← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

موضع الهرولة، مائة وخمس وعشرون ذراعا. ومن الميل الثاني إلى المروة أربعمائة وخمس وسبعون ذراعا. فجميع ما بين الصفا والمروة سبعمائة وثمانون ذراعا. دار النّدوة قال الماورديّ (١): «لم تكن مكة ذات منازل. وكانت قريش، بعد جرهم والعمالقة، ينتجعون جبالها وأوديتها. ولا يخرجون من حرمها انتسابا إلى الكعبة لاستيلائهم عليها، وتخصيصها بالحرم لحلولهم فيه. ويرون أن ذلك يكون لهم بسببه شأن. وكان كلما كثر فيهم العدد ونشأت فيهم الرياسة، قوى أملهم وعلموا أنهم سيقدّمون على العرب. وكان فضلاؤهم يتخيلون (٢) أن ذلك لرياسة في الدين وتأسيسا لنبوّة ستكون. فأول من ألهم ذلك كعب بن لؤي بن غالب. وكانت قريش تجتمع إليه في كل جمعة. وكان يخطبهم فيه، ويذكر لهم أمر نبيّنا ﷺ . ثم انتقلت الرياسة إلى قصيّ بن كلاب، فبنى بمكة دار الندوة ليحكم [٧٩] فيها بين قريش، ثم صارت لتشاورهم وعقد الألوية في حروبهم. وكانت هذه الدار، لا ينكح رجل من قريش ولا امرأة إلا فيها، ولا يعقد لواء الحرب لهم ولا لغيرهم إلا فيها، ولا يغدر غلام إلا فيها، ولا تدرّع جارية من قريش إلا فيها: يشق عليها درعها ثم تدرع وينطلق بها إلى أهلها، ولا تخرج عير من قريش

стр. 142

ويرحلون إلا منها، ولا يقدمون إلا نزلوا فيها. قال الكلبي (١): «وكانت أول دار بنيت بمكة، ثم تتابع الناس فبنوا الدور. كلما قربوا من الإسلام ازدادوا قوّة وكثرة عدد، حتى دانت لهم العرب». قال الماورديّ: صارت بعد قصيّ لابنه عبد الدار. فابتاعها معاوية في الإسلام من عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ، وجعلها دار الإمارة. وروى الأزرقيّ (٢) أن معاوية اشتراها لما حجّ، وهو خليفة، بمائة ألف درهم. وذكر السّهيلي (٣) أن هذه الدار صارت إلى حكيم بن خزام بن أسد بن عبد العزّى ابن قصيّ فباعها في الإسلام بمائة ألف. وذلك في زمن معاوية. فلامه معاوية في ذلك، وقال: «بعت مكرمة آبائك وشرفهم». فقال حكيم: «ذهبت المكارم إلا التقوى. والله لقد اشتريتها في الجاهلية بزقّ خمر، وقد بعتها بمائة ألف، وأشهدكم أني جعلت ثمنها في سبيل الله! فأيّنا المغبون؟». قال الحارثيّ (٤): هي اليوم (يعني دار الندوة) في المسجد الحرام. قال الأزرقيّ (٥): وهي جانبه الشماليّ. وقد تقدّم ذكرها.

стр. 143

منى [٨٠] (حيث ترمى الجمرات، وتهمى العبرات، ذوات الليالي المقمرات، والأيّام التي سلخ من الكافور ثياب عشاياها المعنبرات، يحلّى بها من كل ترب عاطله، ويلتقي في كل سرب كل ذي دين وماطله) (١). وهي بطحاء بين جبلين، مهدّفة الجوانب، فيها مجتمع الحجيج. والمحصّب منها موضع الجمرات. وهي على مدرجة السوق الأعظم، حيث ينصب كلّ سنة، أيام الموسم. يجتمع فيه الخليطان من شام ويمن، وتنزل الركوب به في منازلهم: من شرف الوادي إلى حيث تنحر البدنات تحت العقبة الأولى، حيث تنصب سقايات الحاجّ. وكانت في قديم الإسلام موسم لقاء الحبائب، ومكان موعد كل مفارق. وثلاث ليالي منى معروفة موصوفة، قد أكثر فيها الشعراء وترنم بها المتيّمون. وبمنى بيوت هي كالقرية. منها ما هو مسكون ومنها ما هو برسم بضائع الكارم، أيام الموسم، تكرى بأجرة طائلة. وبها آبار متخذة لخزن ماء الأسنية، يباع على الحجيج. وهو ماء ثقيل وبيء: لما يحمل من أوساخ الذبائح، وبقايا الأضاحي، ودماء القرابين. وفيها مسجد الخيف. وهو على يمين المتوجه من مكة إلى عرفات. والخيف هو البستان. وجدّد بناؤه في الأيام الزاهرة الناصرية، سقى الله عهدها!.

стр. 144

وفيها مسجد إسماعيل، ويسمى بمسجد الكبش. وهو على يسار المتوجّه من منى إلى عرفات. يقال إن الفداء لإسماعيل نزل به (وينزل المصريون منه إلى منى، وينزل المكّيّون منه إلى معرّف، ويقع تجاه مسجد الخيف منحرفا عنه على ذروة من الجبل. يحيل بينهما مجرى ماء من ماء الشتاء. ينزل فيما يليه إلى الطريق العظمى ركبان العرب) (١). جمع - هي المزدلفة. وكلها مشعر إلا بطن محسّر. ومنها تؤخذ حصى الجمرات. وبذلك فسّر عليّ وابن مسعود قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ [العاديات: ٥]. قالا: يعني المزدلفة. ومسجد المزدلفة عن يسارك إذا مضيت إلى عرفات. وفيه يجمع بين المغرب والعشاء، إذا نفر الحاجّ من عرفات. وهي التي عنى الشريف الرضي بقوله (٢): [الخفيف] عارضا بى ركب الحجاز نسائل … هـ: متى عهده بأيّام سلع؟ واستملّا حديث من سكن الخي … ف ولا تكتباه إلا بدمعي فاتني أن أرى الديار بطرفي، … فلعلّي أرى الديار بسمعي! لهف نفسي على ليال تقضّت … لي بجمع! وأين أيام جمع؟ [٨١] قال الزمخشريّ (٣) فيقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اَللّهَ عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٨].: المشعر الحرام قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة. وقيل: المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة إلى مأزمي عرفة إلى وادي محسّر. وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.

стр. 145

والصحيح أنه الجبل. لما روى جابر أن النبيّ ﷺ لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة - ركب ناقته حتّى أتى المشعر الحرام، فدعا وكبر وهلل. ولم يزل واقفا حتّى أسفر. وقوله [تعالى] ﴿عِنْدَ اَلْمَشْعَرِ اَلْحَرامِ﴾ معناه مما يلي المشعر الحرام، قريبا منه. وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة. وإلا فالمزدلفة كلها موقف، إلا وادي محسّر. وجعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به، عند المشعر. وقيل سميت «المزدلفة» و «جمعا» لأن آدم اجتمع فيها مع حوّاء وازدلف إليها، أي دنا منها. وقال قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين. ويجوز أن تكون (١) وصفت بفعل أهلها، لأنّهم يزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقرّبون بالوقوف فيها». وعن عليّ (٢): «لما أصبح رسول الله ﷺ وقف على قزح، فقال: هذا قزح! وهو الموقف». وجمع كلّها موقف. أنصاب الحرم هي العلامات المبنية على حدود الحرم. وأول من بناها إبراهيم (صلوات الله عليه). وأشار له جبريل إلى مواضعها. هكذا ذكره أبو عروبة والأزرقي (٣) وغيرهما.

