← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

روى عنه عبدان الأهوازي، قال: ما أعدت خطبة منذ عشرين سنة (١). وقال عبدان أيضا ما كان في الدنيا مثل هشام. وقال محمد بن خريم: كان هشام فصيحا (ص ١٠٨) مفوها سمعته يقول في خطبته: قولوا الحقّ ينزلكم الحقّ منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق (٢). وقال هشام: سألت الله سبع حوائج: سألته أن يغفر لي ولوالديّ، فما أدري ما صنع في هذه، وسألته الستة فقضاهنّ لي وهي الحج والعمرة، وأن يعمرني نحو المائة، وأن يجعلني مصدّقا على حديث نبيه، وأن أخطب على منبر دمشق، وأن يرزقني ألف دينار حلالا، وأن يغدو الناس إليّ في طلب العلم، فقيل له من أين لك الذهب؟ قال وجّه المتوكل بولده ليكتب عني لما قدم إلينا، فجلست فانكشف ذكري، فقال الغلام: يا عم استتر. فقلت: رأيته أما إنك لن ترمد فلما دخل على المتوكل ضحك، فسأله فأخبره، فقال: حسن (٣) من الشيخ، احملوا إليه ألف دينار. فحملت إليّ من غير مسألة ولا استشراف نفس (٤)، وكان يخطب ويصلي بالناس الجمعة فقط (٥). قال أبو علي الأصبهاني لما توفي أيوب بن تميم رجعت الإمامة في القراءة إلى رجلين: ابن ذكوان وهشام. قال: وهشام كان مشتهرا بالنقل والفصاحة والعلم والرواية والدراية، رزق كبر السّن وصحة العقل والرأي، فارتحل الناس إليه في

стр. 1682

القراءات والحديث (١). زاد على ابن ذكوان بأخذه القراءة عن الوليد بن مسلم (٢)، وسويد بن عبد العزيز (٣)، وصدقة بن يحيى (٤) وغيرهم، قال البخاري وغيره: مات في آخر المحرّم سنة خمس وأربعين ومائتين (٥). ومنهم ٢٧ - أبو عمر الدوري (٦) واسمه حفص بن عمر بن عبد العزيز بن صهبان، ويقال: صهيب الأزدي البغدادي، المقرئ النحوي الضرير، نزيل (ص ١٠٩) سامراء مقرئ الإسلام، وشيخ العراق في وقته (٧)، والمحيط درّحبه كل كوكب عن سمته، يقال إنه أول من جمع القراءات وألفها، وبين للناس الروايات وأحرفها (٨)، وكان ممن تضرب

стр. 1683

إليه الإبل آباطها (١)، وتشد إليه الكران (٢) مناطها (٣)، وتأتي إليه أفواج الطلبة لا تمدّ عليهم سجوف (٤) المجرة (٥) أنماطها (٦). ولا تفرش لهم إلا نمارق (٧) البيد بساطها، وتقتحم إليه حوامل المزن (٨) ترمي إليه من زناد (٩) البروق أسقاطها، وتخوض إليه لجج الليل لا تستسقي إليه من نجوم الجوزاء أرسيتها (١٠) ولا من كواكب الدلو أقساطها (١١).

стр. 1684

قرأ على إسماعيل بن جعفر، والكسائي، ويحيى اليزيدي (١)، وسمع الحروف من أبي بكر (٢)، وروى عن أحمد بن حنبل، وهو من أقرانه (٣). وطال عمره، وقصد من الآفاق، وازدحم عليه الحذاق لعلو سنده وسعة علمه. قال الدوري: قرأت على إسماعيل بن جعفر ختمة بقراءة أهل المدينة، وأدركت حياة نافع ولو كان عندي عشرة دراهم لرحلت إليه (٤). وقال الأهوازي: رحل الدوري في طلب القراءات، وقرأ بالحروف السبعة وبالشواذ، وسمع من ذلك شيئا كثيرا (٥)، وذهب بصره في آخر عمره، وكان ذا دين وخير (٦). وقال أبو داود: رأيت أحمد بن حنبل يكتب عن عمر الدوري (٧). توفي في شوال سنة ست وأربعين ومائتين (٨).

стр. 1685

ومنهم ٢٨ - أبو شعيب السوسي (١) واسمه صالح بن زياد بن عبد الله بن إسماعيل الرستبي الرقي (٢)، حسبك به من صالح، ومن ابن زياد لأنه بالزيادة رابح، ومن أبي شعيب تشعبت طرق رواته، ومن رستبي ينمي في ثدي إسماعيل (٣) عرق شجراته (٤)، قرأ وسمع وتبع وتبع، وجمع القراءة ثم له جمع، ما عرف (ص ١١٠) قبله، رقيّ ترهف الأبصار نواحيه، ولا سوسي غيره لا يرغب إلا فيه. قرأ القرآن على اليزيدي (٥)، وسمع بالكوفة عبد الله بن نمير وأسباط بن محمد، وبمكة سفيان بن عيينة. وقرأ عليه جماعة (٦)، وأخذ عنه الحروف أبو عبد الرحمن النسائي (٧). قال المروذي: أخبرت أحمد بن حنبل أنّ أبا شعيب السوسي الرقي زوج بنته رجلا، فلما وقف في القرآن فرّق بينه وبين ابنته، وقد كان شاور النفيلي فأمره أن يفرّق بينهما.

