← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الفصل الخامس في شرحا حدّثني هؤلاء الفقهاء أنّ هذه المملكة طولها ثلاثة أيام، وعرضها أربعة أيام، وعسكرها ثلاثة آلاف فارس ورجّالة مثلها مرتين وأكثر، وهي كأخواتها دوارو وأرابيني في بقية أحوالها من الزيّ، والمعاملة، والحبوب، والفواكه، والبقول، وسائر ما لهم وما عليهم، وهي تلي هدية. وأهلها حنفيّة المذهب.

стр. 1122

الفصل السادس في بالي حدّثني هؤلاء الفقهاء أنّ هذه المملكة طولها عشرون يوما، وعرضها ستة أيام، وعسكرها ثمانية عشر ألف فارس والرّجّالة بها كثير (١) عددهم، وأهلها مثل باقي أخواتها في جميع زيّهم وأحوالهم وأقواتهم، والموجودات عندهم، ولكنّها أكثر خصبا، وأطيب سكنا، وأبرد هواء وماء، ولكنهم لا يتعاملون بالنّقود مثل أوفات، ولا بالحكنه مثل بقية ما تقدم، ولكن بالأعواض مثل البقر والغنم والقماش، وهي تلي شرحا. وأهلها حنفيّة المذهب.

стр. 1123

الفصل السابع في دارة حدّثني هؤلاء الفقهاء أنّ طولها ثلاثة أيام، وعرضها [مثله] (١)، وهي أضعف أخواتها حالا، وأقلّها خيلا ورجالا، وعسكرها لا يزيد على ألفي فارس ومثلهم رجّالة، وهم في بقية أحوالهم وأحوالها مثل أخواتها ومعاملتها بالأعواض مثل بالي، وهي تليها. وأهلها حنفيّة المذهب. *** (٤٨٤) هذه جملة ما علمنا من أحوال هذه [لممالك] (٢) المسلمة في بلاد الحبشة، والمملكة منهم في بيوت محفوظة إلا بالي اليوم، فإنّ الملك بها صار إلى رجل ليس من أهل بيت الملك، تقرب إلى صاحب أمحرة حتى ولاّه مملكة بالي فاستقلّ ملكا بها ولا يبالي، وقد ولي بالي ومن أهل بيت الملك بها رجال أكفاء، والأرض لله يورثها من يشاء، وجميع ملوك هذه الممالك وإن توارثوها لا تستقلّ منهم بملك إلا من أقامه صاحب أمحرة. وإذا مات الملك منهم ومن أهله رجال قصدوا جميعهم صاحب أمحرة، وبذلوا المقدرة في التقرب إليه فيختار منهم رجلا يولّيه، فإذا ولاّه سمع البقية وأطاعوا لأنّ الأمر له فيهم، وهم كالنواب له، ومع هذا فإنّ جميع ملوك هؤلاء الملك تعظّم مكان صاحب أوفات، وتنقاد له بالمعاضدة في بعض الأوقات، والطريق إلى هذه البلاد من مصر شعبة من الطريق العظمى

стр. 1124

الآخذة إلى أمحرة وسائر بلاد الحبشة، وتجار هذه البلاد الحبشية (١) ناصع (٢) وسواكن (٣) ودهلك (٤)، وليس بها مملكة مشهورة، ولا لها أخبار مذكورة، وكلّها مسلمون قائمون. وأرضها أصعب مسلكا لكثرة جبالها الشامخة، وعظم أشجارها واشتباكها بعضها ببعض حتى أنه إذا أراد ملكها الخروج إلى جهة من جهاتها يتقدمه قوم مرصدون لإصلاح طرقها بآلات لقطع أشجارها ويطلقون فيها نارا لحريقها، وأولئك القوم كثير عددهم، ولم يملك بلادهم غيرهم من النوع الإنساني لأنهم أجبر بني حام، وأخبر بالتوغل في القتال والاقتحام، طول زمانهم مسافرون، وفي صيد وحش البرّ راغبون، ومما يدلّ على قوة جنانهم أنهم لا يلبسون ولا يلبسون خيلهم عند القتال شيئا، والمشهور عنهم مع ما لهم من الشجاعة <أنهم> يقبلون الحسب، ويصفحون عن الجرائم، والمصطلح بينهم أنّ من رمى سلاحه في القتال يحرّمون قتاله، والمجرم يتحسّب [ببرّ القادر] (٥) (٤٨٥) عليه فيتجاوز عن ذنبه، وقيل فيهم خلّة حسنة أيضا أنهم يحبون الغريب ويكرمون الضيف، ويحقق ذلك إكرام النجاشي قريشا عند ما هاجروا إليه، ويقال إنه قلّ أن يوجد عندهم رياء، والصديق عندهم

стр. 1125

لا ينقض عهدا لصديقه، وإذا تعاهدوا أكدوا المحبة وأظهروها، وإذا تباغضوا أعلنوا المباينة وأجهروها، غالبا يوجدون أذكياء أقوياء الحدس لهم علوم وصناعات بهم خصيصة، ومع كونهم جنسا واحدا ينطقون بألسنة شتى تزيد على خمسين لسانا وقلم قراءتهم واحد وهو الحبشي يكتب من اليمين إلى الشمال، عدّته ستة عشر حرفا لكلّ حرف سبعة فروع، الجملة من ذلك مئة واثنان وثمانون حرفا خارجا عن حروف أخر <ى> مستقلة بذاتها لا تفتقر إلى حرف من الحروف المعدودة المتقدم ذكرها، [مضبوطة] (١) بحركات نحوية متصلة به لا منفصلة عنه. وهي بلاد تنقسم عندهم أقاليم، كما تنقسم الديار المصرية والبلاد الشامية أعمالا وصفقات وممالك الإسلام المتقدمة الذكر في ذلك، ونحن نذكر هاهنا جملة حال بلاد الحبشة مسلمها وكافرها. قيل: إن أول بلادهم من الجهة الشرقية المائلة إلى بعض الجهة الشمالية بحر الهند واليمن، وفيها يمرّ البحر الحلو المسمى سيحون الذي يرفد منه نيل مصر المحروسة، والجهة الغربية إلى بلاد التكرور مما يلي جهة اليمين، وأولها مفازة تسمى وادي بركة، قيل: يتوّصل منه إلى إقليم يسمى سحرت (٢) ويسمّى قديما تكراي وكانت مدينة المملكة بهذا الإقليم في ذلك الزمان تسمى أخشرم (٣) بلغة أخرى من لغاتهم، وتسمى أيضا: زفرتا (٤)، وكان النجاشيّ الأقدم بها ملكا على جميع البلاد، ثم إقليم أمحرة وهو الذي به الآن مدينة

