والحائط من باطن التثمينة، ملبّس جميعه بالرخام بغير فص بانبذاريه (١) رخام منقوشة تقدير ذراع مذهبة.
كل تثمينة من هذا السقف محمولة على ساريتين ملبسة بالرخام المشجر والملوّن البديع. دور كل سارية أحد عشر ذراعا وثلثا ذراع. وطولها ثمانية أذرع وثلثا ذراع، وجهها الذي يلي الصخرة بقرنتين. ومع السارية عمودان: أحدهما «شحم ولحم» والآخر أخضر مرسيني. بين كل عمود لأخيه خمسة أذرع. ودوره ذراعان وثلثا ذراع. وارتفاعه خارجا عن القواعد ستة ونصف يعلوها «بساتل» ملبسة بالنحاس الأصفر المنقوش المذهب فوق نقشه. يعلو «البساتل» قناطر بالفص المذهب البديع.
بهذه التثمينة الأولى، ثمانية سوار وستة عشر عمودا: منها أبيض وأزرق عشرة، وأخضر مرسيني ثلاثة، و «شحم ولحم» ثلاثة [١٠٢].
وتقيس من واجهة قواعد هذه العمد عشرة أذرع لتثمينة ثانية عليها سقف «مقالي» مذهب، ارتفاعه ارتفاع السقف الأوّل. و «مقاليه» مركبة بغير تسمير لأجل كنس السقف. والسقف الذي يعلوه الرصاص خمسة أذرع من الباطن.
وبآخر هذه التثمينة الدائرة الدرابزين المحيط بدور القبة. والحامل للقبة أربعة سوار
стр. 177
مربعة ملبسة بالرخام مثل الأولى. بين كل سارية وسارية ثلاثة أعمدة من الرخام «الشحم واللحم» والأخضر المرسيني. يعلو ذلك قناطر من الوجهين: فص مذهب، والباطن رخام أبيض وأسود. جملة الأعمدة الحاملة للقبة اثنا عشر عمودا: منها أخضر مرسيني سبعة، و «شحم ولحم» خمسة.
قال: ولقد قست عمودا منها «شحما ولحما» فكان دوره ثلاثة أذرع ونصفا وارتفاعه خارجا عن القواعد سبعة أذرع وثلثي (١) ذراع.
وارتفاع هذه القبة الخشب المذهبة من قطبها إلى ظاهر الصخرة الشريفة سبعة وأربعون ذراعا، ومن ظهر الصخرة لباطن أرض المغارة ستة أذرع، ومن ظاهر القبة الخشب إلى القبة الثانية المكسوّة بالرصاص ذراع ونصف.
(قال: ولقد قست الدور الحامل للقبّة بالأعمدة والسواري فكان مائة وثلاثة أذرع) (٢). وصفة الشباك الحديد الذي بين هذه العمد والسواري، له أربعة أبواب: الشمالي منها مغلق، والثلاثة مفتوحة. فأما القبلي فيصعد إليه بدرجتين. ومن حد عتبته من داخل إلى صدر الصخرة أربعة أذرع ونصف وربع. وحجر الصخرة من هذه الجهة ملبس بالرخام الملوّن ارتفاع ذراعين.
ويحيط بحجر الصخرة من تتمة أقطاره درابزين من الخشب المنقوش، دوره أربعة وسبعون ذراعا. وبآخر هذه الصخرة المرخمة من غرب إلى جهة الشمال حجر صغير محمول على ستة أعمدة صغار. قيل إنه أثر قدم النبيّ ﷺ ليلة المعراج. وقبالة القدم المشار إليه مرآة من السبعة معادن (٣) يسمونها «درقة
стр. 178
حمزة» محمولة [١٠٣] على ثلاثة أعمدة لطاف: منهن اثنان «روحان في جسد». وارتفاع الشباك الحديد أربعة أذرع وثلثا ذراع، تعلوه شرفة خشب مدهونة. وبأعلى الشرفة شمعدانات حديد.
والمحراب الذي يصلي به إمام الصخرة عن يمين الداخل من الباب القبليّ داخل الدرابزين الخشب المقدّم الذكر. وتجاه المحراب باب مغارة للصخرة الشريفة، معقود قنطرة بالرخام الغريب، على عمودين «شمعية» ينزل إلى باطنها بأربع عشرة درجة. طول باطن المغارة من الشرق للغرب عشرة أذرع، وعرضها سبعة ونصف من القبلة للشمال. وجميع باطن أرض الصخرة والمغارة مفروش بالرخام.
وبباطن المغارة المذكورة محرابان على اليمين واليسار. كل محراب على عمودي رخام لطاف. وأمام المحراب الأيمن صفّة تسمّى «مقام الخضر». طولها من الشرق للغرب ذراع وثلثا ذراع، ومن القبلة للشمال ذراعان وربع. يواجهها عمود رخام قائم للسقف، وعمود راقد مردّ لها. وبالركن الشماليّ من المغارة صفّة نقر في الصخرة يسمونها «مقام الخليل». عمقها من القبلة للشمال ذراع ونصف، ومن الشرق للغرب ذراع وربع.
وأما الباب الشرقيّ من بناء الصخرة، فهما بابان: أحدهما داخل الآخر. جعل الباب الخارج وقاية للداخل من الأمطار والثلوج. ملبس بالرخام. رحاب مابين البابين عرضه أربعة أذرع وربع، وطول خرجته اثنا عشر ذراعا ونصف.
على يمنة الخارج بيت للبوّاب. وبه محراب محمول على ثلاثة أعمدة لطاف، وعلى يسرته بيت للقناديل محمول على أربعة أعمدة خضر مرسينيّ وزرق. وعقد ما بين البابين بالفص المذهب. ومن عتبة الباب الثاني منهما إلى العمد سبعة أذرع وثلثان [١٠٤] وهو الحامل للسقف البسط.
стр. 179
ومن واجهة العمد للشباك الحديد أحد عشر ذراعا. ومن باطن الشباك الحديد إلى الدرابزين الخشب الساتر للصخرة أربعة أذرع وربع. ومن حدّ هذا الباب الشرقيّ، على يسرة الداخل منه طالبا للقبلة على مسافة تسعة أذرع، عمودان مرسيني أخضر. بأعلاهما دقيسي مذهب يطلع من باطنه إلى ظهر سقف الصخرة والقبة. وأما الباب الشمالي ويسمّى باب الجنة فله خرجة كالتي في الباب الشرقي وصفتها وحليتها.
وفيما بين العمودين اللذين أمام الباب - داخل درابزين خشب مذهب به محراب لطيف - إشارة على الرخامة السوداء التي يصلي الناس عندها. وفقدت هذه الرخامة من مدّة زمانية، وعمل مكانها رخامة خضراء. والناس يصلون ويدعون عندها.
وأما الباب الغربي فله خرجة كالبابين الشرقيّ والشماليّ وسعة ما بين تثامين الصخرة من داخل مثل الباب الشماليّ خلا السعة من الشباك الحديد لدرابزين الصخرة فإنه ستة أذرع وثلثا ذراع. هذا ما يتعلق بصفة الصخرة والبناء المثمن المحيط بها.
وأما الصحن المحيط بها، فجميعه مفروش بالبلاط الجليل المصقول. وذرعه من القبلة للشمال مائتا ذراع وتسعة وعشرون ذراعا، ومن الشرق للغرب مائتا ذراع وثلاثة وعشرون ذراعا ونصف ذراع.
وذرع ما بين الرواق الذي قبليّ الباب القبليّ من أبواب الصخرة إلى رأس السلالم الموصلة للجامع، ثلاثة وخمسون ذراعا، ومن رأس السلالم إلى عتبة الجامع مائة وخمسون ذراعا ونصف وربع. وبأعلى هذه السلالم أربع قناطر محمولة على ثلاثة أعمدة وركنين من البناء: منها عمودان صوّان أحمر، والوسطاني رخام أبيض فيه نقر مربع.
стр. 180
ذكروا في التواريخ أن الدعاء عنده مستجاب.
وشرقي هذه القناطر على مسافة (١) أربعين ذراعا قناطر مثلها. أعمدتها اثنان أخضر [١٠٥] مرسيني. وفيما بين هاتين القنطرتين في سفل الحرم صفّة كبيرة تسمى صفة السّبع درج. يقال إنها مأوى الصالحين والسّيّاح في الليل، وعليها يتركعون.
