← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

اليمن ما يبلغ ألفي فارس، وينضاف إليهم من العرب الداخلين في طاعته مثلهم وأراني جريدته الموضوعة لذلك فوقفت على بعضها، وضاق وقتي عن الاستيعاب وهي تشهد بما قال. وصاحب هذه المملكة أبدا يرغب في الغرباء، ويحسن تلقيهم غاية [الإحسان] (١)، ويستخدمهم فيما يناسب كلاّ منهم، ويتفقدهم في كلّ وقت بما يأخذ به قلوبهم، ويوطّنهم عنده، وغالب جنده من الغرباء، وإذا دعت حاجة أحد من جنده وغلمانه وأهل خدمته أجمعين إلى شيء وإن قلّ كتب إليه قصة (٢) يسأله حاجته فيها فيوقّع عليها بخطّه بإجابته إلى ما سأله، أو إلى بعض ما سأله (٤٦٥) على ما يراه. وهو قليل التصدي لإقامة رسوم المواكب والخدمة والاجتماع بولاة الأمور ببابه، فإذا احتاج أحد منهم إلى مراجعته في أمر كتب إليه قصة يستأمره فيها، فيكتب عليها بخطّه ما يراه، وكذلك إذا رفعت إليه قصص المظالم هو الذي يكتب عليها بخطّه مما فيه إنصاف الشاكي. ورأيت علامة والد هذا السلطان القائم بها الآن على توقيع، وهو على المصطلح المصري ما مثاله: الشاكر لله على نعمائه في سطر، وتحته داود. ولصاحب هذه المملكة البساتين والمتنزّهات الحسنة يتعهدها في الأحيان ويقيم بها للتنزه بها، وهذا الملك لا ينزل في أسفاره إلا في قصور مبنية له في منازل معروفة من بلاده، فحيث نزل في منزلة وجد بها قصرا مبنيا ينزل به. وباليمن الخيل العراب الفائقة، والبغال نوعان: سروجية للركوب، وحبشية للأحمال، وبها الجمال والحمير وأنواع الدوابّ من البقر والغنم والطير من الإوزّ والد جاج والحمام وغير ذلك.

стр. 1087

وهي بلاد رخية كثيرة الحبوب، وأقلّ حبوبها القمح والشعير، وأكثرها الأرزّ والذرة والسّمسم، وبها العسل الكثير وأنواع المقل (١)، ووقودها السّليط (٢) وهو الشّيرج، ولا يوجد بها الزيت ولا الزيتون إلا إن جلب من الشام. واليمن جميعه كثير الأمطار، ولا تنشأ به السحب، ويمطر المطر وقت الزوال إلى أخريات النهار، هذا وقت أمطارها في الغالب، وبها الأنهار الجارية، والمروج الفسح، والأشجار المتكاثفة في بعض أماكنها، ولها ارتفاع صالح من الأموال، وغالب أموالها من موجات التجار الواصلين من الهند ومصر والحبشة مع ما لها من دخل البلاد. وأما الإمرة بها فقد تطلق على من ليس بأمير، وأما الإمرة الحقيقية التي ترفع بها الأعلام <وتدقّ لها> الكوسات (٣) فإنها لمن قلّ، وربما أنه لا يتعدى عدة الأمراء بها عشرة نفر. وباليمن أرباب وظائف (٤٦٦) من النائب (٤) والوزير (٥) والحاجب (٦) وكاتب

стр. 1088

السر (١) وكاتب الجيش وديوان المال، وبها وظائف الشادّ (٢) والولاية على ما قدّمنا ذكره من أنّه يتشبه بالأحوال المصرية. وباليمن عدن، وهي من أعظم المراسي بها، وتكاد تكون ثالثة تعزّ وزبيد في الذكر، ولها قلعة السمدان (٣) المشهورة بالمنعة العظيمة، وبها قلعة، وهي خزانة مال ملوك هذا الإقليم. وصاحب اليمن يهادي صاحب مصر ويداريه لمكان إمكان التسلط عليه من البحر والبرّ الحجازي، وقد كان ملكها الآن الملك المجاهد عليّ بن داود بعد موت أبيه المؤيد نجم عليه من أهله (٤) من جاذبه رداء الملك، ونازعه في سلطانه، وأعان الناجم عليه كثير من مماليك أبيه وعسكر اليمن وأهله، فأرسل إلى صاحب مصر السلطان الملك الناصر أبي المعالي محمد بن قلاوون وصية كتبها الملك المؤيد صاحب اليمن قبل موته تتضمن أنّه أوصى إلى السلطان الملك الناصر صاحب مصر على ولده المجاهد علي، وبعث يترامى عليه، ويستمدّ الإعانة

стр. 1089

منه، فجهز إليه عسكرا (١) منعه من عدوّه النّاجم عليه، ومكّن له في اليمن، وبسط يده به، ثم عاد العسكر المصريّ (٢)، وإن لم يكن هذا موضع هذا، ولكنّا ذكرناه تنبيها على تمكن صاحب مصر من <صاحب> اليمن إذا قصده، ثم نعود إلى ما كنا بصدده، فنقول: إن صاحب اليمن لا يزال من الشريف الإمام الزيديّ صاحب صنعاء على مباينة تارة يكون بينهم عهد، وتارة ينبذ العهد بينهم، لأنّ الإمام الزّيديّ له قوة في مكانه ومنعة من أعوانه، ولو استقلّ اليمن لملك واحد كبر محلّه، وعظم قدره في الممالك الجليلة. ولا تزال ملوك اليمن تستجلب من مصر والشام طوائف من أرباب الصناعات لقلة وجودهم باليمن، وليس باليمن أسواق مرضية دائمة، إنما بها يوم من الجمعة تجلب فيه الأجلاب (٤٦٧)، وتخرج أرباب الصناعات والبضائع ببضائعهم على اختلافها، وتقام في ذلك اليوم الأسواق، ويباع ويشترى، فمن أعوزه شيء في وسط الجمعة لا يكاد يجده، إلا

стр. 1090

المآكل فإنها دائمة <فيها> كغيرها من البلاد، والمعمولات من المآكل في أسواقها للبيع قليلة، بل من أراد شيئا عمله بنفسه. فأما زيّ ملكهم وعامة الجند بها، فأقبية (١) إسلامية ضيقة الأكمام مزنّرة على اليد، ومناطق (٢)، وتخافيف لانس (٣)، ودلاكش، وهي أخفاف من القماش الحرير الأطلس والعتّابي (٤) وغير ذلك، ولقد وقعت وحشة بين هذا <الملك> المجاهد وبين بعض أمرائه، وهو عليّ بن عمر بن يوسف الشهابي، فجاء إلى مصر وأقام بها وهو بهذا الزيّ خلا الدّلكش، فإنه قلعه، ولبس الخفّ المعتاد، وهو يحضر الموكب السّلطانيّ بمصر على هذا الزيّ إلى الآن. وحدثني الحكيم الفاضل صلاح الدين أبو عبد الله محمد بن البرهان (٥)، وكان الملك المؤيّد [والد] (٦) سلطانها الآن قد طلبه من مصر، واستدعاه، وأعذب ماءه ومرعاه، وأقام لديه حينا من الدهر، بين جنات ونهر، متنقلا معه في ممالكه، متوقّلا (٧) على شرفات مالكه.