стр. 1686

فقال أحمد: أحسن السوسي، عافاه الله (١) ومات السّوسي في أول سنة إحدى وستين ومائتين. وقد قارب تسعين سنة (٢). ومنهم ٢٩ - قنبل مقرئ أهل مكة (٣) أبو عمر محمد بن عبد الرحمن المخزومي، مولاهم المكي (٤)، والبحر الزاخر لا الدّكي (٥) كأنه ما سمّي قنبل إلا فراسة صدقت بأنه ينبل، رزن وقد خفّت الأجبل، وجمع وقد أنبتت الأحبل، وقرأ بمكة المعظمة وولي شرطتها، وما نقصه ولايتها، ولا غصّصه غايتها (٦)، وكان بها في سرّة بطائحها تسبل عليه الكعبة الغرّاء ستورها، وتشكر الصّفا والمروة لمساعيه بينهما مرورها، وتشرق به ليالي مني حتى كأنّها منه بسنا الصّباح تطرّف، وتشرف منه ثنية كدى

стр. 1687

وكداء (١) على ما لا ينفرد به جمع ولا ينكره المعرّف. جوّد القراءة على أبي الحسن القوّاس (٢)، وأخذ القراءة عن البزّي أيضا، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالحجاز (٣)، وقرأ عليه خلق كثير، منهم أبو بكر بن مجاهد، وأبو الحسن بن شنبوذ. وولي الشرطة بمكة في وسط عمره فحمدت سيرته، ثم إنه طعن في السّن وشاخ، وقطع الإقراء قبل موته بسبع سنين (٤)، قيل إنه كان يستعمل دواء يسقى للبقر يسمى قنيبل، فلما أكثر (ص ١١١) من استعماله عرف به، ثم خفف وقيل قنبل. وقيل هو من قوم يقال لهم القنابلة (٥). مولده سنة خمس وتسعين ومائة، وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائتين (٦). ومنهم: ٣٠ - أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد شيخ العصر أبو بكر البغدادي (٧) الأستاذ مصنف كتاب القراءات السبعة (٨)، ومشنف من أمال إليه سمعه، لم

стр. 1688

يكن أكثر منه عدد طالب (١)، ومدد راغب، وجدد فوائد تغصّ بها المذاهب، منور الآناء بقراءة لا يونّي في تلاوتها، ولا يولي وجهه صادا عن إبلاغ أمانتها، حتى قصد من شاسع الأرجاء (٢)، وأقدم على التحصيل منه طامع الرجاء، وكان عصره به ضحى، وبقي فضله أثرا على جبين الدهر إلا أنه ما انمحى. قرأ على ابن عبدوس عشرين ختمة، وعلى قنبل المكي، وسمع القراءات من طائفة كثيرة، ذكرهم في صدر كتابه، وسمع للحديث وتصدر للإقراء، وازدحم عليه أهل الأداء، ورحل إليه من الأقطار، وبعد صيته، وفاق في عصره سائر نظرائه من أهل صناعته، مع اتساع علمه وبراعة فهمه، وصدق لهجته، وظهور نسكه (٣). وتصدر للإقراء في حياة محمد بن يحيى الكسائي الصغير (٤). قال أبو الحسن بن سالم البصري: سمعت ابن مجاهد يقول: رأيت ربّ العزة في المنام فختمت عليه ختمتين، فلحنت في موضعين فاغتممت. فقال يا ابن مجاهد الكمال لي الكمال (لي) (٥).

стр. 1689

وحكى ابن الأخرم أنه دخل بغداد فرأى في حلقة ابن مجاهد نحوا من ثلاث مائة متصدر (٢)، وسأل رجل أبا بكر بن مجاهد: لم لا يختار الشيخ لنفسه حرفا يحمل عنه؟؟ فقال نحن إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا أحوج منا إلى اختيار حرف (ص ١١٢) يقرأ به من بعدنا (٣). وانفرد ابن مجاهد عن قنبل بعشرة أحرف لم يتابع عليها. وكان في حلقته أربع وثمانون خليقة يأخذون عن الناس (٤)، وخمسة عشر رجلا أضرّاء (٥) يتلقّنون لعاصم (٦). ومولده سنة خمس وأربعين ومائتين بسوق العطش ببغداد، وتوفي في شعبان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة (٧).

