← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

والكوفة والبصرة ودمشق، ومصر .. قال: (ص ١٢٣) وكان الشيوخ يعظمونه، وكان لا ينزل الخوانق (١)، بل يأوي إلى مسجد خراب، فإذا عرف مكانه تركه، وإذا فتح عليه بشيء آثر به. قال يحيى بن منده (٢) في تاريخه: قرأ على (٣) جماعة، وخرج من أصبهان إلى كرمان، وحدث بها، وبها مات، وهو ثقة ورع، متدين عارف بالقراءات، والروايات، عالم بالآداب، والنحو أكبر من أن يدل عليه مثلي، وهو أشهر من الشمس، وأضوأ من القمر، ذو فنون من العلم، مهيب، منظور، فصيح، حسن الطريقة. بلغني أنه ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. وله شعر رائق في الزهد. وقال أبو عبد الله الخلال (٤): لما توجه أبو الفضل من أصبهان إلى كرمان خرج الناس يشيعونه، فصرفهم، وقصد الطريق وحده، وقال: [الطويل] إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا … كفى لمطايانا بذكراك حاديا قال الخلال: وكان في طريق، ومعه خبز، وشيء من الفانيذ (٥)، فقصده

стр. 1717

قطاع الطريق، وأرادوا أن يأخذوا ذلك، فدفعهم بعصاه، فقيل له في ذلك، فقال: إنما منعتهم منه لأنه كان حلالا، وربما كنت لا أجد حلالا مثله. ودخل كرمان في هيئة رثة (١)، فحمل إلى الملك، وقالوا جاسوس، فسأله الملك: ما الخبر؟ فقال: إن كنت تسألني عن خبر الأرض ف ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ (٢) وإن كنت تسألني عن خبر السماء ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٣) فتعجب الملك من كلامه، وهابه، وأكرمه، وعرض عليه مالا، فلم يقبله. وتوفي (٤) في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وأربعمائة. ومنهم: ٤٠ - أبو علي (٥) - غلام الهراس (٦) - واسمه: الحسن بن القاسم ابن علي (ص ١٢٤) الواسطي (٧) المقرئ

стр. 1718

شيخ القراء، ومسند العراق، ومسار الركائب إليه من الآفاق، خلّف بعد جيله، وخلي فردا في قبيله، وأقام بمكة شرفها الله لاجئا إلى أبطحها، حائلا في أنيق مسرحها، حتى كان يقال له: إمام الحرمين. لتقدمه على أهل زمانه، وتأخرهم، وهو نزيل ذلك الحرم، ومصدّر ذلك المحراب الذي هو قبلة الأمم. ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، ورحل في القراءات شرقا وغربا، وقرأ على صاحب ابن مجاهد، وعمّر، وتأخرت وفاته عن رفقائه، وقرأ بالروايات قبل الأربعمائة، وبعدها على طائفة بواسط، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وحرّان، ومصر، وقرأ بدمشق على أبي علي الأهوازي (١)، وغيره، وتصدر للإقراء بدمشق في حياته، ثم حج، وجاور، وكان بفرد عين، ثم شاخ وعمي (٢)، ورحل الناس إليه من الآفاق وقرءوا عليه وكان يلقب "إمام الحرمين". وتوفي (٣) يوم الجمعة السابع من جمادى الأولى سنة ثمان وستين وأربعمائة.

стр. 1719

ومنهم: ٤١ - أبو الطاهر (١) بن سوار (٢) الضرير الحنفي صاحب المستنير في القراءات العشر، أحد الحذاق المنور قلبه لا بصره، المسور، وما أسواره المنيعة إلا سوره، ابن سوّار، ومن للهلال أن يكون له سوارا، أبو طاهر كناية عن التصريح أنه المطهر إزارا، المأخوذ عنه كتاب الله يندى غضارة (٣)، وينأى أن يجف نضاره (٤)، القاهر هوى شهواته في طلبه، القائم به في قهر الأعداء متحصنا بيلبه (٥). ولد سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. وقرأ القراءات (٦) على عتبة بن عبد الملك العثماني (٧)، وأبي علي الشرمقاني (٨)، والحسن بن علي العطار (٩)، وجماعة

стр. 1720

وسمع الحديث (ص ١٢٥) الكثير من طائفة، وقرأ عليه القرآن أبو علي بن سكرة الصدفي (١)، وجماعة، وحدث عنه آخرون. قال ابن سكرة: هو حنفي المذهب، ثقة، خير، حبس نفسه على الإقراء، والتحديث. وقال ابن ناصر (٢): نبيل ثقة، ثبت، متقن. وقال السمعاني: كان ثقة أمينا، مقرئا، حسن الأخذ للقرآن، ختم عليه جماعة كتاب الله، وكتب بخطه الكثير من الحديث. قال السلفي (٣): سمعت منه معظم المستنير. وتوفي في شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة ببغداد (٤). واسمه: أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن سوار البغدادي.

