← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

من قال فيه إنه مخلوق … أو محدث فقوله مروق أهون بقول جهم الخسيس … وواصل وبشر المريسي (١) (ص ١٣٨) وتوفي بدانية يوم الاثنين منتصف شوال سنة أربع، وأربعين وأربعمائة، ودفن ليومه بعد العصر، ومشى صاحب دانية أمام نعشه، وشيعه خلق عظيم.

стр. 1752

ومنهم: ٥٤ - سليمان بن أبي القاسم (١): نجاح أبو داود المقرئ - مولى الأمين المؤيد بالله ابن المستنصر الأموي (٢) الأندلسي. سند الإقراء، ومسند القراء، وعمدة الأداء، وعدة الظفر على الأعداء، أيد به المؤيد، ونصر المستنصر إذ كان له أبا، السيد الذي عمت تصانيفه نفعا، ونمت، فكادت لا تحصى جمعا، المتيقظ لكتاب الله يدرسه والعيون هجود (٣)، المستوقف بقراءته حتى الطير في السماء (٤)، ولا ينكر لسليمان أن يرث مزامير داود (٥).

стр. 1753

أخذ القراءات عن أبي عمرو الداني، ولازمه مدة، وأكثر عنه، وهو أجل أصحابه، وقرأ عليه بشر كثير. قال ابن بشكوال: كان من جلة المقرئين، وفضلائهم، وأخيارهم عالما بالقراءات وطرقها (١)، حسن الضبط، ثقة دينا (٢)، له تواليف كثيرة (٣) (عدتها ستة وعشرون مصنفا) (٤)، أخبرنا عنه جماعة (٥)، ووصفوه بالعلم والفضل، والدين، ومن تصانيفه كتاب "البيان الجامع لعلوم القرآن" في ثلاثمائة

стр. 1754

مجلد (١)، و"عقود الديانة" (٢) وهي أرجوزة ثمانية عشر ألف بيت، وأربعمائة وأربعون بيتا. قال ابن بشكوال: ولد سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وتوفي ببلنسية في سادس عشر رمضان سنة ست وتسعين وأربعمائة، وتزاحموا على نعشه.

стр. 1755

ومنهم: ٥٥ - عبد الرحمن بن أبي بكر عتيق بن خلف (١)، العلامة الأستاذ أبو القاسم ابن الفحام الصقلي (٢) المقرئ. صاحب كتاب التجريد (٣)، والمعروف في القراءة بالتجويد، الصقلي الصقيل المرآة، الجميل مرآه (ص ١٣٩) ابن الفحام الذي أفحم كل ذي جدل، وسود وجه كل معارض بما اختنق من دم الخجل، الموافق لابن الصديق (٤) فما نقص ولا زاد عبد الرحمن بن أبي بكر عتيق، ولعله ما قيل: إنه عتيق إلا لأنه جواد. قرأ القراءات على أبي العباس أحمد بن سعيد بن نفيس (٥)، وأبي الحسين

стр. 1756

نصر بن عبد الغافر الفارسي (١)، وعبد الباقي بن فارس، وأبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل المالكي (٢). وقرأ العربية على ابن بابشاذ (٣)، وشرح مقدمته، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالإسكندرية علوا ومعرفة. قال سليمان بن عبد العزيز الأندلسي: ما رأيت أحدا أعلم بالقراءات منه لا بالمشرق ولا بالمغرب. وثقه السلفي، وقرأ عليه (٤)، وقرأ عليه - أيضا - أبو العباس بن الخطية، ويحيى بن سعدون (٥) شيخ الموصل، وعبد الرحمن بن خلف بن عطية، وغيرهم. توفي في ذي القعدة سنة ستة عشرة وخمسمائة، وقد جاوز التسعين، وتردد في مولده هل هو في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، أو في سنة خمس وعشرين، والله أعلم.

