← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وجلت (١) حايل (٢) قذاها (٣) منه بما لا يعزوه الكمال إلى سليم من نفع أصغره (٤). صنف كتاب الجامع (٥) والعلل (٦) تصنيف رجل متقن، وكان يضرب به المثل في الحفظ وهو تلميذ أبي عبد الله البخاري، ومع هذا فشاركه في بعض شيوخه (٧). (٨) ............................. توفي ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين.

стр. 1857

ومنهم: ٨٧ - أبو عبد (١) الرحمن النسائي (٢). أحمد بن علي بن شعيب (٣) بن علي بن سنان بن بحر الحافظ. أنسى كثيرا ممن تقدم، وأرسى ثبيرا (٤) أو يلملم (٥)،

стр. 1858

وأشرى (١) للطلب والريح قد ونت (٢)، والنجم قد هوّم (٣)، وكان بجديه لا يجبن له جبان، ولا يخطا نحره، ولا ترد له حمله وهو يطعن بسنان، ويكاثر ببحر، رفعت به متلعة (٤) جيدها نسا، وطلعت في سطور تصانيفه الشموس مسا، وقام في أهل دمشق ليقوم مناد نصبهم (٥)، ويقشع (٦) عنهم مدهام (٧) غضب ربهم، وأراد أن يكرمهم بما لعلي - كرم الله وجهه - من علو قدر، وسابقة إن أنكرتها الطلقاء (٨)، فسل عنها سيفه يوم بدر، فعجلت الحمية لهم نار الغضب، وكوت حنق صدورهم ببعض ما أعد لهم في المنقلب، ووثبوا بالرجل، ولكن الطود لا يزعزعه من وثب، وكان إمام عصره في الحديث (ص ١٧٩) سكن مصر، وانتشرت بها تصانيفه وأخذ عنه الناس.

стр. 1859

قال محمد بن إسحاق الأصبهاني (١): سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق فسئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس حتى يفضل. وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا" لا أشبع الله بطنك (٢) "وكان يتشيع، فما زالوا يدفعون في خصييه حتى أخرجوه من المسجد، ثم حمل إلى الرملة فمات بها. وقال الدارقطني: لما امتحن النسائي بدمشق، قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها، فتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة. وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث وثلاثمائة. وقال أبو نعيم: كان قد صنف كتاب الخصائص في فضائل علي بن أبي طالب وأهل البيت، وأكثر روايته فيه عن أحمد بن حنبل، فقيل له: ألا تصنف كتابا في فضل الصحابة؟. فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي كثير، فأردت أن يهديهم الله بهذا الكتاب، وكان يصوم يوما، ويفطر يوما، وكان مليح الوجه ظاهر الدم مع كبر

стр. 1860

السن، يؤثر لباس البرود النوبية (١) والخضر (٢)، ويكثر الاستماع (٣)، ويكثر أكل الديوك الكبار، تشترى له وتخصى وتسمن، وكان موصوفا بكثرة الجماع. قال ابن عساكر: كان له أربع زوجات يقسم لهن وسراري. وقال ابن يونس في تاريخ مصر: قدم أبو عبد الرحمن النسائي مصر قديما، فكان إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا، وخرج من مصر في ذي القعدة سنة اثنتين وثلاثمائة، ثم حكى وفاته كما قدمناه (٤). قال ابن خلكان (٥): ورأيت في مسوداتي أن مولده بنسا سنة خمس عشرة ومائتين.

стр. 1861

ومنهم: ٨٨ - أبو جعفر (١) الطبري (٢) محمد بن جرير بن يزيد (ص ١٨٠) بن كثير (٣) الإمام العلم الفرد صاحب التصانيف، فلا لمخر (٤) البيداء، ولحر يهب ظلم الليلة السوداء، بل ركب جنح غمامها المربدّ (٥)، وقبل ثغر برقها المبيض، عارضه المسود، وقذف في فائض بحره سفنه، ومدّ مع عارض فجره سنه (٦)، وألقى حبل حوزائه (٧) على

