← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وأما الوزير فليس له كثير أمر ولا وضع ولا لسائر الوظائف إلا الأسماء، قال أبو عبد الله بن القويع: وعدّة العسكر لعلّها لا تبلغ عشرة آلاف فارس، وأمّا العرب أهل البادية فعدد جم، ولهم إقطاعات كثيرة، وشوكتهم قوية، ومنهم من يخرج مع السلطان إذا استدعاهم القائم بسلطنتها الآن، فأما [من] (١) قبله [فقلما] (٢) كان يسكن شغبهم، أو يسكن أبيهم لانتظام أمر هذا السلطان وما طبع عليه من الشجاعة، ولاعتقاده بالسلطان أبي الحسن المرينيّ صاحب برّ العدوة منذ تزوج بنته (٣) أبو الحسن فثبت بنيانه، ونفذ أمر سلطانه، وسيأتي ذكره في موضعه بما فيه دلالة. وأما زيّ صاحب إفريقيّة القائم الآن في لبسه فهو عمامة ليست بمفرطة في الكبر بحنك وعذبة صغيرة وجباب، ولا يلبس هو ولا عامة أشياخه وجنده خفا إلا في السّفر، وغالب لبسه ولبس أكابر أشياخه من قماش يسمى السّفساري يعمل عندهم من حرير وقطن أو حرير وصوف إما أبيض أو أحمر أو أخضر، وقماش يعرف بالحريري وهو صوف رفيع جدا، وقماش يعرف بالتلمساني مما يعمل بتلمسان، وهو نوعان: مختّم وغير مختّم، منها صوف خالص، ومنها صوف وحرير. قال ابن بنون: والسلطان يمتاز بلبس الخزّ ولونه لون الخضرة والسواد، قال: وهذا اللون هو المسمى بالجوزي وبالغبار وبالنفطي.

стр. 1192

قال ابن سعيد: وهو مما يخرج من البحر بصفاقس المغرب، وأنا رأيته كيف يخرج، يغوص الغواصون في البحر فيخرجون كمائم [شبيهة] (١) بالبصل بأعناق في أعلاها زوبرة فتنشر في الشمس فتنفتح تلك الكمائم الشبيهة بالبصل عن وبر فيسمط ويخرج صفوه ويغزل ويعمل منه طعمة لقيام حرير وينسج منه ثياب مختّمة وغير مختّمة، وهو أفخر ثياب السلطنة بتونس، ويبلغ ثمن الثوب مئتي دينار من دنانيرهم (٥٢٤) المسمّاة فيكون ثمن الثوب ألف درهم من نقد مصر والشام. قلت: وقد رأيت من هذا القماش على بعض أكابر الكتّاب بدمشق، ثم رأيته على بعض سفلة الكتّاب بمصر، وهو المسمّى بمصر والشام بوبر السّمك. وأما لبس الأشياخ والدّواوين والوقّافين والجند والقضاة والوزراء والكتاب وعامة الناس فعلى زي واحد، لا يكاد يتفاوت العمائم والجباب، ولا يمتاز الأشياخ والوقّافون والجند إلا بشيء واحد لا يكاد يظهر ولا يبين وهو صغر العمائم وضيق القماش. ولباس أهل إفريقيّة من الجوخ ومن الثياب الصوف ومن الأكسية، ومن الثياب القطن فمن لبس غير هذا (٢) مما يجلب من طرائف الإسكندرية والعراق كان نادرا شاذا. قلت: وقد ذكر ابن سعيد في "المغرب" جملة من ترتيب سلاطين إفريقيّة زمان [سلطانها] (٣) عبد الواحد بن أبي حفص (٤) مما أذكره هنا لأنّه ليس بالعهد من قدم،

стр. 1193

والسلطان القائم الآن من أبناء ذلك السلطان، ولو تغيرت الأحوال ما تغيرت [وزالت] (١) بالجملة، فلهذا نذكر ما ذكره ابن سعيد، قال: - وقد ذكر عبد الواحد بن أبي حفص - ما معناه: أنه كان يجلس في يوم السبت لمطالعة ما يقرأ عليه من قصص المتظلمين والسائلين حتى من شكا إليه الغربة سأل عنه، فإن كان مشكور السيرة أطلق له الصّداق وأجرى عليه رزقا. وذكر في ترجمة ولده أبي زكريا بن عبد الواحد أنّه يلبس الثياب الصوف الرفيعة ذوات الألوان البديعة، وأكثر ما يلبس المختّم الممتزج من الحرير والصوف، وكمّاه طويلان من غير كثرة طول، ضيّقان من غير أن [يكونا مزنّرين] (٢)، وثيابه دون شدّ نطاق إلا أن يكون في الحرب، فإنّه يشدّ المنطقة، ويلبس الأقبية، وله طيلسان (٣) من صوف في غاية اللّطافة كأنّه شرب يتردى به، ولا يضعه على رأسه، وله عمامة كبيرة من صوف أو كتان، وفيها طراز من حرير، ولا يعمم أحد من أهل دولته على قدرها في الكبر، قد اختصت <به> وبأقاربه، وليس له أخفاف في الحاضرة (٥٢٥) ولكنّه يلبسها في السّفر، وله عذبة خلف أذنه اليسرى، وهذه العذبة مخصوصة به وبأقاربه، وجنده مختلفو الأجناس، فمنه الموحّدون الذين أسّسوا له دولة يعني من أصحاب مهديّهم ابن تومرت، قال: ومن قبائل زناتة (٤) المنضافين إليهم أصناف مشهورون بالفروسية وجموع من الغزّ (٥).

стр. 1194

القدماء الذين هاجروا إلى المغرب في مدة بني عبد المؤمن، ونحو ألف فارس من المماليك الترك ابتيعوا له من مصر، وجميع الجموع من الأندلس والغرب. وقاعدته في مدينة مملكته يعني تونس أنه يخرج با <كر> كلّ يوم إلى موضع يعرف بالمدرسة، ويبعث خادما صغيرا يستدعي وزير الجند من موضعه المعين له فيدخل عليه رافعا صوته ب "سلام عليكم" من بعد من غير أن يومئ برأسه، ولا يقوم له السلطان، ويجلس بين يديه، ويسأله السلطان عما يتعلق بأمور الجند والحروب، ثم يأمره باستدعاء من يريد من أشياخ الجند أو العرب، أو من له تعلق بوزير الجند، ثم يأمر باستدعاء وزير المال وهو المعروف بصاحب الأشغال فيأتي معه ويسلمان جميعا من بعد على السلطان، وإن كان قد تقدم سلام وزير الجند ولكنّه عادة الدخول إليه، فيتقدم وزير المال إلى بين [يديّ] (١) السلطان، ويتأخر وزير الجند إلى مكان لا يسمع فيه حديثهما، ثم يخرج وزير المال، ويستدعي من يتعلق به، ثم يحضر صاحب الطعام بطعام الجند ويعرضه على وزيرهم لئلا يكون فيه تقصير، ثم يقوم السلطان من المدرسة إلى موضع مخصوص، ويستدعي وزير الفضل يعني كاتب السرّ، ويسأله عن الكتب الواردة من البلاد وعما تحتاج إليه خزانة الكتب، وعما تجدّد في الحضرة وفي البلاد مما يتعلق بأرباب العلم وسائر فنون الفضل والقضاة، ويأمره باستدعاء من يخصّه من الكتاب ويملي عليهم وزير الفضل ما أمر بكتابته ويعلّم عليه وزير الفضل بخطّه، والعلامة هي أن يكتب بعد بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على نبيّه محمد وآله اسم السلطان (٥٢٦). وفي ذلك المجلس يستدعي السلطان من شاء من العلماء والفضلاء ويتحاضرون محاضرة خفيفة، وإن كان وزير الفضل قد رفع قصيدة لشاعر وافد أو مرتب في معنى استجدّ أمر السلطان بقراءتها عليه إن لم يأمر بحضور الشاعر، وينشدها قائما أو قاعدا على ما يؤهل له، ويتكلم السلطان مع وزير الفضل ومن يحضر في ذلك، ويوقع على كلّ قصيدة بما يراه.