стр. 1757

ومنهم: ٥٦ - علي بن محمد بن علي بن هذيل الإمام. (١) أبو الحسن البلنسي (٢) المقرئ الزاهد المقر بفضله الخصم فلا يحتاج إلى شاهد، المتفرد كأنه سهيل، والراد به عصر أبي ذؤيب في هذيل، والنابه به الغرب على الشرق إذا جاء بابن هذيله، العلاف ليماثله، أو أقبل بجدله، وأكثره الباطل على هذا في الحق ليجادله. لازم أبا داود سليمان بن أبي القاسم مدة من الزمن (٣) بدانية، وبلنسية، ونشأ في حجره (٤) لأنه كان زوج أمه، فقرأ عليه القراءات (٥)، وسمع عليه شيئا كثيرا (٦)، وهو أجل أصحابه وأثبتهم، وصارت إليه أصوله (ص ١٤٠) العتيقة (٧)، وانتهت إليه رئاسة الإقراء في زمانه. قال الأبار: كان منقطع القرين في الفضل والدين، والورع والزهد (٨) مع العدالة، والتواضع والإعراض عن الدنيا، والتقلل (٩) صواما قواما كثير الصدقة

стр. 1758

كانت له ضيعة يخرج لتفقدها، فتصحبه الطلبة، فمن قارئ وسامع وهو منشرح الصدر لذلك طويل الاحتمال على فرط ملازمتهم ليلا ونهارا (١) وعمّر، وهو آخر من حدث عن أبي داود (٢). وانتهت إليه رئاسة الإقراء عامة لعلو رتبته، وإمامته من الإتقان والتجويد، وحدث عنه جلة لا يحصون، وروى العلم نحوا من ستين سنة (٣). وولد سنة سبعين وأربعمائة، أو سنة إحدى وسبعين. وتوفي يوم الخميس سابع عشر رجب سنة أربع وستين وخمسمائة بحضرة السلطان أبو الحجاج يوسف بن سعد (٤)، وتزاحم الناس على نعشه ورثاه ابن واجب (٥) بقوله: [البسيط]

стр. 1759

لم أنس يوم تهادي نعشه أسفا … أيدي الورى وتراميها على الكفن كزهرة تتهاداها الأكف فلا … تقيم في راحة إلا على ظعن قال الأبار: قال لنا (١) محمد بن أحمد بن سلمون: هذا صحيح كان الناس يتعلقون بالنطق (٢)، والسقف (٣) ليدركوا النعش بأيديهم، ثم يمسحون بها على وجوههم (٤). وكان يتصدق على الأرامل واليتامى، فقالت له زوجته: إنك لتسعى بهذا في فقر أولادك. فقال لها: لا والله، إلا أني شيخ طماع أسعى في غناهم (٥).

стр. 1760

ومنهم: ٥٧ - القاسم (١) بن فيرة (٢) بن خلف بن أحمد أبو محمد، وأبو القاسم الرعيني (٣) الشاطبي (٤) المقرئ الضرير أحد الأعلام، والمتحدي بمعجزة في شاطبيته (٥) على علماء الإسلام، والفرد بلا نظير على كثرة الأنام، ولا شبيه (ص ١٤١) يطمع أن يرى مثله حتى ولو (٦) في المنام، المبصر قلبه لأن القرآن نوره، والإيمان مشكاة فهمه إذا اشتبهت أموره،

стр. 1761

الذي قل من لا استقى من بحره، أو اغترف غرفة بيده من نهره (١)، أو جاء بعده من القرّاء مجيد إلا وقصيدته "حرز الأماني" تميمة (٢) معلقة على نحره. ولد في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، وقرأ ببلده القراءات، وأتقنها، ثم ارتحل إلى بلنسية - وهي قريبة من شاطبة - فعرض بها القراءات والتفسير من حفظه، وسمع الحديث، وارتحل ليحج (٣)، واستوطن مصر، واشتهر اسمه، وبعد صيته، وقصده الطلبة من النواحي، وكان إماما علامة

стр. 1762

ذكيا كثير الفنون (١)، منقطع القرين، رأسا في القراءات، حافظا للحديث، بصيرا بالعربية، واسع العلم، قد سارت الركبان بقصيدتيه" حرز الأماني "و" عقيلة أتراب القصائد "اللتين (٢) في القراءات والرسم، وحفظهما خلق لا يحصون، وخضع لهما فحول الشعراء وكبار البلغاء، وحذاق القراء، فلقد أبدع (٣) وأوجز، وسهّل الصعب (٤). وقرأ عليه بالروايات عدد كثير.