стр. 1721

ومنهم: ٤٢ - محمد بن الحسين (١) بن بندار (٢) الأستاذ (٣) أبو العز الواسطي (٤) القلانسي (٥)، ومقرئ العراق، وصاحب التصانيف (٦)، وحاصب الدر في العقود بحسن التأليف، الواسطي الذي ما جالت في يد مثله أقلامها، ولا جاءت بشبيهه تحت ثياب العشي أيامها، ما التقى على شروى (٧) ليث سراه رافداها، ولا طافت على نظير نضاره (٨) دجلة،

стр. 1722

وقد طفح جانباها، ولقد فخر به سالف نسبه، وكان لبندار البدار إلى ما أولاها. قرأ الروايات المشهورة، والشاذة على غلام الهراس (١)، وغيره، وأخذ أيضا عن أبي القاسم الهذلي (٢)، ورحل إلى بغداد سنة إحدى وستين وأربعمائة، وسمع من جماعة، وتصدر للإقراء دهرا، ورحل إليه من الأقطار، وكان بصيرا بالقراءات وعللها، وغوامضها، عارفا بطرقها، عالي الإسناد. مولده سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، وتوفي بواسط في شوال سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.

стр. 1723

ومنهم: ٤٣ - عبد الله بن علي بن أحمد (١). الأستاذ البارع أبو محمد البغدادي (ص ١٢٦) النحوي (٢) سبط أبي منصور الخياط (٣)، ممن يطرب له السماع، وأيّد بالملائكة، إذ أيّد بالشياطين ابن جامع (٤)، يحن إليه الجماد، ويحج (٥) إليه أهل البلاد اتقانا في فنه، وإحسانا. ما مال إليه السامع حتى عاد بملء أذنه، له المحاسن الشاملة، والمصنفات المفيدة كتمام ميقات موسى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ (٦).

стр. 1724

ولد سنة أربع وستين وأربعمائة، وسمع من جماعة، وقرأ القراءات على طائفة كثيرة، وأقرأ الناس بمسجد ابن جردة (١)، وأمّ به دهرا، وكان رئيس المقرئين في عصره، ختم عليه خلق كثير، وعرض عليه جماعة، وكان إماما محققا، واسع العلم، متين الديانة، وكان أطيب أهل زمانه صوتا بالقرآن على كبر السن، صنف التصانيف المليحة نحو العشرة (٢). قال أبو سعد السمعاني: كان متواضعا متوددا حسن القراءة في المحراب، سيما ليالي رمضان، كان يحضر عنده الناس لاستماع قراءته. له تصانيف في القراءات خولف في بعضها، وشنع عليه، وسمعت أنه رجع عن ذلك - والله يغفر لنا وله -. وقال أحمد بن صالح الجيلي (٣): سار ذكر سبط الخياط في الأغوار، والأنجاد، ورأس أصحاب الإمام أحمد، وصار واحد وقته، ونسيج وحده (٤)، لم أسمع في جميع عمري من يقرأ الفاتحة أحسن، ولا أصح منه، وكان جمال العراق بأسره، وكان ظريفا، كريما لم يخلف مثله في أكثر فنونه، وكان أيضا من كبار أئمة اللغة، ومن شعره: [الخفيف] أيها الزائرون بعد وفاتي … جدثا ضمني ولحدا عميقا

стр. 1725

سترون الذي رأيت من الموت … عيانا وتسلكون الطريقا وتوفي في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وصلى عليه الشيخ (ص ١٢٧) عبد القادر الجيلي (١)، ودفن عند جده أبي منصور على دكة (٢) الإمام أحمد، وكان الجمع يفوت الإحصاء، وغلق أكثر البلد ذلك اليوم. قال ابن الجوزي (٣): ما رأيت جمعا أكثر من جمع جنازته ﵀. ومنهم: ٤٤ - الحسن بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن محمد (٤). الأستاذ أبو العلاء الهمذاني (٥) العطار الحافظ المقرئ شيخ أهل همذان. كل ما عنده من العلم الجم، والفضل الذي تم، هو العطار الذي عنده كل دوا،