стр. 1126

المملكة وتسمى بلغتهم مرعدي، ثم إقليم شاوه، ثم إقليم داموت، ثم إقليم لا منان، ثم إقليم السّيهو، ثم إقليم الزّنج، ثم إقليم عدل الأمراء، ثم إقليم حماسا، ثم إقليم باريا، ثم إقليم الطراز الإسلامي الداخلة في جملة جميع البلاد الحبشية (٤٨٦) وملوكه سبعة كما تقدم تفصيلها إقليما إقليما، وكلّ إقليم من هذه الأقاليم له ملك وجيوش كما تقدم أيضا ذكره، وقيل: إنهم كلّهم تحت [سلطان] (١) ملكهم الأكبر المسمّى بلغتهم الحطّي، ومعناه السلطان، وهذا الاسم موضوع لكلّ من يقام عليهم ملكا كبيرا، واسم الملك المقام عليهم الآن عمد سيون وتأويله: ركن صهيون، وهي بيعة قديمة البناء بالإسكندرية معظمة عندهم يتعبّدون لله فيها، وقيل: إنه من الشجاعة على أوفر قسم وإنه أحسن السلوك عادل في رعيته يتفقد مساكنها، وقيل إن تحت يده من الملوك تسعة و [تسعين] (٢) ملكا، وهو لهم تمام المئة في الأقاليم المذكورة والأقاليم المجهولة أسماؤها، لأنها كثيرة العدد غير مشهورة ولا معلومة، وقيل: إنّ الحطّيّ المذكور وجيشه لهم خيام ينقلونها معهم في السّرحات والأسفار، وإذا جلس يجلس حول كرسيّه أمراء مملكته وكبراؤها على كراسيّ حديد منها ما هو مطعم بالذهب، ومنها ما هو ساذج (٣) على قدر مراتبهم. والملك المذكور قيل إنه مع ما له من نفاذ الأمر يتثبت في أحكامه حتى يتبين. فأما لباس أهل البلاد المذكورة في الشتاء فهو لباسهم في الصيف، الخواص منهم والأجناد قماش حرير وأبراد هندية وما شاكل ذلك، والعوام ثياب قطن منسوج غير مخيط لكل نفس ثوبان. واحد لشدّ وسطه، وآخر يلتحف به، وكذلك الخواصّ منهم في الحرير والأبراد يشتدّون

стр. 1127

ويلتحفون بمنسوج غير مخيط. وسلاح المقاتلين منهم القسيّ والنبال الشبيهة بالنشّاب والسيوف والمزاريق والحراب، ومنهم من يقاتل بالسيوف وأتراس طوال وقصار، وغالب سلاحهم مزاريق تشبه الحراب الطوال، ومنهم من يرمي عن قوس طويل يشبه قوس القطن بالنبال، وهي سهام قصار، وقيل: إن نبال المقاتلين من أجناد الطراز الإسلامي أكبر، ولهم أبواق من خشب القنا المجوّف ومن قرون البقر المجوفة. ومأكلهم (٤٨٧) شحوم البقر والماعز وبعض شحوم الضأن، ومشروبهم اللبن البقريّ، وفي ضعفهم يتداوون باللبن المداف بالماء وسمن البقر، وعندهم نبات يسمى [جات] (١) يتناولونه لتجويد الفهم وتقوية الحفظ، وهو أشجار صغار وكبار ثمرته تشبه قلوب شجر النارنج وقد تقدم ذكره. وغالب أهل البلاد المذكورة يتعاملون مقايضة بالأغنام والأبقار والحبوب وغير ذلك إلا في خمسة أقاليم من الطراز الإسلاميّ، وهي إقليم مدينة أوفات يتعاملون بالذهب والفضة، وإقليم [دوارو] (٢) وإقليم أرابيني، وإقليم شرحة، وإقليم هدية يتعاملون بشيء عندهم يسمى الحكنه، وهي حديد مضروب كالإبر الطّوال كلّ ثلاثة آلاف بالعدد قيمتها درهم واحد. وكلّ البلاد المذكورة والطراز الإسلاميّ يزرعون على الأمطار في السنة مرتين، ويتحصل لهم مغلات، والزمان الذي يحصّل فيه المغلّ الأول يأتي فيه مطر ثان يزرع عليه المغلّ الثاني، والمطر الواقع من زمن الشتاء يسمى بل، والمطر الواقع في زمن الصيف يسمى كرم بلغة الزيالعة.

стр. 1128

وأخبرني البطريرك بنيامين فيما حكى لي في كتابه عنهم أنه عند نزول الأمطار الكثيرة تقع صواعق، وأصناف زراعاتهم الغيطية القمح، والشعير، والحمص، والعدس، و [البسلّى] (١)، والذرة، وبعض الباقلاء، وحبوب أخر <ى> غير ذلك منها حبّ يسمى قبانهلول (٢)، يستعملونه قوتا كالقمح، أما القمح فحبّه كالحنطة المالونه (٣) ولونه كالقمح الشاميّ يباع منه في الطراز الإسلاميّ بالدرهم تقدير حمل بغل، والشعير ليس له قيمة، وحبّه أكبر مقدارا من حبّه بالديار المصرية، ومنه ضرب يسمى طمحة (٤)، و [لون] (٥) الحمص [عندهم] (٥) إلى الحمرة ما هو (٦)، والباقلاّ (٧) عزيز الوجود في أكثر البلاد، ولا يفتقر إليه دوابّهم في العلف لأنّ الأرض كثيرة المياه والمراعي. وعندهم (٤٨٨) حبّ يسمى بلغتهم طافي وحبّه بمقدار الخردل ولونه إلى الحمرة، ومكسره إلى السواد يتخذون منه خبزا، وهو يميل إلى القمح، وعندهم ببعض الأقاليم حبّ يسمى البنّ وهو شبه القمح، ولكنه بقشرين فينزعون قشوره بالهرس كالأرزّ ويتخذون منه طعاما ينوب عن القمح، وليس عندهم من أصناف المقاثي إلا القرع وفي بعض الأقاليم بطيخ

стр. 1129

صغير، وبزر الكتّان وحبّ الرشاد (١) واللّفت والفجل ومن البقول أيضا الثوم والبصل والكزبرة الخضراء. وأشجارهم البستانية العنب الأسود، وهو قليل والتين الوزيريّ، وأصناف الحوامض خلا النارنج والموز، ورياحينهم الريحان، والقرنفل، ونبات أيضا يسمّى بعتران (٢)، وعندهم الياسمين البريّ، ولكنه غير مشموم لهم. ومن أشجارهم الزيتون، والصنوبر، والجمّيز، وفي بعض بلادهم الآبنوس (٣)، وهو كثير الأشجار والمقل أيضا ببعض الأقاليم، وكذلك أشجار القنا وهي صنفان: أحدهما صامت والآخر أجوف، وبالطراز الإسلاميّ قصب السكّر كثير جدا، ويتخذون منه القند، وذكر أن الذي يوجد عندهم من المعادن معدن الذهب والحديد. وذكر السيد الشريف عزّ الدين التاجر أنّ في بعض بلادهم يوجد معدن الفضة. وعندهم من ذوات الأربع الخيل والبقر والغنم والبغال وما أشبه ذلك، وأغنامهم تشبه أغنام عيذاب (٤) واليمن، ووحوشهم البرية الأسد والنمر والفهد والفيل والغزال على اختلاف الألوان في ذلك، وبقر الوحش وحمر الوحش والزرافة والقردة ووحوش أخر <ى> كثيرة. وعندهم من الطيور: الجوية والأهلية والمائية.