стр. 1690

ومنهم: (١٣) ٣١ - محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت (١) ابن شنبوذ (٢) البغدادي (٣). شيخ الإقراء بالعراق مع ابن مجاهد (٤)، ذو الرحلة التي وسعت الدنى حتى لم يجد مركنا (٥)، ودعت إليه علنا، ورعت حقه حين صوبت إليه أسنة الأعداء ألسنا (٦)، كان رجلا متبحرا، وعالما متكثرا، إلا أنه ما سلم من عثرة راعى له فيها دينه، فأقيلت (٧)، وزلة لم يكن قصدها، فإنها قيلت. قرأ القرآن على عدد كثير بالأمصار، وكان يرى جواز الصلاة (٨) بما جاء في

стр. 1691

مصحف أبي (١)، ومصحف ابن مسعود (٢)، وبما صح في الأحاديث، ويتعاطى ذلك، وكان ثقة في نفسه صالحا ديّنا، متبحرا في هذا الشأن، لكنه كان يحط على ابن مجاهد، ويقول: هذا العطشي (٣) لم تغبّر قدماه في طلب العلم - يعني أنه لم يرحل من بغداد -، وليس الأمر كذلك، قد حج وقرأ على قنبل (٤)، ولكن أين هو من سعة رحلة ابن شنبوذ، ولقيّه الأعيان في الأقطار؟ وكان ابن شنبوذ إذا أتاه رجل من القراء، قال له: هل قرأت على ابن مجاهد؟ فإن قال: نعم، لم يقرئه. (٥) قال أبو عمرو الداني (٦): حدّثت (٧) عن إسماعيل بن عبد الله الأشعري، حدثنا أبو القاسم بن زنجي الكاتب الأنباري قال: حضرت مجلس أبي علي بن مقلة (٨) -

стр. 1692

وزير الراضي (١) - وقد أحضر ابن شنبوذ، وجرت معه مناظرات في حروف حكي عنه أنه يقرأ بها، وهي شواذ (٢)، فاعترف بها بما عرف، مما عمل به محضر بحضرة (ص ١١٣) أبي علي بن مقلة، وأبي بكر بن مجاهد، ومحمد بن موسى الهاشمي، وأبي أيوب محمد بن أحمد - وهما يومئذ شاهدان مقبولان -. نسخة المحضر (٣): سئل محمد بن أحمد المعروف بابن شنبوذ عما حكي عنه أنه يقرؤه، وهو: (فامضوا إلى ذكر الله) (٤) فاعترف به، وعن (تجعلون شكركم أنكم

стр. 1693

تكذبون) (١) فاعترف به، وعن (كل سفينة صالحة غصبا) (٢) فاعترف به، وعن (اليوم ننحيك ببدنك) (٣) فاعترف به، وعن: (تبت يدا أبي لهب وقد تب) (٤)، فاعترف به، وعن (فلما خرّ تبينت الأنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين) (٥) فاعترف به، وعن (الذكر والأنثى) (٦) فاعترف به، وعن: (فقد كذب الكافرون فسوف يكون

стр. 1694

لزاما) (١)، وعن: ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَأُولائِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)، وعن ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ (٣) فاعترف بذلك (٤). وفيه: اعترف ابن شنبوذ بما في هذه الرقعة بحضرتي، وكتب ابن مجاهد بيده يوم السبت لست خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. ونقل ابن الجوزي (٥) - وغير واحد - في حوادث سنة ثلاث هذه أن ابن شنبوذ أحضر، وأحضر عمر بن محمد بن يوسف القاضي، وابن مجاهد، وجماعة من القراء، ونوظر، فأغلظ للوزير في الخطاب، وللقاضي، ولابن مجاهد، ونسبهما إلى قلة المعرفة، وأنهم ما سافروا في طلب العلم كما سافر، فأمر الوزير بضربه سبع درر (٦) وهو يدعو على الوزير بأن يقطع الله يده، ويشتت شمله، ثم

стр. 1695

أوقف على الحروف التي يقرأ بها، فأهدر منها ما كان شنعا (١)، وتوبوه عن التلاوة بها غصبا (٢)، وقيل: إنه أخرج من بغداد، فذهب إلى البصرة (٣). (ص ١١٤). ثم إن ابن مقلة عزل بعد نكبة الشيخ بسنة واحدة، فجرى عليه من الإهانة بالضرب، والتعليق والمصادرة أمر عظيم، ثم آل أمره إلى قطع يده ولسانه. وابن شنبوذ ما كان مصيبا فيما ذهب إليه، لكن خطأه في واقعة لا يسقط حقه من حرمة أهل القرآن والعلم، وكان الرفق أولى به من إقامته مقام الذعّار (٤) والمفسدين، وكان اعتقاله والإغلاظ له كافيا (٥). وذكر ابن خلكان (٦) أن ابن شنبوذ كتب بخطه ما صورته: يقول محمد بن أحمد بن أيوب - المعروف بابن شنبوذ - ما في هذه الرقعة صحيح، وهو قولي، واعتقادي، وأشهد الله ، وسائر من حضر على