وبجانب القنطرة المذكورة أولا، مدهون صورة محراب، بخدّيه عمودا رخام لطاف. وفي ركنها الغربيّ قبتان من رخام، واحدة تعلو الأخرى: كل منهما قطعة واحدة، تسمى قبة الميزان، محمولة على اثنى عشر عمودا من الرخام «الشحم واللحم» بقواعد «شمعية». والقبة التي عليها كمثل ارتفاع القبة المذكورة بكمالها: ثمانية أذرع وثلثان. وارتفاع العمد السّفليّ ذراعان وسدس، وارتفاع العمد الفوقاني ذراع ونصف وربع. وتعرف أيضا بقبة النجو.
وبالقرنة القبلية من جهة غربيّ الصحن موضع يعرف بالمدرسة المعظمية (٢)، طولها من ظاهرها أربعة وثلاثون ذراعا، وعرضها من القبلة للشمال سبعة أذرع.
لها بابان يفتحان للشمال، بخدّهما ثلاثة أعمدة من الرخام، كل عمود به أربعة في جسد واحد، ملفوفة "مثعبنة". وتلو ذلك عمودان لطاف. وارتفاع بنائها تسعة أذرع من أرض صحن الصخرة.
стр. 181
ويدخل من البابين المذكورين لرواق طوله ثمانية عشر ذراعا ونصف في عرض ستة، بسقف شامي مذهب ثلاثة عشر مربعا. بصدره القبلي ثلاث طاقات مطلة على الحرم وأبواب الجامع.
وبالجهة الغربية منه قبة معقودة. بكل جهة من جهاتها القبليّة والشماليّة والغربية ثلاث طاقات. ولجهتها الغربيّة باب للدخول إليها من الرواق المذكور، وطاقة تطلّ على الرواق المذكور.
وبالجهة الشرقية من الرواق المذكور قبة ألطف من هذه. سكن الإمام، وقيم المكان، وحاصل الزيت.
ورتب الملك المعظم لها إماما مفردا يصلي الصلوات الخمس. ورتب بها خمسة وعشرين نفرا من طلبة النحو وشيخا لهم، وشرط أن يكونوا [١٠٦] حنفية من جملة طلبة مدرسته التي خارج الحرم. ووقف على ذلك قرية تسمّى بيت لقيا (١)، من عمل القدس الشريف. وعلى سقفها مكتوب أنّه اهتمّ بعمارة ذلك في سنة ثمان وستمائة.
وأمام الشبابيك الشماليّة التي بالقبة الغربيّة من هذا الرواق، على تقدير خمسة أذرع، ممشاة معقودة عدّتها سبع عشرة درجة، عرض كل درجة ذراع، يتوصل منهنّ إلى سفل الحرم.
وأمام القبة الشرقية من هذا الرواق صفّة عليها رخامة منقوشة مزولة لإخراج ساعات النهار، طولها من الشرق للغرب ذراعان وثلثان، وعرضها ذراع وثلث، وارتفاعها ذراع ونصف.
стр. 182
ويقابل هذه المدرسة في القرنة الشرقية من هذا الصحن قبة لطيفة مكسوة من ظاهرها بالبياض، خلوة لبعض المتصدّرين بالحرم الشريف، يفتح بابها للشمال. وتتمة جهاتها الثلاث بكل منهن طاقة مطلة على الحرم.
وفي حائطي هذا الصحن الغربية والشمالية مسطبتان تعلو إحداهما قبة من جهة الغرب والأخرى في الشمال سقف على عمودين رخام، يصلي عليها المبلّغون في الصلوات الخمس.
وذرع ما بين عتبة الباب الشرقيّ إلى حدّ الدرج، نهاية صحن الصخرة المبلط من جهة الشرق، ستة وسبعون ذراعا.
وبأعلى هذا الدرج خمس قناطر معقودة على أربعة أعمدة وساريتين، بخدّهنّ القبليّ والشماليّ خلوتان للفقراء المجاورين بالحرم. وارتفاع عقد هذه القناطر عشرة أذرع، أسوة ارتفاع القناطر التي على سائر السلالم. وبقي ثلاث قناطر منهنّ مفتوحة، يخرج منهنّ إلى هذه الدرج المسماة بدرج البراق.
وعدّتهن ست وثلاثون درجة. وذرع ما بين أوّل درجة من هذا الدرج إلى حدّ السور الشرقيّ مائة وستة وخمسون ذراعا وثلث. وذرع ما بين الباب الشرقيّ البرّانيّ وقبة السلسلة خمسة أذرع ونصف وربع.
وهذه القبة محمولة على أثني عشر عمودا أخضر مرسينيّ و «شحم ولحم».
طول كل عمود، خارجا عن قواعده، ثلاثة أذرع وثلث وربع وثمن [١٠٧]، وارتفاع سقفها البسط الملبس بالرصاص ثمانية أذرع.
جميع ما بين الأعمدة محروف (١). وما بين العمود والعمود متّكاية من الحجر الصوّان المنحوت المجلي، تقدير شبر لا غير. طول كل قطعة من هؤلاء أربعة أذرع
стр. 183
ونصف. وعرض ما بين عمودي المحراب خمسة أذرع مسدود بالرخام الملوّن بخدّي المحراب عمودان رخام أبيض. وبأعلى هذه الأعمدة قناطر ملبسة بالفص المذهب والأخضر المختلف الألوان. ارتفاع القناطر ذراعان وربع، وسعتها من المحراب لآخرها ثمانية عشر ذراعا. وبباطن هذه القبة قبة محمولة على ستة أعمدة أخضر مرسيني و «شحم ولحم». ما بين العمود والعمود أربعة أذرع سعتها ثمانية أذرع ونصف. بأعلى الأعمدة قناطر ملبسة بالفص، طول أربعة أذرع ونصف. والقبة الخشب من أعلى ذلك.
روى أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المقدسي الخطيب، بسنده إلى أبي مالك بن ثعلبة، قال: سمعت إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله يحدّث عن أبيه عن جدّه (يرفعه) (١) «أن سليمان بن داود جعل سلسلة معلّقة من السماء إلى الأرض ليتبيّن المحقّ من المبطل، فالمحق ينالها والمبطل لا ينالها، وأن يهوديا استودع مائة دينار فجحدها. فجاؤوا إلى السلسلة - وقد سبك اليهوديّ الذهب (٢) في عصا - وناولها صاحب المال وحلف: لقد أعطيته دنانيره. وحلف الآخر أنه لم يأخذ. فارتفعت السلسلة من ذلك اليوم» ويقال إن السلسلة كانت موضع القبة المذكورة. والله تعالى أعلم [١٠٨].
وذرع ما بين الباب الشماليّ من أبواب الصخرة (المسمى بباب الجنة) إلى منتهى الصحن المحيط بها إلى القناطر الثلاث المعقودة على عمودين رخام وساريتين (٣) مائة وثمانية أذرع.
стр. 184
(وينزل من هذه القناطر في ثمان درج إلى الحرم الشريف. وأمام الدرج ممشاة مستطيلة مفروشة بالبلاط، عرضها خمسة أذرع وربع وينتهي متشاملا إلى باب الحرم المعروف بباب شرف الأنبياء، وطول هذه الممشاة مائة ذراع وثمانية وسبعون ذراعا. وسيأتي - إن شاء الله - ذكر هذا الباب عند ذكر أبواب الحرم). (١).
وعن يمين الداخل من هذه القناطر ويسراه في منتهى شمالي الصحن مسطبتان. طول كل منهما ثمانية أذرع ونصف، من الشرق إلى الغرب، وعرضها من القبلة للشمال ذراعان وثلثا ذراع. يصلي الناس عليهما.
ومن هذا الباب الشمالي على مسافة اثنين وأربعين ذراعا طالبا للغرب عمل مسطبة ارتفاعها عن الصحن المبلط ثلث ذراع، وطولها من الشرق للغرب ثلاثة عشر ذراعا وثلث، وعرضها من القبلة للشمال عشرة أذرع. بني عليها قبة مثمنة، تسمّى قبة المعراج. بابها يفتح للشمال، سعته ذراع وثلث، وطوله ذراعان وثلث. بظاهر القبة المذكورة حاملا لأركانه من الأعمدة الرخام الأبيض ثلاثون عمودا. طول كل عمود، خارجا عن القواعد، ذراعان وثلثا ذراع.
