← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

هلباء خفراء الزويرة، وبنو عجرمة خفراء الرقطانة والحسبة من بني عقبة، وعقبة من جذام وديارهم من الشّوبك (١) إلى حسمى (٢) إلى تبوك إلى تيماء (٣) إلى برد ورؤاف (٤) إلى الحريداء (٥) وهو شرقي الحجر (٦)، وآخر أمرائهم كان شطيّ بن عبيّة (٧) وكان سلطاننا الملك الناصر قد أقبل عليه إقبالا أحلّه فوق السماكين، وألحقه بأمراء آل فضل وآل مرا، وأقطعه الإقطاعات الجليلة، وألبسه التشريف الكبير، وأجزل له الحباء، وعمّر له ولأهله البيت والخباء. وبنو زهير (٨) عرب الشّوبك أيضا، والحريث وهم بالساحل الغزاوي، وغزوا عسقلان (٩) أيام الملك الصالح مع بيبرس الكنجيّ فأقطعهم هناك. وبنو سعيد عرب صرخد (١٠) وهم من سعد جذام.

стр. 1332

وزبيد فرق شتى بصرخد (١) منهم، وبغوطة دمشق (٢)، وببلاد سنجار (٣)، وبالحجاز (٤)، وباليمن (٥) والذين بصرخد منهم آل ميّاس، وآل صيفيّ، وآل برّة، وآل محسن، وآل جحش، وآل رجاء، وبغوطة دمشق آل رحّال، وآل بدّال، والدّوس، والحريث وهم جماعة نوفل الزّبيدي. < آل ربيعة > وأما آل ربيعة (٦) - وهم ملوك البرّ وأمراء الشام والعراق والحجاز - فهم: آل فضل، وآل مرا، وآل عليّ من آل فضل.

стр. 1333

قال الحمدانيّ: وربيعة رجل من سلسلة (١)، نشأ في أيام أتابك زنكي (٢) وولده نور الدين (٣) رحمهما الله تعالى ونبغ بين العرب، قال: ويقال إنّ أباه رجل من علقى (٤)، قال: وتقول ربيعة الآن إنّه من ولد جعفر بن خالد بن برمك (٥)، قال: وهذا ليس بصحيح. قلت: وأصلهم إذا نسبوا إليه أشرف لهم لأنّهم من سلسلة بن عنين بن سلامان من طيئ، وهم كرام العرب، وأهل البأس والنجدة فيهم، والبرامكة (٢٦) وإن كانوا قوما كراما

стр. 1334

فأنّهم قوم عجم وشتان بين العجم والعرب، وقد شرّف الله العرب إذ بعث فيهم محمدا ﷺ نبيّه، وأنزل فيهم كتابه، وجعل فيهم الخلافة والملك وابتزّ بهم ملك فارس والروم، وقرع بأسنتهم تاج كسرى وقيصر، وكفى بهذا شرفا لا يطاول وفخرا لا يقاول. قال المهمندار الحمدانيّ: وزعموا أنّه من ولد جعفر من أخت الرشيد (١) التي عقد له عليها كما قالوا لتخرج عليه على أن لا يطأها فوطئها على حين غرّة فحبلت بغلام وكان هذا ربيعة من بنيه، قال: وهذا الخبر ليس بصحيح، وإن كان صحيحا فقد دفنت المرأة وولدها كما قيل في تمام الحكاية، ولم يعلم لهما أثر، قالوا: وكانت نكبة البرامكة بهذا السّبب ومما يدلّ على بطلان هذه الدّعوى ما نقل عن ثقات أنّ مسرورا الخادم سئل عن سبب الإيقاع بالبرامكة فقال: كأنّك تظنّ حديث المرأة [صحيحا] (٢)، وأنّ الإيقاع بهم كان بسببه، فقلت: نعم، فقال: ما لهذا الخبر صحة، وإنما حسد موالينا وملكهم. قلت: ولا يبعد ذلك من ملك الملوك ولا سيما البرامكة كان قد علا صيتهم، وانتشر ذكرهم، وكثرت فيهم المدائح، وقصدهم الشعراء، ووفدت عليهم الوفود حتى تضاءلت الخلافة بهم. قال الحمدانيّ: والأصحّ في نسب ربيعة هذا أنّه ربيعة بن حازم بن عليّ بن مفرّج بن دغفل بن جرّاح بن شبيب بن مسعود بن سعيد بن حريث (٣) بن السّكن بن رفيع بن علقى بن حوط بن عمرو

стр. 1335

ابن خالد بن معبد بن عديّ بن أفلت بن سلسلة بن عمرو (١) بن غنم بن ثوب بن معن بن عتود بن عنين بن سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئّ، فهذا ما ذكره الحمدانيّ. وأما نسب ربيعة إلى برمك، فقالوا: ربيعة (٢٧) بن سالم بن شبيب بن حازم بن عليّ ابن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك. قال الحمدانيّ: ولد ربيعة أربعة، وهم: فضل، ومرا، وثابت، ودغفل، وسنذكرهم على ما هم في وقتنا على ما ذكره لي محمود بن [عرّام] (٢) من بني ثابت بن ربيعة، قال: < آل فضل > فضل (٣) منهم آل عيسى (٤) وقد صاروا بيوتا: بيت مهنّا بن عيسى (٥) وأميرهم

стр. 1336

وأمير سائر آل فضل أحمد بن مهنّا (١) وبيت فضل بن عيسى وأميرهم سيف بن فضل (٢)، وبيت حارث بن عيسى وأميرهم قناة بن حارث. وأما أولاد محمد بن عيسى (٣)، وأولاد حديثة بن عيسى، وآل هبة بن عيسى فتبّاع، وهذا البيت أسعد بيت في العرب وفي وقتنا الذي أشرقت فيه طوالع سعودهم، وأينع [فيه] (٤) مخضرّ عودهم. وأما بقية بيوت آل فضل فمنهم آل فرج، والأمير فيهم زيد بن طاهر، وغنام بن وهيبة، وآل سميط، والإمرة فيهم في صافية بن حجير بن الصّميد، وآل مسلم والإمرة فيهم في طامي بن عباس، وآل عامر، والإمرة فيهم في بني عامر بن درّاج. وأما آل عليّ، فهم وإن كانوا من [ضئضئ] (٥) آل فضل، فقد انفردوا منهم واعتزلوا عنهم حين صاروا طائفة أخرى وسيأتي ذكرهم، فهؤلاء آل فضل.

стр. 1337

وأما من ينضاف إليهم ويدخل فيهم فمن يذكر وهم: زغب (١) والحريث (٢) وبنو كلب وبعض بني كلاب، وآل بشار، وهم موال، وخالد حمص، وطائفة من سنبس، وسعيدة (٣)، وطائفة من فرير (٤)، وبنو خالد الحجاز، وبنو عقيل من كرز (٥)، وبنو رميم، وبنو حيّ، وقمران والسراحين، ويأتيهم من عرب البرّية من يذكر. فمن غزيّة: غالب، وآل أجود، والبطنين، وساعدة. ومن بني خالد: آل جناح، و [الصبيات] (٦) من مياس، والجبور، والدّغم، والقرسة، وآل منيخر، وآل بيوت، [والمعامرة] (٧)، والعلجات وهؤلاء من خالد، وفرقة (٢٨) من عائذ وهم آل يزيد وشيخهم ابن مغامس، والمرابدة وشيخهم كليب بن أبي محمد، وبنو سعيد وشيخهم محمد العليمي، والدواشر (٨) وشيخهم رواء بن بدران، هؤلاء غير من يخالفهم في بعض الأحايين، على أنني لا أعرف في وقتنا من لا يؤثر صحبتهم ويظهر محبتهم، وأمير القوم كما تقدم أحمد بن مهنّا، وهذا نسبه إلى ربيعة [أبوه مهنّا بن عيسى بن مهنّا بن مانع بن حديثة بن عصيّة بن فضل بن ربيعة] (٩)، وديارهم من حمص إلى