стр. 1726

ولديه كل ما يصلح للهوى، وهو القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور، وصلاح لفساد الأمور، وكان يعنى بالعلم لتعليمه، ويقيده بالضبط لزيادة تفهيمه، رافقا ولو عمل عمل يوم في شهر، قاصدا للإصلاح، وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟. ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وارتحل إلى أصبهان، فقرأ بها القراءات والحديث على أبي علي الحداد (١)، وإلى بغداد، فقرأ على أبي عبد الله البارع (٢) وغيره، وإلى واسط فقرأ على أبي العز القلانسي (٣)، وسمع من ابن بيان (٤) وطبقته، وحصل الأصول النفيسة، والكتب الكبار، وانتهت إليه مشيخة العلم ببلده، وبرع في فني القراءات والحديث، وروى عنه خلائق، وقد أثنى عليه عبد القادر (٥)، وقال: تعذر وجود مثله في أعصار كثيرة، وأربى على أهل زمانه في كثرة السماعات مع تحصيل أصول ما سمع، وجودة النسخ، وإتقان ما كتب،

стр. 1727

فما كان يكتب شيئا إلا معربا منقوطا، وبرع على الحفاظ (١)، جاءته فتوى في أمر عثمان بن عفان، فكتب فيها من حفظه، ونحن جلوس درجا (٢) طويلا (٣). وله التصانيف في الحديث، والزهد، والرقائق، وصنف "زاد المسافر" في خمسين مجلدا، وصنف في القراءات العشر، والوقف، والابتداء (ص ١٢٨)، والتجويد، ومعرفة القراء، وأخبارهم، وهو كبير، وكان إماما في النحو، واللغة. سمعت أنه حفظ كتاب "الجمهرة" (٤)، وكان من أبناء التجار، فأنفق جميع ما ورثه في طلب العلم حتى سافر إلى بغداد، وأصبهان مرات ماشيا، وكان يحمل كتبه على ظهره، قال لي: كنت أبيت في بغداد في المساجد، وآكل خبز الدخن (٥)، إلى أن قال عبد القادر: ثم عظم شأنه حتى كان يمر بالبلد (٦) فلا يبقى أحد رآه إلا قام، ودعا له حتى الصبيان واليهود. وكان يقرئ نصف نهاره القرآن، والعلم، ونصفه الآخر الحديث (٧) وكان لا يغشى السلاطين، ولا تأخذه في الله لومة لائم، وكانت السنة شعاره، ودثاره (٨) اعتقادا،

стр. 1728

وفعلا، ولا يمس جزء الحديث إلا على وضوء (١). توفي في تاسع عشر جمادى الأولى سنة تسع وستين وخمسمائة. ومنهم: ٤٥ - عبد الله بن منصور بن عمران بن ربيعة (٢)، الأستاذ أبو بكر الربعي (٣) الواسطي (٤)، المعروف بابن الباقلاني (٥). مسند القراء بالعراق، ومورد الظماء ما راق، كم زاد منتجع (٦) ربيعة، ورام مثله فلم يكن إلا من ربيعه، عرف بابن الباقلاني لأنه من خليطي المسك والكافور مصور، وعرف به أرج ذكره لو تضور (٧)، وجاء برواياته الباقلانية، وكان سوادها في البياض زهره المنور.

стр. 1729

ولد في أول سنة خمسمائة، وقرأ القراءات على أبي العز القلانسي (١)، وسبط الخياط (٢)، وغيرهما، ونظر في الفقه والعربية، وقال الشعر، وقدم دمشق، فسمع بها، وانتهى إليه علو الإسناد، ورحل إليه الطلبة، وطار ذكره، وبعد صيته، وروى عنه من شعره ابن السمعاني، وابن عساكر (٣)، وماتا قبله بدهر، وقرأ عليه بالروايات أبو الفرج ابن الجوزي، وابنه يوسف (٤) وجماعة، ودار عليه (ص ١٢٩) إسناد العراق، وذكره ابن عساكر، فقال: قدم دمشق ومدح بها بعض الناس بقصيدة يقول فيها (٥): [البسيط] بأي حكم دم العشاق مطلول … فليس يودى لهم في الشرع مقتول ليت البنان التي فيها رأيت دمي … يرى بها لي تقليب وتقبيل وقال ابن الدبيثي (٦): انفرد في وقته برواية العشرة (٧) عن أبي العز

