حوائجنا عند تلك الوجوه الصباح. فلما قضينا من الزيارة الأرب، وهزتنا من النوبة الخليلية الطرب، بعثت وراء الصاحب ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن الخليليّ التميميّ الداريّ (١). وهو بقية هذا البيت الجليل، والمنتهي إليه النظر على وقف الحبيب [١٢٩] سيدنا محمد ﷺ وبلد أبيه إبراهيم الخليل.
والتمسنا منه إحضار الكتاب الشريف النبوي المكتتب لهم بهذه النّطية (٢).
والمشرّف لهم به على سائر البرية. فأنعم بإجابة الملتمس، وجاء به أقرب من رجع النفس. وهو في خرقة سوداء من ملحم قطن وحرير، من كمّ الحسن أبي محمد المستضيء بالله أمير المؤمنين (٣)، وبطانتها من كتّان أبيض على تقدير كل إصبع منه ميلان أسودان، مشقوقان بميل أبيض، جعل ضمن أكياس يضمّها صندوق
стр. 212
من أبنوس يلفّ في خرقة من حرير. والكتاب الشريف في حزقة (١) من خف من أدم، أظنّها من ظهر القدم. وقدموه سواد الجلد على الخط، لا أنّه أذهبه، وما أخفى من يد كاتبه المشرفة ما كتبه. وهو بالخط الكوفي المليح القويّ. فقبلنا تلك الآثار، وتمتعنا منه بمدد الأنوار. ومعه ورقة كتبها المستضيء بنصه شاهدة لهم بمضمونه، ومزيلة لشك الشاك المريب وظنونه: ومضمون ما كتب كهيئته وسطوره (٢):
«نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه»
«لتميم الداريّ وإخوته في سنة تسع من الهجرة بعد منصرفه»
«من غزوة تبوك في قطعة أدم من خف أمير المؤمنين عليّ وبخطه»
«نسخته كهيئته»
«بسم الله الرحمن الرحيم»
«هذا ما انطى محمد رسول الله لتميم»
«الداريّ وإخوته حبرون والمرطوم»
«وبيت عينون وبيت إبراهيم وما فيهنّ»
«نطية بتّ بذمتهم ونفذت وسلمت ذلك لهم»
«ولا عقابهم فمن آذاهم آذاه الله فمن آذاهم»
«لعنه الله شهد عتيق بن أبو قحافة وعمر بن»
«الخطاب وعثمان بن عفان وكتب عليّ بن»
«بو طالب وشهد»
стр. 213
هذه نسخة الكتاب الشريف.
و «أبو قحافة» ألف وباء وواو - ثم «قحافة» - و «بو طالب» باء وواو - ثم «طالب». وليس في «بو» ألف. بين ذلك ليعرف. و «كتب» في ذكر علي ﵁ مقدّمة، و «شهد» مؤخرة. بين ذلك أيضا ليعرف.
وقد رأيت ذلك كله بعيني، ومن خط المستضيء نقلت. وهو خطة المعروف المألوف. وقد رأيته وأعرفه معرفة لا أشكّ فيها ولا أرتاب. وقرأته من الكتاب النبوي نفسه. وهو موافق لما كتبه المستضيء، نقلا منه. على أن آثاره كادت لتعفّى، وتحتجب عن الناس لفساد الزمان وتتخفّى (١).
стр. 214
وكان التبرّك برؤية ذلك على ظهر القبو الصغير الشماليّ، في الحرم الخليليّ الملاصق لقبر زوج يعقوب ﵇ المفضي منه إلى المئذنة بحضرة مخزن العدس.
وقد كنت رأيت ذلك مرة متقدّمة بالحصن سكن بني الخليلي، بظاهر البلد، لما أتيت زائرا بعد العود من الحجّ على الدرب المصريّ في المحرّم سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ولكنّي إذ ذاك لم أنقله [١٣١].
قبر يونس بن متى ﵇ (١)
بقرية حلحول على يسار الذاهب من بلد القدس إلى بلد الخليل ﵇. ويعرّج الزائر إليه. وعليه بناء وقبّة. وله خادم
زرته مرات. وآخر عهدي به في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
وكتبت على جدار القبة بيتين خطرا لي في ذلك الوقت، وهما (٢):
стр. 215
قبر موسى بن عمران ﵇ (١) بالقرب من أريحاء. وتعرف بشيحان.
رأيت بخط علاء الدين ابن الكلاس (٢) ما صورته: «قال الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد الله بن يونس الأرمويّ (٣) عن والده قال: زرت قبر موسى ﵇ الذي بالقرب من أريحا. قال الشيخ إبراهيم: وكان إذ ذاك لم تبن عليه قبّة ولا مشهد. قال: فقلت في نفسي: اللهم أرني ما أزداد به يقينا في صحة هذا القبر. قال: فبينا أنا نائم رأيت كأنّ القبر انشقّ وخرج منه إنسان طوال.
قال: فجئت إليه وسلّمت عليه، وقلت له: من أنت؟ قال: موسى بن عمران، وهذا قبري. وأشار إليه. ثم قعدنا. وإذا بالقرب منا رجل يطبخ في قدر فلما استوى طعامه، أحضره إلينا وإذا هو شورباة أرز. فأكل موسى ﵇ منها ثلاث ملاعق، وأنا ثلاث ملاعق، والرجل ثلاثا. ثم تداولناها بيننا إلى أن فرغت. قال الشيخ عبد الله: وكنت على عزم العود إلى بلاد العجم إلى عند
стр. 216
شيخي. فقال لي موسى ﵇: أنت [١٣٢] لا تسافر إلى شيخك.
وكيف تسافر وأنت تريد تتزوج بامرأة من نسل الرسول وترزق منها أربعة أولاد؟ وأقام الشيخ إبراهيم أصابع يده اليمنى الأربعة، وضم الإبهام إلى باطن كفه، يحكيه. قال الشيخ إبراهيم: فكان كما ذكر موسى ﵇، فلم يسافر والدي، وتزوج بامرأة شريفة، وهي أمّي، ورزق أربعة أولاد، أنا أحدهم. ولما حضرته الوفاة، قلت له: يا سيدي أنت راض عني؟ فقال: كيف لا أرضى عنك، وقد بشرني بك موسى ﵇ (١).
стр. 217
مسجد دمشق (١)
مسجد عظيم، ومعبد قديم. لا يعرف على الحقيقة بانيه ولا زمن بنائه. فتح المسلمون الشأم، وهو كنيسة لأهل دمشق يتعبّد فيها، زمن الرّوم. وقد كان قبلهم معبدا لأمم مختلفة. وتزعم الكلدانية أنه من بنائهم وأنهم بنوه فيما بنوا من الهياكل السبعة التي اتخذوها للكواكب السبعة. جعلوه بيتا للمشتري. قالوا ولهذا استمر التعبّد فيه إذ كان المشتري طالع الديانات والتأله. هذا ما زعموه.
وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم (٢): حيطان مسجد دمشق الأربعة من بناء هود وما كان من حدّ الفسيفساء إلى فوق، فهو من بناء الوليد.
وقال الوليد بن مسلم (٣): لما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء دمشق، وجدوا في حائط المسجد القبلي لوحا من حجر، فيه كتاب نقش. فأتوا به الوليد.
стр. 218
فبعث إلى الرّوم فلم يستخرجوه. فدلّ على وهب بن منبه. فأقدمه عليه، فأخبره بموضع ذلك اللوح. ويقال ذلك الحائط من بناء هود ﵇. فلما نظر إليه وهب، حرّك رأسه. ثم قرأه، فإذا هو:
«بسم الله الرحمن الرحيم. ابن آدم! لو نظرت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك! وإنما تلقى ندمك، لو قد زلّت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، ثم صرت تدعى فلا تجيب! فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد. فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، وقبل الحسرة والندامة، وقبل أن يحلّ بك أجلك، وتنتزع منك روحك! فلا ينفعك مال جمعته، ولا ولد ولدته، ولا أخ تركته! ثم تصير إلى برزخ المثوى، ومجاورة الموتى. فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوّة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن تؤخذ بالكظم، ويحال بينك وبين العمل! وكتب في زمان سليمان بن داوود ﵉».