стр. 1862

غاربه (١)، وحدا (٢) ظعن (٣) ظلماته إلى مغاربه، وأقبل يشق الأرض شقا، ويمشق (٤) حروف المطي في سطر المهمه (٥) الممتد مشقا، لا يدع سهلا حتى يطوي ذيل نمرقه (٦)، ولا جبلا حتى يغصه فوق مفرقه، ولا بحرا إلا قطعه، ولا ألا إلا قطّعه، إلى أن لقي بغيته وأحرزها، ومطلبه وحصل جواهره وكنزها، لكنها علوم نافعة، وغيوم ناقعة (٧)، وحديث نبوي جمع أطرافه، وضم أطرافه، حتى صنف التفسير الذي صدقت فيه الأحلام وسبقت لتلقيه الأقلام، أنقذ به من الضلالات، وأخرج إلى نور المعرفة من ظلم الجهالات، وأقام به الحق بأوضح الدلالات بفرط اجتهاد شق به الصديعين (٨)، وشد رحلة الشتاء والصيف والربيعين، ولم ير هلال شهر ثم عرف متى انمحق (٩)، ولا كيف اتصل بالعدم والتحق، لشواغله بالطلب الذي لا ينتهي والأرب الذي بغيره لا يلتهي، والفضل

стр. 1863

المكتسب الذي لو قال له: ما مناك في الدنيا؟ لقال: أنت هي. ولا كان تخاط جفنة (١) بغرار (٢) ولا يحاط قلبه بقرار، ولا يزال يهمه رجل يلقاه، وعلم لا يضره أنه يحصله، ويموت إذا أبقاه. قال أبو بكر الخطيب: كان ابن جرير أحد الأئمة (٣) يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وجمع العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله (٤) بصيرا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن (ص ١٨١) عالما بالسنن وطرقها، سقيمها وصحيحها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين (٥)، بصيرا بأيام الناس وأخبارهم، له الكتاب المشهور الكبير في تاريخ الأمم (٦)، وله كتاب التفسير الذي لم يصنف مثله، وله كتاب تهذيب الآثار لم أر مثله في معناه (٧) ولم يتمه، وله في الأصول والفروع كتب كثيرة (٨)، وله اختيار من أقاويل الفقهاء، وقد تفرد بمسائل حفظت عنه، قيل: إن المكتفي (٩) أراد أن يقف وقفا يجتمع عليه أقاويل العلماء، قال: فأحضر له ابن

стр. 1864

جرير، فأملى عليهم كتابا لذلك، فأخرجت له جائزة، فلم يقبلها، فقيل له: فلا بد من قضاء حاجة، قال: أسأل أمير المؤمنين أن يأمر بجمع السائلين من الفقراء يوم الجمعة - يعني في المساجد - ففعل ذلك. وكذا التمس منه الوزير أن يعمل له كتابا في الفقه، فلما ألّفه، وجه إليه ألف دينار، فردها. وقيل: مكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة. وقال تلميذه أبو محمد الفرغاني (١): حسب تلامذة أبي جعفر منذ احتلم إلى أن مات، فقسموا على المدة مصنفاته، فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة. وقال أبو حامد الإسفراييني (٢): لو سافر رجل إلى الصين في تفسير ابن جرير لم يكن كثيرا. وقال أبو بكر بن خزيمة (٣): ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير.

стр. 1865

وقال الفرغاني: كان ابن جرير لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظم ما يؤذى، فأما أهل الدين، والعلم فغير منكرين عمله، وزهده، ورفضه للدنيا، وقناعته بما يجيئه من حصة خلفها له أبوه بطبرستان. وقال عبيد الله بن أحمد السمسار: قال ابن جرير - يوما - لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم. قالوا: كم يجيء؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة (ص ١٨٢) قالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فقال: إنا لله، ماتت الهمم، فأملاه في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ولما أراد أن يملي التفسير، قال لهم كذلك، ثم أملاه على نحو من التاريخ. وقال الفرغاني: بث ابن جرير مذهب الشافعي ببغداد سنين، واقتدى به، ثم اتسع علمه، وأداه اجتهاده إلى ما اختار في كتبه، وعرض عليه القضاء، فأبى. وقال ابن جرير: من قال: إن أبا بكر وعمر ليسا بإمامي هدى يقتل. توفي (١) عشية الأحد ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن بداره برحبة يعقوب. [وشيعه إلى المسجد، ثم إلى القبر خلق لا يحصرون، وصلى على قبره عدة شهور، ورثاه أهل الأدب والدين (٢)]، وكان السواد فيه كثيرا، ولم يغير شيبه، وكان أسمر إلى الأدمة، أعين (٣)، نحيف الجسم فصيحا.