стр. 1696

نفسي بذلك، وكتب بخطه، فمتى خالفت ذلك، أو بان مني غيره، فأمير المؤمنين في حل من دمي وسعة، وذلك يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، في مجلس الوزير أبي علي بن مقلة أدام الله توفيقه. وكلم أبو موسى السمسار (١) الوزير أبي علي في أمره، وسأله إطلاقه، وعرفه أنه إن صار إلى منزله قتلته العامة، وسأله أن ينفذه في الليل سرا إلى المدائن (٢). وتوفي ابن شنبوذ يوم الاثنين لثلاث خلون من صفر سنة ثمان وعشرين، وثلاثمائة (٣). وفيها هلك ابن مقلة. ومنهم: ٣٢ - محمد بن النضر بن مرّ بن الحر الربعي الإمام أبو الحسن ابن الأخرم الدمشقي (٤). سيد ربيعة (٥)، وسند أهل الشريعة، وابن الحر الذي ما مسه رق الصنيعة،

стр. 1697

والفاخرة دمشق بطلوع نيّره (١) المحمدي في أفقها، والرابية جناتها المزخرفة من أبيه النضر أينع من ورقها، والمتصدر والناس دونه، والإمام وسهيل (٢) قائم، وصفوف النجوم وراءه تتمنى أن تكونه (ص ١١٥). قرأ على هارون بن موسى بن شريك (٣)، وجعفر بن أحمد بن كزاز (٤)، وأحمد بن نصر بن شاكر (٥).، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالشام، وكانت له حلقة عظيمة، وتلامذة جلة. قال أبو عمرو الداني: روى القراءة عنه عرضا جماعة لا يحصى عددهم (٦). قال علي بن داود (٧): لما قدم ابن الأخرم بغداد حضر مجلس ابن مجاهد، فقال لأصحابه: هذا صاحب الأخفش الدمشقي فاقرؤوا عليه.

стр. 1698

قال الشنبوذي (١): قرأت على أبي الحسن ابن الأخرم، فما رأيت (٢) أحسن معرفة منه بالقرآن، ولا أحفظ، وكان مع ذلك يحفظ تفسيرا كثيرا، ومعاني، قال لي: إن الأخفش لقنه (٣) القرآن. وقال عبد الباقي بن الحسن (٤): قال لي ابن الأخرم: قرأت على الأخفش، وكان يأخذ علي في منزلي. قال عبد الباقي: كان أبوه يخلّص (٥) للأخفش رزقه من السلطان في كل سنة. وحكى الأهوازي (٦) عن ابن الأخرم قال: قدمت بغداد سنة عشرين وثلاثمائة في وفد الدمشقيين، فأتيت مسجد ابن مجاهد فحزرت (٧) أن فيه ثلاثمائة متصدر، ولم أجد فيه موضعا، فجلست في أقصاه، فسمعت رجلا يقرأ على واحد منهم لابن عامر (٨)، ويغلط فيه، فرددت عليه، فانتهرني، وصاحوا علي فخرجت، فإذا بخياط، فجلست إليه ليخيط خرقا في درّاعتي (٩)، فقال:

стр. 1699

من أين أنت؟ فقلت: من الشام، جئت إلى ابن مجاهد، فلم أصل إليه. قال: له امرأة شامية، فامض وسل عنها. فمضيت، وسألت عنها، فخرجت جارية، فقالت: من أي موضع أنت بدمشق؟ قلت: من قينية (١) - وكانت قائمة وراء الباب تسمع - فقالت: - هي بنفسها -: كيف مولاي أبو الحسن ابن الأخرم، وأخوه؟ قلت: أنا هو، ففرحت بي فرحا كادت أن تظهر لي، وأخذت تسألني عن (ص ١١٦) أهلي، وجيراني، وقالت: ألك حاجة؟ قلت: أريد أن أقرأ على الشيخ. قالت: إذا كان من الغد، فاذهب إلى المسجد، فإنك تصل إلى ما تريده. فلما أصبحت وقفت على باب المسجد، فإذا الشيخ قد أومأ إلي بالدخول، وإذا جماعة من أصحابه قد تبادروا إلي، ووسعوا لي، فلما جلست، قال: أنت ابن الأخرم؟ قلت: نعم. فأخذ يسألني عن الحروف، وأنا أجيبه عن الغريب، وعن الشواذ، وعن معاني ذلك، فجذبني إلى عنده، وأقعدني بجنبه، ثم قال لأصحابه: هذا صاحب الأخفش. فلما قام ابن مجاهد، اجتمع إليّ جميع أصحابه، وقرأوا علي، وأدخلني ابن مجاهد على الوزير ابن عيسى (٢)، فقضى حوائجنا (٣)، وألزمني الوزير بالمقام