стр. 1763

قال الأبار في تاريخه: تصدر للإقراء بمصر، فعظم شأنه، وبعد صيته، وانتهت إليه الرئاسة في الإقراء (١)، وكان موصوفا بالزهد والعبادة، والانقطاع، ومن شعره: [مجزء الكامل] قل للأمير نصيحة … لا تركنن إلى فقيه إن الفقيه إذا أتى … أبوابكم لا خير فيه وعاش اثنتين وخمسين سنة، وتوفي بمصر في خامس عشر من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة. (ص ١٤٢) ومنهم: ٥٨ - (٢) علي بن (٣) عبد الصمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب أبو الحسن الهمداني السخاوي (٤) علم الدين المقرئ المفسر النحوي شيخ القراء بدمشق في

стр. 1764

زمانه (١) إلا أنه مما جاز الغرب دينار شمسه، وهنأ موضع منشئه، ثم ضنّ بكوكبه الدري أن يهيئ له موضع رمسه، ما أهدى لغرب مثل نسيمه الخفاق، ولا أمد الشرق في نهاره المتدفق شبيه نهره الدفّاق، ولا قرّ هنا في قراره الغرب حتى كادت تتجاذبه الآفاق، لقد سخت سخا منه بما يعذر فيه الشحيح، ويحذر في مثله آفة ذي الفهم الصحيح، وصعد إلى السماء فجنى النجوم زهرات، وظهر على السحاب فرمى البروق زفرات، ووطئ جبهة الأسد وداس، وذل الجبل فما ارتفع له راس،، وغطس في البحر، فجاء بما لا قدر عليه قبله ابن غطاس. ولد سنة ثمان أو تسع وخمسين وخمس مائة، وقدم من" سخا "فسمع الحديث، وأخذ القراءات عن الشاطبي (٢)، وأبي الجود اللخمي (٣) وغيرهما، واقتصر في إسناد القراءات عليهما، وأقرأ الناس نيفا وأربعين سنة، وقرأ عليه خلق كثير بالروايات، وكان إماما كاملا، ومقرئا محققا، ونحويا علامة، مع بصره بمذهب الشافعي (٤)، ومعرفته بالأصول، وإتقانه للغة، وبراعته في التفسير، وإحكامه لضروب الأدب، وفصاحته بالشعر، وطول باعه في النثر مع الدين والمروءة والتواضع، واطراح التكلف، وحسن الأخلاق، ووفور الحرمة، وظهور

стр. 1765

الجلالة، وكثرة التصانيف (١)، وكان من أفراد العالم، ومن أذكياء بني آدم، حلو النادرة، مليح المحاورة، ومن شعره: [السريع] قالوا غدا نأتي ديار الحمى … وننزل الركب بمغناهم وكل من كان مطيعا لهم … أصبح مسرورا بلقياهم (ص ١٤٣) قلت: فلي ذنب فما حيلتي؟ … بأي وجه أتلقاهم قيل: أليس العفو من شأنهم … لا سيما عمن ترجاهم ومن غرائب الاتفاق أن الشيخ علم الدين السخاوي مدح السلطان صلاح الدين (٢)، ومدح الأديب رشيد الدين الفارقي (٣)، وبين وفاتي الممدوحين مائة

стр. 1766

سنة (١). وتوفي الشيخ علم الدين في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وستمائة بمنزله بالتربة المعروفة بأم الملك الصالح (٢) وهو أول من أقرأ بها، وكان يقرئ أيضا بالجامع الأموي عند قبر زكريا ﵇ (٣). ومنهم: ٥٩ - أبو عبد الله (٤) الفاسي (٥) الإمام العلامة جمال الدين محمد بن حسن بن محمد بن يوسف بن حسن