стр. 1866

ومنهم: ٨٩ - محمد بن إسحاق بن خزيمة (١) أبو بكر السّلمي النيسابوري (٢) إمام الأئمة، شيخ الإسلام، ومن شهد له خزيمة فحسبه (٣)، ومن جحد فضله فجحوده حصبه (٤)، فاحت خزامى (٥) تصانيفه مما قصم دونه القيصوم (٦)، وتحدر عن لمم الشيح (٧) لؤلؤ الطل المنظوم، وغدا بها أبو بكر من كل تصنيف وأخو كل عذراء، من كل معنى لطيف، وهيّج بها كل وجد، وجاء يقص بها الأخبار عمن حل بنجد، فما انتظر بها جفن صب خيالا من أميمة، ولا أنكر

стр. 1867

شنشنة (١) قال: أعرف هذه من أخزم ولا شيمة (٢)، قال: وهذه أعرفها من ابن خزيمة. ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وعني بهذا الشأن في الحداثة، وسمع فأكثر، وجوّد، وصنّف، واشتهر اسمه وانتهت إليه الإمامة والحفظ بخراسان، وحدّث عنه الشيخان في غير الصحيحين، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم (٣) أحد شيوخه، وخلق لا يحصون. قال ابن خزيمة: كنت إذا أردت (ص ١٨٣) أن أصنف الشيء دخلت في الصلاة مستخيرا حتى يفتح لي فيها، ثم أبتدئ ثمّ. قال أبو عثمان الزاهد: إن الله ليدفع البلاء عن أهل نيسابور بابن خزيمة. وسئل ابن خزيمة: من أين أتيت العلم؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : «ماء زمزم لما شرب له (٤)» وإني لما شربت ماء زمزم سألت الله علما نافعا.

стр. 1868

وقيل له: لو حلقت شعرك في الحمّام، فقال: لم يثبت عندي أن رسول الله ﷺ دخل حماما، ولا حلق شعره - يعني في غير حج أو عمرة - إنما يأخذ شعري جارية لي بالمقراض. وقال حفيده محمد بن الفضل بن أبي بكر (١): كان جدي لا يدّخر شيئا جهده، بل ينفقه على أهل العلم ولا يعرف الشّحّ، ولا يميز بين العشرة والعشرين. وقال أبو أحمد حسينك (٢): سمعت أبا بكر بن خزيمة يحكي عن علي بن

стр. 1869

خشرم (١) عن ابن راهويه (٢) أنه قال: أحفظ سبعين ألف حديث، فقلت لأبي بكر: فكم يحفظ الشيخ، فضربني على رأسي، وقال: ما أكثر فضولك، ثم قال: يا بني ما كتبت سوادا في بياض إلا وأنا أعرفه. وقال أبو علي النيسابوري: كان ابن خزيمة يحفظ الفقهيات من حديثه كما يحفظ القارئ السورة. وقال أبو حاتم محمد بن حبان: ما رأيت على وجه الأرض من يحسن صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح، وزياداتها حتى كأن السنن كلها بين يديه إلا ابن خزيمة فقط. وحكى أبو بشر القطان: أن جارا - من أهل العلم - لابن خزيمة رأى كأن لوحا عليه صورة نبينا ﷺ وابن خزيمة يصقله، فقال المعبر: هذا رجل يحيي سنة رسول الله ﷺ . وقال ابن سريج (٣): - وذكر له ابن خزيمة - فقال: يستخرج النكت من حديث رسول الله ﷺ بالمنقاش (ص ١٨٤). وقال الحاكم - في علوم الحديث (٤) -: فضائل ابن خزيمة مجموعة عندي في

стр. 1870

أوراق كبيرة، ومصنفاته تزيد على مائة وأربعين كتابا سوى المسائل المصنفة، وهي أكثر من مائة جزء، وله في فقه حديث بريرة (١) في ثلاثة أجزاء. وسئل ابن أبي حاتم [عنه] (٢)، فقال: ويحكم، هو يسأل عنا، ولا نسأل عنه، وهو إمام يقتدى به. توفي في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وهو في تسع وثمانين سنة.

