← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وأما قصب السكر فهو بجزائر بني مزغنّا وبالسوس وبنواحي مرّاكش وبسلا كثير، ولولا عدم استقامة أهل السوس وتلك الأطراف وكثرة التوائهم لكان كثيرا جدا، والموجود منه يعمل منه قند، ويسبك منه السكر، ولكنّه متوسط المقدار. وقد سألت ابن جرار عما يعمل بمرّاكش من السكر، فقال: يعمل منه أنواع ويخلص منه مكرر يجيء في نهاية البياض والصلابة ولطافة الذّوق، ويقارب مكرر مصر إن لم يكن مثله، لكنّ نوع السكر المعمول به بالغرب غير كثير، قال: ولو أنهم أكثروا من نصب الأقصاب لكثر. قال العقيليّ: إن بمرّاكش أربعين معصرة للسكر أو أزيد، وزادت على سوس، ومزارعه في أرض مرّاكش [بواد] (١) يعرف بوادي نفيس (٢)، وإنّ حمل حمار من القصب يباع بثلاثة دراهم يكون بدرهم واحد كامليّ، فسألته عن السبب المانع لهم من الاستكثار منه، فقال: لكثرة وجود عسل النحل واعتياد المغاربة لأكله، ووصف العسل عندهم ولذاذة طعمه وكثرة ألوانه. ولقد سألت كثيرا من المغاربة حتى ممّن أقام بمصر وتمصّر عن السكر فوجدتهم مائلين بالطباع إلى تفضيل العسل في الأكل عليه، واستطابتهم له أكثر من السكر واستعمالهم للعسل بدلا منه في أطعمتهم وحلوائهم، وزعموا أنّ ما يعمل من العسل ألذّ مما يعمل من السكّر، وهذا مما لا نسلمه إليهم ولا يدّعي هذه الدعوى ذو ذوق سليم ولا نظر مستقيم. ولقد قال لي كثير منهم إنّه ما يستعمل السكر عندهم في الغالب إلا المرضى والغرباء أو

стр. 1227

الكبار من الناس (٥٤٥) [في] (١) المواسم والضيافات. قالوا: وكذلك الأرزّ لا يؤكل عندهم إلا في يوم حفل أو دعوة أو مريض أو غريب اعتاد أكل الرزّ في بلاده، وقد طال ما جرّه الحديث في هذا، ونعود إلى تكملة ما يوجد في برّ العدوة. قال السّلالجيّ: بها من الرّياحين الورد، والبنفسج، والياسمين، والآس، والنرجس، والسّوسن، والبهار، وغير ذلك. وبها من الدوابّ الخيل، والبغال، والحمير، والإبل، والبقر، والغنم، ولا يعدم عندهم إلا الجاموس فإنّه لا يوجد عندهم. وبها أنواع من الطير من الأوزّ والحمام، والدجاج، وغير ذلك، والكركيّ كثير عندهم على بعد الديار وغربة الأوطان وتسمى عندهم الغرانيق، وهي عندهم صيد الملوك كما هو بمصر والشام، وفي صحاريها من أنواع الوحش الحمر، والبقر، والنّعام، والغزال، والمها، وغير ذلك. وأما مرّاكش (٢) فهي متوسطة بين المحيط إلى الصحراء إلى البحر أربعين ميلا وإلى الصحراء وهي كما قدّمنا ثانية قواعد الملك. حكى لي غير واحد عن سعة دورها وضخامة عمائرها وما فيها من قصور بني عبد المؤمن وأولادهم وأجنادهم، حتى يقال إنّه إذا كان الرجل في صدر الدار ونادى رفيقه وهو في صدرها الآخر بأعلى صوته لا يكاد يسمعه لاتساعها.

стр. 1228

قال ابن سعيد: ودورها سبعة أميال، وهي بسيطة يمتدّ فيها البصر بناها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين (١)، وأول ما بني بها القصر المعروف بقصر الحجر (٢) ثم بنى الناس حوله، ثم إنّ يوسف العشريّ، - وهو أبو يعقوب بن عبد المؤمن - (٣) كبّرها وفخّمها ومصّرها وضخّمها، وجلب إليها المياه والغراس، ومنارة جامعها المعروف بالكتبيّين (٤) طولها مئة وعشرة أذرع من الحجر (٥) وعلى باب جامعها ساعات ارتفاعها في الهواء خمسون ذراعا، ينزل عند انقضاء كلّ ساعة صنجة وزنها مئة درهم، يتحرك بنزولها أجراس يسمع وقعها من بعيد،

стр. 1229

وتسمى عندهم المنجانة، (١) وهي الآن بطّالة لا تدور. قال ابن سعيد: وحضرة (٥٤٦) [مرّاكش] (٢) مما سكنتها وعرفتها ظاهرا وباطنا، ولا أرى العبارة تفي بما تحتوي عليه، ويكفي أنّ كلّ قصر من قصورها مستقل بالديار والبساتين والحمام والإسطبلات والمياه وغير ذلك حتى يغلق الرئيس منهم بابه على جميع خوله وأقاربه وما يحتاج [إليه] (٣)، ولا تخرج له امرأة إلى خارج داره. ولا يشتري شيئا من السوق لمأكل ولا يقرئ أولاده في مكتب خارج، ويخرج هو من بيته راكبا لا تقع عليه العين راجلا، (٤) [قال: ولا أدري كيف أصل إلى غاية من الوصف أصف بها ترتيب هذه المدينة المحدثة، فإنها من عجائب همّات السلاطين، ذات أسوار ضخمة وأبواب عالية. وبظاهرها مدينة اختطّها المنصور يعقوب بن <يوسف> بن عبد المؤمن له ولخواصه تعرف بتامرّاكش، وبها قصر الخلافة الذي بناه] وبه ديار عظيمة منها دار البلّور، ودار الرّيحان، ودار المال، وكلّ دار منها لا تخلو من المياه والبساتين العجيبة والمناظر المرتفعة المشرفة على بسائط مرّاكش.

стр. 1230

ولها ثلاثة أبواب مختصة بها: باب البستان وكان لا يراه إلا خواص بني عبد المؤمن يفضي إلى بستان يعرف بالبحيرة طوله اثنا عشر ميلا، فيها العمائر الجليلة والمصانع العظيمة والبركة التي لم يعمل مثلها. قال العقيليّ: وطولها ثلاث مئة وثمانون باعا، على جانبها الواحد أربع مئة شجرة من النّارنج، وبين كلّ اثنتين إما ليمونة وإما ريحانة. والباب الثاني: باب القراقين وهو في داخل المدينة مرّاكش، يتصرف منه إلى ما يحتاج إليه بالمدينة. والباب الثالث: باب الرياض أمامه رحبة عظيمة تحمل طراد الخيل، وكان بها أنواع من الوحوش في زمان بني عبد المؤمن، وبها قبّة الخلافة إلى جانب الباب، كان يخرج إليها خليفتهم بكرة كلّ نهار، وتكون بها الخدمة، وفي رحبة القصر دار الكرامة والأضياف، وفيها (٥٤٧) يقول أبو بكر بن مجير المرسيّ - (١) ﵀: <الخفيف> ذاك داعي الهوى بمثوى الإمامه … موجب للأنام دار الكرامه قد دعا دعوة العموم إليها … معلنا كالنّداء أو كالإقامه فتباروا إلى نعيم عميم … فتحوا بابه وفضّوا ختامه خير قوم دعوا إلى خير دار … هي للملك نضرة وكمامه عالم السّبعة الأقاليم فيها … وهمو في فنائها كالقلامه ما توسّمت قبل جمع أتاها … أنّ ذا الحشر قبل يوم القيامه