стр. 1091

قال: اليمن أميل إلى الحرّ، وهو كثير المطر في أخريات الرّبيع إلى وسط الصّيف. قال (١): ولقد أقمت مدة بعدن، وهي مدينة مجلوب إليها كلّ شيء حتى الماء، يحتاج المقيم بها إلى كلفة في النفقات لارتفاع الأسعار بها في المآكل والمشارب، ويحتاج المقيم بها إلى ماء يتبرّد به في اليوم مرات إبان قوة الحر، وإليها مجمع الرفاق، وموضع سفر الآفاق، يحطّ بها من الصين والهند والسّند والعراق وعمان والبحرين ومصر والزّنج (٢) والحبشة، ولا يخلو أسبوع بها من عدة تجار وسفن وواردين وبضائع شتى ومتاجر، والمقيم بها في مكاسب وافرة وتجائر مربحة، ولا يبالي بما يغرمه بالنسبة إلى الفائدة، ولا يفكر في سوء المقام لكثرة الأموال النّامية. (٤٦٨) قال: ولحطّ المراكب عليها وإقلاعها مواسم مشهودة، وإذا أراد ناخوذة مركب فيها السفر إلى جهة، أقام علمه برنك (٣) خاصّ له، فعلم التجا <ر> وتسامع الناس، وبقي كذلك أياما ويقع الاهتمام بالرحيل، ويسرع التجار في نقل أمتعتهم وحولهم العبيد بالقماش السريّ والأسلحة النافعة، وتنصب على شاطئ البحر الأسواق، ويخرج أهل عدن للفرجة عليهم. قال الحكيم ابن البرهان:

стр. 1092

وأما ظفار (١) فهي لأولاد الملك الواثق (٢) [عم] (٣) صاحب اليمن، وهم وإن أطلق عليهم اسم الملك نواب له، وظفار أقصد إلى الهند من عدن، وهي على جون خارج من البحر، تنقل البضائع في زوارق صغار فيه حتى تقطع ذلك الجون، ثم توسق (٤) ذلك في السّفائن. قال الحكيم صلاح الدين محمد بن البرهان: واسم اليمن أكبر [منه] (٥) لا تعدّ في بلاد الخصب بلاده، وغالب دخله مما يؤخذ من التجار والجلاّبة برا وبحرا، ومملكة بني رسول السواحل وما جاورها، ولهذا كانت مملكتهم أكثر مالا من مملكة الشرفاء بصنعاء وما والاها على ما يأتي ذكره في مكانه. قال: وشعار هذا السلطان وردة حمراء في أرض بيضاء.

стр. 1093

قلت: ورأيت أنا السّنجق (١) اليمنيّ وقد رفع في جبل عرفات سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وهو أبيض وفيه وردات حمر كثيرة. قال: وإنما تجتمع لهم الأموال لقلة الكلف في الخرج والمصاريف التي تذهب في سعة النفقات والتكاليف، ولأن الهند يمدّهم بمراكبه، ويواصلهم ببضائعه. وسألته عما بها من الفواكه فذكر غالب ما يوجد بمصر، غير أنّه بالغ في وصف السّفرجل بها. وقال: إنّ القمح يوجد، ولكنه يغلو، واللحوم رخيصة، ويعمل بها السكر والصابون ولكنهما ليسا كما بمصر والشام. قال: ولأهل اليمن سيادات (٤٦٩) بينهم محفوظة، وسعادات عندهم ملحوظة، ولأكابرها حظّ من رفاهية العيش والتنعم والتفنن في المآكل، يطبخ في بيت الرجل منهم عدة ألوان، ويعمل فيها بالسكر والقلوب، وتطيّب أوانيها بالعطر والبخور، وتكون له الحاشية والغاشية، وفي بيته العدد الصالح من الإماء، وعلى بابه جملة من الخدم والعبيد والخصيان من الهند والحبوش، ولهم الديارات الجليلة والمباني الأنيقة إلا الرخام ودهان الذهب واللاّزورد (٢) فإن هذا من خواصّ السلطان لا يشاركه فيها مشارك من الرعايا ولا من الأعيان، وإنما فرش دورهم بالخافقيّ وما يجري مجراه، قال: ولسلطانهم بستان يعرف [بثعبات] (٣) يطلع إليه ويقيم فيه أياما للنزهة به، فيه قبة

стр. 1094

ملوكية ومقعد سلطانيّ فرشهما وأزرهما رخام ملون وبهما عمد قليلة المثل يجري فيها الماء من نبعات تملأ العين حسنا، والأذن طربا بصفاء ضميرها وطيب خريرها، وترمي شيئا سكيهما (١) على أشجار قد نقلت إليه من كلّ مكان تجمع بين فواكه الشّام والهند، ولا يقف ناظر على بستان أحسن منه جمعا، ولا أجمع [منه] (٢) حسنا، ولا أتمّ صورة ولا معنى، يهزّ معاطف دوحه الصبا، كأنه في اليمن من بقايا سبا. قال ابن البرهان: وأما كتّاب الإنشاء عنده فإنه لا يجمعهم رئيس يرأس عليهم يقرأ ما يرد على السلطان، ويجاوب عنه، ويتلقى المراسيم وينفذها، وإنما السلطان إذا دعت حاجته إلى كتابة كتب بعث إلى كلّ منهم ما يكتبه، فإذا كتب الكاتب ما رسم له به بعثه على يد أحد الخصيان، وقدّمه إلى السّلطان فيعلّم عليه ويقرّه. قال ابن البرهان: وملوك اليمن أوقاتهم مقصورة على لذاتهم والخلوة مع حظاياهم وخاصتهم من الندماء والمطربين، فلا يكاد السلطان يرى بل (٤٧٠) ولا يسمع أحد من أهل اليمن له على الحقيقة خبرا مع شدة ضبطهم لبلادهم ومن فيها، واحترازهم على طرقها برا وبحرا من كلّ جهة، فلا يخفى داخل يدخل إليها، ولا خارج يخرج منها. وللتجار عندهم وضع جليل؛ لأن غالب متحصلات اليمن منهم وبسببهم كما قدمنا ذكره.