стр. 1700

عنده، فلم أزل ببغداد سبع سنين، وبالجهد حتى أذن لي وقت وفاة أخي بالرجوع إلى دمشق قال أبو القاسم بن عساكر (١): طال عمر ابن الأخرم، وارتحل الناس إليه، وكان عارفا بعلل القراءات، بصيرا بالتفسير والعربية، متواضعا، حسن الأخلاق، كبير الشأن. (٢) قال محمد بن علي السلمي: قمت ليلة المؤذن الكبير (٣) لأخذ النوبة على ابن الأخرم، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئا، فلم أدرك النوبة إلى العصر. وتوفي ابن الأخرم سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وقيل سنة اثنتين. وقال عبد الباقي بن الحس؟؟؟: توفي بعد سنة أربعين، وصليت عليه في المصلى بعد الظهر، وكان يوما صائفا وصعدت غمامة على جنازته من المصلى إلى قبره، فكانت شبه الآية له (٤). ﵀، ومولده سنة ستين ومائتين (٥).

стр. 1701

ومنهم: ٣٣ - عبد الواحد بن عمر بن محمد (١) بن أبي هاشم (٢) أبو طاهر (ص ١١٧) البغدادي المقرئ. أحد الأعلام ومصنف كتاب البيان،، ومن انتهى إليه الحذق بأداء القرآن، تنصت لتلاوته، وينصف إذا قيل الزخرف من بدائعه، وجنى النحل من حلاوته، ذو فضل لو تمثل لتهدلت أفنانه بالثمر، وفعل ما ذا يقال عنه إلا ما يحدث عن ابن عمر. قرأ القرآن على أحمد بن سهل الأشناني (٣)، وجماعة. وقرأ القرآن على ابن مجاهد. وأطنب أبو عمرو الداني في وصفه، وقال: لم يكن بعد ابن مجاهد مثله في علمه وفهمه مع صدق لهجته واستقامة طريقته، قرأ عليه خلق كثير، وكان ينتحل في النحو مذهب الكوفيين، وكان بارعا فيه. قال القفطي في تاريخ النحاة (٤): قرأ كتاب سيبويه (٥) على ابن

стр. 1702

درستويه (١) الفارسي، ولم ير بعد ابن مجاهد في القراءة مثله. قال الداني: سمعت عبد العزيز الفارسي (٢) يقول: لما توفي ابن مجاهد (٣) يوم موته أجمعوا على أن يقدموا شيخنا أبا طاهر، فتصدر للإقراء في مجلسه، وقصده الأكابر، فتحلقوا عنده، وكان قد خالف أصحابه في إمالة الناس لأبي عمرو (٤)، وكانوا ينكرون ذلك عليه. قال الخطيب (٥): كان ثقة أمينا. ومات في شوال سنة تسع وأربعين وثلاثمائة. وقال غيره: عاش سبعين سنة.

стр. 1703

ومنهم: ٣٤ - محمد بن الحسن بن محمد بن زياد أبو بكر النقاش الموصلي ثم البغدادي (١) المقرئ المفسر أحد الأعلام. فضله البحر الذي ما زجر (٢)، وعلمه النقش في الحجر، فهما يجلي الغبش، وثباتا لا يمحو الدهر منه ما نقش، يفوق نقشه ما تتزين به الخدود، وتتسهم البرود (٣)، وينقش شبيهه الغمام الصناع زخرفا في حلل الروض المجود (٤). ولد سنة ست (ص ١١٨) وستين ومائة، وعني بالقراءات من صغره وسمع الحروف من جماعة كبيرة، وطاف في الأمصار، وتجول في البلدان، وكتب الحديث وقيد السنن، وصنف المصنفات (٥) في القراءات والتفسير، وطالت أيامه

стр. 1704

فانفرد بالإمامة في صناعته، مع ظهور نسكه وورعه، وصدق لهجته، وبراعة فهمه، وحسن اضطلاعه، واتساع معرفته. روى القراءة عنه عرضا خلق الحصى عددهم. قال أبو بكر الخطيب: كان النقاش عالما بالحروف، حافظا للتفسير، صنف التفسير، وكتبا في القراءات، وغيرها، وسافر الكثير شرقا وغربا وكتب بمصر والشام والجزيرة وخراسان وما وراء النهر، وفي حديثه مناكير (١) بأسانيد مشهورة (٢). وقال الداني: سمعت عبد العزيز بن جعفر يقول: كان النقاش يقصد في قراءة ابن كثير (٣)، وابن عامر (٤) لعلو إسناده (٥) وكان له بيت ملآن كتبا، وكان الدارقطني يستملي له، وينتقي من حديثه، وقد حدث عنه ابن مجاهد، وكان حسن الخلق، ذا سخاء. وقال أبو الحسين القطان (٦): حضرت أبا بكر النقاش، وهو يجود بنفسه في