стр. 1130

أما الجوية فهي: الصقور والنسور البيض والسود وأمثالها، والغربان والحجل وسائر طير الواجب والسّمّان والحمام والعصافير والبزاة وغير ذلك مما لم يوجد بالديار (٤٨٩) المصرية. وأما الأهلية والبرية فدجاج الحبش وأمثاله. والمائية: فالبطّ، ودجاج أيضا يخرج من بركة ماء في إقليم هدية الإسلامي. قال الشيخ جمال الدين عبد الله الزّيلعيّ: إن العين المذكورة يتولد منها دجاج يأكلونه، ويأكلون من لحوم الطير الحمام والعصفور وغراب الزرع والدجاج البريّ والحجل، والسمك عندهم منه ما يشبه البوريّ، و [منه] (١) ما يشبه الثعبان يطول إلى مقدار ذراعين ونصف، ويغلظ إلى مقدار الخشب، ويطلع من بحرهم التمساح وفرس البحر. أما عسل النحل فكثير في جميع البلاد يتربى في الجبال، ويأخذون منه العسل والشمع من غير حجر عليه، ومنه ما له خلايا خشب منقورة، وعسلهم مختلف الألوان بحسب المرعى. ومساكنهم غالبها أخصاص من جملونات خلا المدن الكبار، فإنها مبنية من الحجر. وأواني طعامهم فخّار مدهون أسود، وحمّامهم الاغتسال بالماء البارد، وبعضهم يتخذونه حارا. ووقودهم الشمع، ومصابيحهم وقودها بشحوم البقر؛ لأن الزيت الطيب يجلب إليهم، ويدهن للرجال والنساء منهم بالسمن. ومصاغهم الذهب والفضة والنحاس والرّصاص على قدر تمثال السّعر.

стр. 1131

هذا ما نقلته الثقات عنهم، ومع ما هم عليه من سعة البلاد وكثرة الخلق والأجناد يفتقرون إلى العناية والملاحظة من صاحب مصر، لأن المطران الذي هو حاكم حكام شريعتهم في جميع بلادهم النصرانية لا يقام إلا من الأقباط اليعاقبة بالديار المصرية، حيث تخرج الأوامر السلطانية من مصر لبطرك النصارى اليعاقبة بإرسال مطران إليهم، وذلك بعد سؤال ملك الحبشة المسمى بالحطّي بلغتهم، وإرسال رسله وهداياه، وهم يدّعون أنهم يحفظون مجاري النيل المنحدر إلى مصر، ويساعدون (٤٩٠) على إصلاح سلوكه تقريبا لصاحب مصر، وإنما المشهود منهم والمعروف منهم الصدق والأمانة فهو مشهور، ولذلك يختار صاحب إقامتهم <منهم> أمناء على الحريم والأولاد والأرواح والأموال، وكذلك بعض التجار الكرّامية (١) و [ذوو] (٢) الأموال يجعلونهم على حفظ أموالهم وتجاراتهم وبضائعهم الثمينة ومكاسبهم الجليلة إلى قريب [البلاد] (٣) وبعيدها، وطويل المسافات وقصيرها. وهذا ما وصلني من أخبارهم، والله أعلم بالحقّ، وعندهم وعنده العلم الصّدق.

стр. 1132

الباب التاسع في ممالك مسلمي السودان على ضفة النيل إلى مصر وفيه فصلان الفصل الأول: في الكانم الفصل الثاني: في النوبة

стр. 1133

الفصل الأول في الكانم (١) <الكانم بلد> مسلم مستقل بينه وبين بلاد مالّي [مسافة بعيدة جدا، قاعدة ملكه] (٢) بلد اسمها جيمي (٣)، مبدأ مملكته من جهة مصر بلدة اسمها زلا (٤) وآخرها طولا بلدة يقال لها كاكا (٥) وبينهما نحو ثلاثة أشهر، وعسكرهم يتلثمون، وملكهم على حقارة سلطانه وسوء بقعة مكانه في غاية لا تدرك من الكبرياء يسمح برأسه عنان السماء مع ضعف أجناد، وقلة متحصّل بلاد، محجوب لا يراه أحد إلا في يوم العيدين، يرى بكرة وعند العصر، وفي سائر السنة لا يكلمه أحد ولو كان أميرا إلا من وراء حجاب، وربما كان فيهم من أخذ في التعليم ونظر من الأدب نظرة النجوم، فقال إني سقيم، فما زال يداوي علل فهمه، ويداري جامح علمه حتى تشرق عليه أشعتها، ويطرز بديباجه أمتعتها. غالب عيشهم الآن الأرزّ، والقمح، والذّرة، وببلادهم التين، والليمون، واللّفت، والباذنجان، (٤٩١) والرّطب.

стр. 1134

وأخبرني أبو عبد الله [السّلالجيّ] (١) أنّه أخبره الشيخ الصالح المنقطع عثمان الكانميّ وهو من أقارب ملوكها أنّ الأرزّ ينبت عندهم من غير بذر أصلا، وهو ثقة، قال السّلالجيّ: وسألت عن ذلك غيره فأخبرني بصحة ذلك. ويتعاملون بقماش ينسج عندهم اسمه دندي طول كلّ ثوب عشرة أذرع يشترون من ربع ذراع فأكثر، ويتعاملون أيضا بالودع والخرز والنحاس المكسور والورق لكنه جميعه يسعّر بذلك القماش. وذكر ابن سعيد (٢) أنّ في جنوبيّها شعار (٣) وصحار <ى> فيها أشخاص متوحشة كالغول تؤذي بني آدم، ولا يلحقها الفارس وهي أقرب الحيوانات إلى الشكل الآدمي. وذكر القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الملك المراكشيّ في كتابه المعجم المسمى ب "التكملة" (٤) أبا اسحاق إبراهيم الكانميّ الأديب الشاعر، وحكى عنه أنه قال: يظهر ببلاد الكانم بالقرب [من] (٥) أمام الماشي في الليل شبيه قلل نار تضيء، فإذا مشى ليلحقها بعدت عنه، ولو جرى إليها لا يصل إليها بل لا تزال أمامه، وربما رماها بحجر فأصابها فيتشظّى منها شرارات، نقل لي هذا على ما رآه في "التكملة" محمد السّلالجيّ.

стр. 1135

قال ابن سعيد: وإنّ بها يقطينا تعظم اليقطينة إلى أن يصنع منها مركب تعبر فيه في النيل، قال: وهذا مستفيض، والعهدة على الحاكي. وهذه البلاد بين إفريقيّة وبرقة ممتدة في الجنوب إلى سمت الغرب الأوسط، وهي بلاد قحط وشظف وسوء مزاج مستول عليها، وأحوالها وأحوال أهلها خشنة، وأول من نشر الإسلام فيها الهادي العثمانيّ، ادعى أنه من ولد عثمان بن عفان ﵁، وصارت بعده لليزنيين من بني ذي يزن (١)، والعدل قائم في بلادهم، ومذهبهم مذهب الإمام مالك ﵁. وهم ذوو اختصار في اللباس، كايسون في الدين (٤٩٢) وقد بنوا بفسطاط مصر مدرسة للمالكية ووفودهم ينزل بها.

