← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

بقية أصحابه لأنه هو الذي تروّى (١) حتى روي، وروّى، وربما تدأدأ (٢) دون المطلع وتكأكأ (٣) عن بعض ما عليه اطلع، خوفا في تلك الأيام التي وقدت (٤) فتنتها، وقدّت (٥) الطلا (٦) والأبدان محنها، فكتم ولم يبح (ص ١٥١) وكعم فمه (٧) ولم ينح، وقعد قائمه عن شعب تلك الأهواء ولم يرح، وخمد برقه في عوارض (٨) تلك الفتن ولم يلح، وروي أنه كان يقول: الصلاة خلف علي أفضل، وطعام معاوية أدسم، والقعود فوق التل أسلم، وقد كان أكثر القوم ملازمة للنبي ﷺ . قال: كنت ألزمه لشبع بطني، وإخواننا يلهيهم البيع، والصفق بالأسواق (٩).

стр. 1787

واسمه - على الأشهر -: عبد الرحمن بن صخر في الإسلام، وفي الجاهلية " عبد شمس " (١) وكني بأبي هريرة لأنه كان يرعى غنما، فوجد هرة وحشية، فلما أبصرههن، وسمع أصواتهن، أخبر أباه، فقال له: أبا هر (٢). قال أبو هريرة: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لابنة غزوان (٣) بطعام بطني، وعقبة رحلي، أحدو بهم إذا ركبوا، وأحتطب إذا نزلوا، (٤) فالحمد لله الذي جعل الدين قواما، وأبا هريرة إماما (٥).

стр. 1788

وقدم مهاجرا ليالي فتح خيبر (١)، وذلك في صفر سنة سبع (٢)، وحفظ عن النبي ﷺ الكثير،، وروي له نيفا وخمسة آلاف حديث (٣). قال الإمام أبو عبد الله البخاري (٤): روى عنه ثمان مائة نفس أو أكثر (٥). وقال أبو هريرة: حفظت عن رسول الله ﷺ وعائين فأما أحدهما فبثثته للناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم" (٦).

стр. 1789

وقال أبو صالح السمان (١): كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب محمد ﷺ (٢). وقال أبو هريرة: لا أعرف أحدا من أصحاب محمد ﷺ أحفظ لحديثه مني (٣).

стр. 1790

وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره (١). وكان أبو هريرة من كبار أئمة العلم، والفتوى مع الجلالة، والعبادة، والتواضع، وكثرة التلاوة، والذكر. قال أبو عثمان النهدي (٢): تضيفت (ص ١٥٢) أبا هريرة سبعا، وكان هو وامرأته (٣) يعتقبون الليل أثلاثا، يصلي هذا، ثم يوقظ الآخر فيصلي، ثم يوقظ الثالث. وكان أبو هريرة من أصحاب الصّفّة (٤) فقيرا، ذاق الجوع، ثم بعد النبي ﷺ

стр. 1791

صلح حاله، وكثر ماله. وقال أبو هريرة: لقد رأيتني أصرع من الجوع بين القبر والمنبر حتى يقولوا مجنون، فيجلس الرجل على صدري، فأرفع رأسي، فأقول: ليس الذي ترى، إنما هو الجوع (١). ثم إن أبا هريرة ولي إمرة المدينة، وناب - أيضا - عن مروان (٢) في إمرتها، وكان يمر في السوق يحمل الحزمة، وهو يقول: أوسعوا الطريق للأمير (٣). وكان يقول لابنته: لا تلبسي الذهب، فإني أخشى عليك من اللهب (٤). وقال أبو هريرة: قال لي رسول الله ﷺ : ألا تسألني من هذه الغنائم؟ فقلت: أسألك أن تعلمني ما علمك الله تعالى، فنزع نمرة على ظهري، فبسطها بيني وبينه حتى كأني أنظر إلى القمل يدب عليها، فحدثني حتى إذا استوعب حديثه، قال: اجمعها، فصرها إليك، قال: فأصبحت، وأنا لا أسقط حرفا (٥).