стр. 1705

ثالث شوال سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، فجعل يحرك شفتيه، ثم نادى بأعلى صوته ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ اَلْعامِلُونَ﴾ (١) يرددها، ثم خرجت نفسه ﵀ (٢). ومنهم: ٣٥ - محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو الفرج البغدادي (٣) المقرئ الشنبوذي غلام ابن شنبوذ (٤). وإمام فضل عنه مأخوذ، [و] علم علم نافع، وأدب واسع، وطلب وجّه ركابه إلى كل شاسع، وحفظ لا يتخونه النسيان، وزكي من العلم مورود، لا يبلغ حاجته منه الصديان (٥)، حصل ما قصّر دونه جهد ابن مجاهد، وعزّ على ابن شنبوذ أن يأتي منه بشاهد، وانخرم على ابن الأخرم به نظامه، ونفذ (ص ١١٩) إلى نفطويه (٦) منه ما أحرقه ضرامه.

стр. 1706

ولد أبو الفرج سنة ثلاثمائة، وقرأ على ابن شنبوذ، وابن مجاهد، وإبراهيم نفطويه، وابن الأخرم، وغيرهم، وأكثر الترحال في طلب القراءات وتبحر فيها، واشتهر اسمه، وطال عمره، وقرأ عليه خلق، وكان عالما بالتفسير، وعلل القراءات (١) قال أبو بكر الخطيب: سمعت (٢) عبيد الله بن أحمد (٣) يذكر الشنبوذي، فعظم أمره (٤) وقال: سمعته يقول: أحفظ خمسين ألف بيت من الشعر شواهد للقرآن (٥). وقال أبو عمرو الداني: مشهور، نبيل، حافظ، ماهر، حاذق، كان يتجول في البلدان، سمعت عبد العزيز بن علي المالكي يقول: دخل أبو الفرج - غلام شنبوذ - على عضد الدولة (٦) زائرا، فقال له: يا أبا الفرج، إن الله يقول ﴿يَخْرُجُ﴾

стр. 1707

﴿مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ (١) ونرى العسل يأكله المحرور (٢) فيتأذى به، والله الصادق في قوله؟ قال: أصلح الله الملك، إن الله لم يقل فيه الشفاء - بالألف واللام - اللذين يدخلان لاستيفاء الجنس، وإنما ذكره منكّرا، فمعناه فيه شفاء لبعض الناس دون بعض (٣). قال التنوخي: توفي أبو الفرج في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة (٤). ومنهم: ٣٦ - علي بن داود أبو الحسن (٥) الداراني (٦) القطّان (٧) إمام جامع دمشق ومقرئه، حقيق أن يتنافس الناس على إمامته وتتحاسد

стр. 1708

الأرض على إقامته، وتوجأ (١) أعناق المنابر إليه متلفتة، وتهدأ له هام المحاريب مخبتة، قطع الدنيا زهدا، وعاش في الأنام فردا، ما وقعت العيون عل صفاته الممثلة، ولا رأت في كل داراني مثل قطوفه المهدلة. (١٢٠) ولا أتى عنقود الثريا (٢) منه بحبة، ومما (٣) استعان بالسنبلة (٤)، ولا ادعت جني كرمه الكرام، ولا طمعت في رشف ريقته الآثام، ولا سمعت له قهقهة إبريق لأن الداراني لا يعصر منه المدام (٥). قرأ القرآن بالروايات على طائفة منهم: ابن الأخرم، وسمع من جماعة وقرأ عليه آخرون. قال رشأ بن نظيف (٦): لم ألق مثله حذقا وإتقانا في رواية ابن

стр. 1709

عامر (١). وقال عبد المنعم النحوي: خرج القاضي أبو محمد العلوي (٢)، وجماعة من الشيوخ إلى داريّا، إلى ابن داود، فأخذوه ليؤم بجامع دمشق في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وجاءوا به بعد أن منعهم أهل داريا، وتنافسوا. قال الحافظ ابن عساكر: سمعت ابن الأكفاني (٣) يحكي عن بعض مشايخه (٤) أن أبا الحسن بن داود كان إمام داريا، فمات إمام الجامع، فخرج أهل البلد إلى داريا ليأتوا به، فلبس أهل داريا السلاح، وقالوا: لا نمكنكم من أخذ إمامنا، فقال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي نصر (٥): يا أهل داريا، ألا ترضون أن يسمع في البلاد أن أهل دمشق احتاجوا إليكم في إمام (٦)؟ فقالوا: رضينا، فقدمت له بغلة القاضي، فأبى، وركب حماره (٧)، ودخل معهم، فسكن في

стр. 1710

المنارة الشرقية، وكان يقرأ بشرقي الرواق الأوسط، ولا يأخذ على الإمامة رزقا، ولا يقبل ممن يقرأ عليه برا، ويقتات من غلة أرض له بداريا، ويحمل ما يكفيه من الحنطة (١)، ويخرج بنفسه إلى الطاحون، فيطحنه، ثم يعجنه ويخبزه، وانتهت إليه الرئاسة في قراءة الشاميين، ومضى على سداد، وكان يذهب مذهب أبي الحسن الأشعري (٢). وتوفي في جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعمائة (٣)، وقد نيف على الثمانين (٤).