ولما فتح المسلمون دمشق (على ما يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى) دخل أمير الجيش أبو عبيدة بن الجرّاح ﵁ بالأمان من [١٣٤] غرب البلد، ودخل خالد بن الوليد بالسيف من شرقه.
فكانت دمشق نصفين. والكنيسة كذلك. فاتخذوا منها النصف الشرقيّ المفتوح عنوة، مسجدا يصلّون فيه. وتصلّي النصارى في النصف الآخر. فتأذّى المسلمون لمجاورة النصارى لهم في مكان تعبدّهم، وكرهوا قرع النواقيس بإزائهم.
واشتدّ ذلك على الوليد بن عبد الملك. وكان مغرى في سلطانه بعمارة المساجد وبناء المعابد. فأعطى رجلا ديته حتّى أتى القسطنطينية. ودخل في زيّ النصارى كنيستها العظمى يوم الأحد، والملك فيها فمن دونه. فلبث حتّى رأى أن جمعهم قد استكمل. ثم قام فأذّن. فأخذ وأحضر لدى الملك، وقد جلس إلى
стр. 219
جانبه البطريرك، واستدارت بهما القسوس والشمامسة. فقال له الملك: من أنت، وما حملك على ما صنعت؟ فقال: أما أنا، فرجل من المسلمين من أهل دمشق، وأما ما حملني على ما صنعت، فأنشدك الله، أيها الملك: هل ساءك ما فعلته وكرهته أم لا؟ فقال: نعم. فقال: ونحن في معبد في شطره النصارى، نسمع نواقيسهم، ونساء بمجاورتهم. فأراد أمير المؤمنين أن يعرفك أننا نساء بذلك، كما ساءكم ما فعلت. فخلّى عنه، وكانوا قد هموا بقتله. ثم قال له:
صالحونا على عوض. فصولحوا عنه بنصف كنيسة مريم، وكانت شطرين.
ثم شرع الوليد بن عبد الملك في تحسين بنائه وتحصين فنائه. أبقى منه ما أبقى، وجدّد ما جدّد.
وقال إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة المقريء (١): «حدّثني أبي عن أبيه المغيرة، أنه دخل يوما على الوليد بن عبد الملك فرآه مغموما. فقال: يا أمير المؤمنين ما سبيلك؟ فقال: يا مغيرة إنّ المسلمين قد كثروا، وقد ضاق بهم المسجد. وقد بعثت إلى هؤلاء لندخل كنيستهم في المسجد، فأبوا. وقد أقطعتهم قطائع كثيرة وبذلت لهم مالا، فامتنعوا. قال: لا تغتمّ يا أمير المؤمنين! قد دخل خالد من الباب الشرقيّ بالسيف، ودخل أبو عبيدة من باب الجابية بالأمان. فماسحهم (٢) [إلى] (٣) أيّ موضع بلغ السيف، فإن يكن لنا فيه حقّ أخذناه. قال: فرّجت عني! فتولّ أنت هذا. [١٣٥] فتولاه. فبلغت المسحة إلى سوق الريحان (حتّى حاذى) (٤) من القنطرة الكبيرة أربعة أذرع وكسرا
стр. 220
بالقاسميّ. فإذا باقي الكنيسة قد دخل في المسجد. فبعث إليهم، فقال [لهم]:
هذا حقّ قد جعله الله لنا [لنصلي فيه] لم يصلّ المسلمون في غصب ولا ظلم، بل نأخذ حقنا. قالوا: قد أقطعتنا أربع كنائس، وبذلت لنا من المال كذا وكذا.
فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تتفضل بذلك علينا، فافعل! فتمنع عليهم حتّى سألوه وطلبوا إليه. فأعطاهم كنيسة حميد بن درّة، وكنيسة أخرى عند سوق الجبن، وكنيسة مريم، وكنيسة المصلّبة (١).
ثم جمع الوليد المسلمين لهدم الكنيسة. فقال بعض الأقساء للوليد، والفأس على كتفه، وعليه قباء سفرجليّ، وقد شدّ قباءه: إني أخاف عليك من الشاهد (٢). قال: ويلك! إني ما أضع فأسي إلا في رأس الشاهد! ثم إنه صعد.
فأول من وضع فأسه في هدمها الوليد بن عبد الملك. وكبّر الناس».
وقال يعقوب الفسويّ (٣): سألت هشام بن عمّار عن هدم الكنيسة. فقال:
كان الوليد قال للنصارى: ما شئتم، إنا أخذنا كنيسة توما عنوة وكنيسة الداخلة. فأنا أهدم كنيسة توما، وكانت أكبرهما. قال: فرضوا أن هدم كنيسة الداخلة وأدخلها في المسجد. وكان بابها قبلة المسجد اليوم المحراب الذي يصلّى فيه. قال: وهدم الكنيسة في أول خلافته [سنة ست وثمانين]. وكانوا في بنيانه تسع سنين (٤). ولم يتم بناؤه.
وقال يزيد بن أبي مالك (٥): أرسل إلى الوليد حين أراد أن ينقض الكنيسة
стр. 221
فأتاه النصارى فقالوا: كنيستنا لا تهدمها! قال: فإني أتركها وأهدم كنيسة توما، لأنها لم تكن في العهد. فلما رأوا ذلك، قالوا: فإنا نتركها لكم، وتدع لنا كنيسة توما. فصعد الوليد وصعدنا معه. فكان أول من ضرب بفأس في هدمها.
قال: وأراد أن يبني المسجد أسطوانات (١) إلى الطاقات. فدخل بعض البنائين فقال: لا ينبغي أن يبنى هكذا. ولكن ينبغي أن يبنى فيه قناطر وتعقد أركانها، ثم تجعل أساطين وتجعل عمدا. وتعقد فوق العمد قناطر تحمل السقف وتخفف عن العمد البناء. وتجعل بين كل عمودين ركنا، قال: فبني كذلك.
وقال إبراهيم بن هشام الغسّاني (٢): [١٣٦] حدثني أبي عن يحيى بن يحيى، قال: لما همّ بهدم كنيسة مريحنّا ليزيدها في المسجد، يعني الوليد، صعد المنارة ذات الأضالع المعروفة بالساعات، وفيها، راهب يأوي في صومعة.
فأحدره من الصومعة، فأكثر الراهب كلامه. فلم تزل يد الوليد تدقّ في قفاه حتى أحدره من المنارة. ثم همّ بهدم الكنيسة. فقال له جماعة من نجاري النصارى: ما نجسر على هدمها. فقال: أتخافون؟ هات المعول، يا غلام! ثم أتي بسلّم فنصبه على محراب المذبح (٣). وصعد فضرب بيده حتّى أثر فيه أثرا كبيرا. ثم صعد المسلمون فهدموه، وأعطاهم الوليد مكان الكنيسة الكنيسة التي بحمام القاسم، حذاء دار أمّ البنين في الفراديس. قال يحيى بن يحيى: أنا رأيت الوليد فعل ذلك بكنيسة مسجد دمشق.
وروى الوليد بن مسلم عن ابن جابر وغيره، قالوا (٤): لما كان الوليد وأراد بناء
стр. 222
المسجد، فقال: إنا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم هذه [كنيسة يوحنا] (١)، ونعطيكم عوضها حيث شئتم. وإن شئتم أعطيتكم ثمنها، وأضعف لكم الثمن. فأبوا ذلك، وقالوا: لنا ذمّة وعهد. والله إنا لنجد ما يهدمها أحد، إلا جنّ! قال: فأنا أول من يهدمها. فقام وعليه قباء أصفر فضرب، وهدم الناس معه.
