المقدّمة الذكر، ثلاثة جبال:
(الأول) منها وهو الشرقيّ: جبل آخذ عن الأمّ على جانب فرجة بينهما، ممتدّا إلى خط الاستواء حتّى وقع عليه وينقطع عنده، وتقع مدينة لقمرانه في ذيله على شرقيه، وبوشة في ذيله على غريبه.
ويليه (الثاني) على غربيه وهو: جبل آخذ إلى مدينة نسويه، وينقطع هناك، ويليه (الثالث) على غربيه وهو: جبل يعرف بجبل حاقولي (١)، ذكر صاحب جغرافيا في لوح الرسم أنه معروف عن المسافرين، يأخذ على شرقي النيل [٣٧] حتى ينتهي إلى مدينة فرقوة (٢) حيث آخر خرجة البحر الهنديّ، وقد نبهنا على ذكر هذا الجبل، عند وصفنا للأمّ المذكورة، وأشرنا إلى أن مخرج الأمّ يقع قبالته من شماليّ البحر الشاميّ، على ما تقدم ذكره، وعن يسرته جبل آخذ على شرقيّ النوبة، ومن ذلك جبل يقع منه جنوبا مع تغريب كثير كأنه «لا» معلقة بالخط المغربي، ومن ذلك جبل آخر منقطع ما بين خاخة وجيمي (٣).
ومن ذلك دونهما جبلان آخران أحدهما يأخذ على الواحات والآخر يأخذ وراءه غربيّ بحيرة نافرن، وشرقيّ بحيرة كوكورة.
ومن ذلك وراءه في غربيه جبل كأنه رأس صاد بالخط المغربيّ.
وسطه بطحاء سهلة، لا وصول إليها من كل جهة، إلا بعد صعود الجبل
стр. 72
والنزول إليها جانبه الداخل، يجري منه النهر الواصل إلى القيروان المنتهي إلى البحر الشامي.
ويليه جبل يعرف باللماع كزنه فردة صولجان، عليه حصن الملح وجزولة، وتنصب منه أنهار إلى المحيط، ومن ذلك جبل يأخذ بين فاس وسجلماسة وينصبّ منه نهر بين أسفي والمزمة حتى يصب في البحر المحيط، شرقيّ طنجة.
ومن ذلك جبل منقطع ينشأ في أواخر خط الاستواء غربا، حيث الطول من الغرب خمس عشرة درجة، علّم عليها في لوح الرسم (يه) من حساب الجمل، ويأخذ جنوبا إلى البحر المحيط.
ومن ذلك جبلان يعرفان بجبل كرسقانة وجبل وحشية، وقد تقدّم ذكرهما، وذلك كله خارج عن الأمّ، منقول من لوح الرسم.
والربع الثالث الغربيّ الآخذ [٣٨] إلى الشمال
به من الجبال جبل آخر في جزيرة الأندلس، في جنوبيها من البحر الشاميّ من إشبيليّة إلى بطليموس، وانصبّ منه نهران: أخذ أحدهما على إشبيلية مارا بينها وبين مالقة حتى صب في البحر الشامي، والثاني منهما أخذ على إلبيرة وصب في البحر المحيط.
وفي شرقيّه جبل آخذ من قورة إلى وادي آش، عليه هيكل الزّهرة، وانصب منه نهر مرّ على وادي آش، وأخذ شرقيّ غرناطة إلى قرطبة، وصبّ في البحر الشاميّ.
وفي شرقيه جبل خرج من البحر المحيط من شمال مغربا، وأخذ مارا في الأندلس إلى بلنسية، وانتهى إلى البحر الشاميّ.
стр. 73
وهذه الجبال كلها وراء وصلة الأم الخارجة على شرقيّ رومة الكبرى.
ولولا مخرج الأم هنا، لما امتنع سبيل الأندلس في البر إلى بلاد القسطنطينية الكبرى واللآن والأرض والصقلب، ولوصل منه إلى جميع الأرض، شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، من غير بحر حائل ولا لج مانع، فلمّا لم يبق للأندلس سبيل إلّا من البحر، بقيت كأنّها داخلة هذا الجبل المحيط بالمعمور، وإن كان موقعه وراءه من غربيّه.
ذكرنا هذا هنا لمقتضيه، إذ لم يمكن السكوت عنه.
ثم نعود إلى تتمّة الجبال الواقعة في هذا الربع الثالث:
فمن ذلك جبل يأخذ على بحر بنطس (١) المتصل بالبحر الشاميّ، من شرقيّ هرقلة ويمتدّ إلى أنطاكية وحلب ويمتدّ في الشام على شماليّ بعلبك ودمشق، ويحصر هذا الجبل البحر الشاميّ آخذا معه إلى الجنوب، على فرجة بينهما تلك الفرجة هي موقع مدائن الروم وهي المسماة الآن ببلاد الروم (٢)، مثل: قونية وقيصرية، وأنطاكية.
ومن ذلك جبل يمتد [٣٩] على ماردين وشهرزور وأخلاط (٣) ينقطع ويتصل بجبل أذربيجان، وتنصب منه أنهار كبيرة: منها ما يصبّ في البحر الشاميّ، ومنها ما يصبّ في بحر بنطس، ومنها ما يصبّ في البحر الهنديّ، ومنها ما
стр. 74
يصبّ في البحيرة البلّاعة المقاربة للسّدّ، ويتصل هذا عن فرجات بجبل طبرستان المارّ بين أذربيجان وغزنة، وكذلك يتّصل به جبل طوس الآخذ بينها وبين جرجان، حيث يخرج خطّ أخذ العروض،
ومن ذلك جبلان منقطعان، وراء بحر بنطس، من شماله بشرق، آخذان على بحيرة الجارس عن شرقها وغربيّها،
وذلك كله خارج عن الأمّ، منقولا من لوح الرسم،
والربع الرابع
من هذه الأربّاع المقسومة، وهو الربع الآخذ إلى الشمال، وبه تمامها،
به من الجبال، جبل منقطع ما بين بلاد السند وبين بوار، وشماليّ القموج (١) يجري نهر مكران (٢) حيث يقطع مدى الصحراء على ذيله ويخرج هناك،
ومن ذلك جبل ينزل به غرغر النار (٣)، به باب الصين،
ومن ذلك جبال الخطا المحيطة بها على باش بالق (٤)، وآل بالق، وخان
стр. 75
بالق (١).
ومن ذلك جبل منقطع، كأنه صليب ذهب أحد شعبه، ومدينة ظفار في ذيله المغرّب، وشعبته الخارجة تقع بلاد الياش (٢) في ذيلها.
ومن ذلك جبل منقطع متلوّ كالأرقم، من غربيّ بلاد أسحرت إلى نهاية العمارة في الشمال، ومنه ينصب فرع نهر جيحون.
ومن ذلك جبل في صحراء القبجاق (٣)، آخذ على منعطف النهر المتّصل بالبحيرة الجامدة من شدّة البرد.