стр. 1767

المغربي نزيل حلب، إلا أنه من طينة الغرب بعث، وروحه من نسيمه الغربي نفث، نزل بحلب تحلب (١) منه أسطرها (٢)، وتجلب منه أسطرها، ودفن في ترابها، ودفع إذ ذكرناه إلى أقصى الغرب، وما عد من أترابها (٣)، لأنه ما أتى حلب إلا مكتهلا (٤)، ولا قدم إليها إلا وقد رأى شيب رأسه مشتعلا (٥)، لكنه جرّ عليها ذلاذل (٦) قطره، وحمل إليها أنفاس غربه، ما تضوع قطره الندي (٧) من قطره. ولد بفاس سنة نيف وثمانين وخمس مائة، وقدم مصر بعد موت أبي الجود (٨) فقرأ على اثنين من أصحاب الشاطبي (٩)، وأخذ القراءات بحلب عن

стр. 1768

بهاء الدين بن شداد (١)، وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان إماما متفننا ذكيا متقنا، واسع العلم، كثير المحفوظ، بصيرا بالقراءات وعللها، مشهورها وشاذها، خبيرا باللغة، مليح الكتابة (٢)، وافر الفضائل، موطأ الأكناف، متين الديانة ثقة حجة، انتهت إليه رئاسة الإقراء ببلد حلب (٣)، ومات (٤) سنة ست وخمسين وستمائة. (ص ١٤٤) ومنهم: ٦٠ - محمد بن عبد الرحيم بن الطيب (٥) أبو القاسم القيسي (٦) الضرير مقرئ المغرب (٧)، وموري المغرب، ومظهر المعجب، وممطر روض المجرة (٨)

стр. 1769

المعشب، كفاه أنه من قيس في سرواتها (١)، وفي حيث ينقطع عنده غاية رواتها، هو ابن الطيب، ولهذا ذكاؤه ينفح، وغلاؤه لا يستكثر فيه بما يسمح، وأرجه (٢) تتقاذف به الأرجاء، وورقه يندى، وقمريّه (٣) يصدح (٤)، ولا عيب فيه ولا عيب (٥)، إلا أنه لا يبخل لكنه بما لا يزر عليه الجيب. ولد في حدود الثلاثين وستمائة بالجزيرة الخضراء (٦)، وقرأ القرآن على

стр. 1770

خطيبها أبي محمد الرعيني، وعلى أبي عبد الله الشريشي (١)، ثم تحول إلى سبتة، فألزمه أميرها أبو القاسم محمد بن أبي العباس العزفي (٢)، فلما جاء رمضان سأله أن يقرأ السيرة على الناس، فصار يدرس كل يوم ميعادا ويورده، وكان من أسرع الناس حفظا، وأحسنهم صوتا، وكان إليه المنتهى في معرفة القراءات، وضبطها، وآدابها، وكان عارفا بالتفسير، والعربية، والحديث، حمل عنه أهل سبتة، وتوفي سنة إحدى وسبعمائة في رمضان. ومنهم: ٦١ - أحمد بن إبراهيم بن الزبير (٣)، أبو جعفر الثقفي الغرناطي المقرئ الحافظ أحد الأعلام بالأندلس. والأعلام الشاهقة في القبور الدرس (٤)، لعمر أبيك قد سترت به ثقيف سوءة حجّاجها (٥)، وصدرت وتاج

стр. 1771

الثريا فوق حجاجها (١)، تاهت به عروس غرناطة، وتطاولت، ونسر دمشق الجاثم على قبة جامعها قد أظهر انحطاطه، بقية العلماء المكثرين، والفضلاء المتبحرين، والقراء الذين لكلام الله بهم بلاغ، ودونك هو، وانفض يديك للفراغ. ولد سنة سبع وعشرين وستمائة، وقرأ (ص ١٤٥) بالروايات على أبي الحسن علي بن محمد الشاري (٢)، وسمع التفسير من أبي عبد اللّه بن جوبر (٣) البلنسي، وسمع الحديث من أبي الخطاب بن خليل (٤)، وأبي عبد اللّه الأزدي (٥)، وخلق، وانتهت إليه معرفة الحديث ورجاله (٦)، ثم معرفة القراءات (٧)، وقرأ عليه