стр. 1231

تسام الريح حين تطوي مداها … وتحول العيون دون بشامه وفي هذه الرحبة المدينة، وهي مكان جليل به خزائن الكتب، وفيه كان خلفاء بني عبد المؤمن يجالسون العلماء، وفيها دار مخصوصة للوزارة المحلاّة بوزير الجند، وتفضي هذه الرحبة إلى باب السّادة وهو يفضي إلى خارج مرّاكش كان مخصوصا ببني عبد المؤمن، إليه ينتهون على خيلهم وعليه سلسلة منها ينزلون، وهناك مقابر أكابرهم وجنائز الأعيان في نهاية حسن المباني والغراس. وفي الرحبة باب السقائف، وهو باب كبير يخرج منه إلى سقائف أهل الجماعة، وهم ذرية العشرة أصحاب مهديّهم ابن تومرت، وسقائف أهل الخمسين، وسقائف الطلبة، وهم أهل العلم والقراءة، وسقائف الحفاظ، وهم المقدّمون على الأعمال لحفظها، وسقائف أهل الدار، وهم غلمان الخلافة. ثم يخرج من هذه الرّحبة إلى سقائف القبائل وأعيان الغزّ والجموع، ثم يفضي إلى رحبة عظيمة فيها سقائف جنفيسة وجدميوة، والقبائل هسكورة وصنهاجة، وهؤلاء هم قبائل الموحّدين، وبها موضع صاحب الشّرطة، وبإزائها الجامع المبنيّ في تامرّاكشت على صحنه شبك من الصفر الأندلسيّ وهو في غاية الزّخرفة والإتقان، ولا يبرح المنبر مستورا في بيت المقصورة (٥٤٨)، وهو والمقصورة مستوران إلى يوم الجمعة قريب الصلاة ترفع ستورها، والنهر الذي جلبه المنصور إليها يخترق قصوره ثم يمرّ على السقائف والرّحاب المقدمة الذكر، ثم يحدق بالجامع، ثم يمرّ بالجامع وبين الأسواق قدر ميل إلى أن يخرج على باب الصالحية من أبواب مرّاكش في هذه الرحبة المقدمة الذكر. باب الكحل: كان منه دخول الموحدين، وأمامه فضاء عظيم يسع وقوف الخلائق و [صرفها] (١).

стр. 1232

وباب الربّ لا يدخل هذا النوع إلا منه (١) لاحتمال أن يدخل المدينة خمر. وبها الصّهريج الكبير، والصّهريج في [لغة أهل] (٢) المغرب: البركة، وهي بركة عظيمة عليها سور وباب يصب فيها النهر الثاني الداخل إلى مرّاكش، وفيها يوزّع بقياس معلوم على قصور الناس، ثم ينحدر بقية الماء في نهر يشقّ المدينة (٣) من جهة أخرى في وسط الأسواق وما يمرّ (٤)، وفيها برك تصبّ فيها المياه، وفي هذه الرّحبة باب الشريعة أمام مصلّى العيدين و [بينهما] (٥) فسيح عظيم به سوق الخيل، وللسلطان به قصر مطلّ عليه. ويليه باب نفيس يخرج منه إلى بلد نفيس (٦) المفضلة بالمياه والأعناب، وقدامه بركة اقنا يتعلم فيها الصبيان العوم. ويليه باب مخزن السلطان، كان به وإلى جانبه قصر سعيد، وقصر أمة العزيز، وقصر ابن جامع، لا يعلم كم غرّم على كلّ واحد منها حتى قال ابن سعيد في "المغرب" عن قصر ابن جامع وهو أحد وزراء بني عبد المؤمن: وإنّه كان في داره ساحة يلعب فيها خمس مئة جارية على خيل الخشب وتتطاعنّ. ويلي ذلك باب مسوفة يفضي إلى المقابر.

стр. 1233

وباب دكّالة، وهو مفض إلى المتنزّهات. ويليه باب الرخاء. ويليه باب ناغورت. ويليه باب فاس، وهو مفض إلى فضاء يفضي إلى نهر كبير لا يخاض إلا في زمان الصّيف، وعليه بساتين جليلة ومتنزّهات. ويليه باب الدبّاغين. ويليه باب سان (١). (٥٤٩) ويليه باب إيلان (٢). ويليه باب أغمات، وأمامه منازل المخدومين لا يمازجون الحضرة. ويليه باب الصالحية، وخارجه مقابر وبساتين. ولمرّاكش بواد فسيحة وما اختار ابن تاشفين بقعتها إلا لمراعي إبله حولها وبها [كثير من] (٣) أرباب العمائر. وأما تلمسان (٤) وهي قاعدة الملك الذي فتحه هذا السلطان بسيفه، واستضافه إلى

стр. 1234

ملكه، قال الشّريف في كتاب [رجّار "] (١) وهي في سفح جبل وبها آثار الأول، وماؤها مجلوب من عيون على ستة أميال، ولها أسواق ضخمة، ومساجد جامعة، وأنهار وأشجار، وشجر الجوز كثير بها، وفيها المشمش المقارب في حسنه لمشمش دمشق وعلى نهرها (٢) الأرحاء، ويصبّ نهرها في بركة عظيمة من آثار الأول، ويسمع لوقعه خرير على مسافة ثم يصبّ في نهر آخر (٣) بعد ما يمرّ على البساتين، ويستدير بقبليّها وشرقيّها، وتدخل فيه السفن اللطاف حيث يصبّ في البحر. وهي دار علم متوسطة في قبائل البربر، ومقصد تجار الآفاق، زكية الأرض من الزرع والضرع، وبها حصون كثيرة، وفرض عديدة أشهرها فرضة هنين وهي قبالة المريّة [من الأندلس] (٤) ووهران [في شرقيّ تلمسان بشمال قليل على مسيرة يوم من تلمسان، ومستغانم تقابل دانية (٥) من الأندلس]. (٤) وتلمسان على ما بلغ حدّ التواتر في غاية المنعة والحصانة مع أنها في وطاءة لكنها محصّنة البناء، ولقد أقام أبو يعقوب يوسف عمّ هذا السلطان أبي الحسن نحو عشر

стр. 1235

سنين (١) وبنى عليها مدينة سماها تلمسان الجديدة (٢) ثم مات، وسمى أهل تلمسان تلك السنة سنة الفرج حتى كتبوا في سكّتهم ونقشوا: ما أقرب فرج الله، وشرع حينئذ أبو حمّو (٣) بعد إتمام سنة من الفرج من رحيل بني مرين عنها، وهو والد سلطانها أبي تاشفين المأخوذة منه <في> تحصيل قوتها، وتحصين أسوارها، ولم يدع ما يحتاج إليه المحاصر لعدة سنين كثيرة حتى حصله من الأقوات والآلات (٤) حتى سليت الشّحوم، وتملّيت بها الصّهاريج وملئت أبراج المدينة بالملح والفحم والحطب واختزن [أرضا] (٥) (٥٥٠) داخل المدينة كلّها زرع، ومات أبو حمّو وولي بعده أبو تاشفين فزادها تحصيلا من الأقوات، وتحصينا من الأسوار والآلات، وبنى بها البناءات العجيبة الشكل، والقباب الغريبة المثل، والبرك المتسعة، والقصور المنيفة، وغرس فيها بساتين، غرس بها من سائر أنواع الثمار إلى أن حاصر بجاية ونازلها وبنى عليها، فاستنجد الموحّدون المرينيّ، فأرسل إليه العلماء والصلحاء والأعيان، وندبوه إلى الصلح بينهم فأبى إلا عتوا وفسادا، فنهض إليه أبو الحسن وحاصره أشدّ حصار، وبنى عليه مدينة سماها المنصورة، وبقي أربع سنين محاصرا لها، مضيفا

стр. 1236

عليها آخذا بخناقها، ونصب عليها المجانيق، وأخذ عليها المسالك من كلّ جهة، ولم يدع طريقا لداخل إليها ولا لخارج منها، وسلطانها أبو تاشفين وجميع أهلها في ضيق الخناق معهم، ولا يفكّ لهم وثاق، ولا يحلّ لهم خناق، ولا تبرق لديهم بارقة خلاص، وكانوا مع هذا التشديد الشديد في غاية الامتناع، لحصانة بلدهم وكثرة ما بها من الماء والأقوات، وكان في المدينة عين ماء لا يقوم بكفايتها، وكان يجري إليها الماء من عين خارجة عن البلد لم يعرف لها [أحد] (١) منبعا أخفيت بكثرة البناء المحكم، ولم يظهر لها على علم إلى أن خرج أحد من يعرفها من البنّائين المختصين بسلطانها الكاشف عنها حين بنائها، فأظهرها للسلطان أبي الحسن وكشف عنها فقطعها عنهم، وأبعدها منهم، وصرفها إلى جهة أخرى فقنعوا بالعين التي في داخل بلدهم، واكتفوا بالبلالة، ولم يظهر منهم وهن ولا خور لانقطاع الميرة لما كان عندهم من المخزون حتى قدائد اللحوم ومسليات الشحوم ولم يتغير طعمها لأن بلاد الغرب مخصوصة بطول مكث المخزونات بها، فإنه ربما بقي القمح والشعير في بعض أماكنها ستين سنة (٢) لا يتغير ولا يسوّس ثم يخرج بعد خزن هذه المدة الطويلة فيزرع وينبت وخصوصا تلمسان في برّ العدوة، وطليطلة (٣) في الأندلس.