стр. 1095

قلت: وقد كان الملك المظفر (١) ثم ولده الملك المؤيد رحمهما الله تعالى مقصودين من آفاق الأرض، قلّ أن يبقى مجيد في صنعة من الصنائع إلا ويصنع <لأحدهما> شيئا على اسمه ويجيد فيه بحسب الطاقة ثم يجهزه إليه، أو يقصده به ويقدمه إليه من يده فيقبل عليه ويقبل منه، ويحسن نزله، ويسني جائزته، ثم إن أقام في بابه أقام مكرّما محترما، أو عاد عاد محبوا محبورا، ولهما ولع بحبّ الغرباء وكرم متسع في الحباء، يجزلون من نعمهم العطايا، ويثقلون بكرمهم المطايا، ولقد قصدهما كثير من الناس، وحصل [لهم] (٢) البرّ والإيناس، ثم تنوّع لهم من الكرامة ما أنساهم أن ينفذوا بسلطان، وأسلاهم عن الأوطان، فحمدوا بالنجاح آمالا، ووردوا خفافا، وصدروا ثقالا، وكان من عادتهما رحمهما الله أن لا يسمحا بعود غريب، ولا يصفحا عن هذا عن بعيد ولا قريب قصدا لعمارة اليمن بإنارة آفاقه بكل شيء حسن، إلا من قدّم لديهما القول بأنه أتاهما راحلا لا مقيما، وزائرا لا مستديما، فإنّهما كانا لا يكلفانه مقاما لديهما ولا دواما في النّزول عليهما، بل يجزلان إفادته، ويجملان إعادته، وأما من جاء إليهما بنيّة مقيم، وأقام لديهما على أنّه لا يريم، فإنهما يرفعان مجده، ويوسعان رفده، ويجريان عليه الأدرار، وإليه السحاب المدرار، ويخليان له دارا، ويخلّيان مملوءا له بصفوف الخدم جدارا (٣)، فإذا أراد الارتحال عن دارهما، مكناه من العود كما جاءهما، وخرج عنهما على أسوأ حال، مسلوبا بما استفاد

стр. 1096

(٤٧١) عندهما من نعمة ومال، عقابا له على مفارقته لأبوابهما، لا بخلا بما جادت به بوادر سحابهما. وحكى لي غير واحد ممّن قصدهما على أنه يقيم ثم فارقهما على هذا الحال الذّميم من حالاته بكلّ أعجوبة وما وجد، ثم فارقه من نعمهما الموهوبة المسلوبة (١). قلت: ولقد كانا يبعثان إلى مصر والشام والعراق من يتلقّط لهما محاسن الوجود وأحاسن الموجود، فلا تبقى طرفة من الطّرف إلا اشتريت لهما، ولا من مجيد في شيء من الأشياء إلا استميل إليهما، ورغب في الكثير حتى يقصد حضرتهما فيقيم عندهما، وقلّ من يعود عنهما: ومن وجد الأحباب قيدا تقيدا (٢) قلت: وصاحب اليمن لا عدوّ له لأنّه محجوب ببحر زاخر، وبرّ منقطع من كل جهة، والمسالمة بينه وبينهم، فهو لهذا قرير العين، خالي البال، لا يهمّه إلا صدّ، ولا يهيجه إلاّ بلبال. (٣)

стр. 1097

الفصل الثاني فيما بيد الأشراف (١) قد تقدم القول على من قام باليمن من أهل هذا البيت الشريف، وهم إلى الآن، وأمرهم على ما كان، وأول قائم منهم: الإمام يحيى الهادي بن الحسين الزاهد بن أبي محمد القاسم الرسّي بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل الدّيباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن السيد أبي محمد الحسن بن أمير المؤمنين أبي الحسن عليّ بن أبي طالب (٢) سلام الله عليهم ورحمته وبركاته. قام بهذه الدعوة في اليمن، وأعلن مناديه بالإمامة، ورفع بيته، وشيّد له الدّعامة، واستجاب الخلق لندائه، وصلّوا بصلاته، وأمّنوا على دعائه، وقام منهم مقاما محمودا، وأثر فيهم من الصلاح أثرا مشهودا، وفي ذلك يقول (٣): <الطويل>

стр. 1098

بني حسن إني نهضت بشأركم … و [ثار] (١) كتاب الله والحقّ والسّنن وصيّرت نفسي للحوادث عرضة … وغبت عن الإخوان والأهل والوطن (٤٧٢) وأكثر ما أطاعت له في اليمن النجود، وانقادت إلى حكمه ودانت له ولإمامته، واجتهدت على استمرار أمره واستدامته. وقام بعد الهادي ولده المرتضى (٢)، وتمت له البيعة ثم اضطرب أمره، واضطرّ إلى تجريد السّيف، وقاتله الناس، وفي ذلك يقول (٣): <الرمل> كدّر الورد علينا بالصّدر … فعل من بدّل حقا وكفر أيها الأمة عودي للهدى … ودعي عنك أحاديث البشر عدمتني البيض والسّمر معا … وتبدلت رقادا بسهر لأجرّنّ على أعدائنا … نار حرب بضرام وشرر وكان ﵀ خطيبا شاعرا ذا مقال يستفزّ ناظما وناثرا. قال صاحب "التبيين في أنساب الطالبيّين": وهم الآن الأئمة باليمن.

стр. 1099

قلت: وحدثني الشيخ شهاب الدين أبو جعفر أحمد بن غانم أنه في عوده من اليمن فارا من صاحب اليمن، نزل بحماهم، ونزح إلى كنف نعماهم، فألحقه إمامهم القائم بظلّه الظليل، وأتحفه بفضله الجزيل، وأرشفه على ظمأ زلالا، وأنصفه من الأيام منّة وأفضالا، ووصله بمال، وأوصله إلى أحسن مآل. قال: وهو في منعة منيعة، وذروة رفيعة، دار ملكه صنعاء، ولرعاياه من حياطة الله به استرعاء. قال: وهو بنفسه يؤمّ بهم ويخطب، ويركب في نحو ثلاثة آلاف فارس، وأما عسكره من الرّجّالة فخلق جمّ، وأمم تموج كاليمّ. وحدثني الشيخ تاج الدين أبو محمد عبد الباقي بن عبد المجيد اليمنيّ عما هو عليه هذا الإمام في قومه من الأمر المطاع حتى لا يخرج أحد منهم له عن نص، ولا يشاركه فيما يتميز به ويختص مع القوة في مباينته لصاحب اليمن، لا يخافه ولا يرجوه، والإهمال له فلا يستجيب له ولا يدعوه، مع أنه لا يزال صاحب اليمن يرعى جانبه، ويعقد بينهما العقود، وتكتب الهدن، وتوثّق المواثيق، وتشترط الشّروط. قلت: (٤٧٣) وقد أتى آت إلى الأبواب السلطانية الشريفة بمصر زعم أنه مرسل من حضرة هذا الإمام (١)، وحدثني كثيرا من تفاصيل أحوالهم من التشدّد في الدين، وإقامة الحقّ والعمل والالتزام بموجبه، وأنّ الأئمة في هذا البيت أهل علم يتوارثه إمام عن إمام، وقائم بعد قائم، هذه جملة من أحوالهم ذكرناها.