ومن ذلك جبل منقطع ينصبّ منه فرع إلى نهر أتيل (٤) في شرقيّ صحارى القبجاق آخذا بشرق مدينة أوتنا، ووراءها عبدة الشياطين، على ما رسم صاحب جغرافيا في لوح الرسم.
ومن ذلك شعبة آخذة من الأمّ إلى جنوب مغرّب، ينصبّ منه ماء إلى النهر المنتهي إلى البحيرة الجامدة.
ثم إنا نذكر هنا ما رأينا إفراده في هذا المكان، ليكون أوضح لبيانه، وأدلّ على مكانه، وهو الجبل الممتدّ على الشام، وجبال شهيرة بجزيرة العرب.
стр. 76
فأما الجبل الممتد على الشام
فإن أوله بالمشرق من الصين من البحر المحيط، فيقطع بلاد التتر على معادنها إلى أن يأتي فرغانة إلى جبال البتم الممتدّ بها نهر السّغد إلى أن يصل الجبل إلى جيحون فينقطع، ويمضي في وسطه بين شعبتين منه، وكأنه قطع ثمّ [وصل] في وسطه، ويستمر الجبل إلى الجوزجان ويأخذ على الطالقان إلى أعمال مرو الرّوذ إلى طوس، فتكون جميع مدن طوس فيه، ويتّصل به جبال أصبهان وشيراز إلى أن يصل إلى البحر الهندي، وينعطف هذا الجبل ويمتدّ إلى شهرزور إلى سهرود، فيمرّ على جباله بسائر دجلة، ثم يتصل بجبل الجوديّ، موقف سفينة نوح ﵇، ولا يزال هذا الجبل مستمرا من أعمال آمد وميّافارقين حتّى يمر بثغور حلب، ويسمى هناك جبل اللّكام، ويستمر جبل اللّكام إلى أن يعدي الثغور فيسمّى بهذا حتّى يجاور حمص فيسمّى لبنان، ثم يمتد على الشام حتّى ينتهي إلى بحر القلزوم من جهة، ويتّصل من الجهة الأخرى ويسمى المقطّم، ثم يتشعّب وتتصل أواخر شعبه بنهاية المغرب.
ونحن وإن كنا قد ذكرنا هذا الجبل، كلّية وجزئيّة، مما تقدّم على ما اقتضاه الإيضاح في موضعه على ما صوّر في لوح الرسم [٤١] في أماكنه، ولكنّا أردنا هنا اتصال لحمته ليعرف كيف هو بأسمائه فيما يمرّ عليه في الأرض من شرقها إلى مغربها.
فأمّا جبال مكّة
فأعظمها وأحقها بالتقديم وإن بعد عن مكة جبل عرفات، موقف الحجيج الأعظم، وركن الحج الأكبر.
стр. 77
ومنها جبل أبي قبيس (١) ولونه أدكن إلى البياض قليلا، وإنما قيل له أبو قبيس لأن الحجر الأسود اقتبس منه وقيل هو اسم رجل من مذحج كان يكنى أبا قبيس عرف به لأنه أول من بنى فيه، كذا قال الزمخشري (٢)، وقال أبو القاسم السّهيلي (٣): عرف برجل من جرهم كان قد وشى بين عمرو بن مضاض، وبين ابنة عمه ميّة فنذرت أن لا تكلمه، وكان شديد الكلف بها، فحلف ليقتلن قبيسا، فهرب منه في الجبل المعروف به، وانقطع خبره، فإمّا مات، وإمّا تردّى،
стр. 78
فسمي الجبل أبا قبيس، وقال ابن عباس: هو أول جبل وضع على الأرض، رواه أبو عروبة وأبو بكر بن أبي شيبة، وقال الزمخشريّ (١): كان يسمّى في الجاهلية الأمين، لأن الركن كان مستودعا فيه، عام الطوفان، وفي أعلاه منار إبراهيم ﵇، وقد جاء في بعض الآثار أن ذلك المنار على الموضع الذي نادى منه إبراهيم الخليل ﵊ بحجّ بيت الله الحرام، والأكثر أنه نادى من أعلى المقام، وفي أصله الصفا، ومنه يصعد إليه من ناحية المسجد، ويصعد إليه أيضا من شعب أجياد الصغير، وأبو قبيس أحد الأخشبين، وهو أقرب الجبال إلى المسجد الحرام، وهو بإزاء الركن الأسود من الكعبة.
وجبل الخندمة (٢) وهو على أبي قبيس من ناحية المشرق، وهو جبل أحمر محجّر، فيه صخرة كبيرة شديدة البياض كأنها معلّقة، تشبه الإنسان إذا نظرت إليها من بعيد تبدو من المسجد من باب السّهميّين الصغير، وفي هذا الجبل خصن أهل مكة، إذ أحاط بهم القرامطة وقلعوا الحجر الأسود وأخذوا الشمسة (٣) وجميع ما كان في الكعبة، إلى أن ردّه الله إلى موضعه، على يد ولد
стр. 79
الذي قلعه، وتحت هذا الجبل شعب عليّ بن أبي طالب ﵁.
والجبل الأبيض، الذي على الأبطح إلى باب المعلى يسمى عاضرة.
والجبل الآخر، على الحجون ووجهه إلى قعيقعان، على قبر عبد الله بن الزبير (١)، والأخاشب (٢) [٤٢] والجباجب، جبال مكة، وفيه الثّنية، وهي العقبة، وعند أصله بقيع مكة، ومن هذا الجبل إلى الجبل الأبيض بنى المقتدر السور، وجعل له بابا من حديد وهو المعروف بباب منى، وشعب المحصّب.
وجبل قعيقعان (٣)، وهو يقابل أبا قبيس من ناحية الشمال، وهو جبل أخضر يقابل من الكعبة ما بين الركن العراقيّ والميزاب، وهو حدّ أخشبي مكة.
وجبل أجياد (٤)، إنما سمي بأجياد لأن الله تعالى لما أذن لإبراهيم وإسماعيل
стр. 80
برفع القواعد من البيت، أعطى كل واحد منهما كنزا من كنوزه، فأوحى الله إلى إسماعيل: «إني معطيك كنزا من كنوزي، لم أعطه لأحد قبلك، فاخرج فناد بالكنز، يأتك»، قال فخرج إسماعيل - وما يدري ذلك الكنز ولا يدري كيف الدعاء به - حتى أتى أجياد، فألهم الله إسماعيل الدعاء بالخيل: «يا خيل الله أجيبي!» فلم يبق في بلاد العرب كلها فرس إلا أتاه وذلّله الله له، وأمكنه من نواصيها، قال ابن عباس: فذلك سمّي ذلك الموضع بأجياد، وكانت الخيل قبل ذلك كسائر الوحوش، فقال شاعر قصير يرتجز (١) بذلك (٢):
أبونا الذي لم تركب الخيل قبله … ولم يدر خلق قبله كيف تركب!