стр. 1338

قلعة جعبر (١) إلى الرّحبة (٢) آخذين على سعة الفرات (٣)، وأطراف العراق حتى ينتهي حدّهم قبلة بشرق إلى الوشم (٤) وآخذين يسارا إلى البصرة، ولهم مياه كثيرة ومناهل مورودة: <الخفيف> ولها منهل على كلّ ماء … وعلى كلّ دمنة آثار قلت: وكان من خبر هذا البيت الذي رفعت عمده، وشدّ بطنب الجوزاء وتده، يد سلفت لعيسى بن مهنّا عند الظاهر بيبرس (٥) حال تشريده وتطريده احتاج فيها إلى فرس يركبه، فبالغ في إكرامه، وأركبه خير خيله، فلما ملك قلّده الإمرة ورقّاه وأنهله ريّ الأمل ورواه، ثم لم [يزل] (٦) يزداد سموا ويترقى في علو حتى مات.

стр. 1339

وقلّد في الأيام المنصورية (١) مهنّا ولده الإمرة وعظم بنفسه وبأبيه، وعرف بعلوّ الهمم، وبلغ المرجوّ من رعاية الذّمم، وعفّ عن الفواحش إلا اللّمم، فزاد قدره ارتفاعا وصدره اتساعا. قلت: هذا البيت أوله رجل من طيئ من بني سلسلة بن عنين بن سلامان. نشأ هذا الرجل في أيام أتابك زنكي وأيام ولده نور الدين الشّهيد كما تقدم (٢)، وفد عليه فأكرمه وشاد بذكره، وإلى هذا عنين (٣) ينتسب كلّ عرب عنين من كان من ولده أو من حلفائه أو من استخدمه الأمراء الذين من ولده، ومهنّا (٤) جدّ مهنّا هذا [أبي أحمد] (٥) الأمير الآن هو [ابن] (٦) الأمير مانع بن حديثة [بن عصيّة] (٦) بن فضل بن ربيعة الطائيّ (٢٩) الشاميّ التدمريّ، وكان أمير عرب الشام في دولة طغتكين صاحب

стр. 1340

دمشق (١)، ولم يصرح لأحد من هذا البيت بإمرة على العرب بتقليد من السّلطان إلا من أيام العادل أبي بكر أخي السّلطان صلاح الدين أمّر منهم حديثة ثم إنّ ابنه الكامل (٢) قسّم الإمرة نصفين نصفا لمانع بن حديثة ونصفا لغنّام أبي طاهر بن غنّام. ثم إنّ الإمرة انتقلت إلى أبي بكر [بن عليّ] (٣) بن حديثة وعلا فيها قدره، وبعد صيته، فلما كان من البحرية (٤) ما كان (٥) ساقت تصاريف الدهر الملك الظاهر بيبرس إلى بيوتهم وهو طريد مشرّد، ولم يكن قد بقي معه سوى فرس واحد يعول عليه، فسأل عليّ ابن حديثة فرسا يركبه فلم يعطه شيئا، وكان ذلك بمحضر من عيسى بن مهنّا فأخذه عيسى

стр. 1341

وضمّه إليه وآواه وأكرمه وقراه وخيّره في رباط خيله، فاختار منها فرسا فأعطاه ذلك الفرس وزوده وبالغ في الإحسان إليه فعرفها له الظاهر، فلما تملّك انتزع الإمرة من أبي بكر بن عليّ وجعلها لعيسى بن مهنّا، وأتاه أحمد بن طاهر بن غنّام وسأله أن يشركه معه في الإمرة، فأرضاه أن يعطيه إمرة ببوق وعلم، وبقي أبو بكر بن عليّ شريدا طريدا تارة بنجد وتارة بأطراف الشام إلى أن مات، وأمّنه الملك الظاهر غير مرة وحلف له فما وثق به ولا اطمأنّ، ثم إنّ درجة عيسى بن مهنّا علت عند الملك الظّاهر، ولم يزل معظّما إلى أن مات، ثم إنّ الإمرة صارت [لولده] (١) الأمير حسام الدين مهنّا بن عيسى في أيام الملك المنصور قلاوون، وعلت مكانته في أيام المنصور أكثر من مكانة أبيه. حكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود (٢)، قال: حضرت طرنطاي المنصوريّ (٣) وهو مخيم بالخربة (٤)، وقد حضره أحمد بن حجيّ (٥) أمير آل مرا يدّعي

стр. 1342

بألف بعير أخذتها آل فضل لعربه، ومهنّا (٣٠) حاضر، وكلّ منهما جالس إلى جانب من طرنطاي، فألحّ أحمد بن حجيّ في المطالبة، واحتدّ وارتفع صوته، ومهنّا ساكت لا يتكلم، فلما طال تمادى في الضجيج وتمادى مهنّا في السكوت، أقبل طرنطاي على مهنّا، وقال: ما تقول يا ملك العرب؟ فقال: وما أقول نعطيهم ما طلبوا هم أولاد عمّنا وإن كانت لهم عندنا هذه البعيرات أعطيناهم حقّهم، وإن كان ما لهم شيء فما هو كثير إذا أعطينا بني عمّنا من مالنا، فقال له أحمد: لا، ألا قل أتكلم، وزاد في هذا ومثله ومهنّا ساكت فلما زاد رفع مهنّا رأسه إليه، وقال له: يا أحمد إن كان كلامك عليك هينا فكلامي علي ما هو هين، وهذه الأباعر أقلّ من أن يحصل فيها كلام، وأنا معطيك إياها، ثم قام فقال طرنطاي: هكذا والله يكون الأمير (١)، ودام مهنّا على هذا حتى جاءت الدولة الأشرفية (٢)، ولما خرج الأشرف لفتح قلعة الروم (٣) مرت

стр. 1343

العساكر بسرمين (١) إقطاع مهنّا، فأكلت زروعها وآذت أهلها فشكوا إلى مهنّا أذية العساكر، فشكا إلى الأشرف فعزّ عليه واستنقص همته، وقال: كم جهد ما آذوا حتى تواجهني بالشكوى، وما كان يغتفر هذا الفعل لهذا الجيش العظيم الخارج لأجل إذلال العدوّ وقصّ جناح الكفر، وأسمعه من هذا ومثله. ثم لما كان الفتح ركب الأشرف في الفرات في خواصّه ومعه جلساؤه من بني مهديّ، وكانوا يضحكونه، فجاء مهنّا بن عيسى فأمر بمدّ الإسقالة ليدخل فلما دخل عليها غمز عليه فحركت الإسقالة فوقع في الماء وتلوث بالطين فهزئت به بنو مهديّ وضحك الأشرف ومن حوله، وطوى مهنّا جوانحه على ألمها، ثم إنه استأذن في الانصراف إلى بيوته فأذن له وقال إلى لعنة الله، فأسرّها مهنّا في نفسه ولم يبدها، وركب من وقته، وتوجّه إلى أهله، وأقام عندهم على حذر ثم (٣١) عاد الأشرف ونزل بحماة بعث إليه مهنّا بخيل وجمال فقبلها وخلع على رسوله وبعث له خلعة سنيّة ليطمئنه ثم يكبسه، فلما جاءت لبسها إظهارا للطاعة، وارتحل لوقته ضاربا في وجه البرّ فلم يتمّ للأشرف ما أراده منه، وعاد إلى مصر وفي نفسه من إمساك مهنّا وإخوته وبنيه، وظنّ مهنّا أن لا حقد عنده، فلم يلبث الأشرف أن خرج إلى الكرك وخرج إلى دمشق، وخرج منها على أنه يصيد كباش الجبل، ثم إن مهنّا عمل له ضيافة عظيمة فحضرها الأشرف وأكل منها، ولما فرغ ذلك أمسك مهنّا ومعه جماعة وجهزهم إلى مصر وحبسهم ببرج في القلعة وضيق عليهم إلا في الراتب لهم، وكان مهنّا في الحبس لا يأكل إلا بعد مدّة، وإذا أكل ما يقيم رمقه ويصلي الصبح، ويدير وجهه إلى الحائط ويصمت ولا يكلم أحدا حتى تطلع الشمس، ثم يقوم بعجلة وسرعة ويأخذ كفا من حصى وتراب كان هناك ثم يزمجر ويرمي به إلى الحائط كالأسد الصائل، فلما خرج الأشرف إلى الصّيد ترك ذلك الفعل، فقيل له في ذلك، فقال: قضي الأمر، ولم ير