стр. 1100

وأما صنعاء، فدار ملكهم، فقد تقدم في هذا الكتاب من أحوالها ما يغني عن إعادته هنا (١)، وهي قاعدة ملك اليمن في قديم الزمان، وأوقاتها كلّها على مناسبة الاعتدال، لذيذة الهواء، كثيرة الفواكه، يقع بها الأمطار والبرد، ويكاد يجمد الجمد (٢)، وهي تشبه في اليمن ببعلبكّ في الشام لتمامها الحسن، وحسنها التمام. وسألت الفاضل تاج الدين عبد الباقي اليمانيّ عما يعلمه من أحوال الأئمة بهذه المملكة فكتب إليّ أنه ما يعلم تفاصيل أحوالهم إذ هم كالبادية، وقال: وأئمة الزيديين كثيرون والمشهور منهم: المؤيّد بالله (٣)، والمنصور بالله (٤)، والمهديّ بالله، و [المطهر بن يحيى]. (٥)

стр. 1101

قال: و [المهدي بالله] (١) هو الذي كان آخرا على عهد الملك المؤيّد داود بن يوسف صاحب اليمن، و [كانت] (٢) الهدنة تكون بينهما. قال: وابتداء دولة الزيديين [كان] (٣) في أواخر دولة بني العباس، قال: وأظنّها من المستضيء (٤). قال: ولهؤلاء دعوة بالجيلان (٥)، وهي كيلان، ولهم دعوة هناك، يجبون لهم الزكوات من تلك البلاد، و [ممن] (٦) يجيب داعيهم فيها. قال: وهم من أولاد زيد بن الحسن بن الحسن بن المثنى (٧)، قال: وشيعتهم كثيرة وأئمتهم لا يحتجبون، ولا يرون التفخيم والتعظيم، الإمام كواحد من شيعته في مأكله

стр. 1102

ومشربه وملبسه وقيامه وقعوده وركوبه ونزوله وعامة أموره، يجلس ويجالس، ويعود المرضى ويصلي بالناس على الجنائز، ويشيّع الموتى، ويحضر دفن بعضهم. قال: وشيعته لهم في إمامهم حسن اعتقادهم، وهم يستشفون [بدعائه] (١)، وبمرور يده على مرضاهم، ويستسقون المطر إذا جدبوا (٤٧٤) به. قال: وهم يبالغون في ذلك [مبالغتهم] (٢) العظيمة. سألته، فهل لهذه الدعوة حقيقة؟ قال: هذه أقوالهم التي كانت تبلغنا عنهم، وتصل إلينا من نحوهم، وما أجزم. قلت: ولا يكثر لإمام هذه سيرته في التواضع لله، وحسن المعاملة لخلقه وهو من ذلك الأصل الطّاهر، والعنصر الطيب أن يجاب دعاؤه ويتقبل منه. وحدّثني الحكيم الفاضل صلاح الدين محمد بن البرهان أن اليمن تنقسم إلى قسمين: سواحل وجبال، فالسواحل كلّها لبني رسول، والجبال كلّها أو غالبها للأشراف وهي أقلّ دخلا من السواحل لمدد البحر لتلك واتصال سبيلها منه، وانقطاع المدد عن هذه البلاد لانقطاع سبيلها من كلّ جهة. وحدّثني أبو جعفر بن غانم أن بلاد الشرفاء هؤلاء متصلة ببلاد السّراة (٣) إلى الطائف إلى مكة المعظمة وأنها طريقه التي سلكها في عوده عن اليمن، قال: وهي جبال شامخة عليّة

стр. 1103

ذات عيون دافقة ومياه جارية على قرى متصلة الواحدة إلى جانب الأخرى، وليست لواحدة تعلق بالأخرى، [بل] (١) لكلّ واحدة أهل يرجع أمرهم إلى كبيرهم لا يضمّهم ملك ملك، ولا يجمعهم حكم سلطان، ولا تخلو قرية منها من أشجار وغروس ذوات فواكه أكثرها العنب واللّوز، ولها زروع أكثرها الشعير، ولأهلها ماشية أعوزتها الزّرائب، وضاقت بها الحظائر. قال: وأهلها أهل سلامة وخير وتمسك بالشريعة ووقوف معها، يعضّون على دينهم بالنواجذ، ويقرون كلّ من يمرّ بهم ويضيفونه مدة مقامه حتى يفارقهم. قال: وإذا ذبحوا لضيفهم قدموا له جميع لحمها ورأسها وأكارعها وكرشها وكبدها وقلبها، يأكل ما يأكل، ويحمل ما يحمل. قال: وأهل هذه البلاد لا يفارق أحد منهم قريته مسافرا إلى الأخرى إلا برفيق يسترفقه منها ليخفره، وإلا فلا يأمن أولئك لعداوة بينهم وتفرق ذات بين. ثم نعود إلى تتمة الكلام في مملكة الأشراف (٤٧٥)، فنقول وبالله التوفيق: إنها تشتمل على عدة حصون منيفة وبلاد مخصبة مريعة، وقبائل عرب وحلفاء وأكراد في طاعة هؤلاء الشرفاء، ولأمراء مكة ميل كليّ (٢) إليهم لقرابتهم بهم ولتمذهبهم بمذهبهم (٣) والإمام في هذه البلاد يعتقد في نفسه ويعتقد أشياعه فيه أنّه إمام معصوم مفترض الطّاعة تنعقد به عندهم الجمعة والجماعة، ويرون أن جميع ملوك الأرض وسلاطين

стр. 1104

الأقطار تلزمهم طاعته ومتابعته حتى خلفاء بني العباس، وأنّ جميع من مات منهم مات عاصيا بترك متابعته ومبايعته، وهم يزعمون ويزعم لهم أن سيكون لهم دولة يدال بها [بين] (١) الأمم، وتملك منتهى الهمم، لا يهجع لها سيوف، ولا يخضع صفوف، وفي رأيهم أن الإمام الحجّة المنتظر في آخر الزمان منهم. وزيّ هذا الإمام وأتباعه عندهم: زيّ العرب في لباسهم والعمامة والحنك (٢) ويقال في الأذان عندهم: حيّ على خير العمل، ولا يظهر أحد منهم ولا عندهم بسبّ ولا تنقّص (٣) على ما هو رأي الزيدية. حدّثني من أقام بينهم مدة صالحة أنهم أهل نجدة وبأس وشجاعة ورأي، غير أنّ عددهم قليل، وسلاحهم ليس بكثير لضيق أيديهم، وقلّة دخل بلادهم، قال: ولقد فارقتهم في سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة وهم لا يشكون أنه قد آن أوان ظهورهم، وحان حين ملكهم، ولهم [رعايا] (٤) تختلف إلى البلاد وتجتمع بمن هو على رأيهم يتربصون ضعف الدول في أقطار الأرض. وحدثني شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام كمال الدين أبو المعالي محمد بن عليّ الأنصاريّ بن الزّملكانيّ (٥) ﵀ عند عوده من قضاء حلب (٦) عن رجل كان بها وأنّه