والتثمينة التي بين الأعمدة ملبسة ألواح رخام ملكيّ مشجرة بأزرق. يصعد إلى بابها بثلاث درج رخام. ثم ينزل إلى داخلها بمثلهنّ.
أرضها مفروشة بالرخام الأبيض. وحيطانها من داخل كذلك، مثل الظاهر.
بباطنها من الأعمدة أيضا ثمانية عشر عمودا، وبأعلى الرخام المذكور طاقات نصاص شبه الجبس «المكندج» (٢) ثلاثة، وزجاج أربعة. وبأعلى الطاقات كرسىّ
стр. 185
القبة. وعرضها من الشرق للغرب سبعة أذرع، ومن القبلة للشمال ستة أذرع وربع. سعة محرابها ذراع وثلثا ذراع، وهو بأوّل المسطبة لجهة القبلة. والباب والسّلام بآخرها لجهة الشمال. وتتمة المسطبة يصلي عليها الناس.
ومن قطب القبة لأرضها ارتفاع ستة عشر ذراعا. وبظاهرها في أعلاها قبة لطيفة [١٠٩] مكان الهلال، محمولة على ستة أعمدة صغار رخام شمعية، طول كل واحد منها تقدير ذراع.
وذرع ما بين الباب الغربيّ إلى رأس القناطر التي أمامه بآخر صحن الصخرة من جهة الغرب ثمانية عشر ذراعا وثلثا ذراع. وهي أربع قناطر معقودة على ثلاثة أعمدة مكتّبة بالأزرق وساريتين (١). وينزل من هذه القناطر بأربع وعشرين درجة إلى الحرم. ومن حدّ هذه الدرج إلى السور (٢) الغربي (وهو الذي فيه الباب الجديد المعروف الآن بباب القيسارية، وفيه باب الميضأة وسائر الأبواب الغربية الآتي ذكرها إن شاء الله عند ذكر أبواب الحرم) خمسة وثمانون ذراعا وثلث ذراع.
وبظاهر هذا الصحن (٣) من الصهاريج المركب على فوّهة كل منهنّ خرزة رخام أو حجر منحوت سبعة، لهن تسعة أبواب. منها بالجهة القبلية بئر يعرف بالرّمّانة له بابان: هذا الباب الذي بالصحن، وباب بسفل الحرم أمام الجامع، وبالجهة الشرقية بئران، يعرف (٤) أحدهما بالشوك، ويعرف الآخر ببئر الورد، له
стр. 186
بابان جميعهما من صحن الصخرة الشريفة. وبالجهة الشمالية بئر يعرف بباب الجنة. وبالجهة الغربية ثلاث آبار: إحداها يعرف بالكاس لأن على فوّهته كأس رخام طويل، والآخر له بابان من الصحن، والآخر بفرد فم.
وإذ ذكرنا ما في هذا الصحن من الصهاريج، فلنذكر ما في سفل الحرم من الصهاريج، فنقول:
في سفل الحرم من الصهاريج خمسة عشر صهريجا.
بالجهة القبلية ستة: بالقرب من الزاوية الفخرية واحد، وبباب الجامع واحد، وداخل باب الجامع الشرقيّ واحد، ويسمى ببئر الورقة، وله بابان أحدهما هذا الذي داخل باب الجامع، والآخر في مكان يعمل فيه نجارة (١) الحرم، والبئر الأسود، وله ثلاثة أبواب: أحدهما ينزل إليه بدرج، وبئر يعرف بالبحيرة، له بابان، وبئر في الحاكورة (٢) التي عند الباب الشرقيّ، وله بابان: واحد في الحاكورة، وباب خارج عنها [١١٠].
وبالجهة الشرقية ثلاثة آبار: منها بالقرب من باب الرحمة واحد، له بابان.
وبالجهة الشمالية ثلاثة آبار: بئر بركة بني إسرائيل، وبئر بباب شرف الأنبياء، وبئر بالرواق الحامل للزاوية المعروفة باللاوي وخانقاه الإسعرديّ (٣).
стр. 187
وبالجهة الغربية ثلاثة: أحدها بباب الغوانمة، والآخر عند باب الرباط المنصوريّ (١) وله بابان: باب في الحاكورة، وباب خارج عنها، يعرف بابن عروة، وبئر عند الباب الحديدي مغطّى بحصر الأروقة.
وهذه الآبار الاثنان والعشرون معمرة بالمياه.
وهناك أيضا غيرها ثلاثة صهاريج خربة معطلة. واحد عند درج الميزان، والثاني عند محراب عمر، والثالث تحت الزيتونة بالجهة الشرقية من الحرم.
وقد استوعبنا الآن صفة صحن الصخرة وما اشتمل عليه.
فلنذكر ما بباطن الحرم من المساجد والمزارات والأبنية وغير ذلك، ونبتدئ أولا بذكر السور (٢) المحيط بذلك جميعه.
стр. 188
صفه السور القبلي وما صاقبه من المساجد وغيرها
وأول هذا السور من جهة الغرب مسطبة طولها من المحراب للشمال ستة أذرع وعرضها ستة ونصف. وبصدرها محراب. ويتلوها من جهة شرقها باب الزاوية الفخرية، ويتلو باب الزاوية الفخرية من الشرق صفّة عشرة أذرع وربع، وعرضها ثلاثة ونصف. ويتلو هذه المسطبة باب جامع المغاربة. وطول جامع المغاربة من محرابه لرأس دهليزه أحد وثلاثون ذراعا ونصف، وعرضه أحد عشر ذراعا ونصف. ومحرابه لطيف، مركب على عمودين رخام لطاف. ومن ظاهر حائط هذا المحراب إلى جامع النساء خرجة في الزاوية الفخرية التي إلى جانبه، وطول دهليزه أحد عشر ذراعا وثلثا ذراع، وعرضه [١١١] أربعة أذرع وثلثا ذراع.
وفي باطن سوره الشرقيّ مسطبة لطيفة، عرضها ذراع ونصف، وطولها ثمانية أذرع ونصف وربع وثمن.
وفي ثخائن السور خزائن لطاف للقناديل وحوائج القومة به. وله باب واحد يفتح للشمال. سعته أربعة أذرع وارتفاعه خمسة أذرع.
وقولنا جامع المغاربة، لغلبة هذا الاسم على ألسنة الجمهور. ولو قلنا مسجد المغاربة، لما علم الجمهور بالقدس. وكذلك جامع النساء. كل ذلك ليس بجوامع تقم فيها خطبة. وإنما لكل منهما إمام مفرد، يصلي فيه الصلوات الخمس لا غير.
ويتلو جامع المغاربة فضوة كبيرة يتلوها جامع النساء. وطوله من الشرق للغرب اثنان وستون ذراعا ونصف ذراع، وعرضه (١) من القبلة اثنان وعشرون ذراعا وثلثا ذراع، وهو رواقان سقفهما اثنا عشر عقدا: كل رواق ستة عقود
стр. 189
محمولة في الوسط على ست عضائد. وبصدره من الشبابيك خمسة: عرض الشباك الأول منها ذراعان ونصف، وعمقه في السور ثلاثة أذرع، وهو عرض السور جميعه في هذه البقعة، وارتفاعه ثلاثة أذرع وثلثا ذراع. وتتمة الشبابيك دون هذا المقدار.
وبحائطه الغربيّ شباك مطل على حارة المغاربة.
وباب هذا الجامع يفتح للشمال. وبكل خذ أربعة أعمدة رخام أبيض في جسد واحد. طولها خارجا عن القواعد ذراعان إلا ربعا. وأمامه شجرتان عظيمتان من الجوز، تحتهما مسطبة يصلي الناس عليها.
ويدخل من الباب المذكور وينزل بخمس درج إلى الأروقة المذكورة. ومن باب جامع النساء على مضيّ سبعة وعشرين ذراعا من جهة الشرق، الباب الغربيّ من أبواب الجامع المسمّى الآن بالمسجد الأقصى (١).