стр. 1871

ومنهم: ٩٠ - أبو عوانة (١) الإسفراييني (٢) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري (٣) الحافظ صاحب المسند الصحيح (٤) المخرج على كتاب مسلم بن الحجاج (٥)، المسلم إليه في الاحتجاج، الإسفراييني الذي ما حط له رحل من سفر، ولا حل له عقد منى إلا عن ظفر، ولا تجنّب ناحية من الأرض إلا وهو نحو أخرى يريدها، ولا أقل مدة مقام في بلد إلا لمدة في سواها يستزيدها، رميت الفجاج منه بحليم، يوقر بوخد (٦) مطيه

стр. 1872

سفهها، وعليم يجلي بصدق يقينه مشتبهها، طاف البلاد حتى ملت من سراه، وواصل الأيام حتى يئست الليالي من كراه، (١) وانتهت السباسب (٢) وخدا، وأفنى الحقائب (٣) شدا، وطلب الحديث فحصله حتى صار سواء عليه ما أعاد، وما أبدى. طاف الشام، ومصر، والبصرة، والكوفة، وواسط، والجزيرة، وأصبهان، وفارس، والري، والحجاز، واليمن، وحج خمس مرات. قال الحاكم: أبو عوانة من علماء الحديث، وأثباتهم، ومن الرحالة في أقطار الأرض لطلب الحديث. توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة (٤)، وقبره بإسفرايين مزار العالم، ومتبرك الخلق.

стр. 1873

ومنهم: ٩١ - عبد الله بن أبي داود (١) - سليمان بن الأشعث - الأزدي السجستاني (٢) (ص ١٨٥) أبو بكر العلامة قدوة المحدثين صاحب التصانيف والمقتدر على حسن التصريف، رحل رحلة بعدت أطرافا، وعقدت على مشرق الشمس ومغربها طرافا وعمدت إلى الأرض من جانبيها تحاول عليها إشرافا، وتقاول على طرفيها إسرافا، ثم قال (٣) في بلد دار الخلافة، وقال: ولا مخافة، وأملى وما أمل، وقال ما لا قلّ، وجلب طريف الحديث إلى تلك السوق، وطفق يحث الركاب مسحا بالأعناق والسوق (٤)، وحل ببغداد، وأشامها (٥)، وقال: لا مسك الأين والتعب بعدها يا نوق. ولد بإقليم سجستان، سنة ثلاثين ومائتين وسمع سنة أربعين باعتناء أبيه ولذكائه بخراسان والعراق، والحرمين ومصر والشام، وغير ذلك، وبرع وساد

стр. 1874

الأقران، وحدث عنه خلق كثير. قال الخطيب: رحل به أبوه من سجستان فطوف به شرقا وغربا يسمع ويكتب، واستوطن بغداد وصنف المسند والسنن والتفسير والقراءات، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك، وكان فقيها عالما حافظا. قال عبد الله بن أبي داود: دخلت الكوفة ومعي درهم واحد فاشتريت به ثلاثين مد (١) باقلا (٢)، فكنت آكل منه وأكتب عن الأشج (٣)، فما فرغ الباقلا حتى كتبت عنه ثلاثة آلاف حديث ما بين مقطوع (٤) ومرسل (٥). قال أبو بكر بن شاذان: قدم ابن أبي داود أصبهان - وفي نسخة سجستان - فسألوه أن يحدثهم، فقال: ما معي أصل، فقالوا: ابن أبي داود، وأصل؟! قال: فأثاروني، فأمليت عليهم من حفظي ثلاثين ألف حديث، فلما قدمت بغداد، قال البغداديون: مضى إلى سجستان ولعب بهم، ثم فيجوا فيجا (٦) اكتروه بستة

стр. 1875

دنانير إلى سجستان ليكتب لهم النسخة، فكتبت وجيء بها وعرضت (ص ١٨٦) على الحفاظ، فخطئوني في ستة أحاديث ثلاثة منها حدثت بها كما حدثت، وثلاثة أخطأت فيها (١). وقال الحاكم: سمعت أبا علي الحافظ (٢) يقول: ألزموني فحدثت من حفظي بأصفهان بستة وثلاثين ألفا، الوهم منها في سبعة أحاديث، فلما انصرفت وجدت في كتابي خمسة منها على ما كنت حدثتهم به. وقال الحافظ أبو بكر الخلال (٣): كان ابن أبي داود أحفظ من أبيه. وقال صالح بن أحمد الهمذاني (٤) الحافظ: كان ابن أبي داود إمام أهل العراق ونصب له السلطان المنبر، وكان في وقته في العراق مشايخ أسند منه، ولم يبلغوا في الآلة والإتقان ما بلغ هو. وقال ابن شاهين (٥): أملى علينا ابن أبي داود، وما رأيت بيده كتابا إنما كان