стр. 1730

القلانسي، وادعى رواية شيء آخر من الشواذ عنه، فتكلم الناس فيه، ووقفوا في ذلك، واستمر هو على رواية المشهور والشاذ شرها منه، وكان عارفا بوجوه القراءات، وحسن التلاوة، وأقرأ الناس أكثر من أربعين سنة. وتوفي في سلخ ربيع الأول سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة. وقال عبد المحسن بن أبي العميد الصوفي: رأيت في النوم كأن شخصا يقول لي: صلى عليه سبعون وليا لله. ومنهم: ٤٦ - عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم (١) العلاّمة ذو الفنون شهاب الدين أبو القاسم المقدسي ثم الدمشقي الشافعي (٢) المقرئ النحوي الأصولي عرف ب" أبي شامة " صاحب التصانيف المتنوعة، والتواليف المبدعة، والفضائل الذي لا ينتهى إلى قرارها، والفواضل التي لا يسع معها طوائف الحساد غير إقرارها، كان في وجنة الشام شامة، وفي وجنة جنانها رضوانا، أو عليه علامة. ما ألمت قبله بعيون دمشق سنتها، ولا سمّت فاضلها بأبي شامة إلا وهو حسنتها، يجف اللسان، وما بلغ في وصفه أدنى مناه، وتبذخ الشهب خيلاء إذا لقب بنعت أحدها، وأين

стр. 1731

النجم من (ص ١٣٠) هدايته، والشهاب من سناه. ولد في أحد الربيعين سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وقرأ القرآن صغيرا (١)، وأكمل القراءات على شيخه السخاوي (٢) سنة عشرة وستمائة، واعتنى بأولاده قبل الأربعين، وأسمعهم الكثير، وقرأ بنفسه، وكتب الكثير من العلم، وأحكم الفقه، ودرس وأفتى، وبرع في العربية، وصنف، وشرح واختصر (٣)، وحصل له الشيب، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وولي مشيخة القراءة بالتربة الأشرفية (٤)، ومشيخة الحديث بالدار الأشرفية (٥)، وكان مع فرط ذكائه، وكثرة علمه

стр. 1732

متواضعا، مطرحا للتكلف، وربما ركب الحمار بين المداويز (١). وفي جمادى الآخرة سنة خمس وستين وستمائة جاءه اثنان من الجبلية (٢) وهو في بيته عند طواحين الأشنان (٣) فدخلا يستفتيانه، فضرباه ضربا مبرحا كاد أن يأتي على نفسه، ثم ذهبا، ولم يدر من سلطهما عليه، فصبر واحتسب. وتوفي في تاسع عشر من رمضان من السنة المذكورة (٤). وكان فوق حاجبه الأيسر شامة كبيرة فلذا قيل له أبو شامة. ومنهم: ٤٧ - أحمد بن يوسف (٥) بن حسن بن رافع (٦)، أبو العباس (٧) موفق الدين الكواشي (٨) الشافعي المقرئ المفسر الزاهد. بقية الأعلام، وطوية خير أظهرها الله به للإسلام تفسيره الذي صنفه علما باقيا، وعلما هاديا من الضلال واقيا، صدر عن صدر ماج البحر في جانبه، ومال

стр. 1733

الطود من مناكبه، وبر تقي ما شحب الفلك الدوار على نظير سبايب سباسبه (١)، إن لقب بالموفق فهو الذي ما عدمه، أو عرف بالكواشي (٢) فلأن كل شيء من علم كتاب الله علمه، أو ولد مثله الزمان فإنه حمد بعده عقمه. ولد في ربيع الأول سنة إحدى وتسعين (٣) وخمسمائة وقرأ (ص ١٣١) على والده، وقدم دمشق، وأخذ عن السخاوي (٤) وغيره، وسمع من ابن روزبة (٥)، وتقدم في معرفة القراءات، والتفسير والعربية، وكان منقطع القرين، وعديم النظير زهدا وصلاحا وصدقا، وتبتلا وورعا، واجتهادا، صاحب أحوال، وكرامات، وكان السلطان فمن دونه يزورونه، فلا يقوم لهم، ولا يعبأ بهم، ولا يقبل صلتهم، أضر قبل موته بسنوات (٦)، وصنف التفسير الكبير، والتفسير الصغير (٧) قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: بلغنا أنه اشترى قمحا من قرية "الجابية" (٨) لكونها من فتوح عمر ثلاثة أمداد، وحملها إلى الموصل، فزرعها