стр. 1344

منبسطا إلا في ذلك الحين. قال، وحدثني مظفر الدين موسى ولد مهنّا، قال: لما كنا بالاعتقال كان عمي محمد بن عيسى مغرى بدخول المرتفق والتطويل فيه، وكان المرتفق مقاربا لدور حريم السّلطان ولبعض الأمراء، فقلت له في ذلك، [فقال:] (١) يا ولد مهنّا لعلي أسمع خبرا من النسوان فإنهنّ يتحدثن بما لا يتحدث به الرجال، فبينا نحن ذات يوم، وإذا بمحمد قد خرج، وقال: بشراكم قد سمعت صائحة النساء تقول: وا سلطاناه!، فقلنا له: دعنا مما تقول، فقال: ما أقول لكم حقّ، وكان لنا صاحب من العرب تنكر وأقام بمصر، وكان يقف قبالة مرمى البرج الذي نحن فيه، ويومئ إلينا ونومئ إليه غير أنّه (٣٢) لا يسمعنا ولا نسمعه، فلما كان في تلك الساعة ومحمد يحدثنا، وإذا بصاحبنا قد جاء وأومأ ثم مدّ يده الى التراب وصنع فيه هيئة قبر ونصب عليه عودا عليه خرقة صفراء كأنّها سنجق السلطان ثم نكسها، وقعد كأنه يبكي، ثم وقف قائما ورقص فتأكد الخبر عندنا بموت الأشرف، فلما فتح علينا من الغد سألنا الفتاح والسجّانين فأنكرونا ثم اعترف لنا بعضهم وكان ذلك أعظم سرور دخل على قلوبنا. ولما خرجوا من السجن شكوا احتياجهم إلى النساء فأطلق لهم جماعة من الجواري الأشرفيات ولم يكن مرادهم بذلك إلا التشفّي، وأعيد الجماعة الى أهلهم إلا مهنّا فإنه أخّر مدة ثم جهّز فلما خرج من دمشق لحقه البريد إلى ثنيّة العقاب (٢) بأن يعود فامتنع وقد توجّه إلى أهله وكانوا قد ندموا على إطلاقه، ثم إنّه قدم مصر بعد ذلك مرات وهو كالطائر الحذر الذي نصب له الشّرك بكلّ مكان، وآخر مدة قدمها في أوائل الدولة الناصريّة

стр. 1345

الأخيرة (١) سنة عشر وسبع مئة، وكان برلغي الكبير (٢) مملوك مهنّا وهو الذي قدّمه (٣) فلما وجده قد أمسك تحدث فيه مع السلطان، وقال: هذا مملوكي وقدّمته ليعطى إقطاعا في الحلقة، فأعطي فوق حقّه حتى جعلتموه ملكا من الملوك، وأنا أريد أن تأخذ كلّ ماله ومماليكه وتعطيني إياه برقبته ليكون عندي إلى أن يموت فوعد بذلك، ثم إنّ برلغي مات في ذلك الوقت فقيل له: قد مات، فعزّ ذلك عليه عدم قبول شفاعته مع ما كان يمتّ به من سوابق الخدم. ولما كان السلطان في الكرك فخرج مهنّا، وقد طار خوفا ورعبا ولما اجتمع بقراسنقر (٤) وكانت بينهما صداقة قديمة مؤكدة، وكلّ منهما مستوحش، [فجدّدا] (٥) الأيمان والعهود على المضافرة وأن لا يسلم واحد منهما (٣٣) صاحبه فلما توجه قراسنقر إلى حلب زاره مهنّا فخلا به مهنّا فأراه قراسنقر كتابا من السلطان فيه إعمال الحيلة على إمساك مهنّا، فقال له مهنّا: ما أنت صانع؟ فقال أنا أطيعه فيك وأجاهره وهو يجعلني دأبه ووكده فمن

стр. 1346

يحميني منه إذا قصدني فقال له مهنّا: تجيء إلينا فتحالفا على ذلك، ثم إنّ مهنّا [وفى] (١) لقراسنقر لما توجه إليه على ما هو معروف في موضعه حتى أنّ زوجة مهنّا عائشة بنت عسّاف بالغت في خدمة قراسنقر، وكانت تقول لمهنّا: يا مهنّا ذكر الدهر لا تدعه، وكذلك محمد بن عيسى (٢) [إلا] (٣) فضل بن عيسى أخو مهنّا فما كان رأيه إلا التقرب بإمساك قراسنقر والجماعة إلى السلطان، فكانت عائشة تقول: تعسا لأمّ ولدت الفضل بعد مهنّا و<محمد بن> عيسى. وكتب مهنّا إلى السلطان يستعطفه ويقول: هؤلاء مماليكك ومماليك أبيك وكبار بيتكم وقد هربوا من الموت وسألوا أن تكفّ عنهم وتجعل البيرة (٤) لقراسنقر، والرحية للأفرم (٥)، وبهسنا (٦) للزّردكاش (٧)، وإذا حضر مهمّ جامع للإسلام حضروا إليه، وجاهدوا بين يديك

стр. 1347

فأجابهم بإطابة القلب، وأنه قد جعل الصّبيبة (١) لقراسنقر، وعجلون (٢) للأفرم، والصّلت للزّردكاش، أو إمريّة كما كان فما اطمأنوا لذلك، وزادهم نفورا فجهزهم إلى خربندا (٣)، وقال له: متى حميت هؤلاء كنت أنا في طاعتك معهم، وأخفر الركب العراقيّ وسيّرهم مع ابنه سليمان (٤)، وبعث معهم من جهته لخربندا ومن حوله خيولا مسوّمة فقوبلوا بالإكرام والرعاية، وخلع على سليمان وأطلق له أموالا جمة، وجهّزت لمهنّا خلع وإنعامات وبرالغ (٥) بالبصرة له ولأهله ومعها الحلّة والكوفة وسائر البلاد الفراتية، واشتدّت الوحشة بينه وبين السلطان الملك الناصر، وتأكدت فأعطى الإمرة لأخيه (٣٤) فضل، وتظاهر مهنّا بالمنافرة والمباينة والوحشة، وحضر إلى عند خربندا فأكرمه غاية الإكرام وأجلّه نهاية الإجلال، وقرّر أمر الركب العراقيّ وأعطى عصاه خفارة لهم وتأمينا، وضاع الزمان وامتدت الأيام والليالي في المراوغة من مهنّا وهو يعد السلطان أنّه يحضر إليه ويمنيه، ويسوّف به من وقت إلى