стр. 1792

وقال أبو هريرة: إني لأستغفر الله تعالى، وأتوب إليه كل يوم اثني عشر ألف مرة، وذلك على قدر ديتي (١). وكان له خيط فيه ألفا عقدة لا ينام حتى يسبح به (٢)، وكان آدم (٣)، بعيد ما بين المنكبين، أفرق الثنيتين (٤)، له ضفيرتان، يخضب بالحمرة، وكان من أصحاب الصفة، وله مسائل معروفة، أفتى بحضرة فقهاء الصحابة، وقال رسول الله ﷺ : "اللهم حبب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما. (٥) "

стр. 1793

توفي سنة ثمان وخمسين - في قول جماعة -، وقيل سنة سبع وخمسين، وقيل سنة تسع (١). (ص ١٥٣) وأما ما نذكره من مشاهير الحفاظ، فمنهم: ٦٨ - محمد بن مسلم بن عبيد الله (٢) بن عبد الله بن شهاب (٣) القرشي الزهري المدني الإمام والمدني ما نأى على الأفهام، المتوقد لأنه ابن شهاب، المتوقل (٤) لأنه على ذيل الأصحاب، المتوفي الزلل فما حفظ شيئا ثم نسيه، ولا استحضره ثم غاب، الناهض به شرف الأسرة في زهرة بن كلاب، والنابض عرقه في أعراق

стр. 1794

السراب (١)، والنافض صبغ دجى الليل بضوء صبحه المجاب (٢)، والناقض حبال الآراء إنكاثا (٣) برأيه الصواب، الطالع في أقمار زهرة حيث تشرق خؤولة النبوة (٤)، ويشرب في قلوب الآباء حب البنوة، وتلوي ذوائب لؤي بن غالب على ما تجل مفارقه أن تمس بالطيب، أو تدخن باللألؤة (٥). ولد سنة خمسين، ورأى جماعة من الصحابة، وحدث عنهم، وعن كبار التابعين، وروى عنه جماعة من الأئمة منهم: مالك بن أنس (٦)، والسفيانان (٧). وقال أبو داود (٨): حديثه ألفان ومائتان، النصف منها مسند.

стр. 1795

وقال أبو الزناد (١): كنا نطوف مع الزهري على العلماء، ومعه الألواح والصحف يكتب كل ما سمع (٢). وقال الليث (٣): ما رأيت عالما قط أجمع من الزهري يحدث في الترغيب، فنقول: لا يحسن إلا هذا (٤) وإن حدث عن العرب، والأنساب، قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة، فكذلك (٥). قال الزهري: ما صبر أحد على العلم صبري، ولا نشره أحد نشري. وقال عمر بن عبد العزيز (٦): لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من

стр. 1796

الزهري (١). وقال مالك: بقي ابن شهاب، وماله في الدنيا نظير. وقال عمرو بن دينار (٢): ما رأيت الدينار عند أحد أهون منه عند الزهري كان بمنزلة البعر. (ص ١٥٤) وروي عن عمرو بن دينار أنه قال: أي شيء عند الزهري؟! أنا لقيت ابن عمر، وابن عباس ﵃ ولم يلقهما، فقدم الزهري مكة، فقال عمرو: احملوني إليه. - وكان قد أقعد - فحمل إليه، فلم يأت إلى أصحابه إلا بعد ليل، فقالوا له: كيف رأيته؟ فقال: والله، ما رأيت مثل هذا الفتى القرشي. وقيل لمكحول (٣): من أعلم من رأيت؟ فقال: ابن شهاب. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: عليكم بابن شهاب، فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة الماضية منه.

стр. 1797

وقال سعيد بن عبد العزيز (١): أدى هشام (٢) عن الزهري سبعة آلاف دينار، وكان يأدب ولده، ويجالسه. وقال سعيد - أيضا -: سأل هشام بن عبد الملك الزهري أن يملي على بعض ولده شيئا، فأملى عليه أربعمائة حديث، وخرج الزهري، فقال: أين أنتم، يا أصحاب الحديث، فحدثهم بتلك الأربع مائة، ثم لقي هشاما بعد شهر، أو نحوه فقال للزهري: إن ذلك الكتاب ضاع، فدعا بكاتب، فأملاها عليه، ثم قابل الكتاب الأول فما غادر حرفا واحدا. ومن حفظ الزهري: أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة، وقال: ما استعدت (٣) عالما قط. وقال مالك: قدم الزهري المدينة، فأخذ بيد ربيعة (٤)، ودخلا بيت الديوان، فلما خرجا وقت العصر، خرج ابن شهاب وهو يقول: ما ظننت أن بالمدينة مثل ربيعة، وخرج ربيعة وهو يقول: ما ظننت أن أحدا بلغ من العلم ما بلغ ابن شهاب. وقال معمر: كنا نظن أنا قد أكثرنا عن الزهري، حتى قتل الوليد بن

