ، لن يعدو أن يكون سوى إضافة مصورة جديدة إلى مصوراتها المحفوظة في المكتبات مهما بولغ في ترتيبها، وتزيينها، وحسن إخراجها، ناهيك عما لهذه الخطوة من مخاطر؛ كأن ننسب إلى المؤلف ما هو في الحقيقة من أخطاء الناسخ، أو تأخذنا مكانة المؤلف فننسب للناسخ ما هو في الحقيقة من أغلاطه، علما أن صحة النصّ وسلامته لا تتأتيان إلا باستنقاذه من كلّ ما علق به من أخطاء، وهو ما عملت جاهدا على تحقيقه في هذا الكتاب، يحدوني إلى ذلك أمل الوصول إلى ما كان ينوي المؤلف فعلا أن يقوله - خطأ كان أم صوابا - وأحسبني - ولا أزكي نفسي - قد قطعت شوطا ملحوظا في هذا المضمار على صعيدي الشكل والمضمون: فعلى الصعيد الأول (١): ١ - احتفظت بالترقيم الأصليّ لصفحات المخطوط، وذلك بتخصيص قوسين داخل السياق لهذا الغرض. ٢ - كتبت النصّ وفق الرسم الكتابيّ الحديث والمتداول، متداركا بذلك ما قد سلف من الرسوم، وهو ما تطّلب مني تحقيق الهمز، وإثبات الألف المتوسطة في الأسماء، وحذف همزة (ابن) في حال وقوعها صفة مفردة بين علمين (اسم، كنية، لقب)، وكذلك حذف ألف "مائة" والفصل بينها وبين العدد. _________ (١) انظر أيضا ما يلي من الرموز المستعملة في التحقيق.

стр. 1071

٣ - قمت بضبط النصّ بالشكل استكمالا للصورة الأولية له، وهي صورة شبه مشكولة كما أسلفت. ٤ - أصلحت المواضع التي خرج فيها النصّ عن أحكام الإعراب، ووضعتها بين حاصرتين، ونبهت إليها في الهامش. ٥ - صوبت الأخطاء الكتابية التي لا يخفى صوابها على أحد، والتي لا يمكن أن تقرأ بغير الوجه الذي أثبتّها عليه، ولم أر ضرورة للتنبيه إليها، إذ لا فائدة ترتجى ولا حقيقة تجتلى من وراء ذلك، سوى أن تغمر الحواشي وجه النص، خاصة وأنّ هذه الأخطاء لا تعدو أن تكون من جنس الأخطاء الطباعية في وقتنا الحاضر. ٦ - أصلحت الكلمات والعبارات التي لحق بها طمس، أو محو، أو اضطراب، وأما ما استعصى على القراءة منها فقد مثلت له بنقاط، بحيث تدلّ كلّ ثلاث نقاط على كلمة واحدة. ٧ - أضفت إلى النصّ ما احتيج إليه من حروف، أو كلمات، أو عناوين اقتضاها السياق، وميزتها عن المتن بوضعها بين قوسين مكسورين: <> وأما على الصعيد الثاني: ١ - فقد قمت بردّ ما وقفت عليه من النصوص المنقولة إلى مصادرها الأصلية، ونبهت إلى طريقة المؤلف في استخدامها. ٢ - قمت بمناظرة الحوادث والأخبار الواردة في النصّ بما ورد بشأنها في المصادر التاريخية، وأشرت إلى ما بين رواية المؤلف وبين هذه المصادر من فروق، ورجّحت ما رأيته منها