стр. 1136

الفصل الثاني في النّوبة (١) تلي مصر في نهاية جنوبها على ضفتيّ النيل الجاري إلى مصر، وقاعدتها دنقلة. ومدنها أشبه بالقرى والضّياع من المدن، قليلة الخير والخصب، يابسة الهواء، وكذلك زهد فيها [بنو] (٢) أيوب في مدة السّلطان صلاح الدين لما تجهز أخوه شمس الدولة (٣) لأخذها (٤)، فعدل [إلى] (٥)، اليمن (٦) لأنّهم خافوا من الشّهيد نور الدين محمود بن زنكي أن يقصدهم إلى مصر وينتزع المملكة من أيديهم، فأرادوا فتح بلاد من ورائهم تكون

стр. 1137

ملجأ لهم، فقصدوا النوبة، فلما رأوها بلادا لا تصلح لمثلهم عدلوا إلى اليمن (١). وأديان أهل هذه البلاد دين النصرانية، وملكهم كأنه واحد من العامة، ومن بلادهم لقمان الحكيم، وقد ذكره البيهقيّ في "مفاخر النّوبة"، ثم سكن مدينة أيلة (٢) مع اليهود

стр. 1138

ورحل إلى بيت المقدس، ورأى أنبياء بني اسرائيل وجالس داود ﵇. قال ابن سعيد: رآه يصوغ الحديد ويصنع منه حلقا ولا يعرف ما يؤول إليه أمره، فصحبه على ذلك سنة ولم يسأله عما يصنعه إلى أن كمّل داود الدرع ولبسها، فقال لقمان: درع حصينة ليوم قتال، كفتني عيني مؤونة لساني، الصمت حكمة وقليل فاعله، قال: ومنها ذو النون المصريّ أبو الفيض ثوبان بن ابراهيم (١)، كان أبوه عبدا نوبيا، وقد تقدم ذكره في الفقراء (٢). وقال صاحب كتاب "الأبرار" (٣): ومما سمع منه: <الطويل> أموت وما ماتت إليك صبابتي … ولا قضيت من صدق حبّك أوطاري وأنت منى سؤلي وغاية مقصدي … وموضع شكواي ومكنون أسراري وخدمه رجل على أن يعلمه اسم الله الأعظم، فمطله زمانا ثم أمره أن يحمل من عنده

стр. 1139

طبقا مغطى إلى شخص بالفسطاط، فلما حمله استخفّه، فقال: (٤٩٣) لأبصرنّ ما فيه، فكشفه، فخرجت منه فأرة، فاغتاظ، وقال: ضحك عليّ ذو النّون، فرجع إليه مغضبا، فلما رآه ذوالنون تبسم، وقال: يا مجنون ائتمنتك على فأرة فخنتني، فكيف ائتمنك على اسم الله الأعظم، قم عني فلا أراك بعدها. وقيل له: المصريّ لأنه سكن مصر ومات بها، وقبره بالقرّافة (١) رحمه الله تعالى. وملكها الآن مسلم من أولاد كنز الدولة (٢)، وهؤلاء أولاد الكنز أهل بيت ثارت لهم فيما تقدم ثوائر مرات، ولا يملك الآن بها ملك إلا من الأبواب السلطانية بمصر، وعلى ملوك دنقلة حمل مقرر لصاحب مصر، وهذه الإتاوة لا ذهب فيها ولا فضة، بل هي عدد من العبيد والإماء والحراب والوحش النّوبية. وحدّثني غير واحد ممن دخل النّوبة أنّ دنقلة (٣) مدينة ممتدة على النيل، وأهلها في شظف من العيش على أنهم أصلح من كثير ممن سواهم من السودان، وبها مسجد جامع تأوي إليه الغرباء، وتجيء رسل الملك إليهم تستدعيهم إليه، فإذا جاؤوا أضافهم ووهبهم وأكرمهم هو و [أمراؤه] (٤)،

стр. 1140

وأكثر <أ> عطياتهم إما عبد أو جارية، وأما أكثر <أ> عطياتهم فهي دكاديك، وهي أكسية غلاظ غالبها سود، واللحوم والألبان والسمك عندهم كثير، والحبوب قليلة إلا الذرة، وأفخر أطبختهم ما يعمل باللوبيا في مرق اللحم ويثرد ويصفّ اللحم واللوبيا على وجه الثريد، ويعمل اللوبيا بورقها وعرقها ولهم انهماك على السّكر بالمزر (١) ولهم ميل شديد إلى الطّرب. وحدّثني أحمد بن المعظمي وكان قد دخل مع أبيه إلى هذه البلاد وما وراءها في الرّسلية مرات أنّ ملوك السودان يتخذون كلابا معلّمة تنام على التخوت حولهم هي كالحراس لهم. والنّوبة لهم قتال، وبأسهم بينهم على ضعف قواهم وقلة بأسهم.

стр. 1141

الباب العاشر في مملكة مالي وما معها

стр. 1142

<في مملكة مالي وما معها (١) > (٤٩٤) اعلم أنّ هذه المملكة في جنوب نهاية الغرب متصلة بالبحر المحيط، قاعدة الملك بها مدينة ييتي (٢)، وهذه المملكة شديدة الحرّ، قشفة المعيشة، قليلة أنواع الأقوات، وأهلها طوال في غاية السواد، وتفلفل الشّعور، وغالب طول أهلها من سوقهم لا من هياكل أبدانهم، وملكها الآن اسمه سليمان (٣) أخو السلطان موسى منسى (٤) بيده ما كان قد جمعه أخوه مما فتحه من بلاد السّودان، وأضافه إلى يد الإسلام، وبنى به المساجد والجوامع والمواذن، وأقام به الجمع والجماعات والأذان، وجلب إلى بلاده الفقهاء من مذهب الإمام مالك ﵁، وبقي بها سلطان المسلمين، وتفقه في الدين. وصاحب هذه المملكة هو المعروف عند أهل مصر بملك التّكرور، ولو سمع هذا أنف منه

стр. 1143

لأنّ التكرور إنما هو إقاليم من أقاليم مملكته، والأحبّ إليه أن يقال: صاحب مالّي لأنّه الإقليم الأكبر، وهو به أشهر. وهذا الملك هو أعظم ملوك السودان المسلمين وأوسعهم بلادا، وأكثرهم عسكرا، وأشدّهم بأسا، وأعظمهم مالا، وأحسنهم حالا، وأقهرهم للأعداء، وأقدرهم على إفاضة النّعماء. والذي تشتمل عليه هذه المملكة من الأقاليم: غانة (١)، وزافون (٢)، وترنكا (٣)، وتكرور (٤)، وسنغانة (٥)، وبانبقوا (٦)، وزرنطابنا، وبيترا، ودومورا، وزاغا (٧)،

стр. 1144

وكابرا (١)، وبراغوري (٢)، وكوكو (٣)، وسكان كوكو قبائل يرتان (٤). وإقليم مالّي <هو> الذي به قاعدة الملك مدينة ييتي، وكلّ هذه الأقاليم مضافة إليه، والاسم المطلق عليه في هذه الأقاليم كلّها مالّي، قاعدة أقاليم هذه المملكة [ذات] (٥) المدن والقرى والأعمال <وهي> أربعة عشر إقليما. حدّثني الشيخ الثقة الثّبت أبو عثمان سعيد الدكّاليّ وهو ممن سكن مدينة ييتي خمسا وثلاثين سنة واضطرب في هذه المملكة أنها (٦) مربعة طولها أربعة أشهر وأزيد، وعرضها مثل ذلك تقع جنوب مرّاكش ودواخل برّ العدوة (٧) جنوبا بغرب إلى المحيط، وطولها من تولي إلى طوروا (٤٩٥) وهي على المحيط، جميعها مسكونة إلا ما قلّ وإنّ في طاعة سلطان هذه المملكة بلاد مغزارة التبر يحملون إليه التبر في كلّ سنة وهم كفار همج، ولو شاء أخذهم، ولكنّ ملوك هذه المملكة قد جربوا أنه ما فتح منهم أحد مدينة من مدن الذهب وفشا بها الإسلام، ونطق بها داعي الأذان إلا قلّ بها وجود الذهب ثم يتلاشى حتى