стр. 1237

حكى ابن ظافر (١) في كتابه (٥٥١) المترجم ب "سياسة الملوك" (٢) أن القمح يقيم بطليطلة ثمانين سنة مخزونا في صهاريج، ثم يخرج ويزرع، قال: ولا يزيدها مدة الحزن إلا صفاء، ولا طول المكث إلا جدّة. ونعود إلى ذكر تلمسان، فنقول: إنها منحرفة إلى الجنوب الشرقيّ <من> فاس، ولها ثلاثة أسوار ومن جهة القصبة ستة أسوار بعضها داخل بعض، ولم يهجس بخاطر أنها تؤخذ ولكن يسر الله لهذا السلطان أبي الحسن المرينيّ صعبها وذللّ له إباءها حتى ملك ناصيتها، وبلغ دانيتها وقاصيتها، وإذ قد ذكرنا قواعد الملك الثلاث فلنذكر ما لا بأس بذكره من هذه البلاد. وأول ما نبدأ بذكره سبتة (٣) لصيتها الطائر في الآفاق لمكان بحر الزّقاق منها، وهي على ضفة بحر الزّقاق الداخل من البحر المحيط، وهي في طرف من الأرض شديد الضيق من جهة الغرب، والبحر المحيط محيط بها شرقا وغربا وقبلة، ولو شاء أهلها أن يصلوها به من جهة الشمال لوصلوه فتكون جزيرة منقطعة، ولها فاكهة كثيرة وبها قصب سكر ليس بالكثير، وعليها أبراج كثيرة، وأسوارها عظيمة من صخر محيط بها، وكذلك يحيط بجبل مينائها الذي بشرقيّها وبربضها أسوار، وبها حمامات يجلب إليها الماء على الظهر من البحر في الشواني (٤) وطول المدينة من السور الغربيّ المحيط على ربضها إلى آخر الجزيرة خمسة أميال،

стр. 1238

ولم تزل دار علم وفقه، وقد ذكر الحجاريّ (١) أول مصنفي كتاب "المغرب" أنها أول ما بني في برّ العدوة، وهي من فرض البحر العظيمة لكثرة ما يرد عليها من مراكب المسلمين والنصارى من كلّ جهة، وجميع طرف الدنيا أو غالبها موجود فيها، وهي مليحة نزهة، والبحر عندها ضيق، وإذا كان الصّحو بصر أهلها منها الجزيرة الخضراء المسامتة لها (٥٥٢) من الأندلس، وشرب أهلها من الماء مجلوب إليهم من البحر من بليونش (٢) وغيرها من متنزّهاتها، وفي داخلها صهاريج من ماء المطر، والأغنام تجلب إليها، والقمح لا يزكو نباته في أرضها، وإنما يجلب إليها جلبا كثيرا، وبها الصخرة التي يقال (٣) إنّ موسى ﵇ آوى إليها ولا يصحّ، وبها سمك كثير منه نوع يسمى سمك موسى نسبة إلى حوته الذي اتخذ سبيله في البحر سربا، ولحمه نافع من الحصا، مقوّ للباه، وهو يوجد بالبحر قريب جبل سبتة المعروف بجبل [موسى بن نصير] (٤)، وبه رمال ينبط منها الماء العذب، وينبعث من

стр. 1239

أجواف على ضفة البحر، ولقرب سبتة من الزّقاق الذي منه البحر الشاميّ يقال للبحر الشاميّ البحر السّبتيّ، وكانت سبتة دار ملك للعزفيين (١) حتى أخذها بنو مرين، تقرب بها صاحبها [إبراهيم] (٢) إلى السلطان أبي سعيد (٣)، وتغلب له عليه صاحبها محمد بن القائد عليّ العزفيّ وأخذها بالملاطفة بالسيف وسلّمها إليه وعوضهم عنها بما أرضاهم من الإحسان والضّياع والمرتبات العظيمة، وأقاموا معه بفاس ملحوظين بالإكرام والتّقديم. ثم نذكر طنجة (٤) لأنها لا يخلو مصنف في هذا الشأن من ذكرها، لأنّها كانت دار ملك قديم وذكر شائع، وهي مدينة مسوّرة متقنة على ساحل بحر الزّقاق، وهو محطّ السفن اللطاف، وكانت قاعدة تلك الجهات قبل الإسلام وحين الكتب القديمة المصنفة في هذا الشأن ذكرها (٥)، وهي كثيرة الفواكه، وخصوصا العنب والكمّثرى، وأهلها مخصوصون ومشهورون بقلة العقل وسخف الرأي على أن أبا الحسن بن بيّاع الصّنهاجيّ الطّنجيّ منها، وقد أثنى عليه الفتح صاحب "قلائد العقيان" فقال: طود سكون ووقار، وروضة نباهة يانعة الأزهار، ووصفه بالعلم والبلاغة (٥٥٣) والطبّ، وأنشد له أشعارا منها يصف روضة ممطورة: <الكامل> وقفت عليها السحب وقفة راحم … فبكت لها بعييونها وقلوبها

стр. 1240

فعجبت للأزهار كيف تضاحكت … ببكائها وتباشرت بقطوبها وقوله (١): <الوافر> لقد جثمت بقلبك متلفات … بكلّ ثنيّة منها صريع وقد تحمي الدروع من العوالي … ولا تحمي من الحدق الدروع ومن أهل طنجة أيضا أبو عبد الله محمد بن أحمد الحضرميّ الطّنجيّ القائل (٢): <الطويل> فؤادي وإن راموا الحمول حمول … ودمعي وإن بثّوا الوصول وصول ولم يرواش كالغرام بدمعة … فإنّا سكتنا والدموع نقول وقالوا: رحيل كان قلنا: فإنّه … حياة لها عنا نوى ورحيل وضنّوا بتوديع وجادوا بتركه … وربّ دواء مات منه عليل وقد ذكرنا فيما ذكره صاحب "القلائد"، وأخرجنا للتقليب هذه الفوائد، لنعرف به أنّ من طنجة على ما نسب إلى أهلها من الحمق من هذا عنوان عقله وتبيان فضله. ثم نذكر سجلماسة (٣) لأنها من أجلّ مدن برّ العدوة، وهي باب الصحراء إلى أرض السودان وبلاد مغزارة الذهب ولموقع عجيب في زرعها سنذكرها بمشيئة الله تعالى، فأول ما