стр. 1876

يملي حفظا، وكان يعقد على المنبر بعد ما عمي، ويقعد دونه بدرجة ابنه بيده كتاب، فيقول له: حديث كذا فيسرده من حفظه، حتى يأتي على المجلس. قرأ علينا يوما حديث القنوت من حفظه، فقام أبو تمام الزينبي، وقال: لله درك ما رأيت مثلك إلا أن يكون إبراهيم الحربي (١)، فقال: كل ما كان يحفظ إبراهيم الحربي، فأنا أحفظه، وأنا أحفظ النجوم وما كان يعرفها. وكان أبو بكر مع سعة علمه قوي النفس مدلا (٢). حكى أبو حفص بن شاهين أن علي بن عيسى الوزير (٣) أراد أن يصلح بين ابن أبي صالح (٤) وبين ابن أبي داود، فجمعهما، وحضر أبو عمر

стр. 1877

القاضي (١)، فقال الوزير: يا أبا بكر، أبو محمد أكبر منك، فلو قمت إليه، قال: لا أفعل، فقال الوزير: أنت شيخ زيف (٢)، قال: الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله ﷺ ، فقال الوزير: من الكذاب على رسول الله؟ قال: هذا، ثم قام، وقال: تتوهم أني أذل لك لأجل رزقي، وأنه يصل على يدك؟ والله لا أخذت من يدك (ص ١٨٧) شيئا. قال: وكان المقتدر (٣) يزن رزقه بيده، ويبعث به في طبق على يد الخادم، وكان قد روى شيئا من قول النواصب، فأخطأ بنقله، فشنع عليه أنه نال من علي ﵁ فسعي في قتله، فخلصه من القتل عبد الله بن حفص الذكواني (٤)، ونقله ابن الفرات (٥) من بغداد إلى واسط، ثم رده علي بن

стр. 1878

عيسى، فحدث، وأظهر فضائل علي، ثم تحنبل، فصار شيخا فيهم. قال محمد بن عبيد الله بن الشخير: كان ابن أبي داود زاهدا ناسكا، صلى عليه يوم مات نحو من ثلاثمائة ألف إنسان، وأكثر، ومات في ذي الحجة سنة ست عشرة، وثلاثمائة، وله سبع وثمانون سنة، وصلي عليه ثمانون مرة (١). ومنهم: ٩٢ - عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢) محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي أبو محمد شيخ الإسلام، سنىّ لتميم طريق الفخار، وسنّ لها عدم الفرار، وزاد كرم أسرتها المفضلة، وأعذب مشارعها (٣)، فحلى مر، ولم يعد الحلاوة حنظلة،

стр. 1879

ولدت منه تميميا لا ينبو منه سيغها (١)، ولا يجفو حلم الزابن (٢) طيفها، كفاك به، وحبك رجلا، ملأ قلوبا، وجلا، طاف البلاد، وجاء بالحديث عجلا وطاب مجناه (٣) كأنما قطف نواره (٤) بكرا، وقاله مرتجلا. ولد سنة أربعين ومائتين، وارتحل به أبوه، فأدرك الأسانيد العالية، وسمع بالأقاليم خلائق لكنه لم يرحل إلى خراسان. قال أبو يعلى الخليلي (٥): أخذ علم أبيه، وأبي زرعة، وكان بحرا في العلوم، ومعرفة الرجال، صنف في الفقه، واختلاف الصحابة والتابعين، وكان زاهدا يعد من الأبدال (٦)، (٧) وكتابه في الجرح والتعديل يقضي له بالرتبة المنيفة في الحفظ (ص ١٨٨)، وكتابه في التفسير عدة مجلدات، وله مصنف

стр. 1880

كبير في الرد على الجهمية (١) يدل على إمامته (٢). قال علي بن أحمد الفرضي: ما رأيت أحدا ممن عرف عبد الرحمن ذكر عنه جهالة قط. ويروى أن أباه كان يعجب من تعبد عبد الرحمن، ويقول: من يقوى على عبادة عبد الرحمن لا أعرف له ذنبا. وقال علي بن إبراهيم الرازي الخطيب: كان عبد الرحمن قد كساه الله بهاء ونورا يسرّ به من نظر إليه. سمعته يقول: رحل بي أبي سنة خمس وخمسين، وما احتلمت بعد، فلما بلغنا ذا الحليفة (٣) احتلمت، فسر أبي (٤) حيث أدركت حجة الإسلام. وقال ابن أبي حاتم: كنا بمصر سبعة أشهر، لم نشرب فيها مرقة، نهارنا ندور على الشيوخ، وبالليل ننسخ، ونقابل، فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو

стр. 1881

عليل، فرأينا سمكة أعجبتنا، فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ، فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام، وكادت تتغير، فأكلناها نية، ولم نتفرغ نشويها، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد. وقال ابن أبي حاتم: وقع عندنا الغلاء، فأنفذ بعض أصدقاء لي حبوبا من أصبهان، فبعته بعشرين ألفا، وقال: اشتر لي بها دارا، فأنفقتها على الفقراء، وكتبت إليه: اشتريت لك بها قصرا في الجنة، فقال: رضيت إن ضمنت. فكتبت على نفسي صكا بالضمان، فأريت في المنام: قد قبلنا ضمانك، ولا تعد لمثل هذا (١). وقال محمد بن مهرويه (٢): سمعت ابن الجنيد (٣) يقول: سمعت يحيى بن معين: إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من مائتي سنة (٤). قال محمد بن مهرويه: فدخلت على ابن أبي حاتم، وهو يحدث بكتاب الجرح والتعديل، فحدثته بهذا، فبكى، وارتعدت (ص ١٨٩) يداه، وسقط الكتاب، وجعل يبكي، ويستعيدني الحكاية (٥). توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وثلاثمائة.

стр. 1882

ومنهم: ٩٣ - أحمد بن محمد بن سعيد أبو العباس الكوفي (١) - مولى بني هاشم (٢) - المعروف بابن عقدة (٣). حافظ العصر، والمحدث البحر، والمصيب في اللبة (٤) والنحر، لولا كثرة تخليطه، وتسليط نار الأعداء على سليطه (٥)، لكان قبسا لهدى، وملتمسا لندى، لكنه خبط العشواء (٦)،

стр. 1883

وخطب عقيلة الشمس العشاء (١)، فحبط عمله أو كاد، وأنبت أمله أو ماد (٢)، ونسب إليه الرفض (٣)، والله أعلم ببواطن الاعتقاد، والله المجازي، وإنما للناس الانتقاد (٤) حدث عن أمم لا يحصون، وكتب العالي (٥) والنازل (٦) والحق والباطل، حتى كتب عن أصحابه، وكان إليه المنتهى في قوة الحفظ، وكثرة الحديث، وصنف وجمع، وألف في الأبواب (٧) والتراجم، ورحلته قليلة، فلهذا كان يأخذ عن الذين رحلوا إليه، ولو صان نفسه وجوّد لضربت إليه أكباد الإبل، ولضرب بإمامته المثل، لكنه جمع فأوعى، وخلط الغث (٨) بالسمين (٩)، والخرز بالدر الثمين، ونسب إلى التشيع (١٠) فمقت.

стр. 1884

قال الدارقطني: أجمع أهل الكوفة أنه لم ير بالكوفة من زمن ابن مسعود إلى زمن ابن عقدة أحفظ منه. وقال أبو أحمد الحاكم (١): قال لي ابن عقدة: دخل البرديجي (٢) الكوفة، فزعم أنه أحفظ، فقلت: لا تطوّل، نتقدم إلى دكان وراق، ونزن بالقبان من الكتب ما شئت، ثم يلقى علينا، قال: فبقي (٣). وقال الدارقطني: قال ابن عقدة: أنا أجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت وبني هاشم. وقال ابن عقدة: أحفظ مائة ألف حديث بأسانيدها. وقال الدارقطني: يعلم ما عند الناس، ولا يعلم (ص ١٩٠) الناس ما عنده. وقال أبو سعد الماليني (٤): أراد ابن عقدة أن ينتقل، فكانت كتبه ستمائة حملة (٥).

