آخره، وأحبّ الوقوف على هذا وولع به، فجهّز مئين [المراكب] (١) مملوءة من الرجال وأمثالها مملوءة من الذّهب والماء والزّاد ما يكفيهم سنين، وقال للمسفّرين فيها: لا ترجعوا حتى تبلغوا نهايته [أو] (٢) تنفد أزوادكم وماؤكم، فساروا وطالت مدة غيبتهم لا يرجع منهم أحد حتى مضت مدة طويلة، ثم عاد مركب واحد منها، فسألنا كبيرهم عما كان من أثرهم وخبرهم، فقال: تعلم أيها السلطان أنّا سرنا زمانا طويلا حتى عرض <لنا> في لجّة البحر واد له جرية قوية وكنت آخر تلك المراكب، فأما تلك المراكب فإنها تقدمت فلما صارت في ذلك المكان ما عادت ولا بانت، ولا عرفنا ما جرى لها، وأما أنا فرجعت من مكاني ولم أدخل ذلك الوادي، قال: فأنكر عليه، قال: ثم إن ذلك السلطان أعدّ ألفي مركب، ألفا له وللرجال استصحبهم معه، وألفا للزاد والماء ثم استخلفني وركب بمن معه في البحر المحيط وسافر فيه، وكان آخر العهد به وبجميع من معه وانتقل إليّ الملك.
قال ابن أمير حاجب:
ولقد كان هذا السلطان مدّة مقامه بمصر قبل توجهه إلى الحجاز الشّريف وبعده على نمط واحد في العبادة والتوجّه إلى الله كأنّه بين يديه لكثرة حضوره، وكان هو ومن معه على مثل هذا مع حسن الزيّ في الملبس والسكينة والوقار، وكان كريما جوادا كثير الصّدقة والبر، خرج من بلده بمائة وسق جمل (٣) من الذّهب أنفقها في حجّته على القبائل بطريقه من بلاده إلى مصر ثم بمصر ثم من مصر إلى الحجاز الشريف في التوجه والعود حتى احتاج
стр. 1157
إلى القرض فاستدان على ذمته (٥٠٤) من التجار بمكاسب كثيرة وافرة جعلها لهم بحيث حصل لهم في ثلاث مئة دينار سبع مئة دينار ربحا، ثم بعثها إليهم بالرّاجح.
قال ابن أمير حاجب:
وبعث لي خمس مئة مثقال ذهبا على سبيل الافتقاد، وأخبرني ابن أمير حاجب:
أنّ المعاملة في بلاد التكرور بالودع، وأنّ التجار أكثر ما تجلب إليهم الودع وتستفيد به فائدة جليلة، انتهى كلام ابن أمير حاجب.
قلت: وقد كان بلغني أول قدومي مصر وإقامتي بها حديث وصول هذا السّلطان موسى حاجا، ورأيت أهل مصر لهجين بذكر ما رأوه من سعة إنفاقهم (١) فسألت الأمير أبا العبّاس أحمد بن الجاكي المهمندار (٢) رحمة الله عليه عنه، فذكر ما كان عليه هذا السلطان من سعة الحال والمروءة والدّيانة، وقال:
لما خرجت لملتقاه أعني من جهة السلطان الأعظم الملك الناصر أكرمني إكراما بليغا، وعاملني بأجمل الآداب، ولكنه كان لا يحدثني إلاّ بترجمان مع إجادة معرفته للتكلم باللسان العربيّ، ثم إنّه قدّم للخزانة السلطانيّة جملا كثيرة من الذّهب المعدنيّ الذي لم يصنع وغير ذلك، وحاولته أن يطلع للقلعة (٣) ويجتمع بالسّلطان فأبى عليّ وامتنع، وقال: أنا جئت لأحجّ لا لشيء آخر وما أريد <أن> أخلط حجي بغيره، وشرع في الاحتجاج
стр. 1158
بهذا، وأنه أفهم أنه يرى الحضور نقصا عليه لما يضطرّ إليه من تقبيل الأرض أو اليد، وبقيت أحاوله وهو يتعلّل ويعتذر والمراسم السلطانيّة تتقاضاني في إحضاره، فما زلت به حتى وافق، فلما حضر إلى حضرة السلطان قلنا له: قبّل الأرض، فتوقف وأبى إباء ظاهرا وقال:
كيف يجوز هذا، فأسرّ إليه رجل عاقل كان معه كلاما لا نعلمه، فقال: أنا أسجد لله الذي خلقني وفطرني، ثم سجد وتقدّم إلى السلطان فقام له بعض قيام، وأكرمه وأجلسه إلى جانبه، وتحادثا حديثا طويلا، ثم خرج السلطان موسى، وبعث إليه السلطان (٥٠٥) بعدّة من الخلع الكاملة له ولأصحابه ولكلّ من حضر معه، وخيلا مسرجة ملجمة ولأعيان من معه، وكانت خلعته طرد وحش (١) [بقصب] (٢) كثير بسنجاب مقندس (٣) مطرز بزركش (٤) على مقترح إسكندريّ (٥)، وكلوتة زركش (٦) وكلاليب (٧) ذهب و [شاشا] (٨) [بحرير ورقم] (٩) خليفتي، ومنطقة ذهب مرصعة و [سيفا محلى ومنديلا مذهبا خزّا،
стр. 1159
وأعلاما] (١) وفرسين مسرجين ملجمين بمراكب ثقل (٢) محلاة وأجرى عليه الإنزال والإقامات الوافرة مدّة مقامه، فلما آن أوان الحجّ بعث إليه دراهم [كثيرة وجمالا وهجنا خاصة] (٣) كاملات الأكوار والعدد لمراكبه و [هجنا] (٤) [أتباعا] (٥) لأصحابه ومن حضر معه، وأزواد <اً> جمّة، ور كز له العليق في الطريق، ورسم لأمراء الركب بإكرامه واحترامه، ثم لما عاد تلقيته وأنزلته، واستمرّ على علوفاته وإنزاله، وأرسل إلى السلطان متبركا من هدايا الحجاز الشّريف، فقبله السلطان منه، وبعث إليه بالخلع الكوامل له ولأصحابه والألطاف والثوابي من البزّ الإسكندري والأمتعة الفاخرة ثم عاد إلى بلاده.
قال المهمندار:
ولقد أفاض هذا الرجل بمصر فيض الإحسان، لم يدع أميرا مقرّبا ولا ربّ وظيفة سلطانيّة حتى وصله بجملة من الذهب، ولقد كسب أهل مصر عليه وعلى أصحابه في البيع والشّراء والأخذ والعطاء ما لا يحصر، وبذلوا الذهب حتى أهانوا في مصر قدره، وأرخصوا سعره.
قلت: ولقد صدق المهمندار فإنّه حكى مثل هذا غير واحد، ولما مات المهمندار وجد الديوان فيما خلّفه آلافا من الذّهب المعدنيّ مما أعطاه له باقيا على حاله في ترابه لم يصنّع.
وحدّثني خلق من تجار مصر والقاهرة عمّا حصل لهم من المكاسب والربح عليهم، فإنّ الرجل منهم كان يشتري القميص أو الثوب أو الإزار وغير ذلك بخمسة دنانير (٥٠٦) وهو لا يساوي دينارا واحدا، وكانوا في غاية سلامة الصّدر والطّمأنينة يجوّز عليهم مهما جوز
стр. 1160
عليهم، ويأخذون كلّ قول يقال لهم بالقبول والصّدق، ثم ساءت ظنونهم بأهل مصر غاية الإساءة لما ظهر لهم من غشّهم لهم في كلّ قول، وفي تزاحمهم المفرط عليهم في أثمان ما يباع عليهم من الأطعمة والسّلع حتى لو رأوا اليوم أكبر أئمة العلم والدين، وقال لهم إنّه مصريّ امتهنوه، وأساؤوا به الظنّ لما رأوا من سوء معاملتهم لهم.
