← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 11790

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار - ط المجمع الثقافي

ابن فضل الله العمري

Полный текст (8 839 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وروى الخطيب بسنده عن الجعابي قال: أحفظ أربع مائة ألف حديث، وأذاكر بستمائة ألف حديث. [وقال الخطيب: سمعت ابن رزقويه (١) يقول: كان ابن الجعابي يمتلئ مجلسه، وتمتلئ السكة التي يملي فيها، والطريق، ويحضر ابن المظفر (٢)، والدارقطني (٣)، ويملي الأحاديث بطرقها من حفظه.]. وروى عن رجاله (٤) أن الجعابي كان يشرب في مجلس ابن العميد. وقال السلمي (٥): سألت الدارقطني عن ابن الجعابي، فقال: خلط، وذكر مذهبه في التشيع. قال الدارقطني: وحدثني ثقة أنه خلي ابن الجعابي نائما (٦)، قال: فكنت أراه ثلاثة أيام لم يمسه الماء.

стр. 1892

قال الأزهري (١): لما مات ابن الجعابي أوصى أن تحرق كتبه، فأحرقت، فكان فيها كتب الناس، فحدثني أبو الحسين ابن البواب: أنه كان له عنده مائة وخمسون جزءا، فذهبت في جملة ما احترق. وقال محمد بن عبيد الله المسبحي (٢): كان ابن الجعابي قد صحب قوما من المتكلمين، فسقط عند كثير من المحدثين، وأمر عند موته أن تحرق دفاتره بالنار، فاستقبح ذلك منه. وكان وصل إلى مصر، ودخل إلى الإخشيد (٣)، ثم مضى إلى دمشق، فوقفوا على مذهبه فشردوه، فخرج هاربا. قال ابن شاهين (٤): دخلت أنا وابن المظفر (٥) والدارقطني على ابن الجعابي وهو مريض، فقلت له: من أنا؟ قال: سبحان الله، ألستم فلانا وفلانا، وسمانا، فدعونا وخرجنا (ص ١٩٣).

стр. 1893

فمشينا خطوات وسمعنا الصائح بموته، ورجعنا من الغد، فرأينا كتبه تل رماد. توفي ابن الجعابي ببغداد في رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. قال الأزهري: كانت سكينة نائحة الرافضة (١) تنوح في جنازته، ومولده في صفر سنة أربع وثمانين ومائتين.

стр. 1894

ومنهم: ٩٦ - سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي (١) الشامي الطبراني (٢). أبو القاسم، مسند الدنيا، وآية الزمان الكبرى، خاض القفار لا يتخشى (٣) زاخرها، ولا يتخشع (٤) أولها، ولا آخرها، بعزيمة لا يفل (٥) مضربها، ولا يفك مضرّبها، ولا تنقص من السفر نهمتها (٦)، ولا تفرغ من الوطر (٧) همته، يركب الحزن (٨)، والسهل، ويبعث عند الأجنبي والأهل، ويقطع بها الليل، لا يلائم

стр. 1895

جنبه أرضا، ولا يطعم جفنه غمضا، ولا يعد الغربة إلا إذا كان في وطنه مبوّءا (١)، وفي سكنه مهنّأ، حرصا على طرائف الفائدة، وطلبا للمعارف الزائدة، حتى حصل من الحديث ما أوقر (٢) منه أثباج (٣) الإبل، وملأ حضن (٤) المحتبل (٥)، وحفظ منه الخلف نعم ما أحرزه السلف، وأتى منه بهدى ضل بعده من شك، أو اختلف. ولد سنة ستين ومائتين، وسمع سنة ثلاث وسبعين، وهلم جرا بمدائن الشام، والحرمين، واليمن، ومصر، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وأصبهان، والجزيرة، وغير ذلك، وحدث عن ألف شيخ، أو يزيدون، وصنف المعجم الكبير، وهو المسند، سوى حديث أبي هريرة، فكأنه أفرده في مصنف، والمعجم الأوسط في ست مجلدات كبار على معجم شيوخه، يأتي عن كل شيخ بما له من الغرائب، والعجائب، فهو نظير كتاب الأفراد للدارقطني، بيّن فيه فضيلته، واسعة روايته، وكان يقول: (ص ١٩٤) هذا الكتاب روحي، فإنه تعب فيه، وفيه كل نفيس، وعزيز، ومبتكر، وصنف المعجم الصغير، وهو عن كل شيخ له

стр. 1896

حديث واحد، وصنف من المسانيد، وغيرها شيئا كثيرا، وكان من فرسان هذا الشأن مع الصدق والأمانة، وسئل عن كثرة حديثه، فقال: كنت أنام على البواري (١) ثلاثين سنة. وقال أبو نعيم: دخل الطبراني أصبهان سنة تسعين، فسمع، وسافر، ثم قدمها، فاستوطنها ستين سنة. وقال ابن فارس (٢) - صاحب اللغة -: سمعت الأستاذ ابن العميد (٣) يقول: ما كنت أظن أن في الدنيا كحلاوة الوزارة، أو الرئاسة التي أنا فيها حتى شاهدت مذاكرة الطبراني، وابن الجعابي بحضرتي، فكان الطبراني يغلبه بكثرة حفظه، وكان أبو بكر الجعابي يغلبه بفطنته حتى ارتفعت أصواتهما، فقال ابن الجعابي: عندي حديث ليس في الدنيا إلا عندي، فقال: هات. فقال: حدثنا أبو خليفة (٤)، حدثنا سليمان بن أيوب … وذكر حديثا، فقال الطبراني: فأنا