стр. 1772

خلق لا يحصون، ومات بغرناطة (١) في آخر سنة ثمان وسبع مائة، قال أبو عبد الله الذهبي: وقفت على إجازة ابن الزبير بالسبع لجماعة، وفيها فوائد نفيسة تدل على براعته، وأنه قرأ على جماعة، وقد أفردت ذلك في كراس. وبهذا ختمت القراء المقطوع بأنهم من أهل الغرب، وسأتبعهم بمن ألحق بهم من أهل مصر، إن لم يكن دون ذلك طعن وضرب، ليتلاحق المدد، وتتسابق الجياد والكل إلى أمد. فأقول:

стр. 1773

[قراء مصر] منهم: ٦٢ - عثمان بن سعيد بن عبد الله بن سليمان (١) أبو سعيد المصري القبطي (٢) مولى آل الزبير بن العوام الملقب بورش، ويقال له الروّاس (٣) لأنها كانت صناعته، ولأنه رأس ثقة، سكنت إليه النفوس، وخضعت أولا وآخرا له الرءوس، ما بلغ بلاغته ساكن المشان، ولا صحت فصاحته لذي شان، ولا تكلم إلا وسكت كل قائل، وقال في فنه ورش، أو غرد على فننه ورشان، بيانا يصدع العشاء، وقرب مستقى لم يحتج به أحد عند ورش يطيل الرشاء (٤). ولد سنة عشر ومائة (٥)، وقرأ القرآن، وجوده على نافع (٦) عدة ختمات في

стр. 1774

حدود سنة خمس وخمسين ومائة، ونافع هو الذي لقبه "ورش" لشدة بياضه، والورش شيء يصنع من اللبن، ويقال: لقبه "ورشان" (١) وهو طائر معروف (٢)، فكان يقول: اقرأ يا ورشان، وهات يا ورشان، ثم خفف، وقيل: ورش. وكان لا يكرهه، ويعجبه، ويقول: أستاذي سماني به (٣)، وكان (ص ١٤٦) أول أمره رأآسا (٤)، ثم اشتغل بالقرآن، والعربية، ومهر فيها، وكان أشقر أزرق (٥)، سمينا مربوعا (٦)، يلبس مع ذلك ثيابا مقدرة (٧)، وإليه انتهت رئاسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه، قال أبو يعقوب الأزرق (٨): لما تعمق ورش في النحو، وأحكمه اتخذ لنفسه مقرئا، يسمى مقرء ورش. وقال ورش: خرجت من مصر لأقرأ على نافع، فلما وصلت إلى المدينة صرت إلى مسجد نافع، فإذا هو لا يطاق القراءة عليه من كثرتهم، وإنما يقرئ ثلثين،