وجبل ابن عمران (٣)، وهو الجبل الأسود الذي بين أبي قبيس وأجياد، وهو خلفها، يظهر على بعد كأنه بينهما، يقابل من الكعبة الشقّ اليمانيّ.
فهذه الجبال المحيطة بالمسجد الحرام.
ثم في العطف في آخر ذي طوى في طريق التنعيم جبل البكاء (٤)، وقربه على يسار المارّ إلى التنعيم، الحجر [٤٣] الذي قعد عنده رسول الله ﷺ مستريحا عند إقباله من العمرة، فلان فيه موضع رأسه، حتى استند إليه، وهو مشهور يقعد الناس عنده، عند انصرافهم من العمرة، وعند جبل البكاء تحته ما
стр. 81
يلي الغرب.
قال الفاكهيّ (١): «وبمكة في فجاجها وشعابها من باب المسجد إلى منار مسجد التنعيم وجميعه نحو من مائة سقاية، وفي أصله مما يلي الشمال مياه، وكانت قديما بساتين، والوادي أسفل منها في المحجة، كل ذلك على يمين المار إلى التنعيم».
وشامة وطفيل (٢)، تحت الثّنية السفلى غربيّ ذي طوى،
ومن ناحية الشرق في طريق منى جبل ثبير (٣)، وهو جبل عظيم مرتفع أسود كثير الحجارة في عطف وادي إبراهيم ﵇ من يسار المار إلى منى.
стр. 82
(قال السهيليّ (١): «عرف برجل من هذيل مات فدفن به فعرف به الجبل»، وقال الزمخشريّ (٢): «ثبيران جبلان مفترقان تصب بينهما أفاعية، وهي واد يصب من منى، يقال لأحدهما ثبير غينا وللآخر ثبير الأعرج») (٣).
ثم جبل حراء (٤)، وهو على يسار المارّ إلى منى أيضا، وهو الجبل الذي كان حبّب إلى رسول الله ﷺ الخلوة فيه، حتّى أتاه الوحي، وليس فيه غار، إنما كان فيه موضع منهل شبيه بالحوض في أصل صخرة عظيمة في أعلى الجبل.
وجبل ثور (٥) ليس في جبال مكة أعلى منه ولا أوعر، (وهو خلف مكة على طريق مكة يسمّى ثور أطحل) (٦) وصفة الغار في جانب منه، في أعلاه دون الثنية قليلا، وفيه نزل جبريل على النّبي ﷺ ، وصفة الغار أنه مستطيل من ناحية الغرب إلى الشرق، وليس بغائص إلى أسفل، طوله ثلاثة وعشرون شبرا، وعرضه تسعة [٤٤] أشبار إلا ثلثا، وله باب ثان في آخره، من ناحية الشرق، وهو الذي فتحه جبريل ﵇ حين ضربه بجناحه إلى الصخرة، فانفتح هنالك باب طوله ستة أشبار وعرضه أربعة، ومنه خرج نوح ﵇، يوم خرج إلى المدينة.
стр. 83
[جبال المدينة]
وأما جبال المدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسّلام، فأشهرها جبل أحد (١) (وهو جبل أحمر أعلاه دكدك، بينه وبين المدينة ميل وأفسح قليلا، في شمالي المدينة، وفيه قال النبيّ ﷺ (٢) «أحد جبل يحبّنا ونحبّه»، وفي الحديث «أنه يكون يوم القيامة أحد ركني باب الجنة» (٣)، ويعضده قوله ﷺ (٤): «المرء مع من أحب»، كذا قال السّهيليّ) (٥)،
وجبل سلع (٦)، وهما أشهر الجبال هناك، وجبل ثور وغلط فيه بعضهم، وجبل عير والحرم ما بينه وبين أحد.
стр. 84
فهذه هي جميع الجبال الشهيرة، والأعلام الظاهرة في جميع المعمورة وما قاربها لم نخل منها إلا بما لعل صاحب جغرافيا لم يصوّره في لوح الرسم، وإن كان، فهو القليل، وفيما ذكرناه كفاية.
الأنهار المعروفة (١)
وأما الأنهار المعروفة فنحن نذكر هنا ما في لوح الرسم من الأنهار ونقسمه على أربعة أقسام تتجزّى بها المعمورة طولا وعرضا، كما ذكرناه فيما تقدم قبل ذكر الجبال وبالله التوفيق!.
فالربع الأوّل
من هذه الأرباع المقسومة الآن هو الربع الشرقيّ الآخذ إلى الجنوب، وبه من الأنهار ما يذكر.
فمن ذلك في جزيرة القمر العظمى ثلاثة أنهار:
شرقيّها آخذ من قنطورا ومعلا.
ويليه ثانيها في غربيّه ينصبّ من جبل قدم آدم على مدينة سيابا، ويأخذ مارّا إلى مدينة قزدرا، ويبحر هناك بحيرة في جنوبيها مدينة كيماما حيث محل السودان الذين يأكلون الناس.
ويليها ثالثها في غربيّه، ويخرج من الجبل بياء محذوفة الذيل [ى]، يطوق بمدينة دهمى، فتبقى مدينة دهمى بينه وبين البحر الهنديّ في جزيرة بينهما، يكون هو محيطا بها شرقا وجنوبا [٤٥] وغربا، فتكون لذلك كالجزيرة ويتصل
стр. 85
شمالها بالبحر الهندي، وتقع مدينة فورانة في غربيه حين (١) يصب في البحر الهنديّ،
ومن ذلك نهر ينصب من جبل قاف عند وصلة الأم في شعبتي البحر المشبه بتفصيل السراويل، وينصب في الشعبة الجنوبية من تلك الشعبتين على مدى غير بعيد، وذلك جميعه غير منقول من لوح الرسم.
والربع الثاني
من هذه الأرباع المقسومة، وهو الغربيّ الآخذ إلى الجنوب.
وبه نهر ينصب من جبل قاف، مارّا في الشمال إلى خط الاستواء حتّى ينصب في البحر الهنديّ شرقيّ قبة أرين.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل المارّ على غربيّ مدينة لقمرانية حتّى ينصب عند خط الاستواء في البحر الهنديّ.
ومن ذلك نهر النيل، وهو النهر الأعظم الذي لا يعدله في عظيم نفعه شيء:
لعظم ما عليه من البلاد وطوله في الأمم، وهو ينصبّ من جبل القمر، وقد قدّمنا عند ذكر الجبال طرفا فيه، وإن كان لا مقال يوفّيه، لأنه إحدى الكبر، وأولى العبر، آية من آيات الله في أرضه، وعجيبة لمن تأمل من خلقه، ساقه الله تعالى إلى مصر وأحيا به بلدة ميتا وسقاه أمة عظمى (٢)، وإن لم تكن هي المتفردة بنفعه، فإنها كالمتفردة به: لعظيم منفعتها منه وعميم مصلحتها به، يجيء إليها أحوج ما كانت إلى مجيئه، وينصرف أحوج ما كانت إلى انصرافه، وذلك تقدير العزيز العليم، ﴿ذلِكَ فَضْلُ اَللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاَللّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ [الحديد:
٢١].