قال أحمد بن المعلّى (٢): «فأخبرني شيبة بن الوليد، قال حدّثني أبي، قال:
كنت أمرّ بعبد الرحمن بن عامر اليحصبيّ (وهو شيخ كبير أزرق) وهو جالس بالروضة، فيقول لي: ألا تأتي حتّى أكتب لك ارتجاز (٣) جدّك وهو يضرب بالفأس في الكنيسة بعد الوليد؟ قلت: نعم، ولكن حدّثني الحديث. فقال: لما عزم الوليد على هدم الكنيسة، قالوا إنه لا يهدمها أحد إلا جنّ. فقام جدّك يزيد ابن تميم فجمع له وجوه أهل البلد. وأمره الوليد أن يتخذ فأسا صغيرة. ففعل.
ثم خرج الوليد وتبعه وجوه أهل البلد حتّى علا الكنيسة. ثم التفت إلى يزيد بن تميم، فقال: أين الفأس؟ فأتاه به. فقال إن هولاء الكفرة يزعمون أن أول من يهدمها يجنّ، وأنا أول [١٣٧] من يجنّ في الله. وأخذ برقبة قبائه فوضعها في منطقته. ثم أخذ الفأس فضرب به ضربات. ثم ناوله جدّك فضرب به بعده، وتناول الفأس كل من حضر.
وصاح النصارى على الدرج وولوا. فالتفت إلى يزيد بن تميم، وهو على خراجه، فقال: ابعث إلى اليهود حتّى يأتوا على هدمها. ففعل. فجاء اليهود فهدموها».
стр. 223
قال ابن المعلّى (١): وأخبرني همّام بن محمد بن عبد الباقي، قال: حدّثني أبي، قال حدثني مروان بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان، قال:
لما أراد الوليد بناء مسجد دمشق، احتاج إلى الصّنّاع. فكتب إلى الطاغية أن وجه إليّ بمائتي صانع من صنّاع الروم، فإني أريد أن أبني مسجدا. وإن لم تفعل، غزوتك بالجيوش، وخربت الكنائس، وفعلت. فكتب إليه: «لئن كان أبوك فهمها فأغفل عنها، إنها لوصمة عليه، ولئن كنت فهّمتها وغيّبت عن أبيك، إنها لوصمة عليك. وأنا موجّه إليك ما سألت». فأراد أن يعمل جوابا، فجلس عقلاء الرجال يفكرون (٢). فقال الفرزدق: أنا أجيبه، قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء: ٧٩]. فسرّي عنهم».
وعن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه، قال (٣): كتب ملك الروم إلى الوليد: «إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها. فإن كان حقا فقد خالفت أباك، وإن كان باطلا فقد أخطأ أبوك تركها. فلم يجبه أحد.
فوثب الفرزدق، فقال: أنا أبو فراس! ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾! قال فكتب به الوليد إلى ملك الروم.
وقال أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملاّس (٤): حدثني أبي عن أبيه عن جدّه، قال: بنى الوليد قبة مسجد دمشق، فلما استقلّت وتمّت، وقعت. فشقّ ذلك عليه. فأتاه بنّاء، فقال: أنا أتولّى بناءها، على أن لا يدخل أحد معي في بنائها. ففعل. فحفر موضع الأركان حتّى بلغ الماء. ثم بناها. فلما استقلت على
стр. 224
وجه الأرض، غطاها بالحصر. وهرب. فأقام الوليد بطلبه ولا يقدر. فلما كان بعد سنة، قدم، فقال له: ما دعاك إلى الهرب؟ قال: تخرج [معي] حتى أريك.
فأتوا. فكشف [١٣٨] عن الحصر. فوجد البنيان قد انحطّ حتى صار مع وجه الأرض. فقال: من هذا كنت تؤتى! ثم بناها حتّى قامت.
وقال عمر بن الدّرفس الغسّانيّ (١): رأيت قبة مسجد دمشق. وقد حفر لأركانها حتّى بلغوا الماء وألقي على الماء جران الكروم. وبني الأساس عليه.
وقال إبراهيم بن أبي حوشب (٢): كان جدّي أحد قومة المسجد في بنائه.
فحدّثت أن الوليد بعث إليه عند فراغه من القبة، ولم يبق إلا عقد رأسها. فقال:
إني عزمت على أن أعقدها بالذهب. قال: يا أمير المؤمنين! اختلطت؟ هذا شيء لا يقدر [عليه]؟ فقال: يا ماجن، تقول لي هذا؟ وأمر به، فضرب خمسين سوطا. ثم قال: اذهب، فافعل ما أمرت به. قال: فذكر لي أنه عمل لبنة من ذهب. فحملها إليه. فلما رآها وعرف ما فيها، قال: هذا شيء لا يوجد في الدنيا. ورضي عنه وأمر له بخمسين دينارا.
وقال أبو بكر أحمد بن البرامي (٣)، حدثنا أبي: سمعت بعض شيوخنا قال:
لما فرغ الوليد من بناء المسجد، قيل له أتعبت الناس في طينه كلّ سنة. فأمر أن يسقّف بالرصاص [فطلب الرصاص] (٤) من كل بلد. فبقي عليه موضع لم يجد له رصاصا. فكتب إليه بعض عماله: وجدنا عند امرأة منه شيئا، فأبت أن تبيعه إلا وزنا بوزن. فكتب إليه خذه بما أرادت. فأخذه منها وزنا بوزن. فلما وفّاها،
стр. 225
قالت: هو منّي هديّة للمسجد. وقالت: أنا ظننت أن صاحبكم يظلم الناس.
وقيل كانت يهودية.
وقال الوليد بن مسلم (١): لما أراد الوليد بناء المسجد، كان سليمان بن عبد الملك على الصّناع.
وروى محمد بن عائذ (٢) عن مشيخة قالوا (٣): ما تم مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة. لقد كان يفضل عند الرجل منهم الفلس ورأس المسمار، فيجيء حتى يضعه في الخزانة.
وقال أحمد بن إبراهيم بن هشام (٤): سمعت أبي يقول: ما في مسجد دمشق من الرخام شيء، إلا رخامتا المقام الغربيّ. فإنه يقال إنهما من عرش سبأ.
وأما الباقي فكله مرمر. المقام هو مقصورة الخطابة والرّخامتان هما [١٣٩] السماقيّ البرّاق، لا يدرى ما قيمتهما. (قلت: قوله في ذلك مردود فقد أجمعت الحكماء على أن الرخام هو الأبيض. فأما الملون فكله حجارة. وبمسجد دمشق من الرخام الأبيض وقر مئين من الإبل. وإن كان الثاني رخاما بزعمه، ففيه من الملوّن كالغرابيّ والمنقط والمشحم والأخضر والسّمّاقيّ غير اللوحين شيء كثير. والناس تطلق على كل ذلك اسم الرخام.
وقد استجدّ شيء كثير منه في الحائط الشاميّ، جدّده الظاهر بيبرس.
واستجد بعد ذلك كثير) (٥).
стр. 226
وقوله المقام الغربي، إشارة إلى محراب مقصورة الخطابة. فإن المسجد لم يكن في حائطه القبليّ في ذلك الوقت إلّا هذا المحراب، والمحراب الشرقيّ المعروف بمحراب الصحابة.
قال دحيم (١): وحدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح عن أبيه، قال: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخّم.
