стр. 1471
← Страны и путешествия следующие страницы →
Страны и путешествия · id 11790
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي
ابن فضل الله العمري
Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1472
هل ولد الغرب أمثالهم، أم حدا في الأنموذج مثالهم؟ إن الدّهر بمثلهم لعقيم، ولا عصبية للعظم الرميم، بل هو منهج الحقّ القويم، ومبهج الصدق المستقيم.
فإن قلت أيها القائل لم خلطت بهؤلاء اليونان، ومدينتهم واقعة في الغرب بلا خلاف؟ قلنا: قد نسلّم إليك أن في الغرب مدينتهم، ومن أرضه طينتهم، ولكن من الشرق أصل مددهم، وحاصل ذات يدهم، فإنهم إنما أخذوا عن حكماء الهند غالب علومهم، وغامض معقولهم، ومنهم أوقدوا مصابيح أفهامهم. قال لي شيخنا الحجة فريد الدّهر، وارث العلم والحكمة، أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصفهاني (١) - أطال الله بقاءه -: إن أرسطو استأثر بكتب الهند، لما غلب الإسكندر على أرضهم، واستعاد ما فيها، ثم أمر بها فحرقت (٢)، حتى لا تنسب حكمتها إلا إليه، ولا تعرف إلا به. فاعرف من أين الأصل، ولأيّ الأفقين الحكم الفصل. هذا إذا لم يرد عليك من يأتي بنيانك من القواعد، ويقول صحيح إن مدينة اليونان في الغرب، ولكن قد تدبّر الجانب الشرقيّ منهم أناس، وسكن شرقي الخليج القسطنطيني منهم فرق، وقد قرر ابن سعيد المتعصب لكم، والمنتصر لبلادكم أن الخليج القسطنطيني فاصل بين
стр. 1473
الشرق والغرب.
فأما غالب المتأخرين، بل جملة الآخرين فإنهم في الشرق بلا نزاع ولا دفاع، وفيه من بذّ (١) الأوائل واستدرك ما فاتهم من الفضائل. وأما حكماء الهند، وهم قبل اليونان السابقون الأولون، والحفظة المحصلون، فما سمع أن أحدا منهم تزحزح عن مكانه، ولا رضي مثل (ص ١٠) ما رضوا به بدلا من أوطانه. وهذا فخر لا يدفع، ودليل لا يرفع، وعلى تقدير أن يسلم أن مدينة اليونان مفضلة بهم، وإن برحوا عنها، وأن لليونان الفضل الباهر، اتبعوا أم ابتدعوا، فمدينتهم لتوغلها في الشمال أشبه بأن تنسب إليه من الغرب، وهي حقيقة أقرب إلى المحيط بالشمال منها إلى المحيط بالمغرب، وذلك مؤيد فيما ذكرناه لكل مقال، قاطع لكل جدال، فهي شمالية لا مغربية، لا شرقية ولا غربية.
فأما أصحاب الموسيقا وإجادة الغناء، فلمن تقدّم من هؤلاء الحكماء في الموسيقا ما يؤخذ عنهم علمه اليقين، وأما توقيع الألحان، وترتيب الأنغام، فإذا طالعت جامع أبي الفرج الأصبهاني (٢)، هداك النفس الطيب، وعلمت إلى
стр. 1474
стр. 1475
_________
(١٣) أدى إلى ترك مندوب يكون مكروها كقيام ليل مثلا … وإذا كان الغناء للترويج عن النفس وخاليا من جميع المعاني السابقة فقد حرمه عبد الله بن مسعود ﵁، وبعض الحنفية وبعض الحنابلة لأنه ينبت النفاق في القلب، وقال بعض الحنفية والحنابلة والمالكية، يباح الغناء من غير آلة مطربة من غير كراهة، ويظهر أن رأي هذا البعض هو الراجح، وذهب الشافعية والمالكية وبعض الحنابلة إلى أنه مكروه، فإن كان من امرأة أجنبية فهو أشد كراهة، لما فيه من إخلال بالمروءة، ومن اللهو ولأنه ينبت النفاق في القلب. ويباح الغناء وضرب الدفّ لأمر مباح كالغناء في عرس لقول الرسول ﷺ (أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال) أو عيد، أو ختان، أو مناسبة فرح كنجاح أو قدوم غائب، وعند سير المجاهدين ما دام لإيقاد الحماس في نفوسهم، أو لتنشيط العمال في عملهم، أو للحجاج لإثارة الأشواق إلى أداء المناسك ونحو هذا كتشجيع في مسابقة أو مباراة مشروعة … وفي السنة ما يدل على إباحة هذا، وقال عمر ﵁: الغناء زاد الركب، وقد نقل الإمام الغزالي في بعض تآليفه الاتفاق على حل مجرد الغناء من غير آلة، ويشترط لحل استماع الكلام ملحنا أو غير ملحن ألا يكون فيه فحش، وليس فيه هجاء، ولا كذب، ولا وصف امرأة بعينها، فالمستمع لهذا شريك القائل في الإثم، وأما هجاء الكفار فلا شيء فيه. وأما الآلات فيحرم في المشهور من المذاهب الأربعة استعمال آلات الطرب كالعود والطنبور والمعزفة، والطبل والمزمار والرباب وغيرها من ضرب الأوتار والنايات والمزامير كلها - وأباح الغزالي الآلات إلا المعازف والأوتار والمزامير التي ورد الشرع بالمنع منها - فمن أدام استماعها ردت شهادته لقوله ﷺ (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخمر والخنازير والخز والمعازف) أخرجه البخاري، وفي لفظ (ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير) رواه ابن ماجه، كما استدلوا على تحريم المعازف بقول الله تعالى "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله" قال ابن عباس: إنها الملاهي. وأن آلات الطرب هذه تدعو إلى الصد عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة، وإلى إتلاف المال، فحرمت كالخمر.