стр. 146

وروى الأزرقي (١) أن النبيّ ﷺ أمر بتجديد العلامات التي على الحرم، التي عملها إبراهيم، وجبريل يريه مواضعها، ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية. وهذه العلامات بيّنة إلى الآن بحمد الله تعالى. وحدّ الحرم (٢)، من طريق مدينة النبيّ ﷺ - دون التنعيم عند بيوت نفار - على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق اليمن، طرف أضاة لبن في ثنيّة لبن، على سبعة أميال، ومن طريق العراق [٨٢]، على ثنية جبل بالمقطع، على سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد الله بن خالد، على تسعة أميال، ومن طريق الطائف على عرفات، من بطن نمرة، على سبعة أميال، ومن طريق جدّة، منقطع الأعشاش، على عشرة أميال. فهذه حدّ ما جعله الله تعالى حرما، لما اختصّ به من التحريم، وباين بحكمه سائر البلاد. وصحّ عن رسول الله ﷺ أنه قال (٣): «إن هذا البلد (يعني مكة) حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض». وفي رواية: «قبل أن يخلق السماوات والأرض».

стр. 147

فيكون تحريمها قبل خلق السماوات والأرض كتابة تحريمها في اللوح المحفوظ، أو تقدير حرمتها. وروي عن رسول الله ﷺ أن إبراهيم حرّم مكّة. ومعناها أظهر حرمتها. قال السّهيليّ (١): روي في التفسير أن الله تعالى لما قال للسماوات والأرض: ﴿اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصّلت: ١١]. لم يجبه بهذه المقالة من الأرض إلا أرض الحرم. فلذلك حرّمها. فصارت حرمتها كحرمة المؤمن: إنما حرم دمه وعرضه وماله، بطاعته لربه. وأرض الحرم لما قالت «أتينا طائعين»، حرم صيدها وشجرها وخلاها، إلّا الإذخر، فلا حرمة إلا لذي طاعة. جعلنا الله من أهل طاعته! وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يعضد شجره ولا ينفّر صيده ولا يختلى خلاه». وما زال الناس في الجاهلية والإسلام يعظّمون هذا الحرم ويجتنبون قطع شجره. قال الواقدي (٢): «لما أن أرادت قريش البنيان، قالت لقصيّ: كيف في شجر الحرم؟ فحذّرهم قطعها وخوّفهم العقوبة في ذلك. فكان أحدهم يحرّف بالبنيان حول الشجرة، حتّى تكون في منزله. قال: وأول من ترخص في قطع [٨٣] شجر الحرم، عبد الله بن الزبير». قال السّهيليّ (٣): ابتنى ابن الزبير دورا بقعيقعان وترخص في قطع شجر

стр. 148

الحرم، وجعل دية كل شجرة بقرة. وكذلك روي عن عمر أنه قطع دوحة كانت في دار أسد بن عبد العزّى، وكانت أطرافها تنال ثياب الطائفين بالكعبة. وذلك قبل أن يوسّع المسجد. فقطعها ووداها ببقرة. عرفات (١) ملتقى الخليطين من شام ويمن، ومجمع البحرين من الزعقة إلى عدن. به يتجلّى الله على عباده، ويهبهم المغفرة. وبها الصخرات، موقف رسول الله ﷺ حيث تقف المحامل. وعلى قنّة هذا الجبل قبّة آدم. هكذا تسمّى. ويقال إنّ هناك تعارف آدم وحوّاء، بعد أن أهبطا. وعرفات علم للموقف. سمّي بجمع، كأذرعات. واختلف في تسميتها بذلك. فقيل: لأنها وصفت لإبراهيم، فلما أبصرها عرفها، وقيل إن جبريل ﵇ كان يدور به في المشاعر، يريه إيّاها، فقال: قد عرفت، وقيل التقى فيها آدم وحوّاء فتعارفا، كما تقدّم. وقيل لأن الناس يتعارفون فيها. وهي من الأسماء المرتجلة. لأن عرفة لا تعرف في أسماء الأجناس. مسجد نمرة (٢) [٨٤] ويسمّى مسجد إبراهيم. يقال إن إبراهيم الخليل ﵇ بناه.

стр. 149

ولا يصحّ هذا. وهو على يمين المسالك من مكة إلى عرفات، قريب الطريق، مدانيا لعرفة. وعادة الخطابة به في وقتنا لإمام الطائفة المالكية بمكّة المعظمة. وجدره قائمة، وكذلك منبره. ولا سقف له. مسجد عائشة (١) ﵂ هو بالتنعيم في الحلّ، عند أول الحرم. ولا يحضرني من بناه (٢). وكل مسجد هناك يسمّي بهذا. وأشهرها المصاقب للطريق على يسار الداخل إلى مكة. وإنما نسب إلى عائشة لكونها اعتمرت من التنعيم. ولعلّها أحرمت في البقعة التي بني بها المسجد. وعمرتها معروفة على ما تضمنته الأحاديث. مسجد ميمونة (٣) ﵂ وسمي بذلك لمكان قبرها. وهناك مات أبو جعفر المنصور، ودفن محرما، على ما هو مذكور في موضعه.

стр. 150

وميمونة هي بنت الحارث، إحد (ى) أزواج رسول الله ﷺ . وكانت أختها أمّ عبد الله بن العبّاس. المواقيت روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الحجفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم. وقال: «هنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ، ممن أراد الحج والعمرة. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتّى أهل مكة من مكة» (١). أخرجاه في الصحيحين. فهذه المواقيت التي وقّتها رسول الله ﷺ لا يجوز لأحد الحجّ والعمرة أن يتجاوزها إلا محرما. وأما من لم يرد الحجّ أو العمرة، فكذلك عند فقهاء الأمصار، وقولان عند الشافعيّ. وموضع ذلك كتب الفقه. فأما ذو الحليفة (٢) فهو أبعد المواقيت، على عشر مراحل من مكّة، أو سبع منها. وهو بضم الحاء المهملة وفتح اللام. ومنها يحرم الآن الركب الشاميّ. وبها آبار تسمّى آبار عليّ. وبعض الناس يقول بئر المحرم. والجحفة (٣) موضع على ثلاث مراحل من مكة. (وهي بضم الجيم وسكون

стр. 151

الحاء المهملة بعد الجيم). وذكر ابن الكلبيّ (١) أن العماليق أخرجوا بني عبيل (٢) وهم إخوة عاد من يثرب. فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مهيعة، بفتح الميم وسكون الهاء على وزن مقتلة وقيل بكسر الهاء على وزن قبيلة. فجاءهم سيل فاجتحفهم، فسميت الجحفة. ولما هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة أصابهم حمّى. فدعا النبي ﷺ الله تعالى أن ينقل حمّاهم إلى الجحفة. (وهي شرقيّ رابغ ممر الركب المصريّ. ومن رابغ يحرم الآن) (٣). وقرن المنازل (٤) (بفتح القاف وسكون الراء)، موضع على مرحلتين من مكة. وقد غلط الجوهريّ (٥) في قوله بفتح الراء، وقوله إن أويسا القرنيّ منسوب إليها. بل هو منسوب إلى قرن بفتح القاف والراء بطن من مراد. ويلملم (٦) (ويقال ألملم بالهمزة عوضا عن الياء)، موضع معروف على

стр. 152

مرحلتين من مكة. وهو بفتح الياء واللام وسكون الميم بعد اللام. ومن المواقيت ما لم يذكره النبيّ ﷺ في الحديث. وهو ميقات العراقيين، وهو ذات عرق. وبينه وبين مكة خمس مراحل (١).

