الثانية منهما تأتي جنوبيّ الأرض المحفورة، على ما قيل، حتّى تصب في البحيرة البلاغة.
ومن ذلك نهر أثيل (١)، وهو المركب عليه مدينة السراي، ومخرجه من عين تنبع في ذيل جبل قاقونا، ثم يقتبل الجنوب آخذا بغرب في صحارى القبجاق على شماليّ معادن الفضة، حتّى يصبّ في بحر طبرستان (٢).
ومن ذلك نهران ببلاد الخطا، نازلان من الجبل الغربي من جبال المحيط بها، يأخذ الشماليّ منهما مشرّقا ويبحّر جنوبيّ خان بالق، ثم يمتدّ مشرّقا بجنوب حتّى ينتهي إلى المالق (٣) والآخر ينتهي إلى باش بالق، وينتهي عندها.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل الواقع فيه باب الصين، ينزل على قراقرم ويأخذ مشرّقا على بلاد الهياطلة (٤) حتّى يصب في بحيرة السودان هناك، ومن ذلك نهر ينصبّ من الجبل الممتدّ من وراء العوج، ينزل من [٥٦] شرقيه على مدينة قلنبر، ويجر في بحيرة هناك.
ومن ذلك نهر يسمّى نهر الطيب يخرج من قشمير السفلى.
ومن ذلك نهر ينزل من الجبل، شماليّ السّدّ حتّى يصبّ في بلاد الشياطين، في بحيرة هناك، تسمّى بحيرة الشياطين.
стр. 107
ومن ذلك نهر جيحون (١)، ينزل من جبل قاقونا، وتمدّه أنهار من جبال تمدّه فيمتدّ حتّى يخرج من هذا الربع الغربيّ القسيم له، فيصب في بحر طبرستان (٢).
ومن ذلك نهر سيحون (٣)، الآخذ على بلاد فرغانة ويمدّه نهر الشاش ويخرج إلى حائط عبد الله بن حميد حتّى يصب في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهر السّغد (٤)، ينصب من جبال البتّم، وينتهي إلى بخارا، ويبحر في بحيرة هناك.
ومن ذلك نهر مكران (٥)، ينصبّ من جبل الدّيلم فيمتدّ آخذا على مدينة المحمّديّة، على كرمان إلى بلاد السند.
ومن ذلك نهر عماس (٦)، في بلاد الترك.
ومن ذلك الأنهار العشرة، الآخذة منها خمسة تجري من شعبة منقطعة من
стр. 108
الجبل المحيط متصلة بالبحر المحيط، وتمدّه أنهار من جبال النوشادر الواقعة شرقيّ الصين حتّى يصب في نهر حمدان، ثم يمتدّ الجميع نهرا واحدا حتّى يصب في المحيط.
ومن ذلك نهر خمدان (١) الأعظم، وهو ينزل من جبال أرموية ونانوس (٢) على مدينة اطراغا، ويجرّ هناك، ثم يمدّ مشرقا إلى مدينة لوقين (٣)، وينعطف في الصين حتّى تلاقية هناك الأنهار العشرة، أعني المتقدّمة الذكر، دون خط الاستواء في أوائل الإقليم الأول، يقال إنه يصبّ به نهر كل المنصب من الصين الداخل، ويمتدّ الجميع نهرا واحدا موغلا في الفرجة الداخلة في الصين من البحر المحيط والبحر الهنديّ، [٥٧] إلى وراء خط الاستواء، ثم يصبّ هناك في البحر المحيط.
ومن ذلك نهران: أحدهما نهر (٤) الكر (٥) والآخر نهر الرّس (٦)، يصبان من جبل الديلم يسمّى جبل قالبولا، ويجيء الكر على تفليس، ويلاقي الرسّ نهر
стр. 109
ينزل من سبلان بين ترزند وزنان، ثم يصب الكر جنوبيّ شروان، ويصب الرس غربيّه، كلاهما يصبان في بحيرة طبرستان.
ومن ذلك نهر يسمّى الآن قراصو (١)، وهو اسم باللغة التركية أي الماء الأسود يأتي من شروان وشماخي ويسكب في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهر آخر يسمّى أرس (٢)، يأتي على شرقيّ المكان المسمى الآن صحراء بيلسوان، ويصب في بحر طبرستان.
ومن ذلك - على ما قيل - نهران ينزلان من الجبل المحيط ويسقيان بلاد يأجوج ومأجوج، ينزل أحدهما جنوبيّ السدّ، والآخر شماليه، وهكذا صوّره صاحب جغرافيا في لوح الرسم.
فهذه هي جميع الأنهار المشتهرة في جميع المعمورة وما قاربها، ولم نخلّ منها إلا بما لعلّ صاحب جغرافيا لم يصوّره في لوح الرسم، وإن كان، فهو القليل، وفيما ذكرناه كفاية.
البحيرات المشهورة
ثم نحن نذكر ما في معمورة الأرض من البحيرات المشهورة، ونحن نقسمها على نصفين: نصفا شرقيا ونصفا غربيا.
فالنصف الأول هو الشرقيّ فيه ما يذكر من البحيرات:
стр. 110
فمن ذلك بحيرة كيماما، بجزيرة القمر (١) الخارجة عن خط الاستواء، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة اطراغا (٢) بالصين، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة سرنك بالهند، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة السوكران ببلاد الهياطلة، شرقي قراقرم بشمال، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة [٥٨] بخارا، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة خوارزم (٣)، وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة تهامة (٤)، يصب بها نهراتكش في بلاد الترك.
ومن ذلك بحيرة زره (٥) ببلاد سجستان، وهي ملح.
وذلك على ما نقل في لوح الرسم.
والنصف الثاني وهو الغربيّ، به من البحيرات ما يذكر:
فمن ذلك بحيرات النيل الثلاثة.
أعلاها بحيرتان، حيث تنصب في أوله، ثم البحيرة الكبرى التي دونهما ونسميها البطيحة.
стр. 111
ثم بحيرة الفيوم (١) ذكرناها هنا لأنها من النيل من الفرع الآخذ من نيل السودان خلف بلاد غانة، وهي عذبة.
ثم بحيرة الفيوم ذكرناها هنا لأنها من النيل أيضا، وهي عذبة، ولم ننبه على أن هاتين البحيرتين عذبتان مع كونهما من النيل إلا لنعلم أن أرضهما لم تغير ماءهما ولا أفسدت طعمهما.
ومن ذلك بحيرة زاقون، يبحر بها النهر المنصب من الجبل المشبه بتعنيقة (٢) (لا) بالخط المغربيّ.
ومن ذلك بحيرة بين قصر عيسى وبين كوكورة، وبحيرة كوكورة ومجالات جاي.
ومن ذلك بحيرتان عند بنزرت من بلاد إفريقية: إحداهما ملح، والأخرى عذبة، تجري العذبة في الشتاء ستة أشهر، وتسكب في البحيرة الملح فلا يعذب ماؤها ثم تنقطع، وتجري البحيرة الملح ستة أشهر أخرى تمام السنة، وتسكب في العذبة فلا تملح، وبها أنواع من الحيتان يخرج كل شهر من الشهور العربية نوع منها، فإذا فرغ الشهر، ذهب ذلك وجاء غيره، ثم لا يوجد نوع الحوت الذي كان في الشهر الماضي شيء ألبتة إلى مدّة ذلك الشهر من السنة الآتية، وحكى لي ذلك المغاربة، فسبحان من بيده الأمر كله!