صفة السور الشرقي
[١١٣] تقدّم في قرنة السور القبليّ مهد عيسى ﵇. وشماليّه رواق معقود على ستة عقود قد خربت مساطبه من العمائر القديمة. وبعض أرضه مبسوطة بالفص. طوله ثلاثة وأربعون ذراعا، ومن جانبه للقبلة كشف إلى حدّ مهد عيسى.
وشماليّ هذا الرواق، على مضيّ ثلثمائة ذراع، مسجد باب الرحمة. وطوله من الشرق للغرب ثلاثون ذراعا، وعرضه (٢) قبلة وشمالا (٣) أربعة عشر ذراعا
стр. 190
ونصف. وسعة محرابه ثلاثة أذرع وربع. يصلي فيه إمام مفرد. وهو معقود بالحجر المنحوت ست قباب: اثنتان مرتفعتان، وأربعة منبسطة على عمودين صوّان بيض في الوسط وساريتين في وسطه طول كل عمود أحد عشر ذراعا ودورته أربعة أذرع ونصف. وهذا المسجد متخذ باطن البابين المسميين بباب الرحمة.
وهما بابان قديمان قد سدّا. على كل منهما مصراعان من خشب مصفح من خارج بالحديد. طول كل منهما أحد عشر ذراعا، وعرضه ستة ونصف. وخلف كل منهما بابان بالصفة المذكورة إلا أنهما مصفحان بالنحاس الأصفر المنقوش. قد سمّرا وأحكم غلقهما. قيل إنهما من بقايا العمائر السليمانية. سمّيا بأبواب الرحمة.
ومنتهى السور الشرقيّ رواق طوله من القبلة للشمال ستة عشر ذراعا ونصف. ومن الشرق للغرب سبعة أذرع وثلث، ويعقبه في أول السور الشماليّ باب أسباط. وسيأتي ذكره، إن شاء الله.
وليس في هذا السور الشرقيّ الآن باب يسلك منه للحرم الشريف. ولم يكن له في الزمن القديم سوى البابين المذكورين.
ويقال إن عمر بن الخطاب ﵁ غلقهما لما فتح القدس. فلم يفتحا إلى الآن.
وقد اتخذ الناس ظاهر هذا السور مقبرة يدفنون فيها موتاهم. وفيها قبر شدّاد بن اوس (١).
стр. 191
وتلو المقبرة المذكورة واد عميق [١١٤] يعرف بوادي جهنم، يزرع. وفيه كروم وبساتين. ومنه يتطرّق إلى عين [ماء]. وفيه أبنية عجيبة وآثار غريبة ونقوش ومعابد قديمة. وهو وقف على المدرسة الصلاحية. وحدّ هذا الوادي من الشرق طورزيتا (١) الذي يقال إن الله تعالى رفع عيسى ﵇ منه. وبه قبر رابعة العدوية، يزار قصدا. وفيما بين السور الشرقيّ وصحن الصخرة الشريفة أشجار من الزيتون والميس (٢) والتوت والتين. تقدير عدّتها مائة شجرة، يستظلّ الناس تحتها ويصلون.
قال الصاحب تاج الدين أحمد بن أمين الملك:
«ولقد مضى عليّ في مجاورة هذا الحرم الشريف الفصول الأربع، فرأيت له في كل فصل محاسن في غيره لم تجمع، وهو أنه مبدأ فصل الربيع تبدو فيه من الأزاهر المختلفة الألوان ما يستوقف بحسنه لبّ الذكيّ الأروع. وكلّ أحد ممن له معرفة بالأعشاب يأتي إليه، ويأخذ من تلك الأزاهر ما علم منفعته ومضرّته».
قال: «وأما ما شاهدته بالعيان، أنني جلست وقتا في بقعة منه تكللت بأزاهر من الشقائق والبهار والأقحوان، وإلى جانبي فقير عليه أطمار رثّة يبدي تبسّما وتارة يعلن صوته بالتسبيح والتكبير ترنّما، ويقول: سبحان من جمع فيك المحاسن وكساك هذه الحلل الفاخرة، وجعلك تحتوي على كنوز الدنيا والآخرة! فقلت له يا سيدي! أما فضله وبركته، فقد صدّق العيان فيها الخبر،
стр. 192
وقام بها الدليل والبرهان وتواتر بها الأثر، لكن ما كنوز الدنيا؟ فقال ما من زهرة تراها إلا ولها في النفع والضر خواص يعرفها أهل الاختصاص. فقلت: لعلّ تظهر للعيان شيئا مما عرفت يزداد به اليقين تبصره، وتكون هذه الجلسة معك عن صبح النجاح مسفره. فأخذ بيدي ومشى خطوات إلى جهة من جهات الحرم. ومد يده أخذ قبضة من ذلك الكلإ، وقال: هل معك [١١٥] خاتم أو درهم؟ فقلت نعم. فأخرجت درهما مما معي. فعركه بذلك الكلإ، فعاد كالدينار في صفرته.
ثم أخذ حشيشة أخرى، وعركه بها. فعاد أبيض، أنقى مما كان أوّلا. وقال: هذه رموز احتوت على تلك الكنوز. ولم يترك نبيّ الله سليمان شيئا من المواهب التي منحه الله إياها، والمنافع التي وصلت إليه من الإنس والجنّ على اختلاف صورها ومعناها، إلا وأودعه في هذا الحرم. فأين من يفهم تلك المعاني، أو من كان لها يعاني؟ ثم أخذ منهجا غير ما كنت أسلكه. فسألته التثبت والتلبث. فقال:
الدنيء من صرف نظره إلى العرض الأدنى، والسريّ من صرف زمانه بالتهجد في هذا المعنى. أوصيك أن تغتنم الفرصة في ركعات تقدّمها بين يديك، فما سواها فان، ولا تلتفت إلا إلى ما يقرّبك من الرحمن. فقلت: يا سيدي! ومثلك من يفتح لي أبواب الصواب. فقال: ما بعد السنّة والكتاب من باب. ثم فارقني مهرولا، معلنا بصوته ومرتلا. يقول: سبحانك يا دائم! سبحانك يا قدّوس! سبحانك يا رحمن! سبحانك يا محيي النفوس! فجعلت هذا الذكر لي ديدنا، وكلما اشتاقت له مني عين أطربت بذكره أذنا.
صفة السور الشماليّ وفيه عدّة أبواب
أوّلها من جهة الشرق باب يسمّى باب أسباط. وهو تلو الرواق المقدّم ذكره الذي هو نهاية السور الشرقيّ. وارتفاع هذا الباب خمسة أذرع وعرضه ثلاثة أذرع ونصف وربع وثمن ذراع. ويعقب هذا الباب من غربه رواق معقود على عشر
стр. 193
سوار. طوله اثنان وسبعون ذراعا، وعرضه ثمانية أذرع. بصدره أربعة شبابيك مطلة على بركة بني إسرائيل. وهي بركة قديمة عميقة.
ويعقب هذا الرواق ساحة، وهي أرض كشف ببعضها مصبّ مياه لبركة بني إسرائيل. وبعضها كشف، قصد أن يبنى به أروقة. وإلى الآن [١١٦] لم تكمل.
وطولها أربعة وسبعون ذراعا.
ويعقب هذه الأرض المدرسة الكريمية (١). وجاورت (٢) ما أمامها من الأروقة بحائطين: غربية وشرقية. وجعلوا مصيفين قدّامها. وطول هذه المدرسة من الشرق للغرب خمسة وعشرون ذراعا. وجعل قدّام هذه الأروقة مسطبة يصعد إليها بأربع درج بارزة في الحرم. طولها من القبلة للشمال ستة عشر ذراعا. وهذه المدرسة بناها كريم الدين عبد الكريم، ناظر الخواص الشريفة السلطانية الناصرية.
ويعقب هذه المدرسة باب، يسمّى باب حطّة. عرضه أربعة أذرع وثلثا ذراع، وارتفاعه ثمانية أذرع. أمامه ممشاة مفروشة بالبلاط، طولها مائة وثمانية وسبعون ذراعا، وعرضها خمسة أذرع وكسر يصعد من آخر (٣) بدرج إلى ثلاث
стр. 194
قناطر معقودة على عمودين رخام وساريتين، يدخل منهن إلى صحن الصخرة.