وحدّثني مهنّا بن عبد الباقي العجرميّ الدليل أنّه كان في صحبة السلطان موسى لما حجّ، وأنّه أفاض على الحجيج وأهل الحرمين سجال الإحسان، وكان في غاية التجمّل وحسن الظنّ في سفره هو ومن معه، وتصدّق بمال كثير، قال:
ونابني منه نحو مئتي مثقال من الذّهب، وأعطى رفاقي جملا أخرى، وبالغ مهنا في وصف ما رآه منه من الكرم وسعة النفس ورفاهيّة الحال.
قلت: ولقد كان الذهب مرتفع السّعر بمصر إلى أن جاءوا إليها في تلك السّنة، كان المثقال لا ينزل عن خمسة وعشرين درهما وما زاد عليها، فمن يومئذ نزلت قيمته، ورخص سعره، واستمرّ على الرخص إلى الآن لا يتعدّى المثقال اثنين وعشرين درهما وما دونها، هذا من مدة تقارب اثنتي عشرة سنة إلى الآن لكثرة ما جلبوا من الذّهب إلى مصر وأنفقوه بها.
قلت: ولقد جاء كتاب من هذا السّلطان إلى الحضرة السلطانيّة بمصر وهو بالخطّ المغربيّ في ورق عريض، السّطر إلى جانب السّطر، وهو يمسك فيه ناموسا لنفسه مع مراعاة قوانين الأدب كتبه على يد بعض خواصّه ممن جاء يحجّ، ومضمونه السّلام والوصية بحامله، وجهّز معه على سبيل الهدية خمسة آلاف مثقال من الذّهب.
وبلاد مالّي وغانة وما معها يسلك إليها من (٥٠٧) غربيّ صعيد مصر على الواحات (١)
стр. 1161
في برّ مقفر تسكنه طوائف من العرب ثمّ من البربر إلى عمران يتوصّل منه إلى مالي وغانة وهي مسامتة لجبال البربر في جنوب مرّاكش وما يليها في قفار طويلة وصحار ممتدة موحشة.
وحدّثني الفقيه العلاّمة أبو الرّوح عيسى الزّواويّ (١)، قال:
حدّثني السلطان موسى منسى أن طول مملكته نحو سنة، وبمثل هذا أخبرني عنه ابن أمير حاجب، وأما ما قاله الدكّاليّ فقد تقدم ذكره، وهو أنها أربعة أشهر طولا في مثلها عرضا (٢)، وقول الدكّاليّ أثبت لأن موسى منسى ربما عظّم شأن ملكه.
قال الزّواويّ:
قال لي هذا السّلطان موسى إنّ عنده في مدينة اسمها تكرا (٣) معدن النّحاس الأحمر تجلب منه القضبان إلى مدينة ييتي (٤)، قال، وقال: ليس في مملكتي شيء يمكس سوى هذا النّحاس المعدنيّ الذي يجلب فإنه خاصة لا غير ونحن نبعثه إلى بلاد السودان الكفار نبيعه <كلّ > وزن مثقال بثلثي وزنه [ذهبا] (٥)، فنبيع كلّ مئة مثقال من النحاس بستة
стр. 1162
وستين مثقالا من الذهب وثلثي مثقال، قال:
وقال لي: إن عنده أمما من الكفار في مملكته وهو لا يأخذ منهم جزية وإنما يستعملهم في استخراج الذهب من معادنه، وقال لي: إن معادن الذهب تحفر الجورة عمق قامة أو ما يقاربها فيوجد الذهب في جنباتها وربما يوجد مجتمعا في سفل تلك الحفائر.
وملك هذه المملكة في جهاد دائم وغزو ملازم لمن جاوره من كفّار السودان، وهم أمم لا يستوعبهم الزمان.
قال لي الدكّاليّ:
وأهل هذه المملكة كثير فيهم السحر والسّم ولهم عناية بهما وتدقيق فيهما، وعندهم حشائش وحيوانات يركّبون منها السموم القتالة ولا سيما من نوع السمك، يوجد عندهم ومرارات التماسيح، فإنها سموم لا دواء لها.
وحدّثني الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن الصّائغ الأمويّ قال:
حدّثني الوزير أبو عبد الله محمد بن زاغنوه [من] (١)(٥٠٨) أهل بلدنا المريّة بالأندلس، وهو ثقة من الفقهاء العلماء، قال:
ركبت في مركب لتجارة لي مع جملة تجار من فم الإيلاية وهو مدخل البحر المحيط قاصدين بعض بلاد <برّ> العدوة، فلعبت بنا الريح، و [تقاذفتنا] الأمواج إلى أن عدّينا المكان المقصود، وتمادى بنا الحال إلى أن عجزنا عن الإرساء إلى البرّ، ولم نزل على هذا نتغلغل في المحيط إلى الجنوب إلى أن دفعنا في ظلمات ممتدة إذا أخرج الإنسان بها يده لم يكد يراها، وأيقنا بالهلاك لوقوعنا في الظلمات، ثم لطف الله بسكون الريح فدارينا المركب، ورفقنا به وقصدنا جهة البرّ إلى أن وصلنا إلى البرّ وأرسينا به وخرجنا نطلب الخلاص لأنفسنا، فرأينا
стр. 1163
أعلام مدينة فقصدناها فوجدنا بها أمة من السودان لما رأونا بيضا عجبوا منا واعتقدوا أنا صبغنا جسومنا بالبياض، فحكّوا جلودنا باللّيف، فلما ظهر لهم أنها خلقة بقي كلّ واحد منهم يتعجب ويتحدثون بذلك بعضهم مع بعض، فأقمنا عندهم فوجدنا غالب أكلهم لحوم الثعابين والحيّات، وهي كثيرة في أرضهم جدا يتصيدونها ويأكلون لحومها ليس بأرضهم نبات ولا مرعى، فأقمنا عندهم مدة حتى خرج منهم ناس إلى بلاد مجاورة لهم في بعض أشغالهم فخرجنا معهم ثم تنقلنا من مكان إلى مكان إلى <أن> وصلنا إلى برّ العدوة.
وحدّثني أبو عبد الله بن الصائغ أن الملح معدوم في داخل بلاد السودان، فمن الناس من يغرر ويصل به إلى أناس منهم يبدّلون نظير كلّ صبرة ملح [مثلها] (١) من الذهب، قال:
وحدّثت أنّ من أمم السودان الداخلة بل لا يظهر لهم (٢) بل إذا جاؤوا وضعوا الملح ثم غابوا فيضع السودان إزاءه الذهب، فإذا أخذ التجار الذهب أخذوا هم الملح.
وحكى لي عيسى الزواويّ قال:
حدّثت أنّ رجلا دخل بملح، ووصل إلى مدينة من مدن كفّار السّودان <قال> فأهديت إلى ملكها شيئا من الملح فقبله وبعث إليّ (٥٠٩) بجاريتين من أحسن السّودان صورة، ثم حضرت عنده بعد أيام فقال: بعثنا إليك بتلك الجاريتين فاذبحهما وكلهما لأنّ لحمهما أطيب ما يؤكل عندنا فلأيّ شيء ما ذبحتهما، فقلت: ما يحلّ هذا عندنا، قال: فأيّ شيء تأكل؟ قلت: لحم البقر والغنم، فبعث ببقر وغنم، قال: وحدّثت أيضا أنّ في بلاد هؤلاء السودان جبلا عاليا لا يمكن الصعود إليه، به أنواع من الفواكه والثمار، ولا سبيل لهم إليها إلا بما ألقت إليهم الرياح مما يتساقط من أوراقها وثمارها.