стр. 1241

نقول: إنّ سجلماسة مدينة جليلة في جنوبيّ برّ العدوة متصلة بالصحراء الكبيرة، من أكبر مدن الغرب وأشهرها ذكرا في الآفاق، وعليها نهر كبير (١)، ذات قصور مشيدة، وأبنية عليّة وأبواب رفيعة، صحيحة الهواء لمجاورة البيداء، وأرضها سهلة سبخية، ولها أرباض كثيرة، مخصوصة بأن لا يجذم أحد من أهلها، لكن تلحقهم رطوبة في أجفانهم، وبها نخيل كثير، ثمره على أصناف يحمل منه إلى عامة الغرب، ويفضل ثمرها ما سواه حتى يضاهى به تمر العراق (٥٥٤) وبتمرها يضرب في الغرب المثل، ولها بساتين خضرة نضرة، على قشف مكانها وجفاء سكانها. قال ابن حوقل (٢): ونهرها يزيد في الصيف كزيادة النيل، ويزرع بمائه مثل زرع مصر، وربما زرعوا الزرع ثم حصدوه، ويبقى جذره في الأرض إلى السنة الآتية، ثم يسقى فيطلع ويحصد، هكذا سبع سنين يستغلّ سبع مغلاّت ببذار واحد. قال ابن سعيد: قال الجدّ (٣) لي: مغلّ أول سنة هو القمح، ثم المغلاّت الباقية السّلت وهو [حبّ] (٤) ما بين الحنطة والشعير، قال ابن سعيد: وأهلها مياسير ولهم متاجر إلى بلاد السودان، قال: ولقد رأيت صكا فيه حقّ على رجل من سجلماسة لآخر من أهلها باثنين

стр. 1242

وأربعين ألف دينار (١). ومدينة سجلماسة آخر العمران ليس قبليّها عمران بل منها يدخل التجار إلى بلاد السودان بالملح والنحاس والودع، ويعودون بالذهب، وليس بعدها إلا [تافلالت] (٢) في البرية إلى أولاتن وبينهما المفازة العظمى وهي أربعة عشر يوما لا يوجد بها ماء ولا يدخلها إلا الإبل المصبرة على الظمأ، وهي أرض موحشة الأقطار، مجهولة المسالك، لا يحمل سالكها على ركوب خطرها إلا الفائدة العظيمة على السودان، فإنهم يتوجهون بما لا قيمة له ويعودون بالذهب الصّامت وقر ركائبهم. وأما زيّ هذا السلطان وزيّ الأشياخ وعامة الجند فهي عمائم طو <ا> ل رقاق قليلة العرض من كتّان ويعمل فوقها إحرامات يلفونها على أكتافهم من الجباب، ويتقلدون بالسيوف تقليدا بداويا، والأخفاف في أرجلهم وتسمى الأنمقة و [يشدّون] (٣) المهاميز ولهم [فوقها] (٣) المضمّات وهي المناطق ولكنهم لا يشدونها إلا في يوم الحرب، أو يوم التمييز وهو يوم عرض سلطانهم لهم، وتعمل من فضة، ومنهم من يعملها ذهبا، ومنها ما يبلغ [ألفي] (٤) مثقال، ويختصّ سلطانهم بلبس البرنس الأبيض الرفيع لا يلبسه ذو (٥٥٥) سيف سواه.

стр. 1243

فأما العلماء وأهل الصلاح واسمهم عندهم المرابطون، فإنهم لا حرج عليهم في لبسه هذا ما في البرانس البيض، فأما سائر الألوان فلا حرج عليهم في لبسها (١) كائنا من كان، ولا يدقّ طبل لأحد في سفر إلاّ للسلطان خاصة لا غير. حكى لي السّلالجيّ أنّ بعض أرباب الحلق من مصر دخل إلى فاس وعمل بها حلقة وبقي يدقّ بطبلة له على عادته وعادة أرباب الحلق فحصل عليه الانكار وأمر بإبطاله، وضرب الطبول محفوظ لأهل بيت خاص بهم من أهل مرّاكش، هذا لبس ذوي السيوف. فأما القضاة والعلماء والكتاب وعامة الناس فقريب من هذا الزيّ إلا أنّ عمائمهم خضر ولا يلبس أحد منهم الأنمقة وهي الأخفاف في الحضر، فأما في السفر فلا جناح منهم على من لبسها، وليس لهؤلاء سيوف، ومن عادة هذا السلطان أن يعرض جنده في رأس كلّ ثلاثة أشهر ليعرف منهم الحاضر والغائب والقادر والعاجز فيخرج إلى مكان معدّ لهذا بظاهر قصوره، ويجلس على علو في ذلك المكان، ويجلس تحته الكتاب ويستدعي عسكرة بالأسماء اسما اسما، ويقابل على أسمائهم وحلاهم (٢) ثم يصرف على كلّ واحد منهم راتبه، هذا للجند الأندلسيين الذين يرمون بقوس الرّجل والفرنج، وأما سائر العسكر فلهم إقطاعات وبلاد وإحسان من رأس السنة إلى رأس السنة، والراتب يسمى بإفريقيّة البركة ويسمى بمصر والشام النقد أو الإقطاع، ولكنه لا يقاس إفريقيّة بها في هذا ولا يعرف في هذه المملكة ما هم الأمراء اسما ولا معنى كما هو بمصر وإيران بل الأشياخ الكبار والصغار كما تقدم القول فيه في إفريقيّة، فإنّه ليس في الغرب من يطلق عليه هذا الاسم كما يعرف في مصر والشام أن هذا الاسم يصدق على حقيقة رجل له عدّة من الجند.

стр. 1244

قال أبو عبد الله محمد بن محمد السّلالجيّ: والذي للأشياخ الكبار على السلطان [الإقطاعات الجارية عليهم] (١): يكون لكلّ واحد منهم (٥٥٦) في كلّ سنة عشرون ألف مثقال من الذهب (٢) يأخذها من قبائل وقرى وضياع وقلاع، ويتحصل له من القمح والشعير والحبوب في تلك البلاد نحو عشرين ألف وسق، و [لكلّ واحد مع الإقطاع الإحسان] (١) في [رأس] (١) كلّ سنة [وهو] (١) حصان بسرجه ولجامه، وسيف ورمح محلّيان وسبنيّة، وهي بقجة قماش فيها ثوب طرد وحش مذهب إسكندري ويسمى عندهم الزّردخانة، وثوبان بياض من الكتّان عمل إفريقيّة، وإحرام وشاش طوله ثمانون ذراعا، وقصبتان من ملفّ يعني من الجوخ من أيّ لون كان وربما يزيد الأكابر [على ذلك] (٣)، وربما ينقص من لم يلحق بهذه الرتبة من أصاغر الأشياخ. وأما الأشياخ الصغار فيكون لهم من الراتب والمجاسر نصف ما للأشياخ الكبار، والحصان المسرج الملجم والسيف والرمح والكسوة، ومنهم من لا يلحق بهذه الرتبة فيكون أنقص. وأما ما للجند فأعلى طبقات الجند [المقربون] (٤) إلى السلطان فيكون للرجل منهم ستون مثقالا من الذهب في كلّ شهر وقليل ما هم، وأما المعظم فأعلى طبقتهم من يكون له في الشهر ثلاثون مثقالا ثم ما دونها إلى أن تتناهى إلى أقلّ الطبقات وهي ستة مثاقيل في كلّ شهر، هذا المستقرّ لهم وليس لأحد منهم بلد ولا مزدرع، قال: وجميع أرزاقهم ناصبة

стр. 1245

إليهم ميسرة عليهم، قال: ومن عادة هذا السلطان أن يجلس في بكرة كلّ يوم، ويدخل عليه الأشياخ الكبار، وهم في (١) دولته بمنزلة أمراء التوّامين بإيران ومقدمي الألوف بمصر، ليسلموا عليه ثم يمدّ لهم سماط ثرائد في جفان، وحولها طوافير وهي المخافي فيها أطعمة ملونة منوعة، ومعها الحلواء منها ما هو [بالسكّر] (٢) ومعظمها بالعسل، ومنها النوعان موجودان إلا أنّ السكّر قليل وجمهور ما يعمل من العسل من الحلواء بالزّيت، فإذا أكلوا الطعام تفرقوا إلى أماكنهم، وربما ركب السلطان بعد هذا [والعسكر معه وقد لا يركب] (٣) فأما أخريات كلّ نهار فقلّ أن لا يركب إلى نهر هناك بعد العصر، ويخرج في مكان فسيح من الصحراء (٥٥٧) فيقف به على نشز، ويركب العسكر حوله ويتطارد قدامه الخيل فتتطاعن الفرسان، وتتداعى الأقران، وتمثل الحرب لديه وتقام صفوفها المرصوصة بين يديه كأنّه حقيقة يوم الحرب واللقاء على سبيل التّمرين، ثم يعود في موكبه إلى قصره وتتفرق العساكر إلى أماكنهم، ويحضر العلماء والفضلاء والأعيان إلى مسامرته ويمدّ لهم سماط بين يديه [فيأكلون] (٣)، ويؤاكلهم في ذلك الوقت <و> لكاتب سرّه معه خصوصية اجتماع للأخذ في المهم وعرض القصص والرّقاع ويبيتون عنده أكثر الليالي إلا كاتب السرّ فإنه في بعض الليالي قد يأمره بالمبيت فيبيت بخاصته.