стр. 86
(وفيه يقول القاضي الفاضل: (١) «النيل المصريّ الذي يكسو الفضاء ثوبا فضيا، ويذكي في الأرض ماؤه سراجا من النور مضيّا، ويتدافع تيّاره دافعا في صدر الجدب سيد الخصب، وترضع أمّهات خلجانه المزارع، فتأتي أبناؤها بالعصف والأبّ»، وفيه يقول أيضا: «وأما النيل فقد امتدّت أصابعه، وتكسرت بالموج أضالعه، ولا يعرف الآن بمصر قاطبة نهر سواه، ولا من يرجى ويخاف إلا إياه»). (٢)
ونحن نذكر كيف هو، فنقول والله أعلم (٣): إن النيل ينصبّ عشرة أنهار من جبل القمر المتقدّم الذكر، كل خمسة أنهار من شعبة [٤٦] ثم تتبحّر تلك العشرة الأنهار في بحيرتين: كل خمسة أنهار تبحر بحيرة بذاتها، ثم يخرج من البحيرة الشرقية منها بحر لطيف يأخذ شرقا على جبل فاقولى، ويمتدّ إلى مدن هناك، ثم يصب في البحر الهنديّ، ثم يخرج من تينك البحيرتين ستة أنهار، من
стр. 87
كل بحيرة ثلاثة أنهار، ثم تجتمع تلك الستة الأنهار في بحيرة متشعبة.
حدّثني أقضى القضاة شرف الدين أبو الروح عيسى الزواويّ (١)، أن الأمير أبا دبوس ابن أبي العلى أبي دبوس (٢) ووالده آخر سلاطين برّ العدوة من بني عبد المؤمن حدّثه أنه وصل إلى هذه البحيرة، في أيام هربه من بني عبد الحق، ملوك بني مرين القائمين الآن.
رجعنا إلى ذكر مجتمع تلك الأنهار الستة في تلك البحيرة وبعضهم يسميها: البطيحة، فنقول:
وفي تلك البطيحة تضر يسة جبل: يفرق بها الماء نصفين.
يخرج النصف الواحد من غربيّ البحيرة، وهذا النصف هو المعروف بنيل
стр. 88
السودان (١)، ويستقلّ نهرا يسمّى بحر الدمادم، يأخذ مغرّبا ما بين سمغرة وغانة، على جنوبيّ سمغرة وشماليّ غانة، ثم ينعطف هناك منه فرقة ترجع جنوبا إلى غانة، ثم تمرّ على مدينة برنسة، ويأخذ تحت جبل في جنوبيها خارج عن خط الاستواء إلى رقيلة.
ثم يتبحر في بحيرة هناك، وتستمر الفرقة الثانية مغرّبة إلى بلاد مالي والتكرور حتّى تنصب في البحر المحيط، شماليّ مدينة قلبتو.
ويخرج النصف الآخر متشاملا آخذا على الشمال إلى شرقيّ مدينة جيمي، ثم يتشعب منه هناك شعبة تأخذ شرقا إلى مدينة سحرت ثم ترجع جنوبا، ثم تعطف شرقا بجنوب إلى مدينة سحرته، ثم إلى مدينة مركة، منتهيا في العود هناك إلى خط الاستواء حيث الطول خمس وستون درجة [٤٧] علم عليها في لوح الرسم (سه)، ويبحر بحيرة هناك.
ويستمرّ عمود النيل من قبالة تلك الشعبة شرقيّ مدينة شيمي متشاملا آخذا على أطراف بلاد الحبش، ثم يتشامل على بلاد السودان إلى دنقلة، حتّى يرمي على الجنادل إلى أسوان إلى قوص، منحدرا يشق بلاد الصعيد شقا، حتى يقابل قرية تعرف بدروة (٢) سربام، وقد تعرف الآن بدروة الشريف: نسبة إلى الشريف ابن ثعلب (٣)، الثائر في الأيام الظاهرية الركنية بالصعيد، لمقامه بها.
стр. 89
ويتشعب منه في غربيه شعبة تسمّى المنهى، تستقل نهرا يصل إلى الفيّوم، يقال إن يوسف ﵇ احتفره أيام تولّيه لأمور ملك مصر، وهو يعرف إلى الآن ببحر يوسف، وهو نهر لا ينقطع جريانه في وقت من أوقات السنة، بخلاف بقية ما يتشعب بالديار المصرية من خلجان النيل، فيسقي الفيوم عامّة، سقيا دائما لا ينقطع، ثم يبحر فاضل مائه في بحيرة هناك.
ومن العجب - وهو ما رأيته بعيني - أنه ينقطع ماوه من فوّهته أوان انقطاع المياه من خلجان الديار المصرية، ويندّى دون فوّهته، ثم يكون له بلل دون المكان المندّى، ثم يجري جريا ضعيفا دون مكان البلل، ثم يستقل نهرا جاريا لا ينقطع إلا بالسفن، ويتشعب منه أنهار، وتنقسم قسما تعمّ الفيوم لسقي قراه ومزارعه وبساتينه وعامّة أماكنه.
ثم نعود إلى ذكر عمود النيل الممتدّ: فنقول:
إنه من دروة سربام حيث يتشعب المنهى يستمر في بقية الصعيد، يشقه شقا إلى مدينة الفسطاط (وهي التي يسميها الآن عامة أهل مصر بمصر) (١) حتى يتعدّاها، ثم يتفرّق فرقتين: تأخذ إحداهما على دمياط، والأخرى على رشيد، وعندهما انتهاء النيل، ويصب في البحر الشاميّ.
ومن مبدإ هبوطه من أسوان مارّا في الصعيد إلى أن تصب فرقتاه في البحر الشاميّ، تقسم منه البحار والأنهار، وتتشعب منه الخلج والمساقي، تجري في زيادته، وتنقطع في نقصه.
стр. 90
وحدثني الشيخ الثبت سعيد الدكّاليّ (١) (وهو ممن أقام بمالّي خمسا وثلاثين سنة، مضطربا في بلادها، مجتمعا بأهلها)، قال: «المستفيض ببلاد السودان أن النيل في أصله ينحدر من جبال سود تبان على بعد كأنّ عليها الغمائم، ثم يتفرّق نهرين: يصب أحدهما في البحر المحيط إلى جهة بحر الظلمة الجنوبي (٢)، والآخر يصل إلى مصر حتى يصب في البحر الشاميّ».