стр. 153

المسجد النبويّ [٨٦] على صاحبه أفضل الصلاة والسّلام موضع منبره، وجوار مقبره، ومقام مصلاه، ودار آخرته وأولاه. وبجانبه حجرته المعظمة، التي ضمت أعظّمه. ولله القائل (١): [البسيط] يا خير من دفنت في القاع أعظمه، … فطاب من طيبهنّ القاع والأكم! نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه، … فيه العفاف وفيه الجود والكرم! قال أنس (٢): «قدم رسول الله ﷺ فنزل في علوّ المدينة، في حيّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف. فأقام فيهم أربع عشرة ليلة. ثم إنه أرسل إلى ملإ بني النّجار، فجاؤوا متقلدين سيوفهم. فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتّى ألقى بفناء أبي أيوب».

стр. 154

قال: «وكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم». ثم إنه أمر بالمسجد. فأرسل إلى ملإ بني النجار، فجاؤوا. فقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا. فقالوا: لا والله! ما نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى. قال أنس: وكان فيه نخل، وقبور المشركين، وخرب. فأمر النبي صلّى الله عليه (وسلم بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسوّيت. قال: وصفّوا النخل قبلة، وجعلوا عضادتيه حجارة. قال: فكانوا يرتجزون، ورسول الله ﷺ معهم، وهم يقولون (١): اللهم إنه لا خير إلا خير الآخره! … فانصر الأنصار والمهاجره! رواه البخاري ومسلم) (٢). وروي عن الشّفاء بنت عبد الرحمن الأنصارية، قالت (٣): كان رسول الله ﷺ حين بنى المسجد يؤمّه جبريل إلى الكعبة ويقيم له القبلة.

стр. 155

قال السّهيلي (١): بني مسجد رسول الله ﷺ وسقف بالجريد (وجعلت قبلته من اللّبن. ويقال: بل حجارة منضودة بعضها على بعض، وحيطانه باللّبن). وجعلت عمده من جذوع النخل. فنخرت في خلافة عمر، فجدّدها. (قال الحافظ أبو عبد الله الذهبيّ (٢): «كانت هذه القبلة في شماليّ المسجد. لأنه ﷺ صلّى ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس. فلما حوّلت القبلة بقى حائط القبلة الألى مكان أهل الصّفّة»). قال أبو سعيد الخدّريّ: كان سقف مسجد النبيّ ﷺ من جريد النخل. وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: أكنّ الناس من المطر. وإياك أن تحمّر أو تصفّر، فتفتن الناس! وعن عبد الله بن عمر (٣) أن المسجد كان على عهد رسول الله ﷺ مبنيا باللّبن، وسقفه من الجريد، وعمده من خشب النخل. فلم يزد فيه أبو بكر شيئا. وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجري [٨٧]، وأعاد عمده خشبا. ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة (٤)، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج. (رواه البخاري في صحيحه).

стр. 156

وعن عكرمة قال (١): قال لي عبد الله بن عبّاس ولابنه عليّ: "انطلقا إلى أبى سعيد فاسمعا من حديثه". فانطلقنا. فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى ثم أنشأ يحدّثنا حتّى أتى على ذكر بناء المسجد. فقال: "كنا نحمل لبنة لبنة، وعمّار لبنتين لبنتين. فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب ويقول: ويح عمار! تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار! قال: يقول عمار! أعوذ بالله من الفتن! " (رواه البخارىّ). وزاد معمر في "جامعه" (٢) أن عمّارا كان ينقل لبنتين لبنتين: لبنة عنه ولبنة عن رسول الله ﷺ . فقال النبيّ ﷺ : "للناس أجر ولك أجران، آخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك الفئة الباغية. " وعن خارجة بن زيد (٣)، أحد فقهاء المدينة السبعة، قال (٤): بنى رسول الله ﷺ مسجده سبعين ذراعا، أو يزيد. فلما كان عثمان، زاد فيه. جعل طول

стр. 157

المسجد مائة وستين ذراعا وعرضه مائة وخمسين، وجعل أبوابه ستة، كما كانت في زمن عمر. وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمّهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة (وهي التي دفن فيها رسول الله، ﷺ ، وصاحباه ﵄. فبنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوامّ ويؤدّي إلى المحذور الذي نهى عنه رسول الله ﷺ من اتخاذ المساجد على القبور. ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، حرفوهما حتّى التقيا. كل ذلك حتّى لا يتمكن أحد من استقبال القبر. ولهذا قالت عائشة ﵂: "ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشى أن يتّخذ مسجدا". [٨٨] ثم إن الوليد بن عبد الملك زاد فيه فجعل طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدّمه مائتين، وفي مؤخره مائة وثمانين. ثم زاد فيه المهديّ سنة ستين ومائة، من جهة الشام فقط دون الجهات الثلاث. ثم زاد فيه المأمون سنة اثنتين ومائتين، وأتقن بنيانه ونقش فيه: "هذا ما أمر به عبد الله المأمون" في كلام كثير. قال العلامة أبو زكريا النّووىّ (١)، ﵀: فينبغي للمصّلى أن يعتنى بالمحافظة على الصلاة فيما كان في زمنه ﷺ . فإن الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام" إنما يتناول ما كان في زمنه، لأنه هو الذي حصلت الإشارة إليه. لكن إذا صلّى في جماعة، فالتقدّم إلى الصف الأول، ثم إلى ما يليه أفضل فليتفطّن لذلك.