стр. 1246

وأما هيئة جلوسه للمظالم، فإنه يجلس على فرش مرفوعة في قبة معلومة للجلوس له بحضرته الأشياخ [مقلّدون] (١) بسيوفهم، فأما من لا له هذه الرتبة ولا له وضع من ذوي السيوف، فإنهم إذا دخلوا إلى مجلس السلطان وقفوا بعيدا منه مصطفين متكئين على سيوفهم، وإذا أراد صاحب الشكوى إبلاغ شكواه وهذا إنما يكون حين ركوبه وظهوره صاح من بعد: لا إله إلا الله انصرني نصرك الله، فيعلم أنه شاك فتؤخذ قصته وتعطى لكاتب سرّه فإذا رجع إلى مقرّه اجتمع مع كاتب سرّه، وقرأ عليه تلك القصة وغيرها فينظر في ذلك بما رآه، وإذا سافر السلطان وخرج من قصره، ونزل بظاهر بلده وارتحل من هناك ضرب له طبل كبير قبيل الصبح إشعارا بالسفر فيتأهب الناس ويشتغل كلّ أحد بالاستعداد للرحيل، فإذا صلّيت صلاة الصبح ركب الناس على قبائلهم وطبقاتهم ومنازلهم المعلومة، ووقفوا في طريق سلطانهم صفا بجانب صفّ ولكلّ قبيل وجند علم معروف به ومكان في الترتيب لا يتعداه، فإذا صلّى السلطان الصبح قعد أمام الناس ودارت عليه ما له من العبيد والوصفان و [العدويين] (٢) الذين هم كالنقباء ويجلس حوله ناس يعرفون بالطلبة يجري عليهم ديوانه (٥٥٨) يقرءون حزبا من القرآن الكريم، ويذكرون شيئا من الحديث الشّريف النبويّ على قائله أفضل الصلاة والسّلام، فإذا أسفر الصبح ركب وتقدم أمامه العلم الأبيض الذي هو سعد الدولة، ويقال له: المنصور، وبين يديه الرّجّالة بالسلاح والخيل المجنوبة (٣) ببراقع الوشي، والبراقع من ثياب السّروج، وعندما يضع السلطان رجله في الرّكاب يضرب في طبل

стр. 1247

كبير ثلاث ضربات يقال له تريال إشعارا بركوبه، ثم يسير السلطان بين صفيّ الخيل ويسلم كلّ صفّ عليه بأعلا صوته: سلام عليكم، ويكتنفانه يمينا ويسارا، وحينئذ تضرب جميع الطبول التي تحت البنود الكبار الملونة خلف الوزير على بعد من السلطان، وربما ركب إلى جانبه، ولا يتقدم راكب إلا عن بعد كبير أمام العلم الأبيض إلا من يكون من خواص علوجه، وربما يأمرهم بالجولان بعضهم على بعض، ثم ينقطع ضرب الطبول إلى أن يقرب من المنزل، فإذا قرب السلطان من المنزل وضربت الطبول تتقدم الزّمّالة إلى المنزل، وهؤلاء هم الفرّاشون، وتضرب شقة من الكتّان في قلبها جلود تقوم بها عصيّ وحبال من القنّب في أوتاد، وتستدير على كثير من أخبية وبيوت الشّعر الخاصة به وبعياله وأولاده الصغار، وتكون هذه الشقّة كالمدينة لها أربعة أبواب في كلّ جهة (١) باب، ويحفّ به عبيده وعلوجه ووصفانه. قال السّلالجيّ: وهؤلاء [بنو] (٢) مرين أكثر ميلهم إلى بيوت الشّعر على عادتهم الأولى في البداوة مع أنهم اليوم <من> أشياخهم من ضرب أخبية كثيرة مع البيوت ولهم في ذلك تنافس، قال: ويضرب للسلطان أمام ذلك قبة كبيرة مرتفعة من كتّان تسمى قبة الساقة لجلوسه للناس فيها وحضورهم [عنده] (٣) بها (٤)، وإذا ركب هذا السلطان لا يسايره إلا بعض الأشياخ الكبار من بني مرين أو بعض عظماء العرب، وكثيرا ما إذا استدعى أحدا (٥٥٩) لا يجيء إليه إلاّ ماشيا فربما حدّثه وهو ماش معه، وربما أكرمه فأمره أن يركب، وإذا عاد السلطان إلى

стр. 1248

حضرة ملكه ضربت البشائر (١) له سبعة أيام، وأطعم الناس طعاما شاملا في موضع يسع الجماهير. وشعار هذه المملكة هو اللواء الأبيض المقدم الذكر، وهو المسمى عندهم "العلم المنصور" كما وصف، وهو أبيض مكتوب بالذهب نسيجا من الحرير آي من القرآن بدائر طرّته وحوله أعلام مختلفة الألوان. ومن شعاره إذا ركب في سفره من مدينة أو يوم دخوله أو في يوم عيد أن يركب الأشياخ حوله، وقدامه محمول سيف ورمح وترس وهي الدارقة عندهم يحملها ثلاثة من خاصّته من الوصفان، وهم من خدمة السلطان أو أبناء خدم أسلافه، وحوله من أهل الأندلس رجّالة بأيديهم [الطّبرزينات] (٢)، وهي كالأطبار، وقواد النصارى الكبار بأيديهم ذلك وهم خلفه، وقدامه خمسون نفرا مشاة، وأوساطهم مشدودة <و> بأيديهم رماح (٣) طوال ورماح قصار بيد كلّ واحد منهم اثنان طويل وقصير، [وكلّ منهم مقلّد] (٤) مع ذلك بسيف، وأمامه الجنائب وتسمى عندهم المقادات يجرّها أناس مشاة وهي مسرجة ملجمة وعلى السروج براقع حرير منسوج بالذهب وهي ثياب السروج، والسروج مخروزة بالذهب خرزا شبيها بالزّركش، وركابها ذهب مسبوك زنة ركابي السرج ألف مثقال ذهبا، فأما تحلية

стр. 1249

السّروج بالأطواق وما يجري مجراها، فإنه لا يعرف عندهم. ومن عادته في العيدين أن لا تضرب الطبول خلفه إلا بعد أن يفرغ من الصلاة والخطبة. قال السّلالجيّ: وفي ليلة العيدين أو ليلة ورود السلطان على حضرته ينادي والي البلد في أهلها بالمسير، ومعناه أن أهل كلّ سوق يخرجون ناحية، ومع كلّ واحد منهم قوس أو آلة سلاح متجملين بأحسن الثياب، ويبيت تلك الليلة الناس أهل (٥٦٠) كلّ سوق بذاتهم خارج البلد، ومع أهل كلّ سوق علم يختصّ بهم عليه رنك أهل تلك الصناعة بما يناسبهم، فإذا ركب السلطان بكرة اصطفوا صفوفا يمشون قدامه، وركب هو والعسكر ميمنة وميسرة، والعلوج خلفه [ملتفون] (١) به، والأعلام منشورة وراءه، والطبول خلفها حتى يصلي ثم يعود فينصرف أرباب الأسواق إلى بيوتهم، ولا يحضر طعام عيد السلطان إلا خواصّه وأشياخه، وله طعام عام يحضره الضعفاء والمساكين. وسألت أبا عبد الله السّلالجيّ عن أرزاق القضاة والكتاب عنده، فقال: أما قاضي القضاة فله في كلّ يوم مثقال من الذهب، وله أرض يسيرة يزرع فيها ما يجيء منه مؤونته وعليق دوابّه، وأما كاتب السرّ، وهو الفقيه الإمام العالم الفاضل أبو محمد عبد المهيمن بن الحضرميّ (٢)، فله في كلّ يوم مثقالان من الذهب، وله مجسران يعني قريتين يتحصل منهما متحصّل جيد وله رسوم كغيره على البلاد ومنافع وإرفاقات، ولكلّ واحد