وبخدّي هذا الباب مسطبتان لطيفتان، عرض كل منهما ذراعان: الشرقية منهما لصيقة للمدرسة الكريمية المذكورة، وتلو الغربية رواق، طوله اثنان وسبعون ذراعا في العرض المذكور.
وفي سوره ثلاثة شبابيك للرباط العلميّ الدواداريّ (١). وبأوّله من الشرق بالقرب شباك للتربة الأوحدية (٢)، من بني أيوب.
ثم يتلو هذا الرواق باب يعرف بباب شرف الأنبياء. طوله ثمانية أذرع وعرضه أربعة. وأمامه ممشاة نظير الممشاة المذكورة. وقد تقدّم ذكر هذه أيضا.
ويتلو هذا الباب رواق طوله سبعة وأربعون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع ونصف، معقود على ثمان سوار. بأوّله شباكان، أحدهما مفتوح يتوصل منه إلى
стр. 195
زاوية الصاحب أمين الدين، المعروف بأمين الملك (١). وتلوهما باب [١١٧] يصعد من باطنه إلى زاوية اللاوي. وتلو الباب مسطبة، فيها صهريج.
ويعقب هذا الرواق من الغرب رواق، معقود عقدين على ثلاث سوار. طوله تسعة عشر ذراعا ونصف، وعرضه من الشمال للقبلة تسعة أذرع. ويصلي به الآن بعض النسوة، الصلوات الخمس، خلف الأئمة.
وبأعلاه مدرسة الأمير سيف الدين الحاجّ آل ملك الجو كندار (٢)، وخانقاه مجد الدين الإسعرديّ التاجر (٣). وبأوله جوار الصهريج المذكور، سلّم يصعد منه إلى المدرسة والخانقاه المذكورين. ويعقب هذا الرواق كشف ليس به أروقة.
стр. 196
وهو صورة مسطبة عالية. وينزل من وسطها بست درج إلى الحرم.
(وبأقصى ارتفاع هذا السور خمسة شبابيك لمدرسة الأمير علم الدين سنجر الجاولي (١)، ﵀، وليس لها استطراق إلى الحرم) (٢) ومن حدّ هذا الكشف، طالبا لجهة الغرب، خلوتان. لكل منهما باب يفتح للجهة القبلية من الحرم.
وداخلهما كله في باطن السور الشمالي. وهي من جبل صخر أصمّ، صفة مغارة.
وقيل يعرف قديما بمغارة إبراهيم. وفي الشرقية منهما شباك لطيف. وإلى جانب هاتين الخلوتين، خلوة لشيخ الحرم. وبها شباكان على الحرم الشريف. وطولها ستة عشر ذراعا. وأمامها مسطبة في الطول المذكور، وعرضها أربعة أذرع وثلث.
وبأعلى هذه الخلوة، خلوة يصعد إليها بسلّم، بسبع درج في حدّ الباب الذي يفتح للشرق.
ويتلو ذلك رواق على عقدين طوله من الغرب طالبا للشرق خمسة عشر ذراعا وعرضه تسعة ونصف. وتلوه سلّم مستطيل جدّا، يصعد من أعلاه إلى مئذنة، وإلى دار هناك لبني جماعة. وهذه المئذنة هي أقصى السور الغربيّ، وارتفاعها ثلاثة وخمسون ذراعا. وبأعلاها درابزينات خشب منقوشة. وهي مكللة من [١١٨] العمد الرخام اللطاف بأحد وثلاثين عمودا.
стр. 197
صفة السور الغربي
ويشتمل على سبعة أبواب بما فيه من باب الطهارة، فإنه الآن غير نافذ. وأمام كل باب شجرة كبيرة من الميس أو التوت، وخّتها مسطبة يصلّي الناس عليها، ويستظلون، خلا باب الغوانمة، فليس قدّامه شيء.
ومبدأ السور من المئذنة المذكورة.
وأول أبوابه من هذه الجهة، باب الغوانمة. وطوله أربعة أذرع، وعرضه ثلاثة أذرع. يصعد إليه من الحرم الشريف بعشر درج. وبحدّه الشماليّ خلوة للبوّاب، بارزة في الحرم تقدير خمسة أذرع. ومن حدّ هذه الخلوة إلى المئذنة المذكورة خمسة وثلاثون ذراعا. ومن الباب المذكور - على مضيّ ثمانية عشر ذراعا طالبا للقبة - باب لطيف لخلوة في باطن عرض السور لبعض الفقراء المجاورين. ومن حدّ هذه الخلوة إلى نهاية أربعة وعشرين ذراعا حاكورة بها أشجار وكروم تحت دار وقفها علاء الدين الأعمى (١).
وكان هذا الرجل من نظار الحرم المتقدّمين، وله تأثيرات حسنة في الحرم من المواعيد والأبنية.
وطول الحاكورة طالبا للشمال خمسة وأربعون ذراعا، في عرض سبعة أذرع وكسر. ومن نهاية الحاكورة إلى أقصى السور وهو المئذنة المذكورة كشف بلا
стр. 198
أروقة. ولصيق هذه الحاكورة من القبلة باب كبير يعرف بباب الرباط المنصوريّ.
طوله ستة وعرضه خمسة ونصف. وأمامه ممشاة يتوصل بها إلى السلم الذي يتوصل منه إلى صحن الصخرة، قبالة الباب الحديد الآتي ذكره.
وبخدّ الباب المذكور إلى جهة الشمال عقد على ساريتين، طوله تسعة أذرع وعرضه عرض الحاكورة وسائر الأروقة المتصلة به. وهذا العقد أول العقود في السور الغربيّ.
وعمل في ثخانة الحائط التي في أوله مع ثخانة السارية خلوة صغيرة للقيّم والبوّاب بالباب المذكور [١١٩].
وتحت هذا العقد يجلس الناظر والمباشرون يومئذ للنظر في المصالح (١). وتلو الباب المذكور عرضه عرض الأروقة، وطوله مائة وثمانية أذرع، معقود على ست عشرة سارية. وعلى تقدير عشرة أذرع من أوله شباك القاعة التي هي سكن الناظر على أوقاف الحرم. وهي من وقف الحرم. وفي آخره خلوة لطيفة سكن القيّم وبرسم القناديل.
وتلو ذلك الباب المعروف بالحديد. طوله أربعة أذرع ونصف، وعرضه ذراعان وثلثا ذراع. وأمامه ممشاة مبلطة يتوصل منها إلى سلم لصحن الصخرة الشريفة. عرضه ثلاثة وعشرون ذراعا ونصف وعدد درجه إحدى وعشرون درجة. وليس بأعلاه قناطر أسوة بقيّة السلالم.
وتلو هذا الباب رواق على ثمان سوار طوله ثمانية وخمسون ذراعا وعرضه عرض سائر الأروقة. وبآخره باب لطيف لخلوة لبعض الفقراء.
ثم يتلو هذا الرواق باب كبير عمل من قريب واستجدّ فتحه، ينزل إليه بعشر
стр. 199
درجات. له مساطب في خدّيه. طول كل منها سبعة أذرع وعرضها ذراع وثلثا ذراع. قد أتقنت عمارته. وارتفاعه ثمانية أذرع وعرضه خمسة أذرع. وعقده بوجهين، منقوش بالحجر الملوّن. وطراز كتابته بالذهب، نقر في الحجر. وأبوابه مصفحة بالنحاس المذهب المخرّم، متقن العمارة والزخرفة. ويتوصل منه إلى القيسارية المستجدة. وتشمل على صفّي حوانيت، بعضها وقف على الحرم، وبعضها وقف على المدرسة والخانقاه اللتين أنشأهما الأمير سيف الدين تنكز (١)، ﵀، وسيأتي ذكرها عن كثب. إن شاء الله.
وإلى جانب هذا الباب رواق معقود على ساريتين كبار جدّا طوله خمسة عشر ذراعا، وعرضه إلى خارج الساريتين سبعة أذرع وثلثا ذراع [١٢٠] وإلى باطنهما خمسة أذرع ونصف. بصدره شباك لقاعة من وقف الحرم. وبجانب الشباك خلوة لطيفة للقيّم والبّواب. وإلى جانب هذا الرواق باب الطهارة. وهو يشتمل على طهارتين: إحداهما للنساء، والثانية للرجال. وتشتمل طهارة الرجال على ثلاثة وعشرين بيتا وفسقية كبيرة. وبأعلى طهارة النساء مساكن تكرى لوقف الحرم.