стр. 1885

مولده سنة تسع وأربعين ومائتين، وتوفي سنة إحدى، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. ومنهم: ٩٤ - محمد بن حبان بن أحمد بن حبان (١) الحافظ العلامة أبو حاتم التميمي (٢) البستي (٣) صاحب كتاب الانواع والتقاسيم (٤)، وهو الذي ما سبقه إلى مثله مؤلف،

стр. 1886

ولا سمق (١) فرع برق إلا وقلمه له ورآه مخلّف، وضرب مؤلفه سرادقه (٢) في علياء العلم على رباه، واحتبى (٣) مصنفه له فما حلت سوى الفرائض حباه، وسرت نوافحه فود (٤) مسكي السحر لو غلف به صباه، وتمكن حب حباته من القلوب، فلم يبق سويداء قلب إلا أمدت نقشه (٥)، ولا سواد طرف إلا حباه بكر ما افترعته (٦) كف حادثه لتأليف، ولا اخترعته فكرة قريحه، وإنما هو بنص الحديث لا بتزويق التصنيف، سمع أمما لا يحصون من مصر إلى خراسان، وحدث عنه خلق. قال أبو سعد الإدريسي: كان على قضاء سمرقند زمانا، وكان من فقهاء الدين، وحفاظ الآثار عالما بالظن والنجوم، وفنون العلم. صنف المسند الصحيح، والتاريخ، وكتاب الضعفاء (٧)، وفقه الناس بسمرقند.

стр. 1887

وقال ابن حبان في كتاب الأنواع: لعلنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ (١). وقال الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة، والحديث والوعظ، ومن عقلاء الرجال. وذكره ابن الصلاح (٢) في طبقات الشافعية، وقال: ربما غلط الغلط الفاحش في تصرفاته. توفي في شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وهو في عشر الثمانين (ص ١٩١).

стр. 1888

ومنهم: ٩٥ - أبو بكر (١) بن الجعابي (٢) واسمه: محمد بن عمر بن محمد بن سلم التميمي البغدادي قاضي الموصل، الحافظ فريد الزمان، ولسان الإحسان وإن مان من مان (٣)، رمي بأنه كان يتشيع، ومضى إلى الله واتبع لهذا القول يتتبع، جرح وهو لا يتكعكع (٤)، وطعن فيه وهو لا يتضعضع، وتكلم فيه الناس، ومن هو الذي من أيديهم سلم! أو بمضارب ألسنتهم الحداد ما ثلم (٥)، من رام منهم السلامة طلب شططا (٦)، وظن غلطا، وضل (وكان أمره فرطا) (٧) هيهات، هل هم إلا نار تأكل بعضها بعضا، وفأر تأكل نابا بناب قرضا، وقالوا: رافضي. أكلّ من أحب آل بيت محمد سموه بهذا، وسموا حبه رفضا؟! سمع، وصنف الأبواب والشيوخ، والتاريخ،

стр. 1889

وحدث عنه الدارقطني، وابن شاهين (١)، وابن رزقويه (٢)، وأبو عبد الله الحاكم (٣)، وأبو نعيم (٤) الحافظ - وهو خاتمة أصحابه - وخلق. قال أبو علي النيسابوري: ما رأيت في أصحابنا أحفظ من أبي بكر الجعابي، وذلك أني حسبته من البغداديين الذين يحفظون شيخا واحدا، وترجمة واحدة، أو بابا واحدا، فقال لي أبو إسحاق بن حمزة (٥) يوما: يا أبا علي لا تغلط، ابن الجعابي يحفظ حديثا كثيرا، قال: فخرجنا يوما من عند ابن صاعد (٦)، فقلت له: يا أبا بكر إيش أسند الثوري (٧) عن منصور (٨)، فمر بي في الترجمة، فما زلت أجره من مصر إلى حديث الشام إلى العراق، وإلى أفراد الخراسانيين، وهو يجيب إلى أن قلت: فإيش

стр. 1890

روى الأعمش (١) عن أبي صالح (٢) عن أبي هريرة (٣)، وأبي سعيد (٤) بالشركة، فذكر بضعة عشر حديثا، فحيرني حفظه. وقال ابن الجعابي: دخلت الرقة وكان لي ثمّ قمطرين (٥) كتب، فجاء غلامي مغموما، وقال: ضاعت الكتب، فقلت: يا بني لا تغتم (ص ١٩٢) فإن فيها مائتي ألف حديث لا يشكل علي منها [حديث] لا إسناده ولا متنه (٦). وقال أبو علي التنوخي (٧): ما شاهدنا أحدا أحفظ من أبي بكر ابن الجعابي، وسمعت من يقول: إنه يحفظ مائتي ألف حديث، ويجيب في مثلها، وكان يفضل الحفاظ بأنه كان يسوق المتون بألفاظها، وأكثر الحفاظ يتسمحون في ذلك، وكان إماما في معرفة العلل، وثقات الرجال، وتواريخهم، وما يطعن على الواحد منهم، لم يبق في زمانه من يتقدمه.