стр. 1798

يزيد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه، نقول: من علم الزهري (٢). وكان الزهري إذا جلس في بيته وضع الكتب حوله يشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته - يوما -: والله، لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر (٣). ولم يزل الزهري مع (ص ١٥٥) عبد الملك، ثم مع هشام بن عبد الملك، وكان يزيد بن عبد الملك قد استقضاه. وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، وقيل: بعد ذلك (٤)، ودفن في ضيعته "أدامى" (٥) بين الحجاز والشام.

стр. 1799

ومنهم: ٦٩ - قتادة بن دعامة بن قتادة الحافظ (١) العلامة، أبو الخطاب السدوسي (٢) البصري الأكمه (٣) المفسر، الأكمل في فتح المعسر، الأكمد (٤) بسبقه لقلب البرق المتلظي (٥)، ونفس الرعد المتحسر، حجة إليه يرجع، وقدوة عنه لا يرجع، لم تعرف بعده تيها خطا البصرة كيف تدوس، ولا ضربت ترددا في رأيها أخماسها في أسداسها سدوس، ولا قدر أن

стр. 1800

يستثبت شعاعه ذو نظر حسير (١)، ولا ينازع ذو عينين أنه هو بالنسبة إليه ضرير، لا يطاوله ممتد، إلا ويرجع، وباعه القصير، ولا يناظره إلا ويعود، وقد ظهر عجزه، وقال ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلْأَعْمى وَاَلْبَصِيرُ﴾ (٢) قال معمر (٣): أقام قتادة عند سعيد بن المسيب (٤) ثلاثة أيام، فقال له في اليوم الثالث، ارتحل يا عمي (٥)، فقد أنزفتني (٦). وقال قتادة: ما قلت لمحدث قط: أعد عليّ، وما سمعت أذناي شيئا قط إلا وعاه قلبي. وقال ابن سيرين (٧): قتادة أحفظ الناس. وقال معمر: سمعت قتادة يقول: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا.

стр. 1801

وقال أحمد بن حنبل (١): قتادة عالم بالتفسير، وباختلاف العلماء (٢). ووصفه بالفقه والحفظ. وقال: قل أن تجد من يتقدمه. وقال قتادة: (ما أفتيت بشيء من رأي) (٣) منذ عشرين سنة (٤). قال معمر: قلت للزهري: أقتادة عندك أعلم أو مكحول؟ قال: بل قتادة. وقال أحمد بن حنبل: كان قتادة أحفظ أهل (ص ١٥٦) البصرة لا يسمع شيئا إلا حفظه، قرأت (٥) عليه صحيفة جابر (٦)، فحفظها. وقال شعبة (٧): قصصت (٨) على قتادة سبعين حديثا كلها يقول فيها: سمعت أنس بن مالك إلا أربعة. ومع حفظه، وعلمه بالحديث كان رأسا في العربية، واللغة (٩)، وأيام العرب،

стр. 1802

والنسب. وقال أبو عمرو بن العلاء (١): كان قتادة من أنسب الناس. وقال بكر بن عبد الله (٢): من سره أن ينظر إلى أحفظ من أدركنا، فلينظر إلى قتادة. وقال ابن المسيب: ما أتانا عراقي أحفظ من قتادة. ومات بواسط في الطاعون سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل: سنة سبع عشرة، وله سبع وخمسون سنة.