وقال أبو تقيّ هشام بن عبد الملك (٢): حدثنا الوليد بن مسلم، قال: لما أخذ الوليد في بناء المسجد وظهر من تزويقه وبنائه وعظم مؤونته، تكلم الناس وقالوا:
محق بيوت الأموال في نقش الخشب وتزويق الحيطان. فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «قد بلغني مقالتكم، وليس الأمر على ما ظننتم. ألا وإني أمرت باحصاء ما في بيوت أموالكم فأصبت فيه عطاءكم ست عشرة سنة (٣).
стр. 227
وقال الوليد عن عمر بن مهاجر، قال (١): حسبوا ما أنفق على الكرمة التي قبليّ مسجد دمشق فكانت سبعين ألف دينار.
(وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أصبغ بن محمد بن لهيعة السكسكي قال (٢): ذكر أن الوليد بن عبد الملك حين بنى مسجد دمشق، مر برجل يعمل في المسجد وهو يبكي. فقال: ما قصتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! كنت رجلا جمالا. فلقيني يوما رجل فقال: أتحملني إلى مكان كذا وكذا؟ وذكر موضعا في البّريّة. فقلت نعم. فلما حملته وسرنا بعض الطريق، التفت إلى فقال لي: إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك، وأنا حيّ، أغنيتك، وإن متّ قبل بلوغي إليه، فاحمل جثتي إلى الموضع الذي أصف لك. فإنّ ثمّ قصرا خرابا، فإذا بلغته، فامكث إلى ضحوة النهار. ثم عدّ سبع شرفات من القصر (٣) واحفر تحت ظلّ
стр. 228
السابعة منها على قدر قامة. ستظهر لك بلاطة، فاقلعها فإنك سترى تحتها مغارة، فادخلها، فإنك ترى في المغارة سريرين على أحدهما رجل ميت.
فاجعلني على السرير الآخر، ومدّني عليه، وحمل ما معك مالا من المغارة وارجع إلى بلدك. فمات الرجل في الطريق، ففعلت ما أمرني به. وكان معي أربعة جمال وحمارة فأوسقتها كلها مالا من المغارة، وسرت بعض الطريق، وكانت معي مخلاة نسيت أن أملأها وداخلني الشّره. فرجعت بها وتركت الجمال والحمارة في الطريق فلم أجد المكان، وعدت. فلم أجد الدوابّ، فبقيت أدور أياما. فلما يئست، رجعت إلى دمشق ولم أحصل على شيء واضطرني الأمر إلى ما ترى: أعمل في التراب كل يوم بدرهم. وكلما ذكرت حالي، لم أملك نفسي أن أبكي فقال له الوليد: لم يقسم الله لك من تلك الأموال شيئا، وإليّ صارت، فبنيت بها هذا المسجد. ثم وهبه شيئا).
وقال أبو قصيّ العذريّ (١): وحسبوا ما أنفقوا على مسجد دمشق، فكان أربعمائة صندوق، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار. وبلغ الوليد أنهم تكلموا، فقال: يا أهل دمشق إني رأيتكم تفخرون بمائكم وهوائكم وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن يكون مسجدكم الخامس.
وقال خالد بن تبوك (٢): اشترى الوليد (٣) العمودين الأخضرين اللذين تحت النّسر من حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار.
وقال أحمد بن إبراهيم الغسّانيّ (٤): حدّثنا أبي عن أبيه عن زيد بن واقد،
стр. 229
قال: وكلني الوليد على العمّال في بناء مسجد دمشق، فوجدنا فيه مغارة، فعرفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافى، والشموع تزهر بين يديه، فنزل. فإذا كنيسة لطيفة: ثلاثة أذرع في ثلاثة، وإذ فيها صندوق. فإذا فيه سفط (١)، وفي السّفط رأس يحيى بن زكرياء.
فأمر به الوليد، فردّ إلى المكان. وقال اجعلوا العمود الذي فوقه مغيّرا من الأعمدة [١٤٠]. فجعل عليه عمود [مسبّك] مسفّط الرأس.
وقال ابن البراميّ (٢): سمعت أبا مروان عبد الرحيم بن عمر المازنيّ يقول: لما كان في أيام الوليد وبنائه المسجد، احتفروا فيه فوجدوا بابا مغلقا. فأتى الوليد، ففتح الباب بين يديه. فإذا مغارة فيها تمثال رجل على فرس، في يده الواحدة الدّرّة التي كانت في المحراب، ويده الأخرى مقبوضة. فأمر بها، فكسرت. فإذا فيها حبّتان: حبّة قمح وحبّة شعير. فسأل عن ذلك، فقيل له: لو تركت الكف، لم يسوس في هذه المدينة قمح ولا شعير.
قلت: وحكى لي شيخنا أبو عبد الله محمد بن أسد النجار الحرّاني (٣) الكاتب المجوّد، وكان يباشر به بعض العمائر، أنه فتح في حضرته الشرقية المعروفة بتحت الساعات لكشف قنيّ الماء. فإذا تحت المسجد أقباء معقودة وعمد منصوبة يفرق بينهما عضائد محكمة، قد أحكم بناؤها، وشدّت في سلاسل
стр. 230
الأساس معاقدها. قد بنيت بالصفاح والعمد، والبناء الذي ما هو في قدرة أحد.
قال: ودخلناها وجلنا في جوانبها.
وحكى لي المعلم علي بن محمد بن التقيّ المهندس (١)، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: كان لهذه الكنيسة رواق يحيط بها من الجهات الأربع بأبواب أربعة. في كل جهة باب. فالشرقيّ باب جيّرون، وكان الباب الغربيّ تلقاءه، وراء المسرورية، ما بين العصرونية وبينها. وبقي إلى زمن العادل أبي بكر. ففكّه لما عمّر القلعة. ونقل حجارته وعمده إليها.
قال: وكان في هذا الرواق قلاليّ (٢) وصوامع.
قلت: ومن آخر ما نقض منها الباب وما يجاوره برأس القباقبيين، مما يلي عقبة الكتان.
وبني منه منارة الجامع الشرقية، بعد الحريق الكائن سنة أربعين وسبعمائة.
وتأخر من حجارته بقايا اشتريت لعمارة الجامع اليلبغاوي (٣)، جوار بردا،
стр. 231
سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.
وثم بقايا من سور ذلك الرواق وباب قديم، موجود بين المدرسة النّورية (١) وبين المدرسة المجاهدية (٢) المعروفة بقصر هشام.
[١٤١] وقال ابن المعلّى (٣): أخبرني أحمد بن أبي العباس، حدثنا ضمرة عن عليّ بن أبي جميلة قال: «لما ولي عمر بن عبد العزيز، قالت النصارى: يا أمير المؤمنين، قد علمت حال كنيستنا! قال: إنها صارت إلى ما ترون. فعوضهم كنيسة من كنائس دمشق، لم تكن في صلحهم، يقال لها كنيسة توما».
قال ابن المعلّى (٤): «وبلغني عن الوليد بن مسلم عن ابن جابر أنهم رفعوا إلى عمر بن عبد العزيز ما أخذوا عليه العهد في كنائسهم. فكلمهم ورفع لهم في الثمن، حتّى بلغ مائة ألف [دينار]. فأبوا. فكتب إلى محمد بن سويد الفهريّ أن يدفع إليهم كنيستهم، إلا أن يرضيهم. فأعظم الناس ذلك، وفيهم بقية من
стр. 232
أهل الفقه. فشاورهم محمد بن سويد، متولي دمشق. فقالوا: هذا أمر عظيم! ندفع إليهم مسجدنا؟ وقد أذّنا فيه بالصلاة وجمعنا فيه. يهدم ويعاد كنيسة؟ فقال رجل منهم: هاهنا خصلة. لهم كنائس عظام حول المدينة: ديرمرّان، وباب توما، والراهب، وغيرها. إن أحبوا أن نعطيهم كنيستهم، ولا يبقى حول دمشق كنيسة إلا هدمت، وإن شاؤوا تركت هذه الكنائس ونسجل لهم سجلا. ثم عرضوا عليهم ذلك. فقالوا: أنظرونا، ننظر في أمرنا! فتركهم ثلاثا. فقالوا: نحن نأخذ الذي عرضت علينا، ونكتب إلى الخليفة نخبره بذلك، ويسجّل هو لنا بأمان على ما في الغوطة. فكتب إلى عمر. فسرّه ذلك وسجّل لهم كنائسهم، إنهم آمنون أن تخرّب أو تسكن. وأشهد لهم شهودا بذلك».