стр. 1145

يعدم، ويزداد فيما يليه من بلاد الكفار، وأنه لما [صحّ] (١) هذا عندهم على التجريب (٢) أبقوا بلاد التّبر بأيدي أهلها الكفار، ورضوا منهم ببذل الطاعة وحمول قرّرت عليهم. وليس في مملكة صاحب هذه المملكة من يطلق عليه اسم ملك إلا صاحب غانة (٣)، وهو كالنائب له، وإن كان ملكا. وفي شمال بلاد مالي قبائل من البربر بيض تحت حكم سلطانها وهم: نيتصر، ونيتغراس ومدوسة ولمتونة (٤) ولهم أشياخ تحكم عليهم إلا نيتصر فإنهم يتداولهم ملوك منهم تحت حكم صاحب مالي، وكذلك في طاعته قوم من الكفار ومنهم من يأكل لحوم بني آدم، ومنهم من أسلم، ومنهم من هو باق على هذا، وقد ذكر هذا في موضعه. ومدينة ييتي ممتدة طولا وعرضا تكون طول بريد (٥) تقريبا، وعرضها كذلك لا يحيط بها سور وأكثرها متفرقة، وللملك عدة قصور، يستدير بها سور محيط بها، وفرع من النيل يستدير بهذه المدينة من جهاتها الأربع، وفي بعضها يخاض ويمشى فيه عند قلة الماء، وفي بعضها لا يعبر إلا بالمراكب.

стр. 1146

وبناء هذه المدينة بأياد من الطين (١) مثل جدران بساتين دمشق، وهو أنه يبنى تقدير نصف ذراع بالطين ثم يترك حتى يجفّ، ثم يبنى عليه مثله، ثم يترك حتى يجفّ ثم يبنى عليه مثله هكذا حتى يتناهى، وسقوفها بالأخشاب والقصب، وغالب سقوفها قباب أو جملونات كالأقباء، وأرضها تراب مرمل، وشرب أهلها من ماء النيل وآبار محتفرة، وجميع هذه البلاد مصخرة مجبلة، وجبالها ذوات (٤٩٦) أشجار برية مشتبكة غليظة السوق إلى غاية تكون منها الشجرة الواحدة تظلّ خمس مئة فارس. وغالب أقواتهم الأرزّ و [الفوني] (٢) وهو دقّ مزغب يدرس فيخرج منه شبيه حبّ الخردل أو أصغر، وهو أبيض يغسل ثم يطحن تم يعجن ويؤكل (٣)، وعندهم الحنطة وهي قليلة، والذرة وفيها لهم قوت، وعليق خيلهم وطعم دوابّهم، وعندهم الخيل من نوع الأكاديش التترية، والبغال كلّها صغار المقادير جدا، وكذلك كلّ دوابّهم من البقر والغنم والحمر ليس يوجد منها إلا ذميم الخلق صغير الحبّة. ويزرع عندهم شيء اسمه القافي (٤) وهو عروق دقاق تدفن في الأرض فتزكو حتى تصير غلاظا طعمها شبيه بالقلقاس لكنّه ألذّ من القلقاس، وهو يزرع في الخلاء فإن اطلع الملك على أنّ أحدا سرق شيئا منه قطع رأسه و [علّقه] (٥) مكان ما قطعه، هذه سنّة عندهم يتوارثها كابر عن كابر لا ترخصها مسامحة، ولا تنفع فيها شفاعة، ويزرع عندهم اللوبيا،

стр. 1147

والقرع، واللّفت، والبصل، والثوم، والباذنجان، والكرنب، ولكن الباذنجان والكرنب قليل عندهم، وتطلع الملوخيّة برية. وعندهم من الفواكه البستانية الجمّيز وهو كثير عندهم، وتطلع عندهم أشجار برية ذوات ثمار مأكولة مستطابة فيها شجر يسمى نادموت (١) يحمل مثل القواديس في كبرها وفي داخلها شبيه دقيق الحنطة ساطع البياض مزّ لذيذ، ويعمل منه إذا جفّ في الحناء، فيسوده مثل النوشادر، وهو يدّخر عندهم للأكل والخضاب، ومنها شجر يسمى زبيزور تخرج ثمرته مثل قرون الخرّوب يخرج منه شبيه بدقيق التّرمس حلو لذيذ الطعم، وله نوى ومنها شجر يسمى شومي (٢) يحمل شبيه السفرجل طعمه لذيذ يشبه طعم الموز، وله نوى شبيه [بغضروف العظم يأكله بعضهم معه، وشجر اسمه فاريتي يحمل شبيه] (٣) الليمو <ن> وطعمه شبيه بطعم الكمّثرى بداخله نوى ملحم يؤخذ ذلك النوى وهو طريّ ويطحن فيخرج منه شبيه بالسّمن ويجمد مثله تبيّض به البيوت، وتوقد منه السّرج (٤٩٧) والقناديل، ويعمل منه صابون، وإذا أريد أن يؤكل ذلك الدهن يحرق بتدبير، وصورة تدبيره أن يوضع على نار لينة ويغطى ويترك إلى أن يقوى غليانه ويبقى الذي يدبره يشارفه مشارفة في اختباره ويرضعه بالماء قليلا قليلا مرات وهو مغطى محترز عليه أن يتناهى على قدر القوة، ثم يترك حتى يبرد، ويستعمل في المأكل بالسمن، ومتى فوجئ بكشف الغطاء فار وطار وتصاعد إلى السقف، وربما انعقد منه نار فأحرقت الدار، وربما زاد فاحترقت البلد، وهذا الدّهن يخرق كلّ جلد وضع فيه ولا يحمله إلا ظروف القرع.

стр. 1148

ويوجد بها من الثمرات البرية ما هو شبيه بكلّ الفواكه البستانية على اختلاف أنواعها، ولكنها حرّيفة لا [تستطاب] ولا يأكلها إلا السودان، وهي قوت [كثير منهم] (١). وعندهم الملح موجود بخلاف الجوانيين والمسامتين لسجلماسة وما وراءها. وفي صحاريهم الجواميس برية تصاد كالوحوش وصورة صيدهم لها أنهم يحملون من … (٢) الصغار، وما يربى عندهم في البيوت، فإذا أرادوا صيد الجواميس أخرجوا واحدا منها إلى موضع الجواميس لتراه وتقصده وتتآلف به … (٢) التي هي علة الضم، فإذا تآلفت بها رموها بنشّاب مسموم عندهم، ثم يقطعون مواضع السّم، وهو موضع الرّمية وما حوله، ثم يؤكل باقيه. وأغنامهم ومعزهم لا مرعى لها وإنما هي جلاّلات على القمامات والمزابل، وتلد الواحدة من المعز في بطن واحد سبعة وثمانية. وبصحاريهم أنواع الوحوش من الحمر والبقر والغزلان والنّعام وما يجري مجراها، والفيلة والآساد والنمور وكلّها لا تؤذي إلا من تعرض لها أو تحرش بها، وربما مرّ الرجل بها إلى جانبها فلا تعترضه ما لم يهجها. وعندهم وحش يسمى ترمّي - بضمّ التاء المثناة والراء المهملة وتشديد الميم - ولا يكون إلا خنثى له ذكر وفرج، مولّد بين الذئاب والضّباع.