стр. 1734

بأرض البقعة (١)، وخدمها بيده، ثم حصده، وتقوت منه، وخبأ بذارا، ثم زرعه، فنمى، وكبر إلى أن بقي يدخل عليه من ذلك القمح ما يقوم به وبجماعته من أصحابه، وكان إذا أرسل إلى عند صاحب الموصل لا يرده (٢). وتوفي في سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمانين وستمائة. وكواشة: قلعة من بلاد الموصل (٣). ومنهم: ٤٨ - إبراهيم بن عمر بن إبراهيم (٤) الأستاذ برهان الدين أبو محمد الربعي (٥) الجعبري المقرئ الشافعي النحوي. شيخ بلد" الخليل "﵇ (٦) بل شيخ القراء في وقته والسلام، نزيل

стр. 1735

ذلك الحرم، وضيف ذلك الكرم، وجليس ذلك المحراب المعمور، وأنيس ذلك المكان المتألق مع وجود ذلك النور، المتقلل من كثير من الدنيا والموفي بنذره في طلب العليا، المناجي بلسان الخليل ﴿أَنْ يا إِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيا﴾ (١)، المنقطع إلى من تسمى باسمه إبراهيم، المجمع على أنه لا يرحل عن جواره الكريم، الذي ساد، وما خلت البقاع، وأشرق وما أطل فرع الليل البهيم. قرأ بالسبع (٢) على أبي الحسن الوجوهي (٣) صاحب (ص ١٣٢) الفخر الموصلي (٤)، وبالعشر على المنتجب بن حسن التكريتي (٥)، وروى القراءات بالإجازة (٦)، وتصدر للإقراء دهرا، وصنف التصانيف الرائقة في فنون العلم، وهاجر إليه الطلبة من الآفاق، وله شرح الشاطبية (٧) كامل في معناه، وآخر للرائية (٨)، ونظم في السبع، والعشر، والرسم، والتجويد، وله نحو من مائة مصنف.

стр. 1736

ولد في حدود سنة أربعين وستمائة، أو قبلها بقلعة جعبر (١)، واشتغل ببغداد، ثم قدم دمشق، فنزل بالسميساطية (٢)، وأعاد بالغزالية (٣)، ثم ولي مشيخة حرم الخليل بعد البديع (٤)، فبقي هناك إلى أن توفي في شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة. ومنهم: ٤٩ - محمد (٥) بن بصخان (٦) بن عين الدولة الإمام بدر الدين بن السراج. متقدم بالعلم، ومفضل يحتج به أهل الإيمان، ومحلا ورده للطالب لا يرد عنه

стр. 1737

بغلته (١) ظمآن، ومهنأ بفضل ما أوتي لا يضره فيه أهل الشنآن (٢)، وله في الموسيقا ما يقرع له العود، ويقر له الحسود، ويقرر أنه ما غاب نصيبه مما قيل اعملوا شكرا آل داود (٣)، إلا أنه لم يكن معتدل المزاج، ولا معتد الجسم للعلاج، لإفراط (٤) سوداء (٥) به منعته من المأكل كل بيضاء شحمة، وكل حمراء لحمة، وكل خضراء نضرة نعماء، وكل زرقاء نطفة ماء (٦)، وكل صفراء فلذة حلواء، تسمى باسم من الأسماء (٧)، فقضى مدة حياته منغصا، واستوفى رزقه من الدنيا إلا أنه أخذه منقصا، وهيهات هيهات بتجنب الطيبات من الرزق طول طيب الحياة: [الكامل] وإذا المنية أنشبت أظفارها … ألفيت كل تميمة لا تنفع ولد سنة ثمان وستين، وسمع الكثير بعد الثمانين، واعتنى بالقراءات سنة (ص ١٣٣) تسعين وبعدها، وحج غير مرة، وانجفل (٨) إلى مصر سنة سبعمائة (٩)،

стр. 1738

وجلس في حانوت تاجرا، ثم أقبل على العربية فأحكمها (١)، وقدم دمشق بعد ستة أعوام، وتصدر (٢) لإقراء القراءات، والنحو (٣)، وقصده القراء والمشتغلون، وظهرت فضائله، وبهرت معارفه، وبعد صيته، ثم إنه أقرأ لأبي عمرو بإدغام ﴿اَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾ (٤) وبابه، ورآه واسعا (٥) في العربية، والتزم إخراجه من القصيد (٦)، وصمم على ذلك مع اعترافه بأنه لم يقرأ به (٧)، وقال: أنا قد أذن لي أن أقرئ بما في القصيد وهذا مخرج منها، فقام عليه التونسي (٨)، وابن الزملكاني (٩) وغيرهما، فطلبه قاضي القضاة" ابن صصرى " (١٠) بحضورهم، وراجعوه، وناظروه، فلم يرجع، وأصر فمنعه الحاكم المذكور من الإقراء به، وأمره بمراجعة (١١) الجمهور فتألم، وانقطع في بيته، وامتنع من الإقراء جملة، ثم استخار الله تعالى، واستأذن الحاكم من الإقراء بجامع دمشق، فأذن له، وجلس للإفادة، وازدحم عليه الطلبة، وأخذوا عنه القراءات والعربية.