стр. 1775

فجلست خلف الحلقة، وقلت لإنسان: من أكبر الناس عند نافع؟ فقال لي: كبير الجعفريين، فقلت: كيف به؟ قال: أنا أجيء معك إلى منزله، وجئنا إلى منزله، فخرج شيخ، فقلت: أنا من مصر، جئت لأقرأ على نافع، فلم أصل إليه، وأخبرت أنك من أصدق الناس له، وأنا أريد أن تكون الوسيلة إليه. فقال: نعم وكرامة، وأخذ طيلسانه، ومضى معنا إلى نافع، فقال له الجعفري: هذا وسيلتي إليك جاء من مصر ليس معه تجارة، ولا جاء يحج، إنما جاء للقرآن خاصّة. فقال: ترى ما ألقى من أولاد المهاجرين والأنصار! فقال صديقه: تحتال له. فقال لي نافع: أيمكنك أن تبيت في المسجد؟ فقلت: نعم. فبت في المسجد، فلما أن كان الفجر جاء نافع، فقال: ما فعل الغريب؟ فقلت: ها أنا - رحمك الله - قال: أنت أولى بالقراءة (١). قال: وكنت مع ذلك حسن الصوت، مدّادا به، فاستفتحت، فملأ صوتي مسجد رسول الله فقرأت ثلاثين آية، فأشار بيده أن اسكت، فقام إليه شاب من الحلقة فقال: يا معلم، أعزك الله، نحن معك، وهذا رجل غريب، وإنما رحل للقراءة عليك، وقد جعلت له عشرا، وأقتصر على عشرين (٢)، فقال: نعم (ص ١٤٧) وكرامة، فقرأت عشرا، فقام فتى آخر فقال كقول صاحبه (٣)، فقرأت عشرا، وقعدت حتى لم يبق أحد ممن له قراءة، فقال لي: اقرأ، فأقرأني خمسين آية، فما زلت أقرأ خمسين آية حتى قرأت عليه قبل أن أخرج من المدينة ختمات. وفي رواية: قال ورش: فكانوا يهبون لي أسباعهم حتى كنت أقرأ عليه كل

стр. 1776

يوم سبعا، وختمت في سبعة أيام، فلم أزل حتى ختمت عليه أربع ختم في شهر، وخرجت من المدينة (١). توفي ورش بمصر سنة سبع وتسعين ومائة. ومنهم: ٦٣ - عبد الله بن مالك (٢) بن سيف أبو بكر التجيبي (٣) المصري شيخ الإقليم في الإقراء (٤) في زمانه، وفي استحقاق البداءة به على أقرانه، طالت مدة إفادته، ودامت جدة (٥) سعادته، وثبت بحره على الوفاء مع أخذه في زيادته، كأنما طبع من سيف جده زبرة (٦) ذهنه، واستمد بحده قوة أمام وهنه فقوي من سلفه بما تجيب (١٣)، ودعا من أبيه مالكا لو سمع بواعثه من وراء البحار لما عجزت أن تجيء وتجيب، قرأ القرآن على أبي يعقوب الأزرق (٧)، وعمّر دهرا طويلا،

стр. 1777

وحدث عن محمد بن رمح (١)، صاحب الليث بن سعد (٢)، وقرأ عليه خلق (٣)، وتوفي في جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثمائة، كذا أرخه أبو سعيد ابن يونس (٤)، وحدث عنه في تاريخه. ومنهم: ٦٤ - محمد بن علي بن أحمد (٥) الإمام أبو بكر الأذفوي المصري المقرئ النحوي، المفسر، والصدر المتصدر، والمقرئ المقرر، والنحوي الذي لا يعجزه في توجيه غريب الإعراب متعذر،

стр. 1778

والحافظ المجيد الذي ما (ص ١٤٨) هو بحلة الكسائي (١) متشبع، ولا بما عند ابن كثير (٢) متكثر، فإن في تنقيح ما صنف، وتصحيح ما كتب، لا بل ما قرط (٣) بحبب (٤) لؤلؤه الحائل مسامع الإملاء وشنّف (٥)، وترجيح آراء وإن عنّ (٦) وعنّف (٧)، قرأ القرآن على أبي غانم المظفر بن أحمد (٨)، وسمع الحروف من أحمد بن

стр. 1779

جامع (١)، وسعيد بن السكن (٢)، ولزم أبا جعفر النحاس (٣)، وحمل عنه كتبه، وبرع في علوم القرآن، وكان سند (٤) أهل عصره بمصر. قال أبو عمرو الداني: انفرد أبو بكر بالإمامة في وقته في قراءة نافع (٥) مع سعة علمه، وبراعة فهمه، وصدق لهجته، وتمكنه من علم العربية، وبصره بالمعاني، روى عنه القراءة جماعة من الأكابر، وله كتاب التفسير في مائة وعشرين مجلدا وهو موجود بالقاهرة (٦). قال سهل بن عبد الله البزاز: صنف شيخنا أبو بكر الأذفوي كتابه "الاستغناء في علوم القرآن" في اثنتي عشرة سنة. وتوفي في سابع ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وعاش خمسا وثمانين سنة (٧)، سكن مصر، وكان خشابا يتجر. وأذفو: قرية من الصعيد مما يلي أسوان (٨).