стр. 1195

قال ابن سعيد: وقواعد الشعراء أن ينشدوا بين يديه في الأعياد والخروج إلى الأسفار أو القدوم منها. قلت: ومواضع مما ذكره ابن سعيد قد تقدم شيء منه، وإنما ذكرناه هنا لاتصاله شيئا بشيء، وليؤكد بعضه بعضا، وليعلم في بعض ما بينهما مقدار التّفاوت مما تغيّر مع قرب الزمان واقتفاء الولد لآثار الوالد، وكيف يكون مقدار التفاوت فيما يغيّر بدخول دول الأعداء بعد الأعداء وبعد الزمان. قلت: وهؤلاء ملوك الموحدين لم يزالوا منذ ملكوا ممد <و> حين تصغي إلى المديح مسامعهم، وتهتزّ به أنديتهم ومجامعهم، ومنهم من له النظم الفائق والنثر الفائت، ولأهل إفريقيّة لطف أخلاق وشمائل بالنسبة إلى أهل برّ العدوة وسائر بلاد المغرب، وما ذاك إلا بمجاورتهم لمصر وقربهم من أهلها ومخالطتهم لهم ولمن سكنها من أهل إشبيلية (١)، وهم من هم خفة روح وحلاوة نادرة، وهم على كلّ حال أهل انطباع وكرم طباع، وسأذكر لهم عنوان قولهم. وأما اتصال الأخبار بين السلطان ونوابه، فإنّه إذا كتب الكتاب يجهّز مع من يقع الاختيار على تجهيزه من نوع النقباء أو الوصفان، وهم عبيد السلطان، ويركب ذلك المجهّز على بغل إما أن يكون ملكا له، أو يستعيره من أصحابه، ويسافر عليه إلى الجهة المجهّز إليها، فإذا أعيا بغله في مكان تركه عند الوالي بذلك المكان، وأخذ منه بغلا عوضه يعيره الوالي له، أو يسخره من الرعايا لركوبه إلى أن يبلغ جهة قصده إلى أن يعود، ووالي المدينة هو المسمى عندهم بالحافظ والمحتسب (٥٢٧) بها، فإذا تجدّد عندهم أمر أعلموا به وزير الجند.

стр. 1196

ومن عجائب إفريقيّة ما حدّثني به القاضي أبو الروح عيسى الزواويّ وأبو عبد الله السّلالجيّ [قالا] (١): إن بين توزر قاعدة بلاد الجريد وبين بشترى (٢) من بلاد نفزاوة (٣) سبخة عظيمة آخذة في الجنوب إلى الصحراء المجهولة المسالك، <و> في وسط هذه السّبخة مع طرفها الشّمالي طريق سالكة للمارة يسلكها من يطلب السرعة لقريب مداها مع المخاطرة في سلوكها، لأنها طريق قليلة العرض، ضربها الله طريقا يبسا في وسط تلك السّبخة، من خرجت رجله عنها ولو قيد شبر واحد نزلت به قدمه، وهوى في تلك السّبخة وغاص فيها إلى أن يذهب، فلا يبين له أثر، ولا يعرف له خبر، ورفيقه إلى جانبه يراه وهو نازل ولا يقدر <أن> ينفعه بشيء، ولا <أن> يمدّ يده إليه خوفا أن يغوص معه، وهي مهلك عظيم، سباخ من ملح لا ماء [فيها] (٤) كم خرج فيها عن تلك الجادة إنسان وفرس وجمل فهلك. قالا: وعلى جنبتي هذه الطريق أعلام منصوبة من الخشب يمنة ويسرة، والطريق بينهما، ولولاها لهلكت المارة من الجهال بها. قال السّلالجيّ: وسمعت أنّ هذه الأعلام نصبها هناك أبو إبراهيم إسحاق بن غانية الميورقيّ (٥) الثائر على

стр. 1197

الموحّدين بإفريقيّة. وقال لي الزواويّ: وفي هذه الطريق ضرر آخر على السفّار، وهو أنّه أيّ من وضع إناء ماء حلو على الأرض صار مرا زعاقا لوقته وساعته، و [إذا] (١) احتاج المسافر في ذلك الطريق أن يضع إناءه يعمل تحته شيئا يحول بينه وبين الأرض، قال: وطول هذه المسافة أكثر من نصف نهار، مقداره من الطريق الأخرى السالكة في العمران يوم وليلة، قال الزواويّ: وفي وسط هذه الطريق الآخذه في السّبخة فرجة يستريح فيها بالقعود السفّار، قال: وأنا سلكتها، ورأيت هذا كلّه بالمشاهدة والعيان. قال السّلالجيّ: نحن جئنا إلى أطراف هذه السّبخة، ولم ندخلها خوفا منها. (٥٢٨) قال الزواويّ: والمشهور بين أهل تلك البلاد كلّها أنّ الصحراء التي في جنوب هذه السّبخة ما سلكت ولا تسلك، ولا يقدر أحد على سلوكها. وحكى لي السّلالجيّ أنّ أهل الجريد يتحدثون فيما بينهم أن رفقة كبيرة وقع أهلها في هذه السّبخة فلم يطلع أحد منهم، ولا عاد منهم ولا عنهم مخبر. قال أبو عبد الله السلالجيّ: ووقفت في تونس على شرح القصيدة الشّقراطسية (٢) الشهيرة البديعة وتخميسها،

стр. 1198

وشارحها القاضي الإمام أبو عبد الله محمد بن عليّ التوزريّ المصريّ (١)، ورأيته قد تكلم في أوائلها عند ذكر ناظم هذه القصيدة، وتعرضه لموطنه ومسقط رأسه وهي شقراطس، وهي - غالب ظني على ما ذكر - من إقليم الجريد، ثم آخر كلامه إلى ذكر توزر، ومدحها وأثنى عليها، وذكر هذه السّبخة والصحراء التي تليها، وقال: إنّ مدينة النحاس بها مما يلي هذه السّبخة. قال السلالجيّ: وقفت على أول مجلدة من هذا الشرح، وهو يكون في أربع مجلدات كبار بمدينة تونس استعرته من بعض فضلاء أهل توزر لمطالعته، وشارح هذه القصيدة ناقل الحكاية أيضا، وهو مشهور ثقة مأمون معروف من أهل العلم المشاركين في كلّ علم، وله تصانيف كثيرة في الفقه والأدب. قلت: وهذه القصيدة الشّقراطسيّة في المديح الشريف النبويّ زاده الله شرفا، وأولها: <البسيط> الحمد لله منا باعث الرسل … هدى بأحمد منا أحمد السّبل

стр. 1199

الباب الثالث عشر في مملكة برّ العدوة

стр. 1200

<في مملكة برّ العدوة > هو الآن مجموع لسلطان واحد (١)، وفيه ثلاث ممالك: فاس وهي أعظمها، ومملكة تلمسان، ومملكة سبتة (٢) مع ما أضيف إليه من بلاد الأندلس على ما يأتي ذكره. وبلاد برّ العدوة بلاد خصيبة ذات زرع وضرع (٥٢٩) وفواكه. قال ابن سعيد: وبرّ العدوة في الثالث والرابع، ثم قال: والإقليم الثالث صاحب سفك الدماء والحسد والحقد والغل وما يتبع ذلك، ثم قال: وأنا أقول: إن الإقليم الثالث وإن كثر فيه الأحكام المرّيخيّة على زعمهم، فإن للغرب الأقصى من ذلك الحظّ الوافر ولا سيما في جهة سوس (٣)