стр. 1739

وكان له ملك يقوم بمصالحه، ولم يتناول من الجهات درهما، ولا طلب جهة مع كمال أهليته، ثم ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الملك الصالح (١) بعد التونسي لكونه أقرأ من وجد بدمشق من المتصدرين، وكذلك ولي إمامة مسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق، ثم تركها، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالشام. وتوفي في ذي الحجة سنة ثلاث، وأربعين، وسبعمائة. وهذا آخر من كان يعد في فنه واحدا في الزمان، وفردا لا يلز (٢) بثان، فلما قرّ القبر بإيابه، ونفضت الأيدي من ترابه تساوت بعده الأنظار، وتواست (٣) لواحد في عدم الإقرار على أن في الأيام منهم شموسا لوامع، وفي الليالي بدورا طوالع، إلا أنه لم ينبغ منهم في هذا الفن متفردا (ص ١٣٤) به واحد، ولا قنع به دون ضم أطراف العلوم الشوارد، بل ما في جلة الوقت ممن أتقن القراءات إلا من جعلها تماما لحليه (٤) من غير نقيصة، ومشاركة في عموم معارفه، لا خصيصة، قلما من تمخض للقراءات، فما منهم رأس ارتفع، ولا واحد عليه مجتمع، وكان موته إذ حمل على أعناق الرجال، وقدم له النعش للارتحال، كما زعم الأول وقال:

стр. 1740

تساوت الناس ومات الكمال تغمده الله بالرحمة والرضوان، وآنسه بالقرآن، فبموته ختم قراء الجانب الشرقي، وتظلّم لحظة الشقي (١).

стр. 1741

[قراء الجانب الغربي] فأما القراء بالجانب الغربي، ومن قرأ في بلاد البرابرة (١) العجم (٢) الكتاب المنزل باللسان العربي، فسأذكر منهم طائفة لولا مصر لما جمع منهم جمع كثرة ولا قلة، ولا من يروي منه بنهله ولا عله (٣)، وها أنا أقول: منهم: ٥٠ - محمد بن عمر بن خيرون المعافري (٤) أبو عبد الله المغربي (٥). شيخ الإقراء بالقيروان (٦)، مضى زمن وهو صدر ذلك الأوان، عمت به الإفادة، وحصل بجده محصل من جده من خير وزيادة، رحل وقرأ، وحذق في

стр. 1742

قراءة ورش (١)، وله مسجد بالقيروان منسوب إليه. قال أبو عمرو الداني: روى عنه عامة أهل القيروان، وسائر المغرب، وكان رجلا صالحا فاضلا كريم الأخلاق، إماما في القرآن (٢)، شديد الأخذ، ولم يكن يقرأ أهل إفريقية بحرف نافع (٣) إلا خواص حتى قدم ابن خيرون، فاجتمع عليه الناس (٤). وتوفي بمدينة سوسة (٥) في نصف شعبان سنة ست وثلاثمائة.

стр. 1743

ومنهم: ٥١ - أبو عمر (١) الطلمنكي (٢)، واسمه: أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري (٣) الأندلسي المقرئ، الحافظ. نزيل قرطبة إذ كانت تزهر بحدائقها، وتزهى (ص ١٣٥) كالغادة العذراء بألايقها (٤)، وكان لقرطبة قرطا لأذنها، وللزهراء زهر [ا] تفيح في فننها، يفيد أهلها، ويفيت (٥) الرياح اللواقح (٦) أن يلحق فضلها، تقلدت منه صارما أفتك من يهزها، وأثبت على عواتقها من مستقر الخلافة في صدرها، فقام والدهر قد