стр. 1897

سليمان بن أيوب، ومني سمعه أبو خليفة، فاسمعه مني عاليا، فخجل ابن الجعابي، فوددت أن الوزارة لم تكن، وكنت أنا الطبراني، وفرحت كفرحه. وقال ابن عقدة (١): ما أعرف لسليمان بن أحمد نظيرا. توفي لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، وقد كمل من العمر مائة عام، وعشرة أشهر. ومنهم: ٩٧ - (٢) أبو الحسن الدارقطني (٣) واسمه: علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الحافظ المشهور. والحامل راية الرواية إلى يوم النشور، الدارقطني، ولا قطن إلا ما رآه بياضا من نور شيب الإسلام، أو نشره من صحيفته البيضاء بأيدي الملائكة الكرام، أو طهربه

стр. 1898

قلبه الأبيض المطهر (ص ١٩٥) من دنس الآثام، أو بدا من عرضه النقي في غرر الأيام، أو غسل به من جبال فيها من برد (١)، أو ندفه من قطن الثلج قوس الغمام، ابن مهدي الذي ما عدل عن آثار مهديه، ولا عدا طريقة سلف له من أهل العلم، ويهاب كل منهم على انفراده، ويخضع له في نديه (٢). كان عالما حافظا فقيها على مذهب الشافعي، أخذ الفقه عن أبي سعيد الإصطخري (٣)، وقيل: بل أخذه عن صاحب لأبي سعيد، وأخذ القراءة عرضا، وسماعا عن النقاش (٤)، ومن في طبقته، وتصدر في آخر أيامه للإقراء ببغداد (٥)، وكان عارفا باختلاف الفقهاء، ويحفظ كثيرا من دواوين العرب منها: ديوان السيد الحميري (٦)، فنسب إلى التشيع لذلك، روى عنه الحافظ أبو

стр. 1899

نعيم (١) وجماعة كثيرة، وقبل القاضي ابن معروف (٢) شهادته في سنة ست وسبعين وثلاثمائة، فندم على ذلك، وقال: كان يقبل قولي على رسول الله ﷺ بانفرادي، فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع آخر. وصنف كتاب السنن، والمختلف والمؤتلف، وغيرهما، وخرج من بغداد إلى مصر قاصدا أبا الفضل جعفر بن الفضل (٣)، وزير كافور الإخشيدي ليساعده على تأليف مسند عزم عليه الوزير، فأقام عنده مدة، وبالغ أبو الفضل في إكرامه، وأنفق عليه نفقة واسعة، وأعطاه شيئا، وحصل له بسببه مال جزيل ولم يزل عنده حتى فرغ المسند، وكان يجتمع هو والحافظ عبد الغني بن سعيد (٤) على تخريجه إلى أن نجز. قال الحافظ عبد الغني بن سعيد: أحسن الناس كلاما على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة: علي بن المديني (٥) في وقته

стр. 1900

وموسى بن هارون (١) في وقته، والدارقطني في وقته (ص ١٩٦). وسأل الدارقطني - يوما - بعض أصحابه: هل رأى الشيخ مثل نفسه، فامتنع من جوابه. وقال: قال الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ.﴾ (٢) فألح عليه، فقال: إن كان في فن واحد، فقد رأيت أفضل مني، وإن كان من اجتمع فيه ما اجتمع فيّ فلا. وقال الحاكم: صار الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم، والورع، وإماما في القراء، والنحويين، وأقمت في سنة سبع وستين ببغداد أربعة أشهر، وكثر اجتماعنا، فصادفته فوق ما وصف لي، وسألته عن العلل والشيوخ وله مصنفات يطول شرحها فأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله. وقال الخطيب: انتهى إليه علم الأثر، والمعرفة بالعلل، وأسماء الرجال مع الصدق والثقة، وصحة الاعتقاد، والاضطلاع من علوم كالقراءات فإن له فيها مصنفا سبق إلى عقد الأبواب قبل فرش الحروف (٣)، وتأسى القراء به بعده، ومن ذلك المعرفة بمذاهب الفقهاء، بلغني أنه درس الفقه على أبي سعيد الإصطخري، ومنها المعرفة بالأدب والشعر، فقيل: كان يحفظ دواوين جماعة. قال: وحدثني الأزهري (٤) قال: بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته

стр. 1901

مجلس إسماعيل الصفار، فقعد ينسخ، والصفار (١) يملي، فقال رجل: لا يصح سماعك وأنت تنسخ فقال: فهمي خلاف فهمك، أتحفظ كم أملى الشيخ؟ قال: لا أدري، قال، أملى ثمانية عشر حديثا، الحديث الأول عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، والثاني عن فلان عن فلان ومتنه كذا، ومر في ذلك حتى أتى على الأحاديث، فتعجب الناس منه .. أو كما قال. وقال أبو الطيب الطبري (٢): الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث. وجاء أبو الحسين البيضاوي إلى الدارقطني برجل غريب، وسأله أن يملي عليه أحاديث (١٩٧) فأملى عليه من حفظه مجلسا تزيد أحاديثه على العشرين، متون جميعها "نعم الشيء الهدية أمام الحاجة (٣) " فانصرف الرجل، ثم جاءه بعد وقد أهدى له شيئا، فقربه وأملى عليه من حفظه سبعة عشر حديثا

стр. 1902

متونها "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" (١) (٢) مولده في ذي القعدة سنة ست وثلاثمائة، وتوفي يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة - وقيل ذي الحجة - سنة خمس وثمانين وثلاثمائة ببغداد. وصلى عليه أبو حامد الإسفراييني (٣) الفقيه، ودفن قريبا من معروف الكرخي (٤).

стр. 1903

قال أبو نصر ابن ماكولا (١): رأيت كأني أسأل عن حال الدارقطني في الآخرة، فقيل لي: ذلك يدعى في الجنة الإمام. ومنهم: ٩٨ - محمد بن إسحاق بن محمد بن أبي زكريا يحيى بن منده (٢) أبو عبد الله الإمام الحافظ الجوال، محدث العصر، تقاذفت المطي منه بجواب كل تنوفة (٣)، وجوّال كل مخوفة، ونزّال كل وهدة (٤) بالماء محفوفة، وطلاع كل بلية بالسماء مكفوفة، حتى كادت تعرض به المهامه (٥)، وتدحض حجج سراه أقطار البر المتشابه، فلم يبق بلد لم يطأها منسمه (٦)، ولا جهة لم يشرق عليها

стр. 1904

منسمه، ولا ثغر ناحية لم يقبله في البرق الضاحك مبسمه إلى أن نظم البلاد سلكا، وركب إليها الركائب فلكا، واخترق إليها الفجاج، والرياح قد ألقت جنبها إلى الأرض، وأقبلت تشتكي، أوقرت كتبه الإبل وشق ظهورها، وأملت على الصحف ملء صدورها، وحدث عمن لقي وهيهات أن أحدا يؤبه إليه من أهل الأرض بقي. ولد سنة عشر وثلاثمائة، وقيل: في التي تليها، وسمع بالبلاد من ألف وسبع مائة شيخ، ولما رجع من الرحلة الطويلة كانت كتبه (ص ١٩٨) عدة أحمال حتى قيل: إنها كانت أربعين حملا، وكان ختام الرحالين، وفرد المكثرين مع الحفظ والمعرفة والصدق، وكثرة التصانيف. وقال الباطرقاني (١): حدثنا أبو عبد الله إمام الأئمة في الحديث لقاه الله رضوانه. وقال الحافظ أبو نعيم (٢) - في تاريخه (٣) -: هو حافظ، من أولاد المحدثين، اختلط في آخر عمره، وتخبط في أماليه، ونسب إلى جماعة أقوالا في المعتقدات لم يعرفوا بها، وهذا قول لا يعبأ به من الحاكم (٤) للعداوة المشهورة بينه وبين ابن منده.

стр. 1905

وقال عبد الرحمن بن أبي عبد الله (١): كتب أبي عن أربعة مشايخ أربعة آلاف جزء، وهم: ابن الأعرابي (٢)، والأصم (٣)، وخيثمة (٤)، والهيثم بن

стр. 1906

كليب (١). وقال جعفر المستغفري (٢): ما رأيت أحدا أحفظ من أبي عبد الله بن منده، سألته يوما: كم تكون سماعات الشيخ؟ قال: تكون خمسة آلاف من - والمن عشرة أجزاء كبيرة -. وقال أحمد بن جعفر: كتبت عن أزيد من ألف شيخ ما منهم أحفظ من ابن منده. وقال أبو إسماعيل الأنصاري (٣) - شيخ هراة -: أبو عبد الله بن منده سيد أهل زمانه. وقال الباطرقاني: سمعت أبا عبد الله يقول: طفت الشرق، والغرب مرتين. توفي في سلخ ذي القعدة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.