، وأباح مالك والظاهرية وآخرون السماع ولو مع العود، وهو رأي جماعة من الصحابة: ابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير ومعاوية، وعمرو بن العاص وغيرهم، وبعض التابعين كسعيد بن المسيب ولا خلاف بين أهل المدينة في إباحة العود، إذ لم تصح عندهم أحاديث المنع، وأرى أن لفظ (المعازف) يشمله. وأما الرقص الذي يشتمل على التثني والتكسر والتمايل والخفض والرفع بحركات موزونة فهو حرام ومستحله فاسق. ولا بأس
стр. 1476
стр. 1477
стр. 1478
стр. 1479
стр. 1480
стр. 1481
стр. 1482
ويطرب الجميع بلطائف الأغاريد، يسكر سامعه وما شرب بنت حان (١)، ويهتز وما حركه سوى ألحان، تأخذ منه السعود بنصيب، ويعيد على العود شبابه وهو غصن رطيب، من كل مطرب ومطربة فاقا، وقاتا في صناعتهما حذّاقا، كما قال الحريري في جارية، قال: إن قرأت (ص ١١) شفت المفؤود، وأحيت الموءود، وخلتها (٢) أوتيت من مزامير آل داود، وإن غنت ظلّ معبد (٣) لها عبدا، وقيل سحقا لاسحاق وبعدا (٤)، وإن زمرت أضحى زنام عندها زنيما (٥)، بعد أن كان لحيله (٦) زعيما، وإن رقصت أمالت العمائم عن الرءوس، وأنشتك (٧) رقص الحبيب في الكؤوس؛
وهذا أديب الأندلس بل الغرب أبو الحسن علي بن بسام (٨) قد قال في خطبة كتاب الذخيرة، وقد ذكر ما لأهل الأندلس من فضل أدب
стр. 1483
فقال:
لعبوا بأطراف الكلام المشقق … لعب الدجى بجفون المؤرّق،
وجدّوا بعيون السحر المنمق … جدّ الأعشى ببنات المحلق (١)،
стр. 1484
فصبوا على قوالب النجوم غرائب المنثور والمنظوم، وباهوا (١) غرر الضحى والأصائل، بعجائب الأشعار والرسائل، (نثر) (٢) لو رآه البديع (٣) لنسي اسمه، أو اجتلاه ابن هلال لولاّه حكمه (٤)، ونظم لو سمعه كثير (٥) ما نسب ولا مدح، أو تتبعه جرول (٦) ما عوى ولا نبح، إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة (٧) أهل المشرق، يرجعون (إلى) (٨) أخبارهم المعتادة (٩)، رجوع الحديث إلى قتادة (١٠)، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طنّ بأقصى الشام
стр. 1485
والعراق ذباب، لحنوا (١) على هذا ضما، وتلوا ذلك كتابا محكما، ثم قال:
فغاظني منهم ذلك، وأنفت (٢) مما هناك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري، وتتبعت محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة (٣) لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلّة، وتصبح بحوره ثمادا (٤) مضمحلة.
ثم قال: وليت شعري من قصر (٥) العلم على بعض الزمان، أو خص أهل الشرق بالإحسان؟ (٦)
قلت: وكفى المشرق قضاء هذا الأديب الفريد على أهل الأندلس، وهم صفوة أهل المغرب بولوعهم بما لأهل المشرق، حتى لو نعق غراب، أو طنّ ذباب، مع تصديقه لأبي علي البغدادي (٧) في قوله، وقد قصد الأندلس: لما وصلت القيروان، وأنا أعتبر من مرّي من أهل الأمصار، فوجدتهم (٨) درجات في
стр. 1486
الغباوة وقلة الفهم، بحسب تفاوتهم في المواضع منها، بالقرب والبعد حتى كأن منازلهم من الطريق هي منازلهم من العلم محاماة ومقايسة. قال: فقلت: إن نقص أهل الأندلس عن مقادير من رأيت في أفهامهم، بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم، فسأحتاج إلى ترجمان بهذه الأوطان، ثم قال ابن بسام عنه وبلغني أنه كان يصله كلامه هذا بالتعجب من أهل هذا الأفق في ذكائهم ويتغطّى عنهم عند المباحثة والمقايسة، ويقول لهم: إن علمي لعلم رواية وليس بعلم دراية، فخذوا عني ما نقلت، فلم آل لكم أن صححت (١). قلت: فهذه شهادة لا ترد من أبي عليّ على أهل المغرب إلا الأندلس، وإقرار ابن بسام له على قوله شهادة عنه، وهذا أيضا على كثير المغرب أهل المشرق، فأما أهل جزيرة الأندلس يلغى بها ما قاله ابن بسام عن فضلاء أهلها آنفا: أنه لو نعق بالمشرق غراب أو طن ذباب لحنوا عليه ضما وتلوه كتابا محكما، وأما ما زعم من أنّ أبا علي البغدادي كان يتغطى عنهم عند المباحثة والمناقشة، ويقول إن علمي لعلم رواية، وليس بعلم دراية. فهذا إن صحّ وسلم إليه، عنه جوابان:
الأول: أن أبا علي كما قال صاحب علم رواية، ليس عنده إلا ذلك، وقد يكون بلي برجل جدل، أو رجال كذلك فقصرت حجته عندهم بحق وبمعاناة، فقال ذلك، ولا يخلو قطر من ذي جدل فيه. فأما لو رموا بمثل ابن سينا وأضرابه، والفارابي وأشياعه لذابت حضارتهم فهامت خفافيشهم.