قال الشيخ سعيد الدّكّاليّ: «ولقد توغّلت في أسفاري في الجنوب مع النيل، فرأيته متفرّقا على سبعة أنهر، تدخل في صحراء منقطعة، ثم تجتمع تلك الأنهر السبعة، وتخرج من تلك الصحراء نهرا واحدا مجتمعا، كلا الرؤيتين في بلاد السودان، ولم أره لما اجتمع بالصحراء لأننا لم ندخلها، إذ لم يكن بنا حاجة إلى الدخول إليها».
قلت: والأقوال في أول مجرى النيل كثيرة، ذكر فيها المسعودي (٣) وغيره ما لا فائدة فيه، والشائع على ألسنة الناس أنّ أحدا ما وقف على أوله بالمشاهدة، وجعل كل واحد منهم سببا لعدم الوقوف على حقيقة أوله.
فقال بعضهم: إنه انتهى أناس وصعدوا الجبل فرأوا وراءه بحرا عّجاجا، ماؤه أسود كالليل، يشقه نهر أبيض كالنهار، يدخل الجبل من جنوبه ويخرج من شماله، ويتشعب على قبة هرمس المبنية هناك، وزعموا أنه هرمس الهرامسة (٤).
стр. 91
وهو [٤٩] المسمى بالمثلث بالحكمة، ويزعم بعضهم أنه إدريس ﵇، بلغ ذلك الموضع وبنى به قبة، قالوا: وسمي بالمثلث، لاجتماع الثلاثة له: النبوّة والحكمة، والملك.
وقال بعضهم: إن أناسا صعدوا الجبل، وبقي كلما تقدّم منهم واحد، ضحك وصفّق بيديه وألقى روحه إلى ما وراء الجبل، فخاف البقية أن يصيبهم مثل ذلك، فرجعوا.
وزعم بعضهم: أن أولئك إنما رأوا حجر الباهت، فبقي كل من رآه منهم، ضحك وتقدّم إليه والتصق به، حتّى مات.
وسيأتي إن شاء الله ما ذكره صاحب الجغرافيا عن أرسطو في خاصيّة هذا الحجر.
وقال بعضهم: إن ملكا من ملوك مصر الأوّل جهّز أناسا للوقوف أوّله، فانتهوا إلى جبال من نحاس، لما طلعت عليها الشمس وانعكست عليهم أشعتها، أحرقت غالبهم فرجع البقية.
وقال بعضهم: إنهم انتهوا إلى جبال برّاقة لماعة كالبلّور، فلما انعكست عليهم أشعة الشمس الواقعة عليها، أحرقتهم.
وقال بعضهم - وهو الصحيح - والله أعلم: إنه لتوغّل منبعه في الخراب المنقطع من وراء خط الاستواء، تعذر السلوك إليه: لبعد المسافة وشدّة الحرّ.
فإن قال قائل: فما منع قدماء الملوك، مع ولعهم بمعرفة أحوال البلاد وحقائق ما هي عليه، أن يجهزوا من يقف على حقيقة أوّله؟ قلنا له: وأيّ فائدة تفي بركوب هذا المهلك في أرض لا ينبت بها نبات ولا يعيش حيوان، ولا يعرف
стр. 92
مقدار ما يستعد له المسافر، ولا ما يستظهر به الظهر (١).
وإنما غالب ما يقال في هذا (والله أعلم) مما أظهره العلم لا نظر العيان، والله من ورائهم محيط.
وإذ فرغنا من الكلام في النيل، فلنذكر بقية الأنهار الشهيرة الواقعة [٥٠] في هذا الربع الثاني، فنقول:
من ذلك نهران ينصبان من الجبل المشبّه برأس صاد بالخط المغربيّ، يأخذ أحدهما مشرّقا ويستدير في بحيرة بين كوكورة المذكورة وبين محالان جاي، شماليّ كوكورة وجنوبيّ محالان جاي، ثم يخرج مشرّقا إلى بحيرة أخرى يتبحّر بها غربيّ مدينة زافون (٢)، ثم يخرج متشاملا شمالا بغرب، على غربيّ
стр. 93
أرض الملح السوّاخة، ثم تتشعّب منه شعبة تأخذ جنوبا إلى مدينة أودغست (١) وتستمر سائرة نهرا مادّا إلى مدينة فاس، فيصبّ في البحر الشاميّ.
وثانيهما ينصب آخذا إلى الشمال على مدينة القيروان إلى أن ينصب في البحر الشاميّ.
ومن ذلك نهر يخرج من الجبل الفاصل بين فاس وسجلماسة مارّا بين أسفي والمزمة حتّى يصبّ في البحر الشامي، شرقيّ طنجة.
ومن ذلك أنهار ثلاثة تنصب من الجبل المشبه بفردة صولجان: تجري من جنوب سجلماسة، واحدا بعد واحد، وتصبّ (٢) الثلاثة مفرقة في البحر المحيط،
ومن ذلك نهر ينصبّ من الجبل المشبه بتعنيقة (لا) معلقة بالخط المغربي وراء خط الاستواء يصب في المحيط، وقد تقدّم ذكر بعض هذه الأنهار، في ضمن ذكر الجبال، وذلك جميعه منقول من خط الرسم.
стр. 94
والربع الثالث
من هذه الأرباع المقسومة وهو الغربيّ الآخذ إلى الشمال، به ما يذكر من الأنهار: فمن ذلك، ما هو بجزيرة الأندلس نهر إشبيلية، ينصب من الجبل الفاصل بينها وبين قرطبة، وينصب في البحر الشاميّ (١) (وهو من أحسن الأنهار وأجلّها، محفوف بالبساتين والدور والقصور، ومضت فيه - أيّام ملك المسلمين لها - أوقات مسرّة ولهو، وحكى الفتح بن خاقان (٢)، قال: «ركب عبد الجليل بن وهبون (٣)، وأبو الحسن غلام البكريّ (٤) من إشبيليّة في ليلة أظلم من قلب
стр. 95
الكافر، وأشدّ سوادا من طرف الظبي النافر، ومعهما غلام وضيء وقد أطلع وجهه البدر ليلة تمامه، على غصن بان من قوامه، وبين أيديهم شمعتان قد أزرتا بنجوم السماء، ومزّقتا رداء الظلماء، وموّهتا بذهب نورهما لجين الماء، فقال عبد الجليل ارتجالا: [المنسرح]
كأنّما الشمعتان إذ سمتا … خدّا (١) غلام محسّن الغيد (٢)
وفي حشا النهر من شعاعهما … طريق نار الهوى إلى كبدي
وقال غلام البكريّ: [الكامل]
أحبب بمنظر ليلة ليلاء … تجنى بها اللذات فوق الماء
في زورق يزهى بغرّة أغيد … يختال مثل البانة الغيناء
فرنت يداه الشمعتين بوجهه … كالبدر بين النّسر والجوزاء
والتاح (٣) فوق الماء (٤) ضوء منهما … كالبرق يخفق في غمام سماء
قلت: ومن هذا النهر أخذت إشبيلية، فقال بعضهم: «لسب (٥) إشبيلية عقربها، وساورها أرقمها»، يريد بالعقرب شرفها المطلّ، وهو عقربيّ الشكل، وبالأرقم نهرها، قالوا: وهو من العجائب.