стр. 1348

وقت، والبريد يروح ويجيء، والرسل تتردد، وجهز إليه أرسلان الدّوادار (١) وألطنبغا الحاجب (٢)، الذي عمل <في> نيابة حلب، والشيخ صدر الدين الوكيل (٣) ولا ألوى ولا عاج، ثم كان أولاده وإخوته يتناوبون الحضور إلى السّلطان وهو ينعم عليهم بمئين ألوف وبالإقطاعات العظيمة والأملاك وهم يمنونه حضوره ويعدونه بقدومه، ومهنّا لا يزداد إلا حذرا، والسلطان لا يزداد إلا طمعا، وإذا حضرت للمسلمين نصيحة أو مصلحة كان مهنّا ينبه عليها ويشير بها، وكان السلطان يقبل نصحه ويعرف ديانته. ثم لما كانت سنة أربع وثلاثين توجّه مهنّا بنفسه إلى السلطان ودخل إلى مصر فأكرمه غاية الإكرام، وأنعم عليه إنعامات كثيرة إلى الغاية، وعاد مهنّا راجعا إلى بلاده، ولم يزل إلى أن توفي في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين وسبع مئة بقرب سلميّة، وأقاموا عليه المآتم ولبسوا السّواد وعاش نيّفا وثمانين سنة، وكان وقورا متواضعا لا يحتفل بملبس. تتميم وهؤلاء آل عيسى هم في وقتنا ملوك البرّ ما بعد واقترب، وسادات الناس ولا تصلح إلا عليهم العرب (٤)، قد ضربوا على الأرض نطاقا، وتفرقوا فجاجها حجازا وشاما وعراقا، أنى

стр. 1349

نزلوا خلت الأرض قد رمت أفلاذها أو السماء قد مرت رذاذها، ترتجّ بخيولها صهيلا، وتحتجّ (٣٥) بسيوفها على الرقاب صليلا، تجمع قنابل (١)، وتلمع مناصل، وتنبت قنا، و [تميت] (٢) فتنا، قد نصبوا بمدرجة الطريق خيامهم، وأوقروا في علم الأسماع إعلامهم، أنّ الكرم أعلامهم، وتقارعوا في قرى الضّيفان، وسارعوا إلى تقريب الجفان، قد داروا على البلاد أسوارا حصينة، وسوارا على معصم كلّ نهر وعقدا في جيد كلّ مدينة، وأحاطوا بالبرّ من جميع أقطاره، وحالوا بين الطير المحلق وبين مطاره، وحفظوه من كلّ جهاته، وحرسوه من سائر مواضعه وآفاته، وصانوه من كلّ طارق يتطرق، وسارق يتسلّل أو يتسرق، فلا تبصر إلاّ مرسى خيام، ومسرى هيام، ومورد كرام، وموقد ضرام، ومقعد همام، ومعقد ذمام، ومجال غمام وآجال رزق أو حمام، ومعهد أياد جسام، ومشهد يوم يرعف به أنف قناة أو حسام، وتكبير وتكثير [صلاة] (٣) ومكان مفزع، وأمان من يجزع، وملجأ خائف، وملجم حائف، وسجايا ملكية، وعطايا برمكية، ومواهب طائيّة، ومذاهب حاتميّة، وبوادر ربيعيّة، ونوادر مرعيّة، وصوارم تتحسس بذيلها الرقاب، ومكارم يتحسر على آثارها السّحاب، لا يطرق لهم غاب، ولا يطرق لهم بذل رغاب، ولا يطرح لهم بيت مضيف، ولا يطيح إلا إليهم تابع مشتى ومصيف، لا يخلو ناديهم عن سيد مسوّد، وكريم مقدّم، وشجاع بطل، وجواد كريم، وحليم وقور، ووافد آمل، وقاصد [نائل] (٤) وصارخ ملهوف، وهارب مستجير، لا تنفكّ لهم نارا قرى وقراع، ومنارا منى ومناع، يسرح عدد الرمل لهم إبل وشاء،

стр. 1350

ومدد البحر ما يريد المريد منهم وما يشاء، تطلّ منهم على بيوت قد بنيت بأعلا الرّبى، وبلغت السحاب وعقدت عليها الحبى (١) قد اتّخذت من الشّعر الأسود وبطّنت (٣٦) بالدّيباج والحرير والوشي المرقوم، وفرشت بالمفارش الرومية، والقطائف الكرجيّة، ونضّدت بها الوسائد، وقامت حولها الولائد، وشدّت بوتد السماء أطنابها، وأعدت لطوالع النجوم قبابها، وأرخيت سجفها وشرعت أبوابها إلى الهواء، واستصرخت واستغيث بها لدفع اللّأواء ورفعت عمدها، ووضعت حجلاتها وقرّر في الأرض وتدها، وطلعت البدور في أكلّتها، ورتعت الظّباء في مشارق أهلّتها، وحولهم خيول تحمي حجبها وترمي إزاء البيوت سحبها، وتعرف بين العرب الأتراب عربها، وتعرض في الشهب الحسان نخبها من كرائم الخيل المخبورة، وعظائم السيل معنى وصورة، قد تمايلت ألوانا، وتقابلت في مناسب الخيل إخوانا، وتنوّعت شياتها فبرزت بستانا، وتسرّعت أعوجيّاتها السوابق، فقصر مدى لاحق، وتقدمت قدّامه ميدانا. وتفرّعت من أصول العرب في ربيعة ومضر، وتبرّعت بما لا يلزمها، فمنها ما انتظر ما خلفه، ومنها ما فات النظر، وتقدمت وأمهلت وراءها الرياح، وأقدمت وأنهلت ظمأها مورد الصباح، ومرّ كلّ طرف منها وطرف البرق حائر، ومد [وجوار] (٢) المجرّة ما فيها طريق لسائر، وحفّت والطير في وكناتها لم تبرح، ووفّت والوحوش في مكان بياتها لم تسرح، تمّت كأنّها كثبان، وهمّت كأنها عقبان، قد صلدت حوافرها كأنها قعب حالب، وصلدت مشاعرها كأنها وجه عاتب، واتّسع منخرها كأنّه وجار ثعالب، وارتفع مؤخّرها كأنه ربوة مراقب، وطال غرتها كأنّه انتظار غائب، ومالت نواصيها كأنها عقود ترائب ودقّ منخرها

стр. 1351

كأنّه طرف قاضب، ورقّ أديمها كأنه حديث حبايب، واتسع ذيلها كأنّه ذيل راهب، و [تلبد] (١) (٣٧) مغرزها كأنه إقعاء أرانب، وقصر [عجب] (٢) ذنبها كأنه بقاء ذاهب، ونهد موضع لببها (٣) كأنه نهد كاعب، و [نتأ] (٤) صدرها كأنّه نهضة واثب، وولولت، آذانها كأنها [أقلام] (٥) كاتب، ولانت شعرتها كأنما عليها لوف سليط ذائب، ولانت عريكتها كأنها للتأديب لعبة لاعب، ونظرت نظر حادر (٦)، وتلفتت التفات ربائب، وأشبهت الوحش والطير، فطورا تحلق وطورا تواثب، وقد برزت شهبا ودهما وحمرا وشقرا وصفرا وخضرا وما بين هذه الألوان، وما بين [صنوان] (٧) وغير صنوان (٨)، قد رتعت كالظّباء، ورفعت كالخباء، وطلعت [كالكواكب] (٩) وتطلعت كالرقباء، وحالت أمام بيوت الحي تهزّ ندوة عطفه وخطوة فارسه المعلم في موقف صفّه، فكم ترى من سابق وسابقة توافقا فلم تر أيّهما سليلة سابقين تناحلاها، ولا بأيّهما تعقد الظبية الأدماء (١٠)