والجواب الثاني: أنهم قد ألجؤوه في وقت إلى تأويل باطل لم يمنعهم منه إلا التسليم إليهم، فمن لم يستجز ذلك فقطعهم بذلك القول عن الحيلة إلى الباطل.
стр. 1487
ويعجبني ما حكي عن الصاحب ابن عباد (١). قيل إنه سمع بكتاب العقد، فحرص حتى حصل عنده، فلما تأمله قال: هذه بضاعتنا ردت إلينا، ظننا أن هذا الكتاب يشمل على شيء من أخبار بلادهم، فإذا هو لا يشمل إلا على أخبار بلادنا لا حاجة لنا فيه) (٢) فرده (٣).
وليس في الغرب أحد في هذا الباب يذكر، ولا سمع له ما يذم ولا ما يشكر، اللهم إلا ما تكلفت له على ما يأتي، ثم نأخذ الآن في:
أصحاب الصنايع العملية، وأشرفها رسم الكتابة، وما أظن أن المغاربة تتطاول إلى مفاخرة أهل الشرق فيها، ولا تنازع أهلها في القطر الشرقي، مثل أبي الحسن علي بن هلال الكاتب المعروف بابن البواب (٤). والولي علي التبريزي (٥)، والشيخ الكاتب عماد الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن هبة الله بن الشيرازي (٦). وجمال الدين ياقوت المستعصمي (٧). وشرف الدين محمد بن
стр. 1488
الوحيد الزرعي (١)، وغير هؤلاء من الكتاب ومن يطرب وضع خطهم الألباب.
وأما سائر أصحاب الصنائع والمهن وأجل الصنائع الفلاحة، ولا يقال إلا الفلاحة النبطية (٢) أو الفلاحة الرومية. وهي قوام المعايش، ومادة الرزق، وسبب العمارة، وحفظ بقاء النوع. وسمعنا يقال سيف هندي، ورمح يزني (٣)، وقوس عربية، وسردة (٤) داوودية، وبيضة عادية (٥)، وديباج خسرواني (٦)، وأطلس رومي (٧)، وصوف أذري (٨)، وقطن
стр. 1489
سابوري (١)، وكتان روئي (٢) وتوصف ملاءات (٣) الهند، وحبرات (٤) اليمن، وأبراد (٥) صنعاء، ووشي (٦) العراق، وغضار (٧) الصين، وفخار قاشان (٨)، وزجاج الشام. ولا أسمع للمغرب هاتفة، ولا أحس به نابسة (٩)، إلا ما كان يقال من قباطي مصر (١٠)، ثم في آخر العهد من قماش نيس، ثم الإسكندرية الآن، هذا إن سلم أن مصر من الغرب، وإلا فدون التسليم (ص ١٢) ألسنة (١١) وحجج قاطعة.
فأما الملك فما أظنّ مغربيا تسمو همته إلى المجاذبة في هذا بأطراف النزاع ولا
стр. 1490
تتعرض لأطراق الشجاع.
وبالشرق رست قواعد الخلافة مستقر الخلفاء الراشدين، وبني أمية، والدولة العباسية وما لمغربي أن يقول: كيف تلبّس الشرق حلل الخلافة، ويعرّي معاطف الغرب، وبها دولة الخلفاء من بني أمية، وبني حمّود (١) وبني عبد المؤمن (٢)، فجوابه أننا لم نذكر إلا الخلافة المجمع عليها، ولم نذكر الناجمين بالشرق، كالعلويين بآمل كرسي ما زندران المسماة بطبرستان (٣)، وبني الأخيضر العلويين باليمامة، وأئمة الزيدين باليمن، إذ كل خلافة سوى المجمع عليها شذوذ، ولو أننا - أيها المدعي للغرب على الشرق - نظرنا من بويع بالجهتين، ونظرنا بين الفئتين لمحت سطوركم، ومحقت بدوركم، وتوهدت رباكم، وتوهنت صباكم، بما نحن نردكم إذعانا وسف (٤) طائركم خضعانا، وانقطعتم دون الغاية، واجتمعتم وما رفعت لكم راية، والتحق بالعدم وجودكم، والتحف جناح الخمول مجيدكم، ولات حين مناص (٥)، وهيهات من يد المؤاخذة خلاص.