ومن ذلك [٥٩] بحيرتان بأقصى المغرب: إحداهما على مقربة من قصر ابن عبد الكريم في غاية الاتساع، بوسطها جزيرة دورها مقدار ثمانية عشر ميلا
стр. 112
وتسمى بأبي سلهام، تمدّها أودية تنحدر من جبال غمارة، وفي تلك الجزيرة يأوي عرب ذلك الموضع بذخائرهم ورعي بهائمهم.
والأخرى بأزغان شماليّ مكناسة، تمدّها أنهار تنحدر من جبال أزرو جنوبيّ مكناسة، وليس لمياهها منفذ.
ومن ذلك بحيرة ابزو، وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة الإسكندرية، وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة تنس (١)، وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة جارش، بالشمال وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة طبرية، وهي عذبة.
(وبها الحمّة المعروفة بحمام طبرية، وللنّاس فيها أكاذيب، وهي صورة تنور مثل تنور الكلس تكون سعته نحو عشرة أذرع تقريبا، يخرج منه ماء يدير حجري رحّى، مهما وضع فيه احترق لإفراط حرارته، وقد استخرج منه جدول في عرض الجبل يمتدّ نحو ألف ذراع تقريبا، لتقلّ ببعد المدى حرارته، ثم يأتي بيتين مسقوفين - وسقوفهما بالحجر - أحدهما لاستحمام الرجال والآخر لاستحمام النساء والحمة ماؤها مملوح مكبرت) (٢).
ومن ذلك بحيرة زغر، وهي المخسوف بها، وهي المنتنة.
ومن ذلك بحيرة دمشق، وهي عذبة.
стр. 113
ومن ذلك بحيرة حمص، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة أفامية، وهي عذبة.
(ومن ذلك بحيرة أنطاكية، وهي عذبة، وتعرف ببحيرة يغرا، وهي متوسطة المقدار). (١)
ومن ذلك بطائح العراق: اثنان بالبصرة، وواحدة بالكوفة، الجملة ثلاث بحيرات عذبة.
ومن ذلك بحيرة خلاط (٢)، وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة أيودان، وهي ملح.
وذلك منقول من لوح الرسم، أو محقق بالسؤال، وإن حصل في بعضه إخلال، وفيما أتينا به غنى عما سواه، وبعض الشيء في هذا الباب استدراك، إذ المراد بذلك ما يستدلّ على الأرض بأعلامها الظاهرة، وفي الدليل الواحد كفاية.
رمل الهبير
وإذ انتهينا إلى هنا نذكر رمل الهبير، لأنه هو ممتدّ في الأرض، فكان من أعلامها المشهورة المشهود في الآفاق.
قال صاحب كتاب «معرفة أشكال الأرض» (٣): «وأما الرمل الهبير، [فهو الرمل الذي أصله بالشقوق إلى الأجفر عرضا] (٤) وطوله من وراء جبلي طيّ ء إلى
стр. 114
أن [٦٠] يتصل مشرقا بالبحر، ويمضي من وراء جبلي طيّ ء إلى أرض مصر، ثم إلى بلد النوبة، ويمتدّ إلى البحر المحيط مسيرة خمسة أشهر، ومنه عرق يضرب من القادسية إلى البحرين (١)، فيعبر البحرين (٢)، فيمرّ على مشارق خوزستان وفارس إلى أن يرد إلى سجستان، ويمرّ مشرقا إلى مرو آخذا على جيحون في برية خوارزم، ويأخذ في بلاد الخرلخية (٣) إلى بلد الصين والبحر المحيط في جهة الشرق، وهو على ما وصفته وسقته من المحيط بالمشرق إلى المحيط بالمغرب، وفيه منه جبال عظام لا تتوقّل (٤) ولا ترتقى، وبعضه في أرض سهلة ينتقل من مكان إلى مكان، ومنه أصفر لين اللمس، وأحمر قانيء، وأزرق سماويّ، وأسود حالك، وأكحل مشّبع كالنيل، وأبيض كالثلج، وبعضه يحكي الغبار نعومة، وبعضه خشن جريش اللمس».
ونحن نبين كلّ شيء بحسب ما يمكننا من الطاقة والاجتهاد، وفوق كل ذي علم عليم!.
стр. 115
الآثار البينة في أقطار الأرض
ثم إنا نحن نعقب ذلك بذكر جمل من الآثار البيّنة في أقطار الأرض ماجرت مجرى الأعلام، وقامت في الاستدلال مقام ما قدّمنا ذكره من الجبال والأنهار والرمل والبحيرات - وسنذكرها مبيّنة - وبالله التوفيق! (١)
[٦١] فنبدأ بذكر المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النّبي ﷺ ، والمسجد الأقصى.
وهي التي تشدّ إليها الرحال، وتجدّ إليها الركائب التّرحال، تسري إليها سرى السحائب في المحال، وتسمو والكواكب غرقى سموّ حباب الماء حالا على حال.
روى أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ ﷺ أنه قال (٢): «لا تشدّ الرحال إلا إلى الله ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس». رواه الإمام أحمد.
ويتبع كلّ مسجد منها بما تعلق بذيل أستاره، وتألّق بإشراق نوره وإسفاره، مما ضمّه نطاق سوره، وأفيض عليه بركة سوره (إلى غير ذلك من آثار، ومواطن تجدّ الدموع فيها النثار) (٣).
وأوّل ما نبدأ به:
стр. 116
ذكر الكعبة
البيت الحرام، أوّل بيت وضع للناس، ورفع على قديم الأساس، بنى مثالا للبيت المعمور، ودعي إليه كل مأمور. وأذّن إبراهيم (صلوات الله عليه) إليه بالحجّ، ودعا إليه الناس فأتوه من كل فج. حجّته الملائكة قبل آدم، وجاءته وعهده ما تقادم. ويقال إنه لم يبق نبيّ حتى حجّه. ويعدّ عدة أنبياء دفنوا في الحجر منه. ولم تزل شعائره مكرّمه، ومشاعره محرّمه. عظّم في الجاهلية والإسلام، وحرّم من حيث بنيت الأعلام. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اَللّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى اَلْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. وهو البيت المحجوج المحجوب، والمقصود بالزيارة قصد الوجوب. وبه الحجر الأسود الذي هو يمين الله في أرضه، (والشاهد لمن حجّ وقبّله بأداء فرضه. سماء الدعاء، وحرم تحريم الدماء. يأمن به الحمام ساكنا، ومن دخله كان آمنا) (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ.﴾
﴿* فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
وعن أبي ذرّ الغفاريّ. قال (٢): «قلت يا رسول الله: أيّ مسجد وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة». رواه البخاريّ، وأبو عروبة وزاد: وأينما أدركتك الصلاة فهو مسجد.