стр. 1907

ومنهم: ٩٩ - أبو عبد الله الحاكم (١) واسمه: محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي (٢) الطهماني (٣) النيسابوري الحافظ المعروف بابن البيّع (٤). له التصانيف، والأمالي، والأسانيد عن العوالي، لو بذلت تصانيفه للعيون لسرح فيها الأمل، أو ضنّت (٥) أماليه على الأسماع لما كانت إلا صمّا كالجبل، بل لو تقدمت كتبه المصنفة لضببت (٦) عليها ضبة أبوابها،

стр. 1908

وفضضت (١) بلجين قراطيسها (ص ١٩٩) البيض أحسابها، بل لو حملت معه في ذلك الأوان لقال قومه: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل، وانتصروا بأقلامه إذ كتب، ولم يقولوا: نبغي ابن عفان بأطراف الأسل (٢)، بل لو تحاقت (٣) البلاد، وتحاكمت في فضل الميلاد لقضت على ما سوى بلده نيسابور بأن تبور (٤)، وأذنت بأن كل بناء يحق له أن يهدم إلا ما شيّد بناءه سابور (٥)، بل لو تفاضلت الأوقات لأجمعت على وقته الفكر، وفضل بتصنيفه أمالي العشيات (٦) سواد العشايا على بياض البكر (٧). كان إمام الحديث في عصره، ألف فيه الكتب التي لم يسبق إلى مثلها، وتفقه على أبي سهل الصعلوكي الشافعي، ثم انتقل إلى العراق، وقرأ على أبي علي بن أبي هريرة الفقيه، ثم طلب الحديث، وسمعه سنة ثلاثين، وغلب عليه، فاشتهر به، وسمعه من جماعة لا يحصون كثرة، فإن معجم شيوخه يقرب من ألفي رجل، وصنف في علومه ما يبلغ ألفا وخمس مئة جزء (٨) منها:

стр. 1909

الصحيحان (١)، والعلل، والأمالي، وفوائد الشيوخ، وأمالي العشيات (٢)، وأملى بما وراء النهر سنة خمس وخمسين، وبالعراق سنة سبع وستين، وأما ما تفرد بإخراجه (٣): فمعرفة علم الحديث (٤)، وتاريخ علماء نيسابور، والمدخل إلى علم الصحيح، والمستدرك على الصحيحين، وما تفرد به كل واحد من الإمامين، وفضائل الإمام الشافعي (٥). وله إلى الحجاز، والعراق رحلتان، وكانت الرحلة الثانية سنة ستين وثلاثمائة، وناظر الحفاظ، وذاكر الشيوخ، وكتب عنهم أيضا، وباحث الدارقطني، فرضيه، وتقلد القضاء بنيسابور سنة تسع، وخمسين وثلاثمائة في أيام الدولة السامانية (٦)، ووزارة أبي نصر العتبي (٧)، وقلد بعد ذلك قضاء جرجان،

стр. 1910

فامتنع، وكانوا ينفذونه في الرسائل إلى بني بويه (١) (ص ٢٠٠). وقال عبد الغافر بن إسماعيل: أبو عبد الله الحاكم هو إمام أهل الحديث في عصره، العارف به حق معرفته، ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه، ويحكمون أن متقدمي عصره مثل الصعلوكي، وابن فورك (٢)، وسائر الأئمة يقدمونه على أنفسهم، ويراعون حق فضله، ويعرفون له الحرمة الأكيدة، وأطنب في تعظيمه. وقال الخطيب: كان يميل إلى التشيع، جمع أحاديث، وزعم أنها صحاح على شرط البخاري، منها حديث الطير (٣)، وحديث" من كنت مولاه (٤)،

стр. 1911

فأنكرها عليه أصحاب الحديث، ولم يلتفتوا إلى قوله، وقد أخرج حديث الطير في المستدرك، قال ابن طاهر (١): كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يظهر التسنن في التقديم والخلافة، وكان منحرفا عن معاوية، وآله، ويتظاهر بذلك، ولا يعتذر منه، ومع هذا فهو معظم للشيخين بكل حال، فهو شيعي لا رافضي. مولده في شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين، وثلاثمائة بنيسابور، وتوفي بها يوم الثلاثاء ثالث صفر سنة خمس وأربع مائة. وقال الخليلي (٢): - في كتابه الإرشاد - توفي سنة ثلاث، وأربع مائة، وكان دخل الحمام، واغتسل، وخرج، فقال: آه، وخرجت روحه، وهو متزر لم يلبس قميصه بعد.

стр. 1912

ومنهم: ١٠٠ - أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق (١) بن موسى بن مهران المهراني (٢) الأصبهاني الصوفي الأحول الحافظ. صاحب كتاب "حلية الأولياء"، وراقي ذروة العلياء، محدث ضابط، ومؤرخ لا يفرط عليه فارط، مهر لأنه ابن مهران، ووطئ الجبال الصم لأنه سكن أصبهان، ضبط قلمه التاريخ، واقتصر به على أهل بلده، وأخذ الفوائد قبضا بيده، وأصبح به عراق العجم يهنئ أم ممالكه أصفهان بمولده، ولد سنة ست وثلاثين (ص ٢٠١)، وثلاثمائة، وأجاز له مشايخ الدنيا سنة نيف، وأربعين، وثلاثمائة، وله ست سنين، وتهيأ له من لقي الكبار ما لم يقع لحافظ، وتفرد في الدنيا بالإجازات من جماعة، وبالسماع من آخرين، ورحلت الحفاظ إلى بابه لعلمه، وحفظه، وعلو أسانيده. قال ابن مردويه (٣): كان أبو نعيم في وقته مرحولا إليه، لم يكن في أفق من