وأما السلطنة والملك، فقد قال ابن سعيد عن السلطنة والملك: إن الاصطلاح أن لا تطلق هذه السمة إلاّ على من يكون في ولايته ملوك، فيكون ملك الملوك، فيملك مثل الشام أو مثل مصر أو مثل إفريقية أو مثل الأندلس، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس أو نحوها، فإن زاد بلادا أو عددا في الجيش
стр. 1491
كان أعظم في السلطنة، وجاز أن يطلق عليه السلطان الأعظم، فإن خطب له في مثل مصر والشام والجزيرة، ومثل خراسان
وعراق العجم وفارس (١)، ومثل أفريقيا والغرب الأوسط والأندلس كانت سمته سلطان السلاطين كالسلجوقية (٢) - وقال وإذا قايسنا بين سلاطين المشرق وسلاطين المغرب كان الفضل للمشرق. قلت: وهذا القول وإن أنصف فيه ابن سعيد، فإنه ما وفى الشرق حقه، ولا أوصل اليه مستحقه، لأنه لا نسبة لأوضاع السلطنة في المغرب بالنسبة إلى السلطنة في (ص ١٣) المشرق فأين وأين وبعد بين الأرض والسماء، والدر والحصباء، وان كنا لا نغمط الغرب حقه، ولا نجحد له فضله، وها قد نقلت عن الثقات من أهل كل قطر ما هو عليه، والمنصف لا يلجّ في الباطل ولا يجنح إلى النزاع.
وأما الخلافة فأي خلافة طاولت بني العباس، وقد عمت غالب الأرض دعوتهم، والسلطنة الشرقية عجمية الأوضاع، والسلطنة الغربية عربية الاتضاع، وفي التواريخ والسير النبأ الصادق، وهل أحد من سلاطين الغرب يماثل السلطان محمود بن سبكتكين (٣) في عظمة سلطانه واتساع بلاده، ومهابة أوضاعه؟
стр. 1492
ومن شك فليسأل أبا نصر العتبي (١) في تاريخه اليميني الموضوع باسم هذا السلطان، مما تقشعر الأرض وترجف به الآفاق،
ولقد حكى الصابي (٢) عن بعض الرسل قال: دعينا إلى باب مسعود يعنى ابن محمود سبكتكين (٣) بغزنة، فشاهدنا بالباب أصناف العساكر، وملوك جرجان وطبرستان وخراسان والهند والسند والترك، وقد أقيمت الفيلة عليها الأسرة، والعمّارات (٤) الملبسة
стр. 1493
بالذهب مرصعة بأنواع الجواهر، وإذا بأربعة آلاف غلام مرد وقوف على سماطين (١)، وفي أوساطهم مناطق الذهب، وفي أيديهم أعمدة الذهب، ومسعود جالس على سرير من الذهب، لم يوضع على الأرض مثله، وعليه الفرش الفاخرة، وعلى رأسه تاج مرصع بالجواهر واليواقيت وقد أحاط به الغلمان الخواص، بأكمل زينة، ثم قام مسعود إلى سماط من فضة عليه خمسون خوانا من الذهب، على كل خوان خمسة أطباق من ذهب، فيها أنواع من الأشربة، فسقاهم الغلمان، ثم قام مسعود إلى مجلس عظيم الأقطار، فيه ألف دست من الذهب، وأطباق (ص ١٤) كبار خسروانيّة (٢)، فيها الكيزان (٣)، وعلى كل طبق زرافة ذهب وأطباق ذهب، فيها المسك والعنبر والكافور، وأشجار الذهب مرصعة بالجواهر واليواقيت، وشموع من ذهب في رأس كل شمعة قطعة من الياقوت الأحمر تلمع لمعان النار، وأشجار العود (٤) قائمة بين ذلك، وفي آخر المجلس رحى من ذهب تطحن المسك والكافور والعنبر، وفي جوانب المجلس بحيرة في جوانبها من الجواهر والعنبر والفصوص واللؤلؤ شيء يقصر الوصف عنها، وذكر أشياء أخر تحير الأسماء والأسماع. ثم قال: فما بقين ولا بقوا.
أو هل أحد مثل السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان (٥)، وما ضمّ سلطانه من
стр. 1494
الأقطار وحواه، مما تشتمل عليه برده الليل والنهار، فلقد ملك من الصين إلى آخر الشام، وهو مسيرة نصف يوم كالشمس أو أزيد، وخطب له على منابر هذه الممالك، من خان بالق (١) الى غزة، وفتح له الحجاز واليمن، ولا يعلم بموته، لبعد الديار، وتنائي البلاد.
وحدثني شيخنا العلامة فريد الدهر نخبة الآفاق، أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصبهاني، أطال الله مدته (٢)، وقد ذكر حسن تدبير الوزير، وزير هذا السلطان، أن السلطان ملكشاه كان في بعض صيوده بخان بالق في الصين، وأنعم على بازيارييه، وهم البزادرة بمال، فأحالهم نظام الملك الوزير على انطاكية (٣) من الشام، فشكوا إلى السلطان، فلام نظام الملك على البعد العظيم عنهم، فقال له: يا سلطان العالم أنا قصدت هذا حتى يقال إنك بالصين
стр. 1495
ومراسمك نافذة بالشام، وهذه بارقة تدل على ما بعدها، وعنوان ينطق بما في المضمون.