стр. 1072

صوابا. ٣ - أصلحت الأخطاء الجغرافية والتاريخية الناجمة عن السهو، أو التي دلت قرينة واضحة من النصّ نفسه أو مصدر آخر على صوابها، ووضعتها بين حاصرتين، ونبهت إلى الأصل في الهامش. وأما ما خالطني فيه تردد، أو كان له وجه آخر يحمل عليه فقد أبقيته على حاله منبها إليه في الهامش. ٤ - خرّجت الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، والأشعار. ٥ - عرّفت أسماء الأعلام، والشعوب والقبائل والجماعات، والأمكنة (١)، وغيرها من أسماء الحيوان، والنبات، والملابس، والنقود، والمكاييل والموازين والمقاييس، سواء وردت هذه الأسماء نصا في السياق أو كانت هي المعنية فيه، أما المواضع التي تكفّل النصّ بتعريفها فقد اكتفيت بالإحالة إلى المصادر والمراجع الخاصّة بها تحاشيا للتكرار. ٦ - كما شرحت الألفاظ اللغوية والمصطلحات الفنية والحضارية، ووقفت بالتعليق على كلّ ما رأيته جديرا بالتعليق خدمة للنصّ، وسعيا وراء تأمين أكبر قدر من الاتصال بينه وبين القارئ. هذا، ولن يفوتني في الختام أن أتوجه بالتحية إلى أسرة المجمع الثقافي، القائمين على نشر موسوعة «مسالك الأبصار» باذلين جهدا في سبيل إحياء تراثنا. كما أحيي الأخ محمد حماد جاسم على ما تحلى به من صبر وحلم وطول أناة في أثناء _________ (١) لا أخفي أن طائفة من هذه الأسماء غير المشاهير ظلت عصية على التعريف، إذ لم أجد لها ذكرا فيما بين يدي من المصادر، وإن وجد فهو معاد مكرر لا ينطوي على أيّ إضافة، وبعضه منقول عن مؤلفنا نفسه.

стр. 1073

طباعة الكتاب، وفي جميع مراحل التحقيق. "ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله" والله الموفق للصواب، وهو يهدي إلى سبيل الرشاد د. حمزة أحمد عباس ثغر الحديدة ٥ جمادى الآخرة ١٤٢١ هـ ٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٠ م

стр. 1074

٣ - الرموز المستعملة في التحقيق الأصل: تتمة الجزء الثاني، وتمام الجزء الثالث لنسخة مكتبة أحمد الثالث بإستانبول (Top Kapi Saray)، رقم: ٢٧٩٧ المؤلف: ابن فضل الله العمري. ك: مطبوعة كرافولسكي للجزء الثالث (الباب الخامس عشر). (): هذان القوسان العاديان لحصر أرقام صفحات المخطوطة. (): هذان القوسان لحصر الآيات القرآنية الكريمة. "": هاتان الفاصلتان المزدوجتان لحصر: - الأحاديث النبوية الشريفة. - النقول والاقتباسات الحرفية. - أسماء الكتب. : هذه النقاط تستخدم للدلالة على الكلمات غير المقروءة، أو البياض الواقع في الأصل بحيث تدل كل ثلاث نقاط على كلمة واحدة. []: هاتان الحاصرتان تستخدمان لحصر. - ما نقل من حاشية المخطوط إلى المتن. - ما زيد على النص من مصادر أخرى. - ما صوب من أخطاء، سواء من قبلنا، أو استنادا إلى مصادر أخرى. <>: هذان القوسان المكسوران يستخدمان لحصر كل ما احتيج إليه من حروف، أو كلمات، أو عناوين اقتضاها السياق.

стр. 1075

٤ - المختصرات الخاصة ببعض المؤلفين أصحاب الكتب المفردة وغيرهم ابن بطوطة، يعني: تحفة النظار في غرائب الأمصار. ابن حزم - يعني: جمهرة أنساب العرب. ابن حوقل يعني: صورة الأرض. ابن خلدون يعني: تاريخه: العبر وديوان المبتدأ والخبر … ابن خلكان يعني: وفيات الأعيان. ابن عبد ربه يعني: العقد الفريد. ابن العربي يعني: كتاب المغرب. ابن هشام يعني: السيرة النبوية. الإدريسي يعني: نزهة المشتاق في اختراق الآفاق. الأشرف الرسولي يعني: طرفة الأصحاب في معرفة الأنساب. الحميري يعني: الروض المعطار في خبر الأقطار. الزركلي يعني: الأعلام. الزهري يعني: الجغرافية. السويدي يعني: سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب. كحالة يعني: معجم قبائل العرب.