стр. 1201

وجبال درن (١) فما قتل الإنسان عندهم إلا كعصفور، وكم قتل قتيل على كلمة، وبالقتل يفتخرون، ثم قال ابن سعيد: وأنا أقول: إنّ الغالب على أهل المغرب الأقصى كثرة التنافس المفرط، والمحاققة، وقلة التقاضي، والتهور، والمفاتنة، وليس البخل إلاّ في أراذلهم، وفي كثير من أغنيائهم سماحة مفرطة ومفاخرة بإطعام الطعام، والاعتناء بالمؤمّل والقاصد، ولكنّ الأوقاف عندهم على عظمة سلطنة بني عبد المؤمن (٢) والمرابطين (٣) قبلهم قليلة: لا يقولون بها، ولا يرون الصّدقة على صحيح سويّ ولا بنيان المدارس، وقد بنى المتأخرون بها ما قلّ. قال أبو عبد الله محمد بن محمد السّلالجيّ: إن بمدينة فاس أربع مدارس وخانقاه واحدة. قلت: وكان الأليق بهمة أهل تلك الممالك مع أصالتهم في الدين وتمسكهم بسببه

стр. 1202

المتين لو عمروا المدارس لينتشر العلم، ويتوفر الطالب على النفقة ولا تنقسم أفكاره، وتتشعب في طلب المعاش والاكتساب فيقلّ تحصيلهم. وأقول: فالأمر على ما ذكره ابن سعيد الآن في قلة الأوقاف والمدارس عندهم، وفي جمهورهم البخل وسوء الخلق، إلا الرؤساء، فإنّ الرئيس في كل أفق مطبوع على الرئاسة أو منطبع بها، له أتباع يحتاج <أن> يبسط لهم خلقه ويده، وأن لا يتجنبه من لا يعرفه، وينفر عنه من يعرفه. وقال ابن سعيد: والمغرب قليل الصواعق والزلازل. قلت: ومكان السلطان من برّ العدوة هو بفاس الجديدة (٥٣٠) المسماة بالبيضاء (١) في دار لا يختصّ فيها بزيادة رفعة على نشز ولا ربوة، وتسمى القصر، وهو عالي البناء ذو قباب علية ضخمة لائقة بالملوك، وغرف مرتفعة ورفارف علوية، ومجالس سلطانيّة، وبداخلة القبة المعروفة بقبة الرّضا، وهي قبة عظيمة الارتفاع خارقة الاتّساع، وقدّامها بركة ممتدة بها مركب لاتساعها وكبرها، وخلفها بركة أخرى مثلها، بها مركب آخر لاتساعها وكبرها، ومساحة البركتين واحدة، والقبة العظمى بينهما، وفي نهاية كلّ بركة قبة لطيفة المقدار، وفي جميع جدر القباب شبابيك مطلة، والبستان حافّ [بالجميع] (٢)، وهو بستان جليل منوّع بصفوف الأشجار والغراس على اختلافها، ويجري الماء إلى قصر السلطان

стр. 1203

من مكان يعرف بأساليس على بعد نصف نهار أو أقلّ مرفوعا في قناة على قناطر مبنية إليها، وإصطبلاته إلى جوانب قصره لا يسكن معه في قصوره إلا حريمه وفتيانه وهم الخدم الخصيان، ويبيت حوله في ظاهر قصره طائفة من الفرنج، وأناس يعرفون بالعدويين بمنزلة النّقباء، ووصفان السلطان و [البوابون] (١) ولا ينازله في قصره أحد من الأشياخ ولا الجند ولا الغرباء، ومرجع ملوك بني مرين سلاطين برّ العدوة في زناتة، وكذلك مرجع بني عبد الواد سلاطين تلمسان. فأما بنو مرين فملوكهم في بني عبد الحقّ، ومن قبائلهم: (٢) بنو عسكر وبنو وطّاس، وبنو اتكاسن، وبنو بايان، وبنو اتنالفت وبنو بزنت، وبنو برلبان، وأما أتباعهم فهم الحسم وبنو فودود مع ما ينضاف إلى هؤلاء من الأفراد والأنجاد ممن له فروسية وشجاعة وهم كثير جدا فيدخلون في سلك وصفان السلطان أو وصفان أشياخ هذه القبائل المذكورة، وهم بنو مرين غير هؤلاء الأفراد. والذين كانوا مع بني عبد الواد (٥٣١) مغراوة وهم أفخاذ كثيرة، وبنو راشد، وبنو توجين، وبنو مليكس، وبنو سدويكش، ومن بني توجين بنو عبد القويّ، ومن بني عبد القويّ من كان قد تغلب وملك حتى قهرهم بنو عبد الواد وملكوا عليهم، واتخذوهم أعوانا، وقد صار الكلّ لهذا السلطان جندا مع من كان معه من قبائله، ومن جملة عساكره

стр. 1204

قبائل من العرب كثيرة، منهم بنو حسان (١)، والعاصم (٢)، وبنو جابر (٣)، والحلوط، ورياح، وسويد، والشّبانات، وبنو عامر (٤)، وبنو سالم، وغيرهم، وله في عسكره من الغزّ مقدار ألف وخمس مئة فارس، ومن الفرنج مقدار أربعة آلاف فارس أو أزيد، وهم يركبون خاصة خلف ظهره، وله علوج مماليكه مسلمون مقدار خمس مئة فارس فرسان رماة، ومن الجند رماة وهم الأندلسيون يرمون بقوس الرّجل أزيد من ألفي فارس، وطائفة كبيرة يقال لهم الوصفان خاصّون بالسلطان، يسكنون حواليه، وينزلون في السفر إلى جوانب محلته دائرين في جملة نواحيه يقال لهم أهل الدوّار، وكلّ جيوشه فرسان أبطال نقاوة لا يطاق هياج أسدهم ومصالتة سيوفهم. قال لي أقضى القضاة أبو الروح عيسى الزواويّ: إن بعض أبطال الغرب قال: إنه إذا كان منّا مئة ولاقاهم زناتي واحد هربوا قدّامه ولم يتجاسروا على إقدامه ولا ملاقاته (٥). وقال لي: إذا جاء الزناتيّ مغيرا فلا يعتقد أنّ أحدا يهجم عليه، وأما إذا طمع وأخذ الأخيذة وولى فربما ينال منه غرض. وقال شيخنا حجّة الأدب ولسان العرب أثير الدين أبو حيّان (٦): إنّ بني مرين يعدّ

стр. 1205

منهم كلّ فارس شجاع مثل عنترة وأمثاله. قال لي السّلالجيّ: مثل أولاد إدريس عامر وحسين ومحمد ومثل ريان بن أبي يعلى وعامر بن عبد الله (١) وعبد الحقّ بن كندوز وعبد الحقّ بن عثمان وأبي رزين ثابت ابن أخيه [وهما] (٢) اللذان قتلا مع (٥٣٢) أبي تاشفين عبد الرحمن العبد الوادي حين دخلت عليه تلمسان (٣)، ومثل عثمان بن أبي العلاء (٤) وأولاده وبني عمّه أولاد سوط النساء، وسيف المغراوي الباقي في قيد الحياة الآن وغيرهم من المشاهير، قال: ويقال إنّ كلّ واحد من هؤلاء يعدّ بخمس مئة فارس، وقد صوّرهم الفرنج عندهم في كنائسهم لعظم ما لاقوا بهم.