стр. 1164
قلت: ولم يذكر هذا عن بلاد الكفار، وإن كان ليس من شرطنا، لكني ذكرته لغرابته وزيادة فائدة، ولأنه يتعلق ببلاد السودان.
وأما ما أقوله فإنّه قد كثر القول عمن يأكل من السودان لحوم الناس، وهم الذين بلادهم متوغلة في غاية الجنوب، ومنهم من الزّنج.
قال الجاحظ في كتاب "البيان والتبيين":
وقد ذكرنا الزّنج وإنهاء ثناياها (١)، قال (٢): سألت مباركا الزّنجي الفشكار (٣)، فقلت: لم تنزع الزّنج ثناياها؟ ولم [يحدّد <د>] ناس منهم أسنانهم؟ فقال: أما أصحاب التحديد فللقتال والنّهش، ولأنهم يأكلون لحوم الناس، ومتى حارب ملك ملكا فأخذه قتيلا أو أسيرا [أكله] (٤)، وكذلك إذا حارب بعضهم بعضا أكل الغالب منهم المغلوب، وأما أصحاب [القلع] (٥) فإنهم نظروا إلى مقادم أفواه الغنم فكرهوا أن تشبه مقادم أفواههم مقادم أفواه الغنم.
стр. 1165
الباب الحادي عشر في مملكة جبال البربر
стр. 1166
<في مملكة جبال البربر (١) > وبلاد السودان أيضا مثلثة: ثلاثة ملوك [مستقلين مسلمين] (٢) بيض من البربر: سلطان أهير، وسلطان دموسة، وسلطان دامكّة.
هؤلاء الملوك الثلاثة البيض ملك أهير ودموسة (٣) وتادمكّة (٤)(٥١٠) ثلاثتهم ملوك مسلمون في جنوب الغرب <الأقصى> بين برّ العدوة مملكة السلطان أبي الحسن (٥) وبين بلاد مالّي وما معها، وكلّ واحد منهم ملك مستقل بنفسه لا يحكم أحد منهم على الآخر، وأكبرهم ملك أهير.
وهم بربر زيّهم نحو زيّ المغاربة دراريع إلا أنها أضيق، وعمائم بأحناك، وركوبهم الإبل، ولا خيل عندهم ولا للمرينيّ عليهم حكم، ولا لصاحب مالّي (٦)، وعيشهم عيش أهل البرّ من اللحوم والألبان، والحبوب قليلة عندهم.
وحدّثني الشيخ سعيد الدكّاليّ أنّه مرّ بهم في بعض أسفاره ولم يقم عندهم، وهم في قلة أقوات.
стр. 1167
وحدّثني الزواويّ أن لهؤلاء البربر جبالا عامرة كثيرة الفواكه، وقال: إن [كلّ ما] (١) بأيدي هؤلاء الثلاثة يجيء قدر نصف ما [لملك] (٢) مالّي أو أرجح بقليل، وإنما ذلك أكثر دخلا لقربه من بلاد الكفار، وبها منابت الذّهب، وهو قاهر عليهم، ودخله كثير بهذا السبب وبكثرة ما يباع بمملكته من السلع وما يكتسبه في الغزوات من بلاد الكفار بخلاف هؤلاء فإنّ بلادهم جدبة ولا يد تمتد لهم إلى كسب، وغالب أرزاقهم من دوابّهم، ودون هؤلاء مما بينهم وبين مرّاكش جبال المصامدة (٣)، وهم خلق لا يعدّ وأمم لا تحصى، وهم يفخرون بالشجاعة والكرم، فيهم أعيان الكرماء وبهم تظلّ [سواكب] (٤) الدماء، وقد كانوا لا يدينون لسلطان من سلاطين برّ العدوة، ولا يقدر أحد من ملوكها يفتل لهم في غارب ولا ذروة، وقد وصلت الآن إلينا الأخبار بأنهم قد دانوا للسلطان أبي الحسن صاحب برّ العدوة الآن، وقد دخلوا تحت ذيل طاعته، وتقرب كلّ منهم إليه بما فيه وبما في قدر استطاعته، على أنهم لا يملّكون لأحد قيادهم، ولا يسلمون إليه بلادهم، وهم معه على كلّ حال، بين صحة واعتلال، وهذا ما انتهى إلينا من أخبارهم.
стр. 1168
(٥١١) الباب الثاني عشر في مملكة إفريقيّة
стр. 1169
<في مملكة إفريقيّة > هي مملكة عظيمة ولها شهرة عظيمة، صحيحة الهواء، عذبة الماء، وسيعة المدى. كانت في أول منشأ الدولة الفاطمية (١) [مقرّ] (٢) ملكهم، طلعت بها شمسهم من المغرب، وظهرت آية المتعجّب، ثم صارت إلى بني باديس (٣)، واستقلوا بأعبائها، وامتدت لهم فيها أيام قضوا بلهنيتها، وبلغوا أمنيتها، ثم كانت في أيام جدود ملوكها الآن (٤)، ذات عزّ
стр. 1170
وسلطان، امتدّت بها مهابة الأمير أبي زكريّا (١)، وادّعى بها ابنه المستنصر (٢) الخلافة لما غلب على السبعة ملوك المنازلين له من الفرنج، ولم يخرج بنفسه إلى لقائهم، وإنما اكتفى بإخراج سبعة قواد نازلوهم ونصبوا محلاتهم بإزاء محلاتهم (٣) وليس هذا مما نحن بصدده.
وإفريقيّة اسم الإقليم، وقاعدة الملك بها مدينة تونس وأضيف إليها مملكة بجاية ومملكة تدلس (٤) يكون طولها خمسة و [ثلاثين] (٥) يوما، وعرضها [عشرين] (٦) يوما، وطولها من تدلس إلى حدود برقة (٧)، وطرابلس أول مدنها مما يلي برقة، وتدلس آخر مدنها مما يلي الغرب الأوسط.
стр. 1171
وحدّها من الجنوب الصحراء الفاصلة بينها وبين بلاد جناوة (١) المسكونة بأمم من السودان، ومن الشرق آخر حدود طرابلس وهي داخلة من المحدود.
ومن الشّمال البحر [الشماليّ] (٢) البحر الشاميّ، ومن الغرب آخر حدود تدلس لجزائر بني مزغنّة (٣) آخر عمالة صاحب برّ العدوة، وملوكها الآن من بني أبي حفص (٤) أحد العشرة أصحاب محمد بن تومرت (٥) أصحاب المغرب.
وحدّثني الشيخ العلامة ركن الدين أبو عبد الله محمد بن القويع القرشيّ التونسيّ (٦) أنها بلاد خصب تزرع على الأمطار، ومعاملتها من الدراهم (٥١٢) نوعان: أحدهما يسمى القديم، والآخر الجديد ووزنهما واحد، ولكن نقد الجديد خالص [الفضة]، (٧) ونقد القديم
стр. 1172
مغشوش بالنحاس [للمعاملة]. (١) وإذا قيل: درهم ولم يميز يراد به العتيق، وتفاوت ما بينه وبين الجديد أن كلّ عشرة [دارهم] (٢) عتق [بثمانية] (٣) [دراهم] (٢) جدد، وفي مصطلحهم أنّ كلّ عشرة دراهم من العتق دينار، وهذا الدينار هو دينار مسمى لا حقيقة له كالرائج بإيران والجيشيّ بمصر.
ورطلها ست عشرة أوقية، وزن الأوقية أحد وعشرون درهما من دراهمها، والكيل اثنان:
قفيز وصحفة، فأما القفيز فهو ست عشرة ويبة كلّ ويبة اثنا عشر مدّا قرويا يقارب المدّ النبويّ، وهي ثمانية [أمداد] (٢) بالكيل الحفصيّ، والحفصيّ هو كيل قرره ملوكها الحفصيون آباء ملوكها الآن [بقدر مدّ ونصف من المدّ المقدم ذكره] (٢)، وأما الصّحفة فهي عشر صحاف كلّ صحفة اثنا عشر مدّا بالحفصي (٤).