стр. 96
وحكى ابن ظافر (١)، قال:
«ركب [الأستاذ] (٢) أبو محمد بن صارة [مع أصحاب له] (٢) في نهر إشبيلية في عشيّة سال أصيلها على لجين الماء عقيانا، وطارت زواريقها في سماء اللهو عقبانا، وأبدى نسيمها من الأمواج [والدارات سررا وأعكانا، في زورق يجول جولان الطرف، ويسوّد اسوداد الطرف] (٢) فقال بديها: [الوافر]
تأمل حالنا والجوّ طلق … محياه، وقد طفل المساء
وقد جالت بنا عذراء حبلى … تجاذب مرطها ريح رخاء
بنهر كالسجنجل كوثريّ … تعبّس وجهها فيه السماء
ولما وقف عليها ابن خفاجة، استحسنها واستظرفها واستطابها، فقال يعارضها، على وزنها ورويّها وطريقها: [الوافر]
ألا يا حبّذا ضحك الحميّا … بحانتها، وقد عبس المساء!
стр. 97
وأدهم من جياد الماء نهد (١) … تنازع حبّله (٢) ريح رخاء!
إذا بدت الكواكب فيه غرقى … رأيت الأرض تحسدها (٣) السماء
ونهر سرقسطة، وهو نهر جليل كبير متسع الجوانب،
وذكر ابن خاقان (٤) أنّ المستعين بن هود (٥) ركب هذا النهر يوما لتفقد بعض معاقله، المنتظمة بجيد ساحله، وهو نهر غزر (٦) ماؤه وراق، وأزرى على نيل مصر ودجلة العراق، قد اكتنفته البساتين من جانبيه، وألقت ظلالها عليه، فما تكاد عين الشمس تنظر إليه، هذا على اتّساع عرضه، وبعد سطح مائه وأرضه (٧)، وقد توسّط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة، وأحاطت به إحاطة الطفاوة (٨) بالغزالة، وقد أعدّوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء، وأخاف [حتّى] حوت الماء، وأهلّة الهالات طالعة من الموج في سحاب، وقانصة
стр. 98
من بنات الماء كلّ طائرة كالشهاب، فلا ترى إلا صيودا كصيد (١) الصوارم، وقدود اللهاذم، ومعاصم الأبكار النواعم، فقال الوزير أبو الفضل بن حسداي (٢)، والطرب قد استهواه، وبديع ذلك المرأى قد استرق هواه، وارتجل: [البسيط]
لله يوم أنيق واضح الغرر … مفضّض مذهب الآصال والبكر!
كأنّما الدهر لما ساء، أعتبنا … فيه بعتبى وأبدى صفح معتذر
نسير في زورق حفّ السّفين به … من جانبيه بمنظوم ومنتثر
مدّ الشراع به نشرا على ملك … بذّ الأوائل في أيّامه الأخر
هو الإمام الهمام المستعين حوى … علياء مؤتمن في هدي مقتدر
تحوي السفينة منه آية عجبا … بحر تجمع حتّى صار في نهر
تثار من قعره النينان مصعدة … صيدا كما ظفر الغوّاص بالدرر
وللنّدامى به غبّ ومرتشف … كالرّاح (٣) تعذب في ورد وفي صدر
والشرب في ودّ (٤) مولّى خلقه زهر … يذكو، وغرّته (٥) أبهى من القمر) (٦)
стр. 99
ومن ذلك نهر ثان ينصب من ذلك الجبل أيضا، ينزل على مدينة إلبيرة، وينصبّ إلى المحيط.
ومن ذلك نهران ينصبان [٥١] من الجبل الفاصل بين طليطلة ووادي آش، المبنيّ بسفحه الجنوبيّ قبة الزّهرة، يأخذ الأول منهما جنوبا إلى قرطبة، وينصب في البحر الروميّ، ويأخذ الثاني شمالا بين بطليوس وقورة، ويصب في البحر المحيط.
ومن ذلك نهر ينصبّ وراء خليج البنادقة، من وصلة الأمّ الخارجة من البحر الشاميّ، وشرقيّ رومية الكبرى، يأخذ من هذا النهر غربا بشمال على مدينة لبطيرة شماليّ فرنسية، ويصبّ في البحر المحيط.
ومن ذلك نهر يصبّ من الجبل المحيط، حيث يسمّى بجبل قاقونا آخذا شرقيّ مدينة سوسية إلى مدينة قسطنطينية العظمى، ويصب في البحر الروميّ عندها،
ومن ذلك نهر ينصبّ من الجبل المحيط المذكور، شرقيّ هذا المصبّ، آخذا على بلاد الصقلب، مارّا شرقيّ بلاد الجركس والماجار إلى أن ينتهي إلى مدينة قرم وينصب في بحر بنطس (١).
ومن ذلك نهر ينصبّ من جبال همذان وخلاط من شماليّ ماردين، آخذا على شماليّ ملطيّة، حتى يشق بين مدينتي شهر وقرمى، ويصبّ في البحر الشاميّ.
ومن ذلك نهر جيحان (٢)، يخرج من بلاد الروم تحت حصن المنقّب، يأخذ ما
стр. 100
بين عين زربا وكفريثا، ثم يمد إلى المصيصة ويصب في البحر الشاميّ،
ومن ذلك نهر سيحان (١)، يخرج من شماليه ويمر على أذنة (٢)، ثم يصب في البحر الشامي.
ومن ذلك في نهاية الشمال عشرة أنهار: منها اثنان ينصبّان من الجبل الأمّ المذكورة، وثمانية تنصب من الجبلين المكتنفين شرقا وغربا بالبحيرة جارس، ينزل من كل واحد منهما أربعة أنهار، تنصب هذه العشرة الأنهار في [٥٢] هذه البحيرة المذكورة.
ومن ذلك أربعة أنهار تنصب من جبال الديلم: ينزل الأول غربيّ أرجان، ويليه الثاني ينزل من شرقيّة، ويليه الثالث ينزل من شرقيّ المسن، ويليه الرابع ينزل من سابور، وتصب الأربعة في البحر الهنديّ.
ومن ذلك نهر دجلة، يصبّ من جبال شهرزور وآمد، ويمتدّ بين آمد وميّافارقين إلى الموصل، ثم يمدّها الزابان: الزاب الأكبر والزاب الأصغر، وهما نهران كبيران، ثم يأخذ إلى تكريت غربيّ ديار بني شيبان (تامرّى وعكبرا والدادان) إلى بغداد، ثم يتشعّب ما بين بغداد والمداين، جنوبيّ بغداد وشماليّ المداين شعبة منه، تأخذ منه شرقا محضا، هو المسمّى بالنهروان، ثم يمدّ عمود دجلة إلى واسط، فإذا عدّاها إلى سوادها، لاقاه (٣) الفرات هناك، ويجتمع الكلّ
стр. 101
إليه نهرا واحدا، يمدّ إلى المفتح، ويتشعب منه نهر معقل (١)، وهو النهر المشهور، وينصب بعضه إلى بطائح البصرة (٢).