стр. 1105

مات وترك صندوقين كبيرين مختومين فظنّ أنّ فيهما مالا ففتحا فلم يوجد فيهما سوى كتب من أئمة هذه الجهة، ونسخ أجوبة عنها، منها ما هو إليه ومنه، ومنها ما كان إلى قدماء آبائه وأسلافه ومنهم، فسألته: كيف كانت؟ وما الذي كان مضمونها؟ فقال: أما كيف فعلى (٤٧٦) نحو طريقة السّلف من فلان أمير المؤمنين وإمام الوقت إلى فلان أو لفلان، أما بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأعلمك بكذا وكذا، وكذلك نسخ الأجوبة، ويبدأ باسم الإمام على عادة السّلف لا نقص فيها ولا زيادة سوى قوله وإمام الوقت، وأما مضمونها فيختلف، ومداره على استعلام الأخبار عامة، وأحوال الشيعة خاصة، والسؤال عن أناس منهم، وأنه قد ورد كتاب فلان، وأعيد جواب فلان عن أناس ما يعرف من هم بكنايات موضوعة، وفي بعضها حديث الخمس وذكر وصوله، أو التقاضي به. قال: ورأيت في بعضها في هذا المعنى ما هذه عبارته وهي: ولا تؤخروا مدد من هنا من إخوانكم من المؤمنين في هذه البلاد الشّاسعة وهو حقّ الله فيه تزكية أموالكم ومدد إخوانكم من الضعفاء واتقوا الله، و ﴿اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً، * يُرْسِلِ اَلسَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً، * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ (١). فسألته عما صنعوا بتلك الكتب، فقال: عرّفت الأمير أرغون (٢) نائب السلطان بها، فقال: اغسلوها فغسلت. هذا ما انتهى إلينا من أخبارهم.

стр. 1106

الباب الثامن في ممالك المسلمين بالحبشة وفيه سبعة فصول الفصل الأول: في أوفات الفصل الثاني: في دوارو الفصل الثالث: في أرابيني الفصل الرابع: في هدية الفصل الخامس: في شرحا الفصل السادس: في بالي الفصل السابع: في دارة

стр. 1107

<ممالك المسلمين بالحبشة وهي سبع ممالك> وهذه الممالك السّبعة (١) بأيدي سبعة ملوك، وهي ضعيفة البناء، قليلة الغناء لضعف تركيب أهلها وقلّة محصول البلاد، وتسلّط ملك ملوك الحبشة صاحب أمحرة (٢) عليهم مع ما بينهم من عداوة الدين ومباينة ما بين النصارى والمسلمين، ومع هذا (٤٧٧) فكلمتهم متفرقة، وذات بينهم فاسدة. وقد حكى لي الشّيخ عبد الله الزيلعيّ (٣) وجماعة من فقهاء هذه البلاد أنّ هؤلاء الملوك السبعة لو اتفقت كلمتهم، واجتمعت ذات بينهم قدروا على المدافعة، أو التماسك، ولكنهم مع ما هم عليه من الضعف وافتراق الكلمة بينهم تنافس، ومنهم من يترامى إلى صاحب أمحرة ويميل إليه بالطباع، وهؤلاء مع الذلة والمسكنة عليهم لصاحب أمحرة قطائع

стр. 1108

محررة، تحمل [إليه] (١) في كلّ سنة وهي من القماش الحرير والكتان [مما] (٢) يجلب إليهم من مصر واليمن والعراق، وقد كان الفقيه عبد الله الزيلعيّ قد سعى في الأبواب السلطانية بمصر عند وصول رسل صاحب أمحرة إليها في تنجّز كتاب البطريرك (٣) إليه بكفّ أذيّته عن [بلاد المسلمين] (٤) وأخذ حريمهم (٥)، ورسم له بذلك، وكتب البطريرك كتابا بليغا شافيا فيه معنى الإنكار لهذه الأفعال، وأنه حرّم هذا على من يفعله بعبارات أجاد فيها، وفي هذا دلالة على الحال، وسنذكر أمورهم مفصّلة في موضعها. قال لي الشيخ الصالح عبد المؤمن (٦): إنّ طولها برا وبحرا خاصا بها نحو شهرين وعرضها ممتد اكثر من هذا، لكن الغالب في

стр. 1109

[عرضها] (١) مقفر، وأما مقدار العمارة فهو ثلاثة وأربعون يوما [طولا وأربعون يوما] (٢) عرضا. وبهذه الممالك السّبعة الجوامع والمساجد والمواذن، وتقام بها الخطب والجمع والجماعات، وعند أهلها محافظة على الدين، ولا تعرف عندهم مدرسة ولا خانقاه (٣) ولا رباط ولا زاوية، وليست لهم إبل، وهي بلاد حارة ليست بمائلة إلى الاعتدال، وألوان أهلها إلى الصّفار، وليست شعورهم في غاية التّفلفل كأهل مملكة مالّي وما معها وما يليها من جنوب المغرب. وفيهم الزهاد والأبرار، وهذه البلاد هي التي يقال لها بمصر والشام بلاد الزيلع، وإنما الزيلع قرية بالبحر من قراها وجزيرة من جزائرها (٤) وإنما غلب عليها اسمها، وبيوتهم من طين وأحجار وأخشاب مسقّفة جملونات و [قبابا] (٥)، وليست بذوات أسوار، ولا لها فخامة بناء، وقد أوردنا هذا على جهة الإجمال (٤٧٨) ونحن نذكر ذلك فصلا فصلا إن شاء الله تعالى.