стр. 1913

الآفاق أحد أحفظ، ولا أسند منه، كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده، وكل يوم نوبة واحد منهم يقرأ ما يريده إلى قرب الظهر، فإذا قام إلى داره ربما كان يقرأ عليه في الطريق جزء، وكان لا يضجر، لم يكن له غداء سوى التسميع، والتصنيف. وقال حمزة بن العباس العلوي: بقي أبو نعيم أربع عشرة سنة بلا نظير، لا يوجد شرقا ولا غربا أعلى إسنادا منه، ولا أحفظ منه، وكانوا يقولون - لما صنف كتاب الحلية -: حمل في حياته إلى نيسابور فاشتروه بأربع مئة دينار. وله كتاب "تاريخ أصبهان"، و"دلائل النبوة"، و"المستخرج" على كل واحد من الصحيحين، و"فضائل الصحابة" وغير ذلك من تصانيف كبار، وصغار. توفي في صفر، وقيل: في الحادي والعشرين من المحرم سنة ثلاثين، وأربعمائة بأصبهان.

стр. 1914

ومنهم: ١٠١ - أبو ذر الهروي (١) واسمه عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير (٢) الأنصاري المالكي (٣)، عرف بابن السماك. شيخ الحرم، طلع على الكعبة الغراء حيث يطلع سهيل، وأرسى بمكة البطحاء حيث يرسي السيل، وزمزم (٤) الحادي له بذكر زمزمها، وزمّ (٥) المطي إلى مأزمها (٦)، فاتخذ الله جارا، وأقام ببيته بالبلد الحرام دارا، وكان من أفضل

стр. 1915

من ضمه في عصره أخشباها (١)، وحوته أباطح (٢) مكة، ورباها، وأشرقت به تلاع (٣) ذلك الوادي حيث لعبت بأعطاف (ص ٢٠٢) المبان مهات صباها. سمع بهراة، وسرخس، وبلخ، ومرو، والبصرة، وبغداد، ودمشق، ومصر، وجاور بمكة، وألف معجما لشيوخه، وعمل الصحيح، وصنف التصانيف. قال أبو بكر الخطيب: قدم أبو ذر بغداد، وأنا غائب، فحدث بها، ثم حج، وجاور، ثم تزوج في العرب، وسكن السروات (٤)، فكان يحج كل عام، ويحدث، ويرجع، وكان ثقة ضابطا دينا. وقال الحسن بن بقي المالقي: حدثني شيخ قال: قيل لأبي ذر: أنت هروي، فمن أين تمذهبت بمذهب مالك، ورأي الأشعري؟ قال: قدمت بغداد، وكنت ماشيا مع الدارقطني، فلقينا القاضي أبا بكر بن الطيب (٥)، فالتزمه الدارقطني،

стр. 1916

وقبل وجهه، وعينيه، فلما افترقنا قلت: من هذا؟ قال: هذا إمام المسلمين، والذاب عن الدين، القاضي أبو بكر بن الطيب، فمن ذلك تكررت إليه، وتمذهبت بمذهبه. وقال عبد الغافر - في تاريخ نيسابور -: كان أبو ذر زاهدا ورعا سخيا لا يدخر شيئا، وصار من كبار مشيخة الحرم مشارا إليه في التصوف، خرج على الصحيح تخريجا حسنا (١)، وكان حافظا كثير الشيوخ. قال: وتوفي سنة خمس وثلاثين، وأربع مائة. والصواب قول أبي علي بن سكرة أنه توفي في عقب شوال سنة أربع وثلاثين.، وقال الخطيب: في ذي القعدة سنة أربع (مائة).

стр. 1917

ومنهم: ١٠٢ - أحمد بن الحسين (١) بن علي بن عبد الله البيهقي (٢) الخسرو جردي (٣) الفقيه الشافعي، الحافظ المشهور أبو بكر واحد زمانه، وفرد أقرانه، أجل أصحاب أبي عبد الله الحاكم في الحديث، ثم الزائد عليه في أنواع العلوم، لا بل أنواء (٤) الغيوم، لا بل أنداء (٥) معين الصباح (ص ٢٠٣) الطافي على حدائق النجوم، تتجلى الشمس لمشابهة علمه المضيء، بما اتفق، ويتسلى