قال ابن جرير الطبريّ (٣): «اختلف أهل التأويل في قوله تعالى [٦٢]: ﴿إِنَّ﴾
стр. 117
﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ فقال بعضهم: تأويله «إن أول بيت وضع للناس يعبد الله فيه مباركا وهدى للعالمين للّذي ببكّة». قالوا: وليس هو أول بيت وضع في الأرض. لأنه قد كان قبله بيوت كثيرة. ثم أسند هذا القول عن عليّ بن أبي طالب والحسن ومطر وسعيد (وأظنه ابن جبير) ثم قال (١): وقال آخرون بل هو أول بيت وضع للناس. واختلف هؤلاء في وصفة وضعه أول، فقال بعضهم:
خلقه قبل الأرض، ثم دحيت الأرض من تحته. وأسند هذا عن عبد الله بن عمرو ابن العاص، قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان عرشه على الماء على زبدة بيضاء، فدحيت الأرض من تحته. ونحوه عن مجاهد وقتادة والسّدّيّ.
وقال آخرون: موضع الكعبة موضع أول بيت وضعه الله في الأرض. وأسند عن قتادة، قال: ذكر لنا أن البيت هبط مع آدم، وحين أهبط قال الله: أهبط معك بيتي يطاف به كما يطاف حول عرشي، فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين. حتى إذا كان زمن الطوفان، رفعه الله وطهّره من أن يصيبه عقوبة أهل الأرض، فصار معمورا في السماء. ثم إن إبراهيم تتبع منه أثرا بعد ذلك، فبناه على أساس قديم كان قبله». وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني للبيت الذي ببكّة. قال الزمخشريّ (٢): «وهو علم للبلد الحرام. ومكّة وبكّة لغتان، وقيل:
مكّة البلد، وبكّة موضع المسجد، وقيل: بكّة موضع البيت، ومكّة ما حوله، وقيل: بكّة البيت والمسجد، ومكّة الحرم كلّه».
وقال عطاء بن أبي رباح: وجه آدم إلى بكّة حين استوحش، فشكى ذلك إلى الله في دعائه، فلما انتهى إلى بكّة، أنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت
стр. 118
الجنة، فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطوف به حتّى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة. حتى بعث الله إبراهيم فبناه. فذلك قوله تعالى ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ اَلْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]. رواه أبو عروبة [٦٣].
وروى أبو الوليد الأزرقي (١) بسنده عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال (٢): «إنّ الله ﵎ بعث ملائكة، فقال ابنوا لي بناء في الأرض تمثال البيت وقدره، وأمر الله من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، قال: وكان هذا قبل خلق آدم، ﵇، والله أعلم!
وقيل إن آدم أول من بناها، وقيل شيث بن آدم، وكانت قبل بنائه خيمة من ياقوتة حمراء، يطوف بها آدم».
وروى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قال (٣): ذكر لنا أن قواعد البيت من حراء، وذكر لنا أن البيت من خمسة أجبل: حراء ولبنان والجوديّ وطور سيناء وطورزيتا.
وقال ابن جريج: بني أساس البيت من خمسة أجبل، (فذكر مثله).
وحكى السّهيليّ (٤) أن الملائكة كانت تأتي إبراهيم ﵇ بالحجارة.
стр. 119
وقيل رفعت الكعبة في الطوفان وأودع الحجر الأسود أبا قبيس، وبقي موضعها ربوة، حجها هود وصالح، فيقال إن يعرب قال لهود: ألا تبنيه؟ قال إنما يبنيه نبيّ يتخذه الله خليلا، ولما بناه إبراهيم دلّته عليه السكينة، وكانت تنزل عليه كالحجفة.
وقال الأزرقيّ (١): لما بنى إبراهيم ﵇ الكعبة، جعل طول بنائها في السماء تسعة أذرع، وطولها في الأرض ثلاثين ذراعا، وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعا، وكانت غير مسقوفة، ثم بنتها قريش في الجاهلية، فزادت في طولها في السماء تسعة أذرع، فصار ارتفاعها في الهواء ثمانية عشر ذراعا، ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وشبرا، تركوها في الحجر.
ولم تزل كذلك حتى كان زمن عبد الله بن الزبير، فهدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وزاد ارتفاعها في الهواء تسعة أذرع، فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا.
ثم بناها الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ، فلم يغير ارتفاعها، ونقض الحجر وأعاده كما كان في الجاهلية [٦٤].
واعلم أن الكعبة بنيت في الدهر خمس مرات (٢):
«إحداهنّ، بناء الملائكة أو آدم أو شيث، على ما تقدم.
الثانية بناء إبراهيم.
الثالثة بناء قريش. والسبب في ذلك أن الكعبة استهدمت، فكانت فوق القامة. فأرادوا تعليتها. وكان بابها لاصقا بالأرض في عهد إبراهيم وعهد جرهم إلى أن بنتها قريش. فقال أبو حذيفة بن المغيرة: يا قوم! ارفعوا باب الكعبة، حتى
стр. 120
لا يدخلها أحد إلا بسلّم! فإنه لا يدخلها حينئذ إلا من أردتم. فإن جاء أحد ممن تكرهونه رميتم به فسقط وصار نكالا لمن يراه. فرفعت بابها، وجعلت لها سقفا، ولم يكن لها سقف. وزادت ارتفاعها، كما تقدّم. وكان عمر النبيّ ﷺ إذ ذاك خمسا وعشرين سنة، وقيل خمسا وثلاثين. فحضر البناء وكان ينقل الحجارة معهم، كما ثبت في الصحيح. وتنافست قريش فيمن يضع الحجر الأسود موضعه من الركن. ثم رضوا بأن يضعه النبيّ ﷺ .
الرابعة بناء عبد الله بن الزبير. والسبب في ذلك، على ما ذكر السهيليّ، أن امرأة أرادت أن تجمّر الكعبة، فطارت شررة من الجمرة في أستار الكعبة، فاحترقت. فشاور ابن الزبير من حضره في هدمها فهابوا ذلك، وقالوا: نرى أن يصلح ما وهي منها ولا تهدم. فقال: لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها. فهدمها حتّى أفضى إلى قواعد إبراهيم. فأمرهم أن يزيدوا في الحفر. فحرّكوا حجرا منها. فرأوا نارا وهولا أفزعهم. فبنوا على القواعد.
وفي الخبر أنه سترها وقت في حفر القواعد. فطاف الناس بتلك الستارة. ولم تخل من طائف. حتى لقد ذكر أن يوم قتل ابن الزبير، اشتدّ الحرب وشغل الناس حينئذ، فلم ير طائف يطوف بها إلا جمل [٦٥]. وتمم بناءها وألصق بابها بالأرض. وعمل لها خلفا أي بابا من ورائها وأدخل الحجر فيها. وذلك لأن خالته عائشة ﵂ حدّثته أن رسول الله ﷺ قال: ألم ترى أن قومك قصرت بهم النفقة حين بنوا الكعبة، فاقتصروا على قواعد إبراهيم. ثم قال: لولا حدثان قومك بالجاهلية، لهدمتها وجعلت لها خلفا وألصقت بابها بالأرض وأدخلت فيها الحجر. فقال ابن الزبير: فليس بنا عجز عن النفقة. فبناها على مقتضى حديث عائشة».
стр. 121
وحكى أبو الوليد الأزرقيّ (١) أنه لما عزم على هدمها، خرج أهل مكة إلى منى. فأقاموا بها ثلاثا. خوفا أن ينزل عليهم عذاب لهدمها. فأمر ابن الزبير بهدمها. فما اجترأ على ذلك أحد. فعلاها بنفسه وأخذ المعول وجعل يهدمها ويرمي أحجارها. فلما رأوا أنه لا يصيبه شيء، صعدوا وهدموا. فلما تمّ بناؤها خلّقها من داخلها وخارجها، من أعلاها إلى أسفلها، وكساها القباطيّ. وقال:
من كانت لي عليه طاعة، فليخرج فليعتمر من التنعيم، ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، ومن لم يقدر فليذبح شاة، ومن لم يقدر عليها فليتصدّق بوسعه.