وأوسط الأسعار بها في غالب أوقاتها كلّ قفيز [من القمح] (٢) بخمسين درهما من العين، والشعير دون ذلك.
والموجود بها من الحبوب القمح، والشعير، [والحمّص] (٢)، والفول، والعدس، والذّرة، والدّخن، والجلبان، والبسلّة وتسمى بإفريقيّة النسيم (٥)، وأما الأرزّ فمجلوب إليها، وبها
стр. 1173
من الفواكه العنب والتين كلاهما على أنواع، والرمان الحلو والمزّ والحامض، والسّفرجل، والتفاح، والكمّثرى، والعنّاب، والزعرور، والخوخ أنواع، والمشمش أنواع، والتوت الأبيض والأسود المسمى بالفرصاد، والعين (١)، والقراسيا، والزيتون، والأترجّ، والليمون، والليم، والنّارنج، وأما الجوز فقليل، وكذلك النخل، وأما الفستق والبندق فلا يوجد، وكذلك الموز، وبها فاكهة أخرى تسمى مصغ دون الجوزة المقشورة الصغيرة وأكبر من البندقة يجيء في زمان الشتاء، وطعمه بين الحموضة والقبض شبيه بطعم السفرجل، ولونه بين الحمرة والصّفرة وله نوى وهو يقطف من شجر <هـ> فجّا ثم يلبّس ويثقّل ويدفّأ [كما يعمل بالموز فينضج ويؤكل حينئذ] (٢).
(٥١٣) قلت: وهذا ذكره ابن وحشية في كتابه "الفلاحة النبطية".
وأما قصب السكر فيوجد منه ما قلّ بها ولا يعتصر، وبها البطيخ الأصفر على أنواع، والبطيخ الأخضر، ولكنه قليل ويسمى بها خاصة وبالغرب عامة الدلاع، وبها الخيار والقثّاء، وبها اللوبيا، واللّفت والباذنجان والقرنبيط والكرنب والبقلة اليمانية واسمها بليدس (٣)، والرّجلة (٤) [والخسّ] (٥)، والهندباء على أنواع وسائر البقول والملوخية ولكنها قليلة وبها الهليون (٦)
стр. 1174
والصّعتر، والشّمار بريّة كلّها [و] (١) بها الرياحين: الآس، والورد، ومعظمه أبيض، والياسمين، والنّرجس، والنيلوفر الأصفر، والتّرنجان، والمنثور، والمرزنجوش (٢)، والبنفسج، والسّوسن، والزّعفران، والحبق، والنّمام (٣).
وبها من الدوابّ الخيول العراب المشابهة لخيل برقة، والإبل، والبغال، والحمير، والبقر، والغنم، والمعز، وبها الإوزّ ولكن قليل، وأنواع الصيد من الكركيّ ويسمى عندهم الغرنوق، وكذلك الوحش بها الحمر الوحشية، والبقر، والنعام، والغزال وغير ذلك، وغالب سعر لحم الضّأن كلّ رطل إفريقيّ بدرهم عتيق، وبقية اللحوم دونه في القيمة، وفي الربيع يكثر ويرخص غير هذا رخصا كثيرا، والدجاجة الجيدة بدر همين جديدين، وأحوالها مقاربة للديار المصرية في مثل ذلك لقرب المجاورة.
وأما مدنها الكبار، فالقاعدة تونس والمشرقيات على الساحل: سوسة (٤)، والمهدية (٥)،
стр. 1175
وصفاقس (١)، وقصر زياد، وقابس (٢)، والمغربيات على الساحل: بنزرت (٣) وبلد العنّاب وهي: بونة (٤)، والقلّ (٥)، وجيجل (٦)، وبجاية، وتازروت (٧)، وآزفون، وتدلس وقبلي تونس إلى الجنوب القيروان (٨)، وجنوبيّها بلاد الجريد (٩) وأمّها توزر (١٠)، وبقربها
стр. 1176
تقيوس (١)، وهي ثلاث بلاد ذات نخيل وزيتون، وكامة البهاليل بين توزر وتونس على طريق القيروان <و> قفصة (٢) ذات نخيل وزيتون، وبغربي توزر على نصف يوم منها نفطة (٣)، وغربي تونس بعيدا من البحر باجة (٤)(٥١٤) على يومين منها، وبالقرب خولان على نهر بجردة (٥) في جنوبيّهما بغربي تونس جامة (٦)، وتبرسق، وكسرة، وبالقرب من ذلك مما يلي الغرب الأربس (٧)، وشقبناريّة، وفي [القرب] (٨) منها مما يلي الغرب أبّة (٩)، وهي قصور مجتمعة نحو مئة وخمسين (١٠) قصرا، وبالقرب منها على
стр. 1177
مسيرة يوم قلعة سنان، وهي قصر لا يعرف على وجه الأرض أحصن منه على رأس جبل منقطع عن سائر الجبال [ليس في رأسها ماء إلا المطر بها خمس مراحل نقر في حجر] (١)، وهو جبل عال يقصر سهم العقّار عن الوصول إليه ويرتقى إليها من سلّم نقر في حجر طوله مئة وتسعون درجة وبأسفلها قصبة بها عين ماء وبها فواكه وثمار.
ومن عمالتها قسنطينة (٢)، وهي بلد <ة> كبيرة متحضرة بها غاية الحصانة والمنعة.
فأما تونس فهي قاعدة الملك وبها مما يليها بجاية قاعدة ملك ثانية، وهي مدينة مسوّرة في وطاءة من الأرض بسفح جبل يعرف بأمّ عمرو، ويستدير بها خندق حصين وثلاثة أرباض كبيرة من جهاتها، وأرضها سباخ (٣)، وبها قصبة وهي القلعة في مصطلح المغاربة هي سكن السلطان، وجميع بناء تونس بالحجر والآجرّ [وأبنيتها] (٤) مسقوفة بالأخشاب وتفرش ديار أكابرها بالرّخام، ومنذ خلا الأندلس من أهله وآووا إلى جناح ملوكها مصّروا إقليمها ونوعوا بها الغراس فكثرت متنزّهاتها، وامتدّ بسيط بساتينها على بحيرة من البحر الشاميّ خارجة إلى شرقيّها من فم ضيق.
قال أبو عبيد البكريّ:
دورها أربعة وعشرون ميلا في وسطها جزيرة يقال لها سكلة لا ساكن بها، وربما يركب إليها السلطان ويقطع في المراكب إليها زمان الربيع ويضرب أخبيته بها، ويقيم للتنزّه فيها
стр. 1178
أياما ثم يعود، على أنه لا ماء فيها ولا مرعى، ولكن لما تشرف عليه من البساتين المستديرة بتلك البحيرة وما فيها من الجواسق المشرفة ومنظر البحر.
وبتونس ثلاث مدارس: السماعية، والمعرضية، ومدرسة الهواء.
وبها الحمامات والأسواق (٥١٥) الجليلة، ويعمل بها القماش الإفريقيّ وهو ثياب رفاع من القطن والكتّان معا، ومن الكتّان وحده، وثيابها أمتع من النصافي البغدادي وأحسن، وهو أجلّ كساوي المغرب، وللسلطان بستانان أحدهما ملاصق <أ> رباض البلد اسمه رأس الطابية، والآخر بعيد من البساتين اسمه أبو فهر بينه وبين البلد نحو ثلاثة أميال، والماء مساق إليهما من ساقية زغوان من جبل (١) بعده يومان من تونس، ويدخل القصبة منه فرع وليس لأهل تونس شرب إلا من الآبار أشهرها بئر طبيان، وبالبيوت صهاريج تجمع مياه الأمطار لغسل القماش وغير ذلك.