стр. 1918

البدر لمشابكة أصله البيهقي فيما يرمى به من البهق (١)، قام بنصر الشافعي إمامه، ونشر أيامه، وتخريج الحديث الصحيح أدلة على أحكامه، وكان متقللا إلا من الخير ومتعللا باليسير من الدنيا مخفا لسرعة السير، لم يعد طريقة من مضى، ولم يعدّ عليه ما يعاب به في مدة حياته، ﵀ حتى قضى. أخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمري المروزي (٢)، وغلب عليه الحديث وأشهر به، ورحل في طلبه إلى العراق والجبال والحجاز، وسمع بخراسان من علماء عصره، وكذلك ببقية البلاد التي انتهى إليها، وشرع في التصنيف، فصنف كثيرا حتى قيل: تبلغ تصانيفه ألف جزء، وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشر مجلدات، ومن مشهور مصنفاته: السنن الكبير والسنن الصغير، ودلائل النبوة، والسنن والآثار، وشعب الإيمان، ومناقب الشافعي، ومناقب أحمد، وكان قانعا من الدنيا بالقليل. وقال إمام الحرمين (٣): ما من شافعي المذهب إلا وللإمام الشافعي عليه منة إلا أحمد البيهقي فإن له منة على الشافعي، وكان من أكثر الناس نصرا لمذهب الشافعي. وطلب إلى نيسابور لنشر العلم، فأجاب، وانتقل إليها، وكان على سيرة السلف، وأخذ الحديث عنه جماعة من الأعيان منهم زاهر الشحامي (٤)،

стр. 1919

ومحمد الفراوي (١)، وعبد المنعم القشيري (٢). ومولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وتوفي في عاشر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربع مائة بنيسابور، ونقل إلى بيهق، رحمه الله تعالى. (ص ٢٠٤) ومنهم: ١٠٣ - الخطيب أبو بكر بن أحمد بن علي بن ثايت بن أحمد البغدادي، خطيب بغداد (٣) الحافظ حقا، والحافل سحابا قدح فهمه برقا، والحافز صبا (٤) هبت غربا،

стр. 1920

ونشأت شرقا، والحافر معدنا لا يذهب ذهبه، ولا تبقى جذوة الشرق، إلا أنها لا تتلهب وحلة بغداد، ودجلة كمها الأزرق، وشعاع البدر طرازها المذهب، شرف منبرها برقيه، وواصل سندها، وعن أبي بكر يروي حديث علية، وصاحب تاريخها الذي فل (١) معه جمع ابن عساكر، وصديت مرآة ابن الجوزي في وجه الناظر، وأصبح كل معجم سبق قبله لا يبين، أو جاء بعه منقطع القرين، لا بل كل تاريخ جرى به سابق قلم، وراءه قد وقع مغشيا عليه، ساكت الحس، خافت الأنين. كان من الحفاظ المتقنين، والعلماء المتبحرين، ولو لم يكن له سوى التاريخ لكفاه، فإنه يدل على اطلاع عظيم، وصنف قريبا من مائة مصنف، وفضله أشهر من أن يوصف، أخذ الفقه عن أبي الحسين المحاملي (٢)، وأبي الطيب الطبري (٣)، وغيرهما، وكان فقيها، فغلب عليه الحديث، والتاريخ. قال ابن ماكولا: كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة، وحفظا، واتقانا، وضبطا لحديث رسول الله ﷺ ، وتفننا في علله، وأسانيده، وعلما بصحيحه، وغريبه، وفرده، ومنكره، ومطروحه. قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله.

стр. 1921

وقال أبو إسحاق الشيرازي (١): أبو بكر الخطيب يشبه بالدارقطني، ونظرائه في معرفة الحديث، وحفظه. وقال السمعاني: كان الخطيب مهيبا وقورا، ثقة، متحريا، حجة، حسن الخط، كثير الضبط، فصيحا، ختم به الحفاظ. وقال الفضل بن عمر النسوي: كنت بجامع صور عند الخطيب، فدخل عليه علوي، وفي كمه دنانير، فقال: (ص ٢٠٥) هذا الذهب تصرفه في مهماتك، فقطب، وقال: لا حاجة لي فيه، فقال: كأنك تستقله. ونفض كمه على سجادة الخطيب، وقال: هي ثلاثمائة دينار، فخجل الخطيب، وقام، وأخذ سجادته وراح، فما أنسى عز خروجه، وذل العلوي، وهو يجمع الدنانير. وقال أبو الفرج الإسفراييني (٢): كان الخطيب معنا في الحج، فكان يختم كل يوم قريب الغياب، قراءة ترتيل، ثم يجتمع عليه الناس، وهو راكب، يقولون: حدثنا، فيحدث. وقال عبد المحسن الشيحي (٣): عادلت الخطيب من دمشق إلى بغداد، فكان له في كل يوم، وليلة ختمة، وقيل: إن الخطيب قدم بغداد، فظفر بجزء فيه سماع