وباب الطهارة ينزل إليه من أرض الحرم بأربع درجات. وطول الباب أربعة أذرع وثلثا ذراع، وعرضه ثلاثة وثمن. وبعده سبع درجات إلى دهليز مستطيل،
стр. 200
يتوصل منه إلى طهارة الرجال وإلى سلم يتوصل منه إلى علو طهارة النساء.
وطهارة النساء في أوائل الدهليز، على يمين الداخل.
ويتلو باب الطهارة رواق طوله ثلاثة وستون ذراعا، وعرضه سبعة ونصف معقود على تسع سوار.
وفيه في ثخانة السور بابان لخلوتين: إحداهما للقيّم والأخرى برسم فقير.
وفي آخره من جهة القبلة محراب ملاصق للمأذنة، يصلي فيه صلاة مفردة بإمام مفرد. وتجاوره المئذنة المختصة بالحرم وارتفاعها ثمانية وأربعون ذراعا. وبأعلاها درابزينان من الخشب. وهي مكللة من العمد الرخام اللطاف بثمانية أعمدة.
ويتلو المئذنة بابان قد غلق الشماليّ منهما وسمّر والمئذنة إلى جانبه.
ويسمّى الباب المفتوح باب السلسلة. ويعرف قديما بباب السحرة. سعته خمسة أذرع وثلث، وطوله ثمانية ونصف. وكذلك المغلق (١). وأمام هذا الباب ممشاة قلع يتوصل منها إلى سلالم صحن الصخرة بعقد قبالة المعظميّة. ذرعها سبعة وسبعون ذراعا وربع. ويتلو الباب رواق معقود على عشر سوار طوله سبعة وخمسون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع وربع، وارتفاع عقده عشرة أذرع ونصف.
وهو نظير ارتفاع سائر سقوف أروقة الحرم.
وهذا الرواق فيه شباكان للمدرسة التنكزية: أبوابهما من الآبنوس والعاج، وداخلهما المدرسة. وظهره حامل للخانقاه التنكزية. وفي آخره باب لطيف يصعد منه إلى [١٢١] أعلى المدرسة وسكن الصوفية. وفي آخر سواريه ستة أعمدة من صوّان كبار.
ويتلو هذا الرواق من القبلة مسطبة ارتفاعها ذراع وطولها من الجنوب
стр. 201
للشمال ثمانية وثلاثون ذراعا إلا ثمنا، وعرضها عرض الرواق المذكور.
وتقيس من هذه المسطبة ثلاثة وثلاثين ذراعا، تجد باب حارة المغاربة. وسعته ثلاثة أذرع وربع، وطوله أربعة ونصف.
وتلو الباب المذكور على ثلاثة أذرع مسطبة. وهي نهاية السور الغربيّ وأول السور القبليّ. وهذه المسطبة مجاورة للزواية الفخرية (١) التي هي أول السور القبليّ من جهة الغرب. وقد تقدّم ذكرها.
وإذ استوعبنا صفة السور المحيط، فلنذكر الآن ما وعدنا بذكره مما اشتمل عليه سوى صحن الصخرة.
ونبدأ بما هو تحت صحن الصخرة، وعدّته تسع خلاو: أحدها جعل حاصلا لأصناف الحرم.
فمنها بالجهة القبلية ثلاثة: منهنّ ما على أبوابه مساطب ومعرّشات كرم، وفيه أبواب الرواق المعظّميّ التي تحت مدرسته. وهو مصلّى للحنابلة بإمام مفرد.
وبجانبه الشرقيّ حاصلان يجعل فيهما زيت الحرم وأصنافه.
وفي الجهة الشرقية من تحت صحن الصخرة أربع خلاو: منها ما عمل قدّام أبوابه حاكورة وغرست أشجار. والجهة الشمالية خالية من الخلاوي والحواصل.
стр. 202
وبالجهة الغربية خلوتان. إحداهما جعلت حاصلا لأصناف الحرم. وفيه أبواب للرواق المعظميّ. وقبالة أبواب الرواق المعظميّ من الغرب قبّة موسى ﵇.
وهي أمام باب السلسلة وأمام رواق الحنابلة. بين المسطبة الحاملة لها وبين باب السلسلة ثمانية وعشرون ذراعا. وطول المسطبة من القبلة للشمال أربعة وعشرون ذراعا، [١٢٢] وعرضها من الشرق للغرب أحد وعشرون ذراعا ونصف، وارتفاعها نصف ذراع. بصدر المسطبة القبليّ القبة المذكورة. طولها من ظاهرها من القبلة إلى الشمال عشرة أذرع، وعرضها من الشرق للغرب مثل ذلك. وارتفاع كرسيّ القبة من ظاهر المسطبة ثمانية أذرع. تشتمل هذه القبة من باطنها على أرض مفروشة بالرخام.
بابها يفتح للشمال. عرضه ذراع ونصف، وطوله ذراعان وثلثان. وبخدّيه شبّاكا حديد في طول الباب وعرضه. وبكل جهة من جهاتها شبّاكا حديد.
يغلق على كل شباك، زوج أبواب. وهي محمولة على الأركان. وبين كل حائط وأخيه قوس عقد. وبأعلى كرسيّ القبة كرسيّ ثان، فيه خمس طاقات زجاج.
وبأعلى الكرسيّ الثاني القبة المعقودة. تقدير ارتفاعها من ظهر الكرسيّ الثاني ثمانية أذرع. وليس فيها عمد رخام بالجملة الكافية، حتّى ولا في خدّي المحراب.
صفة قبة سليمان ﵇
وهذه القبة بالجانب الشماليّ من الحرم. وهي مسامتة للصهريج والسّلّم الذي يصعد منه إلى الخانقاه الإسعردية والمدرسة السيفية آل ملك.
ومن واجهة الصهريج إلى باب القبة ثمانية وأربعون ذراعا. وهو يفتح للشمال. طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراع وثمن. بخدّيه عمودا رخام
стр. 203
ومسطبتان: يمنى ويسرى. طول كل منهما خمسة أذرع وربع، وعرضهما مثل ذلك.
وبخدّي الباب المذكور شباكان مطلان على هاتين المسطبتين. طول كل شباك منهما ذراعان وثلثا ذراع، وعرضه ذراع وثلثان.
يدخل من هذا الباب إلى قبة مثمّنة. وتتمة التثمينات مسدودة. بها أربعة وعشرون عمودا من الرخام طول كل عمود - خارجا عن القواعد - ذراعان ونصف. في كل تثمينة من المسدودات أربعة أعمدة حاملة للرخامة التي في عقد القناطر. وبخدّي المحراب عمودان لطيفان طول كل منهما ذراع [١٢٣] ونصف.
وفي نهاية العمد - عند نهاية كرسيّ القبة - طاقات زجاج بدائرها. سعة القبة ستة أذرع ونصف، وارتفاعها من قطب القبة للأرض عشرون ذراعا.
وعلى يمنة المصلى في المحراب صخرة صغيرة طولها ذراعان وربع، وعرضها من الجهة القبلية ذراع، ومن الشمالية ثلثا ذراع. يدعو الزوّار عندها. ويقال إنها من الآثار السليمانية، وأن الدعاء عندها مستجاب.
وفي حائط هذه القبة القبليّ، من خارج، عمودان من الرخام. وبهما تكمل ما بهذه القبة من الأعمدة ثلاثين عمودا.
стр. 204
صفة المجلس الذي بناه سليمان ﵇ ويسمى الآن إصطبل سليمان
قال الصاحب تاج الدين (١): هذا المجلس بناؤه أعجب وأتقن من المسجد الذي أعلاه. وله من داخل الخانقاه الصلاحية (٢) (يعني المجاورة لمقصورة الخطابة وبها الآن شيخ يعرف بالختنيّ (٣)، وبه تعرف الآن) سلّمان: أحدهما ست وثلاثون درجة ينزل منها إلى بعض أقسام المجلس المذكور، والثاني أربع وخمسون درجة، ينزل منها إلى بقية أقسام المجلس المذكور.