стр. 1250

منهما في كلّ سنة بغلة بسرجها ولجامها وسبنيّة قماش برسم الكسوة نظير ما للأشياخ الكبار إلا الثوب الزّردخاناه يعني الطردوحش، قال: وهذان هما المحبّيان (١) والبقية لا أعرف ما لهم، ولكن لا نسبة لأحد إلى هذين الرجلين، وإنما أعلم أنه تطلق الرواتب من المحارث والأرض للفقهاء والعلماء والفقراء والجسار وهم أرباب البيوت. وأما ما يكتب عن هذا السلطان فمن عادته أنّه إذا كتب عنه كتاب يكتب في أوله بخطّ الكاتب بعد بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على النبيّ ﷺ من أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل ربّ العالمين [أبي الحسن عليّ ابن أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل ربّ العالمين] (٢) أبي سعيد عثمان ابن أمير المسلمين المجاهد بهم في سبيل ربّ العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ، فإذا انتهى الكتاب إلى آخره وختمه الكاتب بالتاريخ، كتب هذا السلطان بخطّه في آخره ما صورته: وكتب في التاريخ المؤرخ به. قال أبو عبد الله (٥٦١) السّلالجيّ: ولم يكتب أحد من ملوك بيته هذا بيده، بل كان كاتب السّر هو الذي يكتب هذا إلاّ هذا السلطان أبو الحسن وأخوه أبو حفص عمر (٣) حين حياته هذا مع وثوقه العظيم بكاتب السرّ الفقيه الفاضل أبي محمد عبد المهيمن بن الحضرميّ واعتماده عليه ومشاركته

стр. 1251

[له في كلّ أمره] (١). وأما هذا السلطان أبو الحسن في ذاته فإنه ممن أصلح الله باطنه وظاهره، وعمر بالتقوى قلبه وسائره (٢)، يساوي العلماء ويواسي الفقراء، معدود في أبطال الرجال وشجعان الفرسان، ترد علينا أخباره ما يراوح النسيم، ويفاوح التسنيم، تدارك الله به أهل الأندلس، وقد جاذبت معاقلهم الكفار، وثبّت مدنهم، وهي على شفا جرف هار، قد أجرى الله على يديه أجر بقائها في يد الإسلام، واستوقف به ظعائنها وقد أذنت بسلام، وهو في هذا الطرف ماسك بأوتاده، سالك فيه سبيل جهاده، رادّ لأعداء الله عن منى أطماعهم، ما لاذ به خائف إلا أجاره، ولا أمله آمل فخاب ظنّه، قد وسع الخلق بخلقه، وجمع أممهم على ما أطعمه الله من رزقه، ولقد حدّثني غير واحد عن خلقه وخلائقه الرضيّة، وآثاره الوضيّة، وكمالاته التامّة وفضائله المنقية المرضيّة، ما لحق به من سلف من السلف، وهو ممن لا يثنى له عن الجهاد عنان، ولا يغمد له سيف ولا سنان، حتى يستردّ باقي ضالته المفقودة، وما استولى عليه العدوّ من الأندلس من البلاد، وجدير بمن هذه نيته أن يسهل الله له ببلوغ مرامه، واستكمال ما بقي في أيامه، وهو رجل فتل الأيام، وفتل غارب الأنام، وخالط العلماء، وتأدب بآدابهم وخالل الشجعان وزاد عليهم، لو صدع الحجر لأنفذه، أو صدف المتردي من السماك لأنقذه، لا يلتفت طرفه إلى ما نبذه، ولا إلى ما تركه من الدنيا أو ما أخذه، فلو رمى البحر لما زخر زاخره، أو قذف الزمان لما دارت دوائره، وقد أحيا حوله من صنائع آبائه ومن اتبعهم بهم من صنائعه، أسود غيل، وجنود صرير وصليل، لا يبدرهم إلى إجابة صريح، ولا يخبرهم بألطاف المتجدد مسمع فرس يصيح، (٥٦٢) بهمم غطت على

стр. 1252

من تقدّم، وأنست: عنتر والرماح كأنّها أشطان بئر في لبان الأدهم (١). وأما كيفية انتقال الملك إليه، فنقول وبالله التوفيق: إنّ هذا السلطان ولد بفاس سنة ستّ وثمانين وستّ مئة، وأخذ الملك عن أبيه أبي سعيد عثمان، كان قد عهد إليه لما غضب على أخيه [أبي حفص] (٢) عمر، وكان عمر المرشح عند أبيه أولا حتى خرج عمر على أبيه وغلبه على فاس ثم أخذها أبوه منه، وحاصره في المدينة البيضاء مقدار خمسة أشهر، وكان عمر في هذه المدة ضعيفا، فدخل العلماء والصلحاء بينهما فأعطاه سجلماسة، وأصار ولاية العهد إلى هذا السلطان أبي الحسن عليّ، ثم تغير عليه بسبب جرحه لقمر خادمه وهي التي بيدها مفاتيح بيت المال، وذلك أنّ أباه أبا سعيد عثمان سافر لزيارة ضريح سلفه بشآلة، وهو موضع على مقربة من سلا، وترك ولده عليا خلفا [عنه] (٣) بفاس فاحتاج إلى شيء هو في بيت المال، فأراد أخذه، وطلب من قمر المهاجرة المفاتح فأبت أن تمكنه من ذلك ولا أن تبلغه <ما> هنالك، فاغتاظ عليها وجرّد سيفا كان معتقلا (٤) به فجرحها فبلغ ذلك، أباه فغاظه ما سمع فكتب كتابا، وأمر بعض الأشياخ بمسيره إليه يأمره فيه بالخروج من البلد <ة> الجديدة، وسكناه بقصبة البلد العتيقة برأسه ليس إلاّ على فرسه، وأن لا يركب معه أحد من جيشه، وسلبه عن كلّ شيء. فلما بلغه الكتاب وهو في قصره حيث جلوسه للناس قرأه وعرف ما فيه فأخذه وألقاه على رأسه وقبله بفيه، وخرج من حينه إلى الموضع الذي رسم له فيه، وبقي محجورا مدة إلى أن