أو هل يوجد مثل السلطان علاء الدين خوارزم شاه (١) أو (ص ١٥) ولده السلطان جلال الدين محمد (٢)، وكانت جريدة (٣) كل واحد منهما ستمائة ألف فارس يجري عليهم ديوانه، ويفترض لهم إحسانه، سوى من ينضم اليهم وينتظم من أجناس الأمم فيهم، وما بالعهد من قدم، ولا بآثارها خفاء، ولقد كان على الاسلام السور المنيع، والحجاب المسبل، وقد حكى لي الملك الكامل محمد بن السيد عبد الملك (٤) أن السلطان الملك العادل أبا بكر بن أيوب رحمه
стр. 1496
الله (١) كان يقوم بالليل فيتوضأ ويصلي، ويدعو الله ويقول في دعائه: اللهم انصر عبدك محمدا وأيده، وظفّره بأعدائه، ومكّن سيوفه من أعناقهم ومقاتلهم، وما هذا معناه،
فلما تكرر هذا منه قالت له أم ولده الصالح إسماعيل:
مسكين إسماعيل عن ابنها. فقال لها: كيف؟ حتى قالت (٢): لأنك ما تدعو إلا لولدك الكبير - تعتقد أنه يدعو للملك الكامل أبي المعالي محمد - فقال:
ما أقل عقلك أبالله في ظنك أني أدعو لابني محمد؟ فقالت: نعم. وإلا فلمن؟ فقال لا والله لا والله أنا ما أدعو إلا للسلطان جلال الدين محمد خوارزم شاه فإنه السدّ بيننا وبين التتار، وهو الستر الجميل على الإسلام، فو الله ما بيننا وبين رواح البلاد من أيدينا إلا أن ينكسر، وإلا فما دام قائما نحن بخير، نحن بخير
стр. 1497
يكررها، فلهذا أدعو له آناء الليل والنهار. قلت: ولقد صدق الملك العادل ﵀ في قوله، فهكذا كان وما زال حمى الخلافة مصونا والبلاد محمية الأطراف متماسكة القوى حتى مات السلطان علاء الدين تكش (١)، ثم ابنه السلطان جلال الدين محمد (٢) رحمهما الله، فمالت التتار على الآفاق، وطمى سيلهم على الأرض فانتهكت حرمة الإسلام، وأخذت دار السلام، وأنهرت أوداج الأرض بالدماء، وسبت الكرائم، وترامت الهاشميات إلى دجلة، وقتل الخليفة، وشوهت الخليقة، وماج الثقلان، وكان ما كان، فرحم الله الملوك الخوارزمية، لقد (ص ١٦) جاهدوا في الله حق جهاده، وقاوموا التتار مدة سنين، إلى أن علا السيل الزبى، وبلغ الحزام الطبيبين، ولو شاء ربك ما فعلوه. فهل في الغرب من بلغ سلطانه هذا المبلغ، وعظم في الملك شأنه إلى هذا الحد، وهل فاض الملك من الشرق على الغرب، أم من الغرب على الشرق؟ قل وأنصف أيها المسؤول، ولا تقل عن المستنصر الفاطمي لما خطب له ببغداد،
فتلك سنة مظلمة كان سببها أرسلان البساسيري (٣)، لعداوة ابن
стр. 1498
رئيس الرؤساء (١)، ثم عاد الحق إلى أهله، بيد بني سلجوق، وقام القائم في مقامه، وقال (٢) المعاند في حر انتقامه. ولم تكن تلك العارضة إلا شبهة بقضية سليمان ﵇ إذ ألقي الجسد على كرسيه (٣). وقد قال ابن سعيد: إن السلطان من بلغ جيشه عشرة آلاف، فأين هو ممن بلغ ستمائة ألف، ولكنه تكلم على أعظم ما عنده مما رآه في بلاده ولو تخطى خطا إلى المشرق لما قال هذا المقال، ولا ضرب عن ضرب مثل هذا المثال. ومن المشرق الأنوار تفيض وفي الغرب تغيض (٤)، فالشمس لا تصل إلى الغرب إلا وقد ضعف فعلها، وقل تأثيرها، فلا يقابلها أهل المغرب إلا منكبّة عن أفقها، مولية على أدبارها، فهي في الشرق فتية، وهي في الغرب هرمة، وشتان ما بين الحالين، وبون كبير بين الجانبين، فهذا لا يقاس أهل الغرب بأهل الشرق في حسن الصور، وبهجة المرائي، ويكفيك النظر إلى الوجوه والشمائل، وحسبنا حكاية حكاها ابن سعيد في
стр. 1499
المغرب، قال: إن تاجرا من أغنياء العجم سمع بسلطنة بني عبد المؤمن (١) فانتخب بالمشرق طرفا تليق أن تهدى إلى الملوك، وكتب الله سلامته حتى وصل إلى مراكش، وبها حينئذ العادل ابن المنصور (٢) وهو يخطب (ص ١٧) له بالخلافة، فقدم له تلك الهدايا، وفي جملتها مملوك تركي زعم أن قيمته عليه عشرون ألف درهم مغربية، فلم يقبله العادل ولا وجد من يبتاعه منه، وصار إذا مشى به تعجب الناس من زيّه، وذهلوا في صورته التي لم يعتادوها، فبلغ ذلك قاضي القضاة وكان صاحب ناموس (٣) مغربي، فأمره أن يغير زيّه بالزي المغربي، فقال ابن حوط كاتب العادل فيه: [الخفيف]
بأبي شادن (٤) من الترك أبدى … زيّه زهرة حوتها كمامه
متروا ردفه فأبدوا جبالا … حين سارت قامت علينا القيامه
فلما لبس الزي المغربي قال أبو الربيع الداني: [البسيط]