стр. 1110

الفصل الأول في أوفات (١) حدّثني الفقيه عبد الله الزيلعيّ ومن معه من الفقهاء أنّ مملكة أوفات طولها خمسة عشر يوما، وعرضها عشرون يوما، بالسّير المعتاد، وكلّها عامرة آهلة بقرى متصلة وبها نهر جار [وهي] (٢) أقرب أخواتها إلى الديار المصرية وإلى السواحل المسامتة لليمن، وهي أوسع هذه الممالك أرضا، والأجلاب إليها أكثر لقربها من البلاد. وملكها يحكم على الزّيلع، والزّيلع اسم ميناء التجار الواردين إليها، وهو في وقتنا اليوم شافعيّ المذهب وغالبها شافعية. وعسكرها خمسة عشر ألفا من الفرسان، ويتبعهم عشرون ألفا وأزيد من الرّجّالة، وهم يركبون الخيل عرايا بلا سروج، وإنما يوطئون لهم بجلود مرعز حتى الملك، وخيلهم عراب، وفي غالب الأوقات ركوبهم البغال، والملك عندهم أو الأمير يعدّ من حشمته إذا ركب بغلة <أن> يردف خلفه غلامه على كفل البغلة، وأما إذا ركب فرسا فإنه لا يردف أحدا عليه. ويسمى الملك عندهم فاط، والملك يعتصب على رأسه بعصابة من حرير تدور بدائر رأسه، ويبقى وسط الرأس مكشوفا. وأما الأمراء والجند فتعصّب رؤوسهم بعصائب من قطن على مثل هذا الوضع، ولا

стр. 1111

يعتصب بالحرير إلاّ الملك، وقلّ من يلبس منهم قميصا أو ثوبا مخيطا وإنما يتزرون وزرات، وتلبس طائفة أرباب السيوف منهم سراويلات. وأما الفقهاء، فتلبس العمائم، وعامة الناس تلبس كوافي بيضا طاقيات، ومن الفقهاء وأرباب النعم من يلبس القمصان وإلا فالجمهور الغالب [الوزرات] (١) كلّ واحد بوزرتين واحدة على كتفه متوشحا بها والأخرى في وسطه، وكلامهم بالحبشية وبالعربية. ومما يعدّه أهل هذه المملكة من الحشمة أن الملك أو الأمير إذا مشى يتوكأ على رجلين من خاصّته، والملك يجلس على (٤٧٩) كرسي حديد مطعم [بالذهب] (٢) علوّه أربعة أذرع، ويجلس أكابر الأمراء حوله على كراسيّ أخفض من كرسيّه وبقية الأمراء وقوف، ويحمل رجلان على رأسه السلاح، وإذا ركب يحمل على رأسه جتر (٣) حرير، [ثم إن كان الملك راكبا فرسا كان حامل الجتر ماشيا بإزائه والجتر بيده] (٢)، فإن كان الملك [راكبا] (٤) بغلة كان حامل الجتر رديفه، والجتر بيده [على رأس الملك] (٢) وقدامه حجّاب ونقباء تطرد الناس، وتضرب قدامه الشّبابة والبوقات من خشب اسمه البنبو المعمول منه في اليد وفي رؤوسها قرون بقر ويدقّ معها الوطواط وهي طبول معلقة في رقاب الرجال، ويكون قدام الجميع بوق اسمه

стр. 1112

الحبنا (١) وهو ملويّ من قرون الوحش، وحش عندهم اسمه عجزين (٢) من نوع بقر الوحش يكون طوله ثلاثة أذرع [محروق] (٣) من علوّه يسمع من قريب نصف نهار، فيعلم الناس ركوب الملك فيتبادر إليه من له عادة الركوب معه، ويتنحى عن طريقه من يحبّ أن يتنحّى. وعنده قضاة وفقهاء، وليس فيهم بارع العلم، و [الملك] (٤) يتصدى للحكم بين الناس، ويقصد الإنصاف. وفي مملكته مدن أمهات، وهي (٥): بقلرز، وكلجور (٦)، وسبمق، وسوا، وعدل، وجبا، ولاو. وأكثر قتال هذه المملكة بالحراب، وفيهم الرماة بالنشّاب، وأقواتهم القمح والذرة والطّافي وهو حبّ دقيق إلى غاية، أكبر من الخردل (٧)، وهو أحمر اللون لهم منه قوت، وعندهم الأبقار والأغنام كثيرة جدا، وكذلك السمن والعسل، وأما المعز فقليلة عندهم، وأسعارهم رخية.

стр. 1113

وكيلهم يسمى الرّابعيّة، وهذا الكيل مقداره ويبة مصرية (١)، ورطلهم [اثنتا عشرة] (٢) أوقية، وزن الأوقية عشرة دارهم نقرة (٣) بصنجة مصر (٤). وعندهم من قصب السكر مقدار صالح، ويخرج منه القند (٥)، ويعمل قطعا صغارا، وعندهم الموز والجمّيز والأترجّ والليمون وقليل من النارنج والرمان الحامض والمشمش والتوت الأسود والعنب الأسود، وهو والتوت قليلان، وعندهم تين بري، وخوخ بري، ولكنّهم لا يأكلون [الخوخ و] (٦) التين، ولهم فواكه أخرى لا تعرف بمصر والشام والعراق، فمنها: (٤٨٠) شجر اسمه كشياد (٧) يخرج ثمره أحمر صفة البلح، وهو حلو ماويّ، وشجر يعرف لمويه يخرج ثمره أسود صفة البلح، طعمه مزّ ماوي. ومنها شجر يسمى كوسي يخرج ثمره مدورا شديد الاستدارة كالبرقوق، ولونه أصفر خلوقيّ كلون الشمس وهو مزّ ماويّ.

стр. 1114

ومنها شجر طانة يخرج ثمره أصغر من البسر، وفي وسطه شبيه النوى، وهو حلو صادق الحلاوة. ومنها شجر اسمه أوجات (١) بفتح الواو والجيم تخرج ثمرته أكبر من حبّ الفلفل وطعمه شبيه به في الحرافة مع بعض حلاوة. ومنها شجر اسمه جات (٢)، وهذه الجيم الموحدة نطقهم بها بين الجيم والشين لا ثمر له، وإنما المأكول قلوبه، وهو يزيد في الذكاء ويذكّر الناسي، ويفرج ويقلل الأكل والنوم والجماع، وكلّهم يأكلونه ويرغبون في أكله، وخصوصا طلبة العلم منهم، ومن يريد الاشتغال أو من يؤثر دوام السهر لسفر يسافره، أو لحرفة يعملها، وعنايتهم به شبيه بعناية أهل الهند بالتّنبول (٣) وإن لم يكن هذا شبه ذلك، وحاشى ما يقال عن تلك الأفعال المحمودة من مشابهة هذا لما يدل عليه من زيادة تحقيقه بما يورثه من قلة النوم والأكل والجماع، ولقد أعجبني ما حكاه بعض هؤلاء الفقهاء المخبرين نيابة عن الملك المؤيّد داود صاحب اليمن ﵀، قال: سافر بعض المسلمين من أهل بلاد الحبشة إلى اليمن، واتصل بالملك المؤيّد، وصار من خاصّته، فمنّاه يوما، فتمنّى عليه قلوب شجر [الجات] (٤)، فبعث من نقل إليه منها، وغرست باليمن، فأنجبت فلما آن اقتطاف قلوبها، سأله الملك المؤيّد عما يفيد، فوصف له ما