стр. 1206

وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد العقيليّ (١): إنّ أبا يعقوب (٢) أراد إنهاد ألف فارس لجهة من جهة أعدائه فعيّنت خمس مئة فارس فقيل له: وأين تكملة الألف، فقال: يوسف بن محمد بن أبي عياد بن عبد الحقّ (٣) يقوم مقام الخمس مئة الأخرى، فكان كذلك، قال، ولقد خالف هذا يوسف بن محمد على أبي ثابت بمراكش، وخرج في نحو أحد عشر فارسا، ثم حمل بمفرده على سبع مئة فارس من العساكر ففرقها، قال: ومن هؤلاء يعيش بن يعقوب بن عبد الحقّ (٤) تعرض له مرة نحو خمس مئة فارس، وهو مرتحل بأهله وعياله من بلاد [هسكورة] (٥) إلى مراكش، فلما رأى عياله حداق الفرسان دهشوا فقال لهم: ما عليكم سيروا أنتم، ثم إنّه دفع فيهم ففرق جمعهم، ونجا بجميع أهله

стр. 1207

وما معه، وقد كانوا أول خروجهم جهلة لا تختطم أنوفهم، قال رجل منهم اسمه أبو عامر عبد الله المعروف بالعجب: (١) ما أسفي إلا كوني لم أكن في زمان عليّ بن أبي طالب حتى ألقاه. (٢) وعلى هذا، فقس ما كان في رجال هؤلاء القوم من الشجاعة والجهل. قال السّلالجيّ: وهم على شجاعتهم وأزيد، وأما جهلهم فزال من أكثرهم لسكناهم بالحاضرة ومداخلتهم الناس، قال: ولا تعدّ للكثرة فرسانهم، ولا تحصى في الأبطال وقائعهم، قال: وهذا عثمان بن أبي العلاء، وسيف المغراويّ وعبد الرحمن بن يعقوب وأخوه [الوطاسيان] (٣) لم يزالوا في الأندلس تشدّ على الفرنج حملاتهم، وتعدّ على قلتهم في كثرتهم فتكاتهم، قال: ولقد أنشأ هذا السلطان من (٥٣٣) فرسان هذا الزمان ورجالات الدهر من أخمل كلّ مذكور، وغلب على كلّ مشهور، مع ما هم عليه من العلم والتّقى لا يقدر أحد منهم لمهابته على ارتضاع كأس ولا إهمال صلاة، يناقشهم على هذا، ويؤاخذهم به حتى إذا كانوا في السفر وأذّن المؤذنون نزل ونزلوا حتى تقام الصلاة و [يصلوا] (٤) جماعة. وحدّثني أبو عبد الله محمد بن محمد السّلالجيّ أن هذه المملكة طولها … (٥) يوما

стр. 1208

أو أزيد، وعرضها ثلاثون يوما بالسّير المعتاد، وطولها من جزائر بني مزغنّانة، وهي بلد <ة> حسنة على ساحل البحر الشاميّ واقعة قبالة جزيرة ميورقة (١) بانحراف يسير، وبعدها عن بجاية ستة أيام إلى البحر المحيط، وعرضها من ساحل الزّقاق من سبتة إلى نهاية بلاد البربر المتصلة بالصحراء الكبيرة الفاصلة بين برّ العدوة وبين بلاد السّودان لم يخرج عن مملكة هذا السلطان من برّ العدوة الأندلس وأعمالها، خرج سلطان برّ العدوة الآن عنها للموحدين أصحاب إفريقيّة، وهبها إحسانا منه لكونها كانت قديما لهم، وانتزعها بنو عبد الواد أصحاب تلمسان منهم، وحدّ هذه المملكة من الجنوب الصحراء الكبيرة الآخذة طولا من بلاد البربر إلى جنوب إفريقيّة، ومن الشرق جزائر بني مزغنّانة وما هو آخذ على حدّها إلى الصحراء الكبيرة، ومن الشمال البحر الشاميّ، ومن الغرب المحيط. وقاعدة الملك بها مدينة فاس (٢)، ثم مرّاكش وهي التي كانت قديما في زمان بني عبد المؤمن قاعدة الملك العظمى، فلما انتقل الملك إلى بني مرين، وتحلّى جيده بعقدهم الثّمين أبو إلاّ <أن> يتّخذوا لهم مدينة فاس دار ملك، فاستوطنوها وبنوا معها ثلاث مدن موازية لها على ضفة الوادي المعروف بوادي الجوهر غربا بقبلة. فأولها المدينة البيضاء، وتعرف بالبلد الجديد بناها أبو يوسف يعقوب بن عبد الحقّ وهو أول من استقلّ بالملك بعد الموحدين لأنّ أخاه [أبا يحيى] (٣) أبا بكر ثار عليهم ومات وما

стр. 1209

استقلّ له سلطان (٥٣٤)، ولا استقرّ له من عزّ الملك أوطان. ثم مدينة حمص ويعرف موضعها بالملاح، بناها ولده أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف والد سلطانها القائم الآن، بناها إلى جانب البيضاء. وربض النصارى المتّخذ لسكنى الطّائفة الفرنجية المختصة بخدمة السلطان، ويطلق على هذه الثّلاث المتّخذات (١) اسم فاس الجديدة. وهذه المتّخذات كلّها على ضفة الوادي الغربية على ترتيب ما نذكره. فربض النصارى يقع قبالة فاس القديمة على بعد من ضفة الوادي من غير مسامتة ولا بر، والبيضاء وهي المسماة بفاس الجديدة آخذ <ة> من شمالي ربض النصارى إلى ضفة النهر، ويقع أول عمارة فاس الجديدة قبالة آخر عمالة فاس العتيقة. وحمص راكبة على النهر بشمال على جانب فاس الجديدة، آخذة إلى ربض النصارى <وقد> عقد على الوادي قناطر، وبنيت حمص على ضفّتيه، وهي فوق الجميع لأنّ الوادي منها ينحدر على ما بيّنته، وهو أنّ هذا النهر ينصب من الجنوب إلى الشّمال، ثم ينعطف على زاوية آخذا من الغرب إلى الشرق [حتى يصير] (٢) كأنّه ينحدر من الغرب، وحمص على مجراه هناك، ثم يمرّ آخذا إلى الشرق على حاله فوق فاس الجديدة، ثم ينعطف عليها زاوية إلى الجنوب، ثم ينعطف إلى الشرق جائزا بها. وهناك فاس العتيقة على الضفّة الشمالية، والقصبة بها في غربيّها مرجلة على الأرض لا

стр. 1210

تتميز على المدينة برفعة ولا ببناء عال، وتلك المتّخذات كلّها على الضفة الغربية، ويبقى النهر مستديرا بفاس الجديدة من جانبي الشّمال على المجرى المركبة عليه حمص، ومن الشرق حيث انعطف النهر [عند] (١) فاس العتيقة، وهذا الوادي هو متوسط المقدار يكون عرضه في المكان المتسع قريب أربعين ذراعا وفي المضايق دون هذا، وربما تضايق إلى خمسة عشر ذراعا وأقلّ من ذلك، وعمقه في الغالب يقارب قامة رجل، وعليه النّاعورة المشهورة برفع الماء إلى بستان السلطان المعروف بالمصارة، وهو بستان جليل (٥٣٥)، له فيه قصر جليل جميل، وهذا البستان خارج المدينة الجديدة، وهذه الناعورة مشهورة الذكر يضرب بها المثل، ويتحدث بها الرّفاق. وفاس العتيقة ذات عيون جارية، فيقال إنّ فيها أربع مئة عين سارحة. قال الإمام أبو عبد الله العقيليّ (٢): إنّها ثلاث مئة وستون عينا معدودة، والماء مسلّط على ديارتها ومساكنها، وأما المتّخذات فإنها على علو لا عيون بها، ولا يحكم الوادي عليها، وجميع أرض فاس العتيقة مجبلة غير مستوية، وأما المتّخذات فمستوية، وعلى كلّ من عتيقها وجديدها أسوار دائرة محصنة ذوات بروج وبدنات، وجميع أبنيتها من الحجر والآجرّ والكلس، موثقة البناء، مشيدة الأركان، وتزيد فاس الجديدة على فاس العتيقة في الحصانة والمنعة، والعتيقة بسور واحد من الحجارة، والجديدة بسورين من الطين المفرغ بالقالب من التراب والرمل والكلس المضروب، وهو أشدّ من الحجر، ولا تعمل فيه المجانيق ولا تؤثر فيه.