стр. 1803

ومنهم: ٧٠ - شعبة بن الحجاج بن الورد (١) الحجة الحافظ شيخ الإسلام (٢) أبو بسطام الأزدي (٣) العتكي (٤) - مولاهم - الواسطي، نزيل البصرة، ومحدّثها وله قديمها ومحدّثها، زادت به الأزد أزد شنوءة شرفا في يمنها، وإشرافا على هامة ابن ذي يزنها (٥) بقية فضل سبأ سبأها، وسبق على جناح الهدهد (٦) نبأها، وأخرج بفيه الدر والبحر الذي صدره خبأها،

стр. 1804

وأمد بقريحته (١) الرياح اللواقح، وأمسكت المهات (٢) هبأها، وكان متحرجا في دينه لا يوسعه السمح به، ولا التبجح به (٣) إلا في منقلبه، بقي يبذخ (٤) بشرفه ويشمخ لولا التواضع في لين منعطفه (٥). قال الحاكم (٦): سمع من أربعمائة من التابعين (٧). وقال ابن المديني (٨): له نحو ألفي حديث (٩). وكان الثوري (١٠) يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث.

стр. 1805

وقال الشافعي (١): لولا شعبة لما عرف الحديث بالعراق. وقال أبو بحر البكراوي (٢): ما رأيت أحدا أعبد لله من شعبة، لقد عبد الله حتى جف جلده على عظمه واسودّ. وقال عمر بن هارون (٣): كان يصوم الدهر. وقال أبو قطن (٤): ما رأيت شعبة قد ركع إلا ظننت (ص ١٥٧) أنه نسي، ولا سجد (٥) إلا قلت: نسي، وكانت ثيابه لونها كالتراب، وقال أبو داود: سمعت من شعبة سبعة آلاف حديث. وقال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن - يعني الرجال وبصره في الحديث - ووهبه المهدي (٦) ثلاثين ألف درهم فقسمها، وأقطعه ألف جريب (٧) فقدم البصرة فلم يجد شيئا يطيب له فتركها.

стр. 1806

وقال الأصمعي (١): لم نر أحدا قط أعلم بالشعر من شعبة، قال لي: كنت ألزم الطّرمّاح (٢) أسأله عن الشعر (٣). وقال شعبة: كان قتادة يسألني عن الشعر، فقلت: أنشدك بيتا وتحدثني حديثا. وقال أبو قطن: قال لي شعبة: ما شيء أخوف عندي أن يدخلني النار من الحديث. اتفقوا على موته سنة ستين ومائة. ومنهم: ٧١ - عبد الرحمن بن مهدي (٤) أبو سعيد البصري الحافظ الكبير والعلم الشهير (٥)، والعلي الذي لا يتناولها

стр. 1807

من النجوم منير، وقارا لا تفتح لديه عين، واستحضارا لا تمد عليه غين اشتهارا تخفى معه الشموس، وتغض مقل (١) النجوم الشوس (٢)، بحفظ لا تنافره الشوارد (٣)، ولا تنافيه الموارد (٤)، ولا تنافحه الصبا (٥)، إلا ويعد من فعلها البارد، ولا يشغله ورق (٦) الدنيا عن الدين، ولا يشغفه شك الباطل بحق اليقين. قال أيوب بن المتوكل (٧): كنا إذا أردنا أن ننظر إلى الدين والدنيا ذهبنا إلى دار عبد الرحمن بن مهدي. وقال إسماعيل (٨): سمعت علي بن المديني يقول: أعلم الناس بالحديث عبد

стр. 1808

الرحمن بن مهدي. قلت له - وقد أتقنت حديث الأعمش -: من يفيدني عن الأعمش (١)؟ فأطرق ثم ذكر ثلاثين حديثا ليست عندي (ص ١٥٨) تتبع أحاديث الشيوخ الذين لم ألقهم (٢). وقال محمد بن أبي بكر المقدمي (٣): ما رأيت أحدا أتقن لما سمع، ولما لم يسمع، ولحديث الناس من عبد الرحمن بن مهدي، إمام ثبت، أثبت من يحيى ابن سعيد (٤)، وكان عرض حديثه على سفيان (٥). وقال القواريري (٦): أملى عليّ ابن مهدي عشرين ألف حديث. وقال ابن مهدي: ما تركت حديث رجل إلا دعوت الله له، وأسميه. وقال يحيى بن عبد الرحمن: قام أبي ليلة - وكان يحيي الليل - فلما طلع الفجر رمى نفسه على الفراش حتى طلعت الشمس، فجعل على نفسه أن لا