стр. 158

وذرع ما بين المنبر ومقام النبيّ ﷺ الذي كان يصلي فيه حتى توفّي، أربعة عشر ذراعا وشبر. وذرع ما بين المنبر والقبر ثلاثة وخمسون ذراعا وشبر (١). بيوت النبيّ ﷺ [٨٩] قال السّهيلي (٢): «كانت بيوت النبي ﷺ تسعة: بعضها من جريد مطيّن بالطين وسقفها جريد، وبعضها من حجارة مرضومة بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا.» قال الحافظ أبو عبد الله الذهبيّ: «لم يبلغنا أنه ﷺ بنى له تسعة أبيات، حين بني المسجد. ولا أحسبه فعل ذلك. إنما كان يريد بيتا حينئذ لسودة، أمّ المؤمنين. ثم لم يحتج إلى بيت آخر، حتى بنى لعائشة في شوّال سنة اثنتين. وكأنه ﷺ بناها في أوقات مختلفة. والله أعلم». وقال الحسن بن أبي الحسن (٣): كنت أدخل بيوت النبيّ ﷺ وأنا غلام مراهق فأنال السقف بيدي. وكان لكل بيت حجرة. وكانت حجره ﵇ أكسية من شعر مربوطة في خشب عرعر. وفي تاريخ البخاريّ (٤) أن بابه ﷺ كان يقرع بالأظافير. أي لا حلق له. ولما توفي أزواجه ﷺ خلطت البيوت والحجر بالمسجد. وذلك في خلافة

стр. 159

عبد الملك بن مروان. فلما ورد كتابه بذلك، ضجّ أهل المدينة بالبكاء، كيوم وفاته. قال السّهيلي (١): وهذا يدلّ على أن بيوته ﷺ إذا أضيفت إليه، فهي إضافة ملك: كقوله تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ اَلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وإذا أضيفت إلى أزواجه كقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] فليست إضافة ملك. وذلك أن ما كان ملكا له، فليس بموروث عنه. مسجد قباء [٩٠] ذكر ابن إسحاق (٢) أن رسول الله ﷺ أسّسه لبني عمرو بن عوف. ثم انتقل إلى المدينة. وذكر ابن أبي خيثمة (٣) أن رسول الله ﷺ حين أسسه، كان هو أوّل من وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى جنب حجر أبي بكر، ثم أخذ الناس في البنيان. وذكر الخطّابىّ عن الشّموس بنت النعمان، قالت (٤): كان رسول الله ﷺ حين بنى مسجد قباء يأتي بالحجر قد صهره (٥) إلى بطنه، فيضعه، فيأتي الرجل

стр. 160

يريد أن يقلّه، فلا يستطيع حتّى يأمره أن يدعه ويأخذ غيره. قال السهيلىّ (١): وهذا أوّل مسجد بني في الإسلام، وفي أهله نزلت: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]. فهو على هذا المسجد الذي "أسس على التقوى" وإن كان قد روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ سئل عن المسجد الذي "أسس على التقوى" فقال: هو مسجدي هذا. وفي رواية أخرى قال: وفي الأرض خير كثير. وقد قال لبني عمرو بن عوف حين نزلت ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى اَلتَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة ١٠٨]: ما الطهور الذي أثنى الله به عليكم؟ فذكروا له الاستنجاء بالماء بعد الاستجمار بالحجارة. فقال: هو ذاكم، فعليكموه! قال السّهيلي (٢): وليس بين الحديثين تعارض. كلاهما أسس على التقوى. غير أن قوله سبحانه: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ يقتضي مسجد قباء؛ لأنه تأسيسه كان في أوّل يوم من حلول النبي ﷺ دار هجرته والبلد الذي هو مهاجره. قال القاسم بن عبد الرحمن (٣): عمّار بن ياسر أوّل من بنى مسجدا لله، يصلّى فيه، رواه أبو عروبة. وذكر ابن إسحاق هذا الحديث عن عمّار في خبر بناء مسجد المدينة. قال السّهيليّ (٤): إنما عنى بهذا مسجد قباء، لأنه هو الذي أشار على النبي ﷺ ببنيانه [٩١]. وهو الذي جمع له الحجارة. فلما أسسه رسول الله ﷺ استتم بنيانه عمّار.

стр. 161

وعن عبد الله بن عمر (١) ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يزور قباء راكبا وماشيا، فيصلي فيه ركعتين. متّفق عليه. وفي رواية (٢): كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت، راكبا وماشيا. وكان ابن عمر يفعله. مسجد الضّرار (٣) روي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء - وكان يأتيهم رسول الله ﷺ ويصلي فيه - حسدهم إخوتهم بنو غنم بن عوف. وقالوا: نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله ﷺ يصلي فيه، ويصلي فيه أبو عامر الراهب، إذا قدم من الشام. ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوتهم، زعموا. وأبو عامر هو الذي سمّاه النبيّ ﷺ الفاسق. وقال لرسول الله ﷺ : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم. فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين. فلما انهزمت هوازن، خرج هاربا إلى الشام. وأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا بما استطعتم من قوّة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر، وآت بجنود، ومخرج محمدا وأصحابه من المدينة. فبنوا مسجد الضّرار إلى جانب مسجد قباء. وقالوا للنبيّ ﷺ : "بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية. ونحن نحب أن تصلي لنا

стр. 162

فيه، وتدعو لنا بالبركة. فقال ﷺ : " إني على جناح سفر وحال شغل. وإذا قدمنا، إن شاء الله، صلينا فيه ". فلما قفل من غزوة تبوك، سألوه إتيان المسجد، فنزل قوله: ﴿وَاَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً﴾ إلى قوله ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١٠٨]. الآيات. فدعا بمالك بن الدّخشم ومعن بن عدي وعامر بن السّكن ووحشي، قاتل حمزة [٩٢]، فقال لهم: " انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله. فاهدموه وأحرقوه "ففعلوا. وأمر أن يجعل مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة. وقيل كل مسجد بني مباهاة، أو رياء وسمعة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيّب فهو لا حق بمسجد الضّرار. وعن شقيق أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بنى عامر، فقيل له: مسجد بني فلان، لم يصلوا فيه بعد. فقال: " لا أحب أن أصلّي فيه، فإنه قد بني على ضرار ". وكل مسجد بني على ضرار أو رياء، فإن أصله ينتمي إلى المسجد الذي بني ضرارا. وعن عطاء: لما فتح الله الأمصار على عمر ﵁ أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضارّ أحدهما صاحبه. وذكر ابن إسحاق (١) الذين اتخذوا مسجد الضرار وذكر فيهم جارية بن عامر، وكان يعرف بحمار الدار. وهو جارية بن عامر بن مجمّع بن العطّاف. وذكر فيهم ابنه مجمّعا، وكان إذ ذاك غلاما حدثا قد جمع القرآن. فقدّموه إماما لهم، وهو لا يعلم بشيء من شأنهم. وقد ذكر أن عمر بن الخطاب، في أيامه، أراد عزله عن الإمامة. وقال: أليس بإمام مسجد الضّرار؟ فأقسم له مجمّع أنه ما علم شيئا من أمرهم، وما ظنّ إلا

стр. 163

الخير. فصدّقه عمر وأقرّ. مساجد المدينة قال السّهيلي (١): كانت مساجد المدينة تسعة، سوى مسجد النبي ﷺ . وكلهم يصلون بأذان بلال. كذلك قال بكير بن عبد الله بن الأشج، فيما روى عنه أبو داود في مراسيله، والدارقطني في سننه. فمنها مسجد راتج، ومسجد بني عبد الأشهل، ومسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد جهينة، وأسلم (وأحسبه قال مسجد بني سلمة). وسائرها مذكور في السنن. وذكر ابن إسحاق، في المساجد التي في الطريق، مسجدا بذي الخيفة (٢). كذا وقع في كتاب أبي بحر بالخاء معجمة، ووقع بالجيم في كتاب قرئ على ابن السراج وابن الأفليلي. [٩٣] بقيع الغرقد (٣) وهو مدفن أهل المدينة النبوية. وفيه تدافن أكثر أهل المدينة.