стр. 1780

ومنهم: ٦٥ - غياث بن فارس بن مكي (١) الأستاذ أبو الجود اللخمي (٢) المنذري (٣) المقرئ، الفرضي (٤) أعلى قدرا، وأغلى سعرا، وأفضل ما تعاملت به الناس، وتماثلت، إلا أنه إذا غاب والكرام أجناس استمدت منه، ولم ينقصه الاقتباس، ورأت منه غياثا، لا بل استمطرت غيثا لا يعرف الاحتباس، وقهرت به القاهرة المعزيّة (٥) ما سواها، وعزت لا بل عزّ عليها أن تنبت مثله، وإن سقاها النيل ورواها.

стр. 1781

قرأ القراءات على الشريف أبي الفتوح الخطيب (١)، وسمع (ص ١٤٩) من عبد الله بن رفاعة (٢)، وتصدر للإقراء من شبيبته، وتلا بالتيسير وطرقه (٣)، واشتهر، وقرأ عليه خلق كثير منهم: علم الدين السخاوي (٤)، وخلق. آخرهم وفاة أبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله المليجي (٥).

стр. 1782

قال الحافظ زين الدين المنذري (١): أقرأ الناس دهرا، ورحل إليه، وأكثر المتصدرين للإقراء بمصر أصحابه، وأصحاب أصحابه (٢)، وكان ديّنا فاضلا، بارعا في الأدب، حسن الأداء (٣)، متواضعا، كثير المروءة، لا يطلب منه قصد أحد في حاجة إلا يجيب، وربما اعتذر إليه المشفوع إليه، فيطلب منه العود، فيعود، تصدر بالجامع العتيق بمصر (٤)، وبمسجد الأمير موسك (٥) بالقاهرة، وبالمدرسة الفاضلية (٦) إلى أن توفي في تاسع رمضان سنة خمس وستمائة، ومولده سنة ثمان عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى. ومنهم: ٦٦ - محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن علي بن سالم بن مكي (الشروطي) (١٣) الإمام المقرئ مسند العصر، بقي الدين أبو عبد الله الصائغ المصري الشافعي

стр. 1783

الشروطي، هو الصائغ المصري، والسائغ (١) ورده (٢) الكوثري، المنوع فنونا، المنوه باسمه فتونا، المنوّل ما ترك البرق مضطربا يهجس ظنونا (٣)، لم يبق من قراء مصر إلا من نقع منه غلله (٤)، وأعرض عن النيل، وقنع بعقده المنظّم، وحلّى التاج بسبع وجوه، وجين الجبهة (٥)، وقد غصّ بالإكليل (٦). قرأ بعدّة كتب (٧) وحصّل الفقه والقراءات وطرفا من العربية، وأعاد بالطيبرسية (٨) وغيرها، وولي عقد الأنكحة وعمر دهرا، وازدحم عليه القراء

стр. 1784

لتفرده، فتلا عليه بالسبع طلبة الديار المصرية، وكان عارفا بالقراءات معرفة جيدة، متين الديانة (ص ١٥٠)، قوي العربية، وحجّ وجاور أشهرا، ولم يبق في طبقته إلى بعد العشرين وسبع مائة أحد. وكتب له شيخنا العلامة أبو حيان في إجازة شهد عليه فيها: أشهدني شيخنا الإمام العلامة شيخ المقرئين، ورئيس المتصدرين، حامل راية الرواية والإسناد، ملحق الأحفاد بالأجداد تقي الدين بما وضع به خطه في سنة تسع عشرة وسبع مائة. توفي الصائغ في صفر سنة خمس وعشرين وسبع مائة. و (كان) مولده سنة ست وثلاثين وستمائة. وبذكر هذا تم ذكر القراء، ونمّ (١) المسك بختام أهل الإقراء، وسنعقب بذكر المحدثين المفضلين بالاستقراء، ونصل بضوء الصباح سنا الليلة القمراء ليجيء الشيء ومثله، وينضم الشكل وشكله، ويعلم إذا انقضى ما ذكرنا من قراء الأمة في كل زمان، وكبراء الأئمة من حفظة القرآن أنه قد تم بهم الختمة، وكملت في الشرق والغرب بهم القسمة، ولم يبق إلا أن يلحق بأهل الكتاب أهل السنة.