стр. 1076

وأخذت عن "معجم البلدان، " و"المشترك وضعا والمفترق صقعا" لياقوت، ورمزت للأول منهما فقط بياقوت. كما أخذت عن "الإنباه على قبائل الرواة"، و"الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر، ورمزت للأول منهما فقط بابن عبد البر.

стр. 1077

٥ - نموذجات مصورة عن النسختين المعتمدتين في التحقيق آ - تتمة الجزء الثاني - أحمد الثالث ٢٧٩٧/ ٢

стр. 1078

ب - الجزء الثالث - أحمد الثالث ٢٧٩٧/ ٣

стр. 1079

الباب السابع في مملكة اليمن وفيه فصلان الفصل الأول: فيما بيد أولاد رسول (٤٦٣) الفصل الثاني: فيما بيد الأشراف

стр. 1080

<في مملكة اليمن> واليمن إقليم متّسع، وله ذكر قديم، ذكر البكريّ أن عرضه ست عشرة مرحلة، وطوله عشرون مرحلة، المرحلة ستّة فراسخ (١)، وهو كرسيّ ملك التّبابعة من حمير (٢)، وبه كانت سبأ (٣)،

стр. 1081

وفيه كانت بلقيس وعرشها المذكور في القرآن الكريم (١)، وحدوده من القبلة الموضع المعروف بطلحة الملك (٢)، ومن الشرق [حاء وحكم] (٣)، ومن الغرب … (٤)، ومن [الجنوب] (٥) عدن. وهو يشتمل على عدة بلاد وقلاع وحصون حصينة، ولكنّ مدنه يفصل البرّ ما بين بعضها عن بعض، وبلادها مختلفة: نجود (٦)، وتهائم (٧)، فالنجود باردة الهواء، طيبة المسكن، والتهائم حارة شديدة الحرّ. وقاعدة الملك بها تعزّ وزبيد، وتعزّ من النجود مبنية على جبل شاهق (٨)، وزبيد من

стр. 1082

التهائم مبنية في وطاءة. واليمن مفرّق الملك بعضه بيد الشرفاء المطيعين لإمام الزيديّة (١)، لا يطيعون إلا لأئمتهم القائمين منهم إماما بعد إمام، وقاعدة تملكه صنعاء، وبعضه بيد أكراد (٢) عصاة على ملوك اليمن، وبعضه بأيدي عرب لا تطيع، وهذا الكلام عليها جمليا فلنتكلم عليها تفصيلا.

стр. 1083

الفصل الأول فيما بيد أولاد رسول (١) فأمّا معظم اليمن فمع تعزّ وزبيد، وصاحبهما هو المشار إليه إذا قيل: صاحب اليمن، وأخبرني بجملة ما أذكر من أحوالها أبو جعفر أحمد بن محمد المقدسيّ عرف بابن غانم (٢)، وكان من كتّاب الإنشاء (٣) بمصر وبدمشق، ثم دخل اليمن وخدم بها صاحبها إذ ذاك الملك المؤيد داود <بن يوسف> بن عمر (٤) ﵀ في كتابة الإنشاء واختصّ به،

стр. 1084

وأبو محمد عبد الباقي بن عبد المجيد اليمنيّ الكاتب (١)، وجملة ما أذكره عنهما ولا أميّز الآن قول كلّ واحد منهما على التّخصيص، وهو: أنّ صاحب اليمن يصيف بتعزّ ويشتي بزبيد. وتعزّ (٢) بلد كثير الماء، بارد الهواء، كثير الفاكهة من العنب (٤٦٤) والرمّان والسّفرجل والتفّاح والخوخ والتّوت والموز والبطيخ الأخضر والأصفر، ويوجد به كثير من أنواع الفاكهة، وإن كان قليل المقدار، فأمّا الموز والليمون والأترجّ (٣) وما يناسبه فكثير إلى غاية، ويوجد بها كثير من الرياحين والزهور خلا البنفسج والنّيلوفر (٤)، وربما احتاج ساكنها إلى لبس الفراء في بعض أحيانها. وأما زبيد (٥) فإنها شديدة الحرّ ولا يبرد ماؤها ولا هواؤها، وهي أوسع رقعة، وأكثر بناء، ولها نهر جار بظاهرها.