يا حاكم المسلمين الله بينهم … وبين جائر حكم أنت مظهره
غيّرت زيا لظبي الترك ذا بدع … يسبي نواظر أهل اللطف منظره
قد كان ميّز منه كلّ جارحة … بشكله يقرأ التفسير مبصره
حجّبه عن أعين العشاق إن قدرت … قساوة منك دون الناس تهجره
وفيه قيلت هذه الأبيات مرافدة: [مجزوء الخفيف]
стр. 1500
فتنة الترك قد أتت … من بلاد المشارق
أيّ شخص بدا له … دينه لم يفارق
إنّ أحدا قنا به … أبدا في حدائق
لم نطق سلوة … مذ بدا في المناطق
فها أنتم أهل المغرب رأيتم واحدا من أهل المشرق بزيه فتنكم حسنه، حتى خاف قاضيكم، المشفق عليكم الفتنة بحسنه وبحسن زيّه، وقال (ص ١٨) فيه شعراؤكم ما قالوا، حتى عرض أحدهم بمفارقة الدين في هواه، وما ترك خليفتهم - والله أعلم - قبوله نحلا بالعوض عنه، ولكن خوف الفتنة به، لإبداع حسنه في رأي عيون أهل المغرب، إذ لا نظير له عندهم فيقع في ظنونهم. إن مثل هذا لا صبر لأحد عنه، ولعل هذا المملوك ما كان حدّ نفسه، ولا واحد جنسه، وهل هو إلا واحد من أهل بلاد لا ينظر إليه فيها بعين الاستحسان، ولا يفرق فيها بينه وبين غيره من الغلمان. هذا وقد قال قائلكم واحتفل أن قيمة ذاك المملوك على ما زعم تاجره عشرون ألف درهم مغربية، ولعمرك لقد كثّر غير كثير، وعظّم غير عظيم، و (١) هل الدراهم المغربية إلا الدراهم السود كل ثلاثة بدرهم نقرة (٢) من نقد مصر؟؟ وكان الترك في ذلك الوقت أغلى قيمة من وقتنا هذا بأضعاف مضاعفة، ولعله لو كان بمصر اليوم لما سوي أكثر من ألفي درهم. وكم في إصطبلات آحاد الأمراء مملوك بألفين وفوق الألفين، بل فيها من ثمنه عشرة آلاف درهم وما يزيد وينقص. فكيف لو رأيتم اليوم المماليك بمصر، وفيهم مع كثرة الجلب ورخص القيمة من بلغ ثمنه ثمانين ألف درهم، ثمنها من دراهمكم مائتا ألف وأربعون ألفا (٣) لكنتم ترون ما تحار فيه عقولكم، ويعشي لمعانه أبصاركم، وأحسن ما فعله قاضيكم في تغيير زي هذا المملوك المشرقي بالزي
стр. 1501
المغربي، لو كان غير زيكم المغربي بالزي المشرقي فبدل القبيح بالحسن لا يعترض قائل، فيقول حسن في كل عين ما تود، وكل أحد يقول إن زيه هو الحسن، فجوابه أنه لو لم يكن في زي ذلك المملوك معنى يزيد في الحسن لما أمر قاضيكم بتغييره خوف الفتنة عليكم، كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله (ص ١٩) عنه في حلق رأس نصر بن حجاج لما سمع الهاتفة باسمه وهي تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها … أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج (١)
ولقد أجاد قاضيكم لكم الاختيار، إذ لم يأمركم بتغيير زيكم بمثل زي الرشاء الأغن الأغيد، فإنكم لو لبستم ذلك الزي لما يناسب معاطفكم الرشاق، وخصوركم الدقاق، ولكنه ﵀ أحسن لكم النظر ولم يخط لكم في الاختيار.
ثم نرجع إلى ما كنا فيه فنقول: وبالشرق ما لا يماثله ما في الغرب من الحيوان والنبات والمعادن، فأمّا الحيوان فأشرفه الإنسان، وقد بينا فضل أهل المشرق منهم على أهل المغرب، بمواهب الله من النبوة والولاية والخلافة والعلوم على أنواعها، والصور الجميلة على إطلاقها. فأما ما عدا الإنسان فللشرق أيضا في أكثره بل كله التفضيل. من الخيل العراب (٢) بالحجاز ونجد والبحرين، وبلاد الفرات والشام وأطراف الجزيرة، وبراذين (٣) الروم وكيلان، وبغال الروم وأرمينية والعواصم
стр. 1502
والشام، والجمال البغراوات البساريك (١) والبخت (٢) ذوات السنامين، وذوات السنم، والعباديات (٣) وجمال بغداد وحلب، ومهاري (٤) بلاد مهرة وعمان والبحرين وأطراف العراق والشام، والأغنام التركية، ذوات اللوايا المستديرة، بخلاف أغنام المغرب اللواتي كأنها المعز لا لوايا لها (٥)، وغير ذلك من الحيوانات التي لا يفتخر شيء من الملابس على جلودها، كالسمور (٦) والقندس (٧) والقاقم (٨) والوشق (٩) والسنجاب والبرطاسي (١٠)، والجلد الواحد من هذا الحيوان يقسم
стр. 1503
على أنواع، كلها حسن جميل وغزال (ص ٢٠) المسك (١) ودابة العنبر (٢)، وقط الرناد (٣) وحيوان اللؤلؤ (٤) ودود الحرير (٥)، وحسن الخرنوت (٦)، والسرطان البحري (٧)، المجلوب من الصين.