стр. 1352

طلاها (١)، ولا أيّهما بلغ السماء واغتصب النجوم حلاها، ولا أيّهما الموصوف في كرائم الخيل، ولا أيّهما ائتزر (٢) برداء النهار أو أطاح رداء الليل، من حصون كالحصون الشوامخ تتحصّن على صهواتها، ويتحصّل الظفر ولا تروى فواغر لهواتها، قد اشتدت مبانيها الوثيقة، وتشيدت فكانت حصونا لا حصنا على الحقيقة، ومن حجر كالحجر بل شيء أشدّ من الحجارة، وأشدّ من السّهم في مهاجمة الغارة، قد تبرجت تبرج الحسان، وتخرّجت تخرّج الكاعب وبرزت للفرسان، وأقبلت في ميدانها تتمطّر، وجالت وعنانها لا يزيد على أنّه (٣) يتخطّر، كلاهما محفوظ النّسب، ملحوظ الحسب، محفوظ البخت لاعن غير سبب. فمن قرطاسية بيض ذاب على أعطافها اللّجين، وبقي عليها أثر الفضة وذهب العين، أقبلت كأنها البيض الكواعب، واستقبلت كأنها أيام وصل الحبايب، كأنما جلّلت بالنهار، أو حولت (٣٨) إلى مطالع الأقمار، أو خولت مما تلبس الشمس من حلل الأنوار، وجاءت قرطاسية لما قرطست سهامها، وقرّبت مواعيد الظفر أيامها. ومن دهم لم ترض بالليل ردّ ردائها، ولا بلمم الشبيبة شبية ظلمائها، ولا بالأهلّة إلا تحت مواطئ حوافرها، ولا بالصباح إلا لما بين وظيفها ومشاعرها، فأما ما سأل أو استدار من الغدر الصّباح، فإنه مما قرّ أو [تموّج بين عينيها] (٤) من لوامع الأسنة لا من طلائع الصّباح. ومن حمر أوقد الشفق عليها جمره، وبدّد الشقيق على كأسها خمره، منها معصم بسواد

стр. 1353

كأنما ذرّ المسك على وردها، أو أمسك الليل فحمته [على] (١) وقدها. ومنها كميت يميل براكبه ميل الكميت بشاربها، ويستطيل باقي ظلماته في شفق الصباح على ذاهبها. ومنها ورد كأنه أباة قد قطف، أو رباة إذا شبّه بخدّ غانية أو وصف، وفيها صامت، وأعزّ منها ما طلع كوكب الصبح بمحلّقه، ومنها ما هاب خوض الدماء فتغطى بسجاف أفقه. فأما الحجول فمنها ما أدار عليه جباها، ومنها ما قال هذه حيلة لنقيصة فأباها، وبدت تعرف الأنفة في مناخيرها الشّم، وتقوض الجبال إذا أقبلت شوامخها الصّم. ومن شقر قدح الفرق فيها فما أفاد، وقرّح الذهب عينه حتى لبست منه جيدا من جساد، واصطدمت جياد الخيل فطار منها شرارة من زناد، واقتحمت حلبة السباق فجاءت سابقة عليها آثار الخلوق دون بقية الجياد، ومنها رافلة في أعلام الشيات، ومنها عاطلة من أعلامها، هذه قد تجلت بالغرر والحجول، وتلك جعلتها حلية لأيامها. ومن صفر هي في العصر الأصائل، وفي الفجر آخر ما بقي من شعاعه السائل، شاقت اللهب (٢) وهو الطائر والطائل، وفاقت الذهب وهو الحائر والحائل، وراقت فهي الشّمول، ورقّت (٣٩) فهي الشمائل، وتاقت إليها لمع البرق فحال دونها حائل، وضاقت بها الحزم واتّسعت مصبّغات الغلائل، وساقت إليها الشمس وأوقعتها من خيط سوادها الممتد في الحبائل، ونوّهت بالحبش لما قيل إنها حبشيّة، وأفاضت [عليهم] (٣) النائل، من فواضل

стр. 1354

حللها الموشية، وسعد بها هذا الجنس لما نسبت إليه، وحمد لّما كان النّسب يصحّ أن يطلق عليها وعليه، وفخر كلّ حبشيّ لكونها تعدّ منه وهو من أعدادها، وتطاول حتى موّه عليها بالشبه، وأخذ في وجهه محاسن التخطيط من خطّ سوادها، فكأنها نار ترفع في الليلة الظّلماء لها لهب، فتوقدت شعلها إلا ما اعتلق به الليل من العرف والناصبة والذّنب. ومن حصير ما منها إلا من بيت العرب، وما فيها إلا ما يهتدي إلا إلى الهرب، كأنها إليه ظلّ دائب أو علاها رحيق سحائب، أو ألقى عليها زبرجد، أو أبقي منها أثر شعاعة مهنّد، قد أفادتها الجباه نضرتها، والشّفاه من كثرة التّقبيل خضرتها، وبدت ولا هي بيض ولا جون، وغدت تنتشي وما قطعت بها عناقد النواصي ولا عصرت من أعطافها ابنة الزّرجون (١). ومن بلق كرام ما قعدت بها هجنة، ولا بعدت عن شبهين أخذت من كلّ منها حسنه، لا كما يقال إنّ الطبيعة قصّرت في إنضاجها، ولا إنّ حسنها كلّه ذهب في ديباجها، بل كلّ منهما علم على صاحبه يعرف به إذا ركبه، ويحلف أنه اقتاد الروض وتوقّل منكبه. منها ما يقابل بين صباح وظلام، ومنها ما ماثل بين البياض والحمرة خدّ غلام، فأما الأول فقد طلع منظرا حسنا، وجمع بين ضدين لما اجتمعا حسنا (٢)، كأنه توليع السّحب وترضيع السّخب، أو قطع ليل يهزّ بالشهب، أو نقع (٤٠) حرب ظهر في وجوه لمعان القضب، في كلّ منهما ما أظلم وما أنار (٣)، وما أظلّ جانبي الأرض ففي وقت واحد في هذا ليل وفي هذا نهار، وأما الثاني فكأنّه اختلاط ماء وراح، واختلاف مجاري شفق على صباح، لا

стр. 1355

يقاس [به] (١) البرق، وهو أحقر، ولا يتشبّه به إلا كان هو إلى التشبيه [به] (١) أفقر، ولا يبالغ واصفه إلا قال كظهر الحصان الأنبط البطن (٢) يكشف الجلّ واللون أشقر، ومما سوى ذلك جميعه من ألوان الخيل مما يمزج من أحمر [وأبيض] (٣) يقق (٤) وأصفر أصيل وأخضر سحر، وأشهب نهار، وأدهم ليل. ومنه كلّ ديزج (٥)، ذلك بفيروزج، كأنما لوّن من ماء يتموّج، أو كوّن من سماء صدره بصداد على سناه ينسج، وأصدأ لا يقدر جون الغمام لمعارضته يتصدى، وأكهب، لا هو كالأحمر أو كالأشهب، وهي فتيّة وما فيها إلا عتيق وكثيرة، وما فيها إلا ما هو قليل كالصّديق (٦)، ما استنكرها إلا من تجرّب، ولا استكبرها (٧) إلا من جاء بنقعها في وجه السماء يترّب، وكأنما عنيتها، في قصيدة كنت في وصف الخيل بينتها (٨)، وهي: <الخفيف> أقبلت في ميدانها تتجارى … هي والريح في المدى تتبارى ودعت سابق [الغمائم] (٩) للسب … ق فأضحى بذيلها يتوارى سابقات ما قصّر البرق لما … أدرك البرق بعدها الآثارا