وخرج ابن الزبير ماشيا، وخرج الناس مشاة. فاعتمروا من التنعيم، شكرا لله تعالى. فلم ير يوم أكثر عتيقا وبدنة منحورة وشاة مذبوحة وصدقة من ذلك اليوم. ونحر ابن الزبير مائة بدنة.
قال السّهيلي (٢): «ولما قام عبد الملك بن مروان في الخلافة، قال: لسنا من تخليط أبي خبيب (٣) بشيء (يعني عبد الله بن الزبير) فهدمها وأعادها على ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ إلا في ارتفاعها. ثم جاء الحارث بن أبي ربيعة المخزوميّ ومعه رجل آخر، فحدّثاه عن عائشة عن رسول الله ﷺ بالحديث المتقدّم، فندم وجعل ينكت بمخصرة (٤) في يده الأرض، ويقول:
«وددت أني [٦٦] تركت أبا خبيب وما تحمّل من ذلك».
وتولّى البناء - في زمن عبد الملك بن مروان - الحجاج بن يوسف الثقفي.
стр. 122
وهو البناء الخامس الموجود الآن.
(والذي هدمه الحجاج هو الزيادة وحدها. وأعاد الركنين، وسدّ الباب الذي فتحه ابن الزبير. وسدّه بيّن إلى الآن. وجعل في الحجر من البيت دون سبعة أذرع. وعلامة ذلك في داخل الحجر لوحان من مرمر منقوشان متقابلان في الجانبين. وصار عرض وجهها، وهو الذي فيه الباب، أربعة وعشرين ذراعا.) (١)
وقيل إن الكعبة بنيت مرتين أخريين، غير الخمس.
إحداهما بناء العمالقة بعد إبراهيم،
والثانية بناء جرهم بعد العمالقة.
قال السهيليّ (٢): إنما كان ذلك إصلاحا لما وهي منه لأن السيل كان قد صدع حائطه. وكانت الكعبة بعد إبراهيم ﵇ مع العمالقة وجرهم إلى أن انقرضوا. وخلفتهم فيها قريش بعد استيلائهم على الحرم: لكثرتهم بعد القلّة، وعزهم بعد الذّلة. وكان أول من جدد بناءها، بعد إبراهيم، قصيّ بن كلاب.
وسقفها بخشب الدّوم وجريد النخل.
وروى الطبرانيّ (٣) عن أبي سعيد الخدريّ - مرفوعا - أن أول من جدّر (٤) الكعبة بعد كلاب بن مرّة قصيّ.
стр. 123
وحكى السّهيليّ (١) أن أول من اتخذ للكعبة غلقا تبّع. ثم ضرب لها عبد المطلب بابا من حديد، وهي الأسياف القلعية التي كانت مع الغزالين الذهب.
وهو ما استخرجه عبد المطلب من بئر زمزم، لما احتفرها بعد ما طمّها الحارث بن مضاض، لما أخرج الله جرهم من مكة بسبب إحداثهم في الحرم واستخفافهم بالحرم وبغي بعضهم على بعض. فتغوّر ماء زمزم. وعمد الحارث إلى ما كان عنده من مال الكعبة وفيه غزالان من ذهب وأسياف قلعية، كان ساسان أهداها إلى الكعبة، وقيل سابور. وجاء تحت الليل ودفن ذلك في زمزم، وعفّى عليها.
ولم تزل دارسة حتّى حفرها عبد المطلب واستخرج ذلك مما هو مذكور في موضعه.
واتخذ عبد المطلب من الغزالين المذكورين حلية للكعبة. فهو أول ذهب حلّيت به الكعبة.
فلما جاء الإسلام وآلت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك، بعث رسالة إلى واليه على مكة خالد بن عبد الله القسريّ بستة وثلاثين ألف دينار [٦٧] فضرب منها على باب الكعبة صفائح الذهب، وعلى الميزاب، وعلى الأساطين (٢) التي في جوفها، وعلى الأركان. وهو أول من ذهّب البيت في الإسلام.
وذكر السّهيليّ (٣) أن الذي عمله الوليد هو ما كان من مائدة سليمان بن
стр. 124
داود ﵉ من ذهب وفضة، حمل إليه من طليطلة، من جزيرة الأندلس. وكانت لها أطواق من زبرجد وياقوت. وكانت قد احتملت على بغل قويّ، فتفسّخ تحتها.
ثم لما آلت الخلافة إلى الأمين، رفع إليه أنّ الذهب الذي عمله الوليد رقّ.
فأرسل إلى عامله على ضواحي مكة، سالم بن الجرّاح، بثمانية عشر ألف دينار ليضرب بها صفائح على باب الكعبة. فقلع ما كان على الباب من الصفائح وزيد عليها ثمانية عشر ألف دينار. وضرب الصفائح والمسامير وحلقتي الباب والعتبة. فالذي كان عليه من الذهب ثلاثة وثلاثون ألف مثقال.
قلت: ثم جدّد الباب الشريف في الأيام الزاهرة الملكية الناصرية سقى الله عهدها. عمل بمصر مصفّحا بالفضة (١). وأنا كتبت نسخة ما كتب عليه. وجهّز به برس بغا الناصريّ.
قال الأزرقي (٢): وعمل الوليد بن عبد الملك الرخام الأبيض والأخضر والأحمر في جوفها. فوزّر به جدرانها، وفرشها بالرخام. فجميع ما في الكعبة من الرخام هو من عمل الوليد. وهو أول من فرشها بالرخام وأزّر به جدرانها.
قلت: ثم تقلّع غالب ذلك. وغالب ترخيمها وما فيها الآن من آثار المظفر يوسف بن عمر بن رسول (٣)، صاحب اليمن. واسمه في الرخام داخل الكعبة،
стр. 125
حيث يصلّي المصلّي، بين العمودين تجاه وجهه في الجدار المتصل بالركن اليمانيّ.
واختلف أهل السّير في أول من كسا الكعبة بالديباج.
فقال ابن إسحاق (١): هو الحجاج بن يوسف. وقال ابن بكّار: هو عبد الله بن الزبير [٦٨]. وقال الماورديّ (٢): أول من كساها الديباج خالد بن جعفر بن كلاب. أخذ لطيمة تحمل البز (٣) وأخذ فيها أنماطا، فعلقها على الكعبة. وذكر جماعة - منهم الدارقطنيّ - أن نتيلة بنت جناب أمّ العباس بن عبد المطلب كانت قد أضلّت العباس صغيرا. فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج.
وحكى الأزرقي (٤) أنّ معاوية كسا الكعبة الديباج. قال: وكانت تكسى يوم عاشوراء. ثم إن معاوية كساها مرتين.
ثم كساها المأمون ثلاث مرات (٥). فكان يكسوها الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطيّ يوم هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من
стр. 126
رمضان.
وهذا الأبيض ابتدأه المأمون سنة ست ومائتين حين قالوا له: الديباج الأحمر يتخرّق قبل الكسوة الثانية. فسأل عن أحسن ما تكون فيه الكعبة. فقالوا:
الديباج الأبيض. ففعله.