وقال صفوان بن صالح (١): «حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن مهاجر:
سمعت أخي عمرا قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، وذكر مسجد دمشق، فقال: رأيت أموالا أنفقت في غير حقها، فأنا مستدرك ما استدركت منها، فرادّه في بيت المال: أعمد إلى ذلك الفسيفساء والرخام، فاقلعه وأطيّنه، وأنزع تلك السلاسل وأجعل مكانها حبالا، وأنزع تلك البطائن. وأبيع جميع ذلك. فبلغ ذلك أهل دمشق فاشتدّ [١٤٢] عليهم. فخرج إليه اشرافهم فيهم خالد القسري. فقال لهم خالد: ائذنوا لي حتّى أكون أنا المتكلم. فأذنوا له. فلما أتوا دير سمعان (٢) استأذنوا على عمر. ثم قال له خالد: بلغنا يا أمير المؤمنين أنك هممت بكذا وكذا. قال: نعم. قال: والله مالك ذلك. فقال: عمر لمن هو؟ لأمّك الكافرة! (وكانت نصرانية أمّ ولد). فقال: إن كانت كافرة، فقد ولدت مؤمنا. فاستحى عمر، وقال: صدقت! فما قولك «ما ذاك لي»؟ قال: لأنا كنا
стр. 233
معشر أهل الشام، وإخواننا من أهل مصر والعراق نغزو فيفرض على الرجل منا أن يحمل من أرض الروم قفيزا بالصغير من فسيفساء، وذراعا في ذراع من رخام.
فيحمله أهل العراق وأهل حلب إلى حلب ويستأجر على ما حملوه إلى دمشق.
ويحمل أهل حمص إلى حمص فيستأجر على ما حملوه إلى دمشق، ويحمل أهل الشام ومن ورائهم حصتهم إلى دمشق. فذاك قولي ما ذاك لك. فسكت عمر.
ثم جاءه بريد من والي مصر يخبره أن قاربا ورد عليه من رومية، فيه عشرة من الروم يريدون الوصول إلى أمير المؤمنين. فأذن لهم وأمره أن يوجه معهم عشرة من المسلمين يحسنون الرومية، ولا يعلمونهم بذلك حتّى يحملوا إليّ كلامهم.
فساروا حتّى نزلوا دمشق، خارج باب البريد. فسأل الروم رئيس العشرة من المسلمين أن يستأذن لهم في دخول المسجد. فأذن لهم فمّروا في الصحن حتى دخلوا من الباب الذي يواجه القبلة. فكان أول ما استقبلوا المقام. ثم رفعوا رؤوسهم إلى القبة. فخرّ رئيسهم مغشيا عليه. فحمل إلى منزله، فأقام ما شاء الله أن يقيم. ثم أفاق. فقال له أصحابه بالرومية: ما قصّتك؟ وما الذي عرض لك؟ قال: كنا معشر أهل رومية نتحدّث أن بقاء العرب قليل. فلما رأيت ما بنوا، علمت أن لهم مدّة سيبلغونها. فلذلك أصابني ما أصابني. فلما قدموا على عمر، أخبروه. فقال: لا أرى مسجد دمشق إلا غيظا على الكفّار، فترك ما كان همّ به من أمره.
[١٤٣] وقال أبو زرعة الدمشقيّ (١): حدثني أحمد بن إبراهيم بن هشام، حدثنا أبي عن أبيه عن جدّه، قال: أراد عمر بن عبد العزيز أن يجرّد ما في قبلة مسجد دمشق من الذهب، وقال إنه يشغل عن الصلاة. فقيل له: يا أمير المؤمنين
стр. 234
إنه أنفق عليه فيء المسلمين وأعطياتهم. وليس يجتمع منه شيء ينتفع به. فأراد أن يبيضه بالجصّ. فقيل له: تذهب النفقات فيه. فأراد أن يستره بالخزف فقيل له: ضاهيت الكعبة. فبينا هو كذلك إذ ورد عليه وفد الروم. فاستأذنوا في دخوله فأذن لهم. وأرسل معهم من يعرف الروميّة وقال: احفظوا ما يقولون.
فلما وقفوا تحت القبة، قال رئيسهم: كم للإسلام؟ قالوا: مائة سنة. قال: فكيف تصغّرون أمرهم؟ ما بنى هذا البنيان إلا ملك عظيم. وأتى الرسول عمر فأخبره، فقال: أما إذ [هو] غايظ العدوّ، فدعه.
وقال أحمد بن إبراهيم بن ملّاس (١): حدثنا أبي عن أبيه قال: لما قدم المهديّ يريد بيت المقدس، ومعه أبو عبيد الله الأشعري (٢) كاتبه، فقال: يا أبا عبيد الله! سبقنا بنو أمية بثلاث: بهذا البيت، لا أعلم على الأرض مثله، وبنبل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز. لا يكون والله فينا مثله أبدا. فلما أتى بيت المقدس ودخل الصخرة قال: يا أبا عبيد الله، هذه رابعة.
قال أحمد (٣): وحدثنا أبي أن المأمون لما دخل مسجد دمشق ومعه المعتصم ويحيى بن أكثم قال: ما أعجب ما في هذا المسجد؟ قال المعتصم: دهنه (٤)
стр. 235
وبقاؤه، فإنا ندعه في قصورنا فلا يمضي عليه عشرون سنة حتى يتغير. قال: ما ذاك أعجبني منه. فقال يحيى بن أكثم: تأليف رخامه، فإني رأيت فيه عقدا ما رأيت مثلها. قال: ما ذاك أعجبني. قالا: فما هو؟ قال: بنيانه على غير مثال متقدّم.
وقال الشافعيّ (١): «عجائب الدنيا خمس: منارة ذي القرنين، والثانية أصحاب الرقيم بالروم، والثالثة مرآة ببلاد الأندلس معلقة على باب مدينتها الكبيرة إذا غاب الرجل من بلادهم على مسافة مائة فرسخ وجاء أهله إليها، يرون صاحبهم [١٤٤] من مسافة مائة فرسخ، والرابعة مسجد دمشق، والخامسة الرخام والفسيفساء،، فإنه لا يدرى لهما (٢) موضع».
(قلت: وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر).
والفسيفساء مصنوع من زجاج يذهّب ثم يطبق عليه زجاج رقيق. ومن هذا النوع المسحور. وأما الملوّن فمعجون.
وقد عمل منه في هذا الزمان شيء كثير برسم الجامع الأموي وحصّل منه على عدّة صناديق وفسدت في الحريق الواقع سنة أربعين وسبعمائة، وعمل منه قبل للجامع التنكزيّ ما على جهة المحراب.
غير أنه لا يجيء تماما مثل المعمول القديم في صفاء اللون وبهجة المنظر.
والفرق بين الجديد والقديم أن قطعه متناسقة على مقدار واحد، والجديد قطعه مختلفة. وبهذا يعرف الجديد والقديم) (٣).
стр. 236
وروى الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان قال (١): ما ينبغي أن يكون أحد أشد شوقا إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدها.