стр. 164

وفيه قبّة العباس بن عبد المطلب، عمّ النبي ﷺ . وفيها معه الحسن بن علي. وكان الحسن أوصى أن يدفن مع النبي ﷺ إلا أن يخاف أن يراق في ذلك محجم دم. فمنعه مروان. وكادت الفتنة أن تقع. وأبى الحسن [ابنه] إلا أن يدفن مع جدّه. فكلمه عبد الله بن جعفر ومسور بن مخرمة. فدفن بالبقيع في قبة العباس. وفيها أيضا زين العابدين، وابنه محمد الباقر، وابنه جعفر الصادق. وفي البقيع أيضا قبة أمير المؤمنين عثمان بن عفان. وكان موضع القبة وما حوله بستانا لرجل من الأنصار اسمه كوكب. وكان يقال حشّ كوكب. والحشّ البستان. فاشتراه عثمان ﵁ وزاده في البقيع. وكان يقول إنه يدفن هاهنا رجل صالح. فكان أول من دفن بهذه الزيادة. وفي البقيع أيضا قبة إبراهيم بن النبي ﷺ . وقبة فاطمة الزهراء. وفي البقيع أيضا جماعة من أزواج النبي ﷺ وعمّته صفيّة. وفيه خلائق من الصحابة والتابعين. وفيه قبة مالك بن أنس، إمم دار الهجرة. وأوّل من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون. قال المطلب بن عبد الله بن حنطب: أول من دفنه النبيّ ﷺ بالبقيع، عثمان بن مظعون، ثم قال لرجل عنده: اذهب إلى تلك الصخرة، فأتني بها حتّى أضعها عند قبره. فمن مات من

стр. 165

أهلنا دفناه عنده. رواه ابن أبي شيبة (١). قال علي بن أبى طالب: ثم أتبعه إبراهيم بن النبي ﷺ . رواه ابن أبي شيبة أيضا (٢). قال الأصمعي: قطعت غرقدات في هذا الموضع، حين دفن فيه عثمان بن مظعون. فسمي بقيع الغرقد لهذا. وقال الخليل (٣): " البقيع من الأرض موضع فيه أروم شجر. وبه سمي بقيع الغرقد. والغرقد شجر كان ينبت هناك" والبقيع يلي باب المدينة الذي في جهة الشرق، الذي وراء دار عثمان بن عفّان. ومنه يخرج إلى البقيع.

стр. 166

المسجد الأقصى (١) معهد الأنبياء، ومتعهّد الأولياء، وثاني البيت الحرام في البناء، وأوّل القبلتين حال الابتداء. شيّدت ملوك بني اسرائيل معاهده، وشدّت بقباب البروج معاقده، ثم تدارك بنو أمية ذماءه (٢)، وصفّحوا أرضه وسماءه، وهذا هو على ما هو عليه من حمل الآلام، واختلاف دول الكفر والإسلام، ومن صخرته المقدّسة المعراج، حيث عرج بخاتم الأنبياء ﵊ من حضرة القدس إلى حضرة القدس، وبسط له بساط الأنس، ودنا من ربه مقاما لم يبلغه الخليل ولا الكليم، ولا وصل إليه ملك مقرّب ولا نبيّ كريم، وقد أمّ في ذلك المسجد بالنبيين، وصعد منه إلى أعلى عليين. وإلى صفيح تلك البقعة المحشر، ومنها يوم القيامة المنشر. والصخرة بها عرش الله الأدنى، ومقام الفخار الأسنى، وهي التي تزف إليها عروس الكعبة زفا، وتقسم الناس لشقاوة وزلفى [سره المسجد الأقصى، وقلب] (٣) الفضائل [٩٥] التي لا تحصى. قد تقدّم حديث أبي ذرّ (٤): «أوّل مسجد وضع، المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى. وبينهما أربعون عاما». وروي عن علي بن أبي طالب، قال: كانت الأرض ماء فبعث الله ريحا

стр. 167

فمسحت الأرض مسحا، وظهرت على الأرض زبدة فقسمت أربع قطع: خلق من قطعة مكة، والثانية المدينة، والثالثة بيت المقدس، والرابعة الكوفة. ذكره أبو الفرج ابن الجوزي (١). وروى ابن منده بسنده، أن كعبا قال (٢): بنى سليمان بن داود بيت المقدس على أساس قديم، كما بنى إبراهيم الكعبة على أساس قديم. قال ابن الجوزي (٣): «سكن الجبّارون في الأرض المقدّسة فسلّط عليهم يوشع، ثم سلّط الكفار على بيت المقدس فصيروه مزبلة. فأوحى الله إلى سليمان فبناه. وروي عن سعيد بن المسيب قال أمر الله تعالى داود أن يبني مسجد بيت المقدس. قال [يا] ربّ! وأين أبنيه؟ قال: حيث ترى الملك شاهرا سيفه. قال: فرآه في ذلك المكان. قال: فأخذ داود فأسس قواعده ورفع حائطه، فلما ارتفع انهدم. فقال داود: يا رب! أمرتني أن أبني لك بيتا، فلما ارتفع هدمته. فقال: يا داود إنما جعلتك خليفتي في خلقي، لم أخذته من صاحبه بغير ثمن؟ إنه يبنيه رجل من ولدك. فلما كان سليمان ساوم صاحب الأرض، فقال: هي بقنطار. فقال سليمان: قد استوجبتها: فقال له صاحب الأرض: هي خير أو ذاك؟ قال: لا بل هي خير. قال: فإنه قد بدا لي. قال: أو ليس قد أوجبتها؟ قال: بلى، ولكن البيعين بالخيار ما لم يتفرّقا. (قال عبد الله بن المبارك: هذا أصل الخيار). فلم يزل يرادّه، ويقول له مثل قوله الأوّل، حتّى استوجبها منه بسبعة قناطير. فبناه سليمان حتّى فرغ منه. وتغلّقت أبوابه. فعالجها سليمان أن

стр. 168

يفتحها، فلم تنفتح، حتّى قال في دعائه: بصلوات أبي داود إلا تفتّحت الأبواب! ففتّحت الأبواب. قال: ففرّغ (١) له سليمان عشرة آلاف من قرّاء بني إسرائيل: خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار. لا تأتي ساعة من ليل ولا نهار [٩٦]، إلا والله يعبد فيه. وقال أبو عمرو الشّيباني: أوحى الله إلى داود: إنك لن تتمم بناء بيت المقدس. قال: أي ربّ! ولم؟ قال: لأنك غمرت يدك في الدم. قال: أي ربّ! أو لم يكن في طاعتك؟ قال بلى وإن كان. وقال كعب (٢): «أوحى الله تعالى إلى سليمان أن ابن بيت المقدس. فجمع حكماء الإنس وعفاريت الجنّ وعظماء الشياطين. ثم فرّق الشياطين، فجعل منهم فريقا يبنون، وفريقا يقطعون الصخور، وفريقا يقطعون العمد من معادن الرّخام، وفريقا يغوصون في البحر فيخرجون منه الدّر والمرجان. وأخذ في بناء المسجد، فلم يثبت البناء. وكان عليه حير (٣) بناه داود. فأمر بهدمه. ثم حفر الأرض حتّى بلغ الماء. فقال أسّسوا على الماء. فألقوا فيه الحجارة. وكان الماء يلفظ الحجارة، فاستشار في ذلك، فأشاروا عليه أن يتخذ قلالا من نحاس، ثم يملأها حجارة، ثم يكتب عليها ما على خاتمه من ذكر التوحيد، ثم يلقيها في الماء لتكون أساس البناء. ففعل، فثبت وبنى. عمل بيت المقدس عملا لا يوصف، وزينه بالذهب والفضة وألوان الجوهر في سمائه وأرضه وأبوابه وجدره. ثم جمع