стр. 1211

ويلي القصبة القديمة مخازن الغلال داخلها المطامير، وهي مجموعة في مكان واحد، يستدير بها سور منيع، عليه باب وغلق، ويسمى هذا الموضع بالمرسى القديم. وأبنية فاس ومتّخذاتها جميعها جليلة مفخمة وإن كانت لا تلحق بمرّاكش فيما كانت عليه من عظمة مبانيها وفخامة مغانيها، وهو باق منه كليل على ما كان، وسيأتي ذكرها في موضعه. وبفاس العتيقة داخل سورها جنائن ورياض ذوات أشجار ورياحين في دار الكبراء وبيوت الأعيان، وبها أرحاء كثيرة دائرة على الماء، قال السّلالجيّ: تقارب أربع مئة رحا، وبكلّ من فاس القديمة وفاس المجدّدة المسماة بالبيضاء وحمص الجوامع والمساجد والمواذن والحمامات والأسواق، فأما المدارس والخوانق والرّبط فما خلت صحائف حسنات أهل المغرب من أجورها إلا النزر اليسير جدا. وبفاس العتيقة مارستان، وعمائر العتيقة كما قدمنا (٥٣٦) القول فيه بالآجرّ، فأما المتّخذات فغالبها بالقالب من نسبة أسوارها، وسقوفها بالأخشاب، وربما قرنصت بعض السقوف بالقصدير والأصباغ الملونة، وتفرش بالرّخام دياراتهم وبالزّيلخ (١) وهو نوع من الآجرّ [مدهون بدهان ملون] (٢) كالقاشاني بأنواع الألوان البيض والسود والأرزق والأصفر والأخضر وما يتركب [من] (٢) هذه الألوان وغالبه بالأزرق الكحلي، ومنهم من يتخذ منه وزرات لحيطان الدور، وأما دور هؤلاء فتفرش بآجر يسمى المزهري.

стр. 1212

ولأهل فاس ولع ببناء القباب فلا تخلو دار كبير <ة> في الغالب من قبتين أو أزيد، وصورة تفسير أبنية دورهم مجالس متقابلة على عمد من حجر وآجرّ، ورفارف مطلة على صحن الدار، وقدّامها طفافير يجري إليها الماء، ثم يخرج إلى بركة في وسط الصّحن، وتسمى البركة عندهم صهريجا، وغالب أعيانهم يعملون لهم حمامات في بيوتهم أنفة من الدخول مع عامة الناس، لأنّ حماماتهم صحن واحد لا خلوة فيها تستر بعض الناس من بعض، ولهم تأنق في البناء، و [همم لا تقصر] (١) بهم عن الغاية فيه. قلت: وثمّ فائدة لا بأس بذكرها والتنبيه عليها، ذكرها ابن سعيد في "المغرب"، وهي أن فاسا القديمة هي أيضا مدينتان، أقدمهما المعروفة بمدينة الأندلسيين بنيت في زمان إدريس ابن عبد الله الحسنيّ (٢) أحد خلفاء المغرب، ثم المعروفة بمدينة القرويين (٣) بنيت بعدها. قلت: وهاتان المدينتا <ن> هما المعبّر عنهما الآن بفاس العتيقة، فجملة فاس الآن ما يذكر: مدينة الأندلسيين ومدينة القرويين، ومدينة البيضاء، ومدينة حمص، وربض

стр. 1213

النصارى، والقصبة والذي يطلق على الجميع فاس القديمة، ولجميع الأندلسيين والقرويين وفاس الجديدة ولجميع البقية، وهي البيضاء، وحمص، والربض، ويطلق على الجميع اسم فاس، وقد ذكر ابن سعيد أنها إنما سمّيت [بفاس] (١) لأنهم لما شرعوا في بناء أساسها وجدوا فأسا فسموها به. وقد ذكر ابن سعيد فاسا، فقال: هي متوسطة بين مدن المغرب يعني الداخلة (٥٣٧) من مرّاكش وسبتة وسجلماسة وتلمسان عشرة أيام. قلت: ولتوسطها صلحت أن تكون قاعدة الملك ليقرب الملك من جميع نواحيه. قال ابن سعيد: ولها جنات كثيرة وزروع وضروع وخيرات، وعلى نهرها الأعظم الغربيّ نحو ثلاثة آلاف رحا، وعلى حافته القرى والضياع والمدن الجليلة، وهي تشبّه بدمشق وبغرناطة، والجبال تكتنفها، وهي ممتدة بنفسها، ونهرها يلاقي نهر وادي سبو (٢)، وهو أعظم أنهار المغرب يصبّ في المحيط بين سلا (٣) وقصر عبد الكريم (٤)، وفوهته هناك متسعة، وأمواجه مضطربة، وهي أكثر مياها من دمشق ومن غرناطة.

стр. 1214

قال ابن سعيد: ولم أر قطّ حمامات في داخلها عين تنبع إلا بها، وأثنى الشريف الإدريسيّ (١) في أخباره على مالكها ومآكلها ومطاعمها، ولأهلها اليد الطّولى في صناعة المخروطات من الخشب والنحاس، وهي تشبّه بدمشق في البساتين، وأهلها يشبّهون بأهل إسكندرية في المحافظة على علوم الشريعة وتغيير المنكر والقيام بالنّاموس، وفي عامتها الزعارة والمفاخرة بالقتل، وبها بستان ابن خيدن يشقّه نهر فاس، قال ابن سعيد: وما [رأى] (٢) أحد ما أنفق فيه من الأموال بين بنيان ونجارة وزخرفة وغرس، ثم قال: وفي فاس وظاهر من الإيوان ما يفوق به غيرها من البلدان، وقد قال ابن منقذ (٣) رسول الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى المنصور بن عبد المؤمن (٤) رحمهما الله في رسالته

стр. 1215

المغربية: ولقد أخرجوني إلى بستان بفاس يقال له البحيرة، أتفرج فيه، ضمانه خمسة وأربعون ألف دينار، [وفيه بركة ذرع كلّ جانب منها مئتان] (١) وستة عشر ذراعا بالمرفق، ويكون دور البركة ثماني مئة ذراع وأربعة وستين ذراعا، وعندهم ما هو أكبر من ذلك. والذي حكى لي السّلالجيّ أن أكثر عمائر المتنزهات في البساتين بها خفيفة الآن (٥٣٨) [لا] (٢) مبالغة لها ولا كلفة فيها، وقال: أما قول ابن سعيد، [إنّ على ضفة النهر ثلاثة آلاف رحا لا حقيقة له]، (٣) ولا [بعضه] (٤) إلا ما تقدم ذكره. وفاس وخيمة البقعة، ثقيلة الماء، يعلو وجوه سكانها صفرة، ويحدث لأجسادهم [كسل] (٥) وفترة. وقواعد الملك بهذه المملكة ثلاث، وهي: فاس وهي قاعدة الملك الثالثة، فأما سبتة، فإنا وإن كنا ذكرناها مملكة، وصدّرنا بها هذا الفصل بالممالك فإنّها ليست لملوك بني مرين بقاعدة، ولا ينظر إليها عندهم بعين الاحتفال، وأما كوننا ذكرنا هنا مرّاكش ولم نذكر <ها> في صدر هذا الفصل في الممالك فلأنها و [فاسا] (٦) ذات مملكة واحدة، وإنما التقدمة اليوم لفاس، فلم يبق لذكرها معنى، وأما ذكرها هنا فلأنها ملحوظة عند ملوكها، يعدّونها بعد فاس. وأما تلمسان: فمملكة تمادى الأمر عليها، وهي مستقلة بنفسها، وقد استضافها هذا