قلت: وهي الآن تكسى في العام مرة واحدة في وقت الموسم. وتحمل إليها الكسوة من الخزانة السلطانية بالديار المصرية، صحبة الركب. فيتولّى ذلك أمراء الركب. ويحضرون بأنفسهم فتكسى، ويأخذ الأشراف وبنو شيبة الكسوة العتيقة ويقتسمونها. ويأخذون في كل قطعة منها أوفر الأعواض. وتحمل إلى سائر البلاد للبركة.
(وعهدي بصاحب اليمن يبعث إليها كسوة، فتلبس تحت الكسوة المصرية.
وهما سوداوان من الحرير الأسود، بكتابة بيضاء، فيها آيات جاءت في القرآن في ذكر الكعبة) (١).
ولما حججت سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، صعدت أنا وأمراء الركب المصريّ لتلبيس الكعبة الشريفة، حتّى كنّا على سطحها. فرأيته مبلّطا بالمرمر والرخام الأبيض. ومن جوانبه جدر قصار فيها حلق لمرابط الستور، تجرّ فيها الكسوة بحبال، ثم تربط في تلك الحلق.
وأنا أحمد الله، إذ بيدي توليت خلع الكسوة العتيقة عنها وتلبيسها الكسوة الجديدة.
وحملت الكسوة العتيقة في تلك السنة إلى السلطان [٦٩] بمصر، لتجهّز
стр. 127
إلى السلطان أبي الحسن المريني (١) مع ما يجهّز عوض هدية بعثها في هذه السنة، صحبة مريم زوجة أبيه وعريف السّويديّ وجماعة من أكابر دولته.
وعوّض بنو شيبة والأشراف عنها من بيت المال بمصر.
والعادة الجارية أن تغسل الكعبة المعظمة بماء زمزم في السابع والعشرين من ذي القعدة، وتشمّر ستورها. وتلبّس يوم الأضحى، وتغسل بماء الورد عند عود الركب من منى، أوان منصرفهم.
وكلّ ذلك حضرته في هذه السنة وتوليته بيدي. ولله الحمد!.
وأما أوّل من كسا الكعبة مطلقا
فحكى الأزرقيّ (٢) عن ابن جريج أن تبّعا أول من كسا الكعبة كسوة كاملة.
أري في المنام أن يكسوها. فكساها الأنطاع. ثم أري أن يكسوها الوصائل.
فكساها. وهي ثياب حبرة من عصب [اليمن] (٣).
ثم كساها الناس بعده في الجاهلية.
قال السهيليّ (٤): «ويروي أن تبّعا لما كساها المسوح والأنطاع، انتفض البيت. فزال ذلك عنه حين كساها الخصف، وهي ثياب غلاظ. فلما كساها الملاء والوصائل (وهي ثياب موصلة من ثياب اليمن واحدتها وصيلة)، قبلته.
стр. 128
ذكره قاسم في الدلائل».
وروى الأزرقيّ (١) بأسانيد متفرّقة، أن النبيّ ﷺ كسا الكعبة. ثم كساها أبو بكر. وكساها عمر من بيت المال القباطي. وكساها عثمان، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير، ومن بعدهم.
وقال تبّع لما كسا البيت (٢): [الخفيف]
وكسونا البيت الذي حرّم الل … هـ ملاء معضّدا (٣) وبرودا
فأقمنا به من الشهر عشرا (٤) … وجعلنا لبابه إقليدا
ونحرنا بالشّعب ستّة ألف (٥) … فترى الناس نحوهنّ ورودا
ثمّ سرنا عنه نؤمّ سهيلا … فرفعنا لواءنا معقودا
[٧٠] وأما صفة الكعبة (٦)
فاعلم أن الكعبة، البيت الحرام، مربّعة البنيان في وسط المسجد. ارتفاعها من
стр. 129
الأرض سبعة وعشرون ذراعا، وعرض الجدار، وجهتها الآن، أربعة وعشرون ذراعا، وهو الذي فيه بابها، وعرض مؤخرها مثل ذلك، وعرض جدارها الذي يلي اليمن - وهو فيما بين الركن اليمانيّ والركن العراقي، وهو الذي فيه الحجر الأسود - عشرون ذراعا. وإلى وسط هذا الجدار كان يصلي النبيّ ﷺ قبل هجرته إلى المدينة. وعرض جدارها الذي يلي الشام، وهو الذي فيما بين الركن الشاميّ والركن الغربيّ، أحد وعشرون ذراعا، وميزاب الكعبة على وسطه يسكب في الحجر. ومن أصل هذا الجدار إلى أقصى الجدار ستة عشر ذراعا.
وعرض باب الحجر الشاميّ خمسة أذرع إلا شيء (١) يسير، وعرض بابه الغربيّ ستة أذرع إلا شيء (١) يسير، وجدار الحجر مدوّر من بابه الشاميّ إلى بابه الغربيّ، كالطيلسان. وعرضه ذراع، وارتفاعه من الأرض أربعة أشبار.
والحجر الأسود، في الركن العراقيّ المقابل لزمزم. وهو [على] سبعة أشبار من الأرض.
وباب الكعبة على أربعة أذرع من الأرض، وعلوّه ستة أذرع، وعرضه أربعة أذرع.
وما بين الباب والحجر الأسود أربعة أذرع. ويسمى ذلك الموضع الملتزم: لأن رسول الله ﷺ حين فرغ من طوافه التزمه ودعا فيه، ثم التفت فرأى عمر، فقال (٢): «ها هنا تسكب العبرات».
ومن الباب إلى مصلى آدم ﵇ حين فرغ من طوافه وأنزل الله عليه
стр. 130
التوبة، وهو موضع الخلوق، ومن إزار الكعبة، أرجح من سبعة أذرع. وكان هناك موضع مقام إبراهيم ﷺ .
وصلى النبيّ ﷺ عنده حين فرغ من طوافه ركعتين [٧١]، وأنزل الله تعالى عليه: ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. ثم نقله ﷺ إلى الموضع الذي هو فيه الآن. وذلك على عشرين ذراعا من الكعبة: لئلا ينقطع الطواف بالمصلين خلفه، أو يترك الناس الصلاة خلفه لأجل الطواف حين كثر الناس، وليدور الصف حول الكعبة، ويرى الإمام من وجهه. ثم حمله السيل في أيام عمر وأخرجه من المسجد. فأمر عمر بردّه إلى موضعه الذي وضعه فيه رسول الله ﷺ .
وبين موضع الخلوق - وهو مصلّى آدم ﵇ وبين الركن الشاميّ ثمانية أذرع.
ومن الركن الشاميّ إلى اللوح المرمر المنقوش في الحجر الذي بنى هناك ابن الزبير ركن البيت (وهو على قواعد إبراهيم ﵇ تسعة أذرع.
وفيما بين الحجر إلى مقام إبراهيم خمسة وعشرون ذراعا ويسمّى ذلك «الحطيم»، لأنه يحطم الذنوب أي يسقطها، وقيل لأنه حطم من البيت، وقيل لأن من حلف هناك كاذبا انحطم دينه ودنياه.