ويستدير باقيه بالمربد والأبلّة شرقيّ البصرة، ثم يمدّ عمود دجلة مستقيما على الجنوب، ثم تتشعب منه شعبة أخرى صغيرة، تجيء على جنب الأبلّة فتشق أرضها عرضا، وتلاقي الشعبة المستديرة بها، ثم يمدّ عمود دجلة آخذا جنوبا إلى عبّادان، ويصب هناك في البحر الهنديّ.
ومن ذلك نهر الفرات، يصبّ من جبال الروم ويأخذ على ملطيّة [٥٣]، إلى سميساط، إلى الرّقّة، إلى قرقيسيا، إلى الرحبة، إلى الدالية، إلى عانة، إلى هيت، إلى الأنبار، ثم تتشعب منه أنهار: منها نهر عيسى (٣)، ونهر صرصر (٤)، ونهر الملك (٥)،
стр. 102
ونهر صورا (١)، ونهر الصّراة (٢)، وهو المشهور، وإياه عني الشاعر في شعره، بقوله (٣):
أو ما وجدتم في الصّراة ملوحة … مما أرقرق في الفرات دموعي؟
ثم يمتدّ عمود الفرات ويمرّ ما بين القصر (٤) وبين الكوفة على بابل، ويستدير منه شعب بخانقين، وتكون هي جزيرة بوسطه، ويصب ذلك الشعب من تحت خانقين في بطائح الكوفة، ثم يأخذ عمود الفرات فوق خانقين من حيث استدار ذلك الشعب عليها مائلا على الجنوب مشرّقا، ثم يتشعب منه شعب أخر إلى بطائح البصرة، وينعطف عمود الفرات آخذا شرقا بشمال على وراب قليل إلى واسط، ويلاقي هناك دجلة، ويجتمع عمودهما هناك نهرا واحدا، حتى يصبّ غربيّ عبّادان، في البحر الهنديّ.
ومن ذلك نهر الساجور (٥)، يصبّ من جبال الروم آخذا شرقا حتى يحاذي منبج، ثم يصب في الفرات، ويتشعب منه شعب، لولاها لم يذكر الساجور، وهو نهر يسمّى قويق، يمدّ من مغاربه إلى أن ينزل حلب، ويسقي الأرض والمزارع، ويتناهى إلى شرقيّ قنّسرين، ويجرّ هناك بحيرات لطيفة، وإنما ذكرناه
стр. 103
لشهرة نهر قويق، ولهذا علمناه بالأحمر (١).
ومن ذلك نهر يعرف بالعاصي، يصبّ من وراء نهر بعلبك، من منابع شتّى في وطاءة أرض، قلت: من قرية تعرف باللبوة ومغارة الراهب، ثم يأخذ شمالا مارّا حتّى يقارب غربيّ حمص إلى حماة فيصبّ هناك في بحيرة متوسطة في الاتساع، ثم يخرج منها ويمرّ في جبال تعرف هناك الآن بجبال الغرب، إلى ديركوش، إلى بلد يعرف بالإقليم، ثم ينزل العمق (٢) إلى أنطاكية إلى السويدية، ويصب في البحر الشاميّ، حيث ينعطف هناك، وقد سمينا بعض هذه الأسماء بما يعرف بها الآن.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل الممتدّ على الشام وشرقيّ طرابلس المستجدّة (٣) البناء، حيث يسمّى الجبل هناك بلبنان، يجري من قرية تعرف الآن برشعين، فيدخل تحت قناطر معقودة جدّدها الابرنس (٤) حين غلبت الفرنج على طرابلس، فعرفت به، فيشق المدينة المستجدة ويصب في البحر الشامي.
ومن ذلك نهر بردا (٥)، ويخرج من عين في صحراء الزّبدانيّ بين بعلبك وبين دمشق، ثم يمدّه نهر يخرج من الجبل الممتدّ على الشام من مكان يعرف الآن
стр. 104
بالفيجة (١) تحت حصن عزّتا ويمدّ إلى دمشق، وينقسم قبلها وبعدها أنهارا، يعمّ دورها وبساتينها، ويسقي بعض قراها ومزارعها، ثم يبحر فاضل مائة شماليّ الغوطة في بحيرة هناك.
ومن ذلك نهر الأردن (٢).
(ولا يسمّى بهذا الاسم إلا حيث خرج من بحيرة طبريّة، ويسمّى الآن الشريعة ويشق وادي كنعان شقّا في الطول حتّى ينتهي إلى بحيرة زغر وهي سدوم (٣)، دار قوم لوط، وتعرف الآن بالمنتنة (٤)، والوادي بالغور، وله في كل مكان اسم بحسب ما يضاف إليه من مشاهير القرى التي فيه.
وأصل هذا النهر من مرج عيون والهرماس، وكلاهما تحت الشقيف وتل القاضي والملّاحة، وهي عين بعيدة العمق جدّا، ونهر بانياس.
وتسمّى هذه الأمواه كلها: الشريعة الشمالية، وترمي تحت جسر يعقوب وتجتمع في بحيرة طبرية، ثم تمتدّ فتتلاقى هي والشريعة القبلية بقرية تعرف بالبقارية، ويأتيان جسر الصنّيرة إلى الجسر العادليّ، وهو تحت عقبة فيق (٥)، قرب الدير الأسود، ثم تأتي جسر شامة المقارب لقرية المجامع، وتمدّ فيلاقيها نهر الزرقاء، دون دامية، ثم تمدّ فترمى في البحيرة المنتنة.
стр. 105
وسنذكر أصل الشريعة الشمالية، وهو من دير الهرير والجولان واليرموك ووادي الأشعري والفوار والمدّان، مع ما ينضاف إلى ذلك من ينابيع، ويتحصل من البلاد المرتفعة، ويجتمع تحت حمّة جدر (١)، وهي تحت فيق، وعليها قبو معقود ببناء خشن طويل، وبه أحواض، يقال إن كل حوض لعلة من العلل يبرئها، بإذن الله، إذا استحمّ منه العليل بها، قالوا: ولم تزل على هذا حتى أتى بعض قدماء الحكماء فهدم القبو والأحواض وجمع الماء كله إلى مجرى واحد، إلا فرعين تركهما: أحدهما لمن به ريح، والثاني لمن به جرب، والماء الغمر لسائر الأسقام، وماء هذه الحمّة عذب، وآثار الأبنية باقية).