стр. 1356

سابقات ما فاتت الطّرف حتى … خلّت الشّهب في الظلام حيارى وأرتنا يوم الرّهان أناسيّ … سكارى وما هم بسكارى (١) من جياد منسوبة في بيوت … ليس ترضى من غيرها الإضمارا كلّ حجر كأنه الحجر الصّل … د لهذا تفجر الأنهارا وحصان كأنه شعب رضوى (٢) … رابط الجأش لا يخاف وقارا نخبة الخيل من خيول كرام … ردّدت في اختيارها الاختيارا (٤١) وأتت بالجياد من كلّ فجّ … واستجادت منها الخيار خيارا علمتها في حربها كلّ شيء … في مجال للموت إلاّ الفرارا مشرقات كأنها روضة الحز … ن بل الحزم أينعت أزهارا أبيض جاء مثل يوم وصال … قد تعالى ضياؤه واستنارا ملفتا جيده إلى ذات حسن … مثله قد بدت نهارا جهارا لا يباري الشهباء شيء سواها … ليس مثل الشّهباء مما يبارى وكذا أخضر هو الآس غضالا … أشبه المرد سالفا وعذارا وأتانا ما بين لونيه يحكي … مذ تبدّى مساءة واعتذارا معه من شرواه (٣) خضراء تجري … حيث تجري زمرّدا منهارا

стр. 1357

وأغرّ كأنّه الليل إلا … ما بدا بين مقلتيه نهارا أدهم رقّ جلده فحسبنا … منه ما رقّ في الدّجى إسحارا وشبيه بجنسه بنت دهما … ء ببهماء (١) لا تخاف القفارا وكميت لو قابل في الكأ (٢) … س شربنا مما كساها العقارا ثم ورد يطيب منه شميم … قد قطفنا من غصنه أنوارا بهما من لونيهما كلّ عذرا … ء عليها يبدو حياء العذارى وكذا أشقر كريم مفدّى … جاء كالبرق يستطير شرارا ثم شقراء كم تولّع صبّ … بهواها وبات يشكو النارا وكذا أصفر تراه أصيلا … سار نجم منه وسال نضارا ثم صفراء ما تشرّب طرف … خمرها الحلّ ثم خاف الخمارا ثم وافى عقيبها الأبلق الفر … د يضمّ الظلام والأقمارا معه مثله من البلق لاثت … فوق ثوب الدجى عليها الإزارا فهي تحكي بيضاء مظلومة (٣) الجس … م فبعض دجا وبعض أنارا وكذا أبلق بأحمر قان … فكّ عمدا عن جيبه الأزرارا (٤٢) ثم بلقاء أقبلت تخجل الخدّ … بياضا من لونها واحمرارا

стр. 1358

تتهادى في مشيها كعروس … أفرغوا فوقها الجيوب نثارا ما كفاهم أن نقّطوها إلى أن … نقّطوا كلّ درهم دينارا ثم في الخيل ديزج ماج بحرا … أو سماء وصارما بتّارا ثم حجر [تلزّه] (١) فرأينا … جدولا منه صادف التيّارا ثم من سائر الجياد كرام … أرسل الركض نوءها مدرارا وتذكر مع السوابق أصدا … مثل ما تصدأ السيوف مرارا ثم صدياء لا تضاهى غمام … مكفهرّ من سيلها الأمطارا بعدها أكهب تحيّر لونا … لا شقيقا حكى ولا نوّارا لا ولكن بحكمها في امتزاج … قد تردّى لذا وهذا شعارا ثم يتلوه في المحاسن حجر … مثله لا يميل عنه ازورارا صافنات زادت على الخير حسنا … في مداها وزانت الأخيارا وأتت في [فعالها] (٢) وحلاها … بصفات تعجّب النّظّارا ملكت حكم مالكيها الأماني … وحوت للذي حواها الفخارا سبّق تجعل الأنام جميعا … من رعاياه والبسيطة دارا

стр. 1359

فأما هؤلاء العرب إذا ركبوا الهياج، أو وثبوا إلى معاركة الفجاج، سدّت الأفق قتاما، والطرف إبلا كراما، قد تقلدوا سيوفا تغرّق الأرواح [في] (١) لججها، وتقصّر مناظرات الرقاب لحججها، كأنما طبعت فيها حمر المنايا، أو أطبعت (٢) عليها سود الرزايا، ترصّعت بالنجوم، وانتعلت بالهلال، وتقطّعت من الغيوم، وضربت مرهفات النصال، لا يخشى ورق حديدها الأخضر، ولا يجتلى وجه فرندها الصقيل ولا ينظر، قيل لها صوارم لأنها صرمت الأعمار، وقواضب لأنّها تقتضب الأجل وتعجّل الدمار، ومشرفيات لأنّها أشرفت على الرءوس، ومهنّدات (٤٣) لأنها ترى رأي الهند في إحراق النّفوس، ومناصل لأنّها تتنصّل لا مما جنت، وقواطع لأنّها تقطع بالأمر أساءت أو أحسنت، كأنما تأكلّت فيها النار أو تشكّلت فيها الأنهار، وما على ضجيعها أين بات، ولا <على> قريعها عار لعدم الثبات، ولا على حاملها الجازر، إن كثرت لديه النحائر، أو كبرت عليه من حيث الأعداء الجرائر، كأنما رضعت زرق اليواقيت، أو علت قرى نمل أو قرى رمل لها فيها آثار مخافيت، وقد اعتقلوا من عوالي الرماح كل ردينية سمراء ما ماس مثلها قدّ، ولا مال أهيف ولعب مثلها دست بند (٣) عواسل قصبها المرّان، عوامل شهبها تعمل في أطرافها النيران، تطاولت [لتثقب] (٤) درّ الكواكب، أو لتنقب سدّ السحائب، ثم رأت أنّه لا تروى بغير الدماء حوائم أسنتها العطاش، ولا يقوم بكفايتها إلا ورود الوريد لا من المطر الرشاش، فرمت على لبّات الرجال عنقها، وبلّت صداها ونقعت [غليلها] (٥)، وما [رويت] (٦) من دماء

стр. 1360

أعدائها، ما دارت دوائرها على عدوّ إلا وخاف أن يصعد على أسوارها أو يتسوّر، ولا صبحت [بمصاعها] (١) ذا عنق إلا تطاير بها وتشاءم بكعبها المدوّر، ورأيت من الرجال في تلك البيد صقورا [تحمي] (٢) محارمها، وسيولا تطمّ فجاجها ليوثا ضراغم، و [عقبانا] (٣) كواسر، وأبطالا لا تعبأ بمن لاقت، ورجالا لا تبالي أين نزلت، تدخل على عزيز قوم بلاده، وتحمي عليه أرضه وترد دونه ماءه وتمنعه شربه، وتردّ عليه قوله، وتصدّ عنه قومه وتأخذ ماله، إذا شاءت غصبا، وتقسمه اقتساما لا نهبا، لا تحرس (٤) في ليل ولا تجتمع في نهار، كفتها المهابة أن تخاف، والمنعة أن تتوقى، فإذا سارت قلت: الشّهب سارت، والسحب سالت، والجبال مادت، والرمال (٤٤) مالت، تركب النّجب، وتجنب الجياد، فتختال الأرض في حلبة السماء ببدور أخفاف المطيّ، وأهلّة حوافر الخيل، ونجوم أسنة الخرصان، توطأ لهم الرواحل، وتطوى بهم المراحل، وتبدو ركائبهم كأنها قلل جبال أو حلل نزال، تتسع مجال الرياح بين فروجها، وترتفع طوال الرماح فوق بروجها، تمدّ أعناقها طلبا لقرب المنزل، وتجدّ أشواقها إلى أرض وتصبح عنها بمعزل، كأنها لتمام الخلق بنيان، أو لأكام الأرض تبيان، لا يقرّ بعينها الزئبق المتد حرج، ولا في بينها سيرها المتلجلج، يتثنى راكبها كأنه شارب ثمل، ولا يستقرّ كأنّه بارق عمل، ركب من الإبل السحاب وهو محتفل، ووثب وكأنّه لتمايلها يتخبط تخبط الظبي في أشراك محتبل، من امتطاها وركبها أضرم نشاطه، ومن استبطأها فضربها ظلمها وظلم بالضّرب لها سياطه، والأكوار تتراءى عليها كأنّها أهلة على غمام، والمجرة البطان، والجوزاء الزّمام، وأمامهم الظعائن تجري بها في الآل السّفائن، وقد شدّ كلّ