стр. 1809

يجعل بينه وبين الأرض شيئا، فقرحت فخذاه. وقال ابن مهدي: لو كان لي سلطان لألقيت من يقول بخلق القرآن في دجلة، بعد أن أضرب عنقه. وقال العجلي (١): شرب ابن مهدي حب البلاذر (٢)، فبرص (٣)، وكان فقيها بصيرا بالفتوى، عظيم الشأن، وكان لا يتحدث في مجلسه، ولا يبرى قلم، ولا يقوم أحد، كأنما على رؤوسهم الطير، وكأنهم في صلاة. وقال علي بن المديني: لو حلفت بين الركن والمقام لحلفت أني لم أر مثل عبد الرحمن. وكان يقول: أعلم الناس بقول الفقهاء السبعة (٤): الزهري، ثم بعده مالك،

стр. 1810

ثم بعده ابن مهدي، وكان ورده كل ليلة نصف القرآن (١). وقال الذهلي (٢): ما رأيت في يد عبد الرحمن كتابا قط. ومات في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة، وورثه بنوه، وأبوه مهدي - وكان عاميا -. ومنهم: ٧٢ - أبو داود الطيالسي (٣) واسمه سليمان بن داود بن الجارود الفارسي الأصل البصري (٤)، من أهل الطلب الذين بلغوا الفضل، وتداولوه، ورجال (ص ١٥٩) فارس الذي لو كان

стр. 1811

العلم في الثريا لتناولوه (١). روى الحديث، ولقي أهله، وتروى منه، ولم يقنع بنهله (٢)، وعجل إليه تلقفه من الأفواه، وتلقمه فم القلم، وحلق الدواة، وإشفاقا أن يختانه (٣) النسيان، أو يحتاله الضياع في الأحيان، على أنه ما خلا من تغليط، ولا خبا كوكبه، وقد أكثر عليه غبش (٤) غلبه التخليط. قال الفلاس (٥)، وابن المديني (٦): ما رأينا أحفظ منه. وقال رفيقه ابن مهدي (٧): هو أصدق الناس. قال أبو داود: كتبت عن ألف شيخ.

стр. 1812

وقال وكيع (١): ما بقي أحد أحفظ لحديث طويل من أبي داود، فبلغه ذلك، فقال: ولا قصير. وقال عمر بن شبة (٢): كتبوا عن أبي داود من حفظه أربعين ألف حديث (٣). قال الذهبي: كان يتكل على حفظه فغلط في أحاديث (٤). مات سنة أربع ومائتين (٥)، وكان من أبناء الثمانين.

стр. 1813

ومنهم: ٧٣ - يحيى (١) بن يحيى (٢) أبو زكريا التميمي (٣) النيسابوري (٤) الحافظ شيخ خراسان (٥) وموضع نطق كل لسان، نسب إلى نيسابور، وحسب أنه الطود (٦) الصبور، وصدرت منه في خراسان ما ملأ كل صدر، وخبأ الخمول معه كل قدر، عجائب شيبت لمم جبالها، وشببت ديم (٧) أنوائها رواشق (٨) نبالها، كان تميمة لتميم، وضميمة إليه غولة (٩) كل حميم (١٠)، أنشز (١١) من رفاتها كل رميم (١٢)،

стр. 1814

وأنشق (١) من عبق ريحها كل شميم، وأنسأ عهد كل سالف إلا أنه غير ذميم (٢). قال الحاكم: هو إمام عصره بلا مدافعة، ولد سنة اثنتين وأربعين ومائة. قال ابن راهويه (٣): ما رأيت مثل يحيى بن يحيى، ولا أظنه رأى مثل نفسه. وقال أحمد بن حنبل: ما رأى يحيى بن يحيى مثل نفسه (٤). (ص ١٦٠). وقال الذهلي: ما رأيت أحدا أجل، ولا أخوف لربه من يحيى بن يحيى، ولو أشاء لقلت: هو رأس المحدثين في الصدق. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل (٥): سمعت أبي يثني على يحيى، ويقول: ما أخرجت خراسان مثله (٦)، كنا نسميه "يحيى الشكّاك" من كثرة ما كان يشك في الحديث - يعني - (٧) أنه كلما توقف في كلمة أبطل سماعه لذلك الحديث، ولم يروه.