стр. 1085

وأما مساكن الملك (١) فيهما فنهاية في العظمة، وفرش الرّخام والسّقوف المدهونة وأخصّاء الملك بها الخصيان هم خاصته المقرّبون وهو متوفر في غالب وقته على لذاته، والمتعة في قصوره بجواريه وقيانه، وله أرباب دولة ووظائف، ينحو في أموره منحى صاحب مصر (٢) يتسمع أخباره، ويحاول اقتفاء آثاره في أحواله وأوضاع دولته غير أنه لا يصل إلى هذه الغاية، ولا تخفق عليه تلك الراية لقصور مدد بلاده، وقلة عدد أجناده. أخبرني أقضى القضاة أبو الربيع سليمان بن محمد (٣) بن قاضي القضاة الصدر سليمان الحنفيّ، وكان قد توجه إلى اليمن وخدم في ديوان الجيش (٤) به أن مجموع جند

стр. 1086

اليمن ما يبلغ ألفي فارس، وينضاف إليهم من العرب الداخلين في طاعته مثلهم وأراني جريدته الموضوعة لذلك فوقفت على بعضها، وضاق وقتي عن الاستيعاب وهي تشهد بما قال. وصاحب هذه المملكة أبدا يرغب في الغرباء، ويحسن تلقيهم غاية [الإحسان] (١)، ويستخدمهم فيما يناسب كلاّ منهم، ويتفقدهم في كلّ وقت بما يأخذ به قلوبهم، ويوطّنهم عنده، وغالب جنده من الغرباء، وإذا دعت حاجة أحد من جنده وغلمانه وأهل خدمته أجمعين إلى شيء وإن قلّ كتب إليه قصة (٢) يسأله حاجته فيها فيوقّع عليها بخطّه بإجابته إلى ما سأله، أو إلى بعض ما سأله (٤٦٥) على ما يراه. وهو قليل التصدي لإقامة رسوم المواكب والخدمة والاجتماع بولاة الأمور ببابه، فإذا احتاج أحد منهم إلى مراجعته في أمر كتب إليه قصة يستأمره فيها، فيكتب عليها بخطّه ما يراه، وكذلك إذا رفعت إليه قصص المظالم هو الذي يكتب عليها بخطّه مما فيه إنصاف الشاكي. ورأيت علامة والد هذا السلطان القائم بها الآن على توقيع، وهو على المصطلح المصري ما مثاله: الشاكر لله على نعمائه في سطر، وتحته داود. ولصاحب هذه المملكة البساتين والمتنزّهات الحسنة يتعهدها في الأحيان ويقيم بها للتنزه بها، وهذا الملك لا ينزل في أسفاره إلا في قصور مبنية له في منازل معروفة من بلاده، فحيث نزل في منزلة وجد بها قصرا مبنيا ينزل به. وباليمن الخيل العراب الفائقة، والبغال نوعان: سروجية للركوب، وحبشية للأحمال، وبها الجمال والحمير وأنواع الدوابّ من البقر والغنم والطير من الإوزّ والد جاج والحمام وغير ذلك.

стр. 1087

وهي بلاد رخية كثيرة الحبوب، وأقلّ حبوبها القمح والشعير، وأكثرها الأرزّ والذرة والسّمسم، وبها العسل الكثير وأنواع المقل (١)، ووقودها السّليط (٢) وهو الشّيرج، ولا يوجد بها الزيت ولا الزيتون إلا إن جلب من الشام. واليمن جميعه كثير الأمطار، ولا تنشأ به السحب، ويمطر المطر وقت الزوال إلى أخريات النهار، هذا وقت أمطارها في الغالب، وبها الأنهار الجارية، والمروج الفسح، والأشجار المتكاثفة في بعض أماكنها، ولها ارتفاع صالح من الأموال، وغالب أموالها من موجات التجار الواصلين من الهند ومصر والحبشة مع ما لها من دخل البلاد. وأما الإمرة بها فقد تطلق على من ليس بأمير، وأما الإمرة الحقيقية التي ترفع بها الأعلام <وتدقّ لها> الكوسات (٣) فإنها لمن قلّ، وربما أنه لا يتعدى عدة الأمراء بها عشرة نفر. وباليمن أرباب وظائف (٤٦٦) من النائب (٤) والوزير (٥) والحاجب (٦) وكاتب