стр. 1891

وروى الخطيب بسنده عن الجعابي قال: أحفظ أربع مائة ألف حديث، وأذاكر بستمائة ألف حديث. [وقال الخطيب: سمعت ابن رزقويه (١) يقول: كان ابن الجعابي يمتلئ مجلسه، وتمتلئ السكة التي يملي فيها، والطريق، ويحضر ابن المظفر (٢)، والدارقطني (٣)، ويملي الأحاديث بطرقها من حفظه.]. وروى عن رجاله (٤) أن الجعابي كان يشرب في مجلس ابن العميد. وقال السلمي (٥): سألت الدارقطني عن ابن الجعابي، فقال: خلط، وذكر مذهبه في التشيع. قال الدارقطني: وحدثني ثقة أنه خلي ابن الجعابي نائما (٦)، قال: فكنت أراه ثلاثة أيام لم يمسه الماء.

стр. 1892

قال الأزهري (١): لما مات ابن الجعابي أوصى أن تحرق كتبه، فأحرقت، فكان فيها كتب الناس، فحدثني أبو الحسين ابن البواب: أنه كان له عنده مائة وخمسون جزءا، فذهبت في جملة ما احترق. وقال محمد بن عبيد الله المسبحي (٢): كان ابن الجعابي قد صحب قوما من المتكلمين، فسقط عند كثير من المحدثين، وأمر عند موته أن تحرق دفاتره بالنار، فاستقبح ذلك منه. وكان وصل إلى مصر، ودخل إلى الإخشيد (٣)، ثم مضى إلى دمشق، فوقفوا على مذهبه فشردوه، فخرج هاربا. قال ابن شاهين (٤): دخلت أنا وابن المظفر (٥) والدارقطني على ابن الجعابي وهو مريض، فقلت له: من أنا؟ قال: سبحان الله، ألستم فلانا وفلانا، وسمانا، فدعونا وخرجنا (ص ١٩٣).

стр. 1893

فمشينا خطوات وسمعنا الصائح بموته، ورجعنا من الغد، فرأينا كتبه تل رماد. توفي ابن الجعابي ببغداد في رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. قال الأزهري: كانت سكينة نائحة الرافضة (١) تنوح في جنازته، ومولده في صفر سنة أربع وثمانين ومائتين.

стр. 1894

ومنهم: ٩٦ - سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي (١) الشامي الطبراني (٢). أبو القاسم، مسند الدنيا، وآية الزمان الكبرى، خاض القفار لا يتخشى (٣) زاخرها، ولا يتخشع (٤) أولها، ولا آخرها، بعزيمة لا يفل (٥) مضربها، ولا يفك مضرّبها، ولا تنقص من السفر نهمتها (٦)، ولا تفرغ من الوطر (٧) همته، يركب الحزن (٨)، والسهل، ويبعث عند الأجنبي والأهل، ويقطع بها الليل، لا يلائم

стр. 1895

جنبه أرضا، ولا يطعم جفنه غمضا، ولا يعد الغربة إلا إذا كان في وطنه مبوّءا (١)، وفي سكنه مهنّأ، حرصا على طرائف الفائدة، وطلبا للمعارف الزائدة، حتى حصل من الحديث ما أوقر (٢) منه أثباج (٣) الإبل، وملأ حضن (٤) المحتبل (٥)، وحفظ منه الخلف نعم ما أحرزه السلف، وأتى منه بهدى ضل بعده من شك، أو اختلف. ولد سنة ستين ومائتين، وسمع سنة ثلاث وسبعين، وهلم جرا بمدائن الشام، والحرمين، واليمن، ومصر، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وأصبهان، والجزيرة، وغير ذلك، وحدث عن ألف شيخ، أو يزيدون، وصنف المعجم الكبير، وهو المسند، سوى حديث أبي هريرة، فكأنه أفرده في مصنف، والمعجم الأوسط في ست مجلدات كبار على معجم شيوخه، يأتي عن كل شيخ بما له من الغرائب، والعجائب، فهو نظير كتاب الأفراد للدارقطني، بيّن فيه فضيلته، واسعة روايته، وكان يقول: (ص ١٩٤) هذا الكتاب روحي، فإنه تعب فيه، وفيه كل نفيس، وعزيز، ومبتكر، وصنف المعجم الصغير، وهو عن كل شيخ له
следующие страницы →