الربع الرابع
من هذه الأرباع المقسومة، وهو الشرقيّ الآخذ إلى الشمال، وبه ما يذكر من الأنهار: فمن ذلك نهران يصبان من الجبل المشبّه بصليب ذهب أحد شعبه،
ينصبّ أحدهما من جنوبيّ هذا الجبل واقعا شرقيّ مدينة طغان الواقعة في شمال هذا الجبل بغرب، يمرّ بين طغان وتركستان مغرّبا، حتى يصب في بحيرة خلاط (٢).
والنهر الثاني منهما يصبّ من شرقيّ هذا النهر الأول وعلى سمته، يمتدّ بنهر، ثم يتشعّب على شعبتين: الشعبة الجنوبية منهما تأخذ شماليّ مدينة طغورا مشرقا على قصر الدّهاك المقارب لبلاد كنغد، ثم ينعطف آخذا إلى الجنوب يشق بلاد الهند حتّى يصب في البحر الهنديّ، شرقيّ كوام، والشعبة
стр. 106
الثانية منهما تأتي جنوبيّ الأرض المحفورة، على ما قيل، حتّى تصب في البحيرة البلاغة.
ومن ذلك نهر أثيل (١)، وهو المركب عليه مدينة السراي، ومخرجه من عين تنبع في ذيل جبل قاقونا، ثم يقتبل الجنوب آخذا بغرب في صحارى القبجاق على شماليّ معادن الفضة، حتّى يصبّ في بحر طبرستان (٢).
ومن ذلك نهران ببلاد الخطا، نازلان من الجبل الغربي من جبال المحيط بها، يأخذ الشماليّ منهما مشرّقا ويبحّر جنوبيّ خان بالق، ثم يمتدّ مشرّقا بجنوب حتّى ينتهي إلى المالق (٣) والآخر ينتهي إلى باش بالق، وينتهي عندها.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل الواقع فيه باب الصين، ينزل على قراقرم ويأخذ مشرّقا على بلاد الهياطلة (٤) حتّى يصب في بحيرة السودان هناك، ومن ذلك نهر ينصبّ من الجبل الممتدّ من وراء العوج، ينزل من [٥٦] شرقيه على مدينة قلنبر، ويجر في بحيرة هناك.
ومن ذلك نهر يسمّى نهر الطيب يخرج من قشمير السفلى.
ومن ذلك نهر ينزل من الجبل، شماليّ السّدّ حتّى يصبّ في بلاد الشياطين، في بحيرة هناك، تسمّى بحيرة الشياطين.
стр. 107
ومن ذلك نهر جيحون (١)، ينزل من جبل قاقونا، وتمدّه أنهار من جبال تمدّه فيمتدّ حتّى يخرج من هذا الربع الغربيّ القسيم له، فيصب في بحر طبرستان (٢).
ومن ذلك نهر سيحون (٣)، الآخذ على بلاد فرغانة ويمدّه نهر الشاش ويخرج إلى حائط عبد الله بن حميد حتّى يصب في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهر السّغد (٤)، ينصب من جبال البتّم، وينتهي إلى بخارا، ويبحر في بحيرة هناك.
ومن ذلك نهر مكران (٥)، ينصبّ من جبل الدّيلم فيمتدّ آخذا على مدينة المحمّديّة، على كرمان إلى بلاد السند.
ومن ذلك نهر عماس (٦)، في بلاد الترك.
ومن ذلك الأنهار العشرة، الآخذة منها خمسة تجري من شعبة منقطعة من
стр. 108
الجبل المحيط متصلة بالبحر المحيط، وتمدّه أنهار من جبال النوشادر الواقعة شرقيّ الصين حتّى يصب في نهر حمدان، ثم يمتدّ الجميع نهرا واحدا حتّى يصب في المحيط.
ومن ذلك نهر خمدان (١) الأعظم، وهو ينزل من جبال أرموية ونانوس (٢) على مدينة اطراغا، ويجرّ هناك، ثم يمدّ مشرقا إلى مدينة لوقين (٣)، وينعطف في الصين حتّى تلاقية هناك الأنهار العشرة، أعني المتقدّمة الذكر، دون خط الاستواء في أوائل الإقليم الأول، يقال إنه يصبّ به نهر كل المنصب من الصين الداخل، ويمتدّ الجميع نهرا واحدا موغلا في الفرجة الداخلة في الصين من البحر المحيط والبحر الهنديّ، [٥٧] إلى وراء خط الاستواء، ثم يصبّ هناك في البحر المحيط.
ومن ذلك نهران: أحدهما نهر (٤) الكر (٥) والآخر نهر الرّس (٦)، يصبان من جبل الديلم يسمّى جبل قالبولا، ويجيء الكر على تفليس، ويلاقي الرسّ نهر
стр. 109
ينزل من سبلان بين ترزند وزنان، ثم يصب الكر جنوبيّ شروان، ويصب الرس غربيّه، كلاهما يصبان في بحيرة طبرستان.
ومن ذلك نهر يسمّى الآن قراصو (١)، وهو اسم باللغة التركية أي الماء الأسود يأتي من شروان وشماخي ويسكب في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهر آخر يسمّى أرس (٢)، يأتي على شرقيّ المكان المسمى الآن صحراء بيلسوان، ويصب في بحر طبرستان.
ومن ذلك - على ما قيل - نهران ينزلان من الجبل المحيط ويسقيان بلاد يأجوج ومأجوج، ينزل أحدهما جنوبيّ السدّ، والآخر شماليه، وهكذا صوّره صاحب جغرافيا في لوح الرسم.
فهذه هي جميع الأنهار المشتهرة في جميع المعمورة وما قاربها، ولم نخلّ منها إلا بما لعلّ صاحب جغرافيا لم يصوّره في لوح الرسم، وإن كان، فهو القليل، وفيما ذكرناه كفاية.
البحيرات المشهورة
ثم نحن نذكر ما في معمورة الأرض من البحيرات المشهورة، ونحن نقسمها على نصفين: نصفا شرقيا ونصفا غربيا.
فالنصف الأول هو الشرقيّ فيه ما يذكر من البحيرات:
стр. 110
فمن ذلك بحيرة كيماما، بجزيرة القمر (١) الخارجة عن خط الاستواء، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة اطراغا (٢) بالصين، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة سرنك بالهند، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة السوكران ببلاد الهياطلة، شرقي قراقرم بشمال، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة [٥٨] بخارا، وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة خوارزم (٣)، وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة تهامة (٤)، يصب بها نهراتكش في بلاد الترك.
ومن ذلك بحيرة زره (٥) ببلاد سجستان، وهي ملح.
وذلك على ما نقل في لوح الرسم.
والنصف الثاني وهو الغربيّ، به من البحيرات ما يذكر:
فمن ذلك بحيرات النيل الثلاثة.
أعلاها بحيرتان، حيث تنصب في أوله، ثم البحيرة الكبرى التي دونهما ونسميها البطيحة.