стр. 1088

السر (١) وكاتب الجيش وديوان المال، وبها وظائف الشادّ (٢) والولاية على ما قدّمنا ذكره من أنّه يتشبه بالأحوال المصرية. وباليمن عدن، وهي من أعظم المراسي بها، وتكاد تكون ثالثة تعزّ وزبيد في الذكر، ولها قلعة السمدان (٣) المشهورة بالمنعة العظيمة، وبها قلعة، وهي خزانة مال ملوك هذا الإقليم. وصاحب اليمن يهادي صاحب مصر ويداريه لمكان إمكان التسلط عليه من البحر والبرّ الحجازي، وقد كان ملكها الآن الملك المجاهد عليّ بن داود بعد موت أبيه المؤيد نجم عليه من أهله (٤) من جاذبه رداء الملك، ونازعه في سلطانه، وأعان الناجم عليه كثير من مماليك أبيه وعسكر اليمن وأهله، فأرسل إلى صاحب مصر السلطان الملك الناصر أبي المعالي محمد بن قلاوون وصية كتبها الملك المؤيد صاحب اليمن قبل موته تتضمن أنّه أوصى إلى السلطان الملك الناصر صاحب مصر على ولده المجاهد علي، وبعث يترامى عليه، ويستمدّ الإعانة

стр. 1089

منه، فجهز إليه عسكرا (١) منعه من عدوّه النّاجم عليه، ومكّن له في اليمن، وبسط يده به، ثم عاد العسكر المصريّ (٢)، وإن لم يكن هذا موضع هذا، ولكنّا ذكرناه تنبيها على تمكن صاحب مصر من <صاحب> اليمن إذا قصده، ثم نعود إلى ما كنا بصدده، فنقول: إن صاحب اليمن لا يزال من الشريف الإمام الزيديّ صاحب صنعاء على مباينة تارة يكون بينهم عهد، وتارة ينبذ العهد بينهم، لأنّ الإمام الزّيديّ له قوة في مكانه ومنعة من أعوانه، ولو استقلّ اليمن لملك واحد كبر محلّه، وعظم قدره في الممالك الجليلة. ولا تزال ملوك اليمن تستجلب من مصر والشام طوائف من أرباب الصناعات لقلة وجودهم باليمن، وليس باليمن أسواق مرضية دائمة، إنما بها يوم من الجمعة تجلب فيه الأجلاب (٤٦٧)، وتخرج أرباب الصناعات والبضائع ببضائعهم على اختلافها، وتقام في ذلك اليوم الأسواق، ويباع ويشترى، فمن أعوزه شيء في وسط الجمعة لا يكاد يجده، إلا

стр. 1090

المآكل فإنها دائمة <فيها> كغيرها من البلاد، والمعمولات من المآكل في أسواقها للبيع قليلة، بل من أراد شيئا عمله بنفسه. فأما زيّ ملكهم وعامة الجند بها، فأقبية (١) إسلامية ضيقة الأكمام مزنّرة على اليد، ومناطق (٢)، وتخافيف لانس (٣)، ودلاكش، وهي أخفاف من القماش الحرير الأطلس والعتّابي (٤) وغير ذلك، ولقد وقعت وحشة بين هذا <الملك> المجاهد وبين بعض أمرائه، وهو عليّ بن عمر بن يوسف الشهابي، فجاء إلى مصر وأقام بها وهو بهذا الزيّ خلا الدّلكش، فإنه قلعه، ولبس الخفّ المعتاد، وهو يحضر الموكب السّلطانيّ بمصر على هذا الزيّ إلى الآن. وحدثني الحكيم الفاضل صلاح الدين أبو عبد الله محمد بن البرهان (٥)، وكان الملك المؤيّد [والد] (٦) سلطانها الآن قد طلبه من مصر، واستدعاه، وأعذب ماءه ومرعاه، وأقام لديه حينا من الدهر، بين جنات ونهر، متنقلا معه في ممالكه، متوقّلا (٧) على شرفات مالكه.
следующие страницы →