стр. 1149

قال الشيخ سعيد (٤٩٨) الدكّاليّ: وقد رأيته بعيني، وهو خنثى قدر الذئب متى وجد في الليل آدميا صغيرا أو مراهقا خطفه وأكله، فأما بالنهار فلا يؤذي ولا له إقدام على الرجل التّمام، وهو ينعر كنعار الثور إذا أراد النّطاح، وهو ينبش الموتى ويأكلهم، وأسنانه كأسنان التمساح مصفّحة ذكر في أنثى. وفي مجرى النيل عندهم تماسيح كبار هائلة المقادير يوجد منها ما يكون طوله عشرة أذرع وأزيد، قال الدكّاليّ: وصيد منها تمساح وضع في قلبه رمح طوله عشرة أشبار، ومرارته سمّ، وهي تحمل إلى خزانة ملكهم، قال: والفيل يصاد في بلاد الكفار المجاورة لهم بالسّحر حقيقة لا مجازا، والسحر بهذه البلاد كلّها [كثير] (١) إلى غاية، وخصوصا ببلاد غانة، وفي كلّ وقت يتحاكم عند ملكهم بسببه، ويقال إن فلانا قتل بالسحر أخي أو ولدي أو بنتي أو أختي، ويحكم على القاتل بالقصاص ويقتل الساحر. وسلطان هذه المملكة يجلس في قصره على مصطبة كبيرة تسمى عندهم بنبي - بالباء الموحدة والنون والباء الموحدة - على دكّة كبيرة من آبنوس كالتخت يكون قدر المجلس العظيم المتسع، عليها أنياب الفيلة في جميع جوانبها الناب إلى الناب، وعنده سلاحه من ذهب كلّه، سيف ومزراق وتركاش (٢) وقوس ونشّاب، وعليه سراويل كبير مفصل من نحو

стр. 1150

عشرين نصفية لا يلبس مثله أحد، ويقف خلفه نحو ثلاثين [مملوكا] (١) من التّرك (٢) وغيرهم ممن يبتاع له من مصر بيد واحد منهم جتر حرير عليه قبة وطائر من ذهب، والطائر صفة [باز] (٣)، يحمل على يساره، وأمراؤه جلوس حوله <و> من تحته [سماطان] (٤) يمينا ويسارا، ثم دونهم أعيان من فرسان عسكره جلوس، وبين يديه شخص يغني له وهو سيافه، وآخر سفير بينه وبين الناس يسمى الشاعر، وحولهم أناس بأيديهم طبول يدقون بها، وبين يديه أناس يرقصون (٤٩٩) وهو يتفرج عليهم ويضحك منهم وخلفه صنجقان منشوران، وقدّامه فرسان مشدودان محصلان لركوبه متى شاء، ومن عطس في مجلسه ضرب ضربا مؤلما، ولا يسامح [أحد] (٥) في هذا، وإنما إذا جاءت واحدا منهم عطسة انبطح على الأرض وعطس حتى لا يعلم به، وأما الملك فإنه إذا عطس ضرب الحاضرون بأيديهم على صدورهم. ولباسهم عمائم بحنك مثل العرب، وقماشهم بياض من ثياب قطن يزرع عندهم، وينسج في نهاية الرّفع واللّطف يسمى الكميصيّا، ومنهم شبيه بزيّ المغاربة، جباب ودراريع بلا تفريج، وتلبس أبطالهم الفرسان أساور من ذهب، فمن زادت فروسيته لبس معها أطواقا، فإن زادت لبس معها خلاخل ذهب، وكلما زادت فروسية الفارس منهم لبسه الملك [سراويل] (٦) متسعا، وكلما زادت فروسية البطل منهم يزيد في كبر سراويله، وصفة سراويلاتهم ضيق أكمام الساقين وسعة السّرج، ويمتاز الملك في زيّة بأنه يرخي له عذبة من

стр. 1151

بين يديه يكون سراويله من عشرين نصفية لا يتجاسر على لبس هذا أحد غيره. وملوك هذه المملكة يجلب إليها الخيل العراب، وتبذل الأثمان الكثيرة فيها، ومقدار عسكره مئة ألف نفر منهم نحو عشرة آلاف فارس فرسان خيالة، وسائرهم رجّالة لا خيل لهم ولا مركب، والجمال والمراكب عندهم موجودة، ولا يعرف بها ركوب (١)، و [الشعير] (٢) معدوم عندهم بالجملة الكافية، لا ينبت عندهم البتة. ولأمراء هذا الملك وجنده إقطاعات وإنعامات من أكابرهم من يبلغ ماله على الملك في كلّ سنة خمسين ألف مثقال من الذهب، ويتفقدهم بالخيل والقماش، وهمته كلّها في تجميل زيّهم، وتمصير مدنه، ولا يدخل أحد دار هذا الملك إلا حافيا كائنا من كان، فمن لم يخلع نعليه ساهيا كان أو عامدا قتل بلا عفو، وإذا قدم (٥٠٠) القادم على الملك من أمرائه أو غيرهم أوقفه قدامه زمانا، ثم يومئ القادم بيده اليمنى مثل من يضرب الجوك (٣) ببلاد توران (٤) وإيران، فإذا أنعم على أحد بإنعام، أو وعده بجميل، أو شكره على فعل تمرغ ذلك المنعم عليه بين يديه من أول المكان إلى آخره، [فإذا] (٥) وصل إلى آخره أخذ غلمان ذلك المنعم عليه أو من هو من أصحابه من رماد يكون موضوعا في أواخر مجلس الملك معدا هناك

стр. 1152

دائما لأجل مثل هذا، فيذرّ في رأس المنعم عليه، ثم يعود يتمرغ إلى أن يصل بين يدي الملك، ويضرب جوكا آخر بيده كما تقدم ثم يقوم، وأما صورة هذا المشبّه بضرب الجوك <فهي> أن يرفع الرجل يده اليمنى إلى قريب أذنه ثم يضعها وهي قائمة منتصبة ويلقيها بيده اليسرى فوق فخذه واليد اليسرى مبسوطة الكفّ [لتلقي] (١) مرفق اليمنى مبسوطة الكفّ مضمومة الأصابع بعضها إلى جانب بعض كالمشط [تماسّ] (٢) شحمة الأذن. وأهل هذه المملكة يركبون بالسروج العربية، وهم في غالب أحوالهم [في الركوب كأنهم من العرب] (٣)، ولكنهم يبدؤون في الركوب بالرجل اليمنى بخلاف الناس جميعا. ومن عادتهم أن لا يدفن عندهم ميت إلا إذا كان ذا قدر وحشمة، وإلا فكلّ من سوى هؤلاء ممن لا قدر له، والفقراء والغرباء فإنه يرمى رميا في الفلاة مثل ما ترمى باقي الميتات. وهي بلاد يسرع فيها فساد المدخورات وخصوصا السمن فإنه ينتن ويجيف في يومين. قلت: وليس هذا بغريب لأن أغنامهم جلاّلات تأكل القمامات والمزابل وبلادهم شديدة الحرّ سريعة [التحلل] (٤). وملك هذه المملكة إذا قدم من سفر يحمل على رأسه الجتر راكب وينشر على رأسه علم، ويضرب قدامه الطبول والطنابير (٥) والبوقات بقرون لهم فيها صناعة محكمة.