стр. 169

الناس وأخبرهم أنه مسجد لله، وأنه هو الذي أمر ببنائه، وأنه من انتقصه أو شيئا منه، فقد ضادّ الله (١)، وأنه كان قد عهد إلى داود في ذلك، ثم أوصى سليمان بذلك من بعده. ثم اتخذ طعاما وجمع الناس. وروى عبد الله بن عمرو بن العاص في قوله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذابُ﴾ [الحديد: ١٣] قال: هو سور بيت المقدس الشرقي. وقد أضربنا عن كثير مما ورد في البناء السليماني والعجائب التي كانت فيه، لعدم صحته بالنقل. وأما ما ورد في فضله: فمنه حديث أنس. قال (٢): قال: «رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في بيته بصلاة واحدة، وفي مسجد القبائل بخمس وعشرين (٣) صلاة، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة [٩٧]، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة». وعن أبى ذرّ قال (٤): قيل: يا رسول الله! صلاة في بيت المقدس أفضل، أم صلاة في مسجد رسول الله ﷺ ؟ قال: " صلاة في مسجدي هذا أفضل من

стр. 170

أربع صلوات فيه. ولنعم المصلّى! هو أرض المحشر والمنشر، وليأتينّ على الناس زمان، ولبسطة قوس من حيث يرى بيت المقدس، أفضل وخير من الدنيا جميعا!» وصحّ عن موسى ﵇ أنه لما احتضر قال (١): يا رب أدنني من الأرض المقدّسة رمية بحجر!. ونزله أبو ذرّ وأكثر فيه الصلاة. وصلّى فيه ابن عمر. ومات فيه عبادة بن الصامت، وشدّاد بن أوس، وأبو أبي بن أمّ حرام، وأبو ريحانة (واسمه شمعون) وذو الأصابع، وأبو محمد النجاري. هؤلاء من أهل بيت المقدس ماتوا به. والذي أعقب منهم عبادة وشدّاد وسلامة بن قيصر وفيروز الديلميّ. والذي لم يعقب منهم أبو ريحانة وأبو محمد النجارىّ وذو الأصابع. وقال أبو الزاهرية (٢): «أتيت بيت المقدس أريد الصلاة. فدخلت المسجد وغفلت عني سدنة المسجد، حتّى أطفئت القناديل، وانقطعت الرجل، وغلّقت الأبواب. فبينا أنا كذلك إذ سمعت حفيفا له جناحان، قد أقبل وهو يقول: «سبحان الدائم القائم! سبحان القائم الدائم! سبحان الحيّ القيّوم! سبحان الملك القدّوس! سبحان رب الملائكة والروح! سبحان الله وبحمده! سبحان العليّ

стр. 171

الأعلى! ». ثم أقبل حفيف يتلوه، يقول ذلك. ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها، حتّى امتلأ المسجد. فإذا بعضهم قريب مني. فقال: آدميّ؟ فقلت: نعم. فقال: لاروع عليك، هذه الملائكة! قلت: سألتك بالذي قوّاكم على ما أرى! من الأوّل؟ قال: جبريل، قلت (١): ثم الذي يتلوه؟ قال: ميكائيل. قلت: من يتلوهم بعد ذلك؟ [٩٨] قال: الملائكة. قلت: سألتك بالذي قوّاكم على (٢) ما أرى. ما لقائلها من الثواب؟ قال: من قالها مرة في كل يوم، لم يمت حتّى يرى مقعده من الجنة، أو يرى له». وروى أبو عبد الله بن باكويه، بسنده إلى محمد بن أحمد الصوفىّ، قال: قال لي أستاذى أبو عبد الله بن أبي شيبة (٣): "كنت ببيت المقدس. وكنت أحبّ أن أبيت في المسجد، وما كنت أترك. فلما كان في بعض الأيام، بصرت في الرواق بحصر قائمة. فلما أن صليت العتمة وراء الإمام، أتيت الحصر، فاختبأت وراءها. وانصرف الناس والقوّام. ثم خرجت إلى الصخرة. فلما سمعت غلق الأبواب، وقعت عيني على المحراب وقد انشق ودخل منه رجل ثم رجل إلى أن تم سبعة. واصطفّ القوم. ولم أزل واقفا شاخصا زائل العقل إلى أن انفجر الصبح. فخرج القوم على الطريق الذي دخلوا" وبه (٤) إلى ذي النون قال: «بينا أنا في بعض جبال بيت المقدس، سمعت صوتا يقول: ذهبت الآلام عن أبدان الخدّام، ولهت بالطاعة عن الشراب والطعام،

стр. 172

وألفت قلوبهم طول القيام، بين يدي الملك العلام! فتبعت الصوت. فإذا أمرد مصفرّ الوجه، يميل ميل الغصن إذا حركته الريح، عليه شملة قد اتّزر بها، وأخرى قد اتّشح بها. فلما رآني، توارى عني بالشجر. فقلت: ليس الجفاء من أخلاق المؤمنين. فكلّمني وأوصني. فخرّ ساجدا، وجعل يقول: هذا مقام من لاذ بك واستجار بمعرفتك وألّف محبتك! فيا إله القلوب، احجبني (١) عن القاطعين لي عنك! قال: فغاب عنّي ولم أره. وروى عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنادِ اَلْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [سورة ق: ٤١] قال: من صخرة بيت المقدس. وقال يزيد بن جابر في الآية: يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس، فينفخ في الصّور، فيقول: أيتها العظام النّخرة، والجلود المتمزّقة، والأشعار المتقطعة، إن الله تعالى أمرك أن تجتمعى للحساب! [٩٩]. وروى ابن منده بسنده عن أنس بن مالك قال (٢): إن الجنة لتحنّ شوقا إلى بيت المقدس. وبيت المقدس من جنة الفردوس، وهي سرة (٣) الأرض. (يعني الصخرة). وبه عن أبى إدريس الخولانىّ قال (٤): يحوّل الله صخرة بيت المقدس مرجانة بيضاء كعرض السماوات والأرض. ثم ينصب عليها عرشه. ثم يقضي بين عباده، يصيرون منها إلى الجنة وإلى النار. وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿إِلَى اَلْأَرْضِ اَلَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأنبياء: ٧١] قال: من بركتها أن كل ماء عذب