стр. 1744

قعد، وسح حبا فأنجز حر منه ما وعد. ولد سنة أربعين وثلاثمائة، وسمع سنة اثنتين وستين، وهو أول سماعه، وقرأ على أبي الحسن علي بن محمد الأنطاكي (١)، وأبي الطيب بن غلبون (٢)، ومحمد بن علي الأذفوي - (٣) وقيل: سمع منه ولم يقرأ عليه -. وروى عن جماعة، ورجع إلى الأندلس بعلم جم. وروى عنه: أبو عمر بن عبد البر (٤)، وأبو محمد بن حزم (٥)، وطائفة كثيرة. وكان رأسا في علم القرآن وإعرابه، وأحكامه، وناسخه ومنسوخه، ومعانيه، رأسا في علم الحديث، ومعرفة طرقه، حافظا للسنن، ذا عناية بالآثار والسنة، إماما في عقود الديانات، ذا هدي، وسمت، ونسك، وصمت.

стр. 1745

قال أبو عمرو الداني: كان فاضلا ضابطا، شديدا في السنة. وقال ابن بشكوال - في كتاب الصلة -: كان سيفا مجردا على أهل الأهواء، والبدع، قامعا لهم، غيورا على الشريعة، شديدا في ذات الله، أقرأ الناس محتسبا، وأسمع الحديث، وأمّ بمسجد منعة (١)، ثم إنه خرج إلى الثغر، فجال فيه، وانتفع الناس بعلمه، ثم قصد بلده في آخر عمره، فتوفي في ذي الحجة سنة تسع وعشرين وأربعمائة.

стр. 1746

ومنهم: ٥٢ - مكي بن أبي طالب (١) حمّوش (٢) (ابن محمد بن مختار) القيسي المغربي القيرواني، ثم الأندلسي القرطبي (٣) العلامة المقرئ الماشي رويدا، والسحاب خلفه يجري، سمح به - على بخله الزمن -، وأصاب به من لم يقس قيسا بيمن، ووجلت منها يمن حتى حملت شعارها (٤) الأصفر إشعارا بأنها من ذممها (٥)، وأوجفت عليها قيس (ص ١٣٦) تحت رايتها الحمراء مخضبة بدمها، ولقد عرفت له دعوة مجابة، وساعة ما مد فيها يده حتى فتحت له أبواب السماء بالإجابة.

стр. 1747

ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة بالقيروان، وحج وسمع بمكة، وقرأ القراءات على أبي الطيب بن غلبون (١)، وابنه طاهر (٢)، وسمع من محمد بن علي الأذفوي (٣)، وكان متبحرا في علوم القرآن، والعربية، حسن الفهم، والخلق، جيد الدين، والعقل، كثير التأليف في علوم القرآن، محسنا مجودا، عالما بمعاني القراءات، سافر إلى مصر، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وتردد إلى المؤدبين بالحساب، وأكمل القرآن، ورجع إلى القيروان، ثم رحل، فقرأ القراءات على ابن غلبون سنة ست وأربعين، وقرأ بالقيروان - أيضا - بعد ذلك، ثم رحل سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، وحج، وجاور ثلاثة أعوام، ودخل الأندلس سنة ثلاث وتسعين، وجلس للإقراء بجامع قرطبة، وعظم اسمه، وجل قدره. قال ابن بشكوال: قلده أبو الحزم [ابن] جهور (٤) خطابة قرطبة بعد يونس ابن عبد الله القاضي (٥)، وكان قبل ذلك ينوب عن يونس، وله ثمانون تأليفا، (٦) وكان خيرا متدينا، مشهورا بالصلاح، وإجابة الدعوة، دعا على رجل

стр. 1748

كان يسخر به وقت الدعاء (١)، فأقعد ذلك الرجل. توفي ثاني المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. ومنهم: ٥٣ - أبو عمرو (٢) الداني (٣): واسمه عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد ابن عمر الأموي (٤) - مولاهم - القرطبي، الإمام، العلم المعروف - في زمانه - بابن الصيرفي، وفي زماننا بأبي عمرو الداني لنزوله بدانية، وتزوجه منها إلى حيث النجوم بانية، هو أبو عمرو (٥) وقته، ونافع (٦) زمانه، أو مساميه في سمته الذي لم يتأخر إذ جاء في آخر الزمان،

стр. 1749

ولم يتعذر ملاقاة القراء السبعة الأول، على من لم (ص ١٣٧) يعاصرهم وعاصر منهم عثمان. ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة. قال أبو عمرو: ابتدأت بطلب العلم في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ورحلت إلى المشرق سنة سبع وتسعين، فمكثت بالقيروان أربعة أشهر أكتب، ثم دخلت مصر في شوال من السنة، فمكثت بها سنة، وحججت، ودخلت الأندلس في ذي القعدة سنة تسع وتسعين، وخرجت إلى الثغر سنة ثلاث وأربعمائة، فسكنت سرقسطة (١) سبعة أعوام [ثم رجعت إلى قرطبة، قال: وقدمت دانية سنة سبع عشرة. قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي (٢): فاستوطنها حتى مات]، وقرأ بالروايات.