стр. 1153

ومن عادته أنه إذا عاد إليه أحد ممن ندبه في شغل أو مهمّ يسأله عن كلّ ما تمّ له من حال من حين مفارقته له إلى حين عوده (٥٠١) مفصلا. والشكاوى والمظالم تنتهي إلى هذا الملك فيفصلها بنفسه، وفي الغالب لا يكتب شيئا بل أمره بالقول غالبا، وله قضاة وكتاب ودواوين، هذا ما حدثني به الدكاليّ. وحكى لي الأمير أبو الحسن عليّ ابن أمير حاجب (١) أنه كان كثير الاجتماع بالسلطان موسى ملك هذه البلاد لما قدم مصر حاجّا، وكان هو نازلا بالقرّافة، وابن أمير حاجب والي مصر والقرّافة إذ ذاك، واتحدت بينهم الصحبة، وأنّ هذا السلطان موسى حدّثه بكثير من أحواله وأحوال بلاده ومن يجاورها من أمم السودان، قال: ومما حدّثني به أن بلاده متسعة اتساعا كثيرا وهي متصلة بالبحر المحيط، فتح فيها بسيفه وجنده أربعا وعشرين مدينة ذوات أعمال وقرى وضياع، وهي كثيرة الدوابّ من البقر والغنم والمعز والخيل والبغال وأنواع الطير الدواجن كالأوزّ والحمام والدّجاج، وأن أهل بلاده عدد كبير وجم غفير، وهم بالنسبة إلى من جاورهم من أمم السّودان المتوغلين في الجنوب كالشّامة البيضاء في البقرة السّوداء، وفي مهادنته أهل منابت الذهب، وله عليهم القطيعة، قال، فسألته كيف نبات الذهب. فقال: يوجد على نوعين. نوع في زمن الربيع عقيب الأمطار ينبت في الصحراء، وله ورق شبيه بالنّجيل (٢) أصوله التّبر، والنوع الآخر يوجد في جميع السنة في أماكن معروفة على ضفاف مجاري النيل، فيحفر هناك حفائر، فتوجد أصول الذهب كالحجارة والحصي فيؤخذ وكلاهما هو المسمى بالتّبر، والأول أفحل في العيار، وأفضل في القيمة. قال:

стр. 1154

وحدّثني السلطان موسى أن الذهب حمى له يجمع له متحصله كالقطيعة إلا ما يأخذه أهل تلك البلاد منه على سبيل السرقة. قلت: والذي قاله الدكّاليّ إنه إنما يهادى بشيء منه كالمصانعة، ويتكسب عليهم في المبيعات، لأنّ بلادهم لا شيء بها، وقول الدكّاليّ أثبت. قال ابن أمير حاجب: (٥٠٢) وشعار هذا السلطان أصفر في أرض حمراء، <و> تنشر عليه الأعلام حيث يركب، وهي ألوية كبار جدا، وخدمة القادم عليه أو المنعم عليه أن يكشف مقدم رأسه ويضرب بيده اليمنى جوكا إلى الأرض نحو ما يعمل التتار، فإذا احتاج إلى أكثر من هذه الخدمة تمرّغ بين يديه، قال ابن أمير حاجب: وأنا رأيت هذا بالمشاهدة والعيان، قال: ومن عادة هذا السلطان أنه لا يأكل بحضور أحد من الناس كائنا من كان، بل يأكل دائما وحده بمفرده. ومن عادة أهل مملكته أنّه إذا نشأ لأحد، منهم بنت حسناء قدمها له أمة موطوءة فيملكها بغير تزويج مثل ما ملكت اليمين، مع ظهور الإسلام بينهم وتمذهبهم بمذهب المالكيّة. قال ابن أمير حاجب: هذا مع كون السلطان موسى متدينا محافظا على الصلاة والقراءة والذّكر، قال، فقلت له: إن مثل هذا لا يجوز ولا يحلّ لمسلم شرعا ولا عقلا، [فقال ولا للملوك، فقلت: ولا للملوك] (١) وسل العلماء، فقال: واللّه ما كنت أعلم وقد تركت هذا [من الآن] (٢)

стр. 1155

ورجعت رجوعا كليا عنه. قال ابن أمير حاجب: ورأيت هذا السلطان محبا للخير وأهله، وترك مملكته واستناب بها ولده محمدا، وهاجر إلى اللّه ورسوله فأدى فريضة الحج، وزار النبيّ ﷺ وعاد إلى بلاده على أنّه يقرر لابنه الملك، ويتركه له بالكلّية، ويعود إلى مكة المعظمة، ويقيم مجاورا بها، فأتاه أجله، رحمه الله تعالى. قال ابن أمير حاجب: وسألته إن كان له أعداء <بينه و> بينهم حروب وقتال، فقال: نعم، لنا عدو، وشديدهم في السودان كالتتار لكم، وبينهم وبين التتار مناسبة من جهات منها: أنهم وساع الوجوه، فطس الأنوف، ولنا ولهم وقائع، ولهم بأس شديد بإصابة رميهم بالنّشّاب، وبيننا وبينهم نوب، والحروب ثارات. قلت: وقد ذكر ابن سعيد في "المغرب" (١) طائفة الدّمادم (٢) الذين خرجوا على أصناف (٥٠٣) السودان، فأهلكوا بلادهم وهم يشبّهون بالتّتر، وكان خروج الفريقين في عصر واحد (٣)، انتهى كلامه في هذا المعنى. قال ابن أمير حاجب: سألت السلطان موسى كيف انتقلت إليه المملكة، فقال: نحن أهل بيت نتوارث الملك، وكان الذي قبلي لا يصدق أنّ البحر المحيط لا يمكن الوقوف على

стр. 1156

آخره، وأحبّ الوقوف على هذا وولع به، فجهّز مئين [المراكب] (١) مملوءة من الرجال وأمثالها مملوءة من الذّهب والماء والزّاد ما يكفيهم سنين، وقال للمسفّرين فيها: لا ترجعوا حتى تبلغوا نهايته [أو] (٢) تنفد أزوادكم وماؤكم، فساروا وطالت مدة غيبتهم لا يرجع منهم أحد حتى مضت مدة طويلة، ثم عاد مركب واحد منها، فسألنا كبيرهم عما كان من أثرهم وخبرهم، فقال: تعلم أيها السلطان أنّا سرنا زمانا طويلا حتى عرض <لنا> في لجّة البحر واد له جرية قوية وكنت آخر تلك المراكب، فأما تلك المراكب فإنها تقدمت فلما صارت في ذلك المكان ما عادت ولا بانت، ولا عرفنا ما جرى لها، وأما أنا فرجعت من مكاني ولم أدخل ذلك الوادي، قال: فأنكر عليه، قال: ثم إن ذلك السلطان أعدّ ألفي مركب، ألفا له وللرجال استصحبهم معه، وألفا للزاد والماء ثم استخلفني وركب بمن معه في البحر المحيط وسافر فيه، وكان آخر العهد به وبجميع من معه وانتقل إليّ الملك. قال ابن أمير حاجب: ولقد كان هذا السلطان مدّة مقامه بمصر قبل توجهه إلى الحجاز الشّريف وبعده على نمط واحد في العبادة والتوجّه إلى الله كأنّه بين يديه لكثرة حضوره، وكان هو ومن معه على مثل هذا مع حسن الزيّ في الملبس والسكينة والوقار، وكان كريما جوادا كثير الصّدقة والبر، خرج من بلده بمائة وسق جمل (٣) من الذّهب أنفقها في حجّته على القبائل بطريقه من بلاده إلى مصر ثم بمصر ثم من مصر إلى الحجاز الشريف في التوجه والعود حتى احتاج