стр. 1115

يحدث عنها، فلما قال له: إنّها تقلل الأكل والنوم والجماع، قال له الملك المؤيّد: وأيّ لذة في الدنيا سوى هذا، والله لا آكله فإنني ما أنفق الأموال إلا على الثلاثة الأشياء فكيف استعمل ما يحول بيني وبين لذّاتي منها (١). ويزرع عندهم اللوبيا والخردل والباذنجان والبطيخ الأخضر والخيار والقرع والكرنب (٢) وتطلع عندهم (٤٨١) الملوخيّة، وكذلك الشّمار (٣) والصّعتر. ويجلب إليهم الذهب من داموت وسحام وهما بلاد معادن بالحبشة، وتساوي الأوقيّة منه من ثمانين درهما إلى مئة وعشرين درهما على قدر جودة الذّهب ورداءته بقدر ما يخالطه من التراب والتربة، والطّيب من الذهب عندهم يسمى … (٤). وعندهم الدجاج الدواجن ولا لهم كثير رغبة في أكلها استقذارا لها لأكلها من القمامات والزّبل، وعندهم جواميس برية تصاد كما ذكر في بلاد مالّي، وبها من أنواع الوحش البقر والحمر والغزال والنّعام والمها والإبل والكركدن والفهد والأسد والضّبعة العرجاء، وتسمى عندهم مرغفيف (٥)، ويصاد عندهم دجاج الحبش المعروف، ويؤكل ويستطاب لحمه

стр. 1116

ويفاخر فيه. وليس لأمراء هذا الملك ولا لجنده إقطاعات عليه ولا نقود، وإنما لهم الدوابّ الكثيرة السليمة، ومن شاء منهم زرع واستغلّ ولا يعارض. ولهذا الملك سماط عامر ممدود بل له سماط له ولخاصته، ولكنّه يفرق في بعض الأحيان على أمرائه بقرا عوضا عن أكلهم على السّماط، وأكثر ما يعطى الأمير الكبير منهم [مئتا] (١) بقرة. وليس بأوفات ولا بلادها دار ضرب ولا سكّة، ومعاملتهم بدنانير مصر، ودراهمها مما يدخل مع التجار إلى بلادهم.

стр. 1117

الفصل الثاني في دوارو (١) حدّثني هؤلاء الفقهاء المتقدمون في الفصل قبله أنّ هذه المملكة طولها خمسة أيام، وعرضها يومان، وهي على هذا الضيق ذات عسكر جمّ نظير عسكر أوفات في الفارس والراجل، وزيّهم مثل زيّهم في اللبس والركوب والهيئة سوى أن ملكها لا يحمل على رأسه جتر، ولا يتوكأ الأكابر بها مثل الملك والأمراء على الأيدي، وأقواتهم والموجودات [التي] (٢) عندهم من الحبوب والفواكه والخيول والدوابّ من نسبة ما تقدم إلا أنهم حنفية المذهب، ومعاملتهم بالحديد وتسمى الواحدة من تلك الحدايد حكنه بفتح الحاء المهملة وضمّ الكاف [والنون] (٣) وهي في طول الإبرة (٤٨٢) ولكنها أعرض من الإبرة تكون نحو عرض ثلاث إبر وما لها سعر تضبط به، وإنما تباع البقرة الجيدة بخمسة آلاف حكنه، ويباع الرأس الغنم الجيد بثلاثة آلاف حكنه، وهذه المملكة مجاورة لأوفات.

стр. 1118

الفصل الثالث في أرابيني حدّثني هؤلاء الفقهاء أيضا أنّ هذه المملكة مربعة على شكل التّربيع، طولها أربعة أيام، وعرضها كذلك، وعسكرها يقارب عشرة آلاف فارس، وأما الرّجّالة فكثيرة جدا، وأهلها حنفيّة <المذهب>، وهي تلي دوارو، وزيّ أهلها زيّ أهل دوارو، وفي كلّ شيء، والموجودات التي عندهم من الحبوب والفواكه والبقول والدّواب وغير ذلك مثل دوارو، ومعاملتهم بالحكنه كما تقدّم.

стр. 1119

الفصل الرابع في هدية (١) حدّثني أيضا هؤلاء الفقهاء أنّ صاحب هدية أقوى إخوانه من ملوك هذه الممالك السبعة، وأكثر خيلا ورجالا، وأشدّ بأسا على ضيق بلاده عن مقدار أوفات، وهذه البلاد طولها ثمانية أيام، وعرضها تسعة أيام، وعرضها تسعة أيام، ولملكها من العسكر نحو أربعين ألف فارس من غير الرّجّالة فإنهم خلق كثير مثل الفرسان مرتين أو أكثر، وهم في زيّهم ومعاملتهم وما يوجد عندهم من الحبوب والفواكه والبقول مثل أرابيني ودوارو، وبلاد هدية تلي أرابيني، وإلى مدينة (٢) تجلب الخدّام من بلاد الكفار. حدّثني الحاجّ فرج الفويّ التاجر أنّ صاحب أمحرة يمنع من خصي العبيد، وينكر هذا ويشدد فيه، وإنما السّرّاق تقصد مدينة اسمها وشلوا (٣) بفتح الواو والشين المعجمة واللام، وأهلها لا دين عندهم فيخصى بها العبيد، ولا يقدم على هذا في جميع بلاد الحبشة سواهم، وكذلك التجار إذا اشتروا العبيد وخرجوا بهم يعرجون إلى وشلوا ليخصوهم بها لأجل الزيادة في الثمن، ثم يحمل كلّ من خصي إلى مدينة هدية، فتعاد عليهم الموسى مرة ثانية لينفتح مجرى البول لأنّه يكون قد استدّ عند الخصي بالقيح، ثم إنهم يعالجون بهدية إلى أن يبرأوا؛ لأنّ أهل وشلوا (٤٨٣) ليس لهم معرفة بالعلاج، فسألت الفويّ لأيّ شيء تختصّ بهذا هديه دون بقية أخواتها، فقال:

стр. 1120

لأنّها أقرب هذه البلاد إلى وشلو <ا> قد صار لأهلها دربة في علاج هؤلاء، قال: ومع هذا فالذي يموت منهم أكثر من الذي يعيش، وأضرّ ما عليهم حملهم بلا معالجة من مكان إلى مكان، ولو عولجوا في مكان خصيهم كان أصلح لهم، ولولا حملهم إلى مكان يعالجون به ما سلم - والله أعلم - أحد منهم. وأهلها حنفيّة المذهب.