стр. 1216

السلطان إليه فصارت له قاعدة ثالثة. وأما المدن الكبار بهذه المملكة فهي اثنتان وأربعون مدينة، القائم فيها هذا السلطان عن آبائه ست وعشرون مدينة (١) وهي: فاس، ومرّاكش، وأغمات (٢)، وآسفي (٣)، وآنفا (٤)، وآزمّور (٥)، وتيط (٦)، وسلا، وأزيلا (٧)، والعرائش (٨)، وطنجة، والقصر الصغير (٩)،

стр. 1217

وسبتة، وبادس (١)، وتيجيساس (٢)، وعصاصة وهي المسماة باللدية البيضاء، و [قصر عبد الكريم] (٣)، وتازا (٤)، وصا، وسجلماسة، و [تطاوين] (٥)، ومليلة (٦)، والمزمّة (٧)، وتازوطة، ومكناسة (٨)، والمستجدّ لهذا السلطان عند فتحه بسيفه لمدينة تلمسان وقتل

стр. 1218

ملكها أبي تاشفين عبد الرحمن بن أبي حمو عبد الوادي (١) فهو تسع عشرة مدينة (٢)، وهي: تلمسان، ووجدة (٣)، ومديونة، و [ندرومة] (٤)، وهنين (٥)، ووهران، وتيمزغران (٦)، وبرشك (٧)، وشرشال (٨)، وتونت، ومستغانم (٩)، وتنس (١٠)، والجزائر، والقصبات، ومازونة (١١)، وتاحجحمت، ومليانة (١٢)، والمدية (١٣)، وأما صفروي (١٤)

стр. 1219

وهي مما ورثه عن أبيه فهي قرية كبيرة لا مدينة، (٥٣٩) [وكذا] (١) الطحا وتيمزّوعت مما فتحه، فمن عدّها في المدن جعل العدة خمسا وأربعين مدينة (٢)، وإلا فالصحيح ما بيناه، هذا ما تملّكه هذا السلطان مما على جنوب البحر الشاميّ من أول مخرج بحر الزّقاق المحيط إلى آخر عمالة جزائر بني مزغنّانة مع طول البحر وما يليه في الجنوب إلى الصحراء الكبيرة. وله بالأندلس الجزيرة الخضراء، ورندة، ومربلّة، وما فتحه بجيوشه المجهزة بها فهو بلد طريف، وجبل الفتح فتكون جملة المدن الكبار المنتظمة في مملكته ثمانيا وأربعين مدينة بما لها من المعاملات والرّساتيق والقرى والضياع والقلاع والحصون والبوادي، كلّ هذا بيد سلطانها القائم الآن يتصرف تصرف الاستقلال فيه، وبقية الأندلس لولا جيوشه مع الله تعالى لما بقيت، وقد كان على ملكها للفرنج في كلّ سنة أربعون ألف دينار، فمذ أجال بالأندلس خيله قطع تلك القطيعة، وأنعش بها رمق الإسلام. فأما إفريقيّة فقد نبهنا فيها على أنّه لولا إنجاد هذا السلطان لصاحبها على بني عبد الواد وعلى ذعّار العرب وثوار أهل بيته لما ثبتت له قدم، وقد ذكرنا أنّه أعاد عليهم مدينة تدلّس وبلادها، وكان قد أخذها بنو عبد الواد منهم. وحدّثني غير واحد من أهل إفريقيّة أنّ صاحبها ما بعث بنته (٣) إلى السلطان أبي الحسن المريني صاحب برّ العدوة إلا ليبقي عليه ملكه، وقد كان بعث بمفاتيح بجاية، وأشهد على نفسه أنه خرج عنها للسلطان المرينيّ، ومن وفائه أنه ردّها عليهم وصرفها

стр. 1220

إليهم، ولم يطمع لهم في شيء من بلادهم، بل أعاد لطارفهم وتلادهم مع المساعدة بالإنجاد حتى استولى على عدوّهم بالقتل، وتملك جميع بلاده كما قدمنا. ونحن وإن كنا ذكرنا إفريقيّة بذاتها مفردة بسلطان، فإنها في الحقيقة جزء من مملكة صاحب إفريقيّة فيها كالنائب له، وإنما صاحب برّ العدوة ينظر إليه بعين الإجلال لكونه بقية الموحدين، وهم أهل بيت ملك، ولهم أصالة السلطنة، وصاحب إفريقيّة إنما اشتدّ بمصاهرته له، وبهذا تمّ له في إفريقيّة (٥٤٠) سلطانه، وانكفّت أطماع العرب عنه بعد أن استخفوا في إفريقيّة بالسلاطين، وهان عليه أمر الأمراء، وكانوا بأيديهم تتولى الملوك وتسمن السلطنة وتهزل. فأما السبب الباعث لصاحب إفريقيّة على إرسال بنته إلى هذا السلطان أبي الحسن المرينيّ فهو أنّ سلطان بني عبد الواد صاحب تلمسان (١) كان قد حاصر بجاية، ونزل عليها، ونازلها وضايقها، ولم يطق صاحب إفريقيّة دفعه فأراد تأكيد معاضدة المرينيّ له، فزوجه ابنته في أيام أبيه أبي سعيد عثمان، وبعث إليه في البحر يستنجده، فخرج لإنجاده ثم مات، وأوصى ابنه [أبا] (٢) الحسن بإتمام النجدة لهم، فلم يزل على محاصرة تلمسان، حتى كان من فتوحه لها ما كان. وحدّثني من له إطلاع على ما حدّثني به، قال: وكان صاحب إفريقيّة مع انقياده إلى المرينيّ وعداوته لسلطان بني عبد الواد وقيام المرينيّ على عدوّه في هواه لا يؤثر في الباطن أنّ المرينيّ يظفر بصاحب تلمسان عدوّه، ليكون له به شغل عن قصده وانتزاع إفريقيّة منه لعلمه أنّ تلمسان حجاب بينهما، وأنّه لا طاقة له بالمرينيّ ولا قبل له به، ويحقّ له الخوف فإنّه في قبضته متى أراد.

стр. 1221

قلت: ومع ترامي صاحب إفريقيّة للمرينيّ وادعاءاته له لا يخطب له على منابره، ولا تضرب السّكّة باسمه، ومع اقتدار المرينيّ عليه وكونه لا يعدّ إلا كأحد نوابه ما طلب هذا منه، ولقد قال أبو الحسن المرينيّ في كتابه الوارد إلى حضرة السلطان بمصر مخبرا بفتوح تلمسان إنّ مملكته اتصلت من البحر المحيط إلى برقة، وهذا يؤكد ما قلناه من أن إفريقيّة كجزء من بلاده وأن صاحبها كالنائب له لأنّه قال إن مملكته إلى برقة، وإفريقيّة هي داخلة في هذا الحد، وهذه المملكة المجتمعة لهذا السلطان أبي الحسن فإنها هي الغرب بمجموعه، منها ما هو بيده، ومنها ما هو بيد ملوك في طاعته، وحيث يقال اليوم صاحب الغرب، فهو المراد، ولقد كان الناس زمان أبيه في جور حتى (٥٤١) ولي فبسط بساط العدل، وحمل على محجة الإنصاف، وأبطل المظالم و<ضرب> على يد كلّ ظالم، وأسقط المكوس، ولم يدع إلا الخراج والزكاة والعشر، وما يوجبه موجب طلب الشرع، وحلّ عقد <ة> الضمان، وكانت سببا للظلم والطلب المجحف، وكان يقال إنه بعد أن حلّ البلاد من الضّمان تنقص الأموال فزادت، وأدلّ الله بالعدل من البركات أضعاف ما كان. قال أبو عبد الله السّلالجيّ: أما ما ازداد وتثمّر فلا أعلم كم هو، وأما ما كان في عقدة الضمان في زمان السلطان أبي سعيد والد هذا السلطان خارجا عما كان يؤخذ من أصحاب الماشية من الإبل والبقر والغنم فهو تفصيله: فاس: مئة وخمسون ألف مثقال. مرّاكش: مئة وخمسون ألف مثقال. سبتة: خمسون ألف مثقال.