стр. 1750

وسمع كتاب ابن مجاهد (١) في اختلاف السبعة، وسمع الحديث. وقال ابن بشكوال (٢): كان أبو عمرو أحد الأئمة في علم القرآن، رواياته وتفسيره، ومعانيه، وطرقه، وإعرابه، وجمع في ذلكم (٣) كله تواليف حسانا مفيدة يطول تعدادها (٤)، وله معرفة بالحديث وطرقه، وأسماء رجاله ونقلته، وكان حسن الخط، جيد الضبط، من أهل الحفظ، والذكاء (٥)، والتفنن، دينا فاضلا، ورعا، سنيا. وقال المغامي (٦): كان أبو عمرو مجاب الدعوة مالكي المذهب. ومن تصانيفه: كتاب "الأرجوزة في أصول السنة"، منها يقول: [الرجز] كلم موسى عبده تكليما … ولم يزل مدبرا حكيما كلامه وقوله قديم … وهو فوق عرشه العظيم والقول في كتابه المرتل … بأنه كلامه المنزل على رسوله النبي الصادق … ليس بمخلوق ولا بخالق (٧)

стр. 1751

من قال فيه إنه مخلوق … أو محدث فقوله مروق أهون بقول جهم الخسيس … وواصل وبشر المريسي (١) (ص ١٣٨) وتوفي بدانية يوم الاثنين منتصف شوال سنة أربع، وأربعين وأربعمائة، ودفن ليومه بعد العصر، ومشى صاحب دانية أمام نعشه، وشيعه خلق عظيم.

стр. 1752

ومنهم: ٥٤ - سليمان بن أبي القاسم (١): نجاح أبو داود المقرئ - مولى الأمين المؤيد بالله ابن المستنصر الأموي (٢) الأندلسي. سند الإقراء، ومسند القراء، وعمدة الأداء، وعدة الظفر على الأعداء، أيد به المؤيد، ونصر المستنصر إذ كان له أبا، السيد الذي عمت تصانيفه نفعا، ونمت، فكادت لا تحصى جمعا، المتيقظ لكتاب الله يدرسه والعيون هجود (٣)، المستوقف بقراءته حتى الطير في السماء (٤)، ولا ينكر لسليمان أن يرث مزامير داود (٥).

стр. 1753

أخذ القراءات عن أبي عمرو الداني، ولازمه مدة، وأكثر عنه، وهو أجل أصحابه، وقرأ عليه بشر كثير. قال ابن بشكوال: كان من جلة المقرئين، وفضلائهم، وأخيارهم عالما بالقراءات وطرقها (١)، حسن الضبط، ثقة دينا (٢)، له تواليف كثيرة (٣) (عدتها ستة وعشرون مصنفا) (٤)، أخبرنا عنه جماعة (٥)، ووصفوه بالعلم والفضل، والدين، ومن تصانيفه كتاب "البيان الجامع لعلوم القرآن" في ثلاثمائة

стр. 1754

مجلد (١)، و"عقود الديانة" (٢) وهي أرجوزة ثمانية عشر ألف بيت، وأربعمائة وأربعون بيتا. قال ابن بشكوال: ولد سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وتوفي ببلنسية في سادس عشر رمضان سنة ست وتسعين وأربعمائة، وتزاحموا على نعشه.

стр. 1755

ومنهم: ٥٥ - عبد الرحمن بن أبي بكر عتيق بن خلف (١)، العلامة الأستاذ أبو القاسم ابن الفحام الصقلي (٢) المقرئ. صاحب كتاب التجريد (٣)، والمعروف في القراءة بالتجويد، الصقلي الصقيل المرآة، الجميل مرآه (ص ١٣٩) ابن الفحام الذي أفحم كل ذي جدل، وسود وجه كل معارض بما اختنق من دم الخجل، الموافق لابن الصديق (٤) فما نقص ولا زاد عبد الرحمن بن أبي بكر عتيق، ولعله ما قيل: إنه عتيق إلا لأنه جواد. قرأ القراءات على أبي العباس أحمد بن سعيد بن نفيس (٥)، وأبي الحسين
следующие страницы →