стр. 1711

(ص ١٢١) ومنهم: ٣٧ - علي بن أحمد بن عمرو بن حفص (١) أبو الحسن ابن الحمامي (٢) البغدادي. مقرئ العراق، ومسند الآفاق، وصدر قرّاء دار الخلافة بالاستحقاق، وشمس الشرق المشرقة بالعراق في أفق بغدادها، وبدر بلادها المتألق في جنح سوادها، ا لساطع بصاحبه الذي لا يمشي في ضوئه مريب، والطالع كوكبه الذي لا يخاف عليه مغيب، والجامع فضله الذي استمد منه جني الخطيب. قرأ على النقاش (٣)، وجماعة، وبرع في الفن، وسمع الحديث من خلق كثير، وحدث عنه أبو بكر الخطيب، والبيهقي (٤)، وطراد الزينبي (٥)، وغيرهم.

стр. 1712

قال الخطيب: كان صدوقا، ديّنا، فاضلا تفرد بأسانيد القراءات، وعلوها (١). مولده سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وتوفي في شعبان سنة سبع عشرة، وأربعمائة، وهو في تسعين سنة (٢). ومنهم: ٣٨ - أبو علي (٣) الأهوازي (٤) واسمه: الحسن بن علي بن إبراهيم المقرئ الأستاذ المحدث. بقي سهما في الكنانة (٥) واحدا، ومخلفا لأهل جيله فاقدا، وأتته الوفود

стр. 1713

تحث قلاصها (١)، وتتمايل فوق ظهور المطي (٢) أشخاصها، حتى انتهى به أجله، وارتمى إلى الغاية أمله، فأوتر له هلال الأجل قوسه، ثم رمى به إلى هدف ترابه، وأطاحه، وما نجا به ريش العقاب كاسره، ولا جرّه، وكان لابد أن سيرمى به، أو يكسر السهم كاسره. ولد سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، وقدم دمشق سنة إحدى وتسعين فاستوطنها، وكان أعلى من بقي في الدنيا إسنادا في القراءات (٣)، عني بالرواية والأداء من صغره، وصنف عدة (ص ١٢٢) كتب في القراءات، ورحل إليه القراء لتبحره في الفن، وعلو إسناده، وكان عالي الرواية في الحديث أيضا، وله تواليف في الحديث، فيها أحاديث واهية، وله أيضا مصنف في الصفات (٤)، أورد فيه أحاديث موضوعة، فتكلم فيه الأشعريون لذلك، ولأنه كان ينال من أبي الحسن الأشعري، ويذمه (٥).

стр. 1714

قال ابن عساكر: (١) كان يقول بالظاهر، ويتمسك بالأحاديث الضعيفة (٢)، وقد تلقى القراء رواياته بالقبول، وكان يقرئ بدمشق في حياة بعض شيوخه من بعد سنة أربعمائة. وتوفي في رابع ذي الحجة سنة ست وأربعين وأربعمائة. ومنهم: ٣٩ - عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن (٣) بن بندار (٤) الرازي (٥) العجلي (٦) المقرئ، أبو الفضل، أحد الأعلام، وشيخ الإسلام. قطع الأرض شتاتا،

стр. 1715

ولقي الناس أشتاتا (١)، وقنع باليسير، لا يملك بياتا، مع كسب له في عجل إلا أنه هدى قومه، وما أضل، وقضى يومه في الرشد، وظل، ولو بصر به السامري لحدثه عن موسى - صلوات الله عليه - بالأثر المنقول، وقال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ اَلرَّسُولِ﴾ (٢) بل لو رأى هو قريبه أبا دلف العجلي (٣) لم يجعل له دالة بالقرى عليه، ولتنحى عن سحابه لئلا يدب دلف كرمه الدلفي إليه. وزد أن مولده بمكة، وما زال يتنقل في البلاد على قدم التجريد، والأنس بالله. قال أبو سعد السمعاني (٤): كان مقدما فاضلا كثير التصانيف حسن السيرة، زاهدا متعبدا، خشن العيش، منفردا، قانعا باليسير يقرئ أكثر أوقاته، ويروي الحديث، وكان يسافر وحده، ويدخل البراري. سمع بمكة والري، ونيسابور، وأصبهان، وطوس، وجرجان وبغداد،