стр. 173

يخرج من أصل صخرة بيت المقدس. قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ اَلْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [سورة ق: ٤١] قالوا (١): هو إسرافيل. يقف على صخرة بيت المقدس فينادي: يا أيها الناس، هلمّوا إلى الحساب! إن الله يأمرّكم أن تجتمعوا لفصل القضاء! (وهذه هي النفخة الأخيرة. والمكان القريب صخرة بيت القدس). قال كعب ومقاتل: هي أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ابن السائب: باثنى عشر ميلا. وروى أن كعبا (٢) قدم إيلياء فرشا [حبرا] من أحبار يهود بضعة عشر دينارا على أن دلّة على الصخرة التي قام عليها سليمان بن داود لما فرغ من بناء المسجد. وصلّى مما يلي ناحية باب أسباط (٣). فقال كعب: قام سليمان بن داود على هذه الصخرة ثم استقبل بيت المقدس كله. فدعا الله بثلاث. فأراه تعجيل إجابته في دعوتين، وأرجو أن يستجيب في الثالثة (٤). فقال: «اللهم هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، إنك أنت الوهاب» فأعطاه الله . وقال: «اللهم هب لي ملكا وحكما يوافق حكمك!». ففعل الله ذلك به. ثم قال: «اللهم لا يأتي هذا المسجد أحد يريد الصلاة فيه، إلا أخرجته من خطيئته كيوم ولدته أمه!». هذه نبذة يسيرة من ابتداء وضعه.

стр. 174

وأما ما يتعلق بفتح بيت المقدس في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ واستيلاء الفرنج عليه، ثم فتحه على يد الملك الناصر [١٠٠] صلاح الدين يوسف بن أيوب، وتسليمه إلى الفرنج بعد ذلك في أيام الملك الكامل، ثم استنقاذه منهم بعد ذلك على يد الناصر داود بن المعظّم، فليس هذا موضعه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في التاريخ التلويح بذلك والإشارة إليه. فهناك ذكره أنسب. ولنذكر الآن ما يتعلق بصفة المسجد الأقصى، وما اشتمل عليه من المزارات، على ما استقر عليه بناؤه إلى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة. وقد ألّف في ذلك الصاحب تاج الدين أبو الفضائل أحمد بن أمين الملك (١) تأليفا صغيرا سماه: «سلسلة العسجد، في صفة الصخرة والمسجد». نقلت منه ما يليق بهذا الموضع، معتمدا في ذلك على ما حرّره بالذراع. ونبتدئ بذكر الصخرة الشريفة والبناء المحيط بها، فنقول: أما البناء المبارك من وجه الصحن المفروش بالبلاط المصقول، فارتفاعه ثمانية

стр. 175

عشر ذراعا، يعلو ذلك كرسي القبة، وارتفاعه عشرة أذرع وربع، ودوره مائة وثلاثة أذرع وثلثا ذراع. في دوره ستة عشرة طاقة زجاج مذهبة، بظاهرها شبابيك، وهي مثمنة الأركان. كل تثمينة تسعة وعشرون ذراعا وثلثا ذراع. والبناء من ظاهره مكسو منه ارتفاع سبعة أذرع بالرخام الأبيض المشجّر. ومن أعلاه سبعة أذرع إلى الميازيب بالفصّ المذهب المشجّر المختلف. وتحتوي كل تثمينة على سبع طاقات: اثنتان في الطرفين مسدودتان، والخمسة مركب عليها الزجاج، ومن ظاهرها الشبابيك الحديد. ومن أعلى الميازيب حائط ارتفاعه أربعة أذرع، مسكوب بالفص بالصفة المذكورة، مشخص في كل تثمينة منه ثلاثة عشر محربا. ولها أبواب أربعة: فالقبلي ارتفاعه ستة أذرع وربع، وعرضه ثلاثة أذرع ونصف وثمن. وأمامه من خارج رواق مفروش [١٠١] بالرخام الأبيض المشجّر طوله من الشرق للغرب أحد وعشرون ذراعا ونصف، وعرضه أربعة. سقفه بسط مدهون والوسط أمام الباب قنطرة بالفص المذهب، محمول على ثمانية أعمدة من الرّخام: منها غرابي اثنان في طرفيه، وخضر مرسينيّ تلوهما أربعة و «شحم ولحم» اثنان، بين الأعمدة الغرابي والخضر هناب رخام منقوش الظاهر سعته ذراع وثلث. تنزل فيه المياه المنحدرة من المزاريب. ويغلق (١) على الباب المذكور مصراعان من الأبواب ملبسة بالنحاس الأصفر المنقوش. وعلى يمنة الداخل ويسرته درابزين خشب ارتفاع ثلثي ذراع، في رؤوس التثمينة الأوّلة خاصة. ويقاس من عتبة هذا الباب من داخل إلى وجه الأعمدة الآتي ذكرها ثمانية أذرع وثلثا ذراع، بأعلاها سقف بسط مدهون بأنواع الدهان، ارتفاعه خمسة عشر ذراعا، محمول على حائط الصخرة والأعمدة،

стр. 176

والحائط من باطن التثمينة، ملبّس جميعه بالرخام بغير فص بانبذاريه (١) رخام منقوشة تقدير ذراع مذهبة. كل تثمينة من هذا السقف محمولة على ساريتين ملبسة بالرخام المشجر والملوّن البديع. دور كل سارية أحد عشر ذراعا وثلثا ذراع. وطولها ثمانية أذرع وثلثا ذراع، وجهها الذي يلي الصخرة بقرنتين. ومع السارية عمودان: أحدهما «شحم ولحم» والآخر أخضر مرسيني. بين كل عمود لأخيه خمسة أذرع. ودوره ذراعان وثلثا ذراع. وارتفاعه خارجا عن القواعد ستة ونصف يعلوها «بساتل» ملبسة بالنحاس الأصفر المنقوش المذهب فوق نقشه. يعلو «البساتل» قناطر بالفص المذهب البديع. بهذه التثمينة الأولى، ثمانية سوار وستة عشر عمودا: منها أبيض وأزرق عشرة، وأخضر مرسيني ثلاثة، و «شحم ولحم» ثلاثة [١٠٢]. وتقيس من واجهة قواعد هذه العمد عشرة أذرع لتثمينة ثانية عليها سقف «مقالي» مذهب، ارتفاعه ارتفاع السقف الأوّل. و «مقاليه» مركبة بغير تسمير لأجل كنس السقف. والسقف الذي يعلوه الرصاص خمسة أذرع من الباطن. وبآخر هذه التثمينة الدائرة الدرابزين المحيط بدور القبة. والحامل للقبة أربعة سوار