стр. 1157

إلى القرض فاستدان على ذمته (٥٠٤) من التجار بمكاسب كثيرة وافرة جعلها لهم بحيث حصل لهم في ثلاث مئة دينار سبع مئة دينار ربحا، ثم بعثها إليهم بالرّاجح. قال ابن أمير حاجب: وبعث لي خمس مئة مثقال ذهبا على سبيل الافتقاد، وأخبرني ابن أمير حاجب: أنّ المعاملة في بلاد التكرور بالودع، وأنّ التجار أكثر ما تجلب إليهم الودع وتستفيد به فائدة جليلة، انتهى كلام ابن أمير حاجب. قلت: وقد كان بلغني أول قدومي مصر وإقامتي بها حديث وصول هذا السّلطان موسى حاجا، ورأيت أهل مصر لهجين بذكر ما رأوه من سعة إنفاقهم (١) فسألت الأمير أبا العبّاس أحمد بن الجاكي المهمندار (٢) رحمة الله عليه عنه، فذكر ما كان عليه هذا السلطان من سعة الحال والمروءة والدّيانة، وقال: لما خرجت لملتقاه أعني من جهة السلطان الأعظم الملك الناصر أكرمني إكراما بليغا، وعاملني بأجمل الآداب، ولكنه كان لا يحدثني إلاّ بترجمان مع إجادة معرفته للتكلم باللسان العربيّ، ثم إنّه قدّم للخزانة السلطانيّة جملا كثيرة من الذّهب المعدنيّ الذي لم يصنع وغير ذلك، وحاولته أن يطلع للقلعة (٣) ويجتمع بالسّلطان فأبى عليّ وامتنع، وقال: أنا جئت لأحجّ لا لشيء آخر وما أريد <أن> أخلط حجي بغيره، وشرع في الاحتجاج

стр. 1158

بهذا، وأنه أفهم أنه يرى الحضور نقصا عليه لما يضطرّ إليه من تقبيل الأرض أو اليد، وبقيت أحاوله وهو يتعلّل ويعتذر والمراسم السلطانيّة تتقاضاني في إحضاره، فما زلت به حتى وافق، فلما حضر إلى حضرة السلطان قلنا له: قبّل الأرض، فتوقف وأبى إباء ظاهرا وقال: كيف يجوز هذا، فأسرّ إليه رجل عاقل كان معه كلاما لا نعلمه، فقال: أنا أسجد لله الذي خلقني وفطرني، ثم سجد وتقدّم إلى السلطان فقام له بعض قيام، وأكرمه وأجلسه إلى جانبه، وتحادثا حديثا طويلا، ثم خرج السلطان موسى، وبعث إليه السلطان (٥٠٥) بعدّة من الخلع الكاملة له ولأصحابه ولكلّ من حضر معه، وخيلا مسرجة ملجمة ولأعيان من معه، وكانت خلعته طرد وحش (١) [بقصب] (٢) كثير بسنجاب مقندس (٣) مطرز بزركش (٤) على مقترح إسكندريّ (٥)، وكلوتة زركش (٦) وكلاليب (٧) ذهب و [شاشا] (٨) [بحرير ورقم] (٩) خليفتي، ومنطقة ذهب مرصعة و [سيفا محلى ومنديلا مذهبا خزّا،

стр. 1159

وأعلاما] (١) وفرسين مسرجين ملجمين بمراكب ثقل (٢) محلاة وأجرى عليه الإنزال والإقامات الوافرة مدّة مقامه، فلما آن أوان الحجّ بعث إليه دراهم [كثيرة وجمالا وهجنا خاصة] (٣) كاملات الأكوار والعدد لمراكبه و [هجنا] (٤) [أتباعا] (٥) لأصحابه ومن حضر معه، وأزواد <اً> جمّة، ور كز له العليق في الطريق، ورسم لأمراء الركب بإكرامه واحترامه، ثم لما عاد تلقيته وأنزلته، واستمرّ على علوفاته وإنزاله، وأرسل إلى السلطان متبركا من هدايا الحجاز الشّريف، فقبله السلطان منه، وبعث إليه بالخلع الكوامل له ولأصحابه والألطاف والثوابي من البزّ الإسكندري والأمتعة الفاخرة ثم عاد إلى بلاده. قال المهمندار: ولقد أفاض هذا الرجل بمصر فيض الإحسان، لم يدع أميرا مقرّبا ولا ربّ وظيفة سلطانيّة حتى وصله بجملة من الذهب، ولقد كسب أهل مصر عليه وعلى أصحابه في البيع والشّراء والأخذ والعطاء ما لا يحصر، وبذلوا الذهب حتى أهانوا في مصر قدره، وأرخصوا سعره. قلت: ولقد صدق المهمندار فإنّه حكى مثل هذا غير واحد، ولما مات المهمندار وجد الديوان فيما خلّفه آلافا من الذّهب المعدنيّ مما أعطاه له باقيا على حاله في ترابه لم يصنّع. وحدّثني خلق من تجار مصر والقاهرة عمّا حصل لهم من المكاسب والربح عليهم، فإنّ الرجل منهم كان يشتري القميص أو الثوب أو الإزار وغير ذلك بخمسة دنانير (٥٠٦) وهو لا يساوي دينارا واحدا، وكانوا في غاية سلامة الصّدر والطّمأنينة يجوّز عليهم مهما جوز

стр. 1160

عليهم، ويأخذون كلّ قول يقال لهم بالقبول والصّدق، ثم ساءت ظنونهم بأهل مصر غاية الإساءة لما ظهر لهم من غشّهم لهم في كلّ قول، وفي تزاحمهم المفرط عليهم في أثمان ما يباع عليهم من الأطعمة والسّلع حتى لو رأوا اليوم أكبر أئمة العلم والدين، وقال لهم إنّه مصريّ امتهنوه، وأساؤوا به الظنّ لما رأوا من سوء معاملتهم لهم. وحدّثني مهنّا بن عبد الباقي العجرميّ الدليل أنّه كان في صحبة السلطان موسى لما حجّ، وأنّه أفاض على الحجيج وأهل الحرمين سجال الإحسان، وكان في غاية التجمّل وحسن الظنّ في سفره هو ومن معه، وتصدّق بمال كثير، قال: ونابني منه نحو مئتي مثقال من الذّهب، وأعطى رفاقي جملا أخرى، وبالغ مهنا في وصف ما رآه منه من الكرم وسعة النفس ورفاهيّة الحال. قلت: ولقد كان الذهب مرتفع السّعر بمصر إلى أن جاءوا إليها في تلك السّنة، كان المثقال لا ينزل عن خمسة وعشرين درهما وما زاد عليها، فمن يومئذ نزلت قيمته، ورخص سعره، واستمرّ على الرخص إلى الآن لا يتعدّى المثقال اثنين وعشرين درهما وما دونها، هذا من مدة تقارب اثنتي عشرة سنة إلى الآن لكثرة ما جلبوا من الذّهب إلى مصر وأنفقوه بها. قلت: ولقد جاء كتاب من هذا السّلطان إلى الحضرة السلطانيّة بمصر وهو بالخطّ المغربيّ في ورق عريض، السّطر إلى جانب السّطر، وهو يمسك فيه ناموسا لنفسه مع مراعاة قوانين الأدب كتبه على يد بعض خواصّه ممن جاء يحجّ، ومضمونه السّلام والوصية بحامله، وجهّز معه على سبيل الهدية خمسة آلاف مثقال من الذّهب. وبلاد مالّي وغانة وما معها يسلك إليها من (٥٠٧) غربيّ صعيد مصر على الواحات (١)
следующие страницы →