стр. 1253

دخل العلماء والصلحاء والخطباء والأعيان فشفّعهم فيه، ورضي عنه وأعاده إلى ولاية العهد. ثم إنّ أباه توجّه على قصد تلمسان بسبب وصول الأمير أبي زكريا يحيى صاحب بجاية إليه لاستنجاده لهم على ما تقدمت إليه الإشارة على عدوّهم المحاصر لهم (١)، فعرض له المرض، وصدّه عن الوصول إلى تلمسان ضعف أصابه في طريقه، فرجع إلى مدينة تازي وهناك (٥٦٣) وصلته ابنة الأمير أبي بكر (٢) في الأصطول الذي بعثه إليها فرجع إلى فاس واشتدّ به المرض فمات بعقبة البقر قريب فاس، وحين مات والده وقف أبو الحسن راكبا فرسه حتى بايعه الناس ثم دخل فاسا ودفن أباه، وجلس موضعه، واستقلّ بالملك، وكتب إلى أخيه عمر يعزّيه بأبيه ويقرّه على حاله، فأبى عمر، وخرج فجهز إليه أبو الحسن ولده يعقوب (٣) ثم إنّه في آخر الأمر قصده بنفسه بالجيوش والعساكر، وأراد أن يقبض عليه، ثم دخل بينهما العلماء وأهل الصّلاح فعفا عنه وأقرّه على حاله، وكتبت بينه وبينه وثيقة مشهودة بذلك، ثم بعد ذلك خرج أبو الحسن قاصدا إلى قتال [أخيه] (٤) عمر إلى ممالأة أهل تلمسان عليه، فضرب أبو الحسن وجهه عن تلمسان إلى سجلماسة قاصدا لأخيه عمر فحاصره مدة ثم إنّه دخل عليه سجلماسة، وأمسكه قبضا باليد، ووجده قد ارتكب فظائع من المحرّمات من قتل عمّه أبي البقاء يعيش، وجمع بين حرائر ذوات عقود أزيد مما أباحت الشريعة فاستفتى أبو الحسن عليه العلماء فأفتي بقتله، ففصده في يديه وتركه ينزف دمه حتى مات، واستقلّ حينئذ أبو الحسن، وثبتت قواعد أركانه وانتشرت أعلام سلطانه.

стр. 1254

ووالده أبو سعيد ورث الملك عن أمير المسلمين أبي الربيع سليمان بن عبد الله بن أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ (١). وأبو الربيع ورث الملك عن أخيه لأبيه أمير المسلمين [(٢) أبي ثابت عامر (٣). وأبو ثابت عامر ورث الملك عن جدّه أمير المسلمين أبي يعقوب يوسف بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ] (٤) وأبو يعقوب ورث الملك عن أبيه أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ (٥)، وهو أول من

стр. 1255

استقلّ بالملك من ملوك بني مرين (١). وكان أصل انتقال الملك إليهم أن دولة الموحدين بمرّاكش كان قد انحلّ عقد نظامها، وانثلّ عقد أيامها لانهماك آخرهم على اللذات وتشاغلهم بها عن الأخذ بالحزم في الأمور، وكانت قبائل بني مرين رحالة نزالة أهل بادية (٥٦٤) ذوي بأس ومنعة، فثار فيهم أبو يحيى أبو بكر بن عبد الحقّ (٢)، وجمع الجموع وتغلب على فاس فملكها وملك غيرها من البلاد، ثم مات أبو يحيى بن عبد الحقّ، فقام أخوه أبو يوسف يعقوب (٣) بن عبد الحقّ فقصد مرّاكش فخرج إليه أبو دبوس أبو العلاء إدريس (٤) فقتل أبو دبوس وهو آخر من كان قد انتهى إليه الملك من بني عبد المؤمن بن عليّ (٥) ومن يومئذ ظهرت دولة بني مرين واستقلّ سلطانهم بالمغرب الأقصى.

стр. 1256

الباب الرابع عشر في مملكة الأندلس

стр. 1257

<في مملكة الأندلس > المملكة الإسلامية بالأندلس حماها الله تعالى طول مسافتها عشرة أيام، وعرضها ثلاثة أيام، وسلطانها الآن أعني عام ثمانية وثلاثين وسبع مئة هو يوسف بن إسماعيل بن فرج بن نصر (١)، مستقرّه غرناطة (٢)، وهي الآن دار هذه المملكة، وأضخم بلادها. مدينة كبيرة مستديرة رائعة المنظر، كثيرة الأشجار والأمطار والأنهار والبساتين والفواكه، قليلة مهبّ الرياح، لا تجري بها الريح إلا نادرا لاكتناف الجبال إيّاها. وأصل أنهارها نهران عظيمان شنّيل وحدرّه، أما شنّيل فينحدر من جبل شلير بجنوبها، وهو طود شامخ لا ينفكّ عنه الثلج شتاء ولا صيفا، فهو لذلك شديد البرد، وغرناطة كذلك في الشتاء بسببه، إذ ليس بينها وبينه سوى عشرة أميال. وفي برد غرناطة يقول [ابن صارة] (٣): <الطويل> (٤) أحلّ لنا ترك الصلاة بأرضكم … وشرب الحميّا وهو شيء محرّم

стр. 1258

فرارا إلى نار الجحيم [لأنّها] (١) … أرقّ علينا من شلير (٢) وأرحم لئن كان ربي مدخلي في جهنّم … ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم وفيه عيون ماء كثيرة، وأشجار مختلف ألوانها، وخصوصا التفاح والقراسيا البعلبكية التي لا تكاد توجد في الدنيا منظرا وحلاوة حتى إنها ليعصر منها العسل، وبها الجوز (٣)، والقسطل، والتين، والأعناب، والخوخ، والبلّوط وغير ذلك. وبذلك الجبل عقاقير كعقاقير الهند، وعشب يستعمل في الأدوية يعرفها الشجّارون (٥٦٥) لا توجد لا في الهند ولا في غيره. ويمرّ شنّيل على غربي غرناطة إلى فحصها يشقّ منها أربعين ميلا بين بساتين وقرى وضيع كثيرة البيوت والعلالي (٤) وأبراج الحمام وغير ذلك من المباني، وينتهي فحصها إلى لوشة حيث أصحاب الكهف على قول (٥). وأما حدرّه فينحدر من جبل بناحية مدينة وادي آش شرقي شلير فيمرّ بين بساتين ومزارع وكرمات إلى أن ينتهي إلى غرناطة، فيدخلها على باب الدفّاف بشرقيّها يشقّ المدينة نصفين

стр. 1259

تطحن به الأرحاء بداخلها وعليه بداخلها قناطر خمس: قنطرة ابن رشبق، وقنطرة القاضي، وقنطرة حمّام جاش، والقنطرة الجديدة، وقنطرة العود (١)، وعلى القناطر أسواق (٢) و [مبان] (٣) محكمة، والماء يجري من النهر في جميع البلد في أسواقه وقاعاته ومساجده، يبرز في أماكن على وجه الأرض ويخفي جداوله تحتها في الأكثر، وحيث طلب الماء وجد. وقلعتها (٤) حيث <مقرّ> سلطانها تعرف بالحمراء، وهي بديعة متسعة كثيرة المباني الضخمة والقصور، ظريفة جدا يجري بها الماء تحت بلط كما يجري في المدينة ولا يخلو منه مسجد ولا بيت، وبأعلى برج منها عين ماء، وجامعها وجامع المدينة (٥) من أبدع الجوامع وأحسنها بناء، وتعلّق بجامع الحمراء ثريّات الفضة، وبحائط محرابه أحجار ياقوت مرصوفة <و> في جملة ما نمّق به الذهب والفضة، ومنبره عاج وآبنوس. وبالمدينة جبلان يشقّان [وسطها] (٦)، وفحصها دور حسان وعلالي مشرفة على الفحص فترى منظرا بديعا من مزدرعاته، وفروع الأنهار تسقيها وغير ذلك مما يقصر عنه التخيل والتشبيه، يعرف أحد الجبلين بالخزّة وموزور، ويعرف الثاني بالقصبة القديمة وبالسّند.