وروى أحمد بن البراميّ بسنده عن عبد الرحيم الأنصاريّ (٢) قال: سمعت [بعض] الأعراب وهم يزورون (٣) المسجد، يقولون: لا صلاة بعد القليلة [يعني الدرة] (٤). فقيل له: رأيت القليلة؟ قال: نعم، وهي تضيء مثل السراج. قلت:
من أخذها؟ قال: أما سمعت المثل؟ «منصور سرق القلة، وسليمان شرب المرّة» منصور الأمير، وسليمان صاحب الشرطة، يعني صاحب شرطته (٥). وذلك أن الأمين (٦) كان يحب البلور. فكتب إلى صاحب شرطة متولي دمشق أن ينفذ إليه القليلة، فسرقها ليلا، وبعث بها إليه. فلما قتل الأمين ردّ المأمون القليلة إلى دمشق ليشنّع بها على الأمين.
وكانت في محراب الصحابة. فلما ذهبت جعل موضعها برنيّة (٧) زجاج رأيتها ثم انكسرت فلم يجعل مكانها شيء».
وقال عليّ بن أبي جميلة (٨): كنا نستر مسجد دمشق في الشتاء بلبود
стр. 237
حسنة (١)، فدخلته الريح فهزته (٢) فخرّقوا اللبود.
قلت: وأما بناؤه، فهو وثيق البناء، أنيق البهاء، قد بني بالحجر والكلس إلى منتهى حوائطه، وشرّف بالشراريف في أعاليه، واتّخذت له ثلاث منائر: اثنتان في جناحي قبلته، شرقا وغربا، والثالثة في شامه وتعرف بالعروس.
ويدخل إليه من ستة أبواب، منها أربعة أصول، واثنان مستجدان. فالأصول باب الزيادة، وهو في حائطه القبليّ، وباب الساعات وهو في حائطه الشرقيّ (يفضي إلى حضرة الساعات المعمولة لمعرفة الأوقات، تدار بالماء، وتعلق بها أبواب الساعات) (٣)، وتجاهه في الحائط الغربيّ باب البريد (وهو أشهر من الشمس في الآفاق، وأكثر ذكرا من «ذكرى حبيب ومنزل» للرفاق. وهو حضرة فسيحة في جانبيها حوانيت للفواكه والشمع والعطر والشراب وأطايب المأكول.
وبها القنيّ من المياه الجارية، توقد عليها المصابيح بالليل فيموه الماء ذهب شعاعها، وتطرب أنابيبها الأسماع بلذة إيقاعها) (٤)، والرابع باب النطّافين وهو في حائطه الشماليّ، تلاصقه الخانقاه السميساطية (٥) وتقاربها
стр. 238
الأندلسية (١).
وأما البابان المستجدّان فهما الباب [١٤٥] النافذ إلى الكلاسة (٢)، والباب النافذ إلى الكاملية (٣). وهما جناحا باب النطّافين.
والمسجد ذو صحن يصاقب باب النطّافين، قد فصّصت حوائطه بالفسيفساء الروميّ المذهب والملوّن بغرائب الأشجار والصباغة.
(ويدور به رواق) (٤) قد أزّرت جدره وسواريه بالرّخام الملوّن، وعقدت رؤوس عمده وسواريه بالقناطر. وجعل على [كل] قنطرة منها طاقات صغار، يفصل بين كلّ اثنتين منها عمود رخام أو سارية.
وفي قبلته ثلاثة أروقة، وفي وسطها القبة المعروفة بالنّسر: قد عقدت على المحراب الكبير (الذي يصلّي به خطيب الجامع وعامّة الناس)، ومقصورة الخطابة وبها المنبر، (وأمامه سدّة الأذان، وإلى جانبه الأيسر المصحف العثماني بخط أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، وفي شرقيّ هذه المقصورة) المحراب
стр. 239
المعروف بمحراب الصحابة. وهو محراب المسلمين الأول. وبه تصلي المالكية الآن.
وغربيّ المحراب الكبير محراب يعرف بالأزوردة، تصلي به الحنفية، جوار دار الخطابة، ثم يليه باب الزيادة، ويليه من الغرب محراب تصلي به الحنابلة.
ولكل من هذه المحاريب الثلاثة إمام ومؤذّن (وقد وقف في كل محراب منها وقف على مدرّس وجماعة من الفقهاء من المذاهب الثلاثة: كلّ طائفة في محرابها).
وكلّ أروقته بالعمد والعضائد، عليها طاقات القناطر المعقودة بعضها على بعض. وقد أزّرت جدر هذه الأروقة بالرّخام (الأبيض والمجزّع والأحمر المنقّط والأخضر المرشوش والأسود الغرابيّ والأبقع والمعجون الأزرق).
وأما أركان القبة الأربعة وجناحا النّسر القبليّ فمن الرخام إلى أعلى الجدر والأركان معمول بالفسيفساء، مسقوف بالبطائن المعمولة (بالذهب واللازورد والزنجفر والإسفيداج والأصباغ الخالصة من لون والمركبة من لونين).
وقد جعل في أركان المسجد الأربعة أربعة مشاهد اتّخذت على أسماء الصحابة الأربعة. فالشرقيّ بقبلة [مشهد] على اسم أبي بكر (وبه عدّة خزائن كتب وقف)، وشاميه مشهد على اسم عليّ. والغربيّ بقبلة مشهد على اسم عمر، ويعرف الآن بمشهد عروة، وبه شيخ حديث وجماعة من العلماء يستمعون الحديث بوقف مستقل وعدّة خزائن كتب وقف. وشاميّه (١) مشهد على اسم عثمان، وبه يصلي نائب السلطان (في شباكه والحاكم الشافعيّ إلى جانبه.
وبهذا الشباك يحكم الحاكم بعد الصلاة، كأنه كرسيّ ملك له.
стр. 240
وبهذا المشهد تعقد مجالس الحكام الأربعة والعلماء لفصل القضايا المعضلة التي لا ينفرد بها حاكم. فيجتمعون بأمر نائب السلطان وينظرون في تلك الحكومة ويحكمون فيها بأجمعهم) (١).
وداخل مشهد عليّ مشهد لطيف يعرف بالسجن. يقال إنه سجن به زين العابدين حين أقدم على يزيد. وجواره في زاوية الرواق الشاميّ - شرقيّ الباب النافذ إلى الكاملية - مقصورة قد جاور بها جماعة من الفقراء [١٤٦]، وتعرف بالحلبية. وبها خزانة كتب وقف، وفي كلّ من ذلك إمام يؤتمّ به، ومؤذن يقيم الصلاة ويبلّغ.
وفي هذا المسجد زيادات في شماله اتسع بها فناؤه، وتفسحت أرجاؤه. منها (الزاوية الحلبية المذكورة في أوّل حدّه الشماليّ من الشرق) (١).
ثم التربة الكاملية، ولها مسجد له إمام ومؤذن،
والكلاّسة، وبها إمامان ومؤذنان.
وفي شامها، الأشرفية (٢) والمدرسة العزيزية (٣) ينفذ إليهما، ولكل منهما إمام ومؤذن.
стр. 241
وجوار المدرسة العزيزية التربة الصلاحيّة من غربها.
هذا إلى عدّة أئمة تقوم فيه احتسابا.
وقد فرش المسجد بالمرمر - ومقطعه من جبل المزة - وعمد قائمة بالرخام الملوّن والمنقوش المذهب.
وكذلك عملت عضائده وذهب قواعد عمده ورؤوسها. وأجري الماء في صحن عقدت عليه قبة في صحنه، وفي صحن في ركن النّسر من داخل الرواق، وفي جميع مشاهده وزياداته، وفي ميضأة اتّخذت أسفل المنارة الشرقية منه.