وأما بجاية (٢) فهي مدينة قديمة مسوّرة (٣) أضيف إلى جانبها [ربض] (٤) أدير على سور ضامّ لنطاق المدينة فصارا به كالشيء الواحد، والرّبض في وطاءة، والمدينة القديمة المتصلة به في سفح جبل (٥) يدخل إليها جون من البحر الشاميّ يعبر بالمراكب إليها، وبها عينان اثنتان من الماء إحداهما كبيرة منها شرب أهل البلد، ولها نهر جار على نحو ميلين منها تحفّ به البساتين ليس إلا أن يصبّ في البحر الشاميّ، وبضفتيه بستانان للسلطان
стр. 1179
متقابلان شرقا وغربا، الشرقيّ يسمى الرفيع (١)، ويسمى الغربيّ البديع هما مكان فرجته، ومحلّ نزهته، وفيهما يقول محمد بن محمد المكوديّ القابسيّ بديها حين رآهما:
<الكامل>
هذا البديع كما رأيت بديع … وكذا الرفيع كما عهدت رفيع
هذي معاهد كلّها معشوقة … والحسن فيها كلّه مجموع
وهي ثانية تونس في الرتبة والحال، وجميع المعاملات والموجودات والأحوال.
ولبجاية حصانة عظيمة ومنعة، ولها رفق كثير بمدخل السفن إليها من البحر.
وبقية مدن إفريقيّة جميعها ممنّعة ممدنة ذوات جوامع ومساجد وحمامات وطواحين وأسواق وديارات سريّة لكنها عاطلة من حلي البرّ والمعروف لا يكاد يوجد بها مدرسة ولا خانقاه ولا زاوية ولا رباط (٥١٦) ولا مارستان إلا فاس ومرّاكش وإن لم يبلغا أدنى رتب أمثالهما، ولا تعلّقا بأذيالهما على أنّ الذي بمرّاكش أجود وسيأتي ذكرهما في موضعه.
وحدّثني أقضى القضاة أبو الروح عيسى الزواويّ أن أبواب ملوك إفريقيّة كبيرة فإذا جلس سلطانها جلس حوله ثلاثة للرأي والمشورة، ويجلس دونهم عشرة من أكابر أشياخه، وقد يكون هؤلاء الثلاثة من العشرة المذكورين، وبعد هؤلاء خمسون نفرا (٢) فإذا أمر السلطان بأمر بلّغه وزير الجند لآخر واقف وراءه، وبلّغه الآخر الآخر، وبلّغه الآخر لآخر إلى أن يسمع الأمر السلطانيّ من خارج الباب بنقل أناس [عن ناس] (٣) كما ذكرنا.
стр. 1180
ويقف جماعة تسمى الوقافين بأيديهم السيوف حوله وهم دون الخمسين المذكورين في الرتبة.
وأما ركوبه إلى صلاة العيدين أو إلى سفر فهو على ما يذكر يركب السلطان ويمشي إلى جانبه رجلان مقلّدان سيفين رجّالة إلى جانبه يمسك أحدهما بركابه اليمين والآخر بركابه اليسار، ويليهما جماعة رجّالة من أكابر دولته مثل الثلاثة أصحاب الرأي والعشرة الذين يلونهم ومن يجري هذا المجرى من أعيان الجند، وتسمى هذه الجماعة ايربان يمشون حوله بالسيوف، وبأيديهم عكاكيز.
قال الزواويّ:
وربما مشى في هؤلاء قاضي الجماعة، وهو عندهم قاضي القضاة، وقدام هؤلاء الجماعة المشائين نفر كثير من الموجودين <من> أقارب السلطان بسيوف ومزاريق ويسمون بالمشاين (١)، وقدامهم جماعة جفاوة (٢) [وهم عبيد سود بأيديهم حراب في رؤوسها رايات من حرير وهم لابسون جبابا بيضا مقلّدون بالسيوف] (٣)، وقدامهم عبيد المخزن، وهو اسم لعوام البلد ينادى فيهم ليلة العيد أو ركوب السلطان لسفر فيخرج أهل كلّ صناعة ويبيت بظاهر البلد، فإذا أصبح مشوا قدام كفاوة وبأيديهم الدّرق والسيوف، ومعهم العلم الأبيض المسمى عندهم "العلم المنصور" [محمول] (٤) بيد فارس وأهل الأسواق (٥١٧) [المسمّون] (٥) بعبيد المخزن وحوله كما ذكرنا.
стр. 1181
وعلى يمين السلطان فارس وعلى يساره فارس هما من أكابر أشياخه من العشرة المقدّم ذكرهم.
وخلف السلطان فارس إليه أمور الأعلام والصّناجق يقال له صاحب العلامات مثل أمير علم، ووراءه أعلام القبائل، ولكلّ قبيلة في علمها ما تمتاز به من الكتابة، والكتابة مثل: لا إله إلا الله، أو الملك لله أو ما يناسبهما، ووراء الأعلام الطبول والبوقات وأصحاب النفير، وخلفهم فرسان يعرفون بمحركي الساقة بأيديهم عصيّ يرتّبون الناس، وهؤلاء هم بمنزلة النقباء.
وخلف هؤلاء العسكر والجند، والفارس الذي على يمين السلطان إليه أمر دقّ الطبول، يقول: دقّ فلان باسم كبير الطبالة.
ويخرج السلطان لصلاة العيدين من طريق، ويعود من أخرى، وهذا هو زيّ ملوك هذه المملكة وترتيبهم في الخروج للعيدين والأسفار، ولا يزال من حول السلطان ممن ذكرنا أنهم يمشون بقدر ساعة ثم يركبون و [يطوف] (١) بالسلطان جماعة يقرءون حزبا من القرآن الكريم، ثم يقف السلطان ويدعو ويؤمن الجند على دعائه، ويؤمن الناس على تأمينه، ويجدّ السلطان والناس السير فإذا كانوا في فضاء كان مشيهم على هذا الترتيب [وإن ضاق بهم الطريق مشوا كيف جاء على غير ترتيب] (٢) إلا أنّ السلطان لا يتقدم عليه جنده، فإذا قربوا من المنزلة وقف السلطان ودعا وأمّن على دعائه كما تقدم.
وأعلام هذا السلطان الذي تحمل له سبعة أعلام التي تحمل وراءه الأوسط أبيض وإلى جانبه أحمر وأصفر وأخضر.
стр. 1182
قال العلامة أبو عبد الله محمد بن القويع: ولا أتحقق كيف ترتيبها.
وقد ذكر ابن سعيد أن شعار سلطان إفريقيّة يوم الجمعة لا يجتمع بأحد بل يخرج عندما ينادي المنادي [بالصلاة] (١) ويشقّ رحبة قصره ما بين خواص من المماليك الأتراك، فعندما يعاينونه ينادون: سلام عليكم نداء عاليا من صوت واحد يسمعه من يكون بالمسجد الجامع، ثم يتقدمه وزير الجند بين يديه في ساباط (٢) يخرج هناك للجامع (٥١٨) عليه باب مذهب سلطاني، والوزير لا يخرج معه من هذا الباب بل يسبق فيفتح الباب، ويخرج السلطان منه وحده، ويقوم له جماعة الوقافين من أعيان الدولة، ولا يقوم له في الجامع غيرهم، وليس له مقصورة مخصوصة، فإذا انفصل عن الصلاة قعد في قبة كبيرة له في صدر الرحبة، وحضر عنده أقاربه ثم يدخل قصره.