стр. 1815

وقال ابن راهويه: ظهر ليحيى نيف وعشرون ألف حديث، ومات يوم مات، وهو إمام أهل الدنيا (١). ومات في صفر (٢) سنة ست وعشرين ومائتين، وكان أسن من الشافعي بثمانية أعوام (٣). ومنهم: ٧٤ - علي بن عبد الله (٤) بن جعفر بن نجيح (٥) السعدي (٦) - مولاهم - المديني (٧) ثم البصري، حافظ العصر، وقدوة أرباب هذا

стр. 1816

الشأن، صاحب التصانيف الكثير عددها، الكبير مددها، النثير (١) كالنجوم بددها (٢)، الغزير معينها لا تدرك أقمارها داديها (٣) ولا ددها (٤)، ولا يعادل وزنه الرجيح، ولا يوازي حبه وهو نجيح، حفظ المضاع (٥)، وحيز له الحديث كأنما تلقاه بولادته في سعد من الرضاع (٦). ولد سنة إحدى وستين ومائة (٧). قال أبو حاتم: كان ابن المديني علما في الناس في معرفة الحديث والعلل، وما سمعت أحمد بن حنبل سماه قط، إنما كان يكنيه تبجيلا له. وقال ابن عيينة: تلومونني على حب ابن المديني، فو الله لما أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني. وكان ابن عيينة يسميه "حية الوادي".

стр. 1817

وقال عبد الرحمن بن مهدي: أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ ابن المديني، وخاصة بحديث سفيان (١). وقال النسائي (٢): كأنّ ابن المديني خلق لهذا الشأن. وقال البخاري (٣): ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند (ص ١٦١) علي بن المديني. وقال أبو داود: علي بن المديني أعلم من أحمد باختلاف الحديث (٤)، ومناقبه جمة لولا ما كدرها بتعلقه بشيء من مسألة القرآن، وتردده إلى أحمد بن أبي دؤاد (٥) إلا أنه تنصل، وندم، وكفّر من قال بخلق القرآن (٦)، فالله يرحمه. ومات بسامراء في ذي القعدة (٧) سنة أربع وثلاثين ومائتين. قال العلامة أبو زكريا النووي (٨): لابن المديني نحو مائتي مصنف.

стр. 1818

ومنهم: ٧٥ - يحيى بن معين بن عون (١) بن زياد بن بسام البغدادي (٢) الحافظ المشهور، الحامل سحابة المشرق على الربى أنار ذيله المجرور، الذي تدفق منه ابن معين، وأشرق به على بغداد ليل طلع صباحه من كمين (٣)، وعلا نسبه إلى بسام وضحاك سرورا بما قدم، وحبورا بأنه على ما أسلف من عمل صالح تقدم، ويقينا بأنه سيقدم على الله تحت راية رواية حديث نبيه ﷺ . كان أبوه كاتبا لعبد الله بن ملك، وقيل: إنه كان على خراج الري، فمات، فخلف لابنه يحيى المذكور ألف ألف درهم، وخمسين ألف درهم، فأنفق المال جميعه على الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه، وسئل: كم كتبت من الحديث؟ فقال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث (٤).

стр. 1819

وخلف من الكتب مائة قمطر (١)، وأربع حباب (٢) شرابية (٣) مملوءة كتبا. وهو صاحب الجرح والتعديل، وروى عنه الحديث كبار الأئمة كالبخاري، ومسلم، وأبي داود (٤)، وغيرهم من الحفاظ، وكان بينه وبين الإمام أحمد من الصحبة والألفة والاشتراك في الاشتغال بعلوم الحديث ما هو مشهور لا حاجة إلى الإطالة بذكره. وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا (ص ١٦٢) يعرفه يحيى بن معين فليس هو بحديث. وكان يقول: صاحبنا خلقه الله لهذا الشأن، ويظهر كذب الكذابين - يعني يحيى بن معين -.