стр. 1260

وهنالك برج الديك عليه ديك نحاس رأسه رأس فرس، وعليه صورة راكب بحربة ودرقة من حيث هبت الريح دار وجه الراكب وباقي المدينة وطئ ولها ثلاثة عشر بابا: باب البيرة، وهو أضخمها، وباب الكحل (١) وهو باب الفخّارين، وباب الخندق، وباب الرّخاء، وباب المرضى، وباب المصرع (٥٦٦)، وباب الرملة، وباب الدباغين، وباب الطوابين، وباب الفخارين (٢)، وباب الدفّات، وباب البنود، وباب [الأسدر] (٣). وحول غرناطة أربعة أرباض: ربض الفخارين وربض الأجل، وهو كثير القصور والبساتين و [كلا] (٤) الربضين يلي شنّيل وربض الرملة، وربض البيازين الذي بناحية باب الدفّاف، وهو كثير العمارة يخرج منه نحو من خمسة عشر ألف مقاتل كلّهم شجعان مقاتلون معتادون بالحروب، وهو ربض مستقل بحكامه وقضاته وغير ذلك. وجامع غرناطة محكم البناء، بديع جدا، لا يلاصقه بناء، تحفّ به دكاكين للشهود والعطارين، وقد قام سقفه على أعمدة ظراف، وبداخله الماء، وبه أسانيد منتصبون لإقراء العلوم وهو معمور بالخير كلّ حين. ومساجد المدينة و [رباطاتها] (٥) لا تكاد تحصى لكثرتها ويقعد السلطان للناس بدار العدل بالسبيكة من الحمراء يوم الاثنين ويوم الخميس صباحا فيقرأ بمجلسه عشر من القرآن وشيء من حديث رسول الله ﷺ ، ويأخذ الوزير القصص من الناس، ويحضر معه المجلس الرؤساء من أقاربه ونحوهم.

стр. 1261

وأهل الأندلس لا يتعمّمون بل يتعهدون شعورهم بالتنظيف والحنّاء ما لم يغلب الشيب، ويتطيلسون فيلقون الطّيلسان على الكتف والكتفين مطويا طيّا ظريفا، ويلبسون الثياب الرفيعة الملونة من الصوف والكتّان ونحو ذلك، واكثر لباسهم في الشتاء الجوخ، وفي الصيف البياض، والمتعمم منهم قليل. وأرزاق الجند بها ذهب بحسب مراتبهم، وأكثرهم من برّ العدوة من بني مرين وبني عبد الواد وغيرهم، والسّلطان يسكنهم القصور الرفيعة وبينهم وبين الإفرنج حروب ووقائع جمة في كلّ سنة إلاّ أن يكون بينهم صلح إلى أمد، وحروبهم سجال تارة [لهم وتارة] (١) عليهم، والنصر في الأغلب للمسلمين على قلّتهم وكثرة عدوّهم بقوة الله تعالى. وقد كانت لهم وقيعة في الإفرنج سنة تسع عشرة وسبع مئة على مرج (٥٦٧) غرناطة قتل فيها من الإفرنج أكثر من ستين ألفا وملكان بطره وجوان عمّه، وبطره الآن معلق جسده في تابوت على باب الحمراء، وافتديت جبفة [جوان] (٢) بأموال عظيمة، وحاز المسلمون غنيمة من أموالهم قلّما يذكر مثلها في تاريخ (٣) ﴿وَمَا اَلنَّصْرُ إِلّا مِنْ عِنْدِ اَللّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ﴾ (٤). وبالبلاد البحرية أسطول حراريق (٥) للغزو في البحر الشاميّ يركبها الأنجاد من الرّماة والمغاورين والرؤساء المهرة فيقاتلون العدوّ على ظهر البحر، وهم الظافرون في الغالب،

стр. 1262

ويغيرون على بلاد النصارى بالساحل أو بقرب [الساحل] (١) فيستأصلون أهلها ذكورهم وإناثهم ويأتون بهم بلاد المسلمين فيبرزون بهم ويحملونهم إلى غرناطة إلى السلطان فيأخذ منهم ما يشاء ويهدي ما يشاء ويبيع. والبلاد البحرية أولها من جهة المشرق المريّة (٢)، وهي ذات مرسى على البحر الشاميّ، وهو أول مراسي البلاد الإسلامية بالأندلس، وكانت العمارة قبل [البجّانة] (٣) فانتقلت إلى الساحل لمنافع الناس. و [بجّانة] (٤) على وادي المريّة، وهي الآن قرية عظيمة جدا ذات زيتون وأعناب وفواكه مختلفة وبساتين ضخمة كثيرة الثمرات. ووادي المريّة يقال فيه إنّه أبدع الأودية على أنّ الماء فيه يقلّ في فصل الصيف، فيكون بالقسط للبساتين، ويبلغ متصلا بمرشانة (٥) وقراها أربعين ميلا، والمريّة ثلاث مدن (٦): الأولى من جهة الغرب تعرف بالحوض الداخليّ لها سور محفوظ من العدوّ بالسّمّار

стр. 1263

والحراس ولا عمارة بها، ويليها إلى الشرق المدينة القديمة، ويليها المدينة الثالثة المعروفة بمصلى المريّة، وهي أكبر الثلاث [ولها قلعة] (١) تحوز القديمة من جهة الشمال، وتسمى القصبة في ألسنتهم وهما قصبتان في غاية الحسن والمنعة. وساحل المريّة أحسن السواحل، وحولها حصون وقرى كثيرة، وجبال شامخة وجامعها الكبير (٢) بالمدينة القديمة، وهو بديع. والمريّة كثيرة الفواكه، وأما الحنطة فبحسب السنين الممطرة لأنّ أكثر زرعها بالمطر، وترتفق بما يجلب إليها من الحنطة (٥٦٨) من برّ العدوة. وبها دار الصّناعة لإنشاء الحراريق لقتال العدوّ، ويليها الآن ولاة من صاحب غرناطة، وقد كانت فيما مضى مملكة مستقلة وبينها وبين غرناطة مسير (٣) ثلاثة أيام. ويلي المريّة من البلاد البحرية من جهة المغربين (٤) شلوبين (٥)، وهي معدّة لإرسال من يغضب عليه السلطان من أقاربه ويرسل، ويزرع بها [قصب] (٦) السكّر، وتقاربها المنكّب (٧)، وهي مدينة دون المريّة، وبها أيضا دار صناعة لإنشاء السفن، وبها قصب

стр. 1264

السكر، والموز، ولا يوجد شيء في بلد من البلاد الإسلامية هناك إلاّ فيها إلا ما لا يعتبر، ويحمل منها السكّر إلى البلاد، وبها زبيب مشهور الاسم. ويلي المنكّب بلّش (١) وهي كثيرة التين والعنب والفواكه، قال أبو عبد الله بن السّديد: إنه ليس في الأندلس أكثر عنبا وتينا يابسا منها. وأما مالقة (٢) فمدينة بديعة كثيرة الفواكه، لها ربضان عامران أحدهما من علوّها، والآخر من سفلها، وبها دار صناعة لإنشاء الحراريق، وجامعها بديع وبصحنه نارنج ونخلة، وتختصّ بعمل صنائع الجلد كالأغشية والحزم والمدورات وبصنائع الحديد كالسكين والمقصّ، [وبها الفخار] (٣) المذهّب الذي لا يوجد مثله في بلد، والتين الغزير الذي يجلب منها إلى جميع البلاد الغربية بالأندلس وغيرها فيعمّ البلاد شتاء وصيفا فلا يكاد يخلو منه دكان بياع، واللّوز مثله في الكثرة والحسن والطيب، وكذلك الزّبيب، وهي خصيبة جدا وفي تينها يقول الشاعر (٤): <السريع> مالقة حيّيت ياتينها … فالفلك من أجلك ياتينها نهى طبيبي عنك في علّتي … ما لطبيبي عن حياتي نهى

стр. 1265

قال ابن السديد: إن بها سوقا ممتدا لأطباق تعمل من الخوص إلى غير ذلك مما يعمل منه. ويلي مالقة مدينة مربلّة (١)، وهي صغيرة كثيرة الفواكه والسمك. وتليها أشبونة (٢)، وهي مثلها ساحلية كثيرة الفواكه. ويلي أشبونة (٥٦٩) جبل الفتح (٣) وهو طود شامخ يخرج في بحر الزّقاق ستة أميال، وبحر الزّقاق أضيق مكان في البحر الغربيّ سعته ستة فراسخ (٤) وجرية الماء به قوية، ولا يكاد يركد، ويسمى بحر القنطرة، والقنطرة جسر أخضر من شلش إلى ألش يراه المسافرون إذا سكن البحر (٥) وشلش وألش (٦) ما بين طريف (٧) والجزيرة (٨)، وقد كان هذا الجبل تملكه الإفرنج منذ
следующие страницы →