стр. 1121

الفصل الخامس في شرحا حدّثني هؤلاء الفقهاء أنّ هذه المملكة طولها ثلاثة أيام، وعرضها أربعة أيام، وعسكرها ثلاثة آلاف فارس ورجّالة مثلها مرتين وأكثر، وهي كأخواتها دوارو وأرابيني في بقية أحوالها من الزيّ، والمعاملة، والحبوب، والفواكه، والبقول، وسائر ما لهم وما عليهم، وهي تلي هدية. وأهلها حنفيّة المذهب.

стр. 1122

الفصل السادس في بالي حدّثني هؤلاء الفقهاء أنّ هذه المملكة طولها عشرون يوما، وعرضها ستة أيام، وعسكرها ثمانية عشر ألف فارس والرّجّالة بها كثير (١) عددهم، وأهلها مثل باقي أخواتها في جميع زيّهم وأحوالهم وأقواتهم، والموجودات عندهم، ولكنّها أكثر خصبا، وأطيب سكنا، وأبرد هواء وماء، ولكنهم لا يتعاملون بالنّقود مثل أوفات، ولا بالحكنه مثل بقية ما تقدم، ولكن بالأعواض مثل البقر والغنم والقماش، وهي تلي شرحا. وأهلها حنفيّة المذهب.

стр. 1123

الفصل السابع في دارة حدّثني هؤلاء الفقهاء أنّ طولها ثلاثة أيام، وعرضها [مثله] (١)، وهي أضعف أخواتها حالا، وأقلّها خيلا ورجالا، وعسكرها لا يزيد على ألفي فارس ومثلهم رجّالة، وهم في بقية أحوالهم وأحوالها مثل أخواتها ومعاملتها بالأعواض مثل بالي، وهي تليها. وأهلها حنفيّة المذهب. *** (٤٨٤) هذه جملة ما علمنا من أحوال هذه [لممالك] (٢) المسلمة في بلاد الحبشة، والمملكة منهم في بيوت محفوظة إلا بالي اليوم، فإنّ الملك بها صار إلى رجل ليس من أهل بيت الملك، تقرب إلى صاحب أمحرة حتى ولاّه مملكة بالي فاستقلّ ملكا بها ولا يبالي، وقد ولي بالي ومن أهل بيت الملك بها رجال أكفاء، والأرض لله يورثها من يشاء، وجميع ملوك هذه الممالك وإن توارثوها لا تستقلّ منهم بملك إلا من أقامه صاحب أمحرة. وإذا مات الملك منهم ومن أهله رجال قصدوا جميعهم صاحب أمحرة، وبذلوا المقدرة في التقرب إليه فيختار منهم رجلا يولّيه، فإذا ولاّه سمع البقية وأطاعوا لأنّ الأمر له فيهم، وهم كالنواب له، ومع هذا فإنّ جميع ملوك هؤلاء الملك تعظّم مكان صاحب أوفات، وتنقاد له بالمعاضدة في بعض الأوقات، والطريق إلى هذه البلاد من مصر شعبة من الطريق العظمى

стр. 1124

الآخذة إلى أمحرة وسائر بلاد الحبشة، وتجار هذه البلاد الحبشية (١) ناصع (٢) وسواكن (٣) ودهلك (٤)، وليس بها مملكة مشهورة، ولا لها أخبار مذكورة، وكلّها مسلمون قائمون. وأرضها أصعب مسلكا لكثرة جبالها الشامخة، وعظم أشجارها واشتباكها بعضها ببعض حتى أنه إذا أراد ملكها الخروج إلى جهة من جهاتها يتقدمه قوم مرصدون لإصلاح طرقها بآلات لقطع أشجارها ويطلقون فيها نارا لحريقها، وأولئك القوم كثير عددهم، ولم يملك بلادهم غيرهم من النوع الإنساني لأنهم أجبر بني حام، وأخبر بالتوغل في القتال والاقتحام، طول زمانهم مسافرون، وفي صيد وحش البرّ راغبون، ومما يدلّ على قوة جنانهم أنهم لا يلبسون ولا يلبسون خيلهم عند القتال شيئا، والمشهور عنهم مع ما لهم من الشجاعة <أنهم> يقبلون الحسب، ويصفحون عن الجرائم، والمصطلح بينهم أنّ من رمى سلاحه في القتال يحرّمون قتاله، والمجرم يتحسّب [ببرّ القادر] (٥) (٤٨٥) عليه فيتجاوز عن ذنبه، وقيل فيهم خلّة حسنة أيضا أنهم يحبون الغريب ويكرمون الضيف، ويحقق ذلك إكرام النجاشي قريشا عند ما هاجروا إليه، ويقال إنه قلّ أن يوجد عندهم رياء، والصديق عندهم

стр. 1125

لا ينقض عهدا لصديقه، وإذا تعاهدوا أكدوا المحبة وأظهروها، وإذا تباغضوا أعلنوا المباينة وأجهروها، غالبا يوجدون أذكياء أقوياء الحدس لهم علوم وصناعات بهم خصيصة، ومع كونهم جنسا واحدا ينطقون بألسنة شتى تزيد على خمسين لسانا وقلم قراءتهم واحد وهو الحبشي يكتب من اليمين إلى الشمال، عدّته ستة عشر حرفا لكلّ حرف سبعة فروع، الجملة من ذلك مئة واثنان وثمانون حرفا خارجا عن حروف أخر <ى> مستقلة بذاتها لا تفتقر إلى حرف من الحروف المعدودة المتقدم ذكرها، [مضبوطة] (١) بحركات نحوية متصلة به لا منفصلة عنه. وهي بلاد تنقسم عندهم أقاليم، كما تنقسم الديار المصرية والبلاد الشامية أعمالا وصفقات وممالك الإسلام المتقدمة الذكر في ذلك، ونحن نذكر هاهنا جملة حال بلاد الحبشة مسلمها وكافرها. قيل: إن أول بلادهم من الجهة الشرقية المائلة إلى بعض الجهة الشمالية بحر الهند واليمن، وفيها يمرّ البحر الحلو المسمى سيحون الذي يرفد منه نيل مصر المحروسة، والجهة الغربية إلى بلاد التكرور مما يلي جهة اليمين، وأولها مفازة تسمى وادي بركة، قيل: يتوّصل منه إلى إقليم يسمى سحرت (٢) ويسمّى قديما تكراي وكانت مدينة المملكة بهذا الإقليم في ذلك الزمان تسمى أخشرم (٣) بلغة أخرى من لغاتهم، وتسمى أيضا: زفرتا (٤)، وكان النجاشيّ الأقدم بها ملكا على جميع البلاد، ثم إقليم أمحرة وهو الذي به الآن مدينة
следующие страницы →