стр. 1820

وقال علي بن المديني: انتهى العلم بالبصرة إلى يحيى بن أبي كثير (١)، وقتادة، وعلم الكوفة إلى أبي إسحاق (٢)، والأعمش، وعلم الحجاز إلى ابن شهاب، وعمرو بن دينار (٣)، وصار علم هؤلاء الستة بالبصرة إلى سعيد بن أبي عروبة (٤)، وشعبة (٥)، ومعمر (٦)، وحماد بن سلمة (٧)، وأبي عوانة (٨)، ومن أهل الكوفة سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ومن أهل الحجاز إلى مالك بن

стр. 1821

أنس، ومن أهل الشام إلى الأوزاعي (١)، وانتهى علم هؤلاء إلى محمد ابن إسحاق (٢)، والهيثم (٣)، ويحيى بن سعيد (٤)، وابن أبي زائدة (٥)، ووكيع (٦)، وابن المبارك (٧)، وهو أوسع هؤلاء علما، وابن

стр. 1822

مهدي (١)، ويحيى بن آدم (٢)، وصار علم هؤلاء جميعا إلى يحيى بن معين (٣)، وكان يحج، فيذهب إلى مكة على المدينة، ويرجع على غير المدينة، فلما كان آخر حجة حجها، خرج على المدينة، ورجع على المدينة، فأقام بها ثلاثة أيام، ثم خرج حتى نزل المنزل مع رفاقه، فباتوا، فرأى في النوم هاتفا يهتف به: يا أبا زكريا، أترغب عن جواري؟ فلما أصبح، قال لرفاقه: امضوا، فإني راجع إلى

стр. 1823

المدينة، فمضوا ورجع، فأقام بها ثلاثا، ثم مات، فحمل على أعواد النبي ﷺ (١) وذلك سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، كذا قال الخطيب. ومنهم: ٧٦ - عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسي (٢) - مولاهم - الكوفي أبو بكر الحافظ (٣)، العديم النظير، الثبت النحرير، صاحب المسند والمصنف، والمقلد، والمشنف، حرر النقول، وحبّر تصانيفه بأحاديث الرسول، وأبقى بعده ما هو قدوة للأتباع، وذروة للاتباع، وأسوة في (ص ١٦٣) إزالة الابتداع. علما ظهر، وفضلا بهر، ورواية لا تحدث كإروائها عن البحر ولا النهر، وتفننا لا يلقط شبيه أفنانه من الثمر ولا الزهر، وظهورا كالشمس لا بل ما سار ضوءها مثله ولا اشتهر (٤). قال الفلاس وأبو زرعة الرازي (٥): ما رأينا أحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة.

стр. 1824

وقال أبو عبيد (١): انتهى الحديث إلى أربعة فأبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد أفقههم له، وابن معين أجمعهم له وابن المديني أعلمهم. وقال صالح بن محمد (٢): أعلم من أدركت بالحديث وعلله علي بن المديني، وأحفظهم له عند المذاكرة أبو بكر بن أبي شيبة. وقال أبو عبيد: أحسنهم وضعا لكتاب أبو بكر بن أبي شيبة. وقال الخطيب (٣): كان أبو بكر متقنا حافظا، صنف المسند والأحكام والتفسير. قال البخاري (٤): مات في المحرم (٥) سنة خمس وثلاثين ومائتين.

стр. 1825

ومنهم: ٧٧ - عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل (١) ابن بهرام بن عبد الصمد التميمي الدارمي (٢) السمرقندي (٣) صاحب المسند العالي والمقلد (٤) بالدر الغالي، والذي إذا عرضت على مناقبه الدرر قال: لا تصلح هذه اللآلي إلا لي، تعرضت له الدنيا، فأعرض عن زخارفها، وتنكر لها لمعرفته بمعارفها، وردّ عليها ما خولت (٥) من غرورها (٦)، ونولت (٧) من سرورها، هذا وهو بسمرقند حيث يضرب المثل رونق صغدها (٨)، ومونق رغدها، ومشرق
следующие страницы →