وما بين الركن العراقيّ (وهو الذي فيه الحجر الأسود) إلى مصلى النبي ﷺ قبل هجرته إلى المدينة، عشرة أذرع. وكان يستقبل بيت المقدس، ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. ولهذا لم يبن توجّهه إلى بيت المقدس إلا لما هاجر إلى المدينة.
وبين الركن اليماني وبين الباب المسدود في ظهر الكعبة أربعة أذرع. ويسمى
стр. 131
ذلك الموضع «المستجار» من الذنوب. وعرض الباب خمسة أذرع، وارتفاعه سبعة أذرع. وبينه وبين الركن الغربيّ ثلاثة عشر ذراعا.
وبين الركن الغربيّ وآخر قواعد إبراهيم - وهناك اللوح المرمر المنقوش - أزيد من سبعة أذرع. وإلى هناك بنى ابن الزبير.
وقد قدّمنا أن ارتفاع الكعبة في الهواء سبعة وعشرون ذراعا.
[٧٢] وأما صفة المسجد الحرام المحيط بالكعبة
فنقول: قد ذكر الأزرقيّ والماورديّ والسّهيليّ (١) وغيرهم، وفي كلام بعضهم زيادة على بعض:
كان المسجد الحرام، أعني المحيط بالكعبة فناء لها وفضاء للطائفين. ولم يكن له على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر جدار يحيط به، فضيق الناس على الكعبة وألصقوا دورهم بها. وكانت الدور محدقة بالكعبة. وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية.
فلما استخلف عمر، وكثر الناس، قال: «لابدّ لبيت الله من فناء! وإنكم دخلتم عليه ولم يدخل عليكم»، فوسع المسجد واشترى تلك الدور وهدمها وزادها في المسجد، واتخذ للمسجد جدارا قصيرا، دون القامة. وكانت القناديل توضع عليه. وكان عمر أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام.
ثم لما استخلف عثمان، ابتاع منازل ووسعه بها. وبنى الأروقة للمسجد،
стр. 132
فيما ذكر الأزرقيّ والماورديّ وغيرهما.
ثم إن ابن الزبير زاد في المسجد زيادة كثيرة. واشترى دورا، من جملتها بعض دار الأزرق، اشترى ذلك البعض ببضعة عشر ألف دينار. وجعل فيها عمدا من الرّخام.
ثم عمره عبد الملك بن مروان، ولم يزد فيه، لكن رفع جداره، وجلب إليه السواري في البحر إلى جدّة، وسقفه بالساج، وعمّره عمارة حسنة.
ثم وسع ابنه الوليد وحمل إليه أعمدة الحجارة والرّخام.
ثم زاد فيه المنصور، وجعل فيه أعمدة الرخام.
وزاد فيه المهديّ مرتين: إحداهما سنة ستين ومائة، والثانية سنة سبع وستين ومائة وفيها توفّي المهديّ.
واستقر بناؤه إلى الآن.
وأما الرواق فنقول: إن له سقفين، أحدهما فوق الآخر، وبينهما فرجة قدر الذراعين، أو نحوهما.
فأما الأعلى (١) منه، فسطوحه فرش مسقف بالدّوم (٢) اليماني [٧٣].
وأما الأسفل منهما، فهو مسقوف بالساج، مزخرف بالذهب.
وعدد أساطينه (وذلك من الرخام والحجر الأبيض، سوى ما جدّد في دار النّدوة وسوق الحنطة) أربعمائة وأربع وثمانون أسطوانة بين كل أسطوانتين
стр. 133
أذرع: منها في الجانب الشرقي الذي يلي المسعى مائة أسطوانة وثلاث أساطين، وفي الجانب الشمالي مما يلي الصفا مائة أسطوانة وإحدى وأربعون أسطوانة، وفي الجانب الغربيّ مائة أسطوانة وخمس أساطين، وفي الجانب الشاميّ الذي فيه دار الندوى مائة وخمس وثلاثون أسطوانة.
وفي وسط هذا الشّق أو نحوه الذي يلي المسجد سارية خمس أساطين: ذكر أنها كانت ليهوديّة فسامها النبي ﷺ فيها، فأبت بيعها إلا بوزنها ذهبا، ففعل النبيّ ﷺ ذلك، فوضعت في ميزان، ووضع مثقال واحد فرجح المثقال ببركة رسول الله ﷺ .
ومنها على باب المسجد اثنتان وعشرون، ومن ناحية المسجد ستّ، ومن ناحية الوادي والصفا عشر، ومن ناحية بني جمح أربع، ومن ناحية دار الندوة اثنان.
وفي دار الندوة سوى ما ذكرناه سبع وستون أسطوانة بالحجارة مبيّضة، وطول كلّ أسطوانة منها عشرة أذرع، وتدويرها ثلاثة أذرع، وذرع ما بين كلّ أسطوانتين ستة أذرع ونصف.
وعدد طاقاته وهي الحنايا المعقودة على الأساطين أربعمائة طاق وثمان وتسعون طاقا، سوى ما في دار الندوة.
وذرع المسجد الحرام من باب بني جمح إلى باب العباس، الذي عند العلم الأخضر، ويعرف بباب بني هاشم، أربعمائة ذراع وأربعة أذرع، وعرضه ما بين دار الندوة إلى باب الصفا ثلثمائة ذراع وأربعة أذرع.
وذرع ما بين وسط جدار الكعبة الشرقي الذي يلي (١) المسعى مائتا ذراع
стр. 134
وثلاثة عشر ذرعا [٧٤]، ومن وسط جدار الكعبة الغربيّ إلى جدار المسجد الغربيّ الذي يلي [باب] (١) بني جمح مائة ذراع وتسعة وتسعون ذراعا، ومن وسط جدار الكعبة الجنوبيّ إلى جدار المسجد الذي يلي الوادي مائة ذراع وأحد وأربعون ذراعا، ومن وسط جدار الكعبة الشماليّ الذي يلي الحجر إلى جدار المسجد الذي يلي دار الندوة مائة ذراع وتسعة وثلاثون ذراعا، ومن ركن الكعبة العراقيّ ويقال له الشاميّ إلى المنارة التي تلي المروة مائتا ذراع وأربعة وستون ذراعا، ومن ركن الكعبة الشاميّ ويقال له الغربيّ إلى المنارة التي تلي باب بني سهم (وهو باب العمرة) مائتا ذراع وثمانية عشر ذراعا، ومن الركن اليمانيّ إلى المنارة التي تلي أجياد الكبرى وبين الحزوّرة مائتا ذراع وثمانية أذرع، ومن الركن الأسود إلى المنارة مستمرة تلي المسعى والوادي من ناحية الصفا مائتا ذراع وثمانية وعشرون ذراعا.
وارتفاع جداره في السماء مما يلي المسعى ثمانية عشر ذراعا، ومما يلي الوادي والصفا اثنان وعشرون ذراعا، ومما يلي بني جمح اثنان وعشرون ذراعا، ومما يلي دار الندوة سبعة عشر ذراعا ونصف.
وعدد شرفاته من داخله وخارجه، أربعمائة وخمس وتسعون شرّافة. هذا من خارجه.
وعددها من داخله أربعمائة وثمان وتسعون شرّافة.
فجميعها ألف شرّافة إلا سبع شرّافات.