وأما المعادن فكثيرة في الأرض، والذهب موجود في أماكن كثيرة بالجنوب، فبالشرق بالهند وبالدامغان (٨)، وبالغرب في غانة وبلاد السودان. وكذلك معادن الفضة في مواضع وحظ الشمال وافر منه، على أن المحيط يقذف منه ذهبا في بعض الأقطار الشمالية، على ما قدمنا ذكره.
فأما الجوهر فللشرق معظمه وأثمنه وأعظمه وأحسنه، من البهرمان (٩) واليواقيت
стр. 1504
على اختلاف أنواعها، والماس واللعل المسمى بالبلخش، والفيروزج وما يندرج في ذلك من الأحجار.
ومن ممتهنات الأحجار: اليشم (١٣) واليصم، ولو أنصفا لألحقا بالجواهر.
والفولاذ والرصاص القلعيّ.
ومن منابت الشرق العود (١) الهندي، والبلخوج (٢) والصندل (٣) والكافور (٤) والرواند (١٤) التركي، والجوزبوا والسياسة والكباب (٥) واللبان (٦) الذي يزيد على الجاوي، والسنبل (٧) والقرنفل (٨) والفوفل والفلفل، وأنواع الطيب، والأفاويه والعقاقير النافعة، والمفردات التي لا تكاد تحمد، فهل في الغرب ما يضاهي هذه المحاسن؟؟ على أنني سأورد في ذكر كل جانب ما فيه، فإذا تأمله الناظر بعينه، وتدبره بفهمه، علم أنني لم أعدل عن الإنصاف، ولا قلت
стр. 1505
بالجزاف، وأي حاجة بنا إلى هذا نعوذ بالله من الجور في الحكم، والميل مع كفة الظلم، وقد قلنا ما بجنوب المغرب من معادن الذهب، وفي بر العدوة معادن الفضة، ولكنه لا يعود لها عائد نفع لكثرة ما يخرج على [قلة] (١) ما يتحصل منها مثل معدن الذهب بالدامغان، وما بين مصر وما يليها (ص ٢١) من بلاد السودان معدن الزمرد والزبرجد (٢)، وبالهند معدن زمرد وزبرجد وهو الزمرد الذي يسمى المكي، والذي بجهة مصر أفضل، إن صح أن مصر من بلاد المغرب، فهذا مما لا يجحد من فضائلها، لعظيم نفع الزمرد خصوصا الذبابي منه. وما نصت عليه الأطباء، ولكنه وإن عظم نفعا، وغلا قيمة، فإنه لا يبلغ أكثر من قيمة البلخش، أو بعض أنواع اليواقيت، والذبابي ولو غلا ما غلا، وعلا ما علا لا يبلغ قيمة البهرمان، ولا يدانيه في علو الأثمان، فإن قال: بعض المغاربة: فلم لا ذكرت مع هذه المسميات ما عندنا من البلور والمرجان؟ قلنا له: صحيح، ولكن انظر إلى تفاوت الأثمان، فإن تشبّع بما ليس له، وقال: فأين أنت من الزمرد الذّبابي؟ قلنا له: فأين أنت من الياقوت البهرمان؟؟ وهل يضرب إلا به المثل، وتنشق إلا عليه مرارة الزمرد، ويحمرّ خدّ البلحش من الخجل.
ومع ثبوت هذه المحاسن للشرق فما نسلب من المغرب حلله، ولا ننقصه حقه، ولا ندعي ما ليس له. بالغرب، في وقتنا ملك صبّ على عبّاد الصليب، يدرأ في نحور الأعداء، ويجاهد في سبيل الله من جاوره منهم برا وبحرا، والغرب هو أحد جناحي الأرض، وبه من كرائم الخيل والمعادن، ويقذف بحره
стр. 1506
العنبر (١)، ويجيء منه الشكر لاط (٢) المنوّع، الذي لا يوجد في غير جزائر القطر العربي، والمصطكا والزعفران (٣) المنقول إلى الآفاق، وبه الدّمنج الأفرنتي وأين هو ومتى يوجد؟
وبه أنواع من العقاقير النافعة، والكتان المعدوم المثل إن صح أن مصر في القسم الغربي، على أن الهند والصين ومواضع من فارس بها الزعفران وبأودية سرنديب (٤) البلور، وقد وردت من (ص ٢٢) الآيات والأخبار النبوية في فضل المغرب وجنده، ما جاء مثله أو أزيد في مواضع بالشرق كمكة والمدينة والقدس والشام واليمن، وسنورد في كل موضوع ما يليق به، ونذكر في خصائص كل أرض ما بها،
ولا ننكر أن بالغرب سادة أجلاء، وأئمة فضلاء، من ذوي العلم والحكمة، وأجادوا في النحو والأدب، ومنهم الصلحاء الأفراد، وفيهم بقايا المسكة في الدين، والتشدد في الحق (٥). ولقد كان للأندلس بأهله حلية كأنما شعشعها الأصيل بذهبه، أو حلاّها الأفق بدرره، أو حيّاها النهار بشمسه، وحيّاها الليل بقمره، زمان بني أمية بقرطبة (٦)، وملوك الطوائف بعدهم (٧)،
стр. 1507
وأكثر ما أعنى بني عبّاد (١) بإشبيلية، فلقد كان الأدب بهم غضا جديدا، والإحسان طارقا تليدا، فشتت الدهر جمعهم، وطمس آثارهم، وبدلهم بعبّاد الصليب، والكنائس بالمساجد، والمذابح بالمحاريب (٢)، والله يؤيد من يقوم لاسترجاع هذه الضالة، وانتزاع هذه الأخيذة (٣)، إنه على ما يشاء قدير.