قال: وربما خرج إلى بستان له من أعظم ما تهمّمت ببنيانه الملوك، واحتفلت بغرسه السلاطين، ويخرج في نحو مئتي فارس من شباب أرباب دولته يعرفون بالصّبيان يوصلونه إلى البستان ويرجعون، ويبقى وزراؤه نوابا له وهم ثلاثة: وزير الجند، وهو بمنزلة الحاجب بمصر، ووزير المال وهو المسمّى صاحب الأشغال، ووزير الفضل وهو كاتب السرّ، ومهما تجدّد عند كلّ واحد منهم أمر يطالعه بالمكاتبات فيما يتعلق بشغله المنوط به، ويجاوبهم بما يراه.
قلت: وركوبه إلى البستان في زقاق من قصبته إلى البستان محجوب بالحيطان لا يراه فيه أحد، والمشهور أنّ سلطانها الآن قليل الرّكوب، فإذا ركب إلى البستان لا يكون معه إلا جواريه وخدمه.
стр. 1183
قال [ابن] (١) سعيد:
ويوم السبت مخصوص عنده لأن يقعد في القبة الكبيرة، يعني بقصبته ويحضر عنده أعيان دولته وأقاربه والأشياخ، والجانب الأيمن لأقاربه والأيسر للأشياخ، وبين يديه وزير الجند ووزير المال وصاحب الشرطة والمحتسب وصاحب كتب المظالم، قلت: هو الموقع على القصص، قال:
ويقرأ - يعني قصص المظالم - الكاتب المعين بما وقع إليه، ويردّ إلى وظيفة القصّة المتعلقة بوظيفته وينفّذ الباقي (٢).
قلت: والمشهور على ألسنة التونسيين أنّ سلطانهم الآن كثير الاحتجاب بخلاف جميع سلفه، قليل الاعتناء بالنظر في مصالح أهل دولته ورعاياه، مقتصر على لذاته مع ما هو عليه من الشجاعة والإقدام وإباء النفس، ويحكى عنه في أوائل طلبه للملك ومنازعته الثوار عليه ما أقرت له به الأبطال، وقرت بزلزلته الجبال، ويدلّ على قوله فعله، وعلى فعله (٥١٩) قوله (٣): <البسيط>
انظر إلينا ترانا (٤) ما بنا دهش (٥) … وكيف يطرق أسد الغابة الدّهش
стр. 1184
لا تعرف الحادث المرهوب أنفسنا … فإنّنا بارتكاب الموت ننتعش
من كفّ ظبي سقاني من مدامته … لنرتوي عطشا فازداد بي العطش
كأنّ وجنتها من حمرة شفق … وشعرها غسق بالجسم مفترش
فالقوس حاجبها والسّهم مقلتها … وإن فررت فإنّ السالف الخلس (١)
فانظر ما نطق به أول هذه الأبيات من إقدامه ثم ما جذبته إليه دواعي النفس من ذكر حبيبه ومدامه.
وأما ما هو ممحض بوصف شجاعته وجلده فهو قوله (٢): <الطويل>
وأزماننا لم تعد عنها (٣) الغرائب … مواطننا في دهرهنّ عجائب
مواطن لم تحك التواريخ مثلها … ولا حدّثت عنها الليالي الذواهب
وأدلّ ما فيها على فعله قوله في الاعتذار عن هزيمة لاقى بها كلّ عظيمة: <الطويل>
ومن قاتل الصفّين وامتاز مانعا … وقد نهلت منه الظّبى وهو غالب
قال هذه الأبيات التي هي من قصيدة طويلة عقيب وقعة جرت بينه وبين قواد السلطان أبي تاشفين عبد الرحمن (٤) صاحب تلمسان قريب قلعة سنان، وثبت لملاقاة عدوّه ثباتا
стр. 1185
كثيرا، وقد انهزم كلّ جنده حتى جرح ثلاث جراحات، وأخذ له ولدان (١) من أولاده وحظا <يا> هـ فقال هذه الأبيات، ومدح في آخرها سلطان المغرب (٢) وذكر فيها بعثه ولده أبا زكريا (٣) في البحر لاستنجاده فمدّ له ساعدا، وسدّد لأعدائه سهما قاصدا (٢) ولما أخذت أولاده صبا إليهم واشتاقهم وقال يتسلى بعدهم وفراقهم (٤): <الطويل>
طمت في دموعي للفراق بحور … وأجّج ما بين الضلوع سعير
وفارقت قلبي يوم فارقت صبيتي … فلله أحياء خلت وقصور
وقلت له يا قلب صبرا فقال لي … حنانيك إني نحوهنّ أسير
(٥٢٠) عسى الله يدني للمحبين أوبة … فتشفى قلوب منهم وصدور
وكم من قصيّ الدار أمسى بحزنه … فأعقبه عند الصباح سرور
ثم لجأ إلى بلد العنّاب، ثم إلى بجاية وبعث ولده كما ذكر إلى أبي سعيد عثمان والد سلطانها الآن يستصرخ به فطلع إلى قريب تلمسان لنصرته، ثم ردّ لمرض عرض له، وأوصى
стр. 1186
ولده السلطان أبا الحسن الآتي ذكره في ذكر برّ العدوة بإتمام ما بدأ به من نجدتهم، ثم إنّ صاحب إفريقّة بعث الشيخ العارف أبا الهادي إلى صاحب تلمسان فأعاد عليه ابنيه أحمد (١) وعمر (٢) ومربيته لاعب، وأما الحظايا فأبت له نفسه استردادهن، وهذه الواقعة من الأسباب في أخذ صاحب برّ العدوة لتلمسان، وسيأتي هذا في مكانه (٣)، وهذه فائدة جاءت عرضا في هذا التأليف وإن لم تكن من شأنه.
ونعود إلى ما كنا فيه من ذكر قصص الظّلامات، قال ابن سعيد:
والذي يتولى إبلاغ الظّلامات إلى هذا السلطان يسمى صاحب الرقاعات يأخذ براءات المتظلمين أي قصصهم ويعرضها ويخرج بجوابها، قلت: وهذا بمثابة الدّوادار (٤).
قال ابن سعيد في "المغرب"، وقال العلامة أبو عبد الله بن القويع: فيما حدّثني به أنّ هذا السلطان لا يعلّم على شيء يكتب وإنما يعلّم عنه صاحب العلامة الكبرى، قال ابن القويع:
وفي الغالب يكون صاحب العلامة الكبرى كاتب السرّ، وهذا في الأمور الكبار
стр. 1187
والعلامة: الحمد لله والشّكر لله، وأما مادون هذا فإنما تكون الكتابة فيه عن وزير الجند يكتب عليه صاحب العلامة الصغرى اسم وزير الجند، ومن خاصة كتب هذا السلطان أن يكتب في ورق أصفر، وأما ما يكتب عن وزير الجند ففي غير الأصفر، ومن عادة المغاربة كلّهم أن لا تطول كتبهم ولا تبعد بين سطورهم كما جرت بها العادة في مصر والشام وإيران.
وسألت الإمام أبا عبد الله بن القويع عن طبقات الجند في هذه المملكة ومبلغ أرزاقهم في ديوانه، فقال:
هؤلاء على ما قرّره لهم المهديّ يعني مهديّهم محمد بن تومرت، هكذا (٥٢١) كان عبد المؤمن (١) وأبناؤه لما كان لهم المغرب ليس لهم أمراء ولا أتباع يطلب بعدتهم كعدة الأمراء بمصر، وإنما لهم أشياخ من أعيانهم لا عدة لهم ولا جند ولا المرء منهم إلا بنفسه، وإنما هم أعيان الجماعة ممن يحضر عند سلطانهم الرأي والمشورة.