стр. 1361

هودج على كور راحلته الثّريا، وسعد بسعدى وطاب بريّا، فسايرتها نظرات الأحداق، وعادت ولم تخرج وعاجت وما وقف لها سائق الركب ولا عاجت ربة الهودج، فما فازت إلا من بعيد بنظرة، ولا فاءت إلا وبين الجوانح حسرة، وتعرض لها فلم تفعل ولم تخرج، وتعرّف بها فما زاد على أن فقد قلبه وعاد، وهو محرج، حتى إذا نزلوا بليل، ونزحوا غدير النهار وجاء الظلام بسيل، أوقدوا نارا يشبّ بالمندل الرطب وقودها ويشدّ بعنان السماء عمودها، رقص بها الليل في قميص أرجوان، وتنقّص ظلامته بأدنى ضوئها وهو وإن تشعشعت كالسّلاف، وتورّعت إلاّ عمّا [هو] (١) إرث عن الآباء والأسلاف، نار كرمية ترمي بكل شرارة كطراف، (٤٥) ضرميّة تشبّ بالعراق، وضوؤها يعشى نائل وأساف، تهتدي الضيفان بها لا بصوت النابح، وترتدي بشعاع دماء القرى من كلّ بازل كوماء (٢) وطرف سابح. < آل علي > وأما آل عليّ (٣) فأميرهم رملة بن جمّاز بن محمد بن أبي بكر بن عليّ بن حديثة بن عصيّة بن فضل بن ربيعة (٤)، وقد كان جدّه أميرا ثم أبوه، وقلّد الملك الأشرف جدّه محمد بن أبي بكر إمرة آل فضل حين أمسك مهنّا بن عيسى، ثم تقلّدها من الملك الناصر أخيه

стр. 1362

حين بعث قجليس (١) في طرد مهنّا وسائر إخوته وأهله، ولما أمّر رملة كان حديث السّن فحسده أعمامه بنو محمد بن أبي بكر فقدموا على السلطان بتقادمهم وتراموا على الخواصّ وسائر الأمراء وذوي الوظائف، فلم يحضرهم السلطان لديه، ولا أدنى [أحدا] (٢) منهم إليه، فرجعوا بعد معاينة الحين بخفّي حنين، ثم لم يزل [يتربصون] (٣) به الدوائر و [ينصبون] (٤) له الحبائل، ويقيه الله سيئات ما مكروا، ويدفع عنه بالسلطان ما قصدوا، وهاهو اليوم سيد قومه، وفرقد دهره، والمسوّد في عشيرته، المبيّض لوجوه الأيام بسيرته، وله إخوة ميامين كبراء أمراء فضل ومرا وهم أهل بيت عظيم الشأن مشهور السّادات إلى أموال جمّة، ونعم ضخمة ومكانة في الدول عالية، وديارهم مرج دمشق (٥) وغوطتها بين إخوتهم آل فضل وبني (٦) أعمامهم آل مرا ومنتهاهم إلى الجوف (٧) و [الحيّانية] (٨)، إلى الشبكة (٩)، إلى تيماء، إلى البراذع.

стр. 1363

< آل مرا > وأما آل مرا (١)، فبيت الإمرة فيهم آل أحمد بن حجي، وبقيتهم آل منيخر وأميرهم سعد بن محمد، وآل نمي وأميرهم برجس بن سكال، وآل بقرة وأميرهم علوان بن أبي غراء، وآل شماء وأميرهم عمرو بن واصل، ثم صارت الإمرة في بيتين في آل أحمد (٤٦) فمن بيت نجّاد بن أحمد، قناة بن نجّاد، ومن بيت سليمان بن أحمد [شطيّ] (٢) بن عمرو بن توبة بن سليمان، وأحمد هذا هو ابن حجي بن يزيد (٣) بن نبل بن مرا بن ربيعة، والإمرة مقسومة بين هذين الأميرين نصفين، ويدخل في إمرتهم من يذكر، وهم: حارثة، والحاص، ولام (٤)، وسعيدة، ومدلج، وفرير، وبنو صخر، وزبيد حوران وهم زبيد صرخد، وقد تقدم ذكرهم (٥)، وبنو غنيّ (٦)، وبنو عزّ، ويأتيهم من عرب البرية آل ظفير، والمفارجة، وآل سلطان، وآل غزّي، وآل برجس، والخرسان وآل المغيرة، وآل بني فضيل (٧)، والزّراق، وبنو حسين الشرفاء، ومطير، وخثعم، وعدوان، وعنزة.

стр. 1364

وآل مرا أبطال مناجيد، ورجال صناديد، وأقيال، قل: كونوا من حجارة أو حديد (١)، لا يعدّ معهم عنترة العبسيّ ولا عرابة الأوسيّ (٢)، إلا أنّ الحظّ لحظ بني عمهم أتمّ مما لحظهم ولم تزل بينهم نوب الحروب، ولهم في أكثرها الغلب، وقد كانت لهم بأحمد ابن حجيّ الأنفة الشّماء، والرتبة التي لا تتطاول إليها السّماء، ثم قتلت بينهم القتلى، وأنزف قوة بأسهم سفك الدّماء، وتشتتت كلمتهم بقسمة الإمرة على أنّه لو لم تقسّم لظلّ بينهم كلّ يوم قتيل، وأخذ بجريرتهم قبيل، لإباء نفوسهم، وعدم انقياد نظير منهم لنظير. وديارهم من بلاد الجيدور (٣) والجولان إلى الزرقاء (٤) والضليل (٥) إلى بصرى (٦)، ومشرقا إلى الحرّة المعروفة بحرّة كشب (٧) قريبة مكة المعظمة إلى شعباء (٨) إلى نير ابن مزيد إلى الهضب المعروف بهضب الراقي، وربما طاب لهم البرّ، وامتدّ بهم المرعى أوان خصب الشتاء، فتوسّعوا في الأرض وأطالوا عدد الأيام والليالي حتى تعود مكّة المعظمة وراء ظهورهم، ويكاد سهيل يصير شامهم، و [يصيرون] (٩) مستقبلين بوجوههم الشام.