وأما بر العدوة الآن فهو على ما تقدم تفصيل حاله في موضعه، من اتساع الرقعة، وعظم السلطان، وكثرة العساكر والجيوش من شجعان الرجال، المعدود كل واحد منهم بزجال (٤) ممن لا يقص بهم للغرب جناح، ولا يقصر طماح (٥)، وإن لم يكن كالشرق في اليسار، ولا هو من الطائر قادمته اليمين، فهو قادمته اليسار، وفيما ذكرناه كفاية.
стр. 1508
الفصل الثاني في الإنصاف بين المشرق والمغرب على حكم التحقيق
стр. 1509
الفصل الثاني في الإنصاف بين المشرق والمغرب على حكم التحقيق
والذي نقوله على سبيل التحقيق أنّ الذي صوّر في لوح الرسم على ما رسمه صاحب (ص ٢٣) جغرافيا قسمة المعمور على قسمين، شرقي يلاقي فيه خطان وهميان في الطول والعرض على زوايا قائمة، وهما خطا الأطوال والعروض سمّوا ملتقى الخطين حيث انفرق المعمور على قسمين بقبة أرين، وهو وسط خط الاستواء الخارجة عنه الأقاليم إلى الشمال، والمقدّران بإقليمين إلى جهة الجنوب، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في مواضع في هذا الكتاب (١)، فلما قسم المعمورة بقسمين وقع في الغربي منها أشرف البقاع: مكة والمدينة والقدس، والطور ومصر وطور سينا، والمواضع المذكورة بصريح الاسم في القرآن والمدائن المذكورة في الحديث المشهور على قائله أفضل الصلاة والسلام. وأجلّ الأقاليم الغربية كفارس والعراق والشام وجزيرة العرب، ولم يبق للشرق بقية يباهي بها المغرب، على أنّ الأمر ليس كذلك، والله أعلم. فإنّ كلا من الشرق والغرب من حيث هو أمر نسبي، ألا ترى أنّ أهل إفريقية يعدون برّ العدوة غربا، وبرقة شرقا، وأهل برقة يعدّون إفريقية غربا ومصر شرقا، وأهل مصر يعدّون برقة غربا، وأهل الشام شرقا، وأهل الشام يعدّون مصر غربا، والعراق شرقا، وهلمّ جرّا إلى نهاية المشرق، فتبيّن حينئذ أنّ قول الشرق والغرب أمر نسبي، وإذا تبيّن هذا، وقد تقرر أنّ العالم كروي (٢)، وأنّه لا يمتنع أن يكون ما انكشف عنه الماء من الناحية الأخرى مسكونا صار مشرق هذا العالم مغربا لتلك الجهة ومغربه مشرقا،
стр. 1510
فكيف يجوز الإطلاق، ولم يبق إلا المصطلح العرفي (ص ٢٤)، والمغاربة على هذا المصطلح أعني سكان الجانب الغربي عن مصر غاية ما سمت همتهم إليه، وتعلقت أيديهم بنسبته إلى قطرهم هو إقليم مصر. ألا ترى ما قدّمناه في الفصل الذي قبل هذا من قول ابن سعيد أنّ مصر أوّل المغرب والشام أوّل المشرق (١)
وكذلك مما قال في هذا المعنى غير ذلك، وابن سعيد هو واحد فضلائهم في هذا الشأن، ولقد تعصب لأبعد غاية التعصب ووضع في ذلك كتابه المسمى ب (المغرب في حلى المغرب)، ومع هذا فما زاد على ما ذكرنا على أنه لم يأل جهدا، ولا ترك قدرة في المقال، ولو وجد حجة لأتى بها، أو شبهة لاستند إليها، وقال ابن سعيد في كتاب (المشرق في حلى المشرق) (٢) جملة الحد في نسبهم أن الله قسم المشرق من المغرب بالبحار فما كان في شرقي بحر الإسكندرية وخليج القسطنطينية فهو من حساب المشرق (٣) وما كان في غربي ذلك فهو من حساب المغرب.
قال البيهقي: فيكون المشرق على هذا أطول من المغرب، لأن جملة المعمور اثنا عشر ألف ميل (٤)، وطول بحر الإسكندرية إلى وقوفه بسواحل الشام حسب أول المشرق أربعة آلاف ميل (٥)، فيبقى للمشرق ثمانية آلاف ميل، ويعضد ذلك الحساب بالدرج في الطول، وذلك أن العمارة تنتهي