قلت: وقد تقدم القول عليهم، قال: ولكلّ طائفة مزوار، وهو كبير لهم يتولى النظر في أحوالهم، وأمّا الجند فهم من الموحّدين والأندلسيين ومن قبائل العرب، وقليل ممن هرب وأقام عندهم من مصر، والفرنج هم خاصة السلطان، يقال لهم العلوج لا يطمئنّ إلا إليهم.
стр. 1188
وأما أرزاقهم فإنّ أعظم بركاتهم يعني أرزاقهم التي بمعنى الإقطاعات بمصر [وهو الجماعة الموحدين والسلطان يأخذ معهم كواحد معهم سواء بسواء] (١) وهذه البركات تفرّق أربع مرات في كلّ سنة، في عيد الفطر تفرقة، وفي عيد الأضحى تفرقة، وفي ربيع الأول المبارك تفرقة، وفي رجب تفرقة، ولا يصيب كلّ واحد من الموحدين في كل تفرقة من هذه التفريقات الأربع إلا أربعون دينارا المسماة فتكون بثلاث مئة درهم عتيقة، ولأكابر هؤلاء مع هذه التفرقات أراض مطلقة تحرث وتزرع لهم، أو تحكر ويكون لهم عشر ما يطلع منها.
قال القاضي أبو القاسم بن بنون:
طبقات الجند بإفريقيّة أشياخ كبار، وأشياخ صغار، ثم الوقّافون، ثم عامة الجند، فأما البركات فهي ما ذكروا، وأما مقدار ما لكلّ واحد فحرث عشرة أزواج بقرا، والزوج هو محرث أربع من البقر لأن الزوج بشعبتين، والشعبة رأسان من البقر.
قلت: وهذه الشعبة هي المسماة في بلد دمشق بالفدان فتكون جملة ما لكلّ واحد من أهل هذه الطبقة العالية في كلّ سنة مئة و [عشرين] (٢) دينارا مسماة عنها ألف ومئتا درهم مغربية عنها من تفصيل مصر والشام ستّ مئة وخمسة وسبعون درهما (٣)، وما يتحصل من مغلّ [عشرين] (٤) فدانا لعلّه لا يكون بأكثر من مثلها، فيكون تقدير جملة ما لهذا الرجل الكبير في الدولة في كلّ سنة (٥٢٢) [ألفا] (٥) وثلاث مئة وعشرة دراهم
стр. 1189
[نقرة] (١)، وهذا بمنزلة أحد الأمراء الألوف (٢) بمصر والشام والنوين أمير التومان (٣) بإيران، قال:
وأما الأشياخ الصغار [لهم] (٤) مع ذلك البركات لكلّ [واحد منهم] (١) محرث خمسة أزواج من البقر، قال: ولعامة الأشياخ الكبار والصغار والوقّافين والجند شيء آخر يفرقه السلطان عليهم يسمى المواساة، وشيء آخر يسمى الإحسان، فأما المواساة فهي غلة تفرّق عليهم عند تحصيل الغلات التي تتحصل في المخازن، وأما الإحسان فمبلغ يفرّق عليهم، وكلاهما من السنة إلى السنة، قال: وهذه الإحسان والمواساة (٥)، ليست بمضبوطة بقدر مخصوص بل على قدر ما يراه السلطان، وبحسب أقدار الناس، وإنما هو شيء … (٦) الجميع ويتفاوت مقدار العطايا بينهم، قال: وأما القبائل ومزاويرهم فمما يناسب هذا، ولكني لا أحرره.
قال ابن القويع:
والجند الغرباء يتميزون في العطيات على الموحّدين، وسألته عن حقيقة معنى الوقّافين ما هم، فقال: هؤلاء لهم خاصّية بالسّلطان يسكنون معه في القصبة يعني القلعة، وهم
стр. 1190
طبقتان: [وقّافون كبار و] (١) وقّافون صغار وهؤلاء كلّهم يقفون بين يديه في أوقات جلوسه إذا جلس للناس، وهم بمنزلة الأمراء الخاصكيّة (٢) بمصر.
وقال لي القاضي أبو القاسم بن بنون:
إنّ سلاطين إفريقيّة ليس يخلعون على من يولّونه وظيفة مثل ما يعمل في مصر، وإنما إذا أرادوا أن يخلعوا على أحد لأمر ما يكسونه، والكسوة [هي] (٣) قماش يعطى للإنسان تفاصيل غير مفصلة يتصرف بها كيف أراد.
وسألت الإمام أبا عبد الله بن القويع عن أرزاق القضاة والوزراء والكتاب، فقال: ليست بطائلة، وأما وزير الجند فهو مثل واحد من الأشياخ.
قال ابن بنون:
ومبلغ ما لقاضي الجماعة فهو خمسة عشر دينارا مسماة في كلّ شهر، وكان له معها عليق لبغلته، فقطع العليق، وما أعرف غير هذا وعلى هذا فقس.
[وسألت] (٤)(٥٢٣) ابن القويع عن أرباب الوظائف ما هم؟ فقال:
شيخ الموحّدين كأنّه نائب [السلطان] (٥)، ويسمّى الشيخ المعظّم، وهو يتولى عرض الموحّدين وأمورهم.
стр. 1191
وأما الوزير فليس له كثير أمر ولا وضع ولا لسائر الوظائف إلا الأسماء، قال أبو عبد الله بن القويع:
وعدّة العسكر لعلّها لا تبلغ عشرة آلاف فارس، وأمّا العرب أهل البادية فعدد جم، ولهم إقطاعات كثيرة، وشوكتهم قوية، ومنهم من يخرج مع السلطان إذا استدعاهم القائم بسلطنتها الآن، فأما [من] (١) قبله [فقلما] (٢) كان يسكن شغبهم، أو يسكن أبيهم لانتظام أمر هذا السلطان وما طبع عليه من الشجاعة، ولاعتقاده بالسلطان أبي الحسن المرينيّ صاحب برّ العدوة منذ تزوج بنته (٣) أبو الحسن فثبت بنيانه، ونفذ أمر سلطانه، وسيأتي ذكره في موضعه بما فيه دلالة.
وأما زيّ صاحب إفريقيّة القائم الآن في لبسه فهو عمامة ليست بمفرطة في الكبر بحنك وعذبة صغيرة وجباب، ولا يلبس هو ولا عامة أشياخه وجنده خفا إلا في السّفر، وغالب لبسه ولبس أكابر أشياخه من قماش يسمى السّفساري يعمل عندهم من حرير وقطن أو حرير وصوف إما أبيض أو أحمر أو أخضر، وقماش يعرف بالحريري وهو صوف رفيع جدا، وقماش يعرف بالتلمساني مما يعمل بتلمسان، وهو نوعان: مختّم وغير مختّم، منها صوف خالص، ومنها صوف وحرير.
قال ابن بنون:
والسلطان يمتاز بلبس الخزّ ولونه لون الخضرة والسواد، قال: وهذا اللون هو المسمى بالجوزي وبالغبار وبالنفطي.
стр. 1192
قال ابن سعيد:
وهو مما يخرج من البحر بصفاقس المغرب، وأنا رأيته كيف يخرج، يغوص الغواصون في البحر فيخرجون كمائم [شبيهة] (١) بالبصل بأعناق في أعلاها زوبرة فتنشر في الشمس فتنفتح تلك الكمائم الشبيهة بالبصل عن وبر فيسمط ويخرج صفوه ويغزل ويعمل منه طعمة لقيام حرير وينسج منه ثياب مختّمة وغير مختّمة، وهو أفخر ثياب السلطنة بتونس، ويبلغ ثمن الثوب مئتي دينار من دنانيرهم (٥٢٤) المسمّاة فيكون ثمن الثوب ألف درهم من نقد مصر والشام.