стр. 1785

[المحدّثون من أهل المشرق] وسنبدأ بالمحدّثين بالجانب الشرقي أخذا بالترتيب، وأبتدئ بالبحر الزاخر، ثم القليب (١)، ونفتتحهم بالإمام العلم أحفظ أهل الأرض، وهو: ٦٧ - أبو هريرة الدوسي اليماني (٢) صاحب رسول الله ﷺ . هو وإن كان من في الرواية واحدا من ركب نهلوا (٣) من مكرع (٤)، وشربوا جميعهم من منبع، فإنه أمسّ هنا بالذكر من

стр. 1786

بقية أصحابه لأنه هو الذي تروّى (١) حتى روي، وروّى، وربما تدأدأ (٢) دون المطلع وتكأكأ (٣) عن بعض ما عليه اطلع، خوفا في تلك الأيام التي وقدت (٤) فتنتها، وقدّت (٥) الطلا (٦) والأبدان محنها، فكتم ولم يبح (ص ١٥١) وكعم فمه (٧) ولم ينح، وقعد قائمه عن شعب تلك الأهواء ولم يرح، وخمد برقه في عوارض (٨) تلك الفتن ولم يلح، وروي أنه كان يقول: الصلاة خلف علي أفضل، وطعام معاوية أدسم، والقعود فوق التل أسلم، وقد كان أكثر القوم ملازمة للنبي ﷺ . قال: كنت ألزمه لشبع بطني، وإخواننا يلهيهم البيع، والصفق بالأسواق (٩).

стр. 1787

واسمه - على الأشهر -: عبد الرحمن بن صخر في الإسلام، وفي الجاهلية " عبد شمس " (١) وكني بأبي هريرة لأنه كان يرعى غنما، فوجد هرة وحشية، فلما أبصرههن، وسمع أصواتهن، أخبر أباه، فقال له: أبا هر (٢). قال أبو هريرة: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لابنة غزوان (٣) بطعام بطني، وعقبة رحلي، أحدو بهم إذا ركبوا، وأحتطب إذا نزلوا، (٤) فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وأبا هريرة إماما (٥).

стр. 1788

وقدم مهاجرا ليالي فتح خيبر (١)، وذلك في صفر سنة سبع (٢)، وحفظ عن النبي ﷺ الكثير،، وروي له نيفا وخمسة آلاف حديث (٣). قال الإمام أبو عبد الله البخاري (٤): روى عنه ثمان مائة نفس أو أكثر (٥). وقال أبو هريرة: حفظت عن رسول الله ﷺ وعائين فأما أحدهما فبثثته للناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم" (٦).

стр. 1789

وقال أبو صالح السمان (١): كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب محمد ﷺ (٢). وقال أبو هريرة: لا أعرف أحدا من أصحاب محمد ﷺ أحفظ لحديثه مني (٣).

стр. 1790

وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره (١). وكان أبو هريرة من كبار أئمة العلم، والفتوى مع الجلالة، والعبادة، والتواضع، وكثرة التلاوة، والذكر. قال أبو عثمان النهدي (٢): تضيفت (ص ١٥٢) أبا هريرة سبعا، وكان هو وامرأته (٣) يعتقبون الليل أثلاثا، يصلي هذا، ثم يوقظ الآخر فيصلي، ثم يوقظ الثالث. وكان أبو هريرة من أصحاب الصّفّة (٤) فقيرا، ذاق الجوع، ثم بعد النبي ﷺ
следующие страницы →