стр. 177

مربعة ملبسة بالرخام مثل الأولى. بين كل سارية وسارية ثلاثة أعمدة من الرخام «الشحم واللحم» والأخضر المرسيني. يعلو ذلك قناطر من الوجهين: فص مذهب، والباطن رخام أبيض وأسود. جملة الأعمدة الحاملة للقبة اثنا عشر عمودا: منها أخضر مرسيني سبعة، و «شحم ولحم» خمسة. قال: ولقد قست عمودا منها «شحما ولحما» فكان دوره ثلاثة أذرع ونصفا وارتفاعه خارجا عن القواعد سبعة أذرع وثلثي (١) ذراع. وارتفاع هذه القبة الخشب المذهبة من قطبها إلى ظاهر الصخرة الشريفة سبعة وأربعون ذراعا، ومن ظهر الصخرة لباطن أرض المغارة ستة أذرع، ومن ظاهر القبة الخشب إلى القبة الثانية المكسوّة بالرصاص ذراع ونصف. (قال: ولقد قست الدور الحامل للقبّة بالأعمدة والسواري فكان مائة وثلاثة أذرع) (٢). وصفة الشباك الحديد الذي بين هذه العمد والسواري، له أربعة أبواب: الشمالي منها مغلق، والثلاثة مفتوحة. فأما القبلي فيصعد إليه بدرجتين. ومن حد عتبته من داخل إلى صدر الصخرة أربعة أذرع ونصف وربع. وحجر الصخرة من هذه الجهة ملبس بالرخام الملوّن ارتفاع ذراعين. ويحيط بحجر الصخرة من تتمة أقطاره درابزين من الخشب المنقوش، دوره أربعة وسبعون ذراعا. وبآخر هذه الصخرة المرخمة من غرب إلى جهة الشمال حجر صغير محمول على ستة أعمدة صغار. قيل إنه أثر قدم النبيّ ﷺ ليلة المعراج. وقبالة القدم المشار إليه مرآة من السبعة معادن (٣) يسمونها «درقة

стр. 178

حمزة» محمولة [١٠٣] على ثلاثة أعمدة لطاف: منهن اثنان «روحان في جسد». وارتفاع الشباك الحديد أربعة أذرع وثلثا ذراع، تعلوه شرفة خشب مدهونة. وبأعلى الشرفة شمعدانات حديد. والمحراب الذي يصلي به إمام الصخرة عن يمين الداخل من الباب القبليّ داخل الدرابزين الخشب المقدّم الذكر. وتجاه المحراب باب مغارة للصخرة الشريفة، معقود قنطرة بالرخام الغريب، على عمودين «شمعية» ينزل إلى باطنها بأربع عشرة درجة. طول باطن المغارة من الشرق للغرب عشرة أذرع، وعرضها سبعة ونصف من القبلة للشمال. وجميع باطن أرض الصخرة والمغارة مفروش بالرخام. وبباطن المغارة المذكورة محرابان على اليمين واليسار. كل محراب على عمودي رخام لطاف. وأمام المحراب الأيمن صفّة تسمّى «مقام الخضر». طولها من الشرق للغرب ذراع وثلثا ذراع، ومن القبلة للشمال ذراعان وربع. يواجهها عمود رخام قائم للسقف، وعمود راقد مردّ لها. وبالركن الشماليّ من المغارة صفّة نقر في الصخرة يسمونها «مقام الخليل». عمقها من القبلة للشمال ذراع ونصف، ومن الشرق للغرب ذراع وربع. وأما الباب الشرقيّ من بناء الصخرة، فهما بابان: أحدهما داخل الآخر. جعل الباب الخارج وقاية للداخل من الأمطار والثلوج. ملبس بالرخام. رحاب مابين البابين عرضه أربعة أذرع وربع، وطول خرجته اثنا عشر ذراعا ونصف. على يمنة الخارج بيت للبوّاب. وبه محراب محمول على ثلاثة أعمدة لطاف، وعلى يسرته بيت للقناديل محمول على أربعة أعمدة خضر مرسينيّ وزرق. وعقد ما بين البابين بالفص المذهب. ومن عتبة الباب الثاني منهما إلى العمد سبعة أذرع وثلثان [١٠٤] وهو الحامل للسقف البسط.

стр. 179

ومن واجهة العمد للشباك الحديد أحد عشر ذراعا. ومن باطن الشباك الحديد إلى الدرابزين الخشب الساتر للصخرة أربعة أذرع وربع. ومن حدّ هذا الباب الشرقيّ، على يسرة الداخل منه طالبا للقبلة على مسافة تسعة أذرع، عمودان مرسيني أخضر. بأعلاهما دقيسي مذهب يطلع من باطنه إلى ظهر سقف الصخرة والقبة. وأما الباب الشمالي ويسمّى باب الجنة فله خرجة كالتي في الباب الشرقي وصفتها وحليتها. وفيما بين العمودين اللذين أمام الباب - داخل درابزين خشب مذهب به محراب لطيف - إشارة على الرخامة السوداء التي يصلي الناس عندها. وفقدت هذه الرخامة من مدّة زمانية، وعمل مكانها رخامة خضراء. والناس يصلون ويدعون عندها. وأما الباب الغربي فله خرجة كالبابين الشرقيّ والشماليّ وسعة ما بين تثامين الصخرة من داخل مثل الباب الشماليّ خلا السعة من الشباك الحديد لدرابزين الصخرة فإنه ستة أذرع وثلثا ذراع. هذا ما يتعلق بصفة الصخرة والبناء المثمن المحيط بها. وأما الصحن المحيط بها، فجميعه مفروش بالبلاط الجليل المصقول. وذرعه من القبلة للشمال مائتا ذراع وتسعة وعشرون ذراعا، ومن الشرق للغرب مائتا ذراع وثلاثة وعشرون ذراعا ونصف ذراع. وذرع ما بين الرواق الذي قبليّ الباب القبليّ من أبواب الصخرة إلى رأس السلالم الموصلة للجامع، ثلاثة وخمسون ذراعا، ومن رأس السلالم إلى عتبة الجامع مائة وخمسون ذراعا ونصف وربع. وبأعلى هذه السلالم أربع قناطر محمولة على ثلاثة أعمدة وركنين من البناء: منها عمودان صوّان أحمر، والوسطاني رخام أبيض فيه نقر مربع.

стр. 180

ذكروا في التواريخ أن الدعاء عنده مستجاب. وشرقي هذه القناطر على مسافة (١) أربعين ذراعا قناطر مثلها. أعمدتها اثنان أخضر [١٠٥] مرسيني. وفيما بين هاتين القنطرتين في سفل الحرم صفّة كبيرة تسمى صفة السّبع درج. يقال إنها مأوى الصالحين والسّيّاح في الليل، وعليها يتركعون. وبجانب القنطرة المذكورة أولا، مدهون صورة محراب، بخدّيه عمودا رخام لطاف. وفي ركنها الغربيّ قبتان من رخام، واحدة تعلو الأخرى: كل منهما قطعة واحدة، تسمى قبة الميزان، محمولة على اثنى عشر عمودا من الرخام «الشحم واللحم» بقواعد «شمعية». والقبة التي عليها كمثل ارتفاع القبة المذكورة بكمالها: ثمانية أذرع وثلثان. وارتفاع العمد السّفليّ ذراعان وسدس، وارتفاع العمد الفوقاني ذراع ونصف وربع. وتعرف أيضا بقبة النجو. وبالقرنة القبلية من جهة غربيّ الصحن موضع يعرف بالمدرسة المعظمية (٢)، طولها من ظاهرها أربعة وثلاثون ذراعا، وعرضها من القبلة للشمال سبعة أذرع. لها بابان يفتحان للشمال، بخدّهما ثلاثة أعمدة من الرخام، كل عمود به أربعة في جسد واحد، ملفوفة "مثعبنة". وتلو ذلك عمودان لطاف. وارتفاع بنائها تسعة أذرع من أرض صحن الصخرة.
следующие страницы →