واعلم أن المسجد الحرام يطلق ويراد به عين الكعبة، كما في قوله تعالى:
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]. إذ لم يقل أحد من المسلمين بالاكتفاء بالتوجه إلى استقبال المسجد المحيط بالكعبة. وهذا هو أصل حقيقة اللفظ، وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي﴾
стр. 135
﴿بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]. وبقوله ﷺ لما سأله أبو ذرّ [٧٥] عن أول مسجد وضع أوّل، قال (١): «المسجد الحرام».
وقد يطلق المسجد الحرام ويراد به المسجد المحيط بالكعبة. وهو الغالب في الاستعمال على وجه التغليب المجازيّ، كما في قوله ﷺ (٢): «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام». وقوله تعالى:
﴿سُبْحانَ اَلَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ﴾ [الإسراء: ١]. على قول من روى أنه كان نائما في المسجد المحيط بالكعبة.
وقد يطلق المسجد الحرام ويراد به مكة أو الحرم بكماله، على قول من يقول إن المراد بالمسجد الحرام مكة، لأنه ﷺ كان نائما في بيت أمّ هانئ لما أسري به، وكما في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
على قول من يقول إن المراد الحرم الخارج عن مكة بكماله.
وهذا كله على وجه التغليب المجازيّ - ولا ريب فيه - وإلا يلزم الاشتراك في موضوع المسجد الحرام - والمجاز أولى منه - والله أعلم.
ومما يشتمل عليه المسجد الحرام بئر زمزم وهي سقيا إسماعيل، وهزمة (٣) روح القدس جبريل، طعام طعم، وشفاء سقم، لا تنزف ولا تذم، ولا يتوجه إليها
стр. 136
ذم، لقيّة عبد المطلب، ودليل سؤدده ولا كذب. وفي الحديث (١): «ماء زمزم لما شرب له».
قال السّهيلي (٢): «كانت زمزم سقيا إسماعيل بن إبراهيم. فجرها له روح القدس بعقبه. وفي ذلك إشارة إلى أنها لعقب إسماعيل ورّاثه وهو محمد وأمّته ﷺ » والقصة في ذلك معروفة.
وتلخيصها أن إبراهيم ﵇ لما احتمل إسماعيل وأمّه هاجر إلى مكة، احتمل معه لهما قربة ماء ومزود تمر - وتركهما بمكة وعاد، فلما فرغ التمر والماء عطش إسماعيل، وهو صغير، وجعل ينشغ (٣) للموت، جعلت هاجر تسعى من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا، لترى أحدا، حتّى سمعت صوتا [٧٦] عند الصبّي. فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غوث. ثم جاءت الصبي. فإذا الماء ينبع من تحت خدّه. فجعلت تغرف بيديها، وتجعل في القربة. وسيأتي بعد ذلك له خبر. قال النبيّ ﷺ (٤) لو تركته لكان عينا (أو قال: نهرا معينا).
قال الحربيّ (٥): سميت زمزم بزمزمة الماء، وهي صوته.
стр. 137
وقال المسعودي (١): «سميت زمزم لأن الفرس كانت تحجّ إليها في الزمن الأول، فتزمزم عندها. والزمزمة صوت تخرجه الفرس من خياشيمها، عند شرب الماء.
وأنشد المسعودي: [السريع]
زمزمت الفرس على زمزم … وذاك في سالفها الأقدم
وذكر البرقيّ (٢) عن ابن عباس: أنها سميت زمزم، لأنها زمّت بالتراب، لئلا يسيح الماء يمينا وشمالا، ولو تركت لساحت على الأرض، حتى تملأ كل شيء.
وقد ذكرنا طمّ الحارث بن مضاض إيّاها. ولم تزل دارسة، حتّى أري عبد المطلب أن احفر طيبة. فسمّيت طيبة، لأنها للطيبين والطيبات، من ولد إبراهيم وإسماعيل وقيل له: احفر برّة. وقيل: احفر المضنونة، ضننت بها على الناس إلا
стр. 138
عليك. ودلّ عليها بعلامات ثلاث: بنقرة الغراب الأعصم، وأنها بين الفرث والدم، وعند قرية النمل.
وروي أنه لما قام ليحفرها، رأى ما رسم له من قرية النمل ونقرة الغراب، ولم ير الفرث والدم. فبينما هو كذلك، ندّت بقرة لجازرها، فلم يدركها حتّى دخلت المسجد الحرام، فنحرها في الموضع الذي رسم له. فسال هناك الفرث والدم. فحفر عبد المطلب حيث رسم له.
وقيل لعبد المطلب في صفتها: إنه لا اتنزف أبدا. وهذا برهان عظيم، لأنها لم تنزف من ذلك الحين إلى اليوم قط. وقد وقع فيها حبشيّ فنزحت من أجله.
فوجدوا ماءها [٧٧] يثور من ثلاث أعين: أقواها وأكثرها ماء هي عين من ناحية الحجر الأسود. رواه الدارقطني (١). وروى الدارقطنيّ أيضا مسندا عن النبيّ ﷺ : (٢): «من شرب من ماء زمزم، فليتضلّع (٣)، فإنه فرق ما بيننا وبين المنافقين. لا يستطيعون أن يتضلّعوا منها». أو كما قال. وروي عن النبيّ ﷺ أنه قال (٤): «ماء زمزم لما شرب له». وروي أن أبا ذرّ تقوّت من مائها ثلاثين، بين يوم وليلة. فسمن حتّى تكسّرت عكنه (٥).
وذكر الزّهريّ (٦) في سيره أن عبد المطلب اتّخذ حوضا لزمزم يستقي منه،
стр. 139
وكان يخرّب بالليل، حسدا له. فلما غمه ذلك، قيل له في النوم: «قل: لا أحلّها لمغتسل، وهي لشارب حلّ وبلّ. وقد كفيتهم». فلما أصبح، قال: نعم. وكان بعد من أرادها بمكروه، رمي بداء في جسده، حتّى انتهوا عنه. [٧٨]
стр. 140
الصفا والمروة
قال الله تعالى: «إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما» [البقرة: ١٥٨].
فرقدا الأرض، وجارا البيت الحرام، وطوبى لمن وقف عليهما، وسعى بينهما أو إليهما. وسنذكر ما هما، فنقول:
أما الصفا فحجر أزرق عظيم في أصل جبل أبي قبيس، قد كسر بدرج إلى آخر موضع الوقوف. وأكثر ما ينتهي الناس منها إلى اثنتي عشرة درجة أو نحوها.
وأما المروة فحجر عظيم إلى أصل جبل متصل بجبل قعيقعان، كأنه قد انقسم على جزئين، وبقيت بينهما فرجة، ويبين منها درج عليها إلى آخر الوقوف.
«وذرع ما بين الصفا والمروة، وهو المسعى، سبعمائة ذراع وثمانون ذراعا» (١).
من الصفا إلى الميل الأخضر المائل في ركن المسجد على الوادي مائة وثمانون ذراعا.
«وذرع ما بين الحجر الأسود والصفا مائتا ذراع واثنان وستون ذراعا».
ومن الميل الأصفر إلى الميل الأخضر الذي بإزاء دار جعفر بن العباس، وهو
стр. 141
موضع الهرولة، مائة وخمس وعشرون ذراعا.
ومن الميل الثاني إلى المروة أربعمائة وخمس وسبعون ذراعا.
فجميع ما بين الصفا والمروة سبعمائة وثمانون ذراعا.