هذا إلى ما في حضرة باب البريد والزيادة وتحت الساعات من مياه جارية، وأسواق قائمة، وسرج تتّقد ليلا كالأنجم، وبيوت ذات مناظر تملأ عين الناظر المتوسّم. فأما القبة فما لا يجول مثلها في ظنّ، ولا يدور في فكر (وقد تعلّق رفرفها بالغمام عابثا، وحلّق طائرها إلى أخويه النسرين يبغي أن يكون لهما ثالثا) قد بنيت على قناطر، ممتدّة على قناطر، بعقود محكمة، وقطع صخور منظّمة، إلى سقوف مذهبة، ومحاسن موجزة مسهبة.
(وعلى رأس القبة هلال عال في أنبوبة، طول الرمح)
قد غلّفت هي وكل الأسطحة بالرصاص، وحكمت ميازيبه، وجمع فيه من كل حسن غريبه.
قال أبو محمد بن زبر القاضي (١): سمي باب الساعات لأنه عمل هناك بيكار (٢) الساعات، يعلم بها كلّ ساعة تمضي. عليها عصافير من نحاس وحيّة
стр. 242
من نحاس وغراب من نحاس. فإذا تمت الساعة خرجت الحيّة، وصفرت العصافير، وصاح الغراب، وسقطت حصاة في الطّست.
وكان في الجامع قبل حريقه طلّسمات لسائر الحشرات، معلّقة في السقف فوق البطائن. ولم يكن يوجد في الجامع شيء من [١٤٧] الحشرات قبل الحريق.
فلما احترقت الطلسمات، وجدت. ومما كان فيه طلّسم للصنونات (١) لا تعشش فيه. ولا يدخله غراب. وطلّسم للفأر، وطلسم للحيات والعقارب. وما أبصر الناس فيه من هذا شيئا إلا الفأر. وفيه طلّسم للعنكبوت.
وكان حريق الجامع في نصف شعبان سنة إحدى وستين وأربعمائة (٢).
وكان سببه أن أمير الجيوش بدرا الجماليّ ورد من مصر إلى دمشق في هذه السنة. فلما كان بعد العصر يوم نصف شعبان، وقع القتال بين المشارقة والمغاربة.
فضربوا دارا كانت مجاورة للجامع بالنار، فبادرت إلى الجامع. وكانت العامّة تعاون المغاربة. فتركوا القتال وقصدوا إطفاء النار من الجامع. فجلّ الأمر وعظم، فجعلوا يبكون ويتضرّعون.
ووصف العماد الكاتب (٣) هذا الحريق في كتاب. فقال: «وفي النصف من
стр. 243
شعبان هذه السنة، احترق جامع دمشق. ففجع الإسلام بمصابه، وصلت النار في محرابه، واشتعل رأس القبة شيبا بما شبّت، وأكلت النار أمّ الليالي منها ما ربّت، وطار النّسر بجناح الضّرام، وكاد يحترق عليه قلب بيت الله الحرام، فكأنّ الجحيم استجارت به فتمسكت بذيله، وكأنّ النهار ذكر ثأرا عنده فعطف على ليله، فواها له! من مسجد أحرقته نفحات أنفاس الساجدين، وعلقت فيه لفحات قلوب الواجدين، ثم تداركه الله بالألطاف والإطفاء، وأتاه بالشفاء بعد الاشتفاء، وقال اصطلاء واصطلاما، وحقق فيه قوله: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً﴾. [الأنبياء: ٦٩]
(وقال ابن العين زربيّ في الحريق المذكور (١): [الخفيف]
لهف نفسي على دمشق التي كا … نت جمال الآفاق والأقطار!
وعلى ما أصاب جامعها الجا … مع للمعجبات والآثار
إذا أتته النّيران طولا وعرضا … عن يمين من قطره ويسار،
ثم مرّت على حدائق نخل … فإذا الجمر موضع الجمّار!) (٢)
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر (٣): أقيمت القبة الرخام التي فيها فوّارة الماء في سنة تسع وستين وثلثمائة. قال: «وقرأت بخط إبراهيم بن محمد
стр. 244
الحنائي: أنشئت الفوارة المنحدرة في وسط جيرون سنة ست عشرة وأربعمائة.
وأمر بجرّ القصعة من ظاهر قصر حجّاج إلى جيرون وأجرى ماءها الشريف [١٤٨] فخر الدولة حمزة بن الحسن بن العباس الحسينيّ». وتحته بخط محمد بن أبي نصر الحميديّ. «وسقطت في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة، من جمال تحاكّت بها. فأنشئت كرّة أخرى».
قال ابن عساكر (١): ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبادين ورواق دار الحجارة ودار خديجة في سنة اثنتين وستين وخمسمائة.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبيّ: ثم عمل لها الشاذروان، في آخر دولة الملك العادل سنة نيف عشرة وستمائة.
قال (٢): «ورأيت القصعة وهي أكبر من التي في وسط طهارة جيرون. وفي زنّارها الأوسط ستّ أنابيب صغار، تفور حول الفوّارة. وعليها درابزينات. فلما احترقت اللبادين سنة إحدى وثمانين، تلفت هذه القصعة وبني عوضها هذه البركة المثمّنة (وينبع الماء في هذه البركة من قناة دفنت إليها من مكان مرتفع. فيعلو بها الماء نحو قامة. وسمعة الفوّارة أعظم من مرآها، واسمهما أجلّ من معناها») (٣).
قلت: ولما وقع الحريق سنة أربعين وسبعمائة (٤) بسوق الدهشة والطرائفيين
стр. 245
وتشعّث وجه الجدار الذي للمشهد المعروف بأبي بكر وتعلت شرر النار حتى وصلت إلى دائر المنارة الشرقيّة وشرعوا في إصلاح ما وهي من ذلك، وجدوا أعاليها متداعية، وحجارتها مفخرة مفطرة. فوقف عليها الحكام وقامت البينة بالضرورة الداعية إلى نقض المنارة وتجديد بنائها. فنقضت جدرها الأربعة إلى حدّ أوتار الرواق القبليّ، ونقض الجدار القبليّ والجدار الشرقيّ إلى الأرض، وحفر ما بين الجدران في وسط المنارة عدّة قامات. وبني ذلك لبنة واحدة، وبنيت المنارة بنيانا جليلا لم يبن من زمن الوليد أجلّ منه ولا أوثق.
وقال الفاضل صلاح الدين أبو الصفاء الصفديّ (١) من مقامة أنشأها في الحريق المذكور، من فصل يتعلق بالجامع:
فسألت الخبر، ممن غبر (٢)، فقال: إن الحريق وقع قريبا من الجامع، وانظر إلى شبح (٣) الجوّ كيف انتشرت فيه عقائق اللّهب اللامع! فبادرت إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب [١٤٩] الشحم، ورأيت النار، وقد نشرت في حداد الظلام معصفرات ذوائبها (٤)، وصعدّت إلى السماء عذبات ذوائبها:
стр. 246
ذوائب لجت في علوّ كأنّما … تحاول ثارا عند بعض الكواكب
وعلت في الجو كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي «ترمي بشرر كالقصر، فكم «زمر» «أضحت» لذلك «الدّخان» «جاثيه».
وكم نفس كانت «في النازعات» وهي تتلو «هل أتاك حديث» الغاشية»؟ ولم تزل النار تأكل ما يليها، وتفني ما يستفلها ويعتليها، إلى أن ارتفعت (١) إلى المنارة الشرقية، ولعبت ألسنتها المسودّة في أعراض أخشابها النقيه، وثارت إليها
من الأرض لأخذ الثأر، وأصبح صخرها كما قالت الخنساء: «كأنه علم في رأسه نار». فنكّست وكانت للتوحيد سبّابة، ولمعبدها المطرب شبّابة، وابتلي رأسها من الهدم والنار بشقيقه، وأدار الحريق على دائرها رحيقه: [المتقارب]
وبالأرض من حبّها صفرة … فما تنبت الأرض إلا بهارا
وأصبح «باب الساعات» وهو من آيات الساعة، وخلت مصاطب الشهود من السنّة والجماعة، وعادت الدهشة، وقد آل أمرها إلى الوحشة، وحسنها البديع وقد ثلّت النار عرشه. كأن لم أر بها سميرا، ولا شاهدت من بنائها وقماشها جنّة وحريرا».