стр. 1222

آسفي: خمسة وعشرون ألف مثقال. أغمات: خمسة وعشرون ألف مثقال. آنفا: أربعون ألف مثقال. آزمّور: عشرون ألف مثقال. طنجة: ثلاثون ألف مثقال. بادس: عشرة آلاف مثقال. مكناسة: ستون ألف مثقال. صفروي: ستة آلاف مثقال. سجلماسة ودرعة (١): مئة وخمسون ألف مثقال. [تازا] (٢): ثلاثون ألف مثقال. عصاصة ومليلة والمزمّة: ثلاثون ألف مثقال. تيط: خمسة آلاف مثقال. تيجيساس: خمسة آلاف مثقال.

стр. 1223

% قال السّلالجيّ: وهذا الضمان كان جاريا على جميع المجابي ما كان يستأدى من وجوه الخراج والزكاة والموجبات والمكوس خارجا عن عداد المواشي وغلات المجاسر والحصون والقلاع والمجاسر وهي القرى، قال: وأما تطاوين، والقصر الصغير، وصا، فإنّها كانت بكفلها لا يتحصل شيء منها، قال: هذا المبلغ هو الذي كان يجري عليه الضمان، وقد كان يزيد وينقص باختلاف الأحوال والأوقات، وإنما هذا هو الغالب، ولا كثير تفاوت فيما يزيد وينقص منه، قال: والذي استفتحه الآن (٥٤٢) لا يقصر عن نظر الثلاثين فإنما يقصر شيئا يسيرا، لأن تلمسان مملكة جليلة وسيعة المدى كثيرة الخيرات ذات حاضرة وبادية وبرّ وبحر. وسألت السّلالجيّ عن عدّة العسكر لاختلاف الأقوال فيهم، فمن مكثر إلى غاية، ومن متقارب، وكان ابن جرار قد قال إلي: إنهم مئة ألف وأربعون ألفا، قال السّلالجيّ: الذي نعرفه قبل فتح تلمسان فما كانت تزيد جريدة جيشه المثبتين في الديوان على أربعين ألف فارس لا غير، غير حفظة المدن والسواحل، وكان يمكنه إذا استجاش لحرب أن يخرج في جموع كثيرة جدا لا تنحصر بعدد ما، ويكون الآن قد زاد على ما أعرفه مثله لاستجداد تلمسان له، وهي مملكة كبيرة، وسلطنة جليلة تكون قريب الثلاثين مما كان بيده، ولطاعة أمم من أهل الجبال والأطراف، وقد كانوا يعصب رؤوسهم التيه، ويجنح بهم العصيان، وقد تثعلبت له اليوم آسادهم، وأصحرت له وعولهم. قال العقيليّ: أما جيشه الآن فيكون مئة وأربعين ألفا غير من يستجيش به. وسألت السّلالجيّ عن مقدار عمارة فاس عتيقها وجديدها، فقال:

стр. 1224

تكون قدر ثلث مصر والقاهرة وحواضر هما لكن [عالمها] (١) أقلّ، وبالغ في وصف دياراتها وأوطانها، وما اشتملت عليه بساتينها المنوعة الثمار المطردة الأنهار، وما بها من الرّخاء الدائم والأمن والدعة، فسألته عن معاملاتها وأسعارها، فقال: المثقال الذهب بمائة وعشرين درهما من الدراهم الصغار، وهي ستون درهما من الكبار، لأنّ كلّ درهم من الكبار بدرهمين من الصغار، وكلّ درهم من هذه الدراهم الكبار يكون نظير درهم أسود في مصطلح أهل مصر، والدرهم الأسود بمصر هو ثلث درهم نقرة من معاملة مصر والشام، قال السّلالجيّ: وكلّ ثلاثة كبار بدرهم واحد نقرة من معاملة مصر والشام، هذا على جهة التقريب لا التحقيق. وأما الدراهم الصغار (٥٤٣) فكلّ درهم منها نصف درهم كبير، وهو نصف درهم أسود يكون سدس درهم نقرة من معاملة مصر والشام، وحيث يقال درهم ويسكت، لا يراد به إلا الدرهم الصغير، وهو سدس درهم إلا بمرّاكش وما جاورها وقاربها <فإنه> حيث قيل درهم لا يراد به إلا الدرهم (٢) الكبير بيض على الصغير، (٣) هذا في مرّاكش وعملها وما قاربها خاصة دون بقية برّ العدوة على الإطلاق. والرّطل هو نظير رطل إفريقيّة سواء على ما تقدم ذكره، وأما الكيل فأكبره الوسق، ويسمى الصّحفة، وهو ستون صاعا من الصّاع النبويّ محررا، قال: وأما الأسعار، فإن أواسط الأسعار كلّ وسق قمح بأربعين درهما من الصغار، والشعير دون

стр. 1225

ذلك، وكلّ رطل لحم بدرهم واحد من الصغار، وكلّ طائر من الدجاج بثلاثة دراهم من الصغار، هذا كلّه من المتوسط بالسعر المتوسط في غالب الأوقات. وبرّ العدوة به من أرزاق الحبوب القمح، والشعير، والفول، والحمص، والعدس، والدّخن، والسلت وغير ذلك إلا الأرزّ فإنّه قليل، وإن ازدرع في بعض الأماكن من برّ العدوة، ولكنّه يجلب إليهم من بلاد الفرنج، وما لهم نهمة في أكله ولا عناية به، ويزرع به السّمسم، ولكنه ليس بكثير لا يعتصر منه بالغرب شيرج، ولا يأكل الشّيرج منهم إلا من وصفه له الطبيب، وإنما أكلهم عوضه الزيت ومزورات الضعفاء، وهم يعملون الحلوى بالعسل والزّيت. وبها أنواع الفواكه المستطابة اللذيذة المتعددة الأنواع والأجناس من النخل والعنب، والتين، والرمّان، والزيتون، والسّفرجل، والتفاح على أصناف، والكمّثرى كذلك، ويسمى ببرّ العدوة الإنجاص كما يسمى بدمشق، والمشمش، والعين (١) والبرقوق، والقراسيا، والخوخ غالب ذلك على عدة أنواع، وأما التوت فقليل، وبها الجوز، واللّوز، ولا يوجد بها الفستق والبندق إلاّ إن جاء مجلوبا. وبها الأترجّ، والليمون، والليم، والنّارنج، والزنبوع، وهو المسمى (٥٤٤) بمصر والشام الكبّاد، والبطيخ الأصفر، وأما الأخضر فهو يسمى عندهم بالدلاع، وهو قليل والموجود منه لا يستطاب. وبها الخيار، والقثّاء، واللّفت، والباذنجان، والقرع، والجزر، واللّوبياء، والكرنب، والشّمار، والصّعتر، وسائر البقول، وأما القلقاس فلا يزرع عندهم إلا للفرجة على ورقه، (٢) لا لأن يؤكل، ولا يوجد بها الموز إلا في بعض المواضع نادرا مما يهدى ويباع.