قلت: وقد رأيت من هذا القماش على بعض أكابر الكتّاب بدمشق، ثم رأيته على بعض سفلة الكتّاب بمصر، وهو المسمّى بمصر والشام بوبر السّمك.
وأما لبس الأشياخ والدّواوين والوقّافين والجند والقضاة والوزراء والكتاب وعامة الناس فعلى زي واحد، لا يكاد يتفاوت العمائم والجباب، ولا يمتاز الأشياخ والوقّافون والجند إلا بشيء واحد لا يكاد يظهر ولا يبين وهو صغر العمائم وضيق القماش.
ولباس أهل إفريقيّة من الجوخ ومن الثياب الصوف ومن الأكسية، ومن الثياب القطن فمن لبس غير هذا (٢) مما يجلب من طرائف الإسكندرية والعراق كان نادرا شاذا.
قلت: وقد ذكر ابن سعيد في "المغرب" جملة من ترتيب سلاطين إفريقيّة زمان [سلطانها] (٣) عبد الواحد بن أبي حفص (٤) مما أذكره هنا لأنّه ليس بالعهد من قدم،
стр. 1193
والسلطان القائم الآن من أبناء ذلك السلطان، ولو تغيرت الأحوال ما تغيرت [وزالت] (١) بالجملة، فلهذا نذكر ما ذكره ابن سعيد، قال: - وقد ذكر عبد الواحد بن أبي حفص - ما معناه: أنه كان يجلس في يوم السبت لمطالعة ما يقرأ عليه من قصص المتظلمين والسائلين حتى من شكا إليه الغربة سأل عنه، فإن كان مشكور السيرة أطلق له الصّداق وأجرى عليه رزقا.
وذكر في ترجمة ولده أبي زكريا بن عبد الواحد أنّه يلبس الثياب الصوف الرفيعة ذوات الألوان البديعة، وأكثر ما يلبس المختّم الممتزج من الحرير والصوف، وكمّاه طويلان من غير كثرة طول، ضيّقان من غير أن [يكونا مزنّرين] (٢)، وثيابه دون شدّ نطاق إلا أن يكون في الحرب، فإنّه يشدّ المنطقة، ويلبس الأقبية، وله طيلسان (٣) من صوف في غاية اللّطافة كأنّه شرب يتردى به، ولا يضعه على رأسه، وله عمامة كبيرة من صوف أو كتان، وفيها طراز من حرير، ولا يعمم أحد من أهل دولته على قدرها في الكبر، قد اختصت <به> وبأقاربه، وليس له أخفاف في الحاضرة (٥٢٥) ولكنّه يلبسها في السّفر، وله عذبة خلف أذنه اليسرى، وهذه العذبة مخصوصة به وبأقاربه، وجنده مختلفو الأجناس، فمنه الموحّدون الذين أسّسوا له دولة يعني من أصحاب مهديّهم ابن تومرت، قال:
ومن قبائل زناتة (٤) المنضافين إليهم أصناف مشهورون بالفروسية وجموع من الغزّ (٥).
стр. 1194
القدماء الذين هاجروا إلى المغرب في مدة بني عبد المؤمن، ونحو ألف فارس من المماليك الترك ابتيعوا له من مصر، وجميع الجموع من الأندلس والغرب.
وقاعدته في مدينة مملكته يعني تونس أنه يخرج با <كر> كلّ يوم إلى موضع يعرف بالمدرسة، ويبعث خادما صغيرا يستدعي وزير الجند من موضعه المعين له فيدخل عليه رافعا صوته ب "سلام عليكم" من بعد من غير أن يومئ برأسه، ولا يقوم له السلطان، ويجلس بين يديه، ويسأله السلطان عما يتعلق بأمور الجند والحروب، ثم يأمره باستدعاء من يريد من أشياخ الجند أو العرب، أو من له تعلق بوزير الجند، ثم يأمر باستدعاء وزير المال وهو المعروف بصاحب الأشغال فيأتي معه ويسلمان جميعا من بعد على السلطان، وإن كان قد تقدم سلام وزير الجند ولكنّه عادة الدخول إليه، فيتقدم وزير المال إلى بين [يديّ] (١) السلطان، ويتأخر وزير الجند إلى مكان لا يسمع فيه حديثهما، ثم يخرج وزير المال، ويستدعي من يتعلق به، ثم يحضر صاحب الطعام بطعام الجند ويعرضه على وزيرهم لئلا يكون فيه تقصير، ثم يقوم السلطان من المدرسة إلى موضع مخصوص، ويستدعي وزير الفضل يعني كاتب السرّ، ويسأله عن الكتب الواردة من البلاد وعما تحتاج إليه خزانة الكتب، وعما تجدّد في الحضرة وفي البلاد مما يتعلق بأرباب العلم وسائر فنون الفضل والقضاة، ويأمره باستدعاء من يخصّه من الكتاب ويملي عليهم وزير الفضل ما أمر بكتابته ويعلّم عليه وزير الفضل بخطّه، والعلامة هي أن يكتب بعد بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على نبيّه محمد وآله اسم السلطان (٥٢٦). وفي ذلك المجلس يستدعي السلطان من شاء من العلماء والفضلاء ويتحاضرون محاضرة خفيفة، وإن كان وزير الفضل قد رفع قصيدة لشاعر وافد أو مرتب في معنى استجدّ أمر السلطان بقراءتها عليه إن لم يأمر بحضور الشاعر، وينشدها قائما أو قاعدا على ما يؤهل له، ويتكلم السلطان مع وزير الفضل ومن يحضر في ذلك، ويوقع على كلّ قصيدة بما يراه.
стр. 1195
قال ابن سعيد:
وقواعد الشعراء أن ينشدوا بين يديه في الأعياد والخروج إلى الأسفار أو القدوم منها.
قلت: ومواضع مما ذكره ابن سعيد قد تقدم شيء منه، وإنما ذكرناه هنا لاتصاله شيئا بشيء، وليؤكد بعضه بعضا، وليعلم في بعض ما بينهما مقدار التّفاوت مما تغيّر مع قرب الزمان واقتفاء الولد لآثار الوالد، وكيف يكون مقدار التفاوت فيما يغيّر بدخول دول الأعداء بعد الأعداء وبعد الزمان.
قلت: وهؤلاء ملوك الموحدين لم يزالوا منذ ملكوا ممد <و> حين تصغي إلى المديح مسامعهم، وتهتزّ به أنديتهم ومجامعهم، ومنهم من له النظم الفائق والنثر الفائت، ولأهل إفريقيّة لطف أخلاق وشمائل بالنسبة إلى أهل برّ العدوة وسائر بلاد المغرب، وما ذاك إلا بمجاورتهم لمصر وقربهم من أهلها ومخالطتهم لهم ولمن سكنها من أهل إشبيلية (١)، وهم من هم خفة روح وحلاوة نادرة، وهم على كلّ حال أهل انطباع وكرم طباع، وسأذكر لهم عنوان قولهم.
وأما اتصال الأخبار بين السلطان ونوابه، فإنّه إذا كتب الكتاب يجهّز مع من يقع الاختيار على تجهيزه من نوع النقباء أو الوصفان، وهم عبيد السلطان، ويركب ذلك المجهّز على بغل إما أن يكون ملكا له، أو يستعيره من أصحابه، ويسافر عليه إلى الجهة المجهّز إليها، فإذا أعيا بغله في مكان تركه عند الوالي بذلك المكان، وأخذ منه بغلا عوضه يعيره الوالي له، أو يسخره من الرعايا لركوبه إلى أن يبلغ جهة قصده إلى أن يعود، ووالي المدينة هو المسمى عندهم بالحافظ والمحتسب (٥٢٧) بها، فإذا تجدّد عندهم أمر أعلموا به وزير الجند.