وقال جمال الدين عبد الله بن غانم (٢)، من كتاب عن كافل الشام، تنكز ﵀ إلى نائب طرابلس في هذه الواقعة.
«وأضحى «فم الفوّارة» يصاعد (٣) جمرات أنفاس، و «سوق النّحّاسين» يرسل منه إلى سور الجامع «شواظ من نار ونحاس»، وأقعد «بيت الساعات» إلى
стр. 247
قيام الساعة، ودخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة، وكاد يصلى من به يصلي، ويقبل على صفّ العابدين فيولّي. واهتزّت المئذنة بحمّى نافض، وتشعث وجه المشهد الأبي بكريّ فكأنما أصابته عين الروافض، وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورقّ صحن الجامع لمأتم [١٥٠] هداة الساجدين من المأذنة بنار على علم، وما زالت مرآة اللّهب حتى خرّبت المنار، وصفّ بعد ذلك في صحن الجامع ما فضل عن أكل النار».
قلت: وهذا المسجد معمور بالناس كلّ النهار وطرفي الليل، لأنه ممر المدارس والبيوت والأسواق. وفيه ما ليس في غيره من كثرة الأئمة والقراء، ومشايخ العلم والإقراء، ووجوه أهل التصدير والإفتاء، ووظائف الحديث وقراء الأسباع والمجاورين من ذوي الصلاح. فلا تزال أوقاته معمورة بالخير، آهلة بالعبادة. قلّ أن يخلو طرفة عين في ليل أو نهار من مصلّ، أو جالس في ناحية منه لاعتكاف، أو مرتل لقرآن، أو رافع عقيرته بأذان، أو مكرر في كتاب علم، أو سائل ومسؤول، ومفت ومستفت. هذا إلى من يأتي هذا المسجد مستأنسا لحديث، أو مرتقبا لقاء أخ، أو متفرجا في فضاء صحنه وحسن مرأى القمر والنجوم ليلا في سمائه. هذا إلى فسحة الفضاء وطيب الهواء وبرد رواقاته، أوقات الهجير، وحسن مرائي ميازيبه، أحيان المطر. وفي كل ناحية من وجهها قمر.
وعلى هذا الجامع من الوظائف المرتبة ما لا يستقلّ به إلا ديوان ملك، وعليه جلائل الأوقاف. إلّا أن الأيدي العادية قد استولت على كثير منه لسبه (١) الأكابر والمناصبات، وغير ذلك مما عمل عليه على سبيل النّصبات.
وقد أضيف إليه وقف المصالح، وقد كان أفرد زمن نور الدين، ﵀.
стр. 248
وهو لا يجاوز تسعين ألفا في السنة. جعل لها مصارف أخذ بحجتها كل مال المسجد وغل بالباطل ورتب منه لغير ذوي الاستحقاق. وحمل حتّى كلّ مطاه، وأخذت حتّى قصرت خطاه. وها هو الآن قد اختلّت أحواله، وأكلت وشربت أمواله. وأصبح نهبا مقسّما، وسواما صيح في حجراته. وآل حال مباشريه إلى أسوإ الحال وشر المآل: [الطويل]
وكانوا غياثا ثم أضحوا رزيّة … ألا عظمت تلك الرزايا، وجلّت!
وقد اتفقت كلمة السّفّار في الآفاق إلى أنه فرد في محاسنه، بديع في نظرائه.
مقام إبراهيم ببرزة (١)
روى مكحول عن ابن عباس (٢)، قال: ولد إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة، بجبل قاسيون.
وعن حسّان بن عطية قال (٣): أغار ملك نبط هذا الجبل على لوط فسباه وأهله. فأقبل إبراهيم في طلبه، في عدّة أهل بدر: ثلثمائة وثلاثة عشر. فالتقى هو وملك الجبل في صحراء يعفور. فعبى إبراهيم ميمنة وميسرة وقلبا. وكان أوّل من عبى الحرب هكذا. فالتقوا (٤). فهزمه إبراهيم واستنقذ لوطا وأهله. فأتى هذا
стр. 249
الموضع الذي يبرزة، فصلّى فيه.
وروى أحمد بن حميد بن أبي العجائز عن أبيه عن شيوخه (١)، أن الأثارات التي في برزة عند المسجد الذي يقال له مسجد إبراهيم في الجبل (عند الشق) أنه مكان إبراهيم، وأن الأثارات التي فوق الشّق في الجبل موضع رأي إبراهيم [الكوكب الذي ذكره الله تعالى في كتابه: «فلما رأى كوكبا قال هذا ربي»] (٢)، فمن صلّى فيه ودعا أجابه الله، وأن ذلك الجبل كان فيه لوط وجماعة من الأنبياء وآثارهم في مواضع من الجبل. أدركت الشيوخ يقصدونه ويصلون فيه ويدعون. وهو نافع لقسوة القلب وكثرة الذنوب، وأن بعضهم جاء من مكة فصلّى في الموضع الشق، لمنام رآه.
وعن أبي الحسين محمد بن عبد الله الرازيّ (٣)، قال: قال أحمد بن صالح:
أدركت الشيوخ بدمشق وهم يفضلون مسجد إبراهيم ﵇ ببرزة ويقصدونه ويصلّون فيه ويذكرون أن الدعاء فيه مجاب، وهو موضع عظيم شريف، ويذكرون ذلك عن شيوخهم ويقولون إن الشق الذي في الجبل خارجا عن المسجد هو الموضع الذي اختبأ فيه إبراهيم من النمروذ، صاحب دمشق.
وعن عروة بن رويم عن أبيه عن عليّ (٤): سمعت رسول الله ﷺ وسأله رجل عن الأثارات بدمشق فقال: لها جبل يقال له قاسيون، فيه قتل ابن آدم أخاه، وفي شرقيّه (٥) ولد إبراهيم، وفيه آوى الله عيسى بن مريم وأمّه من اليهود.
стр. 250
وما من عبد أتى معقل روح الله فاغتسل وصلّى فيه ودعا، إلاّ لم يردّ خائبا. وهو جبل كلمه الله (والحديث طويل. وهو موضوع، وإنما ذكرته لئلا يغترّ به) [١٥٢]
مغارة الدم
قال أبو زرعة الدمشقيّ (١): سألت أبا مسهر عن مغارة الدم. فقال: مغارة الدم موضع الحمرة، موضع الحوائج، يعني بذلك الدعاء فيها والصلاة.
وقال محمد بن أحمد بن إبراهيم (٢): حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، سمعت سعيد بن عبد العزيز: حدثني مكحول أنه صعد مع عمر بن عبد العزيز إلى موضع الدم يسأل الله أن يسقينا، فسقانا.
قال مكحول (٣): وخرج معاوية والمسلمون إلى موضع الدم يستسقون، فلم يبرحوا حتّى سالت الأودية.
قال سعيد بن عبد العزيز (٤): صعدنا في خلافة هشام إلى موضع قتل ابن آدم نسأل الله أن يسقينا، فأتى مطر، فأقمنا في الغار تحته ثلاثة أيام.
وقال هشام بن عمار (٥): صعدت مع أبي وجماعة - نسأل الله سقيا - إلى موضع قتل ابن آدم أخاه. فأرسل الله علينا مطرا غزيرا، حتّى أقمنا في الغار (٦).
فدعونا الله فارتفع عنا، وقد رويت الأرض.
وقال محمد بن يوسف الهرويّ: سمعت يزيد بن محمد وأبا زرعة وأحمد