стр. 1226

وأما قصب السكر فهو بجزائر بني مزغنّا وبالسوس وبنواحي مرّاكش وبسلا كثير، ولولا عدم استقامة أهل السوس وتلك الأطراف وكثرة التوائهم لكان كثيرا جدا، والموجود منه يعمل منه قند، ويسبك منه السكر، ولكنّه متوسط المقدار. وقد سألت ابن جرار عما يعمل بمرّاكش من السكر، فقال: يعمل منه أنواع ويخلص منه مكرر يجيء في نهاية البياض والصلابة ولطافة الذّوق، ويقارب مكرر مصر إن لم يكن مثله، لكنّ نوع السكر المعمول به بالغرب غير كثير، قال: ولو أنهم أكثروا من نصب الأقصاب لكثر. قال العقيليّ: إن بمرّاكش أربعين معصرة للسكر أو أزيد، وزادت على سوس، ومزارعه في أرض مرّاكش [بواد] (١) يعرف بوادي نفيس (٢)، وإنّ حمل حمار من القصب يباع بثلاثة دراهم يكون بدرهم واحد كامليّ، فسألته عن السبب المانع لهم من الاستكثار منه، فقال: لكثرة وجود عسل النحل واعتياد المغاربة لأكله، ووصف العسل عندهم ولذاذة طعمه وكثرة ألوانه. ولقد سألت كثيرا من المغاربة حتى ممّن أقام بمصر وتمصّر عن السكر فوجدتهم مائلين بالطباع إلى تفضيل العسل في الأكل عليه، واستطابتهم له أكثر من السكر واستعمالهم للعسل بدلا منه في أطعمتهم وحلوائهم، وزعموا أنّ ما يعمل من العسل ألذّ مما يعمل من السكّر، وهذا مما لا نسلمه إليهم ولا يدّعي هذه الدعوى ذو ذوق سليم ولا نظر مستقيم. ولقد قال لي كثير منهم إنّه ما يستعمل السكر عندهم في الغالب إلا المرضى والغرباء أو

стр. 1227

الكبار من الناس (٥٤٥) [في] (١) المواسم والضيافات. قالوا: وكذلك الأرزّ لا يؤكل عندهم إلا في يوم حفل أو دعوة أو مريض أو غريب اعتاد أكل الرزّ في بلاده، وقد طال ما جرّه الحديث في هذا، ونعود إلى تكملة ما يوجد في برّ العدوة. قال السّلالجيّ: بها من الرّياحين الورد، والبنفسج، والياسمين، والآس، والنرجس، والسّوسن، والبهار، وغير ذلك. وبها من الدوابّ الخيل، والبغال، والحمير، والإبل، والبقر، والغنم، ولا يعدم عندهم إلا الجاموس فإنّه لا يوجد عندهم. وبها أنواع من الطير من الأوزّ والحمام، والدجاج، وغير ذلك، والكركيّ كثير عندهم على بعد الديار وغربة الأوطان وتسمى عندهم الغرانيق، وهي عندهم صيد الملوك كما هو بمصر والشام، وفي صحاريها من أنواع الوحش الحمر، والبقر، والنّعام، والغزال، والمها، وغير ذلك. وأما مرّاكش (٢) فهي متوسطة بين المحيط إلى الصحراء إلى البحر أربعين ميلا وإلى الصحراء وهي كما قدّمنا ثانية قواعد الملك. حكى لي غير واحد عن سعة دورها وضخامة عمائرها وما فيها من قصور بني عبد المؤمن وأولادهم وأجنادهم، حتى يقال إنّه إذا كان الرجل في صدر الدار ونادى رفيقه وهو في صدرها الآخر بأعلى صوته لا يكاد يسمعه لاتساعها.

стр. 1228

قال ابن سعيد: ودورها سبعة أميال، وهي بسيطة يمتدّ فيها البصر بناها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين (١)، وأول ما بني بها القصر المعروف بقصر الحجر (٢) ثم بنى الناس حوله، ثم إنّ يوسف العشريّ، - وهو أبو يعقوب بن عبد المؤمن - (٣) كبّرها وفخّمها ومصّرها وضخّمها، وجلب إليها المياه والغراس، ومنارة جامعها المعروف بالكتبيّين (٤) طولها مئة وعشرة أذرع من الحجر (٥) وعلى باب جامعها ساعات ارتفاعها في الهواء خمسون ذراعا، ينزل عند انقضاء كلّ ساعة صنجة وزنها مئة درهم، يتحرك بنزولها أجراس يسمع وقعها من بعيد،

стр. 1229

وتسمى عندهم المنجانة، (١) وهي الآن بطّالة لا تدور. قال ابن سعيد: وحضرة (٥٤٦) [مرّاكش] (٢) مما سكنتها وعرفتها ظاهرا وباطنا، ولا أرى العبارة تفي بما تحتوي عليه، ويكفي أنّ كلّ قصر من قصورها مستقل بالديار والبساتين والحمام والإسطبلات والمياه وغير ذلك حتى يغلق الرئيس منهم بابه على جميع خوله وأقاربه وما يحتاج [إليه] (٣)، ولا تخرج له امرأة إلى خارج داره. ولا يشتري شيئا من السوق لمأكل ولا يقرئ أولاده في مكتب خارج، ويخرج هو من بيته راكبا لا تقع عليه العين راجلا، (٤) [قال: ولا أدري كيف أصل إلى غاية من الوصف أصف بها ترتيب هذه المدينة المحدثة، فإنها من عجائب همّات السلاطين، ذات أسوار ضخمة وأبواب عالية. وبظاهرها مدينة اختطّها المنصور يعقوب بن <يوسف> بن عبد المؤمن له ولخواصه تعرف بتامرّاكش، وبها قصر الخلافة الذي بناه] وبه ديار عظيمة منها دار البلّور، ودار الرّيحان، ودار المال، وكلّ دار منها لا تخلو من المياه والبساتين العجيبة والمناظر المرتفعة المشرفة على بسائط مرّاكش.

стр. 1230

ولها ثلاثة أبواب مختصة بها: باب البستان وكان لا يراه إلا خواص بني عبد المؤمن يفضي إلى بستان يعرف بالبحيرة طوله اثنا عشر ميلا، فيها العمائر الجليلة والمصانع العظيمة والبركة التي لم يعمل مثلها. قال العقيليّ: وطولها ثلاث مئة وثمانون باعا، على جانبها الواحد أربع مئة شجرة من النّارنج، وبين كلّ اثنتين إما ليمونة وإما ريحانة. والباب الثاني: باب القراقين وهو في داخل المدينة مرّاكش، يتصرف منه إلى ما يحتاج إليه بالمدينة. والباب الثالث: باب الرياض أمامه رحبة عظيمة تحمل طراد الخيل، وكان بها أنواع من الوحوش في زمان بني عبد المؤمن، وبها قبّة الخلافة إلى جانب الباب، كان يخرج إليها خليفتهم بكرة كلّ نهار، وتكون بها الخدمة، وفي رحبة القصر دار الكرامة والأضياف، وفيها (٥٤٧) يقول أبو بكر بن مجير المرسيّ - (١) ﵀: <الخفيف> ذاك داعي الهوى بمثوى الإمامه … موجب للأنام دار الكرامه قد دعا دعوة العموم إليها … معلنا كالنّداء أو كالإقامه فتباروا إلى نعيم عميم … فتحوا بابه وفضّوا ختامه خير قوم دعوا إلى خير دار … هي للملك نضرة وكمامه عالم السّبعة الأقاليم فيها … وهمو في فنائها كالقلامه ما توسّمت قبل جمع أتاها … أنّ ذا الحشر قبل يوم القيامه
следующие страницы →