دار النّدوة
قال الماورديّ (١): «لم تكن مكة ذات منازل. وكانت قريش، بعد جرهم والعمالقة، ينتجعون جبالها وأوديتها. ولا يخرجون من حرمها انتسابا إلى الكعبة لاستيلائهم عليها، وتخصيصها بالحرم لحلولهم فيه. ويرون أن ذلك يكون لهم بسببه شأن. وكان كلما كثر فيهم العدد ونشأت فيهم الرياسة، قوى أملهم وعلموا أنهم سيقدّمون على العرب. وكان فضلاؤهم يتخيلون (٢) أن ذلك لرياسة في الدين وتأسيسا لنبوّة ستكون. فأول من ألهم ذلك كعب بن لؤي بن غالب. وكانت قريش تجتمع إليه في كل جمعة. وكان يخطبهم فيه، ويذكر لهم أمر نبيّنا ﷺ .
ثم انتقلت الرياسة إلى قصيّ بن كلاب، فبنى بمكة دار الندوة ليحكم [٧٩] فيها بين قريش، ثم صارت لتشاورهم وعقد الألوية في حروبهم. وكانت هذه الدار، لا ينكح رجل من قريش ولا امرأة إلا فيها، ولا يعقد لواء الحرب لهم ولا لغيرهم إلا فيها، ولا يغدر غلام إلا فيها، ولا تدرّع جارية من قريش إلا فيها:
يشق عليها درعها ثم تدرع وينطلق بها إلى أهلها، ولا تخرج عير من قريش
стр. 142
ويرحلون إلا منها، ولا يقدمون إلا نزلوا فيها.
قال الكلبي (١): «وكانت أول دار بنيت بمكة، ثم تتابع الناس فبنوا الدور.
كلما قربوا من الإسلام ازدادوا قوّة وكثرة عدد، حتى دانت لهم العرب».
قال الماورديّ: صارت بعد قصيّ لابنه عبد الدار. فابتاعها معاوية في الإسلام من عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ، وجعلها دار الإمارة.
وروى الأزرقيّ (٢) أن معاوية اشتراها لما حجّ، وهو خليفة، بمائة ألف درهم.
وذكر السّهيلي (٣) أن هذه الدار صارت إلى حكيم بن خزام بن أسد بن عبد العزّى ابن قصيّ فباعها في الإسلام بمائة ألف. وذلك في زمن معاوية. فلامه معاوية في ذلك، وقال: «بعت مكرمة آبائك وشرفهم». فقال حكيم: «ذهبت المكارم إلا التقوى. والله لقد اشتريتها في الجاهلية بزقّ خمر، وقد بعتها بمائة ألف، وأشهدكم أني جعلت ثمنها في سبيل الله! فأيّنا المغبون؟».
قال الحارثيّ (٤): هي اليوم (يعني دار الندوة) في المسجد الحرام.
قال الأزرقيّ (٥): وهي جانبه الشماليّ. وقد تقدّم ذكرها.
стр. 143
منى
[٨٠] (حيث ترمى الجمرات، وتهمى العبرات، ذوات الليالي المقمرات، والأيّام التي سلخ من الكافور ثياب عشاياها المعنبرات، يحلّى بها من كل ترب عاطله، ويلتقي في كل سرب كل ذي دين وماطله) (١).
وهي بطحاء بين جبلين، مهدّفة الجوانب، فيها مجتمع الحجيج. والمحصّب منها موضع الجمرات. وهي على مدرجة السوق الأعظم، حيث ينصب كلّ سنة، أيام الموسم. يجتمع فيه الخليطان من شام ويمن، وتنزل الركوب به في منازلهم:
من شرف الوادي إلى حيث تنحر البدنات تحت العقبة الأولى، حيث تنصب سقايات الحاجّ.
وكانت في قديم الإسلام موسم لقاء الحبائب، ومكان موعد كل مفارق.
وثلاث ليالي منى معروفة موصوفة، قد أكثر فيها الشعراء وترنم بها المتيّمون.
وبمنى بيوت هي كالقرية. منها ما هو مسكون ومنها ما هو برسم بضائع الكارم، أيام الموسم، تكرى بأجرة طائلة.
وبها آبار متخذة لخزن ماء الأسنية، يباع على الحجيج. وهو ماء ثقيل وبيء:
لما يحمل من أوساخ الذبائح، وبقايا الأضاحي، ودماء القرابين.
وفيها مسجد الخيف. وهو على يمين المتوجه من مكة إلى عرفات. والخيف هو البستان. وجدّد بناؤه في الأيام الزاهرة الناصرية، سقى الله عهدها!.
стр. 144
وفيها مسجد إسماعيل، ويسمى بمسجد الكبش. وهو على يسار المتوجّه من منى إلى عرفات. يقال إن الفداء لإسماعيل نزل به (وينزل المصريون منه إلى منى، وينزل المكّيّون منه إلى معرّف، ويقع تجاه مسجد الخيف منحرفا عنه على ذروة من الجبل. يحيل بينهما مجرى ماء من ماء الشتاء. ينزل فيما يليه إلى الطريق العظمى ركبان العرب) (١).
جمع - هي المزدلفة. وكلها مشعر إلا بطن محسّر. ومنها تؤخذ حصى الجمرات. وبذلك فسّر عليّ وابن مسعود قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ [العاديات: ٥]. قالا: يعني المزدلفة.
ومسجد المزدلفة عن يسارك إذا مضيت إلى عرفات. وفيه يجمع بين المغرب والعشاء، إذا نفر الحاجّ من عرفات. وهي التي عنى الشريف الرضي بقوله (٢): [الخفيف]
عارضا بى ركب الحجاز نسائل … هـ: متى عهده بأيّام سلع؟
واستملّا حديث من سكن الخي … ف ولا تكتباه إلا بدمعي
فاتني أن أرى الديار بطرفي، … فلعلّي أرى الديار بسمعي!
لهف نفسي على ليال تقضّت … لي بجمع! وأين أيام جمع؟
[٨١] قال الزمخشريّ (٣) فيقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اَللّهَ عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].: المشعر الحرام قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة.
وقيل: المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة إلى مأزمي عرفة إلى وادي محسّر.
وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
стр. 145
والصحيح أنه الجبل. لما روى جابر أن النبيّ ﷺ لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة - ركب ناقته حتّى أتى المشعر الحرام، فدعا وكبر وهلل. ولم يزل واقفا حتّى أسفر.
وقوله [تعالى] ﴿عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرامِ﴾ معناه مما يلي المشعر الحرام، قريبا منه.
وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة. وإلا فالمزدلفة كلها موقف، إلا وادي محسّر. وجعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به، عند المشعر.
وقيل سميت «المزدلفة» و «جمعا» لأن آدم اجتمع فيها مع حوّاء وازدلف إليها، أي دنا منها. وقال قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين. ويجوز أن تكون (١) وصفت بفعل أهلها، لأنّهم يزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقرّبون بالوقوف فيها». وعن عليّ (٢): «لما أصبح رسول الله ﷺ وقف على قزح، فقال: هذا قزح! وهو الموقف». وجمع كلّها موقف.
أنصاب الحرم
هي العلامات المبنية على حدود الحرم.
وأول من بناها إبراهيم (صلوات الله عليه). وأشار له جبريل إلى مواضعها.
هكذا ذكره أبو عروبة والأزرقي (٣) وغيرهما.