стр. 1922

القائم بأمر الله (١)، فأتى دار الخلافة يستأذن في قراءة الجزء، فقال الخليفة: هذا رجل كبير، وليس غرضه السماع، فانظروا، هل له حاجة؟ فسألوه: ما حاجته؟ قال: أن يؤذن لي في أن أملي بجامع المنصور، فأذن له. وحكى ابن عساكر (٢) بسنده أن الخطيب ذكر أنه لما حج شرب من ماء زمزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات أخذا بالحديث، فالأولى: أن يحدث بتاريخ بغداد بها. والثانية: أن يملي بجامع المنصور. والثالثة: أن يدفن عند بشر الحافي. فقضى الله ذلك. ومولده في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وتوفي في سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة ببغداد. وقيل: إن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي من جملة من حمل نعشه لأنه انتفع به كثيرا، وكان يراجعه في تصانيفه. والعجب أنه كان في وقته حافظ المشرق، وأبو عمر بن عبد البر حافظ المغرب، وماتا في عام واحد. وذكر ابن النجار في تاريخه: أن أبا بكر بن زهر كان قد أعد لنفسه قبرا إلى جانب بشر الحافي، وكان يمضي إليه كل أسبوع مرة، وينام فيه، ويقرأ القرآن كله، فلما مات أبو بكر (ص ٢٠٦) الخطيب وكان قد أوصى أن يدفن إلى جانب

стр. 1923

قبر بشر الحافي فجاء أصحاب الحديث إلى أبي بكر بن زهر، وسألوه أن يدفن الخطيب في القبر الذي كان أعده لنفسه، وأن يؤثره به فامتنع من ذلك امتناعا شديدا، وقال: موضع أعددته لنفسي من مدة سنين يؤخذ مني! فلما رأوا ذلك جاؤوا إلى والد الشيخ أبي سعد، وذكروا له، فأحضر الشيخ أبا بكر بن زهر وقال: أنا لا أقول لك أعطهم القبر، ولكن أقول: لو أن بشر الحافي في الأحياء وأنت إلى جانبه فجاء أبو بكر الخطيب يقعد دونك، كان يحسن بك أن تقعد أعلى منه؟ قال: لا، بل كنت أقوم وأجلسه مكاني. قال: فهكذا: ينبغي أن يكون الساعة. قال: فطاب الشيخ، وأذن لهم في دفنه، فدفنوه إلى جانبه بباب حرب. وكان قد تصدق بجميع ماله، وهو مائتا دينار فرّقها على أرباب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، وأوصى أن يتصدق بجميع ما عليه من الثياب، ووقف جميع كتبه على المسلمين، ولم يكن له عقب، وصنف أكثر من ستين كتابا (١)، ورويت له منامات صالحة بعد موته، وكان قد انتهى إليه علم الحديث وحفظه في وقته.

стр. 1924

ومنهم: ١٠٤ - أبو نصر بن ماكولا (١) واسمه: علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن علي بن محمد بن دلف بن الأمير الجواد أبي دلف القاسم بن علي العجلي الجرباذقاني (٢)، ثم البغدادي الأمير الكبير الحافظ النسابة، نبعة من ذلك العرق، ولمعة من ذلك الحذق، طلع حيث لا يوقد قبس، وجرى حيث ينقطع كل نفس، وسرى وريح السعادة يجري السفن على اليبس، واقتعد (٣) ذروة كل بازل (٤)، وأطل على كل نازل،

стр. 1925

وفرى (١) جلد كل ليل عن صباحه، وقطع نهر كل نهار يتدفق في بطاحه، حتى طاف أكثر البلاد، وأطال عمر الكد والاجتهاد، حتى تلقى العلم، وتلقنه، (ص ٢٠٧) وانتقى محاسنه، وأتقنه، وعدّ لكل سيئة من سيئات السرى ألف حسنة لا بل يزيد، إنما هذا شيء يجري على الألسنة، هذا إلى ما ينقل من أنساب، ويعرف به أيم قلمه إذا انساب، وغير هذا مما أوتي منه بغير حساب. مولده في شعبان سنة اثنتين وعشرين، وأربعمائة بعكبرا (٢)، وسمع ببغداد، ودمشق، ومصر، وبما وراء النهر، وخراسان، والجبال، والجزيرة، والسواحل، ولقي الحفاظ، والأعلام، وحدث عنه شيخه أبو بكر الخطيب، وآخرون. وقال شيرويه (٣) في طبقاته: كان الأمير أبو نصر يعرف بالوزير سعد الملك ابن ماكولا، قدم رسولا مرارا (٤)، وكان حافظا متقنا، وعني بهذا الشأن، ولم يكن في زمانه بعد الخطيب أحد أفضل منه، حضر مجلسه الكبار من شيوخنا، وسمعوا منه.

стр. 1926

وقال أبو القاسم بن عساكر: وزر للقائم أمير المؤمنين (١)، وولي عمه قضاء القضاة ببغداد، وهو الحسين بن علي. قال: وولد في شعبان سنة إحدى وعشرين (٢). وقال الحميدي (٣): ما راجعت الخطيب في شيء إلا وأحالني على الكتاب، وقال: حتى أكشفه، وما راجعت ابن ماكولا في شيء إلا وأجابني حفظا كأنه يقرأ من كتاب. وقال السمعاني (٤): كان ابن ماكولا لبيبا عالما عارفا حافظا، ترشّح للحفظ حتى كان يقال له: الخطيب الثاني، وكان نحويا مجودا، وشاعرا مبرزا، جزل الشعر، فصيح العبارة، صحيح النقل، ما كان في البغداديين في زمانه مثله، طاف الدنيا، وأقام ببغداد. وقال ابن النجار (٥): أحب العلم من الصبى، وطلب الحديث، وكان