قال: والمكان في غاية النور لما عمل له من المناور والطاقات المحكمة. وهو رواقات عقودها محمولة على عمد من الصّوان وأركان البناء. وعرض هذه المجالس من القبلة إلى الشّمال: منها ما عرضه ثمانية أذرع، ومنها ما عرضه تسعة أذرع، ومنها ما عرضه عشرة أذرع، وارتفاع عقوده من الأرض التي بها الأبواب
стр. 205
النافذة لرأس وادي عين سلوان منها ما تقدير ارتفاعه عشرون ذراعا، ومنها ما تقديره خمسة عشر ذراعا.
ويقال إن أحد هذه الأبواب كان منه دخول الأنبياء ﵈.
وفي إحدى أسطواناته حلقة. يقال إن البراق ربط بها ليلة الإسراء.
وهذه الأروقة كلها آخذة من الشرق للغرب. فمنها ما أمكن قياس طوله، الذي أمكن التطرّق [١٢٤] إليه. فكان تقديره ثلاثة وتسعين ذراعا. ومنها ما لم يمكن قياس طوله لكون أطواله قسمت حيطانا: منها ما هو في وقتنا هذا مملوء بالتراب المهول، ومنها ما هو صفة حواصل، ومنها ما هو مساكن ومرافق لسكان الخانقاه المذكورة.
قال: ونطاق النّطق ضاق عن استيعاب وصف هذا المجلس. لكن الأماكن التي أمكن التطرّق إليها والمشي لما هو نافذ منها دلّت (١) على أن البقعة المسماة بالجامع (يعني المسجد الأقصى) موضع الخطبة الآن، وبقعة جامع النساء وغالب الممشاوات التي بالحرم والأشجار المزدرعة: كلها معلقة على هذه العقود والسواري.
قلت: ولقد دخلت إلى بعض هذه الأماكن، ورأيت من عجائب الأبنية بها ما يملأ العين. وكان دخولي إليها من الزاوية المعروفة بسكن الختنيّ ثم أفضيت منها إلى الكروم وظاهر المسجد (٢).
стр. 206
قبر الخليل ﵊ وما جاوره من قبور بنيه والأزواج
وكلها داخل ذلك المسوّر، وفي حدود ذلك المكان المنوّر.
روى الحافظ أبو القاسم مكيّ بن عبد السّلام بن الحسين الرميليّ (١) المقدسيّ، بسنده إلى كعب الأحبار، قال: أول من مات ودفن بحبرى (٢) سارة. وذلك أن إبراهيم خرج لما ماتت، يطلب موضعا ليقبرها فيه. فقدم على صفوان، وكان على دينه. وكان مسكنه وناحيته حبرى. فاشترى منه الموضع بخمسين درهما. وكان الدرهم ذلك العصر خمسة دراهم. فدفنت سارة فيه، ثم توفّى إبراهيم فدفن لصيقها. ثم توفّيت ربقة (٣) زوجة إسحاق، فدفنت فيه. ثم توفي إسحاق فدفن لزيقها. ثم توفّي يعقوب فدفن في الموضع. ثم توفيت زوجته ليقا فدفنت معهم.
فأقام ذلك الموضع على ذلك إلى زمن سليمان. فلما بعثه الله، أوحى إليه أن ابن علي قبر خليلي حيرا (٤) حتى يكون لمن يأتي بعدك، لكي يعرف.
стр. 207
فخرج سليمان وبنو إسرائيل من بيت المقدس، حتّى قدم أرض كنعان.
فطاف فلم يصبه. فرجع إلى بيت المقدس. فأوحى الله إليه: يا سليمان، خالفت أمري! قال: يا ربّ، قد غاب عني الموضع، فأوحى إليه: امض، فإنك ترى نورا من السماء إلى الأرض، فهو موضع قبر خليلي. فخرج سليمان ثانيا، فنظر فأمر الجنّ فبنوا على الموضع الذي يقال له الرامة. فأوحى الله إليه: إن هذا ليس هو الموضع، ولكن إذا رأيت النور قد التزق بأعنان السماء. فخرج سليمان فنظر إلى النور قد التزق بأعنان السماء إلى الأرض. فبنى عليه الحير.
قلت: ولم يكن لهذا الحير باب. وإنما المسلمون لما افتتحوا البلد، فتحوا له بابا. وبناؤه بناء محكم. وفي حائطه حجارة هائلة في كبر القدر، منها ما طوله سبعة وثلاثون شبرا [١٢٦].
وقد أقيم بهذا الموضع خطبة ورتّب به إمام ومؤذنون.
وفي قبلته باب ينزل منه بدرج كثيرة إلى سرداب ضيّق تحت الأرض، يأخذ متشاملا إلى فجوة فيها ثلاث نصائب قبور في حائطه، يقال إنها قبر الخليل وزوجته وإسحاق.
وهناك طاقة لا يعرف إلى أين تنتهي، لكن يقال إنها إلى مغارة تحت أرض الحرم، فيها الموتى. وتلك أمثال القبور من فوق.
(ولقد أتيت إلى هذا السرداب ومشيت به زحفا، لضيقه. ولتطأطؤ سقفه، لا يقدر أحد على المشي منتصبا به. وهو خطوات يسيرة تنتهي إلى الفجوة المذكورة. وهي نحو أربعة أذرع في مثلها) (١) وهيئة القبور في قبلة المسجد الآن قبران: الأيمن قبر إسحاق، والأيسر قبر زوجته. وفي شماليّه مما هو منفصل عن
стр. 208
المسجد بقبتين متقابلتين قبران: الأيمن قبر إبراهيم الخليل، والأيسر قبر سارة زوجته. وفي شمالي الحرم قبة مفردة مسامتة لقبة الخليل. وفيها قبر يقال إنه قبر يعقوب. ولا شكّ ولا ريب أن إبراهيم (صلوات الله عليه) ومن ذكر معه مدفونون داخل هذا المسوّر. وأما تعيين موضع القبر، فالله أعلم.
قال علي بن أبي بكر الهرويّ (١): «حدثني جماعة من مشايخ بلد الخليل أنه لما كان في زمان بردويل الملك، انخسف موضع في هذه المغارة. فدخل جماعة من الفرنج إليها بإذن الملك، فوجدوا فيها إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقد بليت أكفانهم، وهم مستندون إلى حائط، وعلى رؤوسهم قناديل. وهي مكشوفة.
فجدّد الملك أكفانهم ثم سدّ الموضع. وذلك سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
حكى ذلك شهاب الدين بن الواسطيّ. قال: وقيل إن قبر آدم ونوح وسام في المغارة. قال: والمغارة تحت هذه المغارة التي تزار الآن» والله أعلم.
ووراء الحرم موضع فيه قبر ينسب إلى يوسف، ﵇. يقولون إنه لما بني المكان، أرادوا أن يجعلوا قبره داخل الحرم. فسمع بانيه وهو سليمان ﵇ [١٢٧] قائلا يقول: دعوه خارج الحرم، فعليه خراج مصر!
(ويقال إن موسى ﵇ لما خرج من مصر، استصحب معه تابوت يوسف، ودفنه هناك قريبا من آبائه، ولم يدفنه عندهم، لما ناله من الملك. هكذا
стр. 209
يقال، والعهدة على قائله. والله أعلم) (١).
قلت: وهذا الحرم مؤزر جدره بالرخام الملوّن والمذهب. وعليه أوقاف جليلة.
ويمدّ فيه كل يوم بعد العصر سماط ويفرق فيه من الخبز على الواردين بحسبهم على قدر كفايتهم.
ولقد زرت الخليل (صلوات الله وسلامه عليه) في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة. فأخبرني جماعة المباشرين أن في بعض ليالي من هذا الشهر في هذه السنة فرقوا زيادة على ثلاثة عشر ألف رغيف، وأن غالب أيام العام ما بين السبعة آلاف والعشرة آلاف. ويفرق أيضا مع الخبز طعام العدس بالزيت الطيّب والسّمّاق، وفي بكرة النهار يطبخ أيضا قدر من الدشيش، ويفرق على الواردين (وفي بعض الأسبوع، يطبخ ما هو أفخر من ذلك). (٢).