стр. 1716

والكوفة والبصرة ودمشق، ومصر .. قال: (ص ١٢٣) وكان الشيوخ يعظمونه، وكان لا ينزل الخوانق (١)، بل يأوي إلى مسجد خراب، فإذا عرف مكانه تركه، وإذا فتح عليه بشيء آثر به. قال يحيى بن منده (٢) في تاريخه: قرأ على (٣) جماعة، وخرج من أصبهان إلى كرمان، وحدث بها، وبها مات، وهو ثقة ورع، متدين عارف بالقراءات، والروايات، عالم بالآداب، والنحو أكبر من أن يدل عليه مثلي، وهو أشهر من الشمس، وأضوأ من القمر، ذو فنون من العلم، مهيب، منظور، فصيح، حسن الطريقة. بلغني أنه ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. وله شعر رائق في الزهد. وقال أبو عبد الله الخلال (٤): لما توجه أبو الفضل من أصبهان إلى كرمان خرج الناس يشيعونه، فصرفهم، وقصد الطريق وحده، وقال: [الطويل] إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا … كفى لمطايانا بذكراك حاديا قال الخلال: وكان في طريق، ومعه خبز، وشيء من الفانيذ (٥)، فقصده

стр. 1717

قطاع الطريق، وأرادوا أن يأخذوا ذلك، فدفعهم بعصاه، فقيل له في ذلك، فقال: إنما منعتهم منه لأنه كان حلالا، وربما كنت لا أجد حلالا مثله. ودخل كرمان في هيئة رثة (١)، فحمل إلى الملك، وقالوا جاسوس، فسأله الملك: ما الخبر؟ فقال: إن كنت تسألني عن خبر الأرض ف ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ (٢) وإن كنت تسألني عن خبر السماء ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٣) فتعجب الملك من كلامه، وهابه، وأكرمه، وعرض عليه مالا، فلم يقبله. وتوفي (٤) في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وأربعمائة. ومنهم: ٤٠ - أبو علي (٥) - غلام الهراس (٦) - واسمه: الحسن بن القاسم ابن علي (ص ١٢٤) الواسطي (٧) المقرئ

стр. 1718

شيخ القراء، ومسند العراق، ومسار الركائب إليه من الآفاق، خلّف بعد جيله، وخلي فردا في قبيله، وأقام بمكة شرفها الله لاجئا إلى أبطحها، حائلا في أنيق مسرحها، حتى كان يقال له: إمام الحرمين. لتقدمه على أهل زمانه، وتأخرهم، وهو نزيل ذلك الحرم، ومصدّر ذلك المحراب الذي هو قبلة الأمم. ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، ورحل في القراءات شرقا وغربا، وقرأ على صاحب ابن مجاهد، وعمّر، وتأخرت وفاته عن رفقائه، وقرأ بالروايات قبل الأربعمائة، وبعدها على طائفة بواسط، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وحرّان، ومصر، وقرأ بدمشق على أبي علي الأهوازي (١)، وغيره، وتصدر للإقراء بدمشق في حياته، ثم حج، وجاور، وكان بفرد عين، ثم شاخ وعمي (٢)، ورحل الناس إليه من الآفاق وقرءوا عليه وكان يلقب "إمام الحرمين". وتوفي (٣) يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى سنة ثمان وستين وأربعمائة.

стр. 1719

ومنهم: ٤١ - أبو الطاهر (١) بن سوار (٢) الضرير الحنفي صاحب المستنير في القراءات العشر، أحد الحذاق المنور قلبه لا بصره، المسور، وما أسواره المنيعة إلا سوره، ابن سوّار، ومن للهلال أن يكون له سوارا، أبو طاهر كناية عن التصريح أنه المطهر إزارا، المأخوذ عنه كتاب الله يندى غضارة (٣)، وينأى أن يجف نضاره (٤)، القاهر هوى شهواته في طلبه، القائم به في قهر الأعداء متحصنا بيلبه (٥). ولد سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. وقرأ القراءات (٦) على عتبة بن عبد الملك العثماني (٧)، وأبي علي الشرمقاني (٨)، والحسن بن علي العطار (٩)، وجماعة

стр. 1720

وسمع الحديث (ص ١٢٥) الكثير من طائفة، وقرأ عليه القرآن أبو علي بن سكرة الصدفي (١)، وجماعة، وحدث عنه آخرون. قال ابن سكرة: هو حنفي المذهب، ثقة، خير، حبس نفسه على الإقراء، والتحديث. وقال ابن ناصر (٢): نبيل ثقة، ثبت، متقن. وقال السمعاني: كان ثقة أمينا، مقرئا، حسن الأخذ للقرآن، ختم عليه جماعة كتاب الله، وكتب بخطه الكثير من الحديث. قال السلفي (٣): سمعت منه معظم المستنير. وتوفي في شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة ببغداد (٤). واسمه: أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن سوار البغدادي.
следующие страницы →