стр. 1927

يحضر المشايخ إلى منزلهم، ويسمع منهم، ورحل، وبرع في الحديث، وأتقن الأدب، وله النظم، والنثر، والمصنفات، ونفذه المقتدي بالله (١) رسولا إلى سمرقند، وبخارى لأخذ البيعة (ص ٢٠٨) له على ملكها طمغان الخان. وقال هبة الله بن المبارك (٢): اجتمعت بالأمير ابن ماكولا، فقال لي: خذ جزأين من الحديث، فاجعل متون هذا الجزء لأسانيد هذا الجزء، ومتونه لأسانيد الأول حتى أرده إلى حالته الأولى. وقال مؤتمن الساجي (٣): لم يلزم ابن ماكولا طريق أهل العلم، فلم ينتفع بنفسه. وقال ابن عساكر: سمعت إسماعيل ابن السمرقندي - يذكر أنّ ابن ماكولا كان له غلمان ترك أحداث، فقتلوه بجرجان سنة نيّف وسبعين، وأربعمائة. ونقل ابن النجار أنه كان قد سافر نحو كرمان، ومعه مماليكه الأتراك، فقتلوه، وأخذوا ماله سنة خمس وسبعين، وأربعمائة. وفي تاريخ قتله خلاف كثير.

стр. 1928

ومن شعره: [البسيط] قوض خيامك عن دار أهنت بها … وجانب الذلّ إن الذلّ يجتنب وارحل إذا كانت الأوطان مضيعة … فالمندل الرطب في أوطانه حطب ومنه: [الطويل] ولما تواقفنا تباكت قلوبنا … فممسك دمع العين يوم ذاك كساكبه فيا كبدي الحرّى البسي ثوب حسرة … فراق الذي تهوينه قد كساك به ومنهم: ١٠٥ - أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي (١) الحافظ المكثر الجوال، - ويعرف بابن القيسراني - الشيباني، وليس هو من أولاد القيسراني الكذاب. سرى (٢) للطلب سري الخيال، وركب شهب الأيام، ودهم (٣) الليال، وقطع قفر البيد يلمع آله، (٤) ويجمع الشتات ضلاله، وسلك منه مسالك تجار الرياح في أفواجها، ويغرق الصباح في أمواجها، ويصدى صديع

стр. 1929

النهار (١) بظلمها (٢) (ص ٢٠٩) وتخفق أحشاء النجوم في عتمها، إلى أن آب مملكا، وآل أمره إلى أن أصبح كما أمسى الليل مدركا. سمع ببلده، وبمكة، ومصر، والثغر، ودمشق، وحلب، وبغداد، والجزيرة، وأصبهان، ونيسابور، وهراة، وجرجان، وآمد، واسترآباذ، وبوشنج، والبصرة، والدينور، والري، وسرخس، وشيراز، وقزوين، والكوفة، والموصل، ومرو الروز، وتوقان، ونهاوند، وهمذان، وواسط، وساوة، واسترآباذ (٣)، والأنبار، وأسفرايين، وآمل، والأهواز، وبسطام، وخسرو جرد، وغير ذلك. قال ابن عساكر: سمعت إسماعيل بن محمد الحافظ (٤) يقول: أحفظ من رأيت محمد بن طاهر. وقال أبو زكريا ابن منده (٥): كان ابن طاهر أحد الحفاظ، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، صدوقا، عالما بالصحيح، والسقيم، وكثير التصانيف، لازما للأثر. قال السلفي: سمعت ابن طاهر يقول: كتبت الصحيحين، وسنن أبي داود سبع مرات بالأجرة، وسنن ابن ماجه عشر مرات بالري.

стр. 1930

وقال ابن طاهر: بلت الدم في طلب الحديث مرتين، مرة ببغداد، ومرة بمكة، كنت أمشي حافيا في الحر، فلحقني ذلك، وما ركبت دابة في طلب الحديث قط، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألت في حال الطلب أحدا، كنت أعيش على ما يأتي. وقيل: كان يمشي دائما في اليوم والليلة عشرين فرسخا، وكان قادرا على ذلك. ومصنفاته كثيرة لكنه كثير الوهم، وكان لحنة، (١) ويصحّف، ويرى إباحة السماع (٢)، ومولده سنة ثمان وأربعين، وأربعمائة. قال ابن شيرويه - في تاريخ همذان -: ابن طاهر سكن همذان، وبنى بها دارا، وكان ثقة حافظا، عالما بالصحيح والسقيم، حسن المعرفة بالرجال، والمتون، كثير التصانيف، جيد الخط، لازما للأثر، بعيدا عن الفضول والتعصب، خفيف الروح (ص ٢١٠) قوي السير في السفر. قال شجاع الذهلي (٣): مات عند قدومه بغداد من الحج يوم الجمعة في ربيع الأول سنة سبع وخمسمائة.
следующие страницы →