وله خدّام برسم غربلة القمح وطحنه وعجنه وخبزه. لا يبطّلون ليلا ولا نهارا. وأهراء القمح والطاحون والفرن، نافذ بعض ذلك إلى بعض. بحيث إن القمح يفرّغ في الأهراء ويخرج خبزا مخبوزا. ولم يزل على هذا مدى الشهور والأعوام والليالي والأيام (لا ينقطع له مدد، ولا يحصر بضبط ولا عدد. ولما استولى الفرنج على بلد الخليل ﵇ أجروا هذا السّماط وزادوا على من كان قبلهم، وبالغوا في صلة هذا المعروف، ثم زاد ملوك الإسلام في السّماط.
وهو معروف يشمل المأمور والأمير، والغنيّ والفقير) (٣).
وقلت من قصيد مدحته، ﵊: [الكامل]
هذا خليل الله إبراهيم قد … لاحت لنا أعلامه الشّمّ الذّرى!
стр. 210
هذا الذي سنّ القرى لضيوفه … كرما، ولولاه لما سنّ القرى!
هذا الذي مدّ السّماط فما انطوى … ذاك السّماط تكرما، وسل الورى!
وقلت من أخرى: [الخفيف]
هو ذا صاحب السّماط ولكن … صاحب الحوض نجله وذووه!
ذو فناء يقرى به كلّ ضيف … لم يخيّب تحت الدّجى طارقوه!
منعم سيّد جواد كريم، … منذ مدّوا سماطه ما طووه
وقلت من أخرى، حين زرته في ذي الحجة سنة خمس وأربعين [وسبعمائة]: [١٢٨] [الطويل]
خليل إله العرش أوّل من قرى … ضيوفا! وها قد جئته واستضفته
أتيت كريما لا تزال رحابه … مطبّقة بالوفد حيث نظرته
دعت ناره الضّيفان في غسق الدّجى … وليس سواها بارقا ثمّ شمته
فتى الجود شيخ الأنبياء جميعهم … ووالدهم حقّا، يقينا علمته
وقلت، عند الوداع في هذه السنة: [الكامل]
هذا الخليل وهذه أبناؤه! … يكفيك بعد فراقه أنباؤه!
هيهات لا توفي أقلّ حقوقه … ولو ان جفنك لا يجفّ بكاؤه!
فامسك فؤادك إن ملكت عنانه! … هيهات قد طارت به أهواؤه!
وتعزّ عن أهل الكثيب وإنما … من أين للصب الكئيب عزاؤه!
قلت: وكان قدومنا هذه المرة على الخليل ﵇ يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة، فبتنا ليلتنا نتبرّك بما حوت تلك القبور من العظام العظام، ونعفّر الوجوه في تلك البقعة المشرّفة في مواضع أقدام أولئك الأقوام، ثم أصبحنا وقد حمدنا السّرى عند الصّباح، وطلبنا
стр. 211
حوائجنا عند تلك الوجوه الصباح. فلما قضينا من الزيارة الأرب، وهزتنا من النوبة الخليلية الطرب، بعثت وراء الصاحب ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن الخليليّ التميميّ الداريّ (١). وهو بقية هذا البيت الجليل، والمنتهي إليه النظر على وقف الحبيب [١٢٩] سيدنا محمد ﷺ وبلد أبيه إبراهيم الخليل.
والتمسنا منه إحضار الكتاب الشريف النبوي المكتتب لهم بهذه النّطية (٢).
والمشرّف لهم به على سائر البرية. فأنعم بإجابة الملتمس، وجاء به أقرب من رجع النفس. وهو في خرقة سوداء من ملحم قطن وحرير، من كمّ الحسن أبي محمد المستضيء بالله أمير المؤمنين (٣)، وبطانتها من كتّان أبيض على تقدير كل إصبع منه ميلان أسودان، مشقوقان بميل أبيض، جعل ضمن أكياس يضمّها صندوق
стр. 212
من أبنوس يلفّ في خرقة من حرير. والكتاب الشريف في حزقة (١) من خف من أدم، أظنّها من ظهر القدم. وقدموه سواد الجلد على الخط، لا أنّه أذهبه، وما أخفى من يد كاتبه المشرفة ما كتبه. وهو بالخط الكوفي المليح القويّ. فقبلنا تلك الآثار، وتمتعنا منه بمدد الأنوار. ومعه ورقة كتبها المستضيء بنصه شاهدة لهم بمضمونه، ومزيلة لشك الشاك المريب وظنونه: ومضمون ما كتب كهيئته وسطوره (٢):
«نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه»
«لتميم الداريّ وإخوته في سنة تسع من الهجرة بعد منصرفه»
«من غزوة تبوك في قطعة أدم من خف أمير المؤمنين عليّ وبخطه»
«نسخته كهيئته»
«بسم الله الرحمن الرحيم»
«هذا ما انطى محمد رسول الله لتميم»
«الداريّ وإخوته حبرون والمرطوم»
«وبيت عينون وبيت إبراهيم وما فيهنّ»
«نطية بتّ بذمتهم ونفذت وسلمت ذلك لهم»
«ولا عقابهم فمن آذاهم آذاه الله فمن آذاهم»
«لعنه الله شهد عتيق بن أبو قحافة وعمر بن»
«الخطاب وعثمان بن عفان وكتب عليّ بن»
«بو طالب وشهد»
стр. 213
هذه نسخة الكتاب الشريف.
و «أبو قحافة» ألف وباء وواو - ثم «قحافة» - و «بو طالب» باء وواو - ثم «طالب». وليس في «بو» ألف. بين ذلك ليعرف. و «كتب» في ذكر علي ﵁ مقدّمة، و «شهد» مؤخرة. بين ذلك أيضا ليعرف.
وقد رأيت ذلك كله بعيني، ومن خط المستضيء نقلت. وهو خطة المعروف المألوف. وقد رأيته وأعرفه معرفة لا أشكّ فيها ولا أرتاب. وقرأته من الكتاب النبوي نفسه. وهو موافق لما كتبه المستضيء، نقلا منه. على أن آثاره كادت لتعفّى، وتحتجب عن الناس لفساد الزمان وتتخفّى (١).
стр. 214
وكان التبرّك برؤية ذلك على ظهر القبو الصغير الشماليّ، في الحرم الخليليّ الملاصق لقبر زوج يعقوب ﵇ المفضي منه إلى المئذنة بحضرة مخزن العدس.
وقد كنت رأيت ذلك مرة متقدّمة بالحصن سكن بني الخليلي، بظاهر البلد، لما أتيت زائرا بعد العود من الحجّ على الدرب المصريّ في المحرّم سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ولكنّي إذ ذاك لم أنقله [١٣١].
قبر يونس بن متى ﵇ (١)
بقرية حلحول على يسار الذاهب من بلد القدس إلى بلد الخليل ﵇. ويعرّج الزائر إليه. وعليه بناء وقبّة. وله خادم
زرته مرات. وآخر عهدي به في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
وكتبت على جدار القبة بيتين خطرا لي في ذلك الوقت، وهما (٢):
стр. 215
قبر موسى بن عمران ﵇ (١) بالقرب من أريحاء. وتعرف بشيحان.
رأيت بخط علاء الدين ابن الكلاس (٢) ما صورته: «قال الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الله بن يونس الأرمويّ (٣) عن والده قال: زرت قبر موسى ﵇ الذي بالقرب من أريحا. قال الشيخ إبراهيم: وكان إذ ذاك لم تبن عليه قبّة ولا مشهد. قال: فقلت في نفسي: اللهم أرني ما أزداد به يقينا في صحة هذا القبر. قال: فبينا أنا نائم رأيت كأنّ القبر انشقّ وخرج منه إنسان طوال.
قال: فجئت إليه وسلّمت عليه، وقلت له: من أنت؟ قال: موسى بن عمران، وهذا قبري. وأشار إليه. ثم قعدنا. وإذا بالقرب منا رجل يطبخ في قدر فلما استوى طعامه، أحضره إلينا وإذا هو شورباة أرز. فأكل موسى ﵇ منها ثلاث ملاعق، وأنا ثلاث ملاعق، والرجل ثلاثا. ثم تداولناها بيننا إلى أن فرغت. قال الشيخ عبد الله: وكنت على عزم العود إلى بلاد العجم إلى عند