стр. 1365

وأما زبيد الغوطة والمرج (٤٧) وقد تقدمت الإشارة إليهم (١) وإمرتهم في بني نوفل، وهم والمشارقة جيران، وليس للمشارقة إمرة، ولكن لهم شيوخ منهم، وأمر هؤلاء وهؤلاء إلى نواب الشام ليس لأحد من أمراء العرب عليهم إمرة. وديارهم جميعا المرج والغوطة بدمشق إلى لاهة إلى أم أوعال (٢) إلى الرّويشدات (٣)، وعليهم الدّرك وحفظ الأطراف، وبهم تم ذكر بني ربيعة. قال الحمدانيّ، وقد ذكر أعيانهم: وفي آل ربيعة جماعة كثيرة أعيان لهم مكانة وأبّهة، فأول من رأيت منهم مانع بن حديثة وغنامّ أبو الطاهر على أيام الملك الكامل، ثم حضر الكلّ في هذه الأيام إلى أبواب السلاطين من دولة المعزّ أيبك وإلى أيام المنصور قلاوون، وهم زامل بن عليّ بن حديثة، وأخوه أبو بكر بن عليّ، وأحمد بن حجيّ وأولاده وإخوته، وعيسى بن مهنّا وأولاده وأخوه، وهم رؤساء أكابر <و> سادات العرب ووجوهها، ولهم عند السلاطين حرمة كبيرة، وصيت عظيم إلى رونق في بيوتهم ومنازلهم (٤): <البسيط> [من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم … مثل النجوم التي يسري بها السّاري]

стр. 1366

قال الحمدانيّ: إلا أنهم مع بعد صيتهم قليل عددهم، قلت (١): <الطويل> تعيّرنا أنّا قليل عديدنا … فقلت لها: إنّ الكرام قليل وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا … عزيز وجار الأكثرين ذليل قال المهمندار الحمدانيّ: وقد وفد فرج بن حيّة على المعزّ [أيبك] (٢) وأنزلناه بدار الضيافة، وقعد أياما، فجاء مقدار ما وصل إليه من عين وقماش وإقامة له ولمن معه ستة وثلاثين ألف دينار، واجتمع أيام الظاهر جماعة من آل ربيعة وغيرهم فحصل لهم من الضيافة خاصة في المدة اليسيرة أكثر من هذا المقدار، وكلّ ذلك على يدي (٤٨)، قال: وما يعلم ما خرج على يدي من بيوت الأموال والخزائن والغلال للعرب خاصة إلا الله تعالى مما لا تحصيه إلا بالجهد فسبحان من سخرّ لهم وقسم. قلت: قد قال الحمدانيّ هذا واستكثره، وأطال في هذا واستعظمه واستكبره، فكيف لو عمّر إلى زماننا، ورأى إليهم إحسان سلطاننا، ورأى العطايا كيف كانت تفيض فيهم فيضا من الذهب العين والدراهم بمئين ألوف، والخلع الأطلس بالأطرزة الزراكش وأنواع القماش الذي يفصّل لملبوسهم بالسّمور والوشق والسّنجاب (٣) والبرطاسي والأطرزة [الزّركش] (٤) والملمع والباهي، والساذج، والعتّابي من الإسكندري وفاخر المقترح والمصبوغات المجوهرة، والذّهب، وأنواع الزّركش لنسائهم والسّكر المكرّر والأشربة المختلفة بالقناطير المقنطرة، وأحمال الجمال المقطرة إلى ما ينعم به على أعيانهم من الجواري التّرك والخيل للنّتاج،

стр. 1367

والفحول للمهائر مع ما يطلق لهم من الأموال الجمة بالشام، ويقطع باسمهم من المدن والبلاد، ويملّك لهم من القرى والضّياع، ويعطى غلمانهم ويجرى من الإقطاعات لهم وللائذين بهم وللمتجوّهين بجاههم، مع المكانة العليّة والشّفاعات المقبولة في استخدام الوظائف وترتيب الرواتب وإقطاع الجند، والإطلاق من السّجون، والرعاية في الغيبة، والحضور، إلى غير ذلك من تجاوز أمثال الكفاية في الإنزال والمضيف لهم ولأتباعهم، منذ خروجهم من بيوتهم وإلى حين عودهم إليها مع مؤاكلة السلطان مدّة إقامتهم بحضرته غداء وعشاء، والدخول عليه في المحافل والخلوات، وملازمته أكثر الأوقات. وإن وجدت لسانا قائلا فقل: وهم إلى الآن يقلعون بتلك الريح (٤٩) ويستضيئون بتلك المصابيح. قال الحمدانيّ: ولقد رأيتهم في الوقائع مع من غلب إلا نوبة حمص (١) يعني الكائنة أيام المنصور قلاوون، فإنهم أثّروا أثرا حسنا، وعملوا في التّتار عملا جيدا، وقاتلوا قتالا شديدا، وربما تقدموا الجيش في اللقاء، فكانوا سبب الكرّة، يعني المؤدية إلى النّصرة. قلت: وحكى لي شيخنا أبو الثّناء محمود أنّه رأى آل مرا حين جاؤوا تلك المرة، قال: كنت جالسا على سطح باب الإسطبل السّلطانيّ بدمشق، وقد أقبلوا زهاء أربعة آلاف فارس شاكين في السلاح على الخيل المسوّمة، والجياد المطهّمة، وعليهم الكزغندات (٢)

стр. 1368

الحمر من الأطلس المعدنيّ، والدّيباج الرومي، وعلى رؤوسهم البيض (١) مقلّدين بالسيوف، بأيديهم الرماح كأنهم صقور على صقور، وأمامهم العبيد تميل على الركائب، ويرقصون بتراقص المهاري، وبأيديهم الجنائب التي ظلّت إليهم عيون الملوك صورا، ووراءهم الظعائن والحمول، قال: وكانت معهم مغنية لهم تعرف بالحضرميّة وكانت لها سمعة طائرة في زمانها، ورأيتها سافرة من الهودج وهي تغني (٢): <الطويل> وكنّا حسبنا كلّ بيضاء شحمة … ليالي لاقينا جذام وحميرا ولما لقينا عصبة تغلبيّة … يقودون جردا للمنية ضمّرا فلما قرعنا النّبع بالنبع بعضه … ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا سقيناهم كأسا سقونا بمثلها … ولكنّهم كانوا على الموت أصبرا فقال رجل كان إلى جانبي: هكذا يكون وربّ الكعبة، فكان الأمر كما قال، فإن الكسرة كانت أولا على المسلمين، ثم كانت النّصرة لهم، واستحرّ القتل بالتتار، فسبحان منطق الألسنة، ومصرّف الأقدار، فهو الفاعل لما (٥٠) يشاء، الفاعل المختار.

стр. 1369

< بقية العرب وديارهم > وإذ قد انتهينا [من] (١) ذكر آل ربيعة فلنذكر ما حضرنا من بقية العرب وديارهم فنقول: <بنو خالد> بنو خالد (٢) عرب حمص: يدّعون النسب إلى خالد وقد أجمع أهل العلم بالنسب على انقراض عقبه (٣)، [ولعلهم] (٤) من ذوي قرابته من مخزوم، وكفاهم ذلك فخرا أن يكونوا من قريش. < بنو كلاب > وبنو كلاب (٥): عرب أطراف حلب والروم، ولهم غزوات معلومة، وغارات لا تعدّ، ولا تزال تباع بنات الروم وأبناؤهم من سباياهم، وهم يتكلمون بالتركية، ويركبون الأكاديش، وهم عرب غزّ (٦)، رجال حروب وأبطال جيوش، ولإفراط نكاياتهم في الروم صنّفت السيرة

стр. 1370

المعروفة ب "دلهمة والبطّال" (١) منسوبة إليهم بما فيها من ملح الحديث، ولمح الأباطيل، والكذب فيها يغلب الصحيح، وقد (٢) رأيت لعبد الوهاب ذكرا في سواها فقيل: عبد الوهاب بن نوبخت، وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر البطّال وسمّاه عبد اللّه الأنطاكيّ (٣)، وذكر أنّه كان أيام بني مروان وفيها هلك، ومصنف هذه السّيرة قد جعله أيام بني العبّاس وذلك حديث خرافة، ولم أقف ل "دلهمة" على ذكر البتّة فيما يوثق به وقد نبّهت على هذا ليعرف. قلت: وذكر لي رجال من بني [مروان] (٤) أنهم ينتسبون إلى عبد الوهاب هذا. قال المهمندار الحمدانيّ ما معناه: فأمّا بنو كلاب عرب الروم فقد كانوا ظهروا على آل ربيعة لأنّ الملك الكامل كان طلب من مانع بن حديثة وغنّام بن الظّاهر (٥) جمالا يحمل
следующие страницы →